Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
نداءات الفريقين في الجنة والنار
أخبر الله تعالى بنص الآيات أنه سوف يكون بين الفريقين نداءات ثلاثة: الأول: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، انظر يا أخي! إلى هذا النداء بما فيه من السخرية! كان المجرمون من قبل يسخرون في الدنيا من المؤمنين، فإذا بالمعايير تنقلب، وإذا بالمقاييس تتغير؛ فيسخر المؤمنون في ذلك الوقت من أولئك الكافرين الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا، ماذا يقولون وهم في الجنة ما بين أنهارها وبساتينها وأشجارها يطلون على أهل النار؟ وإن كان المشوار طويلاً، لكن الله بقدرته يوصل كلام هؤلاء إلى هؤلاء، وبغية هؤلاء إلى هؤلاء، فيقول أهل الجنة لأهل النار: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً﴾ [لأعراف:٤٤]، وهم يعرفون أنهم وجدوا ما وعدهم ربهم، فيقول أهل النار: نعم، وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، لماذا؟ لأن الله قد أخبرنا خبر صدق في هذه الدنيا؛ فلابد أن يكون حقيقة في الآخرة.
النداء الثاني: يأتي النداء الثاني من قوم بين الجنة والنار، وهم من على الأعراف، والأعراف كما يقول القرآن: مكان مرتفع، وهو في اللغة: المكان المرتفع أيضاً، وهؤلاء أقوام تخلصوا من النار لكن أعمالهم لم تؤهلهم بعد لدخول الجنة، فهم يقفون على الأعراف ينظرون إلى أهل الجنة وإلى أهل النار، ماذا يقول أهل الأعراف لأهل النار وأهل الجنة؟ قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف:٤٨]، جماعة يتألمون بلهب نار جهنم -نعوذ بالله- وقد كانوا في الدنيا معروفين بسيماهم، إذا مر الواحد صفقت له الجماهير، وفتحت له الطرق، لكن لم تخلصهم هذه السلطة ولا هذه المكانة من عذاب الله ، ولذلك فإن أصحاب الأعراف يسخرون منهم: أين الهيمنة في الدنيا؟ وأين تلك الموائد؟ وأين تلك الجماهير التي تفدي بالدم وبالروح؟ أين هي الآن؟ لم لا تخلصكم من عذاب الله؟ ماذا يقول أصحاب الأعراف؟ ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨]، أين الجمع؟ أين المال العظيم؟ أين الكبرياء؟ أين العظمة؟ أين الحرس؟ أين الجيش؟ كل ذلك كما يقول الله عنه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]، كما خرجت من بطن أمك بدون لباس قدمت على الله مرة أخرى بدون لباس، ليس هناك ثوب ولا سراويل؛ بل حفاة عراة غرل كما أخبر النبي ﷺ .
ثم يلتفتون إلى أصحاب الجنة فيقولون لأهل النار وهم ينظرون إلى أهل الجنة: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف:٤٩]، كنتم في الدنيا تقولون: إنهم متطرفون، ومنحرفون، وضالون، وكنتم تودعونهم السجون، وتسلطون عليهم كل وسائل العذاب والدمار، وتضلونهم في الدنيا، انظروا إليهم الآن في الجنة: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ)، كنتم في الدنيا تقولون: هؤلاء لا يستحقون الرحمة، قال لهم الله : ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٩].
إذاً: تغيرت المعايير، وأصبح الرجل الضعيف الذي كان في الدنيا مدفوعاً بالأبواب، نجده في ذلك اليوم قد أصبح رجلاً عظيماً عملاقاً، أصبح ينظر ويطل على أهل النار ويسخر منهم ينظر إلى أولئك الطغاة والمتكبرين والفسقة والعتاة، فيجدهم يتقلبون في نار جهنم ويلاقون الحسرة.
النداء الثالث: ويأتي بعد ذلك من أهل النار، وهو المرحلة الأخيرة، فأهل النار وهم في أشد العذاب -نسأل الله لنا ولكم العافية وللمسلمين- لا يجدون سلطة ولا مكانة، ولا يفكرون في كراسيهم ولا مراكزهم ولا سلطانهم ولا أموالهم ولا قصورهم، وإنما يفكرون فقط في أحد شيئين: إما في شربة من الماء يسدون بها العطش الشديد، وإما في أي شيء من أشياء هذا النعيم الذي يتمتع به أهل الجنة، ولذلك يمدون أكف الذل والمهانة إلى أهل الجنة: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٠]، لكن هل تظنون أن أهل الجنة الذين كانوا يعيشون معذبين تحت مطارق هؤلاء من أهل النار أنهم سيعطونهم شيئاً من الماء أو مما رزقهم الله؟ لا، لقد استهلكوا كل حسناتهم ونعيمهم، وعجلت لهم في الدنيا؛ فأصبحوا الآن يقاسون كل أنواع العذاب، ولذلك يرد عليهم أهل الجنة بقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:٥٠ - ٥١].
هكذا تصور لنا هذه الآيات في سورة الأعراف هذا الموقف العجيب، أمم في الدنيا تسير وراء أمم على غير بصيرة؛ فتجتمع جميعاً، وتكون كلها جثياً لنار جهنم، وأمم يخلصها الله لا بعقليات كثيرة، وإنما بتوفيق من الله ، فإذا بها تصبح في القمة في ذلك الوقت، وأمم في الدنيا كانت لها هيمنة ومكانة وسلطة وحشم وحرس، فإذا بها اليوم تقول لأصحاب الجنة وللفقراء المسلمين: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ)، فيردون عليهم بالرفض: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ).
إذاً: أيها الإخوان! هذا موقف ومشهد عظيم من مشاهد يوم القيامة، لا يجوز لنا أن نغفل عنه أو أن نتغافله؛ لأن مثل هذا الموقف نحتاج إليه دائماً، ونحن اليوم أحوج ما نكون إليه ونحن نعيش في أمة قد علا فيها الطغيان وانتفخ وعظم أمره، ونرى كثيراًَ من المؤمنين -الذين هم من خير عباد الله- يعيشون معذبين تحت مطارق الكافرين، ولكن المؤمن عليه أن يثبت في طريقه، ويصبر ويحتسب.
стр. 1227
تلاوم الأتباع والمتبوعين في النار
في سورة الصافات موقف آخر يشبه هذا الموقف، يقول الله عن هذا الموقف: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الصافات:٢٢]، معنى احشروهم أي: اجمعوهم بقوة، ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢]، أي: أشكالهم ونظراءهم ومن يشابههم في المبادئ والأفكار وما أشبه ذلك: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٣]، من أصنام وآلهة وزعماء كانوا يشرعون لهم من دون الله، والمراد بالحشر: السوق بشدة، والجمع في مكان ضيق، بحيث يزدحم بعضهم مع بعض: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٣]، أي: دلوهم إلى طريق جهنم، أيضاً: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، حتى قبل دخول النار هناك سؤال، ولكنه سؤال يختلف عن الأسئلة كلها، سؤال لا يحتاج إلى جواب؛ لأنه سؤال تبكيت وتوبيخ، وحينما يوبخ وهو على حافة جهنم يزيد الألم معه أكثر من ذلك، ولذلك يقول الله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٥]، يعني: في الدنيا كنتم تتناصرون، وكان أحدكم إذا قام وأعلن الباطل وانتفخ باطله، طوقه أقرانه وناصروه، فإذا بكم اليوم لا تناصرون، وكل إنسان يستقل بنفسه، ولا يفكر إلا في نفسه، لماذا لا تتناصرون اليوم؟ أين نصرتكم التي كانت في الدنيا؟ وأين دفاع بعضكم عن بعض؟ كان أحدهم إذا كتب عن سوء في صحيفة أو كتاب أو مجلة، فإذا بشياطين الإنس والجن كلها تتعاون في مساعدة هذا الباطل وفي الدفاع عنه، كان أحدهم في الدنيا يزعم أنه يفدي ذلك الإنسان بكل ما يؤتى من قوة، فإذا بكل واحد منهم الآن يستسلم، يقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٦]، أي: لا أحد يدافع عن أحد.
بعد ذلك أخبرنا الله بأن هناك موقفين: فيقول عن الموقف الأول في تلك اللحظة: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧]، انقسموا الآن إلى قسمين، فذهب أهل النار إلى النار، وذهب أهل الجنة إلى الجنة، (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ)، وهذا تساؤل لوم وعتاب، كل واحد يلعن الآخر ويسب الآخر: أنت الذي أغويتني، أنت الذي كنت سبباً في شقائي إلى آخر ذلك، (قَالُوا)، أي: قال بعضهم لبعض: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨]، يقول الأتباع للمتبوعين: كنتم أيها المتبوعون تأتوننا عن اليمين، هم لم يقولوا لهم: اسلكوا معنا طريق جهنم، ولكن يقولون لهم: هذا هو طريق السعادة.
هذا هو طريق الرقي والتقدم.
أما إذا سلكتم ذلك الطريق فأنتم رجعيون متخلفون، اسلكوا معنا هذا الطريق السديد، ولربما يقول بعضهم لبعض: هذا هو الطريق في أمور تشبه الطريق الصحيح، وإذا نظرنا إلى باب البدع والخرافات والشرك نجد أن كثيراً من الناس اتبعوا آخرين في طريق يشبه طريق العبادة، لكنه في الحقيقة طريق مسدود، وليس طريقاً إلى الجنة، بل طريق إلى النار.
ماذا يقول بعضهم لبعض وهم يتلاومون في جهنم؟ ﴿قالوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، أي: عن طريق الطاعة لا عن طريق المعصية، ماذا يرد عليهم أولئك؟ ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:٢٩]، أي: أنتم ما كنتم مؤمنين أصلاً، أنتم ضالون ونحن ضالون، فضللنا جميعاً الطريق، ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات:٣١]، أي: كلنا أصبحنا نذوق هذا العذاب جميعاًً.
стр. 1228
تساؤل أهل الجنة في الجنة
ومثل هذا التساؤل تساؤل آخر في الجنة تقصه علينا نفس الآيات في سورة الصافات أيضاً، يقول الله بعد ذلك: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ [الصافات:٥٠] أهل الجنة وهم في الجنة، وذلك لما انتهى التساؤل بين أهل النار جاء التساؤل بين أهل الجنة، ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠]، أي: أهل الجنة، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١]، يقول: في يوم من الأيام كان لي صديق، وانتبهوا في اختيار الأصدقاء! كان لي صديق مشيت معه مدة من الزمن، وكان يقول: لا يوجد بعث ولا جنة ولا نار ولا عذاب، ودعنا نمتع أنفسنا ونتمتع بشبابنا وشهوات الحياة، والعمر ينقضي والشهوة تنقضي.
هكذا كان حاله مدة من الزمن، وحال هذا يشبه حال دعوات تقوم الآن في أيامنا الحاضرة.
يقول بعضهم لبعض: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢]، فأراد الله وصف حال هذا الصديق الذي أغواه صديقه، فأراد الله الهداية للثاني حتى يتعظ من الأول، وقيض الله له رجالاً صالحين انتشلوه من هذا الموقف فأخذوه إلى طريق الجنة، ولذلك هو يعبر بنفسه عن هذا الموقف فيقول: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢]، أي: هل تصدق ببعث وجنة ونار؛ فهو ينكر هذه الأشياء كلها.
بعد ذلك يقول لأصدقائه في الجنة الذين هداه الله على أيديهم، فذهبوا جميعاً إلى الجنة، يقول: ابحثوا لي عن هذا الصديق الذي كان في الدنيا يريد أن يغويني، ويريد أن يوردني المهالك، ويريد أن يكبني في النار، فصاروا يبحثون عنه وينظرون إليه من شرفات الجنة، فيجدوه يتقلب في نار جهنم -نعوذ بالله- فيطل عليه ويسخر منه، اسمعوا ماذا يقول الله : ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٤]، أي: أنه رأى ذلك الرجل الذي كاد أن يكون سبباً في شقائه في ذلك الموقف، رآه يتقلب في وسط جهنم، ماذا قال له؟ ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦]، يا عدو الله! كدت أن تدخلني معك النار، لولا أن الله تعالى رحمني بلطفه وهدايته، ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات:٥٧] بأن هداني، ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧]، لكنت مثلك اليوم، ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات:٥٨]، أنت في الدنيا تقول: ما نحن بميتين ولا بمبعوثين، والدنيا لا تنتهي، فالآن انتهت الدنيا وجاءت الحياة الآخرة، ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩]، ثم يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات:٦٠]، هذه هي البداية الصحيحة التي أنقذت مثل هؤلاء من عذاب أولئك.
هذا موقف علينا أن نهتم به، لاسيما وأننا نبتلى اليوم بجلساء وأصدقاء أشقياء يوشكون أن يكونوا سبباً لدمار وهلاك كثير من الناس، إذا لم يهيئ الله لهم أسباب الهداية، ويقيض الله لهم جلساء صالحين فينقذونهم من مثل هذه المآزق التي تكاد أن تمزق كثيراً من الشباب اليوم شر ممزق.
стр. 1229
شهادة الأعضاء على صاحبها يوم القيامة
هذا مشهد من مشاهد يوم القيامة أيضاً يصور لنا ما هو أعجب من ذلك!! يصور لنا هذا الإنسان وقد وقف على حافة جهنم، تشهد عليه أعضاؤه بكل أفعاله، حينئذ كيف يستطيع أن يتخلص من شهادة هذه الأعضاء، ويتعجب كيف تشهد هذه الأعضاء! ثم بعد ذلك يزيل الله تعالى هذا العجب بأنه ليس عجيباً أن تشهد الأعضاء؛ لأنك في الدنيا ما كنت تختفي عنها، بل كانت هي التي تمارس المعصية، وتزاول الإثم.
يقول الله عن هذا الموقف الرهيب من مواقف يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ [فصلت:١٩ - ٢٠]، يعني: حتى إذا جاءوا جهنم ووقفوا على حافتها، ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ﴾ [فصلت:٢٠ - ٢١]، من باب التعجب: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٢١]، أي: وأنتم ستلاقون العذاب، ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١]، ثم يرد الله تعالى عليهم فيقول: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ [فصلت:٢٢]، في الدنيا إذا أردتم فعل المعصية وممارسة الإثم ما كنتم تستترون وتختفون عن عين الله ، بل الله كان يراقبكم، وما كنتم تستترون أيضاً عن أعضائكم؛ إذ هي التي كانت تمارس المعصية، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٤].
هذا موقف يجدر بك أن تتصوره وأنت تمارس المعصية من معاصي الله ، أو وأنت تتخلف عن واجب من واجبات الله التي افترضها الله عليك، وتصور أقرب حاسة وأدناها وأبسطها عندك أنها تشهد عليك، وحينئذٍ لا تستطيع أن تتخلص من شهادتها يوم القيامة ولا أن تمنعها؛ لأن الله تعالى يعلم هذه الأشياء قبل أن تعملها الجوارح.
стр. 1230
قيام الساعة وأهوالها
موقف آخر من مواقف يوم القيامة، يقول الله عن هذا الموقف، وهو يصور لنا هذه الدنيا وهي في ضجة ورجة شديدة، وذلك حنيما تقوم الساعة وتتغير أنظمة هذا الكون، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١]، والزلزلة معناها: الرجة الشديدة، ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ [الحج:٢]، يعني: الساعة، ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج:٢]، من يتصور أن الأم وهي أشفق الناس بولدها تنشغل عنه بشيء من الأشياء؟! ولكن يوم القيامة لشدته ولهوله ولعظمته تذهل هذه الأم المرضعة عما أرضعت وهو ولدها! بل إذا كان ولدها في جوفها فإنها تضعه قبل أن تتم المدة لماذا؟ لأن عذاب الله شديد: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
أيها الإخوان! هذا الموقف الذي يصل إليه الناس وهم مرتبكون، وهم في أشد وأحلك وأصعب ساعات حياتهم، وهم يسمعون القيامة بآذانهم، ويشاهدونها بأعينهم، ويرون هذه الأمور التي تحدث، والتي لا تطيق الأسماع أن تسمعها، ولا الأبصار أن تدركها، يرونها رأي العين ويسمعونها سماعاً حقيقياً؛ لأن هذا وعد لا يمكن أن يتخلف أبداً.
стр. 1231
ساعة الموت والقدوم على الله تعالى
يشبه هذا الموقف أيضاً قول الله وهو يصور لنا ساعة الموت، وساعة القدوم على الله ، وساعة الحساب في سورة (ق)، فيقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [قّ:١٦ - ١٩]، كأن الإنسان قد شرب خمراً؛ لأنه قد ذهب عقله، وفقد توازنه، ولذلك فإن الله سمى ساعة الموت سكرة، فقال: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)، أي: أنها شيء ثابت لابد منه أن يقع.
ثم يقول الله عن هذه السكرة وعن هذا الموت: (ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، يعني: مضى عمرك وأنت تحيد عن الموت، إذا قيل لك: إن في هذا الطريق خطراً سلكت طريقاً أخرى، حتى لا تقع في الخطر، وحتى لا يصيبك الموت، وإذا قيل لك: إن فيك مرضاً خبيثاً؛ ذهبت تعالج نفسك، ولا تلام على ذلك، وإذا قيل لك: إن هناك خطراً في مكان ما؛ هربت من هذا المكان، كنت تحيد، لكنك اليوم لا تحيد؛ لأن الموت قد حان أجله وجاء موعده؛ فأصبح لزاماً أن تتجرع كأس الموت، ولذلك الله تعالى يقول: (ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ).
والموت بداية وليس نهاية، وإن كان الموت نهاية في نظر الملاحدة الماديين الذين ينكرون حياة الآخرة؛ فإنه في نظر المؤمنين بداية لا نهاية، ولذلك ذكر الله تعالى البداية مع هذه الصورة التي قد صورها الملاحدة فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [قّ:٢٠]، أي: بدأت حياة أخرى، والصور أخبر رسول الله ﷺ بأن الملك ينتظر أن ينفخ فيه، فينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع، ثم نفخة الفناء، ثم نفخة القيام من القبور.
هذه النفخات الثلاث ذكرها الله تعالى في القرآن: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل:٨٧]، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، وعلى هذا فإن الله يقول: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [قّ:١٩] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [قّ:١٩ - ٢٠]، اليوم الذي وعد الله هؤلاء الناس.
يروى أن عائشة ﵂ لما حضرت أبا بكر الوفاة كانت عنده، فلما غشي عليه تمثلت بقول الشاعر: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر أي: حشرجت الروح عند الخروج، فقال ﵁: يا ابنة الصديق! لا تقولي هكذا، ولكن قولي كما يقول الله : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢١]، سائق يسوقها إلى المحشر من الملائكة، (وشهيد): يشهد على أعمالها، وقد كان في الدنيا يحصي أعمالها وحسناتها وسيئاتها، ولذلك فإنه يشهد عليها يوم القيامة، ماذا يقال له وهو في هذا الموقف الحرج الشديد؟ ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٢]، كنت في الدنيا مشغولاً بمالك، وبعمائرك، وبسلطانك، وبمركزك، وبترفك ولهوك ولعبك ومعصيتك، كنت في غفلة فكشف عنك هذا الغطاء، فليس اليوم بينك وبين الحياة الآخرة إلا هذا الغطاء، وليس بينك وبين كشف هذا الغطاء إلا لحظة الموت؛ فإن لحظة الموت هي التي تنقلك نقلة بعيدة من الدنيا إلى الآخرة، وتزيل هذا الغطاء الذي قد وضع على وجهك؛ فأصبحت تسمع عن الحياة الآخرة لكنك لا تراها بعينيك، لكن اليوم أصبحت تراها؛ لأن بصرك اليوم حديد -حاداً قوي- فبصرك في الدنيا كان ضعيفاً لا ترى به الحياة الآخرة، لكن اليوم أصبح بصرك حاد فأصبحت ترى الحياة الآخرة، ما رأيك في هذا؟ بعد ذلك يبدأ الخصام بينه وبين الملك: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق:٢٣]، يعني: هذه سيئات هذا الرجل وهذه حسناته، هذه أعماله أمام الله في سجلات محفوظة.
ثم يقول الله بعد ذلك: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق:٢٤]، وألقيا بألف الاثنين، أو ألقيا معناها ألقين، وهذا التساؤل من الملائكة إلى الله ﴿فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤]، أول من يدخلون النار الذين يكفرون نعمة الله، ويجحدون حق الله، ويعاندون الله ورسله وأنبياءه وأولياءه، ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق:٢٤ - ٢٦].
بعد ذلك يبدأ الخصام بينه وبين قرينه في الدنيا، سواء كان من شياطين الإنس أو شياطين الجن، يقول الله : ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق:٢٧]، يعني: ما أنا الذي أضللته بل هو كان ضالاً بطبيعته، ثم يرد الله عنهم جميعاً فيقول: ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [قّ:٢٨ - ٣١].
هذا أيضاً موقف لا يجوز لنا أن نغفل عنه، بل نتصوره؛ لأنه يصور لنا ساعة الموت وساعة القدوم والصحف التي سجلت لنا أو علينا.
стр. 1232
خراب الكون واختلال نظامه
الموقف الأخير الذين نختم به هذا الحديث: موقف يصور لنا هذا العالم بنجومه وكواكبه وأفلاكه ونظامه ودقته وقد خرب هذا النظام كله لماذا؟ لأن هذا النظام متاع للحياة الدنيا، وحينما ينتقل الناس من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة يفسد هذا النظام كله ويتساقط.
يعبر الله عن هذا الموقف بقوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:١ - ٤]، ويقول الله في سورة أخرى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٤]، إلى آخر الآيات.
هذا الأكوان أيها الإخوان! خلقت لمدة محددة، وحينما ينتهي وقتها فإن النجوم تتساقط على الأرض، ثم لنتصور هذه البحار وقد أشعلت وأصبحت ناراً تتلهب، ثم تصوروا هذه الأرض وقد مدت وأصبحت واسعة تتسع لهؤلاء الخلائق، منذ أن خلق الله هذا الكون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تصوروا هذه الأنظمة وقد تعطلت وتبدلت وتغيرت.
ثم عليك يا أخي! أن ترجع لأمر واحد مهم، وهو أن تعتبر هذه الأشياء سبيلاً إلى الحياة السعيدة، وإلى تلكم السعادة.
إخواني في الله! ربما يستعمل طائفة من الناس شيئاً من المقاييس المادية، وحينئذٍ تكون هذه المقاييس سبباً في ضلالهم وشقائهم، وحينئذٍ ينكرون الحياة الآخرة، فيخسرون الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، أما الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها، فإن هذا وعد الله الذي لا يتغير.
هذا أولاً.
ثانياً: أن الحكمة تقتضي بأن تكون هناك حياة آخرة، وأن تكون هناك حياة برزخ، وأن تكون هناك جنة ونار، المنطق والعقل والحكمة كلها تقضي بذلك، وإلا فلا فائدة في هذا الوجود، والله منزه عن العبث، ولذلك يقول : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]، فالدنيا وما فيها من أنظمة، وما فيها من أدلة، كلها تدل على أن هذا الإنسان لم يخلق عبثاً، ولم يترك سدى.
وعلى ذلك فإنه لا يتصور وجود عاقل يبني قصراً ثم يدعه للجرذان تعبث فيه، وإنما لابد أن يصون هذا القصر، والله هو الذي خلق هذه الحياة الدنيا، وإنما خلقها لتكون وسيلة وجسراًَ وممراً للحياة الآخرة، فنملأ قلوبنا يا معشر الشباب! بالإيمان بتلك الحياة الآخرة، ولنتصور أنفسنا ونحن واقفون بين يدي الله للحساب وهو يناقشنا ويحاسبنا، ونتصور حقيقة أن هذا الكون كله إنما خلق من أجلنا، وأننا خلقنا من أجل أمر عظيم ومهم، لذلك لا نغفل عن الحياة الآخرة، وما ضل ضال عن الطريق، ولا انحرف منحرف، ولا أخطأ مخطئ إلا لغفلته عن هذه الحياة الآخرة، وبمقدار ما يغفل الناس عن هذه الحياة الآخرة تكون المصائب التي لا تساويها مصائب، وبمقدار ما يؤمن الناس بهذه الحياة الآخرة، تعود المياه إلى مجاريها، ويكون الإنسان إنساناً طبيعياً محترماً ملتزماً متزناً.
وإذا أردت دليلاً على ذلك: فانظر إلى هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، وانظر إلى أعمالهم، الوحوش والله لا تستطيع أن تفعل مثل أفعالهم، لو نظرنا إلى ما يفعله الروس الشيوعيون الملاحدة في بلاد أفغانستان؛ لعرفنا أن الإيمان بالحياة الآخرة أمر ضروري لو لم يكن لوجب أن يكون، أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة والله لا تستطيع الوحوش الكاسرة أن تفعل مثل أفعالهم، لم يستطيعوا أن يبيدوا هذا الإنسان بالآلاف وبالمئات وبالملايين إلا لغفلتهم عن الإيمان بالحياة الآخرة وإنكارهم لها، ثم انظر يا أخي! إلى هؤلاء الذين قلدوا الملاحدة في إلحادهم؛ فأنكروا الخالق ، وأنكروا نواميس كل هذه الحياة؛ انظروا إليهم ماذا يفعلون بالمؤمنين، ثم انظر أخرى إلى هؤلاء الطغاة المتجبرين الذين فقدوا هذا الإيمان.
ومن هنا ندرك أن الإيمان لذة ومتعة، وأن الإنسان لا يمكن أن يكون إنساناً حتى يؤمن بالحياة الآخرة، لكنه حينما يغفل أو ينكر الحياة الآخرة، فإنه شر خلق الله؛ فهو شر من الحشرات والوحوش، ولذلك يقول الله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٥٥]، ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، ولذلك لا نستغرب هذه الأفاعيل التي تحدث من ظلم الناس اليوم على أيدي أولئك الكفرة الملاحدة؛ لأنهم بمقدار ما يغفلون ويبتعدون عن الإيمان بالحياة الآخرة تعود إليهم شيطانيتهم، وتعود إليهم وحشيتهم وأفعالهم التي ينكرها العقل والضمير.
أسأل الله تعالى أن يثبت أقدامنا، وأن يحفظ إيماننا حتى نلقى الله مؤمنين، كما أسأله سبحانه أن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1233
الأسئلة
стр. 1234
ترتيب مواقف يوم القيامة
السؤال
ما هو ترتيب مواقف يوم القيامة حسب ما ورد في الشرع؟
الجواب
يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً﴾ [الانشقاق:٨ - ١١] إلخ.
يأتي بعد ذلك وزن الأعمال، هذه الأعمال التي في الصحف توزن، والوزن موقف من مواقف يوم القيامة ورد خبره في القرآن والسنة، يقول الله عنه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:٨ - ٩]، ويقول الله أيضاً عن الوزن: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦ - ٧]، إلى آخر الآيات.
ويأتي بعد الوزن الصراط، والصراط: جسر ممدود على متن جهنم، بعيد المدى، يعبر عليه الناس بقدر أعمالهم، ويعطى كل واحد منهم نوراً يسير به على هذا الصراط، فيؤمرون بالعبور على هذا الصراط، والعبور على الصراط معناه التنقية، أي: تمييز أهل النار من أهل الجنة، فمن وقع في النار فهو من أهل النار، ومن سلم حتى عبر هذا الصراط فهو من أهل الجنة، إلا إذا كان من أهل الأعراف الذين أشرت إليهم أولاً، وأهل الأعراف أيضاً مصيرهم إلى الجنة، كما تدل على ذلك الآيات؛ لأن كل من عبر على الصراط لا يمكن أن يرجع إلى النار أبداً.
وقبل ذلك الحوض، والحوض لا يكون إلا للمؤمنين، ولا يرده إلا هم.
هذه هي المواقف حسب ترتبيها كما يدل على ترتيبها الشرع، والله أعلم.
стр. 1235
موقف الناس يوم القيامة
السؤال
أين يقف الناس يوم القيامة؟
الجواب
كل الناس يوم القيامة حينما يبعثهم الله يحشرون ويصفون في مكان واحد وهو مكان الحساب، كما تدل عليه الأدلة، فيوقفون مدة من الزمن، وتدنو الشمس من الرءوس كما في الحديث، ويلجمهم العرق من شدة الحر، ثم بعد ذلك يستغيثون بالله ، ويطلبون من الأنبياء أن يشفعوا لهم، فآخر من يشفع وتقبل شفاعته محمد ﷺ ، ثم يكون بعد ذلك الحساب.
стр. 1236
كلام الناس يوم القيامة
السؤال
ماذا يقول الناس يوم الجزاء أو القيامة؟
الجواب
بالنسبة لغير المؤمنين أثبت الله تعالى بأنهم لا يتكلمون قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [النبأ:٣٨]، ولا يسألون أيضاً، ولا يطلب منهم الجواب عليها، وإن كان هناك أسئلة لكن لا يطلب منها لها جواب: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج:١٠]، وقال: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]، فليس هناك سؤال، وإذا كان هناك سؤال فإنه لا يراد له الجواب، وإنما هو سؤال توبيخ.
стр. 1237
كيفية حشر الناس يوم القيامة
السؤال
كيف يحشر الناس يوم القيامة؟
الجواب
معنى يحشر الناس، أي: يجمعون والحشر معناه: الجمع في اللغة والاصطلاح، يقول الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات:٣٨]، فهم يجمعون في مكان واحد كما تدل على ذلك الأدلة، ينفذهم الصوت ويسمعهم الداعي، وعلى هذا فإنهم يحشرون على طبقات كما أخبر الرسول ﷺ ، طبقة واقفون، وطبقة راقدون، وقوم -نسأل الله العافية- يسحبون على وجوههم، كما أخبر الله عنهم أنهم يسحبون في النار على وجوههم، هذه طريقة الحشر تكون على ثلاث مراتب كما أخبر الحديث.
стр. 1238
مكان الرسل يوم القيامة
السؤال
أين يكون الرسل والأنبياء يوم القيامة؟
الجواب
بالنسبة للحشر فهم مع الناس، أما بالنسبة للصراط فقد ورد في الحديث أنهم يكونون على جنبتي الصراط ويتكلمون ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل، ويقولون: اللهم سلم سلم، هذا كلام الرسل، والرسول ﷺ واقف يبحث عن أمته، ولذلك فإنه يقف على حوضه كما ورد في الحديث، ثم يأتي أقوام من أمته ﷺ فيصرفون عن الحوض، فيقول الرسول ﷺ : (فأقول: يا رب! أمتي أمتي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم)، وكل ذلك يدل على أن الرسل يكونون مع الناس، لكنهم يكونون في مقام الشفاعة لأممهم.
стр. 1239
تنقية أهل الجنة عند القنطرة قبل دخول الجنة
السؤال
قرأت في أحد أحاديث الرسول ﷺ عن وجود ما يعرف بقنطرة، فما هي القنطرة؟ وهل هي بعد الصراط كما أشار الحديث؟
الجواب
هذه القنطرة يقولون: هي موضع للتنقية؛ لأن أهل الجنة قد تكون فيما بينهم حقوق لبعضهم، وكلهم يستحق دخول الجنة، أي: أن هذه الحقوق لا تحول بينهم وبين دخول الجنة، وعلى ذلك فإن هذه القنطرة تعتبر موضعاً للتنقية، بحيث يقتص لبعضهم من بعض قبل أن يدخلوا الجنة، وينقون قبل أن يدخلوا الجنة، فإذا نقوا وأخذ نصيب بعضهم من بعض، أذن للجميع من له أو عليه حقوق بدخول الجنة، لكن ذلك كله يكون في الحقوق التي لا تصل إلى إحباط الأعمال، وإنما هي حقوق محدودة، تنقى في هذه القنطرة التي تكون بين الجنة والنار، كما دلت على ذلك الأدلة.
стр. 1240
أحوال أخبار الفاسقين في نصوص الشرع
السؤال
ذكر الله تعالى في كتابه أحوال المؤمنين الخلص، وأحوال الكافرين الخلص في الآخرة، لكننا لا نجد الكلام على الفاسقين من أهل الملة، فما هي الحكمة من ذلك؟
الجواب
لا؛ بل نجد أخبار الفاسقين، كما نجد أخبار الكافرين والمؤمنين، فالناس على ثلاث طبقات: طبقة مخلدة في نار جهنم: وهم الكافرون والمشركون، والذين يموتون على غير الملة، وطبقة في الجنة: وهم المؤمنون الموحدون الذين تخلصوا من المظالم والحقوق والمعاصي، وطبقة ثالثة: وهم المؤمنون الموحدون الذين لهم شيء من المعاصي، ذكر الله تعالى أخبارهم في القرآن، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢]، وقد قال الله تعالى عنهم بعد ذلك: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان:٦٨]، وذكر الله تعالى كثيراً من أخبار الذين يفعلون المعصية، لكن ذنوبهم تحت مشيئة الله تعالى وإرادته، فما داموا قد ماتوا على التوحيد وعلى ملة الإيمان بالله وعليهم معاصٍ وحقوق، فهذه الحقوق إما أن تؤخذ حسنات مقابل هذه السيئات وهذه الحقوق، وإما أن تكون حقوقاً لله ، وإذا كانت حقوقاً لله فإنها تبقى تحت مشيئة الله وإرادته، إن شاء عذب هؤلاء إذا كانت لهم الكبائر العظيمة، ثم يكون مصيرهم إلى الجنة، وإن شاء غفر لهم، وأشار الله إلى ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقوله تعالى: (ما دون ذلك)، أي: ما دون الكفر والشرك، وقوله تعالى: (لمن يشاء) أي: لمن أراد أن يعفو عنه، أما من لم يعف الله عنه فإنه قد يعاقبه بمقدار ذنوبه، ثم يكون مصيره إلى الجنة.
стр. 1241
المقصود بيوم القيامة
السؤال
هل المقصود بيوم القيامة ما يحصل من التغيرات الكونية حال قيام الساعة، أم المقصود ما يقع من أحداث بعد نفخة البعث، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
الجواب
الذي يظهر والله أعلم أن يوم القيامة يبدأ من الموت إلى ما لا نهاية له، كله يسمى يوم القيامة كما دلت الأدلة على ذلك، كما أنه يطلق على قيام الساعة التي هي لحظة بعث الإنسان تسمى: يوم القيامة، كما أنه يطلق على البعث ويسمى يوم القيامة والحياة الآخرة.
стр. 1242
نصيحة لمن يسمع أهوال الآخرة فلا يخشع
السؤال
من لا يتأثر بالحديث عن أهوال يوم القيامة، هل يكون عليه شيء من الذنب؟ وماذا تنصحه أن يعمل حتى يخشع قلبه لهذه الأهوال؟
الجواب
المؤمن بطبيعته إذا سمع مثل هذا الحديث، ومثل هذه المواقف، لابد أن يخشع، وإذا كان من الناس من ابتلي بأنه لا يخشع فعليه أن يراجع إيمانه، وعليه إذا سمع ذكر يوم القيامة أن يتصور المواقف، لا أن تمر عليه فقط، بل لابد أن تنفذ إلى قلبه، فيصور نفسه وهو واقف بين يدي الله، وبين كفتي الميزان، وعلى حافة الصراط، ويسير على الصراط، ويخرج من قبره إلخ، يتصور هذه المواقف فيخشع قلبه لا محالة إذا تصور هذه المواقف، أما أن يسمعها كأخبار وكقصص؛ فإن هذه الأشياء قد لا تؤثر فيه.
стр. 1243
كيف يجد الإنسان لذة الإيمان ؟
السؤال
كيف يجد الإنسان لذة الإيمان؟ فأنا شاب متدين ولا أزكي نفسي، ولكني لا أجد في الحقيقة اللذة التي أخبرت عنها، والجنة التي ذكرها ابن القيم ﵀ في الدنيا، مع العلم أنني أحاول جاهداً البحث عن هذه اللذة، ما هو الطريق الصحيح لهذه اللذة، حفظكم الله ورعاكم؟
الجواب
هذه اللذة لا تحتاج إلى بحث؛ لأنها مثل الإيمان، تصور يا أخي! حال اثنين: أحدهما يؤمن بالحياة الآخرة، والثاني لا يؤمن بالحياة الآخرة، وكل واحد منهم أصابته مصيبة، تجد أن الذي لا يؤمن بالحياة الآخرة يعيش بقلق، لماذا أصابه هذا المرض؟ ولماذا أصابته هذه الفاقة؟ أما الثاني: فإن اللذة تبرز حينما يقول: الحمد لله ما دامت ما أصابتني هذه النعمة في الدنيا، وما دمت حرمتها في الدنيا فلن أحرم منها في الآخرة إن شاء الله، وما دامت أصابتني هذه المصيبة فأنا أحتسب أجرها عند الله ، هذه هي حقيقة المتعة واللذة.
ولذلك قلت لكم: إن الأمم التي لا تؤمن بالحياة الآخرة هي التي لا تتخلص من مشاكل الحياة إلا بالانتحار، فأقول: إن لذة الإيمان أمر لا يحتاج إلى بحث وجهد، وإنما هو بطبيعته يبحث عن الإنسان، وحياة المؤمن دائماً يشعر فيها بهذه اللذة، لكن لو أن واحداً من الناس يعتبر نفسه مؤمناً ولكنه لا يشعر بهذه اللذة، فنقول له: يا أخي! عالج نفسك وعالج قلبك، أكثر من تلاوة القرآن، تتبع أخبار يوم القيامة وأخبار الحياة الآخرة، وابحث عنها وصورها أمامك، وحينئذٍ تجد هذه اللذة، وتجد لذة الخلود التي لا يشعر بها إلا المؤمنون، وأما غير المؤمنين فليس لهم خلود إلا في نار جهنم، أما المؤمنون فإنهم يشعرون بالخلود؛ لأن الموت لا يعتبرونه فناء أو نهاية، وإنما يعتبرونه بداية النعيم بالنسبة لهم، ومن هنا تبرز هذه اللذة في حياة المؤمن.
стр. 1244
معنى قوله تعالى: (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين)
السؤال
قال تعالى في سورة غافر: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]، فما هي الموتتان وما هي الحياتان؟
الجواب
هذه السورة لا يقال لها: الزُمُر، وإنما يقال: الزُمَر؛ لأن الزمَر جمع زمرة، والزمرة هي الجماعة، وقولهم: (أمتنا اثنتين) الموتة الأولى: في الرحم، والموتة الثانية في الدنيا، (وأحييتنا اثنتين) الحياة الأولى في الرحم حينما نفخ الله تعالى فيه الروح، والحياة الآخرة في البعث، ومع ذلك هم في الدنيا لا يعترفون إلا بموتتين وحياة واحدة، وينكرون حياة البعث، فالآن اعترفوا بحياة ثانية فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]، ومعنى ذلك: أننا اعترفنا الآن بأن هناك بعثاً بعد الموت، هذا معنى الآية.
стр. 1245
مقدار يوم القيامة
السؤال
سمعت من أحد الناس بأن طول يوم القيامة خمسون ألف سنة، فهل هذا صحيح أم لا، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
كيف يا أخي سمعت من الناس؟! نحن سمعنا من القرآن من الله : ﴿في يوم كان مقداره أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥] وغيرها من الآيات، لكن الخلاف: هل الطول في الزمن، أو الطول في الشدة؟ فإذا كان الطول في الزمن؛ فعلى ذلك ستكون ساعات هذا اليوم طويلة، ولكن والله أعلم أن المراد بالطول طول الشدة؛ لأن اليوم الشديد يصبح طويلاً، ولذلك سماه الله تعالى في القرآن: ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧]، ﴿يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٠]، كل هذه الأوصاف في وصف هذا اليوم، ولذلك الله تعالى ما قال: وإن يوماً عند ربك ألف سنة، بل قال: ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج:٤٧]، ولعل المراد هنا بالطول والله أعلم طول الشدة؛ لأنكم تلاحظون في الدنيا اليوم الذي تكونون فيه متمتعين تشعرون فيه بقصر هذا اليوم، واليوم الذي تكونون فيه في تعب ومشقة أو مرض يشعر الإنسان بطول هذا اليوم.
فلعل المراد -والله أعلم- بالطول الطول المعنوي لا الحسي، ولذلك أخبر الله أن المؤمنين هذا اليوم لا يساوي عندهم إلا ساعات قصيرة، مثلما يقيلون في بيوتهم، ففي نصف النهار من أيام الدنيا يكونون قد وصلوا إلى منازلهم، ولذلك يقول الله تعالى عن المؤمنين: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان:٢٤]، ومعنى (مقيلاً): وقت القيلولة، وليس في الآخرة قيلولة، ولا في الجنة قيلولة، لكن مع ذلك معنى القيلولة: النوم وسط النهار، وليس هناك أيضاً نوم في الجنة؛ لأن متاع الجنة لا ينتهي أبداً، ولا ينقطع بنوم ولا بأي شيء آخر، لكن مع ذلك فهم -أي: أهل الجنة- في أقل من نصف النهار يصلون إلى منازلهم.
стр. 1246
معنى قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها)
السؤال
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، هل الآية معناها: أن المؤمن والكافر يدخلون جهنم، أم ماذا؟
الجواب
المراد بالورود هنا: المرور على الصراط، (وَإِنْ مِنْكُمْ) هذا قسم، فالله تعالى يقسم بأن كل الناس يردون جهنم، لكن المراد بالورود: هو المرور على الصراط بالنسبة للمؤمنين، أما بالنسبة لغير المؤمنين فإن الله تعالى قد أخبر فقال: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢]، أي: يكونون حطباً في وسط جهنم، وعلى هذا فإن المراد بالورود هو المرور على الصراط وليس هناك آية تدل على أنه ليس هناك طريق للجنة إلا عن طريق الصراط، الذي قد مد على متن جهنم، فيمر المؤمنون كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاود الخيل، ومنهم من يحبو حبواً، وعلى هذا فإن المراد بالمرور هنا بلا خلاف: العبور على الصراط.
стр. 1247
موقف الشاب الملتزم ممن يسخرون منه لالتزامه بالدين
السؤال
بعض الناس يسخر من الشباب الملتزم وخاصة في أمر اللحية، فماذا تنصحون الشباب الملتزم أن يفعله إزاء ذلك؟
الجواب
إذا وصل الأمر إلى أن يسخر أحدهم من أحد في لحيته، فيكون شرفاً للمسخور به بنص القرآن، الله تعالى قد سمى المسخور به مؤمناً، وسمى الساخر مجرماً، سنة الله تعالى في الحياة قديمة وباقية إلى يوم القيامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩]، انظر إلى لحيته! وانظر إلى ثيابه! أو إلى كذا، هذا كثيراً ما نسمعه في أيامنا الحاضرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠]، كل واحد يغمز للآخر، يقول: انظر إليه! ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٣١]، حتى إذا دخل بيته بدأ يضحك ويقول: فلان طويلة لحيته قصيرة ثيابه! عجيب أمر فلان! حتى إنه ليخبر أهله ولا يكتفي بأصدقائه، ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٣١ - ٣٣]، ولكن إذا تغيرت المعايير يوم القيامة، ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٣٤]، سمى الله تعالى هؤلاء المؤمنين، وسمى أولئك بالكفار نعوذ بالله.
فالسخرية من المؤمنين بسبب إيمانهم خطر عظيم، نحذر من يفعل ذلك من فعله، خصوصاً إذا وصل إلى الطعن في الدين: رجعي متخلف أو ما أشبه؛ لأنه ليس طعناً في الشخص، وإنما هو طعن في دينه، ولذلك الله تعالى سمى الذين يطعنون في الدنيا أئمة الكفر فقال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة:١٢]، وفي قراءة: (إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون)، وعلى هذا نقول: شرف لك يا أخي! أن يسخر بك الفسقة، وخطر عليك أن يكونوا مسرورين منك، فهم لا يخالفونك إلا إذا كنت على حق، ولا يوافقونك إلا إذا كنت على باطل، فلذلك يعتبر هذا شرفاً، وهذه نعمة من الله .
стр. 1248
حكم من أسلم ثم كفر ثم مات على الإسلام
السؤال
إنسان كان مسلماً ثم كفر، ثم رجع إلى إسلامه، فمات على ذلك، هل يكون مسلماً؟ وهل يحبط أجره قبل كفره؟
الجواب
الأعمال بالخواتيم، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، بشرط: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤]، وعلى هذا فإن من آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر، ثم آمن، إن ختم له بالإيمان فنرجو له خيراً؛ لأن الأعمال بالخواتيم، ولكننا نخشى على ذلك المتذبذب الذي لا يثبت على طريقة؛ نخشى عليه من سوء الخاتمة.
وعلى كلٍ فإن الله تعالى يقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً﴾ [الجاثية:٢١]، لا يمكن أن يستويان، لكن ذلك الذي ختم الله تعالى له بخاتمة الإيمان، نرجو له من الله المغفرة، وتتوقع له المغفرة؛ لأن الأعمال بالخواتيم.
стр. 1249
حكم مشاهدة البرامج الإسلامية في التلفاز
السؤال
ما حكم مشاهدة البرامج الإسلامية في التلفزيون؟
الجواب
البرامج الإسلامية هي وغيرها لا نستطيع أن نقول فيها شيئاً، مشاهدة البرامج الإسلامية أمر طيب، ولكن خير للناس أن يأخذوا دينهم من مصدره الأصلي، لا من برامج مختلط خيرها بشرها؛ لأني أخشى أن تكون هذه البرامج إما مدسوس فيها شيء، أو تكون على الأقل ملوثة بما يحيط بها من مسرحيات وأغاني.
стр. 1250
حكم محادثة النساء في التليفون
السؤال
ما حكم مكالمة النساء غير المحارم في التليفون؟
الجواب
إذا كان ليس فيه غزل أو رقة، أو أمور محظورة، فهذا لا بأس به، لا فرق بين أن تكلمها في التليفون، أو من خلف الباب، أو في أي حال من الأحوال، فهذا أمر لا بأس به، بشرط أن لا يصل إلى درجة الأمور المنهي عنها التي قد تحدث المرض في قلوب الناس، خصوصاً إذا كانت المرأة ترقق صوتها أو ما أشبه ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢].
стр. 1251
حكم استعمال عطور النساء للرجال والعكس
السؤال
هل يجوز استعمال عطور النساء للرجال والعكس؟
الجواب
نعم، العطر سواء، بل الرسول ﷺ أخبر بأنه يوم الجمعة إذا بكر ومس من طيب امرأته، فليس هناك عطر خاص بالمرأة، وليس هناك عطر خاص بالرجل، فالأمر مشترك.
стр. 1252
كرامات الجهاد الأفغاني
السؤال
سمعنا عن بعض الكرامات في أفغانستان، نرجو من فضيلتكم أن تتحدث عن هذه الكرامات، ولكم جزيل الشكر؟
الجواب
الكرامة باقية إلى يوم القيامة في أولياء الله الصالحين، هذه لا نتساءل عنها، والمعجزة خاصة بالرسل، والكرامة في الصالحين باقية إلى يوم القيامة، وما يحدث في أفغانستان من الكرامات مما يتحدث عنه بعض الكتاب، أنا لا أقول: كله حقيقة، وإن كان هناك أشياء لا يقرها العقل، لكن أقول: لا شك أن جزءاً منها حقيقة، وذلك أن شعب أفغانستان شعب يستحق -بإذن الله- هذه الكرامات؛ لأنه لا يقاتل في سبيل قومية، ولا وطن ولا دم، ولا عرق أبداً، هذه الأشياء لا نسمع بها بين المجاهدين الأفغان كما نسمع بها بين الفئات الأخرى التي تزعم أنها تجاهد في سبيل الله، وعلى هذا فإني أقول: المجاهدون الأفغان يستحقون منا كل عناية وتقدير، وما يروى عنهم من بعض الكرامات التي تحدث بالنسبة لهم، نحن لا نستنكرها إذا كانت توافق العقل، أما إذا كانت لا توافق العقل فلسنا ملزمين بالتصديق بها.
وعلى كلٍ فإننا نقول: إن بعض الكرامات تحدث حقيقية، كما يحدثنا أشخاص منهم بأنها تحدث، ولكن علينا أيضاً أن نستعمل عقولنا في جزء منها.
стр. 1253
علاج الوساوس في الصلاة
السؤال
إذا شرعت في الصلاة بدأت بي الوساوس من كل جانب، فأرجو أن تنصحني ماذا أفعل، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذه من الأمراض التي تصيب أكثر الناس إن لم تصب كل الناس، وعلى هذا فإني أقول: إن الشيطان حريص على إفساد أفضل عبادة يؤديها المسلم وهي الصلاة، ولذلك فإنه لا يتمكن من المسلم أكثر مما يتمكن منه وهو في وقت الصلاة، ولكن نقول: عليك أن تجاهد هذه الوساوس، وأن تتصور عظمة الموقف، وأنك تقف بين يدي الله ، وأنها فرصة قد لا تتاح لك مرة أخرى أن تقف فيها بين يدي الله ، فلا تضيعها في الوساوس، كما أن عليك أن تنتبه، وعليك أن تخبر عقلك، وبمقدار ما تزيد الوساوس تنقص الصلاة، وإن كانت الصلاة صحيحة إن شاء الله، وبمقدار ما تقل فإن الصلاة تكمل، وعلى هذا فإني أقول: علينا أن نحارب الوساوس ودائماً نخشع، وإذا أردنا أن ندخل في الصلاة فعلينا أن نجرد أذهاننا وعقولنا من مشاغل الحياة الدنيا حتى نتفرغ للصلاة.
стр. 1254
انضباط الصحوة الإسلامية واستقامتها
السؤال
نلاحظ في الوقت الراهن كثرة الشباب المتدين، وهو ما يسمى بالصحوة الإسلامية، ولكن مع الأسف الشديد تم التركيز على كثرة الكم لا على الكيف، فنجد الكثير من الشباب ينقصهم الكثير من أخلاق الشاب المسلم، فما هو الطريق الصحيح لإصلاح هذا الشباب المتدين، والمتقبل للموعظة والنصح؟
الجواب
أنا أخالف الأخ بأن الكم موجود والكيف موجود والحمد لله الآن، وأتوقع أن جل النوعية الموجودة -إن لم تكن كلها- من النوع الجيد، والدليل على ذلك: أن هذه الصحوة الإسلامية ما وجدت في فترة كانت الأمور فيها أبسط وأحسن من ذلك، وإنما وجدت في فترات حينما أصبح الحق لابد أن يظهر، ولذلك فإني أقول: إن هذه الصحوة -والحمد لله- طيبة سواء في كمها أو كيفها، وأرجو الله أن يوفقها للانضباط والاستقامة والالتزام، وأرجو الله أن يحفظها من أعدائها، وأن يزيد في عددها، وأن يقوي شخصية هؤلاء الشباب الذين يتمتعون بهذه الشخصية.
وهذه الصحوة الإسلامية والحمد لله ليست مقتصرة على بلد ما، فكل بلاد العالم نجد فيها هذه الصحوة، حتى في بلاد الكفر والإلحاد نجد أن كثيراً من المسلمين الذين كانوا قد انغمسوا في الرذائل في تلك البلاد، نجدهم الآن -والحمد لله- اتجهوا هذا الاتجاه الطيب المبارك، ونسأل الله لنا ولهم الثبات.
стр. 1255
حكم الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة
السؤال
ما حكم إذا كان الإنسان يصلى وذكر قول الرسول ﷺ ، هل يصلي على النبي ﷺ أم لا؟
الجواب
لا أظن أن ذلك يصح، فالذي ثبت أن الرسول ﷺ كان إذا مر بآية رحمة سأل، وبآية عذاب استعاذ، وعلى هذا فإن الإنسان لا يزيد على ذلك؛ لأن الصلاة يجب أن يكون فيها القول محدوداً وفق الأوامر التي جاءت من عند الله ومن عند رسوله ﷺ ، وعلى هذا فإني أقول: لا نصلي على الرسول ﷺ بألسنتنا وإنما بقلوبنا إذا ورد ذكره في الصلاة؛ لأننا نسمع أن قوماً إذا سمعوا قوله تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٩] قالوا: وعليهم الصلاة والسلام، وأنا لا أرى أن يقولوا ذلك.
стр. 1256
دعاة الضلال
السؤال
من هم دعاة الضلال؟
الجواب
دعاة الضلال هم الذين يسعون لانحراف المسلمين عن الجادة المستقيمة، والذين يريدون أن يدخل الناس في نار جهنم، سواء كانوا من الكافرين أو من المسلمين الذين ينسبون إلى الإسلام والإسلام منهم براء، أو من الذين يفعلون هذه الأشياء بدون إرادة وبدون قصد، ولكنهم يحرفون الناس عن الطريق المستقيم، كل أولئك يسمون من دعاة الضلال.
стр. 1257
ثمرات الإيمان بالآخرة
السؤال
دائماً يذكر الله الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخرة، فما هي ثمرات الإيمان بالآخرة حتى تجعل لها هذه الأهمية، علماً بأن هناك من يؤمن بها ولكن لا يرتدع عن المعاصي؟
الجواب
الإيمان بالله والإيمان بالحياة الآخرة متقاربان؛ لأن كل واحد منهما بيننا وبينه حجاب وستار، والإيمان بالمغيبات شيء واحد، فالذين لا يؤمنون بالآخرة لا يؤمنون بالله ، وقد يؤمنون بالله إيماناً ضعيفاً لكنهم لا يؤمنون بالآخرة، كما وجد في عهد رسول الله ﷺ ، فإنهم إذا سألتهم: من خلق السماوات والأرض؟ يقولون: الله، لكن لما كان إيمانهم بالله ضعيفاً لم يمكنهم ذلك من الإيمان بالحياة الآخرة.
أما الإيمان بالحياة الآخرة فإن له من الأهمية بمقدار ما للإيمان بالله من الأهمية؛ لأن الإنسان إذا آمن بالله ولم يؤمن بالحياة الآخرة، أصبح كما فعل المشركون الأولون في عهد رسول الله ﷺ ، يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، وعلى هذا فلابد من الإيمان بالحياة الآخرة، والإيمان بالحياة الآخرة يعتبر هو الحاجز الطبيعي الحقيقي الذي يحول بين الإنسان وبين المعصية، وإذا كان هناك من يؤمن بالحياة الآخرة ولا يعمل للحياة الآخرة، فنقول: إيمانه كاذب؛ لأن الإيمان بالشيء يؤدي إلى الاستعداد له.
стр. 1258
حكم من آمن بالنبي ﷺ دون سائر الأنبياء
السؤال
رجل نظر إلى الأديان كلها، ويزعم أن جميع الأديان تجعل نهاية الإنسان في موته، وعندما نظر في الدين الإسلامي فإذا فيه الوعد والوعيد بعد الموت، فقال: سأعمل ما يوجبه الإسلام، وإن كان الذي أخبر به الرسل لا يوافقه؛ فلعلي أن أكون من أهل النعيم، فهل هذا يغني عن عذاب الله؟
الجواب
أولاً: كل الرسل يدعون إلى الإيمان بالحياة الآخرة، وقالوا لأقوامهم: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:٥٩]، فيدعون إلى الإيمان بالحياة الآخرة، ودين الإسلام ليس هو فقط الدين الذي يدعو إلى الإيمان بالحياة الآخرة، بل إن الإيمان بالحياة الآخرة فطرة، وأمر معقول لابد منه، وما فائدة هذا الوجود إذا لم تكن هناك حياة آخرة؟! ثانياً: أن ذلك الذي رفض الإيمان بالرسل وآمن بمحمد ﷺ هو كافر مرتد؛ لأنه لا يكون الإنسان مؤمناً مسلماً إلا إذا آمن بالأنبياء قبل محمد ﷺ ، الإيمان الضعيف كإيمان أبي العلاء المعري الذي يقول: إن كان ما يقال عن الحياة الآخرة حق فأنا ما خسرت شيئاً، وإن كان غير حق فأنا لم أخسر شيئاً.
هذا ليس إيماناً حقيقياً، الإيمان الحقيقي هو الذي أخبر الله عنه كإيمان الصحابة ومن سار على نهجهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦]، أي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال؛ لأن الجبال لا تزول عن أماكنها، فإيمان المؤمنين لا يزول عن مكانه، وعلى هذا فنقول: المؤمن لا يقول: أنا أريد أن أعمل الصالحات؛ لأنه إن كانت هناك حياة آخرة فما تعبت، وإن لم تكن هناك حياة آخرة فأنا أيضاً ما خسرت، وأيضاً أكون ما خاطرت بنفسي، هذا في الحقيقة منطق من مناطق الضالين، أما المؤمن الحق فإنه يؤمن بالحياة الآخرة إيماناً كاملاً، وعلى هذا فإنه يعمل انطلاقاً من هذا الإيمان.
стр. 1259
من صور مساعدة المجاهدين
السؤال
المسلم عندما يسمع ويقرأ ما يقاسيه إخواننا المجاهدون الأفغان؛ فإنه يجد الألم والضيق في قلبه، ولا يدري ما الوسيلة المناسبة لمساعدتهم، وهل يكفي المساعدة بالمال أو يلزم الجهاد بالنفس؟
الجواب
الحقيقية أن شعوره بالضيق يدل على وجود الإيمان، وعلى هذا فإني أقول: إخوانك الذين يجاهدون في سبيل الله من الأفغان لهم حق عليك، فإذا كنت تستطيع أن تجاهد معهم بيدك وبجسدك، لكني أظن أنهم لا يحتاجون إلى شيء من فعلك ذلك، ولكن عليك أن تجاهد معهم بمالك، أو على الأقل بنقل أخبارهم، وبيان ما هم عليه من الحق، فإن هذا يعتبر نوعاً من الجهاد؛ لأني أرى أن كثيراً من الأفغان الآن يهضمون حقهم، ويقال عنهم أقاويل هم براء منها، وعلى هذا فإني أقول: نحن مطالبون بأن نساعد إخواننا في سبيل الله، والله تعالى قد أمرنا أن ننفر خفافاً وثقالاً لنجاهد في سبيل الله، ومن النفير: أن نقدم شيئاً من أموالنا، أو أن ندعو الناس إلى البذل في سبيل الله، ويكون ذلك من الجهاد في سبيل الله.
стр. 1260
من أسباب تقوية الإيمان
السؤال
نحن نؤمن بالله وبالدار الآخرة، ولكننا لا نزال نعصي الله ، فنتكبر ونعلم أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ونحب القرآن ولكن سماعنا للأناشيد أكثر وأرغب، ونحفظها ولا نحفظ القرآن، فما السبب وما الحل جزاكم الله خيراً؟
الجواب
إن المؤمن الذي يعمل الصالحات يستحق الجنة، والمؤمن الذي يكون عنده شيء من الأخطاء يكون تحت مشيئة الله وإرادته، ولكن ما ذكره الأخ لا أظن أنه حقيقة، فإن المؤمنين لا يتكبرون؛ فالكبر ليس من صفات المؤمنين، وما ذكره الأخ من أنهم يحفظون الأناشيد ولا يحفظون القرآن فهذا لا أقول: إنه حرام، ولكني أقول: يجب أيضاً أن نعدل من واقعنا فنحاول أن نحفظ القرآن، ولعل الأناشيد باعتبارها تأخذ في لب الإنسان ويأخذ صوتها بعقل هذا الإنسان، لعلها تكون أسهل في الحفظ، ولا يدل ذلك على انصراف هؤلاء عن القرآن، وإنما يدل على أن لدى هذا الإنسان شوق إلى الأناشيد، ولكن لا يمنع أن يكون عنده شوقاً للقرآن، فأدعو أيضاً الشباب إلى أن يحافظ، ويحاول حفظ ما يستطيع من القرآن خصوصاً في أيام شبابه، والله المستعان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1261
أسباب الاستقامة والانحراف
إن أعظم كرامة لزوم الاستقامة، وهناك أسباب للاستمرار في طريق الاستقامة، وهي تعتبر كالسياج للمحافظة على السير في هذا الطريق المستقيم، كما أن هناك أسباباً تدعو للانحراف والعدول عن هذا الطريق، والتخلف عن السير في هذا السبيل المبارك، فعلى المسلم لزوم أسباب النجاة، والحذر من أسباب الهلاك.
стр. 1262
الاستقامة هي الأصل في الفطرة الإنسانية
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والشكر لله الذي يجمع القلوب على طاعته ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣].
والصلاة والسلام على رسوله الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة.
اللهم! صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض -اللهم- عن آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الاجتماع في بيوت الله على ذكر الله وطاعته يبث السرور في النفس والغبطة في القلب، وما ذلك بجديد على الحياة، فإن الله تعالى قد أخبرنا أنه سوف يظهر هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولكن الشيء الذي نستطيع أن نقول: إنه جديد هو أن الكثرة الساحقة والسواد الأعظم في مجالس الذكر هي من شباب المسلمين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عمق الصحوة الإسلامية المباركة، وأن لها جذوراً ضاربة في أعماق الأرض، وأن هذه هي الثمرة التي كنا ننتظرها منذ أمد بعيد، فأقرّ الله عيوننا بتلك الوجوه الطيبة.
ألا فليطمئن الناس على دين الله، بل إن دين الله ليس بحاجة إلى الناس، ولكن الناس بحاجة إلى دين الله، وإن ما يحدث في هذه الأرض من انحرافات وانجرافات وراء التيارات إنما هو خلاف الفطرة، أما الفطرة فقد أخبر الله بأنها هي التي ولدت مع هذا الإنسان، ولا تغيير لها أبداً، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢].
هكذا ولدت الفطرة مع الإنسان، والفطرة باقية ثابتة ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨].
إذاً نحن متفائلون، والخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، وإذا رأينا الخير في الشباب فلنعلم يقيناً أن الصحوة متزنة من جميع نواحيها، ولذلك فليفرح اليوم المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء.
ولا نريد أن نذهب بعيداً عن موضوعنا الذي حددناه، فهو عن أسباب الاستقامة وأسباب الانحراف، ولنأخذ ذلك كله من قول الله : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢]، ثم نأخذ بعد ذلك جزاء هذه الاستقامة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣]، وفي الآخرة أيضاً يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
والاستقامة هي الالتزام، مِن (قام الشيء) بمعنى: اعتدل.
والانحراف معناه الاعوجاج، وهذان دليلان على أن الأصل في الأشياء كلها الاستقامة، وأن الانحراف إنما هو حادث وطارئ، كما عرفنا من خلال الآية الأولى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، كما أن الله أشار إلى أن الاستقامة هي الأصل في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣] أي: على ملة واحدة ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣] أي: فانحرفوا فبعث الله مبشرين ومنذرين.
إذاً الاستقامة هي الأصل، والانحراف هو الذي يتنافى مع الفطرة ومع الأصل، ولذلك فإننا نقول: إن الذين يأخذون بهذا الحق وبهذا الدين هم الذين يسيرون على الطريق المستقيمة، لا شك ولا ريب في ذلك، وإن الذين ينحرفون عن هذه الطريق المستقيمة هم الذين تذهب بهم شياطين الإنس والجن هنا وهناك إلى مذاهب شتى.
ولذلك فإن الرسول ﷺ ثبت عنه أنه: (قرأ قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] ثم خط خطاً طويلاً معتدلاً مستقيماً وقال: هذا صراط الله.
ثم خط عن يمينه وعن شماله طرقاً متعددة وقال: هذه هي السبل، وعلى كل سبيل منها شيطان، وعليها سُتُر مرخاة، فإذا أوشك الإنسان أن يفتح واحداً من هذه السُتُر المرخاة ناداه مُنادٍ: ويحك -يا عبد الله- لا تفتحه؛ إنك إن تفتحه تَلِجْه، وإن تلجه لا تخرج منه إلى يوم القيامة) أو كما قال رسول الله ﷺ .
стр. 1263
أسباب الاستقامة
نحن لا نستغرب وجود الاستقامة في الناس، ولكننا نستنكر بشدة الانحراف الذي يحدث في هذه الأرض؛ لأنه خلاف الفطرة، وعلى هذا فإن للاستقامة أسباباً وللانحراف أسباباً، ولعل دنيا الناس اليوم امتلأت بأسباب الاستقامة وأسباب الانحراف، وإن كان مما يخيف ضعاف الإيمان أن أسباب الانحراف أصبحت في واقع الناس وفي عالم الدنيا اليوم أكثر من أسباب الاستقامة، ولكننا مطمئنون لوعد الله ، فإنه هو الذي أخبرنا بأنه سيظهر هذا الدين على الدين كله، وأخبرنا رسوله ﷺ بأن الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، وعلى هذا نقول: لا مانع من أن نطرق شيئاً مما نلمسه في واقع الناس اليوم من أسباب الاستقامة وأسباب الانحراف.
стр. 1264
التربية الصالحة
أولاً: التربية الصالحة.
والتربية الصالحة تبدأ من اختيار الزوجة الصالحة؛ لأن الزوجة الصالحة تعتبر تربة طيبة لبذور صالحة، فإذا وضعنا هذه البذور الصالحة في تربة صالحة نضمن بإذن الله وجود أولاد صالحين، ولذلك لا نعجب من اهتمام الإسلام باختيار الزوجة، فقد قال تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]، والرسول ﷺ يقول: (فاظفر بذات الدين) فيجب أن تكون التربة صالحة لتكون بيئة صالحة للذرية الصالحة.
ثم بعد ذلك يأتي دور التربية ابتداءً من سن الطفولة التي يقول علماء النفس وعلماء الاجتماع عنها: إن السن السابعة هي السن المناسبة لتربية الأولاد في البيت وفي المسجد أيضاً.
ويؤيدهم الحديث الصحيح: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع)، ثم لا يزال يلزم الرجل أن يتعاهد هذه الذرية تربية وإعداداً وتجهيزاً وإصلاحاً حتى يأتي سن العاشرة، فلا بد من أن يزيد في أمره لأولاده بالصلاة حتى يعيشوا مع الصالحين في المساجد، حتى إذا بلغ أحدهم الحلم فلا بد من أن يكون هناك المعيار الواضح بين الإيمان وبين الكفر.
إذاً التربية الصالحة لا بد منها، وهذه التربية أول من يبدأ بها الأم، ثم الأب، ثم المدرسة، ثم الجهات الأخرى التي لها دور في إصلاح هذه الذرية، ولذلك فإن الرسول ﷺ أخبرنا فقال: (كل مولود يولد على الفطرة).
إذاً أنت -أيها الأب- وأنتِ -أيتها الأم- لستما مسئولين عن أن توجدا الفطرة في قلب هذا الإنسان، ولكنكما مسئولان عن المحافظة على هذه الفطرة حتى لا تعتريها أشياء تخلّ بها، ولذلك يقول ﵊: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) أي: بسوء التربية.
ثم إن هذه التربية أول من يستفيد منها ذلك الأب الذي ربى أولاده على طاعة الله، أو تلك الأم التي ربت أولادها على طاعة الله، وهذه الفائدة تكون في الدنيا بالبر والاستقامة والمحبة والتعاطف والتآلف، وفي حياة البرزخ يقول ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له) وتكون أيضاً في الحياة الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤].
بل إن الله أخبرنا في آية أخرى أن الأب الصالح إذا خلف أولاداً صالحين صلاحهم لا يصل إلى درجة صلاح الآباء فإن الله بكرمه يرفع الأبناء درجة إلى درجة الآباء، ولا يخفض الآباء درجة إلى مستوى الأبناء، وذلك من أجل أن تقرّ العين، ولا يكون هناك ظلم ولا هضم، قال : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] يعني: ما نقصنا الآباء عملهم فأنزلناهم إلى درجة الأبناء، ولكن حتى لا يتعلق الولد بأولاده ولا يتعلق الولد بآبائه يرفع الله تعالى الولد، ثم يقول الله تعالى بعد ذلك: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] حتى لا يقول أحد من الناس: إن أبي فلان الرجل الصالح، أو الرجل التقي، أو الرجل العالم.
ولكن يجب أن يكون القائل هو الرجل الصالح، أو الرجل الورع، أو الرجل التقي.
أيها الأخ الكريم! هذه هي نتيجة البر في الدنيا وفي الآخرة؛ ولذلك نقول: يجب أن تتضافر كل الجهود، فالمدرسة تقوم بشيء من هذا الدور، والمعلم أمين ومسئول بين يدي الله عن هذه الأمانة التي يقوم بتربيتها وإعدادها، والوسائل التي أصبحت الآن لها دور في انحراف الشباب أو استقامة الشباب ستتولى هذه المهمة، وسيُسأل بين يدي الله من يقوم عليها في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون عن الدور الذي تقوم به في تربية هؤلاء الأولاد أو في انحرافهم.
كذلك وسائل الإعلام، ووسائل النشر، والأندية الرياضية إلى غير ذلك من الوسائل التي أصبحت الآن تسيطر على عقول الناس أكثر مما يسيطر عليها الأب والأم، كلها ستتحمل بمقدار ما تقدمه من نفع أو ضر توجهه إلى هذا المجتمع، وما يكون لذلك من نتائج طيبة أو نتائج سيئة.
فالكل مسئول، والدولة بمقدار ما تستطيع أن تقدمه للمجتمع من وسائل هي مسئولة بين يدي الله عما يحدث تحت ظلها من استقامة أو انحراف، وحينما يكون هناك أشياء تؤثر في الفطرة، أو يكون هناك دعاة للضلال يريدون أن يحرفوا الشباب والنشء عن منهجهم فإنه بمقدار ما يُعطَى هؤلاء الناس من الحرية المنحرفة فإن الله سوف يسألهم يوم القيامة عن هذه المسئولية الكبرى.
إذاً حينما نقول: (التربية) فإننا نعني أكبر وسيلة من وسائل الاستقامة، ونقول: كل من استطاع أن يقدم جهداً في سبيل استقامة الناس فإنه يؤجر بمقدار ما يقدمه من هذا الجهد، وكل من أراد أن يقدم ضرراً وانحرافاً إلى الناس في المجتمع فإنه سيتحمل المسئولية بين يدي الله .
ولذلك فإن الرسول ﷺ يقول: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) وكلمة (كلّ) تعطينا أن كل واحد من الناس بمقدار مكانه وموضعه في هذا الوجود وفي هذه الدنيا سيتحمل من هذه المسئولية بمقدار ما مكّنه الله ، ولذلك فإن الله تعال مدح ولاة أمر المسلمين الذين يستقيمون على دين الله فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١].
فهذا يعتبر هو العامل الأول من عوامل الاستقامة، وهو: التربية الصالحة.
стр. 1265
التفكر في ملكوت السماوات والأرض
العامل الثاني: النظر في ملكوت السماوات والأرض.
هذا النظر الذي ينشأ عنه إيمان كالجبل الأصم الثابت الذي لا يستطيع أحد أن يزحزحه عن مكانه، وهناك فرق بين الإيمان الوراثي -الذي سنتحدث عنه إن شاء الله مع السلبيات- والإيمان الذي نشأ عن تفكير ورويةّ، وحينما نقول: (تفكير وروية) لا نقصد التفكير في ذات الله ، فإن الله فوق ذلك كله، وإنما تفكير في قدرة الله ، وفي آثار صنعه الذي وضعه في هذا الوجود وفي هذا الكون حتى يكون ذلك سبيلاً للإيمان.
هذا التفكير الذي يقول الله عنه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس:١٠١]، ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، والله دائماً يخاطب العقول؛ لأن هذه العقول هي التي تنظر إلى هذه الأشياء نظرة تفكير، يقول الله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٣ - ٤].
هذا النظر في ملكوت السماوات والأرض هو الذي يعطي هذا الإنسان أكبر دليل على وجود خالق متصرف قادر واحد ليس معه متصرف أبداً، وحينئذٍ يرجع بنتيجة واحدة، وهي أنّه ليس في هذا الكون متصرف إلا الله .
ونضرب مثالاً لذلك: إبراهيم ﵊ ما كان يشك في الله تعالى أبداً، حتى في أيام صبوته وأيام شبابه قبل أن يكون رسولاً، ولكنه ينظر إلى هذا الكون العظيم نظرة تفكير ليثبت لهؤلاء الناس أنّه ليس في هذا الوجود من يستحق أن يُعبد إلا الله ، ثم يرجع إبراهيم ﵊ بنتيجة حتمية، وهي أنه في ذات الله لما صَلُبَ إيمانه وقوي جانبه أصبح يتحدى أقرب الناس منه، وهو أبوه الذي يعتبر ألصق الناس به، ومن منا يستطيع أن يكافح أباه إلى ما يكون مخالفه في دينه، وهو يتحدى العاطفة ويتحدى كل الأشياء التي تفرض عليه أن يسالم المجتمع.
إبراهيم ﵊ ذكر الله لنا قصته في سورة الأنعام، كما يقول الله : ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩] إلى أي شيء انتهى به الأمر؟ قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام:٧٩] وتحدى كل ما يحيط به، حتى ذوي القربى الذين ظلمهم أشد مضاضة، كما يقول الشاعر: وظُلْم ذوي القربى أشد مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهندِ فأصبح يتحدى أباه ويقول: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٥].
ثم إن إبراهيم ﵊ حينما أعطاه الله تعالى هذه الحجة على قومه أصبح إيمانه لا ينظر من خلاله إلى أي عذاب يحدث في هذا الوجود إلا كما ينظر الإنسان إلى وسيلة من وسائل المتعة.
فلم يبال حتى أشعلت له نار، هذه النار -كما قال عنها المفسرون-: كانت ناراً عظيمة، سماها الله تعالى جحيماً، فكان الطير إذا مرّ من السماء فوق هذه النار يحترق وهو في السماء، وإبراهيم ينظر ﵊ إلى هذه النار فيستهين بها؛ لأنها دون نار الحياة الآخرة، حتى إذا ألقي في النار أصبح ذلك الإيمان قد غير له نواميس الحياة وأنظمة الوجود، فأصبحت هذه النار بأمر الله برداً وسلاماً على إبراهيم، وهكذا الإيمان يغير كل أنظمة هذه الحياة التي ربما تتعقد أمام عيني هذا الإنسان حينما ينظر إليها، ثم إذا بها تتحول إلى خلاف ما كان يتوقعه هذا الإنسان.
فهذا مَثَل للنظر في ملكوت السماوات والأرض، ولذلك تجد فرقاً شاسعاً بين الإيمان الوراثي الذي يأخذه الإنسان عن أبيه وأمه وأسرته ومجتمعه وبيئته والإيمان الذي يكون وليد البحث والتفكير والقراءة والنظر في ملكوت السماوات والأرض، حينئذٍ يصبح هذا الإيمان كالجبل.
فلا بد من هذا النوع من الإيمان، سيما في فترة الامتحان التي يعيشها العالم الإسلامي، أو الشبيبة الناشئة التي أصبحت الآن بين الجاهلية والإسلام، بين دواعي النفس والشهوات والمغريات العظيمة التي يسيل لها لعاب كثير من الناس وبين داعي الإيمان والجنة الذي ينادي هؤلاء الناس إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
следующие страницы →