Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
خروج المستضعفين من المسلمين من دين الله
هنالك أمم في الأدغال، وفي الغابات، وفي مخيمات المهاجرين المسلمين الضعفاء، يكفرون وينصرون ويمرقون من دينهم على أيدي المنصرين، والمسلمون كثير منهم في نوم عميق، يتفننون في بناء المساكن واقتناء المراكب الوثيرة والمتاع القليل، وأمم كثيرة تموت على الكفر، وأمم أخرى تمرق من الدين بسبب التنصير، حتى إنه في دولة إسلامية يسكنها ما يزيد عن مائة وستين مليوناً من المسلمين، نقص منهم ما يزيد على اثني عشر مليوناً الله أعلم بمصيرهم، ولربما أن كثيراً منهم قد ارتد عن الإسلام، وما ذاك إلا بسبب غفلة المسلمين عنهم، وعدم الشعور بالمسئولية تجاههم.
أما أعداء الإسلام فعلى الرغم من أنهم لم يتحملوا هذه المسئولية، إلا أنهم يحثون الخطى في أرض المسلمين لينصروا المسلمين، حتى لقد رأينا في دولة إندونيسيا وحدها -وهي الدولة المسلمة التي يوجد فيها أكثر عدد من المسلمين- أكثر من مائة مطار للتنصير، وما يزيد عن مائة وخمسين طائرة مجهزة بكل الوسائل؛ وذلك لدعوة المسلمين إلى النصرانية.
إذاً: لا تعجب من أن يتنصر فيها ما يزيد عن اثني عشر مليوناً من المسلمين، ويتركوا دينهم.
فالمسئولية كبيرة، وحمل هذا القرآن في مجاهل أفريقيا وفي العالم كله هي مسئولية العلماء والدول الإسلامية، وكل من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 1192
القرآن الكريم شرف ومسئولية
أيها الأخ الكريم! لقد أخبر الله تعالى أن القرآن شرف، وأخبر أيضاً بأنه مسئولية عظيمة تحملها هذه الأمة، وسوف تسأل عنها يوم القيامة، فما موقفي وموقفك يا أخي المسلم! بين يدي الله يوم القيامة حينما يحضر الملايين من البشر ممن مات على غير ملة التوحيد والإسلام، فيقولون: يا رب! ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيسأل الله هذه الأمة: هل بلغتم رسالة محمد ﷺ إلى هذا العالم؟
و
الجواب
أن كثيراً منهم لم يقم بهذا الدور، حتى أصبح المسلمون يعيشون في فتنة في كل العالم الإسلامي، وأصبحت للمسلمين في كل أرض قضية ومشكلة، وبلغ عدد المهاجرين من ديارهم عشرات الملايين، وعدد الذين يهددهم الجوع والفقر والمسغبة من المسلمين مئات الملايين، والمسلمون -والحمد لله- يملكون أكبر ثروة موجودة على وجه الأرض، هذه الثروات التي هي أيضاً مسئولية ثانية سوف نسأل عنها بين يدي الله يوم القيامة.
إذاً: يا أخي المسلم! كما أن القرآن شرف لي ولك وللعالم كله، وبصفة خاصة للذين أنزله الله بلغتهم فقال ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] أي: بلغة قومه ليبين لهم، فشرفنا الله نحن العرب بصفة عامة، وأهل الجزيرة بصفة خاصة، بأن أنزل القرآن بلغتنا، فأصبحنا نفهمه فهماً جيداً دون كلفة أو مشقة، فهو أيضاً مسئولية حملنا الله أمر تبليغها؛ حتى يفهم العالم كله هذا الدين.
واعلم أن ما يحدث من عداء لهذا الدين من قِبَل أعداء الإسلام إنما هو بسبب تفريط هذه الأمة، وضعفها في تبليغ هذه الرسالة.
أيها الإخوة الكرام! إن هذا القرآن العظيم قد أعجز الله فيه أرباب البلاغة والفصاحة، ولو ترجمناه -أي: نقلناه- بلغات هذا العالم، وفهم الآخرون حقيقته؛ لما وجدنا من يعادي هذا الدين؛ لأنه دين يوافق الفطرة، ودين لا يقبل الله يوم القيامة سواه، ولو أفهمنا هذا العالم حقيقة هذا الدين، وعلمناهم هذا الكتاب العظيم الذي أنزل علينا وعليهم، ومنهج الرسول الكريم ﵊، وعلم العالمون كلهم أن محمداً ﵊ إنما هو رحمة لكل العالم كما قال الله عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]؛ لأنه ينقذهم من النار ويدخلهم الجنة، لو علم العالم هذه الحقيقة لما انتفخ الكفر في أيامنا الحاضرة، ولما شعر المسلمون في كثير من أرجاء هذا العالم بالضعف والذلة.
ولا أزال أتذكر كلمة لأخٍ لنا في الإسلام، وهو أمريكي، كان يتحدث في أحد المساجد ذات يوم، فكان يخاطب الحاضرين ويقول لهم: السلام عليكم أيها الظالمون! أنتم ظلمة أيها المسلمون.
ويقول: نحن الأمريكان صنعنا الطيارة والسيارة، وصنعنا الثلاجة والغسالة وجميع وسائل الراحة، وأرسلناها لكم؛ لأنها كل ما نملك، وهي ثروتنا، ولربما تتمتعون بها أكثر مما نتمتع بها نحن، أما أنتم أيها المسلمون! فلديكم الإسلام منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، وفيكم بعث محمد ﷺ ، وما بلغتمونا دعوة الإسلام في أمريكا، ولقد مات أبي وجدي وأمي وجدتي وكثير من الناس على غير الملة، إذاً أنتم ظلمتمونا حينما لم تبلغونا دعوة الإسلام.
ثم يستطرد هذا الأخ الكريم ويقول: بلغونا دعوة الإسلام، فليس الإسلام ملكاً لكم أيها العرب -أو أيها المسلمون- ولكنه للعالم كله، فبلغوا دعوة الإسلام في بلادنا، ثم قال بعد ذلك: قفوا! نحن لا نحتاج إلى تبليغكم، فإن الإسلام ينتشر عندنا في أمريكا أكثر مما ينتشر في البلاد الأخرى؛ لأن الأمريكان يقول: بدءوا يتعقلون ويفكرون في الأمور، فصاروا يدخلون في دين الله، حتى بلغ عدد المسلمين في أمريكا أكثر من عشرين مليوناً في أيامنا الحاضرة، ثم قال: نريد منكم شيئاً واحداً فقط، وهو ألا تكون هناك ازدواجية في بلادنا بسببكم، فنحن بدأنا ننشر الإسلام في أمريكا ونقول: إن الإسلام يحرم الخمر والزنا والخنزير وكل المحرمات، فيرون بعض أبنائكم الذين جاءوا من بلاد العرب يفعلون هذه الأشياء، فلا يصدقوننا في أن الإسلام يحرم هذه الأشياء، فامنعوا عنا أبناءكم؛ فإن ذلك أفضل دعوة تقدمونها لنا.
هكذا يتحدث هذا الأخ الكريم، نسأل الله لنا وله الثبات ولأمة الإسلام كلها.
стр. 1193
وجوب التضحية والجهاد في سبيل تبليغ هذا الدين
أيها الأخ الكريم! إن تبليغ دعوة الإسلام شرف من جانب، ومسئولية من الجانب الأخر، وهذه المسئولية ثقيلة؛ لأن لها متطلبات، فهي تحتاج إلى سفر طويل وصبر ومصابرة، وتحتاج إلى جهود مضنية، كما أنها قد تضطر المسلمين في يوم من الأيام إلى الجهاد في سبيل الله، وإلى الوفاء بالبيعة التي أبرمها المسلم المؤمن مع الله في سورة التوبة، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١].
فهي يا أخي الكريم! مسئولية عظيمة تنتهي بأن تقدم نفسك ومالك ودمك من أجل هذا الدين، وفاء بالبيعة التي أبرمتها مع الله في التوراة والإنجيل والقرآن، أي: في كل الكتب السماوية صُدِّقت هذه البيعة، فأصبحت أمراً لا بد منه، لا سيما في مثل هذه الظروف التي نعيشها، والتي لا أعتقد أنه مرّ في تاريخ البشرية أقسى منها على الأمة الإسلامية عبر التاريخ الطويل، وسوف أذكر لكم بعض الأمثلة: هل تصدق يا أخي! أن بعض الأيام تمر -بل أكثر الأيام- ويقتل في بلاد إسلامية صغيرة كطاجاكستان أكثر من عشرة آلاف مسلم! ويفعل مثل هذا العمل أو أكثر منه -مع انتهاك الأعراض وامتهان الأمة الإسلامية- في البوسنة والهرسك! وهل تصدق يا أخي! أن المسلمين في جنوب الفلبين يزيدون على ثلاثة عشر مليوناً، ورغم ذلك فلا أعتقد أن أحداً -إلا الندرة القليلة- يعرف شيئاً من أوضاعهم، أو فكر في زيارتهم ومواساتهم، علماً بأنهم يطبقون تعاليم الإسلام كاملة غير منقوصة في كثير من أحيانهم، ومع ذلك فإنهم مطوقون في تلك المنطقة بأكثر من مائة ألف صليبي حاقد على الإسلام.
وتعال معي إلى ما يحدث في كشمير وفي الحبشة وفي إريتريا وفي فلسطين وفي كل مكان من الأرض، والمسلمون في غفلة، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء:٧٥]، فالقتال في سبيل المستضعفين من المسلمين أمر كالقتال في سبيل الله؛ لأن الله أمرنا بأن ندافع عن المستضعفين والمستذلين في الأرض من أبناء هذه الأمة، فهو أمر مطلوب كالجهاد في سبيل الله، فكما أنك مطالب بأن تفتح الطريق، وتزيل العقبات من طريق هذه الأمة إلى الله وإلى دينها، وتقدم النفس والمال والروح من أجل أن ينتشر وينتصر هذا الدين؛ فأنت أيضاً مطالب بالدفاع عن الأمة المسلمة المستضعفة التي استرخص الآخرون دمها في أيامنا الحاضرة، بينما لو اعتدى إنسان على يهودي أو نصراني في أي مكان من الأرض لقامت الدنيا ولم تقعد، ولعلكم تعرفون سبب دخول الاستعمار الإنجليزي حينما دخل إلى مصر، فقد كان سببه: أن رجلاً إنجليزياً كان يصطاد، فلحقه الفلاحون دفاعاً عن مزارعهم، فهرب وهلك في الصحراء، فكان ذلك سبباً في دخول الاستعمار الإنجليزي الذي أهلك مصر إهلاكاً لمدة طويلة من الزمن؛ لأن رجلاً إنجليزياً واحداً مات من حر الشمس حينما هرب من الفلاحين الذين طاردوه دفاعاً عن مزارعهم.
ومكث الاستعمار الإنجليزي مدة طويلة أذل فيها مصر المسلمة، وغير فيها كثيراً من مجرى تاريخها، من أجل رجل واحد! فمن للملايين من المسلمين الذين يموتون اليوم؟! فقد مات ملايين المسلمين على أيدي الشيوعيين الحاقدين في روسيا أيام الحكم الشيوعي للبلاد الإسلامية فيما يسمى بآسيا الوسطى، وما زالت المجازر بعشرات الآلاف يومياً في بلاد المسلمين على أيدي الجيش الروسي الحاقد إلى يومنا هذا! وفي إريتريا قتل في يوم واحد عشرة آلاف من المسلمين، ولو قتل في ذلك اليوم عشرة آلاف كلب، أو عشرة آلاف قط لقامت جمعية الرفق بالحيوان تحتج على ذلك؛ بل لو قتل يهودي واحد أو نصراني واحد لكان ما كان.
إذاً: فالمسئولية عظيمة، وهي تبدأ من التربية والدعوة إلى الله، وتنتهي بالجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام، كما أخبر الصادق المصدوق ﵊.
стр. 1194
نصر الله تعالى لعباده كائن لا محالة
أيها الأخ الكريم! إن هذا القرآن يطالبك أن تفي بالبيعة التي بينك وبين الله ، وحينئذ تكون من المؤمنين؛ لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم، و (ال) هنا للاستغراق، وليست لنوع واحد من المؤمنين، وإنما هي لجميع المؤمنين، فكل من آمن بالله سوف يتحمل مسئولية هذه البيعة، وسوف يطالب بالوفاء بهذه البيعة، هذا جانب يجب أن نفهمه حتى لا نظن أن الدين سهل ميسر؛ بل هو سهل ميسر في الحقيقة ولكنه يحتاج إلى جهد، وإلى بذل للطاقة؛ لأنه دين عزيز على كل واحد من المسلمين؛ ولذلك أخبر الله تعالى في هذا القرآن أن طريق الجنة طريق وعرة، وأن فيها عقبات وزلازل وخوفاً وذعراً، وأن فيها اضطراباً، حتى قال الرسول: (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ)؟! وحتى قال المؤمنون أيضاً: (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ)؟! وكما قال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤].
فإذا وصل الأمر إلى هذا الحد جاء نصر الله، قال الله : ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، حتى لا ييأس المؤمنون من نصر الله .
стр. 1195
لابد من ظهور هذا الدين مهما حاربه الأعداء
إن هذا الدين لابد أن يظهر رغم أنف كل حاقد، ولو نام المسلمون أجمعون عن هذا الدين لأتى الله بأقوام يرفعون راية الإسلام، ولذلك يقول الله : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]، والمراد بالدين هنا كل المعتقدات، ويقول ﵊: (حتى لا يبقى بيت شعر ولا مدر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز به أهل طاعته، وذلاً يذل به أهل معصيته).
ولذلك نرى في وقتٍ تكالب فيه الأعداء على الأمة الإسلامية من كل جانب، وأحيطت الأمة الإسلامية بكل عدو، بل وتحرك الأعداء من الداخل كما تحرك الأعداء من الخارج، وتحرك الأعداء من أبناء الأمة ممن مرق من الدين وهو يحسب على الإسلام، ويحمل الهوية الإسلامية، وينطق باللغة العربية! فبدءوا ينخرون في هذا الدين، ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين! وبالرغم من ذلك كله، وبالرغم من اتحاد العالم كله حول راية واحدة لمحاربة هذا الدين؛ يظهر هذا الدين بقدرة قادر ! مما يدل على أصالة هذا الدين، ومما يدل على أن هذا الدين سوف يظهر ويؤكده قول الله : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣].
فنرى الصحوة الإسلامية قد انتشرت، وليس الأمر كما يقول أعداء الإسلام: إنها جاءت في غير موعدها؛ بل نحن متأكدون أنها جاءت في موعدها المحدد؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فبالرغم من أن العالم كله يتكالب على الأمة الإسلامية رأينا الإسلام يظهر في أيامنا الحاضرة والحمد لله، والشباب يقبلون على هذا الدين، والصحوة الإسلامية العارمة تظهر يوماً بعد يوم رغم أنوف الحاقدين، وتزيد وتتضخم، ويصلب عودها، وتقوى قاعدتها وتتسع والحمد لله، بالرغم من أن هناك أقواماً كانوا يظنون أنها فترة وجيزة حتى يستنفد الدين أغراضه ويخلو المكان -كما يعتقد هؤلاء الذين في قلوبهم مرض- لملة أخرى.
إن الشيوعية التي حكمت كثيراً من العالم ثلاثة أرباع قرن من الزمان سقطت في لحظة واحدة؛ لأن الله يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء:١٨].
стр. 1196
شمولية دين الإسلام لكل مناحي الحياة
إن هذا الدين الذي شرفك الله به يا أخي! وذلك القرآن الذي أكرمني وأكرمك الله به مسئولية عظيمة، فلا تظنن أنه منهج عبادة فحسب؛ بل هو في كل شيء، كما قال : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].
إذاً: حينما يقول لك أعداء الإسلام: دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر!! فقل لهم: كذبتم؛ بل لله ما في السماوات والأرض، وهذا الدين منهج حياة كاملة، وجاء هذا القرآن ليهدي البشرية إلى ما فيه صلاح دينها ودنياها، ولذلك أشرنا آنفاً كيف تطور العالم حينما أخذ بهذا الدين، فصار الجيش الإسلامي ينصر بالرعب مسيرة شهر، وكانت الحصون تتساقط وتندك حينما تقبل عليها جيوش الأمة الإسلامية التي هتافها: الله أكبر، ولله الحمد.
فهذا الدين منهج حياة متكامل، نعمت به البشرية عبر القرون الماضية في ظل الدول الإسلامية التي تمسكت به، فكانت لها القيادة والسيادة والسلطة على العالم، وكان الناس يأتون إليها يبايعونها على الإسلام، ويدخلون في دين الله أفواجاً.
فهو منهج حياة متكامل لا يفرق بين العبادة والمعاملة والسلوك والأخلاق، لا كما يقول العلمانيون عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة: إنما هو منهج عبادة فقط ولا يتدخل في شئون الحياة الأخرى؛ لا نظام الحكم، ولا الأنظمة الاقتصادية، ولا السلوك والأخلاق، ولا غير ذلك، إنما هو عبادة، فإذا أردت هذا الدين فعليك أن تبحث عنه في المسجد، وليس لك أن تبحث عنه في مجلس الشورى -كما يقولون- أو في البرلمان، أو في مجلس الأمة!! ويا ليتهم تركوا هذا الدين في المسجد غير مطارد! ولكنهم يطاردونه ويتابعونه في المسجد، وتحصى فيه أنفاس الدعاة والمصلحين في جل العالم الإسلامي.
إذاً: هم لم يعطوه الحرية حتى في المسجد، ولو أعطوه الحرية في المسجد لاستطاع أن ينقل الناس من الركود إلى الخير والسعادة، وإلى جنة عرضها السماوات والأرض، ولكنه سوف يحقق ذلك بإذن الله رغم أنوف الحاقدين.
стр. 1197
لا فرق بين العبادات والمعاملات في دين الإسلام
أيها الإخوة! إن هذا القرآن منهج حياة، فكما أنه يأمر بالصلاة والصيام والحج والزكاة والعبادة، فهو أيضاً ينظم الحياة الاجتماعية وفق منهج قويم متماسك، حتى رأينا بعض الآيات لا تفرق بين العبادة وبين التعامل الأسري، اقرأ إن شئت في سورة البقرة حينما تحدث الله عن العلاقات الزوجية ثم قال بعدها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٣٨ - ٢٣٩]، ثم عاد مرة أخرى بعد أن أدخل آيات العبادات بين آيات التعامل بين أفراد الأسرة، فتحدث عن العلاقات مرة أخرى فقال : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠].
إذاً: لا فرق بين آيات الصلاة وآيات المعاملة؛ بل إن هناك آية واحدة نزلت مرتين، فنزلت الآية التي في سورة المائدة تتحدث عن المحرمات، وهي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣]، هكذا نزلت الآية في أول الإسلام في بداية تشريع الأحكام، ثم نزل جزء آخر في حجة الوداع على رسول الله ﷺ وهو على بعيره يقرر حقوق الإنسان، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فأمر الرسول ﷺ بأمر من الله أن تشطر الآية السابقة وأن يدخل هذا الجزء في وسطها: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فكان تتمة الآية: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣].
ومن هنا فإننا نتأكد أن القرآن ليس منهج عبادة فحسب، وليس في المسجد فقط، ولكنه في المسجد والسوق والبرلمان ومجلس الوزراء والمحكمة والبيت، وفي كل حالة من حالات الإنسان، فهو تبيان لكل شيء كما أخبر .
إذاً: يا أخي الكريم! يجب أن نفهم هذه القضية؛ حتى لا نخدع في عصر الدعاية المسمومة، والأفكار المشبوهة، والحرب الباردة التي فشلت، ولكنها ما زالت تطارد المسلم في كل حالة من حالاته، وتريد منه أن يمرق وأن يخرج من دينه دين الإسلام، ولكن الله تعالى غالب على أمره.
стр. 1198
الحكم بما أنزل الله من دين الإسلام
ثم أيضاً يا أخي المسلم! يجب أن تفهم أن الإسلام الذي شرع الصلاة هو الذي أمر بالحكم بما أنزل الله ، لا فرق بين واحد منهما، فكما أن الصلاة -وهي الركن الأعظم بعد الشهادتين- من تركها فقد كفر، فكذلك ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، لا فرق بين الأمرين.
فهو منهج حكم لهذه الحياة وهذه الأمة لا يمكن أن تنضبط ولا يمكن أن تنقاد إلا لحكم الله ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، ولما جاء أقوام يحكمون شرع الله حسب مصالحهم، فإذا تعارض مع مصالحهم ضربوا بشرع الله عرض الحائط، قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ * ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ * ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور:٤٨ - ٥٠].
стр. 1199
أهل الأهواء والشهوات وموقفهم من أحكام الدين
إن المارقين اليوم من الإسلام يرفضون هذا الدين حينما يتعارض مع مصالحهم؛ لأن أهواءهم ومصالحهم التي تمليها عليهم الأهواء لا تقف عند حد ولا قيد، فهم يرفضون هذا الدين وهذا المنهج إذا تعارض مع مصالحهم، ولكن إذا كانت مصلحتهم من خلال هذا المنهج فإنهم يرجعون إليه، وسوف أضرب لكم أمثلة كثيرة وربما أنكم تعايشون كثيراً منها: فالعالم اليوم بأسره -إلا من حكم شرع الله- يرفض قتل القاتل، ويقول: هذا تخلف ورجعية ووحشية أن نقتل قاتلاً لنضيف إلى المقتول الأول مقتولاً ثانياً، لكن تعال معي يا أخي! حينما يريدون أن يثبتوا عرشاً لأحد منهم فإنهم يقتلون مئات البشر؛ بل ملايين البشر! وكم قتل في الحرب العالمية الأولى والثانية من البشر! فإن الدول التي تزعم أنها متحضرة، وتعتبر قتل القاتل تخلفاً، وأعظمها الدولة الكبيرة التي تفرض الآن سلطتها على العالم، فإنها في لحظة واحدة -منذ عشرات السنين قبل أن يتطور هذا العالم ويتوسع- قتلت ثمانين ألفاً من البشر الأبرياء في لحظة واحدة بالقنبلة الذرية التي ألقيت على اليابان، حتى غيرت تلك القنبلة كثيراً من معالم تلك الأرض التي سقطت عليها، لماذا هذا؟ لأنهم يريدون أن يفرضوا سلطتهم، لكن لو قيل: هذا زانٍ محصن أفسد الأعراض، ودمر الحرث والنسل، والله أمر بقتله في قول رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني) فإنهم يقولون: هذه وحشية، رجل فرغ شهوة من شهواته فقط، أتقبل بهذه الطريقة؟! وإذا ارتد رجل عن دينه ونريد أن نقيم عليه حد الردة لقول الرسول ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، ولكن لا أرى في العالم الإسلامي -اللهم إلا النادر القليل- من يقيم حد الردة، فلو قيل: هذا مرتد، لقيل: أنتم تحاربون الحرية الشخصية وحرية الاعتقاد، بينما هم يقتلون -كما ترون وتسمعون- الآن ملايين البشر، ففي أفغانستان وحدها قتل في أيام الحكم الشيوعي ما يقرب من مليونين من المسلمين، مع أن هؤلاء لم يزنِ منهم واحد، ولم يقتل، ولم يرتد عن دينه، ولكنهم يقولون: ربنا الله، فأبيد هؤلاء من أجل أن تفرض الشيوعية في بلادهم.
فأي ذلك أعظم هذا أو قتل مرتد يريد أن يشوه هذا الدين بعد أن هداه الله للفطرة، فأصبح حرباً على هذا الدين، وقد يكون من أبناء المسلمين؟! وبعد ذلك يقال: إن قتل هذا وحشية وتخلف، أما قتل الملايين من البشر في سبل أخرى غير سبيل هذا الدين فيعتبر تقدماً وتطوراً وإنسانية.
وكذلك قطع يد السارق، فالله تعالى يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، ويأتي ذلك الرجل الكافر الملحد ويقول: إن الله يريد أن نقطع أيدي الشعب!! وما علم ذلك الملحد أن هذه اليد التي تقطع سوف تؤمن الناس على نفوسهم وعلى أموالهم مدة طويلة من الزمن، حتى قال أحد الكتاب المسلمين: إن أربع أيد قطعت في العالم الإسلامي منذ بعثة رسول الله ﷺ وإلى نهاية القرن الرابع الهجري، وفي العالم الإسلامي كله على امتداده من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، وتصور يا أخي! الأربع الأيدي هذه كم أمنت العالم الإسلامي في أرجائه المتباعدة على نفسه وعلى ماله وعلى أعراضه، وهكذا فقس.
стр. 1200
دين الإسلام أمان للبشرية
إذاً: نقول: هذا الدين هو أيضاً منهج أمنٍ لهذه الأمة، وحينما يجلد شارب الخمر إنما يحافظ على الأمن وعلى العقول، وحينما يجلد الزاني إنما يحافظ على الأعراض وعلى الأنساب، وحينما يجلد القاذف إنما يحافظ على السمعة، وحتى لا تكون الفاحشة ألعوبة يتحدث بها كل الناس بدون دليل، وحينما يقتل المرتد إنما يحافظ على المعتقدات حتى لا تتخذ لعبة، ولذلك فالإسلام يعطي غير المسلم حرية التفكير ليختار هذا الدين الجديد العظيم، لكنه حينما يدخل في هذا الإسلام ثم يريد أن يخرج منه نقول له: (من بدل دينه فاقتلوه).
وهكذا نجد أن الإسلام يؤمن هذا الإنسان على حياته وعلى عقله وعلى جسده وعلى سمعته وعلى معتقده وعلى ماله، قال الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] إنما يريد الله بذلك -والله أعلم بمراده- أن يؤمن هذه الأمة حتى تنطلق في هذه الأرض لا تخشى إلا الله ؛ ولذلك أمر بعقوبة المحاربين وهكذا.
إن البشرية جميعاً بحاجة إلى هذا القرآن لتحكمه من أجل أن تأمن وتطمئن، والعالم الذي قدم أكثر من ثلاثين مليوناً من البشر في الحربين العالميتين يريد أن يؤمن نفسه، ومع ذلك لم يستطع أن يحقق لنفسه الأمن، ولكن الرسول ﷺ حينما دعا إلى هذا الدين في أرجاء هذا العالم إنما أراد الأمان لهذا العالم، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]، وقوله تعالى: (فِي الأَرْضِ) أي: في كل الأرض، ولذلك يقول خباب بن الأرت ﵁: جئنا ذات يوم إلى رسول الله ﷺ في مكة وهو متوسد بردة له تحت الكعبة نائم، فأيقظه الصحابة ﵃ وقالوا: (يا رسول الله ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ -وهم يلقون ما يلقون من المشركين من الأذى- فجلس الرسول ﷺ وقال: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم، فيحفر له في الأرض، فيوضع المنشار على مفرق رأسه، فيقسم إلى قسمين، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يصرفه ذلك عن دين الله، ووالله! ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون).
إذاً: الأمن جاء مع هذا الدين، والأمم التي تبحث عن الأمن في وسائل الدمار لم تحقق الأمن لنفسها ولا لغيرها، والأمم التي تريد أن ينام الناس على اللهو واللعب وعلى المحرمات من أجل أن يتخدروا لا تستطيع أن تكون آمنة؛ لأن هذه الشعوب لربما تستيقظ في ساعة من الزمن ولكن على الجماجم والأشلاء.
فالأمن لا يتحقق إلا بتطبيق شرع الله ، وبتحكيم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]، كان العرب يقولون في الجاهلية: القتل أنفى للقتل، وقال الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أي: سعادة، فلو كان هناك رجل معتدٍ وقاتل ومتمرد، فهذا يقتل، وحينئذ تتحقق الحياة، وتحقق الرفاهية والأمن والطمأنينة لهذه الأمة.
стр. 1201
لا يمكن تحقق الانضباط للأمم إلا بالإسلام
وعلى هذا فنقول: إن هذه الأمة لا يمكن أن تنضبط إلا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن أراد أن يحكمها بغير شرع الله فإنه سوف يحدث هذه الفوضى التي عمت أرجاء العالم اليوم، فأصبح التمرد والخروج على السلطات المنحرفة، والقتل والنهب والفوضى والاضطرابات، كلها بسبب إعراض هؤلاء الناس عن شرع الله ، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]، وذكر الله تعالى هو القرآن، ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]، له معيشة ضنك في هذه الدنيا، ويوم القيامة يحشر أعمى، ويسحب على وجهه في النار، لماذا؟ لأنه أعرض عن ذكر الله ، ولذلك فإن المعيشة الضنك لا تحتاج إلى طويل بحث اليوم، ونحن نشاهدها في عالمنا اليوم قد عمت أرجاء العالم، فقامت الاضطرابات والفوضى والقتل والنهب والسلب، وهذا جزء من المعيشة الضنك، إضافة إلى ما صار يشعر به ذلك الإنسان البعيد عن الله ، وعن كتابه وسنة رسوله ﷺ من ضيق النفس، والحرج والمشقة التي لا يجد لها علاجاً، ولكن علاجها: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]، أي: السعادة في الدنيا، والفلاح في الآخرة.
стр. 1202
الإسلام منهج سياسة
إن هذا الدين منهج حكم، ومنهج حياة، ومنهج سياسة، وأي سياسة لا تقوم على هذا القرآن، ولا على هذا المنهج؛ فإنها سياسة ضالة، سياسة ممقوتة مرفوضة لا تصلح لقيادة هذه البشرية، ولذلك فإن الله حكم بأنها معيشة ضنك؛ حتى يعود الناس كلهم إلى دين الله، وإلى المنهج الصحيح، ولذلك يقول ﵊: (تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنتي)، ويقول ﵊: (ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، قالوا: فما المخرج منها يا رسول الله؟! فقال: كتاب الله، وسنتي)، فهذا هو المخرج من هذه الفتن التي يقول عنها الرسول ﷺ : (يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا).
فلو حكم الإسلام العالم كله لكان كل التعامل وفق شرع الله كما جاء في القرآن العظيم، وفي سنة الحبيب محمد ﷺ ، وما كان الناس يجدون الربا في بلادهم، ولا دور الربا التي أصبحت تناطح السحاب، وهي حرب لله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] ثم التهديد ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
стр. 1203
الإسلام منهج إعلام مفيد هادف
ولو كان شرع الله يحكم هذا العالم ما رأينا هذا الإعلام الذي أصبح يصل إلى عقر بيوت المسلمين من خلال الأطباق المعلقة فوق المباني وغيرها لنرى زبالات ونفايات العالم.
فلو كانت هناك خشية لله ، وكان هذا القرآن هو الذي يحكم هذا العالم؛ لما رأينا المسلم يختلط بالكافر في كل أمر من أموره حتى لا تكاد -في كثير من بلاد المسلمين- أن تفرق بين المرأة المسلمة والمرأة الكافرة، زوجة المسلم وزوجة الكافر لا تكاد أن تفرق بينهما في كثير من الأحيان؛ بسبب التبرج والخلاعة وما أشبه ذلك من الأمور التي أحدثت خللاً في أخلاق الناس، وانتشرت الفواحش، وتلاها ظهور أمراض أصبحت تسابق الشمس على مطالعها في هذه الأرض، حتى سمعنا أن ملايين البشر أصيبوا بمرض الإيدز الذي يعتبر هلاكاً للعالم لو انتشر، نسأل الله العافية والسلامة.
وهذا بسبب ما أحدثه هؤلاء الناس، وبسبب ما أحدثه ذلك الإعلام المنحرف في بلاد المسلمين من الفساد والانحراف، كل ذلك يرجع إلى الإعراض عن هذا الشرف العظيم الذي يقول الله فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
وما يدريك يا أخي! لعلها المسئولية في الدنيا، والعقوبة التي دفع ثمنها كثير من المسلمين حينما تنكبوا عن شرع الله .
стр. 1204
الإسلام منهج اقتصاد متكامل
إن هذا القرآن منهج حياة في الاقتصاد، يعلمنا كيف نكسب المال؛ فلا نكسبه من الغش، ولا نكسبه من الربا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨]، ولا نكسبه من الخداع، ولا نكسبه من أي طريق محرم.
وحينما نملَّك هذا المال نعتبره نعمة من نعم الله سوف نسأل عنه يوم القيامة، فنؤدي حق هذا المال في الإنفاق، فلا نسرف ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧]، ثم نؤدي حقه من الزكاة ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥]، ثم أيضاً نعرف قدر هذا المال، وحق إخواننا المسلمين في العالم الذين يموت طائفة منهم جوعاً، وطائفة ترتد عن الإسلام بسبب المجاعات، وبسبب التضليل الذي يأتي بلقمة العيش وبالخبزة ويقدمها وعليها الصليب، وحينئذ يقدم دينه كله ذلك المسكين من المسلمين مقابل تلك اللقمة التي قدمت وقد رسم عليها الصليب، إذاً: هو مطالب بأن يرتد عن دينه مقابل ذلك، وكثير من المسلمين يملكون الثروة -والحمد لله- ولربما طائفة منهم لا يقدمون ما أوجب الله تعالى عليهم.
стр. 1205
وجوب تطبيق القرآن والعمل به في كل شئون الحياة
أيها الأخ الكريم! إن هذا القرآن هو مصدر سعادة البشرية، وشرف لكل عصر وفي كل جيل، ولذلك فإننا في عصرنا الحاضر، وفي عصورنا السابقة، لا يمكن أن ندرك الشرف، ولا يمكن أن ننال السعادة والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة إلا بمقدار استمساكنا بهذا القرآن الذي أوحي إلى نبينا محمد ﷺ .
стр. 1206
العمل بالقرآن في واقع النفس والأهل
وحينئذ على كل واحد منا أن يجسد هذا القرآن في واقعه وفي حياته، بحيث يبحث عن نفسه: ماذا أخذ من تعاليم هذا القرآن وماذا أبقى: صدق في المعاملة، وصدق في الحديث، وضبط للأمور كلها، وتطبيق كامل على النفس.
ثم أيضاً عليه أن ينظر مرة أخرى في واقع أهله وبيته؛ علهم أن يكونوا قد نسوا شيئاً من أوامر الله التي هي شرف لهذا البيت، وما يدريك لعل هذه البيوت التي غرق بعضها في كثير مما حرم الله ، لربما أن ذلك أنساها كثيراً مما كلفها الله به، فغفل كثير من الناس عن تربية الأبناء والأهل، ونسوا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، حينئذ يلزم هذا الإنسان نفسه، ويعاهد ربه على أن يطهر هذا البيت وينقيه؛ حتى لا يتحمل غداً المسئولية الكبرى التي لا يستطيع أن يتحملها بين يدي الله حينما يوقفه الابن، وتوقفه البنت والزوجة والأخت وسائر أفراد الأسرة على شفير جهنم بين يدي الله : (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا).
стр. 1207
تبليغ القرآن للمجتمع كله
وعلى المسلم -حينما يستنير بنور هذا القرآن، ويستظل بظله الوارف- أن يشعر بالمسئولية أيضاً تجاه المجتمع، وبواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحينئذ يشمر عن ساعد الجد؛ حتى لا تغرق السفينة التي تكاد الآن أن تغرق حينما تضربها الأمواج من كل جانب، والعالم كله -أسفل السفينة وأعلاها- عليه أن يقوم بدور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ استجابة لقول الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤].
ثم حينما ينظر المسلم إلى دائرة أوسع، وإلى واجب أكبر، وهو ما فرضه الله تجاه إخوانه المسلمين في العالم؛ فإنه يشمر عن ساعد الجد، فإن كان من أرباب العلم والمعرفة فعليه أن يبلغ الناس الدين الصحيح والعقيدة السليمة السلفية التي تركنا عليها رسول الله ﷺ ، وهي المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وحينئذ عليه أن يكون داعية خير، وإن كان من أصحاب السلطة والذين مكن الله لهم في الأرض، فإن عليه أن يؤدي هذا الدور الذي يتناسب مع حاله ومركزه، وإن كان من عامة الناس، فإن الجهاد في سبيل الله أمر باق ما بقيت السماوات والأرض حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا تزال طائفة على الحق ظاهرة حتى يأتي أمر الله.
أما الطريق فإن فيه عقبات، والمسلم لا يبالي، ومنهجه دائماً: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضابُ وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خرابُ وهكذا يسير المسلم في طريقه إلى الله لا يخشى على نفسه؛ لأن الآجال مقدرة من عند الله ، ولا يخشى على ماله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]، إنما هو أجل ومقدار للرزق، والرسول ﵊ يقول: (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها).
أخي المسلم! لابد من العودة إلى كتاب الله عودة حميدة، ولابد من الاستمساك لا مطلق التمسك، فإن الإمساك يختلف عن الاستمساك، فلابد أن نأخذ هذا الكتاب بقوة، ولابد أن نطبقه في كل صغيرة وكبيرة من أمرنا ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ [النساء:٨٤].
وبعد: يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، نعم، لقد آن، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧]، فكما أن الله يحيي الأرض بعد موتها فهو أيضاً يحيي القلوب بعد موتها وبعد غفلتها.
أقول قولي هذا، ولا أعلم أحداً منكم أكثر تقصيراً وإساءة مني، ولكني أستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1208
الأسئلة
стр. 1209
دور المسلم تجاه المنكرات الموجودة وتجاه مخططات أعداء الإسلام
السؤال
ما هو دور الشاب المسلم منا ذي الإمكانيات المحدودة تجاه كثير من المنكرات حوله -أي: في إنكارها- من جنس وربا وضياع للأوقات وهكذا؟ وأيضاً ما هو دوره تجاه تخطيط الأعداء لتدمير الإسلام والمسلمين؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم، دور المسلم العاجز تجاه المنكرات الموجودة في بلاد المسلمين، ودور المسلم تجاه المخططات التي دبرت للأمة الإسلامية كالآتي: أما الأول: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ويقول ﵊: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
إذاً: فالمجال مفتوح حسب الاستطاعة، لا حسب الرغبة، وقد يكون عند الإنسان استطاعة ولكنه لا رغبة عنده لتحمل بعض المسئوليات، فنقول: إنكار المنكر حسب الاستطاعة: إن استطعت بيدك -إن كنت من أصحاب السلطة- فعلت، وإذا ما استطعت ولست من أهل السلطة فباللسان، وهذا يستطيعه كل أحد، وأما آخر شيء فهو بالقلب، وذلك إذا كان الإنسان في بلد لا يمكنه أن يقول لصاحب المنكر: هذا منكر، والرسول ﷺ يقول: (وذلك أضعف الإيمان).
وهذا للتدرج وليس للتخيير؛ لأن الإنكار باللسان مجال يقدر عليه كل الناس في بلاد المسلمين، وليس معنى الإنكار باللسان أن يكون بقسوة وعنف؛ بل قد يكون باللسان وبطريقة فيها لين، مثل أن تقول: يا أخي! اتق الله، هذا منكر، هذا محرم إلخ.
أما بالنسبة للمخططات ضد الإسلام من أعداء المسلمين، فللمسلم تجاه ذلك أدوار كثيرة: أولاً: عليك أن تحصن نفسك من هذه المخططات والمكائد التي يدبرها أعداء المسلمين، وذلك بالعلم النافع؛ لأن العلم هو السلاح، وأيضاً تحصن بيتك ومن لك سلطة عليه، بحيث لا تسمح لهذه المنكرات أو لهذه المخططات أن تصل إليهم.
ثم بعد ذلك يكون عليك دور أوسع وأكبر، وذلك بأن تسير في أرض الله تبين للناس طريق الحق وطريق الصواب، وتوضح وترسم مخططات الأعداء حسب استطاعتك، والله أعلم.
стр. 1210
الطرق التي تبلغ بها دعوة الله
السؤال
ما هي الطرق التي يمكن للمسلم أن يبلغ بها دعوة الله ؟ الشيخ: الطرق التي يمكن للمسلم أن يبلغ بها دعوة الله كثيرة، منها: وسائل الإعلام، فلو كان المسلمون الخلص يملكون وسائل الإعلام الموجودة لكانت هذه أفضل طريقة لتبليغ دعوة الله ، ولكن قد سحبت هذه الوسائل من المسلمين في كثير من الأحيان، حتى إن المساجد التي تعتبر أفضل وسيلة إعلامية يمكن أن تبلغ بها دعوة الله، أصبح المسلم -في كثير من الأحيان- لا يتمكن من استخدامها لتبليغ دعوة الله إلا في حدود ضيقة، فما دام الأمر كذلك فإن الوسائل غيرها -والحمد لله- كثيرة: كأن تسير في أرض الله فتطلع على أحوال إخوانك المسلمين، وأن تنشر العلم بالكتاب والشريط قدر استطاعتك، وأن تربي مجموعة من الشباب هنا أو هناك وترسلهم إلى بلادهم ليبلغوا دعوة الله ، وأن يكون لك لقاء مع بعض الراغبين في هذا الخير من أجل أن تبلغهم ليبلغوا بأي وسيلة من الوسائل؛ سواء كانت خطية أو مسموعة أو مقروءة أو ما أشبه ذلك.
فالطرق ميسرة -والحمد لله- لتبليغ دعوة الله في أيامنا الحاضرة، ولكني أنصح أن يقوم بذلك جماعات من المهتمين بالعلم، أو ممن عندهم شيء من العلم يمكّنهم من تبليغ دعوة الله؛ لأن هناك أموراً بديهية وأموراً أولية نسيها كثير من المسلمين في بلاد المسلمين يمكن أن يبلغها، ولذلك كما قلت لكم: أن الشرك بالله -الذي هو نقيض ما فطر الله الناس عليه من توحيد- عاد الآن إلى بلاد المسلمين مرة أخرى، وقلت لكم: الآن في بلاد المسلمين أكثر من عشرين ألف ضريح تعبد من دون الله، ولو وقف مسلم أمام هذه الأضرحة يقول للناس: يجب أن نعود إلى هذا المنهج الذي دعانا إليه رسول الله ﷺ إلخ، بكلمات معقولة لبقة؛ لأمكن أن يؤثر، وأن يفيد في كثير من الأحيان.
فيا أيها الأخ المسلم! الوسائل كثيرة، لكن عليك ألا تختار أسهلها، وإنما عليك أن تختار ما تستطيعه من هذه الوسائل.
стр. 1211
وجوب تبليغ العلم وعدم كتمانه
السؤال
دار حوار بيني وبين أخ لي في الله وهو لديه علم يحتاجه كثير من الناس، ولكنه يكتم هذا العلم، وقد دار هذا الحوار حول قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٥٩]، فقال الرجل: أنا لم أكتم الناس العلم؛ لأن لديهم ما يقوِّمون به دينهم، وكل أمر دينهم واضح، فما الجواب لهذا ومثله؟
الجواب
هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى، ولكن القاعدة دائماً في القرآن: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقد تنزل آية بمناسبة، أو في قوم معينين، ويكون حكمها لكل الناس إلى يوم القيامة، وعلى هذا نقول: هذه الآية وأمثالها عامة في كل تبيين للحق للناس ولو كان نزولها في اليهود والنصارى، فيا أخي المسلم! لابد من تبليغ العلم، وأما قول الأخ: الناس قد عرفوا الحق، فنقول: نعم، عرفوا الحق والحمد لله، فقد أصبح الطالب الآن في المرحلة الابتدائية يستطيع أن يعرف الحلال والحرام والعبادة، لكن ربما تكون هناك أهواء وشهوات تحول بين الناس وبين تطبيق هذه الأمور، فأنت حينما تبينها لهم -وإن كانوا يعلمونها- فإنما تذكرهم بشيء قد نسوه أو غفلوا عنه، فالتبيين أمر مطلوب.
стр. 1212
حكم إحياء ليلة النصف من شعبان
السؤال
هل لليلة النصف من شعبان فضيلتها الخاصة؟ وهل يجوز إحياء هذه الليلة وتخصيصها بالذكر والقرآن والذهاب إلى المسجد الحرام وغير ذلك؟ نرجو من فضيلتكم تفصيل القول في هذه المسألة.
الجواب
ليلة النصف من شعبان ورد فيها دليل ضعيف: أن القرآن نزل فيها، لكن المؤكد أن القرآن نزل في رمضان، بدليل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٦]، فالرأي القائل بأن القرآن نزل في ليلة النصف من شعبان يعتبر غير صحيح.
وحتى لو ورد فيها أفضلية، أو نزل فيها القرآن، فلم يرد لنا دليل عن رسول الله ﷺ ولا عن سلفنا الصالح أن ليلة النصف من شعبان -أو غيرها من الليالي التي لم يرد دليل في إحيائها- لها عبادة خاصة، ولذلك فإن من صام يوم النصف من شعبان لأنه اعتاد أن يصوم أيام البيض فهذه سنة، لكن لو خص يوم النصف من شعبان بصيام فإننا نعتبره مبتدعاً في دين الله تعالى، والرسول ﷺ يقول: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار).
إذاً: لم يرد في ليلة النصف من شعبان، ولا في يوم النصف من شعبان أي دليل، وعلى هذا فإن ليلة النصف من شعبان كسائر الليالي، ويوم النصف من شعبان كأي يوم من أيام النصف في الأشهر الأخرى، لا يجوز تخصيصه بعبادة، ونحن عندنا قاعدة: أن الأصل في العبادات هو التحريم، ولذلك لا يجوز لأي إنسان أن يحدث عبادة ليس عنده فيها دليل، بل إن من أحدث عبادة بدون دليل يكون أعظم عند الله ممن ترك عبادة ورد فيها الدليل.
أعني: لو أن واحداً أفطر يوم النصف من رمضان، وآخر أحيا ليلة النصف من شعبان بدون عبادة، نقول: الأول أقل خطراً من الثاني؛ لأن الأول عاص، وأما الثاني فمبتدع، والبدعة أعظم عند الله من المعصية، ولذلك فإن أصحاب النار إذا ألقوا في النار يقولون لمن أغواهم: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨] أي: عن طريق الطاعة، أي: أغويتمونا بطاعات ما ورد عليها دليل من شرع الله .
وعلى كل يا أخي! الرسول الكريم ﵊ يقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، ويقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، فنقول: ما دام أنه لم يرد دليل في تخصص ليلة النصف من شعبان بعبادة، أو ليلة مولد رسول الله ﷺ ، أو ليلة سبع وعشرين من رجب أو يومها، أو ما أشبه ذلك، ما دام لم يرد دليل فإن العبادة التي يحدثها الناس فيها تعتبر بدعة، وتعتبر ضلالة، وهي خطر أيضاً.
فأدعو إخوتي المسلمين أن نتقيد جميعاً بأوامر الله ، وأوامر الرسول ﷺ ، ومن عمل عملاً ليس عليه أمره ﷺ فهو مردود عليه.
فصوم يوم النصف من شعبان بصفة خاصة، إلا إذا جعله من أيام البيض أو من العبادات التي كان يعبد الله بها، وأحياء ليلة النصف من شعبان تعتبر من البدع التي هي ضلالة.
стр. 1213
فضل صلاة الفجر وكيفية دعوة الآخرين للمحافظة عليها في جماعة
السؤال
كيف أدعو والدي إلى المحافظة على صلاة الفجر في المسجد مع الجماعة حيث إني سلكت معه أنواعاً مختلفة من الدعوة، وأريد أن أستخدم معه أسلوب الجفاء، فماذا تقول في ذلك؟ وما دور الجار تجاه جاره من ناحية أخرى؟
الجواب
صلاة الفجر هي أعظم الصلوات الخمس؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، والمراد بـ (قُرْآنَ الْفَجْرِ) صلاة الفجر، وسماها الله تعالى قرآناً؛ لأنها تطول فيها القراءة، وهذا سنة، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] جاءت بالنص، أي: والزم قرآن الفجر، وهذا القطع يدل على أهمية صلاة الفجر، ولذلك فهي تعتبر أفضل الصلوات الخمس، وتلتقي فيها ملائكة الليل وملائكة النهار، ولا تصعد ملائكة الليل حتى تنزل ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الصبح، وعلى هذا فإن الرسول ﷺ يقول: (من صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله).
فعليك يا أخي! أن تعود نفسك وأهلك على المحافظة على صلاة الفجر، وعلى أن يصلي الذكور مع الجماعة.
أما أبوك فقد لا تملك الأمر في إلزامه، ولكن عليك يا أخي! أن تعظه وتخوفه دائماً بالله تعالى، خصوصاً أن كثيراً من الذين يتخلفون عن صلاة الفجر في المسجد لربما يؤخرونها إلى ما بعد طلوع الشمس، وهذا خطر عظيم يدخلهم في الوعيد: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، فحافظ يا أخي! على صلاة الفجر، واؤمر أباك وجيرانك وأولادك ومن تستطيع بذلك، ولكن بالأسلوب الذي يناسب كل واحد منهم.
стр. 1214
حكم ابتداء الرافضي بالسلام ورده عليه
السؤال
ما حكم الإسلام في رد السلام وإلقائه على الرافضة؟
الجواب
كلمة الرافضة كلمة عامة، فما نستطيع أن نقول: الرافضة كفرة، كما يُطلق ذلك طائفة من الناس؛ لأن الرافضة أنواع: فمن يعتقد منهم أن الرسالة ليست لمحمد ﷺ فهو كافر، ومن يؤله علياً ﵁ فهو كافر، أما أن نطلق ونقول: الرافضة كلهم مارقون من الإسلام، فلا نستطيع أن نقول ذلك، وهو خطأ، ولذلك فإن الأصل أن يسلم على المسلم، ويرد ﵇، ما دام أنه لم يتبين شيء من أمره، حتى نتأكد من أن منهج هذا الإنسان بعينه هو الرفض.
стр. 1215
حكم وضع العشب الأخضر على القبر بعد دفن الميت
السؤال
يوجد عندنا في مكة بدع، منها: أنه عندما يدفن الميت يوضع على قبره حزمة من العشب الأخضر، وعندما توجه النصيحة إليهم يقولون: إن النبي ﷺ قد فعل هذا، وذلك عندما شق الجريدة في الحديث المعروف، وبعضهم يقول: إنما يوضع هذا لكي يمنع التراب عن الميت، فما قول العلماء؟
الجواب
البدع منتشرة في أكثر بلاد المسلمين، وبلادنا هذا -والحمد لله- أقل بلاد المسلمين بدعاً، لكن نحن لا نزكي أنفسنا؛ بل علينا إذا رأينا مثل هذا الأمر -ما دام أنه لم يرد فيه دليل عن النبي ﷺ أن ننهى عنه، ولكن يجب أن يكون بأسلوب رقيق.
أما فعل الرسول ﷺ حينما أخذ جريدة فشقها شقين، ووضع على كل قبر منهما جزءاً، فإن هذا في سبب معين، كما أشار ﷺ بقوله: (أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة بين الناس، وكان الآخر لا يستنزه من البول)، ولا أدري هل تعتبر هذه حجة أو ليست بحجة، وأعتقد أنها لا تصلح حجة.
وعلى كل حال: فإن الأصل في العبادات المنع إلا إذا ورد دليل، وتغليب جانب المنع في أمر العبادات أفضل من تغليب جانب الإباحة.
стр. 1216
حكم الإفطار للمريض بفشل الكلى عند عملية الغسيل
السؤال
رجل مصاب بفشل كلوي، ويغسل الدم يوماً بعد يوم، وهو يريد أن يصوم رمضان، فماذا عليه في اليوم الذي يفطر فيه؟
الجواب
نقول: إن الله قد خفف عن المريض الصيام فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وهذا من نعمة الله ، فإذا كان هذا الأخ يغسل الكلى فهو لا يستطيع الصوم؛ لأنه يوصل الماء إلى جوفه، وما أدري: هل الطريقة التي يغسل بها مفطرة أو غير مفطرة؟ ولكن الأقرب أنها مفطرة، فنقول: في ذلك اليوم الذي يغسل فيه، إذا كان يفطر بالغسيل ولا يحتاج إلى الطعام ضرورة أو الشراب، فإنه يكتفي بهذا الغسيل، ويكلف بقضاء ذلك اليوم الذي أفطر فيه، كما لو احتاج إلى إبرة مغذية؛ لأن الإبرة المغذية أيضاً تفطر، فلو احتاج إلى إبرة مغذية فإننا نقول له: تفطر ذلك اليوم إذا كنت مضطراً لها في النهار، وتصوم بدل ذلك اليوم يوماً آخر من أيام السنة.
ثم نقول: إن أمكنه أن يغسل بالليل حتى لا يضطر إلى الفطر فهو أفضل، والله أعلم.
стр. 1217
التحذير من خروج النساء إلى الأسواق متبرجات
السؤال
فضيلة الشيخ! أدعوك إلى توجيه نصيحة إلى أخواتنا النساء اللاتي يخرجن إلى الأسواق وهن متبرجات ومتعطرات ليفتنّ من بالأسواق، وكذلك توجيه نصيحة للباعة الذين في الأسواق، وجزاك الله خيراً.
الجواب
ما أشار إليه الأخ السائل من التبرج موجود -ومع الأسف- حتى في مكة التي فيها السيئة مضاعفة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، فالله تعالى لا يؤاخذ على الإرادة إلا في مكة؛ مما يدل على أن المعصية في مكة أسوأ منها في أي مكان آخر.
وعلى هذا نقول للأخوات المتبرجات: اتقين الله ، فإن التبرج صفة من صفات الجاهلية الأولى، فعلى المرأة إذا اضطرت إلى الخروج أن تخرج محتشمة، ولا يجوز لها أن تتبرج.
ثم أيضاً: أكبر من ذلك ما يشاهد من التبرج -في بعض الأحيان- حول الكعبة بين الطائفين، والملاصقة بين الرجال والنساء، والازدحام الشديد، فعلى المرأة أن تبتعد عن مواطن الزحام، وخصوصاً عند الحجر الأسود، فإننا نلاحظ عند الحجر الأسود زحاماً شديداً، علماً أن تقبيل الحجر الأسود سنة وليس بواجب، فكيف نسعى لفعل سنة يترتب عليها الوقوع في المحرم من زحام بين الرجال والنساء؟! فنقول للأخوات: اتقين الله دائماً وأبداً، وفي مكة بصفة خاصة؛ لأن السيئة فيها أعظم منها في أي مكان آخر؛ لا سيما حول الكعبة في حال عبادة الطواف أو الصلاة وما أشبه ذلك، ويجب الحجاب وستر الزينة، وأعظم الزينة هو الوجه، وقد أصبح السفور الآن شيئاً مألوفاً حتى حول الكعبة، والله المستعان.
ثم أيضاً ننصح الإخوة الباعة أن يتقوا الله في أمر محادثة النساء، أو استثارتهم لهن، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي ربما يستعملها بعض الباعة فتكون سبباً في فساد عظيم، كما أن ذلك البائع مطالب أن يغض البصر، وأن يتقي الله ، فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، ومن تركها من أجل الله أبدله الله تعالى إيماناً يجد لذته في قلبه، كما جاء ذلك في الحديث القدسي عن الله .
стр. 1218
حكم من ترك الصلاة فترة من الزمن لأنه كان مريضاً
السؤال
رجل مات بمرض القلب وهو لم يصل منذ سنة بسبب هذا المرض، فما الحكم في تركه الصلاة لمدة سنة؟
الجواب
إذا كان تركها متعمداً فهو كافر مرتد، نسأل الله العافية والسلامة، ونخشى أن يكون مصير من يفعل ذلك إلى النار؛ لأن مرض القلب لا يمنع من الصلاة، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١]، فالمسألة ليست مسألة أن يصلي قائماً فقط، بل الأمر أوسع من ذلك، كما قال ﷺ : (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، ولو أن يشير الإنسان بعينيه إشارة إلى الصلاة.
إذاً: هذه العبادة لا تسقط بأي حال من الأحوال؛ لأنه لا يوجد أحد لا يستطيع أن يصلي وهو على جنبه، أو وهو نائم، فنقول: تركه للصلاة إن كان جهلاً فنسأل الله أن يتجاوز عنه، وإن كان عمداً فنخاف عليه أن يكون قد ارتد عن الإسلام.
стр. 1219
هيئات الإغاثة الإسلامية هيئات مأمونة للتبرع بالمال
السؤال
ما قولك في هيئات الإغاثة كالهيئة العليا لجمع التبرعات للبوسنة والهرسك، وهيئة الإغاثة لجمع التبرعات للمسلمين، وهل هي محل ثقة حتى نتبرع لها بشيء من المال وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
نعم هي محل ثقة، لكن أنا أفضل لمن كان عنده مال كثير أن يوصله بنفسه بدلاً من أن يسلمه للهيئات المتطوعة، ونحن لا نتهم هذه الهيئات، فهي موضع ثقة إن شاء الله، ونرجو أن يكون ما يصل إليها يصل بسرعة إلى الجهات التي وجه إليها هذا المال.
لكن عليك يا أخي! إذا كنت تستطيع أن توصل هذا المال بنفسك فخير لك أن توصله بنفسك؛ حتى تكون أكثر طمأنينة.
وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 1220
مشاهد الآخرة في القرآن
ذكر الله تعالى في كتابه الكريم صوراً من مشاهد يوم القيامة، وهي مشاهد شديدة الأهوال، عظيمة الفزع، ومن تلك المشاهد مشهد قرناء الدنيا حينما يلتقون في الآخرة، فإن كانوا من أهل الجنة فإنهم يفرحون بدخولها، ويذكرون نعمة الله عليهم، ويحمدونه أن أدخلهم الجنة، وإن كانوا من أهل النار فإنهم يلوم بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض.
وهناك مشاهد أخرى، كساعة الموت، والقدوم على الله، والبعث والنشور، والصراط والميزان، وشهادة أعضاء الإنسان عليه، وخراب هذا الكون وتدميره
стр. 1221
كثرة الحديث عن الآخرة في القرآن الكريم
إخواني في الله! إن الحديث عن القيامة حديث مهم جداً؛ ذلك أنها كما قال الله : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء:١ - ٣]، ومن هذا المنطلق لابد أن يكون هناك حديث بين حين وآخر عن يوم القيامة، لاسيما إذا كان الحديث عن تصوير القرآن لتلك المشاهد والمواقف، وأنتم تعلمون أن القرآن جاء ليربط الدنيا بالآخرة، وليشد القلوب إلى الله وإلى الإيمان به، من أجل ذلك كان الحديث عن القيامة والحياة الآخرة طويلاً ممتداً في القرآن العظيم، ولعلنا نقول: إن السور المكية في أكثرها تتحدث عن مشاهد القيامة في القرآن إن لم تكن كلها، والآيات المكية أكثرها يركز على هذا الجانب، لا سيما أن هذه الأمة -أقصد أمة محمد- قد ابتليت بكثير من الذين استعملوا المقاييس المادية، سواء كان ذلك في ماضيها أو حاضرها، فقد قال قائلهم في القديم: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، وقال قائلهم في الحديث: إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وليس هناك حياة آخرة، أو بداية أو نهاية.
ومن هنا كانت الحياة الإنسانية منغصة بدعايتين: الأولى: عن قدم هذا العالم وعدم فنائه.
أما القدم فإنه ادعى أن هذا الإنسان لم يوجد في فترة معينة، وإنما وجد نتيجة التفاعل الكيماوي والحيوي، كما تقول الشيوعية الملحدة، وكما يقول داروين ومن على شاكلته -عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة-: إن هذا الإنسان وجد نتيجة التعفن على هذه الأرض، ومعنى ذلك: أن الإنسان ولد كما تتولد الحشرات الضارة، كشيء من الطعام طال عليه الزمن فتولدت منه حشرات، فنمت هذه الحشرات حتى وصلت إلى قرد، ثم صارت إلى إنسان، وهاتان النظريتان نقضهما العلم، وهما: نظرية التفاعل الكيماوي والحيوي، ونظرية التطور، والله تعالى قد أخبرنا في القرآن كيف خلق هذا الإنسان.
الثانية: أنكر كثير من القوم في القديم والحديث البعث بعد الموت، وأنكروا حياة البرزخ والحياة الآخرة، وقالوا: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، وعلى هذا فإن القرآن قد ركز -خصوصاً في الآيات المكية، أي: قبل أن يصل المسلمون ويقيموا دولتهم في المدينة- على هذا الجانب، كما ركز على جانب الوحدانية؛ لأن جانب البعث بعد الموت أمر ينكره القوم وقتئذٍ، فكانت أكثر وجُلّ السور والآيات المكية تتحدث عن هذا الموضوع، ولذلك لا تكاد تقرأ السورة من سور القرآن إلا وتجد فيها الحديث عن الحياة الآخرة والبعث والجنة والنار والحساب والصراط، وغير ذلك من الأمور التي تنتظر هذا الإنسان بعد حياته.
стр. 1222
الرد على من ينكرون حياة البرزخ والحياة الآخرة
إخواني في الله! قد لا تتسع بعض العقول لمثل هذه الأشياء، وقد يستعمل أقوام المقاييس المادية ويقولون: أين حياة البرزخ؟ ولو فتشنا عن أي إنسان في قبره لما وجدنا أن هناك منكراً ولا نكيراً، ولا أنه يسأل، ولا أنه يجيب، ولا وجدنا أي شيء من ذلك، ولو وضعنا جهازاً للتسجيل لما التقط هذا الجهاز أي شيء مما تقولون! يريدون بذلك أن يقيسوا الحياة الدنيا بالحياة الآخرة.
والحقيقة أن هؤلاء الذين يقولون مثل هذه المقالات يرد عليهم من وجوه: الأول: أنهم لم يستطيعوا أن يعثروا على كثير من أسرار الحياة الدنيا، بل على جُلّ أسرارها، فكيف يفكرون أن يعثروا على أسرار الحياة الآخرة وحياة البرزخ؟! الأمر الثاني: أن الله ألقى بيننا وبين حياة البرزخ وبين الحياة الآخرة هذا الستار المتين؛ بحيث يكون الابتلاء والامتحان، ولو كان الأمر مكشوفاً كما يريد هؤلاء لما حصلت الحكمة من هذا الامتحان، ولكن الله يريد أن يمتحن العقول والإيمان.
стр. 1223
الإيمان بالآخرة يجعل الحياة حياة طيبة
من هنا كان الإيمان بالحياة الآخرة صفة من صفات المؤمنين فقط، ولا يوفق لها إلا هم، ولذلك اعتبرها الله تعالى من الحياة الطيبة، أما حياة أولئك فإنها حياة بهيمية، فالحياة الطيبة هي التي تقضى بالإيمان بالحياة الآخرة، وبحياة البرزخ والبعث بعد الموت، ولذلك يقول الله عن هذه الحياة الطيبة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧].
إن العالم الذي يعيش الآن في أمريكا وبلاد الغرب والشرق قد وصلوا إلى غاية الترف المادي، لكنهم ما وفقوا للحياة الطيبة؛ لأن الحياة الطيبة لا تكون في متاع الأجساد وإنما تكون في متاع الأرواح، ولذلك فالمؤمن مهما عاش في شظف من العيش، ولو كان في غياهب السجون، وتحت مطارق الأعداء يسام سوء العذاب، فإنه يعيش في ظل هذه الحياة الطيبة التي يقول الله عنها: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)؛ لأن الحياة الطيبة معناها: الإيمان، وتصور الحكمة من هذا الوجود، وإدراك أسرار هذا الكون، وإدراك النهاية، والإيمان بتلك النهاية التي تنتظر منذ البداية.
يقول الله أيضاً عن ذلك: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود:٣]، أي: بالحياة الطيبة في ظل الإيمان، ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣]، أي: في الحياة الآخرة.
فلا نتعجب إذا سمعنا أخبار هذا العالم المتحضر حضارة مادية، ولكنه خال من كل الروحانيات، لا نتعجب إذا سمعنا أخباره عن الانتحار، وتأتينا إحصائيات الانتحار: بأنه في كل كذا من الدقائق تكون عملية انتحار، وفي كل فترة من الزمن تكون عملية قتل، لماذا؟ لأنهم فقدوا هذه الحياة الطيبة، ويعيشون في قلق وهم وغم، ولكن المؤمن -والحمد لله- مهما يلاقي في هذه الحياة؛ فإنه ينتظر حياة أفضل من هذه الحياة، بل يعتبر ما يصيبه من نصب وهم ومصائب في هذه الحياة الدنيا غنيمة يكسب بها أجراً عند الله في الحياة الآخرة، ولا يعيب نفسه، ولا يؤنب ضميره حينما يصيبه قدر من أقدار الله؛ لأنه يؤمن بالقدر، أما ذلك فإنه يندب حظه، ويندب نفسه: كيف فعلت كذا ولم أفعل كذا؟ لأنه لا يؤمن بالقضاء والقدر.
وهكذا نعرف الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، ومن هنا يقول أحد الصالحين: والله لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه من لذة الإيمان لجالدونا عليها بالسيوف.
ويقول ابن القيم رحمة الله عليه: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.
ويقصد بجنة الدنيا لذة الإيمان، ولذة انتظار الحياة الآخرة، ولذة مناجاة الله والوقوف بين يديه، وانتظار وعده، هكذا تكون جنة الدنيا، أما جنة الآخرة فإنها جزاء لتلك الجنة.
إذاً: الحديث عن حياة البرزخ والآخرة حديث طويل جداً في القرآن.
стр. 1224
مشاهد قرناء الدنيا في الآخرة
لعلنا لا نطيل في المقدمة، ولنتحدث عن مواقف من يوم القيامة، وسأختار لكم جزءاً منها يتعلق بالقرناء في الدنيا: ما موقف بعضهم من بعض في الحياة الآخرة؟ حتى لا نسيء اختيار الجلساء والقرناء، ومن أجل أن نختار الصالحين من عباد الله.
стр. 1225
تبرؤ المتبوعين من أتباعهم في الآخرة
من هذه المواقف والمشاهد في القيامة التي تتحدث عن الجلساء، يقول الله : ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٧]، أي: يا ليت لنا رجعة إلى الدنيا، ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
معنى هذه الآيات: أن الناس في هذه الدنيا أتباع ومتبوعون، والأتباع: هم غالب وعامة الناس، والمتبوعون: هم قادة الكفر والضلال والانحراف والإلحاد والمعصية؛ ففي الدنيا يؤيد بعضهم بعضاً، ويدعو بعضهم بعضاً إلى الانحراف والضلال والغواية، ويقولون لهم في الدنيا: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم، ويزينون لهم طريق الفسق والفجور والمعصية والإثم والعدوان، حتى إذا كان الموقف الأكيد الصادق يوم القيامة بين يدي الله ، يتبرأ المتبوعون من التابعين، فيتمنى التابعون أن يعودوا إلى الحياة الدنيا مرة أخرى ليتبرءوا من أولئك كما تبرءوا منهم في ذلك الموقف، والله يقطع أسباب العودة ويقول لهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، أي: لا الأتباع ولا المتبوعون.
يقول الله: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، أي: فعلوا المعصية والكفر والشرك والعدوان، (إذ يرونَ العذاب)، أي: عذاب النار وهم على حافة جهنم، نسأل الله العافية! (أن القوة لله جميعاً)، ليس هناك ما يخلصهم إلا رحمة الله ، (وأن الله شديد العذاب)، أي: لا يستطيع المتبوعون أن يتحملوا هذا العذاب الشديد عن التابعين كما كانوا يزعمون ذلك في الحياة الدنيا.
قال الله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)، وفي قراءة بالعكس: (إذا تَبرأ الذين اتَبَعُوا من الذين اتُبعوا)، وكلا القراءتين تدل على أن العداوة قد قامت بين الصديق وصديقه، والخل وخليله على معصية الله، على الإثم والعدوان؛ بدأت العداوة وخرجت الآن، (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ) أي: رأى التابع والمتبوع العذاب، (وتقطعت بهم الأسباب)، أي: ليس هناك وسيلة للخلاص، (وقال الذين اتبعوا)، أي: المساكين الذين ما استعملوا قوتهم العقلية ولا المعايير والمقاييس الحقيقية، وإنما كانوا في ذيل القافلة، ما دام هؤلاء مسئولون فهم يسيرون وراءهم دعاة الضلال يقودونهم إلى جهنم وهم يركضون وراءهم، دعاة الضلال يزينون لهم الخبيث وهم يركضون وراءهم، لماذا؟ لأن دعاة الضلال قد استغلوا كل وسائل الإعلام العالمي، فصاروا يخادعون الناس، فمرة يتكلمون على الإسلام بأنه تخلف ورجعية، ومرة يتكلمون عن الحجاب بأنه تقوقع وانحراف وتخلف، ومرة يتكلمون عن الحدود بأنها وحشية لا تصلح لهذا الزمان ومرة ومرة إلخ، حتى انخدع الناس بهذا السراب، فصاروا يسيرون معهم ويقدمونهم، ثم في ذلك اليوم يندمون على ما فعلوا في الحياة الدنيا.
هذا مشهد من مشاهد القيامة كأننا نشاهده الآن أمام أعيننا، وكأننا نرى أمماً عظيمة تشبه السراب في كثرته وقلة أهميته تتبع أمماً أخرى كانت معها أدلة كاذبة، وكانت معها أقوام منحرفة؛ فيسير هؤلاء وراء أولئك، حتى إذا كان يوم القيامة، وبدت المعايير الحقيقية؛ حينها يتبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتبَعوا، ويتمنى التابعون أن يعودوا إلى الدنيا ولو لحظة واحدة من أجل أن يتبرءوا من المتبوعين، ومن أجل أن يسيروا في فلك وخط المؤمنين المصلحين، ولكنهم لا يستطيعون ذلك في ذلك اليوم؛ لأن الله حكم على من وصل إلى الحياة الآخرة ألا يعود الدنيا مرة أخرى، ولذلك يقطع الله تعالى أمل هؤلاء ويقول: (وما هم بخارجين من النار)، فيقطع آمالهم، ويثبت خلود هؤلاء وأولئك في النار.
стр. 1226
نداءات الفريقين في الجنة والنار
أخبر الله تعالى بنص الآيات أنه سوف يكون بين الفريقين نداءات ثلاثة: الأول: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، انظر يا أخي! إلى هذا النداء بما فيه من السخرية! كان المجرمون من قبل يسخرون في الدنيا من المؤمنين، فإذا بالمعايير تنقلب، وإذا بالمقاييس تتغير؛ فيسخر المؤمنون في ذلك الوقت من أولئك الكافرين الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا، ماذا يقولون وهم في الجنة ما بين أنهارها وبساتينها وأشجارها يطلون على أهل النار؟ وإن كان المشوار طويلاً، لكن الله بقدرته يوصل كلام هؤلاء إلى هؤلاء، وبغية هؤلاء إلى هؤلاء، فيقول أهل الجنة لأهل النار: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً﴾ [لأعراف:٤٤]، وهم يعرفون أنهم وجدوا ما وعدهم ربهم، فيقول أهل النار: نعم، وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، لماذا؟ لأن الله قد أخبرنا خبر صدق في هذه الدنيا؛ فلابد أن يكون حقيقة في الآخرة.
النداء الثاني: يأتي النداء الثاني من قوم بين الجنة والنار، وهم من على الأعراف، والأعراف كما يقول القرآن: مكان مرتفع، وهو في اللغة: المكان المرتفع أيضاً، وهؤلاء أقوام تخلصوا من النار لكن أعمالهم لم تؤهلهم بعد لدخول الجنة، فهم يقفون على الأعراف ينظرون إلى أهل الجنة وإلى أهل النار، ماذا يقول أهل الأعراف لأهل النار وأهل الجنة؟ قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف:٤٨]، جماعة يتألمون بلهب نار جهنم -نعوذ بالله- وقد كانوا في الدنيا معروفين بسيماهم، إذا مر الواحد صفقت له الجماهير، وفتحت له الطرق، لكن لم تخلصهم هذه السلطة ولا هذه المكانة من عذاب الله ، ولذلك فإن أصحاب الأعراف يسخرون منهم: أين الهيمنة في الدنيا؟ وأين تلك الموائد؟ وأين تلك الجماهير التي تفدي بالدم وبالروح؟ أين هي الآن؟ لم لا تخلصكم من عذاب الله؟ ماذا يقول أصحاب الأعراف؟ ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨]، أين الجمع؟ أين المال العظيم؟ أين الكبرياء؟ أين العظمة؟ أين الحرس؟ أين الجيش؟ كل ذلك كما يقول الله عنه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]، كما خرجت من بطن أمك بدون لباس قدمت على الله مرة أخرى بدون لباس، ليس هناك ثوب ولا سراويل؛ بل حفاة عراة غرل كما أخبر النبي ﷺ .
ثم يلتفتون إلى أصحاب الجنة فيقولون لأهل النار وهم ينظرون إلى أهل الجنة: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف:٤٩]، كنتم في الدنيا تقولون: إنهم متطرفون، ومنحرفون، وضالون، وكنتم تودعونهم السجون، وتسلطون عليهم كل وسائل العذاب والدمار، وتضلونهم في الدنيا، انظروا إليهم الآن في الجنة: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ)، كنتم في الدنيا تقولون: هؤلاء لا يستحقون الرحمة، قال لهم الله : ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٩].
إذاً: تغيرت المعايير، وأصبح الرجل الضعيف الذي كان في الدنيا مدفوعاً بالأبواب، نجده في ذلك اليوم قد أصبح رجلاً عظيماً عملاقاً، أصبح ينظر ويطل على أهل النار ويسخر منهم ينظر إلى أولئك الطغاة والمتكبرين والفسقة والعتاة، فيجدهم يتقلبون في نار جهنم ويلاقون الحسرة.
النداء الثالث: ويأتي بعد ذلك من أهل النار، وهو المرحلة الأخيرة، فأهل النار وهم في أشد العذاب -نسأل الله لنا ولكم العافية وللمسلمين- لا يجدون سلطة ولا مكانة، ولا يفكرون في كراسيهم ولا مراكزهم ولا سلطانهم ولا أموالهم ولا قصورهم، وإنما يفكرون فقط في أحد شيئين: إما في شربة من الماء يسدون بها العطش الشديد، وإما في أي شيء من أشياء هذا النعيم الذي يتمتع به أهل الجنة، ولذلك يمدون أكف الذل والمهانة إلى أهل الجنة: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٠]، لكن هل تظنون أن أهل الجنة الذين كانوا يعيشون معذبين تحت مطارق هؤلاء من أهل النار أنهم سيعطونهم شيئاً من الماء أو مما رزقهم الله؟ لا، لقد استهلكوا كل حسناتهم ونعيمهم، وعجلت لهم في الدنيا؛ فأصبحوا الآن يقاسون كل أنواع العذاب، ولذلك يرد عليهم أهل الجنة بقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:٥٠ - ٥١].
هكذا تصور لنا هذه الآيات في سورة الأعراف هذا الموقف العجيب، أمم في الدنيا تسير وراء أمم على غير بصيرة؛ فتجتمع جميعاً، وتكون كلها جثياً لنار جهنم، وأمم يخلصها الله لا بعقليات كثيرة، وإنما بتوفيق من الله ، فإذا بها تصبح في القمة في ذلك الوقت، وأمم في الدنيا كانت لها هيمنة ومكانة وسلطة وحشم وحرس، فإذا بها اليوم تقول لأصحاب الجنة وللفقراء المسلمين: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ)، فيردون عليهم بالرفض: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ).
إذاً: أيها الإخوان! هذا موقف ومشهد عظيم من مشاهد يوم القيامة، لا يجوز لنا أن نغفل عنه أو أن نتغافله؛ لأن مثل هذا الموقف نحتاج إليه دائماً، ونحن اليوم أحوج ما نكون إليه ونحن نعيش في أمة قد علا فيها الطغيان وانتفخ وعظم أمره، ونرى كثيراًَ من المؤمنين -الذين هم من خير عباد الله- يعيشون معذبين تحت مطارق الكافرين، ولكن المؤمن عليه أن يثبت في طريقه، ويصبر ويحتسب.
стр. 1227
تلاوم الأتباع والمتبوعين في النار
في سورة الصافات موقف آخر يشبه هذا الموقف، يقول الله عن هذا الموقف: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الصافات:٢٢]، معنى احشروهم أي: اجمعوهم بقوة، ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢]، أي: أشكالهم ونظراءهم ومن يشابههم في المبادئ والأفكار وما أشبه ذلك: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٣]، من أصنام وآلهة وزعماء كانوا يشرعون لهم من دون الله، والمراد بالحشر: السوق بشدة، والجمع في مكان ضيق، بحيث يزدحم بعضهم مع بعض: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٣]، أي: دلوهم إلى طريق جهنم، أيضاً: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، حتى قبل دخول النار هناك سؤال، ولكنه سؤال يختلف عن الأسئلة كلها، سؤال لا يحتاج إلى جواب؛ لأنه سؤال تبكيت وتوبيخ، وحينما يوبخ وهو على حافة جهنم يزيد الألم معه أكثر من ذلك، ولذلك يقول الله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٥]، يعني: في الدنيا كنتم تتناصرون، وكان أحدكم إذا قام وأعلن الباطل وانتفخ باطله، طوقه أقرانه وناصروه، فإذا بكم اليوم لا تناصرون، وكل إنسان يستقل بنفسه، ولا يفكر إلا في نفسه، لماذا لا تتناصرون اليوم؟ أين نصرتكم التي كانت في الدنيا؟ وأين دفاع بعضكم عن بعض؟ كان أحدهم إذا كتب عن سوء في صحيفة أو كتاب أو مجلة، فإذا بشياطين الإنس والجن كلها تتعاون في مساعدة هذا الباطل وفي الدفاع عنه، كان أحدهم في الدنيا يزعم أنه يفدي ذلك الإنسان بكل ما يؤتى من قوة، فإذا بكل واحد منهم الآن يستسلم، يقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٦]، أي: لا أحد يدافع عن أحد.
بعد ذلك أخبرنا الله بأن هناك موقفين: فيقول عن الموقف الأول في تلك اللحظة: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧]، انقسموا الآن إلى قسمين، فذهب أهل النار إلى النار، وذهب أهل الجنة إلى الجنة، (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ)، وهذا تساؤل لوم وعتاب، كل واحد يلعن الآخر ويسب الآخر: أنت الذي أغويتني، أنت الذي كنت سبباً في شقائي إلى آخر ذلك، (قَالُوا)، أي: قال بعضهم لبعض: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨]، يقول الأتباع للمتبوعين: كنتم أيها المتبوعون تأتوننا عن اليمين، هم لم يقولوا لهم: اسلكوا معنا طريق جهنم، ولكن يقولون لهم: هذا هو طريق السعادة.
هذا هو طريق الرقي والتقدم.
أما إذا سلكتم ذلك الطريق فأنتم رجعيون متخلفون، اسلكوا معنا هذا الطريق السديد، ولربما يقول بعضهم لبعض: هذا هو الطريق في أمور تشبه الطريق الصحيح، وإذا نظرنا إلى باب البدع والخرافات والشرك نجد أن كثيراً من الناس اتبعوا آخرين في طريق يشبه طريق العبادة، لكنه في الحقيقة طريق مسدود، وليس طريقاً إلى الجنة، بل طريق إلى النار.
ماذا يقول بعضهم لبعض وهم يتلاومون في جهنم؟ ﴿قالوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، أي: عن طريق الطاعة لا عن طريق المعصية، ماذا يرد عليهم أولئك؟ ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:٢٩]، أي: أنتم ما كنتم مؤمنين أصلاً، أنتم ضالون ونحن ضالون، فضللنا جميعاً الطريق، ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات:٣١]، أي: كلنا أصبحنا نذوق هذا العذاب جميعاًً.
стр. 1228
تساؤل أهل الجنة في الجنة
ومثل هذا التساؤل تساؤل آخر في الجنة تقصه علينا نفس الآيات في سورة الصافات أيضاً، يقول الله بعد ذلك: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ [الصافات:٥٠] أهل الجنة وهم في الجنة، وذلك لما انتهى التساؤل بين أهل النار جاء التساؤل بين أهل الجنة، ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠]، أي: أهل الجنة، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١]، يقول: في يوم من الأيام كان لي صديق، وانتبهوا في اختيار الأصدقاء! كان لي صديق مشيت معه مدة من الزمن، وكان يقول: لا يوجد بعث ولا جنة ولا نار ولا عذاب، ودعنا نمتع أنفسنا ونتمتع بشبابنا وشهوات الحياة، والعمر ينقضي والشهوة تنقضي.
هكذا كان حاله مدة من الزمن، وحال هذا يشبه حال دعوات تقوم الآن في أيامنا الحاضرة.
يقول بعضهم لبعض: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢]، فأراد الله وصف حال هذا الصديق الذي أغواه صديقه، فأراد الله الهداية للثاني حتى يتعظ من الأول، وقيض الله له رجالاً صالحين انتشلوه من هذا الموقف فأخذوه إلى طريق الجنة، ولذلك هو يعبر بنفسه عن هذا الموقف فيقول: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢]، أي: هل تصدق ببعث وجنة ونار؛ فهو ينكر هذه الأشياء كلها.
بعد ذلك يقول لأصدقائه في الجنة الذين هداه الله على أيديهم، فذهبوا جميعاً إلى الجنة، يقول: ابحثوا لي عن هذا الصديق الذي كان في الدنيا يريد أن يغويني، ويريد أن يوردني المهالك، ويريد أن يكبني في النار، فصاروا يبحثون عنه وينظرون إليه من شرفات الجنة، فيجدوه يتقلب في نار جهنم -نعوذ بالله- فيطل عليه ويسخر منه، اسمعوا ماذا يقول الله : ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٤]، أي: أنه رأى ذلك الرجل الذي كاد أن يكون سبباً في شقائه في ذلك الموقف، رآه يتقلب في وسط جهنم، ماذا قال له؟ ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦]، يا عدو الله! كدت أن تدخلني معك النار، لولا أن الله تعالى رحمني بلطفه وهدايته، ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات:٥٧] بأن هداني، ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧]، لكنت مثلك اليوم، ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات:٥٨]، أنت في الدنيا تقول: ما نحن بميتين ولا بمبعوثين، والدنيا لا تنتهي، فالآن انتهت الدنيا وجاءت الحياة الآخرة، ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩]، ثم يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات:٦٠]، هذه هي البداية الصحيحة التي أنقذت مثل هؤلاء من عذاب أولئك.
هذا موقف علينا أن نهتم به، لاسيما وأننا نبتلى اليوم بجلساء وأصدقاء أشقياء يوشكون أن يكونوا سبباً لدمار وهلاك كثير من الناس، إذا لم يهيئ الله لهم أسباب الهداية، ويقيض الله لهم جلساء صالحين فينقذونهم من مثل هذه المآزق التي تكاد أن تمزق كثيراً من الشباب اليوم شر ممزق.
стр. 1229
شهادة الأعضاء على صاحبها يوم القيامة
هذا مشهد من مشاهد يوم القيامة أيضاً يصور لنا ما هو أعجب من ذلك!! يصور لنا هذا الإنسان وقد وقف على حافة جهنم، تشهد عليه أعضاؤه بكل أفعاله، حينئذ كيف يستطيع أن يتخلص من شهادة هذه الأعضاء، ويتعجب كيف تشهد هذه الأعضاء! ثم بعد ذلك يزيل الله تعالى هذا العجب بأنه ليس عجيباً أن تشهد الأعضاء؛ لأنك في الدنيا ما كنت تختفي عنها، بل كانت هي التي تمارس المعصية، وتزاول الإثم.
يقول الله عن هذا الموقف الرهيب من مواقف يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ [فصلت:١٩ - ٢٠]، يعني: حتى إذا جاءوا جهنم ووقفوا على حافتها، ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ﴾ [فصلت:٢٠ - ٢١]، من باب التعجب: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٢١]، أي: وأنتم ستلاقون العذاب، ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١]، ثم يرد الله تعالى عليهم فيقول: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ [فصلت:٢٢]، في الدنيا إذا أردتم فعل المعصية وممارسة الإثم ما كنتم تستترون وتختفون عن عين الله ، بل الله كان يراقبكم، وما كنتم تستترون أيضاً عن أعضائكم؛ إذ هي التي كانت تمارس المعصية، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٤].
هذا موقف يجدر بك أن تتصوره وأنت تمارس المعصية من معاصي الله ، أو وأنت تتخلف عن واجب من واجبات الله التي افترضها الله عليك، وتصور أقرب حاسة وأدناها وأبسطها عندك أنها تشهد عليك، وحينئذٍ لا تستطيع أن تتخلص من شهادتها يوم القيامة ولا أن تمنعها؛ لأن الله تعالى يعلم هذه الأشياء قبل أن تعملها الجوارح.
стр. 1230
قيام الساعة وأهوالها
موقف آخر من مواقف يوم القيامة، يقول الله عن هذا الموقف، وهو يصور لنا هذه الدنيا وهي في ضجة ورجة شديدة، وذلك حنيما تقوم الساعة وتتغير أنظمة هذا الكون، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١]، والزلزلة معناها: الرجة الشديدة، ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ [الحج:٢]، يعني: الساعة، ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج:٢]، من يتصور أن الأم وهي أشفق الناس بولدها تنشغل عنه بشيء من الأشياء؟! ولكن يوم القيامة لشدته ولهوله ولعظمته تذهل هذه الأم المرضعة عما أرضعت وهو ولدها! بل إذا كان ولدها في جوفها فإنها تضعه قبل أن تتم المدة لماذا؟ لأن عذاب الله شديد: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
أيها الإخوان! هذا الموقف الذي يصل إليه الناس وهم مرتبكون، وهم في أشد وأحلك وأصعب ساعات حياتهم، وهم يسمعون القيامة بآذانهم، ويشاهدونها بأعينهم، ويرون هذه الأمور التي تحدث، والتي لا تطيق الأسماع أن تسمعها، ولا الأبصار أن تدركها، يرونها رأي العين ويسمعونها سماعاً حقيقياً؛ لأن هذا وعد لا يمكن أن يتخلف أبداً.
следующие страницы →