Полный текст (1 579 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قول ابن الأبار، وهو من أوائل من ترجمه ولحل هذه المشكلة نقول: نحن أمام ثلاثة أمور:
الأمر الأوَّل: أن تكون وفاة ابن يسعون متأخرة إلى ما بعد سنة ٥٥٠ هـ بحيث يكون ابن جبر في سن تسمح له بالأخذ عن الشيوخ.
الأمر الثاني: أن كون مولد ابن جبر متقدِّمًا قبل سنة ٥٣٠ هـ حتَّى يكون في سن تسمح له بالأخذ عن ابن يسعون.
الأمر الثالث: أن يكون المقصود بابن جبير الأب وليس الابن، وهو أبو جعفر أحمد بن جبير الوزير الكاتب البليغ والشاعر المحسن، من أهل النباهة، وسراوة النفس، توفي سنة ٥٥٢ هـ (١) وكلّ أمر من هذه الأمور ممكن، إذ ليس هناك نصّ قاطع في تحديد وفاة ابن يسعون، وفي مولد ابن جبير خلاف، يضاف إلى ذلك التداخل بين ترجمتي الأب وابنه، حيث يذكر كلّ منهما في ترجمة الآخر ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في الذيل ١/ ٨٠ عند الحديث عن ترجمة الأب: ". . . بلنسي سكن شاطبة أبو جعفر، وهو والد الحاج أبي الحُسين محمَّد. . . روى عنه صهره أبي زوجه أبي تليد، وأبي الحسن بن محمَّد بن هذيل، وأبوي عبد اللَّه ابن [. .] ابن الأصيلي وابن خلصة وأبي محمَّد بن محمَّد بن السيد، وتأدب بهما وأبي الوليد يوسف بن الدباغ روى عنه ابنه أبو الحسين. . . ".
_________
(١) انظر: الذيل ١/ ٧٩ - ٨١، والتكملة ٦٣.
стр. 37
وعلَّق الأستاذ الدَّكتور إحسان عباس ﵀ على الفراغ بقوله: " (٣) بياض في الأصل، والمقصود هنا: محمَّد بن أحمد بن عبد الرحمن ابن أبي العيش اللّخمي يعرف بابن الأصيلي. ترجم له ابن الأبار في التكملة ٢/ ٥٠٨ وقال حدَّث عنه أبو الحسن بن جبير، سمع منه الموطأ سنة ٥٥٧. قلت: لم يذكر ابن الأبار رواية أحمد بن جبير والد الحاج أبي الحسين عن المذكور".
وسأنقل نصًا من الذيل ٥/ ٥٩٦ - يكمل النقص المشار إليه ويصحّحه ويؤكّد على التداخل، وهو قول ابن الأبار وهو يتحدّث عن ترجمة الابن: ". . . روى أبو الحسين بالأندلس عن أبيه وأبي الحسن بن محمَّد بن أبي العيش، وأبوي عبد اللَّه: ابن أحمد بن عروس وابن الأصيلي، وأخذ العربية عن أبي الحجاج بن يبقى بن يسعون وبسبتة عن أبي عبد اللَّه بن عيسى التميمي السبتي، وأجاز له أبو الوليد يوسف بن عبد العزيز بن الدباغ. . . ".
فابن أبي العيش وابن عروس وابن الأصيلي يشترك في الأخذ عنهم الأب والابن في آن واحد مما يؤكد التداخل الذي أشرنا إليه، يؤيد ذلك أن ترجمتيهما في التكملة خلتا من هذا التداخل.
ففى ترجمة الأب ٦٣ "روى عن صهره أبي عمران بن أبي تليد، وأبي عبد اللَّه بن خلصة وأبي محمَّد البطليوسي وتأدب به. . . وله رواية أيضًا عن أبي الحسين بن هذيل وأبي الوليد بن الدباغ. . . ".
وفي ترجمة الابن ٥٩٨: "حمل عن ابن الحاج، وأخذ العربية عن ابن يسعون، وسمع بشاطبة من أبيه أبي جعفر، وأبي عبد اللَّه الأصيلي، وأبي الحسن بن أبي العيش وأخذ عنه القراءات. . . ".
стр. 38
وابن أبي العيش، وابن الأصيلي من تلامذة ابن يسعون وقد سبق التعريف بهما. وأخذُ الابن عنهما يجعلنا نميل إلى أن الذي أخذ عنه هو الأب، يضاف إلى ذلك العنصر الزمني حيث توفي أبو جعفر سنة ٥٥٢ هـ، مع عدم ذكره في الآخذين عن هؤلاء العلماء ومنهم ابن عروس، وهو "أبو عبد اللَّه محمَّد بن أحمد بن محمَّد السلميّ الغرناطي المقرئ المحدث الفقيه اللّغويّ الأديب صاحب الخطبة والصَّلاة ببلده".
روى عنه أبو الحسن سهل بن مالك. . . وأبو الحسين بن جبير، وتوفي سنة ٥٩٠ هـ وكان مولده ٥٠٧ هـ (١).
ويبقى القول الفصل في هذه القضية حتى العثور على نصّ صريح قاطع في وفاة ابن يسعون، أو مولد أبي الحسين بن جبير، ولعل فيما يطبع من أُمّهات تراثنا الخالد ما ينير السبيل، ويشفي الغليل، ويكشف النقاب، ويهدي إلى الصَّواب، في مثل هذه الأمور، واللَّه المستعان وعليه التكلان.
أمَّا قصيدة أبي الحسين بن جبير الى وعدت بإيرادها؛ فإنني سأنقلها على طول فيها رجاء الثواب، في الذب عن الأصحاب، وكشف النقاب عن الروافض الأذناب، الذين يزعمون -زورًا وبهتانًا- تحريف الكتاب، الذي تكفّل بحفظه الحافظ الوهاب.
رحم اللَّه السلطان صلاح الدين، الذي نصر الإسلام والمسلمين، وردَّ كيد أعداء الدّين، من الصليبيين الحاقدين! وأعاد للمسلمين عزَّتهم
_________
(١) تنظر ترجمته في: التكملة ٥٤٧، والذيل ٦/ ٣٤.
стр. 39
وكرامتهم ورحم اللَّه ابن جبير الذي نصح لأئمّة المسلمين، وحارب البدع والمبتدعين ولم تأخذه في اللَّه لومة لائم.
وما أحوجنا في هذا الزمان الذي كثر فيه الخبث من الأدعياء المارقين، إلى أمثال صلاح الدين، من الحكّام العادلين، وإلى أمثال ابن جبير من الأمناء الناصحين، وما ذلك على اللَّه بعزيز.
وقال يحرِّض (١) السلطان صلاح الدين على النظر في ما ظهر من البدع بالمدينة على دفينها الصَّلاة والسَّلام:
صلاحَ الدينِ أنت له نظامُ … فما يُخْشَى لعروِتِه انفصامُ
فأظهرْ سُنَّةَ اللَّهِ احتسابًا … فقد ظهرتْ بها البدعُ العظام
وفي دين الهدى حدثت أمورٌ … لها للدّين حزن واغتمام
جديرٌ أن يقامَ لها ارتماضًا … مآثمُ للورى فيها التدام
وكيف يلذُّ للأجفانِ نومٌ … وللإسلام جَفْنٌ لا ينام
وكيف تطيبُ في الدنيا حياةٌ … وطيبةٌ لا يطيبُ بها مقام
بتربتها رسولُ اللَّهِ ثاوٍ … وليس لأهلها منهُ احتشام
لو احترموه أو هابوه يومًا … لكان لصَحْبه معه احترام
وهل يرضى صلاتَهم عليه … إذا سُبَّتْ صاحبته الكرام
بأمِّ المؤمنين قد استهانوا … وللصدِّيق والفاروقِ ذاموا
_________
(١) نفح الطيب ٣/ ١٤٤.
стр. 40
عَزَوْا بعد النبيّ لهم ضلالًا … لقد ضلَّ الغواة وما استقاموا
وَسُنَّتُهُ أضاعوها امتهانًا … فما لهمُ بواجبها اهتمام
وليس يذلُّ عندهم سوى مَنْ … له بجميلِ مذهبها ارتسام
وما يدعونَ ذمَّةَ زائريه … وللذميّ قد يُرعى الذمام
ومسجدُهُ المبارَكُ عادَ سوقًا … لهمْ فيها على اللهو ازدِحام
يُعيدُ به الصَّلاة مؤذنوه … وما بإمامهم لهمُ ائتمام
إذا قاموا لها قاموا كسالى … على كرهٍ كأنهمُ نيام
يضيعون المواقيتَ اقتصادًا … ليعدمَ للصَّلاة به انتظام
وأشنع بدعةٍ حدثت صلاةٌ … لسُنِّي بشيعيٍّ تُقام
وروضتُهُ المقدسَةُ استباحوا … مهابَتها فأدمُعُها سِجام
إذا حَفُّوا بها لعبوا ازدراءً … وكان لهمْ بتربتها انتخام
وقاموا للسَّلام وفيه لَعْنٌ … لقد ساء الهدى ذاك المقام
ويرقى فوق منبره خطيبٌ … له في الدين خَطْبٌ لا يرام
هو القاضي وحسبك من قضاءٍ … له بالجورِ في الشرع احتكام
يعيبُ على أئمتنا هُداها … إماميون فُسَّاقٌ لئام
يغرهم لفاطمةَ انتسابٌ … وما لهمُ لحرمتها التئام
وهل يغني انتسابهمُ إليها … وعن دينِ الهدى لهم انصرام
ونوحٌ لابنه لم يُغْن شيئًا … ولا أغناه بالجبلِ اعتصام
أعزَّ اللَّه بالإسلام قومًا … فليس له بغيرهم قوام
стр. 41
فذلَّتْ فرقةٌ طَعَنَتْ عليهم … وهيلَ على أُنوفهمُ الرغام
وكيف يعزُّ عند اللَّه قومٌ … ودين اللَّه بينهم يُضام
نقومُ إلى الصَّلاة وهم قعودٌ … ويعلو عندها لهم الكلامُ
بلعْنٍ صُمَّتِ الآذانُ منه … وسَبِّ للصَّحابةِ يُستدامُ
وتُقرأ بين أيديهم جهارًا … توالفُ كلها زورٌ سُخام
ويسعى بين أيدينا اعتراضًا … لقطع صلاتنا منهم طَغام
فلا المأمومُ يدري ما يصلى … ولا يدري بما صلى الإمام
تراهمْ يسخرونَ بنا احتقارا … وللأحقاد عندهم احتدام
ويعتقدوننا نَجَسا خبيثًا … فليس لهم لجانبنا انضمام
يرون الجمعَ للأُختين حِلًا … وَتُعْطى البنت ما يرثُ الغلام
وما التجميعُ عندهم بشرعٍ … لقد تاهوا بباطلهم وهاموا
يقيمون الصلاةَ وهم فرادى … لقد شَرَدوا كما شرد النعام
وليس لهمْ من الإسلام حظٌّ … ولو صلُّوا مدى الدنيا وصاموا
ومَنْ قد خالف السَّلَفَ ابتداعًا … أتنفعُه الصَّلاة أو الصيام
لقد مرقوا من الدين اعتداءً … كما مرقتْ من المرمى السهام
لهمْ من أهل مذهبهم شيوخُ … أقاموا بين أظهرهم وداموا
روافضُ أحدثوا بِدَعًا وشادوا … قواعدها فليس لها انهدام
فكم غَمرٍ أضلُّوا واستزلّوا … فَحُمَّ على الضلالِ له الحمام
وكم غِرٍّ ببذل المالِ غَرُّوا … فكانَ على الحُطامِ له انحطام
стр. 42
ومغويهمْ فقيهُ الرفضِ سَيْفٌ … اتاه باسمِه الموتُ الزؤام
وفرَّ إليهمُ منكمْ حسينٌ … مخافةَ أن يُطَوِّقَهُ الحسام
فأضرمَ بالمدينة نارَ غيٍّ … أبتْ ألّا يزالَ لها اضطرام
وأوْسعَ أهلها بِرًا وبُرًا … فكان لهمْ على الغيِّ اقتحام
فما يُرْجى لهم أبدًا فلاحٌ … ولا رُشدٌ وهل يُرجى الجهام
وما لهمُ إلى خير مضاءٌ … مدى الدنيا وهل يَمْضي الكهام
لعمرك إنهم داء عُضَالٌ … وما بسوى الحسامِ له انحسام
ومن لم يرض حكمَ اللَّه شرعًا … فما دَمُهُ لسافكِه حرام
إذا انحطّ الرعيةُ في هواها … ولم تُرْدَعْ فراعيها يلام
وإن نشأتْ عوارضُ للأعادي … فبرقٌ السيف أولى ما يشام
فامضِ الهمة العليا إليهم … وجاهد أيُّها الملك الهمام
وأرضِ المصطفى في صاحِبَيْه … بنصرٍ لا يُفَلُّ له اعتزام
أتاك رضاهُ عفوًا فاغتنمه … لما ترجو وحقَّ له اغتنام
أيقبلُ منك عند اللَّه عذرٌ … وما لك من أعاديه انتقام
ولولا هيبةٌ لدفينهمْ لم … تُحَجَّ الكعبةُ البيتُ الحرام
فإن أسلمتَ دينَ اللَّه فيها … على الدنيا وساكنها السَّلام
هؤلاء هم تلاميذ ابن يسعون الذين ذكرهم مترجموه، والذين لم يذكر منهم الدّكتور هلال إلَّا اثنين حرَّف اسم أحدهما! مع علمي بأنَّه قد تتلمذ على ابن يسعون غير هؤلاء ممن ندَّ عني حصرهم.
стр. 43
مكانته العلميَّة:
استفاضت كتب التَّراجم التي ترجمت لابن يسعون بالثناء عليه، ووصفه بالإمامة في العربية، والتحقق بعلم اللِّسان مع المشاركة في علوم أخرى، فيصفه الضبي بقوله: "فقيه نحويّ أديب إمام في النحو. . . " (١).
وقال عنه ابن الأبار في المعجم ٣١٦: "من أهل المرية والمسلم له في صناعة العربية. . . وألَّف كتاب (المصباح في شرح أبيات الإيضاح)، وهو العنوان، على تحقّقه بعلم اللّسان".
وقال عنه في التكملة ٧٣٣: ". . . وعُني بالعربية فكان إمامًا فيها، مقدّمًا في فهم معانيها وله المصباح. . . دلّ على مكانه من العلم، وتحققه بالنَّحو حدث وأقرأ. . . ".
وقال عنه ابن الزبير: ". . . وكان أديبًا نحويًا لغويًا فقيهًا فاضلًا حسن الخط والوراقة، من جلّة العلماء، وعليه الأدباء، ألّف كتاب المصباح. . . وهو كتاب مفيد على طول فيه، وألّف غيره، وكان عريقًا في اللّغة والأدب، متقدمًا في وقته في إقراء ذلك والمعرفة به، وبعلم العربية مع مشاركة في غير ذلك. . . " (٢).
ووصفه عبد الباقي اليماني بقوله: "من أهل المرية، إمام في اللّغة والنَّحو له مصنفات منها: المصباح. . . جليل الفائدة، دلّ على مكانه من العلم،
_________
(١) بغية الملتمس ٤٩٧.
(٢) صلة الصلة ٢٠٥.
стр. 44
وكان يشارك في قرض الشعر، ولي قضاء المرية بعد تغلب الرّوم سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة" (١).
وردد قوله الفيروزآبادي في البلغة ٢٩٣ - ٢٩٤، ونقل السيوطي في البغية ٢/ ٣٦٣ قول ابن الزبير السَّابق الذي نقله الدّكتور هلال بالواسطة (٢).
وبمثل هذه الأقوال قال كل من ترجم لابن يسعون، ثم أثنوا على "المصباح" بما مرَّ من نصوص، وبما نزيده بسطًا في موضعه إن شاء اللَّه.
وقد تجلت مكانة ابن يسعون العلميَّة بهذه المعارف الى ضمَّنها كتابه، والتي تدلّ على غزارة علمه، وثقوب فهمه، وتنوّع ثقافته من نحو ولغة وصرف وأدب، وفقه وحديث وبلاغة ونسب.
"ونتيجة لذلك حظي ابن يسعون بمكانة علمية مرموقة، ومنزلة رفيعة بين علماء عصره. . . ويشهد بعلوّ مكانته، وسموّ قدره تصدّره للإقراء واشتغاله بالتَّدريس، وتوليه القضاء بين المسلمين في المرية" (٣).
ومما يدلّ أيضًا على مكانته العلميَّة تعقبه لجلّة من العلماء كالفارسي وابن جني والأعلم وابن بابشاذ وابن السيد البطليوسي والصقلي وابن الزيات وغيرهم، ومن ذلك قوله: "وقد أساء الحجاج الأعلم في اختياره ارتفاع (خولان) هاهنا بالابتداء، وأن تكون (الفاء) وما بعدها خبره؛
_________
(١) إشارة التعيين ٣٩٤.
(٢) ينظر ابن يسعون النحويّ ٢٠.
(٣) المصدر نفسه.
стр. 45
لأنَّ الكلام في معنى الأمر، ولا يمتنع دخول (الفاء) في الرَّفع عنده، كما لا يمتنع في قولك: (زيد فاضربه) ".
قال أبو الحجاج بن يسعون: "وهو عندي مذهب فاسد، لأنه في الأمر ينتصب بفعل مضمر يدلّ عليه هذا الظاهر، فالكلام إذَنْ جملتان، وهو على الرَّفع جملة واحدة؛ إذْ المبتدأ وخبره كالشيء الواحد، فدخول الفاء بينهما فصل قبل تمام الفائدة التي وضع المبتدأ لها وخبره. . . " (١). كما تعقبه أيضًا في شرحه للشَّاهد:
أرمي عليها وهي فرع أجمع
". . . وكذلك لم ير أبو الحجاج الأعلم ﵀ قول أبي علي في (أجمع) هنا فقال فيه في (شرح أبيات الكتاب): أجمع هنا بمعنى جميع ومجتمع، ولذلك نعت به (فرع).
وهذا قول ساقط هو فيه جحيش وحده" (٢).
وقد كان الأولى بابن يسعون؛ لعلمه وفضله، وتوليه القضاء أن يمسك عن هذه الألفاظ التي ينبو عنها السمع، ويمجها الطبع!!
كما تعقب ابن بابشاذ بقوله: ". . . وردَّ أبو الحسن بن باشاذ القول بزيادة (الفاء) وقال: (هذا عندنا لا يجوز) فإن كان أراد أهل البصرة فهذا وهمٌ، وقد أجازه جماعة منهم، أبو علي وأبو الفتح ورأيا قول الأخفش واعتمداه. وإن أراد نفسه، فلا منع له مع تجويز هؤلاء الأيمة. . . " (٣).
_________
(١) المصباح ١١/ أ.
(٢) المصدر نفسه ٩١/ ب.
(٣) المصدر نفسه ١١/ أ.
стр. 46
وقال وهو يتحدّث عن إعراب الشَّاهد (عسى الكرب): " (ووراء) ظرف متعلق (بيكون)، كما تعلّق الجار والمجرور (بكان) المفتقرة إلى الخبر في قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾.
إذ ليس في الآية شيء يجوز أن يتعلّق الجار به غير (كان) هذه؛ لأنَّ (عجبًا) و (أن أوحينا) مصدران، فلا يتقدّم عليهما ما كان في حيزهما، وهذا نصّ كلام أبي عليّ في غير موضع من كتبه، وإنما نبهت عليهما؛ لأنَّ بعض شيوخ القرّاء المتكلمين في الإعراب، زعم أنَّ (كان) لا يتعلّق الظرف بها؛ لضعفها، وكونها فعلًا مجاز، وإنما اتبع فيه قول غيره قبله، وهو قول ساقط؛ لأن (كان)، و (ليس)، ونحوهما من الأفعال الضعيفة ليست بأضعف من كأنّ وغيرها من الحروف التي تعمل في الأحوال والظروف والمجرورات.
هذا القياس المعهود، مع أنَّ النصّ في ذلك موجود، ممن يعتمد عليه، ويرجع عند الاختلاف إليه" (١).
وقوله أيضًا: "والسُّم والسَّم: في كلّ شيء لغتان، وتخصيص ابن بابشاذ لهما من الهذيان" (٢).
كما تعقَّب شيخه ابن السيد عند حديثه عن الشَّاهد (فكان نصيري) وذكره لرواية (بصيري). "قال أبو محمَّد بن السيّد: ويؤيّده رواية من روى: (فكان مجنى) والمجن: الترس. قال: وأكثر النَّاس يرويه (نصيري)
_________
(١) المصباح ١٥/ أ.
(٢) المصدر نفسه ٣٥/ أ.
стр. 47
بالنون وهو تصحيف". قال أبو الحجاج: "وهذا القول إفراط من أبي محمَّد، ورواية النون غير بعيدة من الصَّواب، وإن كانت رواية الباء أظهر، لقوله (دون)، ولم يقل (على) المستعملة مع النصر في مثل هذا النَّحو، فإن النَّصر يستعمل على وجوه. . . " (١).
ولعلَّ مما يدلَّ على مكانة ابن يسعون ﵀ موقفه من الصَّحابة ﵃: حيث وقف منهم موقف العالم الخبير المنصف، الذي يزن الأمور بميزان العقل، وكان يعرف لهم مزلتهم وفضلهم، ومن ذلك قوله وهو يتحدّث عن استشهاد عثمان ﵁: "وينبغي أن ينزه مثل محمَّد بن أبي بكر وصنفه من الصَّحابة ﵃ عن كلِّ مثلبة لا تليق بهم، ولم يصح وقوعها منهم؛ لأنَّ حاكي هذه الهنات، قوم غير ثقات" (٢).
وهذا كلام في غاية النفاسة، ينبغي أن يعض عليه بالنَّواجذ؛ لأنه لا يصدر إلَّا عن عالم جهبذ فذ، سُني المذهب، يعرف للصَّحابة -رضوان اللَّه عليهم- حقّهم، وينصفهم؛ لأنَّهم خير القرون، وهم نقلة الوحي فالطَّعن فيهم طعن في هذا الدِّين.
فموقف ابن يسعون من الصَّحابة ﵃ موقف سليم، ومنهجه معهم منهج قويم، وطريق مستقيم، لا ينبغي للمسلم أن يحيد عنه قيد شعرة.
_________
(١) المصباح ٨٠/ ب.
(٢) المصدر نفسه ١٧/ أ.
стр. 48
ولعلَّ مما يدخل في هذه البابة موقف ابن يسعون من الخوارج حيث يقول وهو يتحدَّث عن الشَّاهد:
رأتْ فتية باعوا الإله نفوسهم
"استشهد به أبو عليّ على أنَّ الشراة تزعم أَنَّهم سموا بذلك لأنَّهم شروا أنفسهم من اللَّه، أي باعوها في ابتغاء مرضاته وأنَّ هذا من دعواهم.
وليس الأمر عند أهل الحقّ كذلك. . . " (١).
وهذا نصّ قاطع يدلّ دلالة واضحة على أنَّ ابن يسعون لا يرى رأي الخوارج، ويرى أنَّهم ليسوا من أهل الحقّ. وهو محقّ في ذلك.
أدبه:
ولعلّ مما يدخل في هذا الباب أدبه؛ حيث كان من جلّة العلماء، وعلية الأدباء، ولُقِّب بالأستاذ، وهو لا يطلق في المغرب إلَّا على النَّحويّ الأديب (٢) ويظهر أدبه جليًا في حفظه للشِّعر، وتذوّقه له، ومعرفته بالرِّوايات المختلفة للأبيات، واستحسانه لبعضها، وشرحه لغريب الشِّعر، وبيان معانيه، وكشف مراميه، حيث شرح شعر امرئ القيس والنابغة الذبياني، ووقف على كثير من شروح الشعر، مما يرد في مصادره إن شاء اللَّه، وكان يستحسن بعض القصايد، ومن ذلك قوله وهو يتحدَّث عن الشَّاهد:
قضى كلّ ذي دين. . . . . . .
_________
(١) المصباح ٨٦.
(٢) انظر: الخريدة ٣/ ٥٧١.
стр. 49
"وبيت كثير هذا من قصيدة حسنة مختارة يرثي فيها عبد العزيز بن مروان. . . " (١).
ومن ذلك قوله وهو يتحدَّث عن الشَّاهد: (فليت كفافا. . .): "البيت لزيد بن الحكم. . . . من قصيدة طويلة ثبتت في (الأمالي) وغيرها، ونسبها بعضهم لطرفة بن العبد، ولا يصحّ ذلك، ولا يشبه شعر طرفة، وليزيد في هذا النَّحو عدّة قصائد، وهو شاعر ثقيف في الإسلام" (٢).
وقوله أيضًا وهو يتحدّث عن الشَّاهد: (ديار التي كادت. . .): "وهذا البيت من قصيدة طويلة لقيس أوَّلها -وهو من أحسن الابتداءات-:
أتعرف رسمًا كاطراد المذاهب … لعمرة وحشا غير موتف راكب" (٣).
وقوله أيضًا وهو يتحدَّث عن الروايات في الشَّاهد: (فلا أب وابنا. . .): "يروى:
إذا ما ارتدى بالمجد ثم تأزرا
وكذا رواه ابن الأنباريّ، ورواية الكتاب أجود، لأنَّ الايتزاز قبل الارتداء، ففي الكلام تقديم وتأخير، تحتمله (الواو)؛ لعدم الرتبة فيها، ولا تحتمله (ثم) للرتبة التي وضعت لها. . . " (٤).
_________
(١) المصباح ١٣.
(٢) المصدر نفسه ٢١.
(٣) المصدر نفسه ٣٣.
(٤) المصدر نفسه ٥٢.
стр. 50
وقوله أيضًا وهو يتحدّث عن الشَّاهد: (غدت من عليه. . .): "هذا البيت لمزاحم. . . وقصيدته هذه اللامية من أحسن ما وصف به القطا، وكذلك قصيدة حميد بن ثور. . . " (١).
هذه بعض الأمثلة الى تدلّ دلالة قاطعة على كون ابن يسعون أديبًا ذواقة للشِّعر، يحفظه وينقده، ويفاضل بين رواياته، بأسلوب (٢). واضح العبارة، مشرق الديباجة، قويّ العارضة، مع ملكه لزمام فكرته، وقدرته على التَّعبير الجيِّد عنها وإن دقت، مع حرصه على أن يوشي كلامه بين الفينة والفينة بسجعات متتاليات مطبوعات، يبدو فيها جمال الجرس، وحسن الوقع وجودة السبك، ومن أمثلة ذلك:
قوله في مقدِّمة الكتاب: "أما بعد حمدًا للَّه على ما أولاه، والصّلاة على محمَّد رسول اللَّه الذي اصطفاه، وعلى سائر من اجتباه، ممن تقدّمه أو تلاه، فإني كنت في زمن الشباب، والتحلي بحلية الآداب، حريصًا على صرفت الخاطر السويّ، إلى شرح أبيات الإيضاح لأبي علي، الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفسوي، لكونه من أصغر الكتب النَّحوية حجمًا وأوفرها من صحة التقسيم قسمًا، وأجمعها فوائد، وأنفعها شواهد" (٣).
وقوله وهو يتحدّث عن الشَّاهد: (أعد نظر أيا عبد قيس. . .): "وقول الفرزدق: (أعد نظرًا) إشارة إلى ضعف ضوء هذه النَّار،
_________
(١) المصباح ٥٨.
(٢) ينظر ابن يسعون النحويّ ٢٢.
(٣) المصباح ٢.
стр. 51
وأنَّها لا يرتبط حولها غير حمار، وقد قيّد أشدّ التقييد، لئلا يمتدّ إلى المرعى البعيد، إما لضيق الفنا، أو لخوف المغار والعدي؛ إذ أهله أهل ذلة، وأفراط خمول وقلة، ليسوا أرباب جياد، ولا أصحاب جلاد، وهذا عكس قول الأخنس ابن شهاب في أحد المذهبين:
وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم … ونحن خلعنا قيده فهو سارب" (١).
شعره:
نظم ابن يسعون الشِّعر كما ينظمه العلماء غير أنَّه لم يصل إلينا من هذا الشعر ما يجعلنا نستطيع الحكم على شاعرية الرَّجل؛ حيث لم يصل إلينا من شعره سوى بيتين ذكرهما في سياق حديثه عن الشَّاهد (وكائن بالأباطح) حيث يقول: "وهذا له أمدح، وبوفائه أفصح، وكلا المعنين حسن لازم للصديقين كما قلت:
أبكى وتبكى رحمة وصبابة … فالكلّ مشغوف شديد بكاء
لا خير في الأحباب ما لم يقسموا … حلو الحياة ومرّها بسواء
وهذا المعنى الأخر، كما قال بعضهم، أنشدهما أبو إسحاق الحصري:
مزجت نفسك من نفسى كما … تمزج القهوة بالماء الزلال
فإذا نالك شئٌ نالني … فكأني أنت في كل الخِلال" (٢)
_________
(١) ينظر ابن يسعون النَّحوي ٢٢.
(٢) المصباح ٤٧.
стр. 52
فقهه:
ومما يدلّ على مكانة ابن يسعون العلميَّة، تولية القضاء والأحكام في بلده المرية، وهذه منزلة علميَّة دينيَّة عليّة، لا يصل إليها إلَّا أفاضل النَّاس، ممن يتحلّون بالعلم والعدل والفطة، وحسن الخلق وقد نصّ على ذلك ابن الأبار حيث يقول: "من أهل المرية، وصاحب الأحكام بها (١)، وكذلك ابن الزبير حيث يقول: ". . . وسكن المرية وبها قرأ وأقرأ وولي أحكامها (٢) يؤيِّد ذلك ما نجده من إشارات فقهيَّة في كتابه المصباح، ومن ذلك قوله وحيو يتحدَّث عن النِّداء: ". . . وكأنَّ السيرافي بني احتجاجه على مذهبه أنَّ النَّداء ليس بخبر، وغيره يجعله خبرًا، أو في حكم الخبر، ولذلك لزم الحدّ مَن قال لأخيه المسلم: (يا فاسق) " (٣).
ابن يسعون والنسب:
ومما يدلّ على مكانة ابن يسعون العلميَّة معرفته بالأنساب، وعلم النسب من العلوم الدَّقيقة، الوعرة المسلك والطريقة، ومع ذلك فقد نبغ فيه ابن يسعون، إذْ يفيض كتابه (المصباح) بهذا العلم؛ إذ كان يذكر الشَّاهد وينسب صاحبه، ومن ذلك:
قوله وهو يتحدَّث عن الشَّاهد (تعدون عقر النيب. . .): "البيت لجرير بن عطية بن الخطفي -حذيفة- بن بدر بن سلمة بن عوف بن
_________
(١) التكملة ٧٣٢ - ٧٣٣، والمعجم ٣١٦.
(٢) صلة الصلة ٢٠٥.
(٣) المصباح ٥٩.
стр. 53
كليب بن يربوع التميمي" (١).
وقوله أيضًا: ". . . وخولان المشهورة: خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مرَّة بن أدد، وفي قضاعة أيضًا، خولان بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة، وهى أيضًا قبيلة عظيمة أكثرها باليمن. . . " (٢).
وقوله أيضًا وهو يتحدَّث عن الشَّاهد: (وكان سيان. . .): "البيت لأبي ذؤيب الهذلي من قصيدة مشهورة. وقال بعض الشيوخ: هو لرجل من النبيت بن قاسط فوهم فيه وهمين:
أحدهما: أنه توهَّمه من قصيدة النبيتي التي منها:
ورد جازرهم حرف مصرمه … . . . . . . . . . البيت
والوهم الثَّاني: قوله ابن قاسط، وإنما النبيت بن مالك بن الأوس، وقد تقدَّم اسم النبيت ورفع بعد ذكر بيته. . . " (٣).
هذه بعض الأمثلة التي تدل على علم ابن يسعون بالنَّسب ومعرفته به وتدل أيضًا على تعدّد معارف الرَّجل وتنوّع ثقافته.
ومما يدلّ على مكانة ابن يسعون العلميَّة أنه كان نحويًا لغويًا صرفيًا، وسأتحدّث عن هذه الأمور عند حديثي عن كتابه (المصباح)؛ تلافيًا للتكرار، وإيثار للاختصار.
_________
(١) المصباح ٤.
(٢) المصدر نفسه ١١.
(٣) المصدر نفسه ٦٢ (٣١٧).
стр. 54
آثاره:
لم تكثر تصانيف ابن يسعون لاشتغاله بالتَّدريس والإقراء والقضاء في بلده المرية، وقد دارت هذه المصنفات في فلك النحو والأدب، وهذا بيانها:
١ - شرح بيوت الكتاب.
ذكره ابن يسعون في سياق حديثه عن قول ساعدة: (حتى شآها كليل. . .)؛ حيث يقول: "وهذا البيت من بيوت الكتاب، وقد استوفينا الكلام عليه هنالك، ولنا في إكمال شرحه أمل إن تراخي الأجل" (١).
٢ - شرح أبيات الجمل.
ذكره البغدادي في شرح أبيات المغني ٢/ ٢٣ عند حديثه عن قول أبي ذؤيب:
وكان سيان ألا يسرحوا نعما … أو يسرحوه بها واغبرت السوح
". . . وكذا قال ابن يسعون في شرح أبيات الجمل".
٣ - شرح ديوان امرئ القيس.
ذكره ابن يسعون في كتابه (المصباح) عند حديثه عن الشَّاهد:
وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان
حيث يقول: "هذا عجز بيت لامرئ القيس بن حجر الكندي. وقيل: اسمه حندج، وامرؤ القيس لقب غلب عليه، ومعناه رجل الشدّة، وفيه غير هذا، وقد ذكرناه في ديوان شعره" (٢).
_________
(١) المصباح ٣٤.
(٢) المصدر نفسه ٥٧.
стр. 55
٤ - شرح ديوان النايغة.
أشار إليه ابن يسعون في سياق حديثه عن الشَّاهد:
ورد جازرهم حرفًا مصرمة … ولا كريم من الولدان مصبوح
حيث يقول: "هذا البيت لرجل جاهلي من النبيت، واسمه عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وله ولحاتم الطائي والنابغة الذبياني خبر طريف في اجتماعهم عند ماوية بنت عفزر خاطبين لها، فغلبت حاتمًا وتزوجته، وقد أثبت الخبر في قصيدة النابغة التي أوَّلها:
بانت سعاد وأمسى حبلها انجدما" (١)
وهذا المصنَّف لم يذكره الدّكتور هلال.
٥ - المصباح لما اعتمّ من شواهد الإيضاح.
وهو أشهر مصنفات ابن يسعون، وقد ذكره كلّ من ترجم له. وهذه الدراسة معقودة له.
_________
(١) المصباح ٤٩.
стр. 56
الفصل الثَّاني: دراسة الكتاب
стр. 57
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح
كتاب شرح فيه ابن يسعون البيوت التي استشهد بها أبو عليّ الفارسى في كتابه (الإيضاح)، و (الإيضاح) عند المصنف يشمل ما يعرف الآن (بالإيضاح العضدي والتكملة) وهما كتاب واحد في عرف جلّ شرَّاحهما وشرّاح شواهدهما كالقيسي والعكبري وابن يسعون. وجعلهما بعض العلماء كتابين، ومنهم الجرجاني (١).
"و (المصباح في شرح أبيات الإيضاح) من أرفع الكتب شأنا، وأعلاها قدرًا وأسماها منزلة، وأغزرها مادة، فقد شرح مؤلفه شواهد الإيضاح شرحًا كشف غموضها، وأزال إبهامها، وفتح أغلاقها، وأدار حولها البحوث اللّغوية والنَّحوية والصرفيَّة الجيدة، وعُني بالتعليل للأحكام النَّحويَّة والصرفيَّة، وتفسير الظواهر اللّغوية والإعرابية، والاحتجاج لها بالشَّواهد النثرية والشِّعرية، واهتم بعرض المذاهب النَّحوية في القضايا الخلافية، وناقشها واختار منها ما رآه جديرًا بالاختيار، وردَّ ما رآه مستحقًّا للرّدّ، وتوصَّل باجتهاده إلى بعض الآراء المبتكرة، والتعليلات المبتدعة، كما أنه حرص على تحليل المادة العلمية، وتوجيه الشَّواهد إذا اصطدمت بالقواعد المقررة والأصول المستنبطة، وأدار الكلمة
_________
(١) ينظر أبو علي الفارسي ٤، ٥، وشرح شواهد الإيضاح ٤٢، وابن يسعون ٢١٣، والتكملة ١٩ - ٢١.
стр. 58
أو الأسلوب على ما يحتمله من أوجه الإعراب المختلفة، مفاضلًا بينها بالتعويل على المعنى، والاعتماد على السياق.
والكتاب يمثل تجربة حية رائعة للعيش مع النصوص الجيدة، وإطالة التأمل فيها، واستنباط القواعد منها، وبذلك يتحقّق الوصل المنشود بين النص الجيد والقاعدة، ويحيا هذا النص في نفس دارسي النحو، وتنمو لديهم ملكة تذوقه؛ لعلهم يحذون حذو أسلافهم الذين جمعوا بين إتقان النحو والبصر بالأدب من أمثال سيبويه والمبرِّد وابن جني وغيرهم.
وإذا أضفنا إلى ما تقدّم أنَّ ابن يسعون هو أوَّل من شرح أبيات الإيضاح، وأنَّ من جاءوا بعده قد انتفعوا بشرحه، وأفادوا منه؛ أدركنا أهمية هذا السفر الجليل التي توجب أن يتعرَّف عليه دارسو العربية، والشادون في النحو (١) ".
وقد نقلت هذا النص على طول فيه، لأصحّح خطأ وقع فيه الدّكتور هلال وهو قوله: "أنَّ ابن يسعون هو أوَّل من شرح أبيات الإيضاح"، والحقيقة أنَّ ابن يسعون ليس أوَّل من شرح أبيات الإيضاح ولكنه مسبوق بغيره من العلماء كالفارسي والصقلي الكاتب وغيرهما فهذا ابن النديم وهو يتحدّث عن مؤلفات الفارسي يقول: ". . . كتاب شرح أبيات الإيضاح" (٢).
_________
(١) انظر: ابن يسعون النحويّ ٢١٣ - ٢١٤.
(٢) الفهرست ٩٥، ومقدمة الإيضاح هـ.
стр. 59
مع العلم بأن بعض معاصري ابن يسعون قد شرحوا أبيات الإيضاح كالشنتريني والقيسي، ومنهم من لم تعلم سنة وفاته بحيث يعرف السَّابق من اللاحق، وينسب الفضل لأهله.
١ - تحقيق اسمه:
لعل أوَّل ما يعنينا في حديثنا عن الكتاب هو تحقيق اسمه؛ إذ ورد بأسماء مختلفة منها:
١ - (المصباح في شرح ما أعتم من شواهد الإيضاح) سمّاه بهذا السيوطي (١) وهو مأخوذ من قول ابن يسعون في المقدّمة: "وأرجو أن يكون كتابي هذا أجلى مصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح".
٢ - (المصباح في شرح ما انبهم من شواهد الإيضاح) ورد بهذه التسمية عند ابن الزبير في صلة الصلة ٢٠٥، ولم يذكر ذلك الدّكتور هلال، لأنه لم يطَّلع على هذا الكتاب!
٣ - (المصباح في شرح الإيضاح) ورد بهذه التسمية عند الضبي في بغية الملتمس ٤٩٧، والظاهر أن كلمة (أبيات أو شواهد) سقطت من الناسخ، إذْ الكتاب شرح لشواهد الإيضاح الشِّعريَّة (٢).
٤ - (المصباح في شرح شواهد الإيضاح) سمّاه بهذا حاجي خليفة وعمر رضا كحالة (٣).
_________
(١) انظر: البغية ٢/ ٣٦٣.
(٢) ينظر: ابن يسعون النحويّ ٢١٥.
(٣) ينظر: كشف الظنون ١/ ٢١٤، ومعجم المؤلفين ١٣/ ٣٤٢.
стр. 60
٥ - (شرح شواهد الإيضاح) ذكره البغدادي بهذا الاسم في الخزانة، ٣/ ٣٠١، ٥/ ٣١١، وشرح أبيات المغني ٤/ ١١٣، وسمّاه في الأخير ٤/ ١١٤.
٦ - (شرح أبيات الإيضاح).
٧ - (المصباح في شرح أبيات الإيضاح) وردت هذه التسمية على غلاف نسختي الكتاب المخطوطتين، وذكرها ابن الأبار في المعجم ٣١٦ والتكملة ٧٣٣ وكذلك اليماني والفيروزآبادي والسيوطي والزركلي (١).
ورجّح الدّكتور هلال هذه التسمية للأمور التالية:
الأمر الأوَّل: أنَّ هذا الاسم هو المذكور على غلاف نسخة الكتاب المخطوطة وفي نهاية الجزء الأوَّل، وفي آخر الكتاب.
الأمر الثاني: أنَّ ابن الأبار سمّاه به، وهو أقدم المترجمين لابن يسعون وأقربهم إلى عهده.
الأمر الثَّالث: أنه أقرب إلى مضمون الكتاب، وألصق بمحتواه؛ إذ شرح فيه ابن يسعون ما ورد في الإيضاح من أبيات شعرية دون غيرها (٢) ".
٨ - (المصباح لما أعتم من شواهد الإيضاح).
_________
(١) ينظر: إشارة التعيين ٣٩٤، والبلغة ٢٩٣، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٩٤، والأعلام ٩/ ٣٣٨.
(٢) ابن يسعون النحويّ ٢١٥.
стр. 61
وأنا أرجح هذه التسمية، لقول ابن يسعون في المقدِّمة "وأرجو أنْ يكون كتابي هذا أجلى مصباح لما اعتم من شواهد الإيضاح"، ولأن ابن يسعون صرَّح باسم كتابه في نهاية نسخة الأصل حيث يقول: ". . . قد وفيت بما وأيت من تأليف كتاب المصباح لما اعتم من شواهد كتاب الإيضاح" (١).
فهذا نص قاطع في تسمية الرجل كتابه بهذا الاسم، وفيه أيضًا ردّ على الدّكتور هلال الذي يقول: "لم يصرِّح ابن يسعون باسم كتابه، ولكن جرى ذكره بأربعة أسماء" (٢).
والأسماء قد وصلت إلى ثمانية، وكلّها متقاربة في تأدية المعنى.
٢ - توثيق نسبته:
يمكن الاستدلال على أنَّ كتاب (المصباح) لابن يسعون بالأدلة التالية:
١ - ما ورد على غلاف نسختي الكتاب المخطوطتين، حيث ورد على نسخة الأصل (كتاب المصباح شرح أبيات الإيضاح للعلَّامة ابن يسعون) وجاء في مقدِّمتها (. . . قال الشيخ الفقيه الأجل الأستاذ النَّحويّ الأفضل أبو الحجاج يوسف بن أبي عبد الملك يبقى بن يوسف بن يسعون التجيبي. . .).
وجاء في نهايتها: "قال الفقيه الأجل، الشيخ الأستاذ الأفضل، الحافظ النَّحويّ اللغويّ الأكمل، أبو الحجاج يوسف بن أبي عبد الملك بن
_________
(١) المصباح ١٩٧.
(٢) ابن يسعون النحويّ ٢١٤.
стр. 62
يسعون من أهل تاجلة المرية أدام اللَّه رفعته - "قد وفيت بما وأيت من تأليف كتاب المصباح لما اعتمّ من شواهد كتاب الإيضاح. . . ".
وجاء على نسخة ب: "الجزء الأوَّل من كتاب المصباح شرح أبيات الإيضاح تصنيف الأستاذ السريّ الإمام النَّحويّ اللّغويّ أبي الحجاج يوسف بن عبد الملك بن يسعون".
وجاء في مقدّمتها: "قال الأستاذ السريّ والإمام النَّحويّ اللّغويّ أبو الحجاج يوسف بن أبي عبد الملك بن يسعون. . . ".
وجاء في نهايتها: "تم الجزء الثَّاني وهو النصف من كتاب المصباح شرح أبيات الإيضاح، شرح الأديب أبي الحجاج يوسف بن يسعون الأندلسي وبتمامه نجز الكتاب بأسره" (١).
٢ - أجمع المترجمون (٢) لابن يسعون على أنَّ له كتابًا يسمّى (المصباح) كالضبي وابن الأبار وابن الزبير واليماني والفيروزآبادي والسيوطي وحاجي خليفة والزركلي وعمر رضا كحالة وغيرهم.
٣ - النصوص المنقولة من هذا الكتاب، وهذه أمثلة منها:
_________
(١) المصباح نسخة ب ٢٨٦.
(٢) ينظر: بغية الملتمس ٤٩٧، والتكملة ٧٣٣، والمعجم ٣١٦، وصلة الصلة ٢٠٥، وإشارة التعيين ٣٩٤، والبلغة ٢٩٣، والبغية ٢/ ٣٦٣، وكشف الظنون ١/ ٢١٤، والأعلام ٩/ ٣٣٨، ومعجم المؤلفين ١٣/ ٣٤٢.
стр. 63
أ - قال صاحب شرح شواهد (١) الإيضاح في سياق حديثه عن الشَّاهد:
تزوَّد مَثْلَ زادِ أبيك فينا … فنعم الزادُ زاد أبيك زادًا
قال أبو الحجاج: "وقد وجدت لأبي بكر بن الأسود بن شعوب اللّيثي، وشعوب أم الأسود" ثم ذكر بيتين من الشعر، والنصّ في المصباح ١٩.
ب - وقال أيضًا (٢): وهو يتحدّث عن الشَّاهد:
كأن مجر الرامسات ذيولها … عليه قضيم نمقته الصوانع
قال أبو الحجاج: "بل لابدّ من اعتقاد محذوفات ثلاثة يصحّ بها المعنى تقديرها: كأنَّ أثر موضع مجر الرامسات ذيولها نقش قضيم". والنص في المصباح ٤١.
ج - قال ابن هشام في تخليص الشواهد وهو يتحدّث عن الشَّاهد:
فلا مزنة وَدَقَتْ وَدْقَها … ولا أرض أبقل إبقالها
"ومزنة: مبتدأ، أو اسم لا على إلغائها أو إعمالها عمل ليس، وهي واحدة المزن، وهو السحاب الأبيض، ويقال للمطر: حبّ المزن ووهم ابن يسعون فقال: المطر نفسه، ويردّه قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ (٣). . . وذكر ابن يسعون أنَّ بعض الرواة رواه بالتَّاء، وبالنَّقل المذكور. . . ".
والمعنى المذكور والرواية في المصباح ٩٠.
_________
(١) انظر: ١١٠.
(٢) انظر: شرح شواهد الإيضاح ١٧٤.
(٣) سورة الواقعة، الآية: ٦٩.
стр. 64
والذي لا نوافق ابن هشام عليه نسبته الوهم لابن يسعون؛ لأنَّه عالم باللّغة، راوية للشِّعر، يشهد له قول أوس بن حجر في ديوانه ٥٧:
ألم تر أنَّ اللَّه أنزل مُزْنةً … وعفر الظباء في الكناس تَقمَّعُ
ومن قبل ذلك ومن بعده، فإنَّ العرب تسمي السحاب سماءً وكذلك المطر. ألا ترى إلى قول معود الحكماء:
إذا سقط السماءُ بأرض قوم … رعيناه وإن كانوا غضابا (١)
د - نقل العيني في المقاصد النَّحويَّة عن ابن يسعون في أكثر من اثنين وعشرين موضعًا منها قوله وهو يتحدَّث عن الشَّاهد:
فلا أب وابنًا مثل مروان وابنه … إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
". . . وقال ابن يسعون: وضرب الشَّاعر التأزر والاتداء مثلا، لما أحرزاه من كمال وعلاء؛ لأنَّ الارتداء لا يحسن إلَّا ممن بلغ من شرف الملبس الانتهاء، كما أنَّ شدّ الإزار من الأوصاف المقتضية للحزم أو للعفاف أو لهما معًا، أو جامعهما على موضع من الشَّرف" (٢).
والنص في المصباح ٤٩/ ب، وفي نص العيني خطأ صوابه "وجامعهما أعلى من الشرف موضعا".
_________
(١) انظر: شرح الحماسة ١٤٣١ - ١٤٣٢، والصحاح (مزن).
(٢) المقاصد النحوية ٢/ ٩١٤ رسالة ماجستير بجامعة الإمام، كلية اللغة العربية، مقدمة من الباحث إبراهيم الطيار سنة ١٤٠٦/ ١٤٠٧ هـ.
стр. 65
٥ - وقال السيوطي في شرح شواهد المغني ١/ ٣٩٤ وهو يتحدّث عن قول جذيمة:
ربما أوفيت في علم … ترفعن ثوبي شمالا
قال صاحب (المصباح في شرح أبيات الإيضاح): "يحتمل بقاء (ربَّ) هنا على معناها من التقليل؛ لأنَّ جذيمة ملك جليل، لا يحتاج مثله إلى أن يتبذل في الطلائع، لكنه قد يطرأ على الملوك خلاف العادة، فيفخرون بما ظهر منهم عند ذلك من الصبر والجلادة". والنص في المصباح ٥٣/ ب.
و - ونقل عنه العلَّامة البغدادي ﵀ في كتابيه، الخزانة، وشرح أبيات المغني، ومن ذلك قوله في الخزانة ٥/ ٣١١ وهو يتحدّث عن الشَّاهد:
وقد جعلت نفسى تطيب لضغمة … لضغمهماها يقرع العظمَ نابُها
"وقال ابن يسعون في شرح شواهد الإيضاح: استشهد به أبو علي على وقوع الضمير المتصل موقع المنفصل؛ لأنَّ مجيء الضمير المنفصل مع المصدر أحسن، والمصدر هو لضغمهما، وهو مضاف إلى هما وهما في المعنى فاعلان، والمفعول المضغوم محذوف، ولو ذكره مع ها المتصلة العائدة على ضغمة لقال: لضغمهما ها إيّاي. ولو أتى بضمير الضغمة منفصلًا على الوجه الأحسن لقال: لضغمهما إيَّاي إيَّاها فكان يتقدَّم لوجهين: أحدهما لأنه ضمير المخاطب، وهو أولى بالتَقدّم من ضمير الغائب، والوجه الثَّاني أنَّ إيَّاي ضمير المفعول به وإيَّاها ضمير المصدر، وهى فضلة مستغنى بما هو آكد منها. . . ".
стр. 66
والنص في المصباح ٧ وفي نص البغدادي نقص وخطأ "إيَّاي - ضمير المخاطب" وتمام النصّ وصوابه: "فكان إيَّاي يتقدم لوجهين: أحدهما لأنه ضمير التكلم وهو أولى بالتقدّم من ضمير الغائب. . . ".
ولم يتنبّه لهذا الأستاذ عبد السَّلام هارون ﵀، وكذلك الدّكتور هلال مع اعتماده على النسخة التي فيها الصَّواب (١).
هذه بعض الأدلَّة التي تدلّ دلالة قاطعة على أنَّ كتاب (المصباح) لابن يسعون وليس لغيره.
٣ - زمن تأليفه:
أشار ابن يسعون إلى السنة التي انتهى فيها من تأليف كتابه وذلك حيث يقول: "وقد وفيت بما وأيت، من تأليف كتاب المصباح لما اعتمّ من شواهد كتاب الإيضاح، في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، بعد أن ذهبت في بعضه إلى الاختصار؛ خوفًا من سآمة الإكثار، ومع ذلك فأنَّى لي بالسَّلامة من ملامة ذي السآمة، إلَّا أن يزعه كرم طباع، أو يوزعه أمم انتفاع، فإني قد جهدت جهدي في إيضاح ما أشكل، وسمت عقلًا طال ما أعقل، ونبهت على كثير مما حذف، ودللت على سقوط من اعترض المؤلف، رجاء في شكر منصف لا يغمط الإحسان، وإقامة عذر في تقصير إن كان، فقد يجول في غير سبيل مراده الإنسان، ويحول بينه وبين ما
_________
(١) انظر: ابن يسعون النحويّ ٥٥، ونسخة ب ١٠.
стр. 67
يعلمه النسيان، ولن يسلم المتحفظ من زلل، ولا يعدم المتيقظ غفلات الكسل، فسبحان من خصَّ نفسه بالكمال، وجل عن النظير والمثال، وله واجب الحمد، على المعونة والرفد، وصلواته دائمة النماء، على خاتم الرسل والأنبياء، محمَّد بن عبد اللَّه، وعلى آله الكرماء، وسلامه عليه وعليهم مدى الآناء، والحمد للَّه على ذلك" (١).
ولم يشر إلى زمن تأليف الكتاب الدّكتور هلال.
٤ - سبب تأليفه:
بيَّن المصنِّف ﵀ السبب الذي حمله على تصنيف هذا الكتاب بقوله في مقدِّمته: ". . . فإني كنت في زمن الشباب، والتحلي بحلية الآداب حريصًا على صرف الخاطر السويّ، إلى شرح أبيات الإيضاح لأبي علي. . .، لكونه من أصغر الكتب النَّحويَّة حجمًا، وأوفرها من صحة التقسيم قسمًا، وأجمعها فوائد، وأنفها شواهد،. . . فمددت الآن إلى شرحها يدًا، لم تفرغ شواغل الهموم لربها خلدًا، فدللت على مكنون أسرارها، ووصلت كثيرًا من منفصل أشعارها؛ لأزيد الغرة تحجيلًا، والدّرة بأختها تبجيلًا، فربّ بيت بغيره معقود، ومحلى بما سواه بتجيان وعقود، وكم لفظ عن فعنى؛ لغموضر إعراب أو معنى، منبئًا في أكثرها عن قائلها، متبرئًا من العهدة بذكر ناسبيها، ومرادي إن اللَّه بفضله سنى،
_________
(١) المصباح ١٩٧.
стр. 68
أن أتبع ذلك شرح المعنى؛ لتجتلي من اللّفظ زهرًا، وتجتنى من المعنى ثمرًا، ولولا أن أخرج عن حدّ الشرح، لضربت لكلّ ما يعرض بقدح، وإن كنت قد أقصرت ففي بعض ذلك ما قصرت، على أن في ما يعرض من الإعراب، شاغلًا عن سائر الأبواب،. . . على أني ما قصدت بسابق تقصيرًا، ولا اعتمدت بكتابي تكريرًا، ولوددت أن يكون غيري قد كفى، شيئًا كنت له متوكفا، فاعرف له فضل التقدّم، واعترف بحقّ التعلم، ولكن "بين الصبح لذي عينين"، وميز السبك بين الآنك واللّجين، ومثل كلام الفارسي لا يتلقى بشعبذه، وإذا لمح كتابنا النصف، اتضح له العتيق من المقرف، واغتفر قليل المذموم عنده، وشكر كثير المحمود لمن بذل جهده، لاسيّما والحال مغنية عن الاعتذار، لكثرة تشعب مواضع الأشعار، وإهمال أكثر ناقليها، لتبيين إعرابها ومعاينها. . . " (١).
٥ - منهجه:
أبان ابن يسعون عن منهجه الذي سلكه في كتابه في المقدِّمة التي تقدّم نقلها، وكذلك في خاتمة الكتاب التي نقلناها في زمن تأليفه، ومن هذين النصين المنقولين ومن دراستنا للكتاب يمكننا أن نلخص المنهج الذي سار عليه ابن يسعون في كتابه فيما يلي:
١ - يورد الشَّاهد ثم ينسبه لقائله مع التعريف به.
_________
(١) المصباح ٢.
стр. 69
٢ - يبيِّن موضع الشَّاهد، ويربطه باستشهاد سيبويه إن كان من شواهد الكتاب.
٣ - يذكر الروايات المختلفة في الشاهد ويوجهها، ويفاضل بينها.
٤ - يشرح الألفاظ الغريبة في الشاهد، ويبيِّن الأقوال المختلف في تفسيرها، ويذكر ما ورد فيها من لغات.
٥ - كثرة التنظير للشَّاهد.
٦ - يذكر معنى الشَّاهد وما يتصل به من أبيات.
٧ - يعرب الشَّاهد، وقد يستطرد إلى إعراب الأبيات التي يذكرها معه.
٨ - ينبّه على ما حدث في بعض شواهد الإيضاح من تصحيف وتحريف كما ينبّه على الشَّواهد المتكررة.
٩ - يميل إلى الاختصار في شرح بعض الشواهد خوفًا من سآمة الإكثار كما يقول في خاتمة كتابه.
هذا وقد تحدث عن منهج ابن يسعون في شرح الشَّواهد (١) الدّكتور هلال حديثًا ممتعًا مفيدًا، أجاد فيه وأفاد وذلك في صحيفة ٢٣٥ - ٢٥٦.
٦ - مصادره:
جاء ابن يسعون وقد استوى النَّحو على سوقه أو كاد إذْ فرغ النحاة الأوائل من وضع الأصول وبسط الفروع ولذلك كان كتابه: "المصباح" معرضًا لآراء أعلام النحاة واللّغويين المتقدِّمين على اختلاف
_________
(١) انظر: ابن يسعون النَّحويّ ٢٣٥ - ٢٥٦.
стр. 70
مذاهبهم واتجاهاتهم، ويمكن تقسيم مصادر الكتاب إلى قسمين:
أ) المصادر التي نصَّ عليها المصنِّف صراحة. ومنها:
١ - (العين)؛ نقل عنها في ستة مواضع، منها: قوله ٧: "وقال صاحب العين: الهائل والهيل: الرمل الذي لا يثبت" والنص فيها ٤/ ٨٩. وقوله أيضًا ٨: "وفي كتاب العين: والغلالة: الدرع أيضًا" والنص فيها ٤/ ٣٤٨.
٢ - (الكتاب)؛ ويأتي في مقدِّمة المصادر الأصيلة التي استفاد منها ابن يسعون؛ حيث إنه المنبع الصافي الذي يرده كلّ من أراد البحث في هذا العلم، وتظهر فائدة ابن يسعون منه بربطه بين شواهد الإيضاح وشواهد الكتاب، وانتفاعه بنسبة الشواهد التي نسبت فيه، ونقله كثيرًا من آراء سيبويه في مختلف المسائل النَّحويَّة والصرفيَّة، ومن ذلك: قوله ١٠ وهو يتحدَّث عن الشَّاهد (وقائله خولان. . .): "هذا البيت من بيوت الكتاب أيضًا، ولم ينسب هناك، ولا وقعت إليَّ نسبته، واستشهد به أبو علي على مثل ما استشهد به سيبويه من رفع (خولان) على خبر مبتدأ محذوف؛ دلَّ عليه سياق الكلام. . . ". والشاهد في الكتاب ١/ ١٣٩.
وقوله أيضًا ١٣ وهو يتحدَّث عن الشَّاهد: (فو أنَّ ما أسعى. . .): "قال سيبويه: ويجوز حذف ضمير المفعول من الفعل الثاني؛ لأن المفعول كالفضلة". والنص في الكتاب ١/ ٧٩.
стр. 71
وقوله أيضًا ١٧: ". . . وقد حكى سيبويه هذه مئة بيضًا". والنص في الكتاب ٢/ ١١٢.
وقوله أيضًا ٢٢ وهو يتحدَّث عن معنى (كفاف): ". . . وهذا بمنزلة نزال، قال سيبويه: "دعنى كفافِ" أيْ، دعني المكافة". والنص في الكتاب ٣/ ٢٧٥.
٣ - (المفضليات)؛ قال ٤٥ وهو يتحدَّث عن الشَّاهد (يا سيدًا): "ونسب في المفضليات للسفاح بن بكير". والشاهد فيها ٣٢٣.
٤ - (كتاب المصادر)، للفرَّاء، وهو من الكتب المفقودة وهذا مما يزيد في قمية الكتاب. نقل عنه وهو يتحدَّث عن معنى (قر) ٦٣ وذلك حيث يقول: "وقال الفرَّاء في كتاب المصادر: (قررت بالمكان أقَرَّ) ".
٥ - (كتاب الحروف)؛ لأبي عمرو الشيباني. نقل عنه في موضعين:
الأوَّل: في قوله ٧ وهو يتحدّث عن الشَّاهد: (وقد جعلت نفسي. . .): "كذا رواه أبو عمرو في كتاب الحروف". والبيت فيه ٢/ ٢٨٥.
الثاني: في قوله ٥٨ وهو يتحدَّث عن معنى (الزيزا): "والزيزاء الأرض الغليظة المستوية التي لا شجر فيها، وحداتها: زيزاءة عن أبي عمرو في كتاب الحروف". والنص فيه ٢/ ٤٤.
٦ - (شرح شعر المرار الأسدي)، لأبي عمرو الشيباني، أشار إليه ابن يسعون وهو يتحدَّث عن معنى (تفالى) ٤٢ وذلك حيث يقول: "قوله: (تفالى) معناه: جعل بعض هذه الحمير يكوم عرف
стр. 72
بعض، تشاغلًا عن طلب الورد عند حبس العير لها، أي؛ إلى أنْ تمسي فيرد بها الماء قاله أبو عمرو الشيباني: في شرح شعر مرار الأسدي. . . ".
٧ - (المجاز)؛ لأبي عبيدة، أشار إليه وهو يتحدّث عن نسبة الشَّاهد: (لُيبكَ يزيدُ. . .) وذلك حيث يقول ١٤: ". . . ولم يقع في كتاب المجاز لأبي عبيدة منسوبًا إلَّا لنهشل يرثي أخاه".
٨ - (مقاتل الفرسان)؛ أشار إليه أيضًا وهو يتحدَّث عن روايات الشَّاهد:
ما إن يمس الأرض إلَّا منكب
وذلك حيث يقول ٣٢: "ويروي عوضه: (جانجا) رواه أبو عبيدة في كتاب (مقاتل الفرسان) ".
وهو من الكتب المفقودة وهذا مما يزد في قيمة الكتاب العلميَّة.
٩ - (النوادر)؛ لأبي زيد، ذكره في أثناء حديثه عن (أقبل)؛ وذلك حيث يقول ٣٦: ". . . وقد قال أبو زيد في نوادره: (استقبلت الماشية الوادي، وأقبلتها إيَّاه، إذا أقبلت بها نحوه، وقبلت الماشية الوادي تقبله قبولًا، إذ استقبله. . . ". والنص فيها ٣٠٥.
وقوله أيضًا ٦٦: "قال أبو الحجاج: ووجدت في نسخة من نوادر أبي زيد وزعم كاتبها أنه انتسخها من الكتاب المنتسخ من أصل أبي عليّ البغدادي المقرؤ عليه سنة خمس وخمسين وثلاثمائة:
قالت سليمى اشتر لنا سويقًا"
والرجز في النوادر ١٧٠.
стр. 73
١٠ - (الأبواب)؛ ذكره عند قوله ٤٤: "لا يقال: تقلدت الرّمح، وإنما يقال: اعتقلت الرمح، قال الأصمعيّ في كتاب الأبواب له: (وذلك إذا وضعته بين ركابك وساقك) ". وهو من الكتب المفقودة، وهذا مما يزيد في قيمة الكتاب العلميَّة.
١١ - (الأصمعيات)؛ أشار إليه في ٨٨.
١٢ - (الفرخ)؛ لأبي عمر الجرمي، أشار إليه في ١١، ٢٨. وهو من الكتب المفقودة، وهذا مما يزيد في قيمة الكتاب العلمية.
١٣ - (الغريب المصنف)؛ نقل عنه في ٧٤. والنص فيه ١/ ١١٥.
١٤ - (الأنواء)؛ لمؤرخ السدوسي، نقل عنه في ٨٧. وهو من الكتب المفقودة، وهذا مما زيد في قيمة الكتاب العلميَّة.
١٥ - (مقاتل الفرسان)؛ للأثرم، أشار إليه في ٤٠. وهو من الكتب المفقودة، وهذا مما يزيد في قيمة الكتاب العلميَّة.
١٦ - كتاب (الحيوان)؛ للجاحظ، نقل عنه في ٦، والنص فيه ٦/ ٤٨٣. وفي ٢٤، والنص فيه أيضًا ٤/ ٢٦٧.
١٧ - (إصلاح المفسد)؛ لأبي حاتم، ذكره في ١٦. وهو من الكتب المفقودة، هذا مما يزيد في قيمة الكتاب العلميَّة.
١٨ - كتاب (الطير)؛ لأبي حاتم، ذكره في ٦٨.
١٩ - (طبقات الشعراء)؛ لابن قتيبة، ذكره في ١٥. والخبر فيه ٦٩١ - ٦٩٥.
стр. 74
٢٠ - (غريب الحديث)؛ لابن قتيبة نقل عنه في ٣٨ والنصّ فيه ٢/ ٢٢ - ٢٥.
٢١ - (الوحشي)؛ لأبي تمام، أشار إليه في ٢٤ والأبيات فيها ٦٣.
٢٢ - كتاب (النبات)؛ لأبي حنيفة نقل عنه في ١٤ ولم أجد النصّ في كتابه المطبوع وهذا مما يزيد في قيمة الكتاب العلمية. وكذلك نقل عنه في ٤٩ ويقال فيه ما قيل في سابقه.
٢٣ - كتاب (التيجان)؛ لعلي بن حرب، نقل عنه في ٨٩. وهو من الكتب المفقودة وهذا مما يدل على قيمة الكتاب العلميَّة. ونقل أيضًا عن التيجان والمقاتل في ٤١.
٢٤ - (المهذب)؛ لأبي علي الدينوري أشار إليه في ٦٩/ أ. وهو من الكتب المفقودة، وهذا مما يدلّ على قيمة الكتاب العلميَّة.
٢٥ - (ديوان أذهار الهذليين)؛ للسكري أشار إليه في ٦٣ والرواية فيه ١٢٢.
٢٦ - (الكامل)؛ للمبرِّد، نقل عنه في ٢٩/ ب. والنص فيه ١/ ١٤٩.
٢٧ - (النوادر)؛ لأبي علي الهجري، نقل عنه في ١٧. والنص فيه ٢/ ٢٨٨.
٢٨ - (الأصول)؛ لابن السراج، نقل عنه في ١٦. والنص فيه ١/ ١٢٠.
٢٩ - كتاب (الواحدة)؛ لدعبل بن علي الشيعي، ذكره في ٧٣. وهو من الكتب المفقودة وهذا مما يزيد في قيمة الكتاب.
٣٠ - (الأمالي)؛ للزجاجي نقل عنه في ٤٣. والنص فيه ١٧٤.
стр. 75
٣١ - (الدلائل)؛ لقاسم بن ثابت، نقل عنه في ٣٦، وفي ٤٩.
٣٢ - (الذيل)؛ لأبي علي القالي، ناقل عنه في ٣ والنص فيه ٦٠. ونقل عنه أيضًا في ٥ والنص فيه ٥٢ - ٥٤. ونقل عنه أيضًا في ١٠ والنص فيه ٦٢.
٣٣ - (الأمالي)؛ لأبي علي القالي، نقل عنها في ١٥ والقصيدة فيها ١/ ٧١ - ٧٢. ونقل عنها أيضًا في ٢١ والقصيدة فيها ١/ ٦٨. ونقل عنها أيضًا في ٦ والأبيات فيها ٢/ ١٦٣. ونقل عنها أيضًا في ٢٢ وذلك حيث يقول: "والصحيح في قوله: ما ارتوى نصب الماء هكذا رويناه في الأمالي لأبي علي البغدادي عن أبي الحسن الأخفش".
٣٤ - (الزاهر)؛ لابن الأنباري، نقل عنه في ٦، والأبيات فيه ١/ ٣٦٤. ونقل عنه أيضًا في ٢٠، والنص فيه ١/ ٢٢٧. ونقل عنه أيضًا في ٤٤، والنص فيه ١/ ١٤٧.
٣٥ - (الأغاني)؛ لأبي الفرج الأصبهاني، نقل عنه في ٤٩ والبيت فيه ١٧/ ٣٨٣.
٣٦ - (التذكرة)؛ لأبي علي، نقل عنها في عدَّة مواضع منها: ١٠، ١٢، ١٤، ١٦، ١٨، ٢١، ٢٨. والتذكرة من الكتب المفقودة، وهذا مما يزيد في قيمة الكتاب.
٣٧ - (التعاليق) نقل عنه في ٢٨ وفي ٤٠.
٣٨ - (البصريات) نقل عنها في ١٣ والنص فيها ١/ ٥٢٦. ونقل أيضًا عنها في ٢٨، والنص فيها ٧٥١.
следующие страницы →