← Адаб

Адаб · id 775

شرح المشكل من شعر المتنبي

ابن سيده

Полный текст (111 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

نص الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم قال ابو الحسن علي بن إسماعيل النحوي المعروف بابن سيده: قال ابو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي رحمه الله تعالى: ) أبْلَى الْهَوَى أَسفًا يومَ الْنَّوى بَدَنىِ ... وَفَرَّف الْهجْرُ بَيْنَ الْجَفْنِ والوَسن ( يذهب الناس إلى أن أسف البعد هي الذي أبلاه على عادة البِلَى وإنما قصد المبالغة، أرد أن البِلَ يعمل في الجسام فحالا على الأيام. وقد عمل فيه ليوم واحد، وهو يوم النَّوى، عمله لسنين. وقال: ) ظَلْت بهاَ تَنطَوِي عَلَى كَبدٍ ... نَضِيجةٍ فَوق خِلْبِها يَدُها ( ظلت: أقمت، والخِلبُ: غشاوة الكبد والبيت مضمَّن بالأول وهو أبعد بان عنك خرَّدُها. فالعامل في أَبْعدَ، ظلت كأنه قال: ظلت بها بَعْدَ ما بان خُرَّدُها، والمعنى: بعدما بان خردها، ظلت منطويا على كبد قد أنضجها التوجع وأذابها التفجيع، و) عليها يدها (: إنما توضع اليد على الكبد خشية من ضعفها. يريد بذلك، وكذلك يُفْعَل بالفؤاد، كقول الآخر: وضعتُ كفِّى عَلَى فُؤادي مِنْ ... نار الهوى وانْطَويت فَوق يَدِي وأكثر الناس على أن) نَضِيجَة (، صفة للكبد في اللفظ والمعنى، لا حظَّ لليد في النُّضج، وإنما يريد أن اليد موضوعة على خِلب الكبد فقط، ويُقَويه البيت الذي أنشدناه، وهو) وضعت كفى على فؤادي من......ناؤ الهوى..... (. وقد يجوز أن يكون) نضيجة (صفة للكبد في اللفظ، ولليد في المعنى، أي على كبد قد نضجت يدها على خلبها من حرارتها، وهذا أبلغ لأنه إذا أنضجت اليد وهي موضوعة على الخلب من حر الكبد، فما الظن بالكبد؟ فإذا كان المعنى على هذا، جاز في) نضيجة (الجر والرفع. فالجر على الصفة للكبد في اللفظ، والرفع على أن يكون خبر مبتدأ، وذلك المبتدأ هو اليد، كأنه قال: يدها نضيجة فوق خلبها. وهذا كما تقول: مررت بامراة ظريفة أمتها، فالظرف في اللفظ للمرأة، وفي الحقيفة للأمة. وإن شئت قلت: ظريفةٌ أمُّها، أي أمُّها ظريفةٌ. وأما إذا كانت النضيجة صفة للكبد في اللفظ والمعنى، فإنه لا يكون فيها الا الجرُّ. وكن) نضيجة (صفة لليد، أبلغ في المعنى، لأنها حينئذ نضيجة بما ليس في ذاتها. وإذا كانت نعتاً للكبد، فهي نضيجة بما في ذاتها. واحتراق الشيء بما ليس في ذاته، أبلغ من احتراقه بما في ذاته وإنما يريد أنه إذا وضع يده على كبده متألِّماً نضجيت اليد بحر الكبد، كقوله: هل الوجد إلا أن قلبي لودنا ... من الجمر قِيد الرمْحِ لاحترق الجمرُ وهذا عندي أبلغ من قول المتنبي، لأن اليد إذا كانت على خلب الكبد، فهي اقرب إلى الحرّ من الفؤاد من الجمر، إذا كان بينه وبين الجمر قِيدُ رُمح، مع أنه جعل الجمر الناريّ محترقاً من حر فؤاده. فحر الفؤاد إذن أشد من حر الجمر. ) شابَ من الهجر فرْقُ لِمَّتِهِ ... فصار مثل الدِّمَقْسِ أسْودُها ( وفي هذا البيت ثَرْمَلَة صنعة، قال:) فَرقْ لمِته (فخص جزءاً من اللمة ثم قال: أسودُها، فعَمَّ، لكن قد يجوز أن يعود الضمير إلى الفرق، وإن كان الفرق مذكرأ، لأن المذكر إذا كان جزءاً من ذات المؤنث جاز تأنيثه. أنشد سيبويه: وَتَشْرَقٌ بالقول الذي قَدْ أذعْتَهُ ... كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدَّمِ وقد يجوز أن يريد بياض اللمة كلها، وخص الفَرْقَ، لأنه معظم الرأس، تم أعاد الضمير إلى اللِّمة. وإنما وجهُ استواء الصنعة لو اتزن له، وحسُن في القافية أن يقول: شابتْ من الهَجْر لِمَّتُهُ ... فصارمثل الدمَقْسِ أسودُها أو يقول:) أسودُه (بعد قوله) لِمتَّه (وأسودُها هنا: ليست مفاضلة، إذ لو كان ذلك، لكان أشد سواداً. وقد يجوز أن يكون أراد المفاضلة، فقد جاء ذلك شاذاً، فقوله أسودها بريد به مُسوَدها كما يقول: هو أسود القوم أي الأسود فيهم. ) كيف يحيك المَلامُ في هِمَمٍ ... أقربُها منك عَنْكَ أَبعْدُها كيف يكون أقرُ شيء أبعدَ شيء! هذا خُلْفٌ إذا حُمل على ظاهره لكن لو قال: أقربها منك بعيد عنك، كان حسناً، ولكن الذي أراده: أقربها عندك مثل أبعدُها. فالجملة في موضع الصفة لهمم. أي أقربها منك عندك أبعدُها منك على الحقيقة.

стр. 2

) أَحْيَيْتُهَا واّلدُّموعُ تُنْجِدُنى ... شُئُونُها والظَّلامُ يُنْجِدُها ( أحييتها: يعني الليالي. تنجدنى: تعيننن. والشؤن: مجارى الدموع، واحدها شأن. أي أحييت الليالي بالسهر والبكاء. ومعنى ال بيت: إن شأن الدمع أن يخفف الحزن، كقول البحتري: إن الدموع هي الصبابة فاطرحح ... بعض الصبابة واسترح بهمومها وهذا مثير في أشعار العرب. وهو عندنا موجود بالمشلهدة، فكأن الدمع يعينه على طول الليل، وإعانة الدمع للمحزون على الحزن ليلاً، أحدى من إانته عليه إياه نهاراً، لأن المحزون يتسلى نهاراً بما يتأمله، وينظر إليه، والظلام يقصر الطرف عما يتشاغل به المحزون نهاراً، فيفرغ الحزين عند ذلك إلى الدمع، لا يجد مُعيناً غيره. قال:) والظلام ينجدها (أي أن الظلام إذا قَصَر الطرف عما يتشاغل به المحزون، زاد الليل بذلك طولاً. فكأن الظلام أنجد الليل عليه بقَصْره طرفه عن النظر إلى ما يتشاغل به. ولذلك قال الشاعر: بلى إن للعينين في الصبح راحة ... لطرحيمها طَرْفيهما كل مَطرَحٍ وقوله:) والدموع تنجدنى (جملة في موضع الحال من التاء في أحييت. وقوله:) والظلام ينجدها (جملة في موضع الحجال من الهاء التي في أحييتها، أي أحييت الليالي وأنا تنجدنى دموعي بالتسلية، وهي ينجدها الظلام بالتطويل لها. ) لا نَاقَتي تَقبلُ الرَّديفَ ولا ... بالسَّوْط يَومَ الرِّهان أُجهِدُها ( حاجى بهذا البيت، إنما عنى نَعْلَه، فكنى عنها بهذا النوع من الحيوان لأن الماشي يعلو نعله كمل يعلوا الراكب ناقته، ونفى عنها مالا يكون لاحقاً لغير الحيوان المراكب، يخرجها بذلك من نوعه. ثم بين هذه الأُحجيَّة فقال: ) شِراكُها كُورُها ومِشْفَرُها ... زِمَاَمُها والشُسُوعُ مِقْوَدُها ( أي كل واحد من طوائف هذه النّعل يحل محل الأرداف من الناقة، فجعل شراكها كالكور على وسط الناقة. والزمام أمامها، كما أن مِشْفَر الناقة أمامها، والشُّسُوع مِقْودها، وذلك أنه يَفْضل عن ذات النعل، كما أن المِقْوَد يفضل عن المقود. وكان ينبغي أن يقول: وشِسْعها مقودها فيفرد، كما قال: شراكها وزمامها، لكنه جمع عَلَى أن كل ظائفة من الشِّسْع شِسْعٌ، وكذك كان ينبغي أن يقول لو اتزن له:) وزمامُها: مِشْفرها (، كما قال:) شراكُها: كورُها، وشسوعها: مِقودها (، فبدأ بطوائف النعل قبل أداة الإبل، لكن حَسَّن عندي ابتداءه بالمِشْفر ذاتي، والكور والمقود من الأداة، لا من الذات. ) ياَ لَيتَ بي ضَربةً أُتيحَ لَها ... كما أُتِيحتْ له مُحمَّدُها ( معنى إتاحة الضربة له: حُلُوها به، ومعنى إتاحة محمد لها: نبوُّها عنه، واحتماله لها، وتأثيره فيها برغمه، وكذلك كل حال وذى حال كل واحد منهما مُتاح لصاحبه، وأراد أتيح محمدها كما أتيحت هي له. وأُتيح قٌدِّر. ويجوز أن يكون أراد أن الضربة ندمت حيت وقعت به، لأنها لم تكن بحق، فكان ذلك الندم تأثيراً فيها، وكذلك السيف ضربَ غيرَ مُسْتَحق. وكل ذلك مجاز واتساع. أي قدر محمد للضربة كما قُدرت له فكان هو المؤثر فيها، ألا ترى بعده: ) أَثر فيها وفي الحديدِ وَمَا ... أَثَّر في وجهه مُهنّدُها ( أثر في الشيء: غادر فيه أثراً، ولا يكون إلا في الجواهر، كقولك: أثر المطر في الحائط والْخَسْف في الارض، وأثر المرض في الجسم ولا يكون ذلك في العَرَض، وقد اقتسم قوله:) اثر فيها وفي الحديد (جوهراً وعرضاً، أما الجوهر فالحديد والتأثير فيه شائع، وأما الهاء في قوله:) فيها (فَعَرَضٌ، لأنها كناية الضربة التي في قوله: يا ليت بي ضربه أتيح لها وإنما لم يصح التاثير في العَرَض لأن التاثير أيضاً الأثرُ. والأثر عَيْنٌ، والعين لا يكون إلا في عين مثله، أعنى بالعين: الجوهر، إذ لا يحمل الجوهر إلا جوهر. وأما العَرَض فليس بعين، فيكون حاملا لعين آخر. فإذن قولهُ:) أثر فيها (استعارة ومجاز غريب. كأنه توهم الضربة عَيْناً، بل هو عندي أبلغ، لأنه إذا أمكنه التأثير في العَرَض كان له في الجوهر أمكن، لكنه مع ذلك قول شعري. أعنى أنه ليس بحقيقة. وقوله: وما أثر في جهه مهنَّدُها

стр. 3

المهند: السيف. وهو عندي من قولهم:) هَنَّدَتْهُ النساء (: أي تَّمته والميتم. . . نحيل، فكذلك السيف، ولم ينف تأثير المهند في وجهه نفياً كلياً. وكيف ذلك وقد أثبت الضربة، وهي التاثير. وإنما أراد أن المهند لم يُؤثر في وجهه أثراً قبيحاً، لأن وقوع الضربة على الوجه تَزين ولا تَشِين، لدلالتها على الشجاعة والإقدام، كما أن التاثير في الظهر دليل على الجيبن والفرار، كقوله: فلسْنا على الأعقاب تَدْمَى كُلُومنا ... ولكن عَلَى أعقابنا تقطُر الدَّما ويُروى) تقطر الدِّما (. جعل) الدِّما (اسماً مقصوراً كغِنَى. أنشد الفارسي: كمَهاة فقدت بَرْغزها ... أعقبها الغُبْسُ منه ندما غفلت ثم أَتت تطلبه ... فاذا هي بعظام ودِمَا فهذا شيءُ عَرَض، ثم نعاود الغرض. فكان المهند لما وقع على وجهه، فكان ذلك إشعار بلإقدام، ثم لم يؤثر فيه البتة، فلذلك نفى التاثير نفياً عاماً. ونحوه ما حكاه سيبويه من قوله:) تكلم ولم يتكلم (أي أنك إذا لم تُجد ولا أصَبْتَ، كنت بمنزلة من لم يتكلم وإن كنت قد تكلمت. ) تَنْقدِحُ النَّارُ مِنْ مَضَارِبها ... وصَبُّ ماءٍ الرِّقابِ يُخْمِدُها ( قدحه فانقدح: أوقد فاتقد، أي أن السيوف تقطع ما تحتها وتهوى في التراب، فلا يردها إلا حَجَر يقدح النار بملاقاته جرْم السيف، كقوله: تَقُدُّ السَّلُوقىَّ المضاعَف نسجُهُ ... وتوقد بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ ) وصبٌّ ماء الرقاب يُخمدُها (أي أن الدم الذي يطفئ تلك النار يجرى على السيف والجمر، وسَمَّى الدم ماء استعارة ومجازاً، وإنما ذلك لأن ماهَتَه سيلانه، وعلى هذا قالوا ماء العناقد. وسَمُّوا الدمع ماء، كل ذلك اتساع وتجوز، لا حقيقة. ) إذ أَضلَّ الهُمامُ مُهجَتَهُ ... يَوماَ فأَطرافهنَّ تَنْشُدُها ( نَشَدْت الضالَّة: طلبتُها، وأنشدتها: عَرَّفتهان ونَشَدْتها في التعريف لغة أيضاً. وقوله: ويصيخُ أحيانا كما استمع المضلُّ لصوت ناشد قيل: يعنى بالناشد هنا المعرِّف وهو الصحيح، لأن المضِلَّ يضغى إلى كلام المعرف ليدُّلّه على ضالته. هذا قول الأصمعي. وقيل: الناشد هنا: الطالب، لأن المُضشل يحب أن بجد مُضِلاًّ مثله ليتعزى به. وهذا القول الآخر مستقل عن تغالي الأول. ويصحح القول الأول: يُصيخ للّنبأةِ أسماعَهُ ... إصاخة المُنْشِدِ للناشِدِ أي إصاخة الطالب للمعرِّف. أي أن الهُمام إذا فقد مهجته فإنه يسأل عنها أطراف هذه السيوف، لأنها عارفة بمسالك الأرواح، بها تُقْبض وعليها تَرِد، لا مظنةَّ لها إلا هي. فأطرافهن على هذا مفعول ثان أي تَنْشُدُها أطرافهن. ) أَقَرَّ جِلْدِى بها علىَّ فَلاَ ... أقْدِرُ حنى المماتِ أجْحدُها ( أي نضرة العيش بادية على بَشَرتي، كقول العرب: بَشَرٌ ما أخاك مشفر. فإذا جحدتُ نعمتك، شهد بها جلدى فلم يمكنه إنكارها، إذا أثرها عليه بادٍ جحدتها وأقرَّ جلدى بها افتضحت. ونظيره قوله تعالى:) تَعرِفُ في وُجُوههم نَضْرَةَ النعيم (قوله:) فلا أقدِر حتى الممات أجحدُها (أراد: على أن أحجدَها فحذف على وأن، ورفع الفعل لعدم العامل الذي كان ينصبه وهو) أن (. ونظيرة قوله تعالى:) قُلْ أفغيرَ اللهِ تأْمُرُونِّى أعبُدُ (أي تأمروني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل. ولو كانت القطعة مفتوحة الروى لقال:) أجحدها (فأعمل أن مضمرة إعمالها مظهرة. وقد رُوى هذا البيت بالوجهين جميعاً. وقال المتنبي: ) أحْيا وأيْسَرُ ما قاسَيْتُ ماقَتَلاَ ... والبيْن جاَرَ عَلَى ضَعْفِي وما عَدَلا ( يجوز أن يكون أراد: أحْيَا وأيسرُ ما قتلني، أوما من شأنه أن يقتل، وإذا كان أيسر ما قاسيته قاتلا، فما بأكثره وأشدّه. وهذا على وجهين: إما أن يكون تعجب من ذلك فقال: أنا في حال حياة، وأقل مالاقيته قاتلٌ، وإما أن يكون طمع بالحياة فأنكر ذلك، فقال: كيف أحيا مع هذه) الحال (. فهذان وَجْها إرادةِ الاستفهام. وقد يكون أحيا خبراً، أي أنا أحيا. وهذه حالي، أي تجلدى. يتعجب من صبره. وقد يكون) أحيا (اسماً يدل على المفاضلة، أي: أثبتُ ما قاسيته لحياتي ما قتل، وهذا غُلوٌّ ولإفراط، لأنه إذا كان ما قلته أثبت شيء لحياته، لم يبق له ما يوجب الموت.

стр. 4

) وَضَاقَتِ الأَرضُ حتى كان هارِبُهم ... إذا رأى غيرَ شيء ظَنَّه رَجُلا ( أما الرؤية فلا تقع على غير شيء، لأن غير شيء ليس بمحسوس إحساس الجوهر، ولا إحساس العَرَض، لأن غير شيء خارج عن الجور والعَرَض، لأن كل واحد من الجوهر والعرض شيء، وإنما أراد هذا الشاعر: إذا رأى غير شيء يُحفَل به في قوة قولك: إذا رأى شيئاً لا يحفل به ظنّه رجلا كقول العرب: إنك ولا شيءَ سواءٌ، ومحال أن يسوى بين الموجود والمعدوم، لأنهما في طريق التضاد، ولكنهم يريدون إنك ولا شيءُ يُعْبأ به سواءٌ ولكنهم قالوا: إنك ولا شيء، واكتفَوا به من قولهم وشيئاً لايعبأَ به، لأن مالا يعبأ به كالمعدوم، ولذلك ألْزَمَناَ سيبويه الْنصب في قوله: إنما سرت حتى أدخلها، إذا كنت مُحتقراً للسَّير، قال الْفارسي: إنما ذلك لأنه لا شيء أقرب إلى طبيعة النفي من الاحتقار، والنفي عدم فجعل الاحتقار كالعدم. ) فَبَعْدَهُ وإلى ذّا اليومِ لَوْ رَكَضتْ ... بالخَيلِ في لَهَوات الطِّفْل ما سَعَلاَ ( أي أن هذه القبيلة قَلَّتْ وذَلًّت، حتى لو ركضوا الخيل، على قوة الركض، في لَهَوات الطفل، على ضعفه، ما شعر بهم فيسعُل، بالغ بذلك كقوله: ولَوْ قَلَمٌ ألْقِتُ في شِقِّ رأسِه ... من السُّقم ما غيرتُ من خط كاتب فأما قول رؤبة في صفة الصائد: فباَت والنفسُ من الحِرْص الفَشَثْ ... في الغاب لو يمضغ شَرْياً ما بَصَق فإنما أراد أن هذا القانص من النَّهَم على صيد الوحش، وخشية أن يسمع له حِسَّا فينفر، لو مَضَغَ الحنظل، لم يبصُق خشية أن يُنَفِّرها بَصْقهُ، وقال الأصمعي: إن تهمّه عَلَى التَّصُّيد قد شغله حتى لو مضغ الحنظل لم يشعر بمرارته فيبصُق. وخص المتنبي لهوات الطفل لأنها مظنة السُّعال. وقوله: ركضت بالخيل، إنما وجهه: لو رَكَضتْ الخيل، يقال: ركضت الدابةَ، ولا يقال ركضتُ بها. هذا هو المعروف في اللغة، لكن قد يجوز أن يكون ركض بالدابة لغة، فيكون من باب طَوَّحْته وطوَّحْتُ به. وقد يجوز أن تكون الباء زائدة كقوله) سُودُ المحَجرِ لا يَقْرأْنَ بالسُّوَرِ ( ) كَمْ مَهْمَهٍ قَذَف قَلْبُ الدليل ... قَلبُ المحبِّ قَضَانني بعدَ ما مَطَلا ( قال) المحِبّ (فجاء به على لفظ الفاعل، ولم يقل الحبيب وهو يريده، لأنه عَنَى شدة إشفاقه في المَهْمَه، وذلك أن المعشوق إذا أحب عاشقه، فإنما يهجرهُ لخوف واش أو رقيب، فاذا رآه خَفَق قلبُه لإشفاقه. ولو كان المحِب غير مُحِبّ لم يتجشم الزيارة على شدتها. وهذا كقول علي بن جَبَلة: يأبى من زارني مُكْتتمِاً ... حَذِرَا من كل حِسٍّ فَزِعاَ فقضاني بعد ما مَطَلا على هذا القول، جملة في موضع الحال. ويجوز وضع الفعل الماضي موضع الحال، لأنه قد يوضع موضع المستقبل في قوله: إن فَعَل فَعَلْت. وفيما حكاه سيبويه من قولهم: والله لافعلتُ، يريدون لا أفعل. وقد ذهب بعضهم في قوله تعالى:) أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (إلى أن) حَصِرت (في موضع الحال، وقد فيه منوَّه. ويشهد عندي أن حصِرت في موضع الحال قراْة من قرأ:) أو جاَءُوكم حَصِرَةً صُدُورُهم (. وأما قوله:) قلب الدليل به قلب المحب (الذي هذه صفته فمعناه: أن فؤاد الدليل وَجِل كقلب المحب الزائر المتوقع للفضيحة. وقد يجوز أن يكون) قضاني بعد مامطلا (خبراً عن المَهْمَه، أي: كم من مَهْمه قد قضاني بعد مامطلا، قلب الدليل به قلبُ المحب. وأما) قضاني بعد ما ماطلا (وهو يعنى المهمه، فمعناه: أن المهمه طال عليه، فمطله بالنجاة منه، ثم قضاه بعد حين، وكلاهما مستعار. وأما قوله:) قلبُ الدليل به قلبُ المُحِبّ (فمعناه: أن قلب المحب يرجو ويخاف. وكذلك قلب الدليل يرجو الهداية ويخشى الضلالة. ) مُحِبِّي قِيامِي مَا لِذَلِكُم النَّصْلِ ... سليماً من الْجرحى بريئا من القتلِ (

стр. 5

أي: يامحبي ثورتي وقيامي بدْولتي، وتركي للأسفار، كيف أفعل ذلك ولم أكسر سيفي، ولا ثَلَمْته بضربي أعدائي به، فكَىَ عن الكسر بالقتل، وعن الثَّلم باُلجرح، إذ الجرح والقتل إنما يلحقان الحيوان، والسيف جماد لا حياة به. وأراد سليماً من الجرح، فوضع الجَرْحى موضع الجُرْح. وإن شئت قلت كأنه على حذف المضاف، أي سليماً من ألم الجَرْحى، أو من هيئة جُرح الجْرحى، وبريئاً وسليماً منصوبان على الحال من قوله:) ما لِذَلِكُم (: أي استفهم عنه وهو في هاتين الحالين، كقوله تعالى:) فَما لَهم عن التّذْكِرَة مُعْرِضين (. ) أَمِطْ عنك تَشْيِيهى بما وكأننَّه ... فما أحدٌ فوقي وَلاَ أحدٌ مِثْلي ( اما) كأن (فلفظة تشبيه، فالكلام بها هنا على وجهه، كانه يقول: لاتقل في: الأسدُ ولا كأنه السيف، ولا كأنه الموتُ أو السيلُ، فكل ذلك إنما هو دوني، ولا ينبغي أن تشبه الشيء بدونه، إنما المعتادُعكس ذلك. وأما) ما (فليست بلفظة تشبيه بمنزلة كأن، إنما استجازها في التشبيه، لأنه وضع الأمر على أن قائلاً قال: ما يُشبه؟ فقال له المسئول: كأنهَّ الأسدُ، كانه السيف. فكأن هذه التي للمسئول، إنما سببها) ما (التي للسائل. فجاء هو السبب والمسبب جميعاً؛ وذلك لاصطحابهما. ومثل هذا كثيرا. وقد يجوز أن تكون) ما (هنا بمعنى الجحد، فجعلها اسما، وأدخل الحرف عليها، كأنه سمع قائلاً يقول: ماهو) إلا (الأسد. وفي هذا معنى التشبيه أي مثل الأسد، فأبى هو ذلك. ثم رجع إلى النوع الأشرف فقال) فما أحدٌ فوي ولا أحدُمثلي (مفضلاً نفسه عليهم. وله أيضاً: ) هَديَّةٌ ما رأيتُ مُهْدِيَها ... إلاَّ رأيتُ العِبادَ في رَجُلِ ( أي هذه هدية، ويجوز هدية على البدل من قوله:) بما بعثت به (. وقوله: ما رايتُ مهديَها إلا رايت الأنام في رجل: أي أن فضائل الأنام مجموعة في شخص واحد منه، فلا مُعْتَبر بالعدد، اذاحاز معانيم أجمعين وحده، كقوله أيضا: غدا الناس مِثْلَيْهم له لا عَدِمْتُهُ ... وأصبح دهرى في ذَراهُ دُهور ونحو قول بعض الحكماء وقد رَضِىَ تلميذاً له من بعض تلاميذه، يقال إن ذلك التلميذ) رسْطَا لِيس (فقال: واحد كألف، وليس ألف كواحد، وليس ألف كواحد وقال ابو نوأس: ليس عَلَى الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالمَ في واحد وله: ) ولا وَقَفْتُ بجسمٍ مُسْىَ ثالثةٍ ... ذِى أرْسُمٍ دُرُسٍ في الأرْسمِ الدُرُسِ ( المسُىْ، والمِسَا، والمَسَاءُ، كالصُبح، والصِّبح، الصَّباح. أي لولا هه الظبية الإنسانية، لم أقف على رسوم هه الدار ثلاثا بين يوم وليلة أسألها. ولم يُرد أنهّ وقف عليها بعد ثلاث من إقفارها، لأن الدار لا تدرس بعد ثلاث. وإنما عنى أنه وقف عليها ثلاثا، وصفته الجسِم بأنه ذو أرسم دُرُس، ذهب فيها إلى وامحِّائه. واستعار له أرْسماً حين شبهه بهذا الربع الدارس والأرسم، كقوله في صفة الدار: ما زَالَ كلُّ هَزيم الوَدْقِ يُنْحِلها ... والشوقُ يُنحلنى حتى حَكَت جَسدي وهذا البيت أبلغ في نحول جسمه، لأنه جعل الدار يحكى جسمه في النحول، فإذا جسمة أنحل منها. وفي هذا البيت أعنى) ولا وقفت بجسم. . . (لم يجعل لجسمه فضلاً على الدار في النحول. ودُرس: يجوز أن يكون جمع دَريس وأن يكون جمع دَرُوس، كصبور وصُبُر، وان يكون جمع دارس كَبَازل وبُزُل. ) ما ضَاقَ قَبْلَك خَلْخالٌ عَلَى رَشَأٍ ... ولا سَمِعت بِديباجِ عَلَى كُنُسِ ( يقول أنت كالرشأ في الحسن، وساقُ الرشأ دقيقة، فكيف خالقت أنت الشرأ، بأن ضاق خلخالك عن ساقك. ولو ألبست ساق الرشأ خلخالاً، جال عليها ولم يثبت. ) ولا سمعتُ بديباج على كُنس (: أي على هودَجك سُتُور ديباج. ولم نسمع قبلُ بديباج على كِن اس. إنما الكِناس غُصون أو أسؤق شجر أو مَحَافِر أرض. وأنت قد خَرَقت المعتاد. بكون الديباج على كناسك. ومن رواه على كَنِس، أراد على ذى كناس. وهذا عَلَى النسب، إذ لا فعل له. ونظيره ما حكاه سيبويه: جَرِحٌ، وَسَتِهٌ، وطَعِمٌ وَنَهِرٌ، وأنشد:) لستُ بليليِّ ولكني نَهِره (أي: ذو نهار. فأما قراءة من قرأ) في أيام نَحِسَاتٍ (، فذهب الفارسي إلى أنه من باب فَرق ونرِق، توهموه على الفعل وإن لم يكن له فعل، لم يقولوا نَحِس النهار.

стр. 6

وها الي قاله الفارسي غيرُ قوى عندى، أحسن منه أن يُحمل على النسب، لأن نظيره كثير، كما قد حكينا عن سيبويه، وتوهم الفعل في مثل نَحِس قليل في كلامهم. وله أيضاً: ) فَجَعلْت ما تُهدِى إِلىَ هدَّيةً ... مِنىِّ إليكَ وظَرفَها التأْميلا ( يحتمل وجهين. أحدهما: أنه أراد: لما جلَّ قدرك عما تناله يدي ولم تبلغه إلا هبة يدك التي هي كفاؤه، جعلتُ ما تهديه إلى، هدية منى إليك، فما بعدل جلالة قدرك إلا جلالة جودك، وجعلتُ ظرفها تأميلي أن تقبلها منى. والآخر: أن يكون استحقه فقال: ما علمت أن) ما (تتحفنى به أو تزَوِّدُنِتهِ لرحلتي، سيبلُك أن تمسكه عنى ولا تُطْلِقه، وأن تَعُدَّه هدية مني إليك، وبإمساكك عن إهدائكه إلي. وله أيضا: ) أمْطِرْ علىَّ سَحَابَ جُودِكَ ثَرَّةً ... وانظر إلىَّ برحمةِ لا أغْرَقُ ( أي إن عطاءك جاوز المقدار، فكاد يقتل المُعطَى فرحاً، فَتَلاف عُفَاتك منه، لئلا يبلغ بهم الْحَسَد المهلك، فيكون كالماء المُغْرق، كقول أبى تمام: تَستثيرُ الْقلبَ لولا اتصالُها ... بحسنِ دِفاع الله وسوسَ سائلهُ وقد يجوز أن يكون قوله:) انظر إلى بِرَحمة (أي لا تكلفني من الشكر قدر الواجب فيهلكني ذلك، فكنى عن ضعفه عن الواجب عليه من الشكر بالغَرَق. وقال ثَرَّة وهو يعنى السحاب لأن السحاب جمع سحابة، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، فلك وتذكيره، وجمعه وإفراده. وله أيضاً: ) وقَلبُكَ في الدُّنياَ وَلَو دَخَلتْ بِناَ ... وبالْجِنِّ فيه مادَرَتْ كَيف تَرْجِعُ ( يتعجب من ذلك. أي قلبك في الدنيا، وهو من السعة بحيث لو دخلت الدنيا فيه بنا وبالجن، أعجزنا الرجوع، وتُهْنا في سعته، فكيف وسِعَتِ الدنيا قلبك؟ وهلاًَّ ضاقت عن حمله، اصغرها عن عِظمه. يبيِّنُه ما قبله، وهو قوله: ألَيْسَ عَجيباً أنَّ وَصفَك مُعجزى ... وَأَنَّ ظُنُوني في معاليك تَظلَعُ وَأَنَّك في ثوبٍ وصدُرك فِيكُماَ ... عَلَى أنه من ساحة الأرض أَوسعُ وله أيضاً: ) طويل النجادِ طويل العمادِ ... طويل الْقَناة طويل الْسِّنانِ ( النجاد: حِمالةُ السيف، فطوله كناية عن طول القامة، وذلك مما يُمْدَح به كقوله هو: قُلُوبُهُمْ في مضاء ما امْتَشَقُوا ... أبدانُهم في تمام ما اعْتَقَلُوا وكقوله: وَغَالَ فضُولُ الدِّرع من جَنَباَتِها ... عَلَى بَدَنٍ قَدُّ الْقناةِ لِه قَدُّ وطولُ العماد: كنيةٌ عن السُّؤْدُد، وأصل العماد: ما عُمد به البيت، أي أقيم. ويقال: عَمَدت البيت وعَمَّدْته، وعماد سيد الحلة: مَرْمُوقٌ يُقْصَد، فكأن عماده، وإن سارى عُمُدَ أهل الحِلّة، أطول بكثير الشائمين له، والقاصدين نحوه. وطول القناة والسِّنان: كناية عن الحِذْف بالطعان. ولهذا وصفت العرب أرماحَها بالطول، يريدون جودة العمل بها، والقوة على تصريفها، لا أنها طوال في ذاتها، لأن طولها مُبْعدٌ عن القِرن، ولا يَحْمدُ ذلك إلا الجبان. ولو كان طول القناة في ذاتها محموداً، لكان السيف لكونه أقصر منها. . . مذموماً. وإنما صفة القناة بالطول، كصفة السيف بالطول. لا يؤريدون في كل ذلك إلا الحِذْقَ بالضِّراب والطِّعان. ومما يدلك على أن طول القناة غير محمود، أن طول القناة قد يُوْؤثها الخَطل قال الأصمعي: طول القناة: أربع عشرة وأقصرًها سبع والممدوح بينهما، وهو ما كان طوله إحدى عشرة كقول الشاعر: وأسَمْرَ خَطِّياٍّ كأن كُعُوبَه ... ثوى الْقَسْب قد أَربَى ذِراعا عَلَى الْعشْر وكذلك قال البحتري: كالرمحِ أذرعُه عَشْر وواحدة ... فما استبدَّ به طولٌ ولا قِصَرُ ) يَرَى حدُّهُ غامضاتِ الْقُلُوبِ ... إذا كنتُ في هَبْوةٍ لا أراني (

стр. 7

أي أنه ماضٍ يقطع كل عضو يلقاه، حتى ينتهي إلى القلب، فكانه إنما قطع مادون القلب من الأعضاء حين رأى القلب، فَهَتَكَ اليه الحُجُب التي دونه، إذ لم يمكنه الوصول اليه إلا باختراقها الهَبْوة، وأراني هنا: من رُؤيْة العين، لأنها غير متعدية، فكان يجب أن يقول: لا أرى نفسي، لأن فعلَ الفاعل إذا كان حِسِّيًّ، لم يتعد إلى ذاته بكناية المتكلم. لايجوز ضربتُنى، وإنما يتعدى فعل الفاعل إذا كان حِسيَّا إلى ذاته بلفظ النفس. ويقولون: ضربت نفسي وفي التنزيل) رَبناَّ ظَلَمنا أنفسنا (إلا أنه جاؤ عنهم فَقَدْتُني وعَدْمتُني، وهذا نادرا غي معمول به. لكن لما كانت ارى التي هي للعين مطابقة اللفظ لآرى التي هي للقلب، تتعدى على هذه الصورة، لأنها غير حِسَّية، كقولهم: أراني ذاهباً. اسجاز أن يُجرِىَ) أرى (التي للعين مجراها. وعلى هذا أوَجّه أنا ما خكاه سيبويه من قول العرب: أما تَرىَ أي برق هاهنا؟ فعُلقِّت فيه أرى. ورؤية العين لاتُعلَّث وإنما تعلق رؤية القلب، ورؤية القلب بَصَرية لا نفسانية. لكنها لما طابقت في اللفظ) ترى (التي هي للقلب، وكانت هذه تعلق استجازوا تعليق التي للعين. على أن الفارسي قد ذهب في هذا الذي حكاه سيبويه إلى أنها رؤية قَلْب. وله أيضاً: ) رَمَاني خِسَاسُ النَّاس مِنْ صَائِب اسْتِهِ ... وآخر قطنٌ من يديه الْجَنَادِلُ ( يذهب إلى أن عدوه ضدٌ له. هُوجَمُّ الفضائل، وعدوه جَمُّ النقائص والرذائل، ولذلك وقع بينهما التنافر، لأن الذِّد مُحارب لضده، والشكل مُسالُم لِشَكله فهو يقول: لايعاديني إلا ناقصٌ لجرى العادة بمعاداة ذى النقص لذى الفضل. فإذا عاَبنَى - والإجماعُ قد وقع على فَضلى - فهو لا محالة ناقص وقد صرح عن ذلك بقوله في الأخرى: وغاذ أتتكَ مَذَمَّتى من ناقٍ ... فهي الشهادةُ لي بأنى كَملُ أي أنه لو كان فاضلا مِثلي، ما ذَمنَّي لِتَشَا كلُنا في الفضل، ولأنه لو كان فاضلاً لنَقَص وفَضَلت. فأوجب ذلك تَضَاداً وتعادياً كقول أبى تمام: لقد آسفَ الأعداءَ مجدُ ابن يوسُفٍ ... وذُو النقص في الدنيا بذى الفضل مُولعُ وقوله:) مِن صائب استِهِ، وآخر قُطن (ك أراد من بين صائب يرميه وآخر هذه صفته، أي أنه ضعيف يُعدِى ضعفُه الجَنْدل فيضعف، حتى لايُؤثِّر كما لا يؤثر القطن إذا رُمِىَ به. وصائب استه: أي مُصيبها. يقال: صاب الشيء وأصابه. وخص ذكر استه من بين سائر الأعضاء لوجهين: أحدهما: قصدُ الاستخفاف به في ذكر ذلك منه، والآخر أن هذا الناقص المتنقِّص لي مغلوب مهزوم. والمهزوم لا يقع سلاحه إلا على مايلي ظهره، فخص هذا العضو للأمرين جميعاً. والأجودُ عندى أنه إنما قصد الاستخفاف، والشّتْم، والسَّب بلك كثير. ولذلك سميت الاست السَّبَّو والسَّبَ. وأصل الناس: الأناس، حذفوا الهمزة لكثرة استعمالهم إياه، وذلك مع اللام، وقد جاء محذوفاً ولا لام فيها، كما جاءت الهمزة فيه مع اللام فيما أنشده أبو عثمان من قول الشاعر: إنَّ المنَايا يَطَّلِعْن على الأناس الآمنينا ولما ذكر سيبويه اسم الله تعالى، وكون الألف واللام فيه خَلفاً من الهمزة قال: ومثل ذلك. أناس: فإذا أدخلت الألف واللام قلت الناس. إلا أن الناس قد تفارقهُ: الألف واللام ويكون نكرة. والله تعالى لا يكون فيه ذلك، وهو فصل معروف في باب ما ينتصب على المدح والنعظيم والشيم في باب النداء. وقوله:) وآخَرَ قُطن (الجدي في قُطن الرفعُ، لأنه جوهرٌ والجواهر لا يوصف به. إلا أن الجر في مثل هذا قد يَسُوغ، وذلك على توهُّم الصفة، يُقدر الجوهر صفة بقدر ما يحتمله وضعه، نحو ما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: مَررتُ بسرجٍ خَزٍّ صُفّتُه، لأن الخز وإن كان جوهراً فهو في معنى لَيِّن، صفة قال: الفارسي: كأنهم يقولون:) مررت بقاع عَرْفَج كله (. فيجعلونه كأنه وصف. قال الفارسيّ: كأنهم يقولون: مررت بقاع خشنٍ كله. وإنما قَدَّره بخَشِن، لأن العَرفج شاك، والشوكُ خَشِنُ المس. فاذا جَرَّ فقال:) وآخر قُطنٍ من يديه الجنادل (فكأنه قال: وآخر لين أو ضعيف من يديه الجنادل. ) ومن جاَهِلٍ بِى وَهْوَ يَجْهلُ جَهْلَه ... وَيَجْهلُ عِلْمي أَنَّهُ بِىَ جَاهِلُ (

стр. 8

) وَيَجْهَلُ أبى مالك الأرْضِ مُعْسِرٌ ... وَأنِّى على ظهر السِّماكين رَاجلُ ( ومن جاهل: معطوف على) صائب استه (. أي أنه قد اشتمل بالجهل وَلاَ يَعَلمُ أنه جاهل، بالغ في استجهاله، فلم يُبق له أثراً من العلم، إذ لم علم أنه جاهلٌ لكاَن له جزٌ من العلم. وكذلك أيضا بالغ في استجهاله بقوله: ويَجلهُ على أنه بى جاهلُ يقول: لا علم له البتة، وكذلك يجهل قدري عند نفسي، فلا يعلم أني إذا ملكت الرض، كنتُ مُعِدمِاً عند نفسي، لقصر ذلك عن قدري، وأني إذا علوتُ السماكين، كنت عند نفسي راجلاً، لأنَّ ذاتي أعظم قدراً وأكرم خظراً. و) مالكَ الأرض (: حال، والنية فيه الانفصال، أي مالكاً للأرض. والظرف في قوله:) على ظهر السِّماكين (متعلق بمحذوف أي مستقراً على ظهر السماكين، وهو حال، فالمجرور في موضوع الحال، وأراد على) ظهور السماكين (، أو) ظَهْرَى السِّماكين (فوضع الواحد موضع ذلك. ومثله كثير، وحسَّن ذلك أن السِّماكين يذكران كثيراً معاً، فصار كالواحد. ) فما وَرَدَتْ رُوحَ امرىءِ رُوحُه لَهُ ... ولا صَدَرتْ عن بَاخِلٍ وَهُوَ باخِلُ ( أي لم تَرِدْ سُيوفُنا روحَ امرىء إلا صار لغيره، إما بكونه إلى العنصر فَقَدر أن يبخل عليها بهما، أو بواحدة منهما. ) يُخَيَّلُ لي أنَّ الْبِلاد مَسَامِعِي ... وَأَنِّيَ فيها ما تَقُول الْعَواذِلُ ( خُيِّل له السيء وخيل إليه: أي شُبِّه حتى حسبه كائِناً، ويقول: قولُ العواذل لاَ يْثبُتُ في سَمْعي، كما لا أثْبُت أنا في بلدٍ. أراد: وأني فيها ما يقول لي العواذال، من النهى لي عن التغَّرب وضُروب التَّصرُّف، كقوله: أواناً في بيوتِ البدْوِ رَحْلِى ... وآوِنةً عَلَى قَتد البعير ومثلُ هذا كثير في شعره. وله أيضاً: ) ابْعَدْ بَعِدْتَ بياضاً لا بياضَ لَهُ ... لأنت أَسْودُ في عَينِي من اّلْظُّلَمِ ( ابعْدَ: أي اهلك. بَعِدَ الشيءُ بعداً: هَلَك، وبعُدَ بُعداً: ضد قَرُب. ودعاؤه عليه بالبَعَد: أبلغ من دعائه عليه بالبُعد، لنه إذا هَلَك فقد صار إلى العَدَم، وإذا) بَعُد (كان في الوجود وإن لم يُقْرب. والبعَد أمْحى له من البُعد. وقوله) بَياضاً لا بياضَ لَه (: أي لا بياض له في الحقيقة، ولا يحدث عنه بشر ولا فَرَح. والعربُ تَصِفُ الحُزنَ بالسَّواد، والسرورَ بالبياض. وهو معنى وله تعالى:) يَوْمَ تَبْيضُّ وجوهٌ وَتَسْودُّ وجوهٌ (. قال:) وإذا بُشِّرَ أحدُهم بالأنْثى ظلَّ وجهُهُ نُسْوداً (وأراد:) ابْعَد بَعِدت ذَا بياضٍ (، لأنه إنما يخاطب الشَّعْر الأبيض، ولا العَرَض الذي هو البياض.) لأنت أسود في عيني من الظلم أيها الشيب. فأما قوله:) أسْوَدُ في عيني من الظلم الُّظلمَ (، فخطأه فيه قوم. قالوا: إن) فِعْل () أَفْعَلِ (هذا على أكثر من ثلاثة أحرف، وهو) اسْوَدَّ (فلا تقع المفاضله فيه إلا بأشَدّ وأبْيَنَ وغيرهما من الأفعال الثلاثية، التي تصاغ نُيوَصَلَ بها إلى التعجب من الأفعال التي على أكثر من ثلاثة. وهذا منهم غلط. ليست) أفعْل (هنا للمفاضلة، ولا) مِن (متعلِّق بأسود، على حد تعلّق) مِنْ (بأفضل في قولك: زيد أفضل من عمرو. وإنما هو كقولك لأنت أسود، ومعدود من الظَلمِ في عيني.) فَمِن (غير متعلقة بأسْود، كتعلُّق) مِن (بأفعل التي للمفاضلة، وإنما هي في موضع رفع، حالَّةً محل الظرف، بمنزلتها في قول الأعشى: فلست بالأكثر منهم حَصىً ... وإنما العزَّةُ لِلْكاثِرِ فلا يجوزُ أن تكون) مِنْ (متعلقةً بالأكثر، لأن اللام تُعاقِبُ مِنْ وإنما هي هنا بمنزلة الظَّرف. وذلك جعل الفارسيّ) مِنْ (هنا بمنزلة ساعة في قول أوس بن حجر: فإنا رأينا الْعرضَ أحْوَج ساعةً ... إلى الْصَّوْنِ من ريطٍ يمانٍ مُسَهَّم ) بحُبِّ قاَتِلَتى والشيبُ تَغْذِيَتَى ... هَواى طِفْلاً وشَيبى باَلُغَ اْلُحُبم (

стр. 9

أي عَذَبتُ نفسي بحب هذه التي قتلني حبها بالشيب. فأما تغذيتي نفسي بالحب ففي حال طفولتي، وأما في الشيب، ففي حال بلوغي الحُلُم، أي هَويت وأنا طفل، وشِبْت من ذلك الحب وأنا مُتِلمٌ، فجَعلَ الحُبَّ والشيب لنفسه غذاءين وهما مُهلكان لا مُتَمّنيان. والياء في تغذيتي تكون في موضع الفاعل، فيكون المفعول حينذ محذوفاً، أي تغذيتي نفسي، كما تقول: عجبت من ضرب زيدٍ عمراً. ويجوز أن تكون في موضع المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعلُه، أي غُذِّيت. وهَواى: يجوز أن يكون مبتدا وخبره الحال الذي هو طفلٌ كقولك: أكْثَر شُربي السَّويق ملتُويا، والقول في يبي وبالغَ الحلم، كالقول في هَوَاىَ طِفلا. وكأنه قال: بالغاً الحُلُم. ويجوز أن يكون هَوَاى في موضع جر البَدَل من حُبيِّ، وشَيْبي حينئذ في موضع جرِّ معطوفٍ على هَواى. والأول أقوى. ) شَيخٌ يرى الُصلوتِ الخمسَ نافِلةً ... ويَستَحِلُّ دَمَ الحُجّاج فب الحَرمِ ( يعني بالشيخ هنا: المجَرب إذ لا تكون التجربة لغير ذوى السِّن والحنْكَة، كقول الرياحيّ: أخو خمسين مُجْتَمِعٌ أشُدِّى ... ونَجَّذَنِى مُداوَرَةُ اُلْشُّئُونِ وفي كلامهم: ابن خمسين: ليث عِفرِّين، وقد قال هو في موضع آخر: ) سأطلب حَقىِّ بالْفتاَ وَمَشاريخ ... كأنهمُ من طول ما الْتَثَمُوا مُردُ ( مشايخ: جمعَ مشيخة ومَشْيُوخاء على حذف الزائد.) يرى الصلوات الخمس نافلة (: أي أنه لا يعني بمفروضات الدين، ولا تمنهُه مما يشاء إذا أمكنه ما طلبه. ويستحيل دم الحُجاج في الحرام: أي أنه مبالغ في المضاء والنفاذ، حتى لا يردهّ التحرُّج الذي يوجبه الدين فضلاً عما سواه. ويرى هاهنا: من رؤية القلب، لأن الصلاة فعل عَرضي ليس بجوهر محسوس، فتكون حاسّة البصر واقعة عليه. وفي الحَرَم تتميم بديع. ) وَرَبَّ مال فقيراً من مُروَّته ... لم يُثْرِ منها كما أثْرى من الْعَدمِ ( أي أن اللئيم الغنىَّ يمنع نفسه خظَّها، والفقير السَّمْح إذا وجد أعطاها حظَّها، فالفقر مع السماحة أجدى على صاحبه من الغنى مع اللؤم، كقول حسان بن حنظلة: إنا لَعَمْر أبيك يَحْمد ضيفُنا ... وَيَسودُ مُغْتَرِباً عَلَى الإقلال وتقدير البيت: ليم يثر هذا اللئيمُ الغنىُّ من غناه، كما أثرى هذا الفقير السَّمْح من العَدم. وقد يجوز أن يَعْنَىِ أن ثرثرة هذا اللئيم الغنىِّ من الفقر، وأكثر من ثروته من الغنى، أي أن حالة المُعدِم أظهر من حالة الغَنِىِّ. فأما قوله: ) يَجْنِى الْغِنَى لِلِّئَام لو عَقَلوا ... ما ليس يَجْنى عليهمُ العَدَمُ ( فمعناه المبالغة. أي أنهم يمنعون أنفسهم حظَّها في حال الغنى، فلا يُقَدَّرُون بل يُذمُّون بظهور حال الفقر عليهم، وإن كانوا أغنياء. وأما إذا ظهرت عليهم حال العُدْم وهو مُعدمون، فلا ذُمَّ عليهم، بل عذرهم في ذلك بَيِّن. وله أيضاً: ) حَاشَى الرَّقيبَ فخانْته ضمائرُهُ ... وغَيَّض الدَّمعَ فانهلَّت بَوادِرُهُ ( يُريد: استَثْنىَ الرقيبَ، وأخرجه مما كان يعرف سَّه، لأنه كان في أول أمره يبوح بسره إلى بعض إخوانه، ويخفى ذلك عن الرقيب. فلما تمادى ذلك به أفرط عليه، إلى أن بخل وبكى، وذل وشكا، فعلم الرقيب ذلك منه. ) غاَب الامير فغابَ اّلخيرُ عن بَلدٍ ... كادَتْ لفَقْدِ أسمِه تبكى مَنابُره ( كان الأمير المجهول مخطوباً له بحمص أيام ولايته إياها، فأزيل عنها فانقطع الاختطاب باسمه على منابر هذه المدينة، فحنت المنابر وبكت لذلك. ) قد اشْتَكَتْ وَحْشَةَ الأَحْياء أَربُعُةُ ... وخَبَّرتْ عن أَسىَ الْمَوتَى مَقاَبِرُهُ ( الهاء في مقابره: للبلد ذاك، كما كانت في المنابر له. أي تَوحَّش إليه الأحياء، وهذا ممكن، والأموات، وهذا غير ممكن، لكنه بالغ بالموتى، وأفرط بقوله: إنَّ المقابر مُخْبرة عن أسىَ الموتى، فالنصف الثاني أغلى من الأول، لأن الأحياء يتوحَّشون، وإن كان فيه غثلُوٌّ أيضاً لإسناده الشكوى إلى الأربُع فيه. وكأن الأربُع إنما اشتكت رقَّةً لما تراه من توحُّش أهلها، وبُعداً بذلك. وإن شئت قلت: خُلِّيت الأربع بعد المير من سكانها، فتشكت توحُّشها إلى الأحياء) وهذا (أولى. لتطابق إسناد الأسى إلى الموتى.

стр. 10

) تَحْمَى الْسُّيوفُ عَلَى أَعْدَائِه مَعَهُ ... كأَنَّهنَّ بَنُوه أَو عَشائِرُهُ ( أي إن السيوف تحَمَى على أعدائه معه، تعصباً له وحباً، حتى كأنَّ السيوف من مظاهرتها ونصرها له، وتبليغها إياه ما شاء من عدوه، بَنُون له أو عشائر قال أبو الفتح: وهذا أبلغ من قول أبى تمام: كأنما هي في الأوداج والغةٌ ... وَفي الْكُلَى تجدُ الْغيظ الذي تجدُ لأن أبا الطيب قد جعل السيوف بنين له وعشائر. وإذا كانت المناسبة استحكمت العصيبة، وازدادت الأنفس حمية، وأبو تمام لم ينُطْ بيتَه بشيء من معنى المناسبة. ) إذا انْتَضاَهاَ لِحَرْبٍ لم تَدْع جَسَداً ... إلاَّ وباطِنُه للعين ظاهِرُهُ ( انتضاها: جرَّدها. أي إن الدن الذي هو باطن الجسد يَفيض فيصير ظاهراً. وقيل تَقْطع الأشلاء وتَقُدّ الجلد، فيظهر من الجسم ما كان باطنا. وله أيضاً: ) وَمِن جَسَدى لم يَتْرك الْسُّقمُ شَعْرةً ... فَما فَوقها إلاَّ وفيها له فِعْلُ ( أي أن السُّم نال طائفة من طوائف جَسَدي: اللَّحم والعَصب والعَظم، فأنحاَه وبراه، حتى الشَّعْر الذي هو أرقٌّ الطوائف جسمي، فإنه أثر فيه بالشيب. والشيبُ سُقْمٌ، لأنه مُشْعِر بفناء، كما أن السُّقْم كذلك ولذلك قال بعض الشعراء في صفة الشيب: هو الْسُّقم إلاَّ أنه غيرُ مؤلم ... ولَمْ أَر مثل الشيب سُقما بلا ألَمْ وقد يجوز أن يَعْنِى أنه قَذَف في اصغر طوائف جمسي، هو الشَّعرُ، بهذه النازلة العظيمة الشنيعة، وهو الشيب فقس على سائر الجسم بمثل هذا القياس، كما يُستدل بالأصغر على الأعظم، وبالأقل على الأكثر، أدى إذا كان فعله في الشعر هذا، فما ظنك باللحم، وما يحمله من العصب والعظم؟ ) هُمامٌ إذا ما فَارَق الْغمدَ سَيْفهُ ... وعايَنْتَه لم تَدْرِ أيهُّما النَّصْلُ ( أي أن مضاءه كمضاء السيف، وبشره وبشاشته كفر نده وصقالته، فأنت تشكُّ فيهما حتى لا تميز أحدهما من صاحبه. وهذا كقول ابى تمام: مُنْصَلِتاً كالسيف عند سَلِّهِ وقال رؤبة: كأنني سيف بها إصْلِيتُ ونحوه عندي قوله هو أيضا: كَفرنْدِى فِرنْدُ سيفي الُجْرَازِ أي كبسرى عند القتال وبشاشيتي وفرحي بتاثيري في اقراني، فرند سيفي هذا الجُرازُ: القاَطِع، وذهب قوم إلى أنه عنى بفرنده نفسهَ: سُهُومه وتغيره من السفر والجد والتعب. فكنى عن ذلك السُّهام بالفرند، لدلالته على شرف الهمة ورفعة النفس، وإنما الصحيح الول كقوله في موضع آخر: أَرى من فِرنْدِى قطعةً من فرنْدِه وَجُودَةُ ضَرْبِ الْهام في جُودةِ الصَّقْلِ إذا قيل حلماً قال للحلمِ موضع ... وحَلْم الفتى في غير موضِعه جْهلُ أي طلبُ الرفق في موصع النزال خديعة لا يخلد إليها أريب، كقوله: يناشدني حاميم والرمح شاجرٌ ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم وإنما يروم بذلك قرنهُ منه التماس نهزةٍ أو حذباً إلى كشف شدة عن نفسه. ) ولولا تَولِّى نَفْسه حَمْلَ حِلْمه ... عن الأرض لا نهدَّت وَنَاءَ بها الْحِملُ ( الحمَلُ: المصدر، والجملُ: الاسم. وناء بها: أثقلها، وفي التنزيل) ما إنَّ مَفَاتحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ (. ولا يقال) ناء (إلا في حد الإتباع لساء، يقال:) له عندي ما ساء وناء (، وقد يكون مع الإتباع صيغ لا توجد في حد الإفراد، كقولهم هَنأءُ ومرأه، فإذا أفردوه قالوا أمرأه. وقالوا: إني لآتيه بالغدايا، والعشايا، والغداة لاتجمع على غدايا، لأن) فَلة (لا تُكسر على فعايل. لكنهم تجوزوه لما قرنوه بالعشايا، ولا عليك أتبع الثاني الأول، أم صيغ الأول على حكم الثاني، لأن مذهب العرب في ذلك، أن تصوغ الكلام من جه واحد طلباً للمشاكلة. ومعنى البيت: أن حلمه رَزِين فلو لم يتولَّ حَمْله نفسه بنفسه، ووكل الارض بحمله، أثقلها فانهدت. وإنما يوصف الحلم بالزراعة لما يتبعه من الوقار، كقول الآخر: أحلامُنا تزن الجبالَ رزانةً ... وتزيد جاهلنا على الجهال وقد قال هو أيضا: وبقيات حلمه عافت النا ... س فصارت ركانةُ فب الجبال ) وَحالتْ عَطاياَ كفِّه دُون وَعدِه ... فليسَ له إنجازُ وعد ولا مَطلُ (

стр. 11

أي أن عطايا بلا عدة. والإنجاز والمطل: عرضان أو خاصتان للوعد. فوجودهما بوجوده، فإذا ارتفع الوعد ارتفعت خاصتاه اللتان هما الإنجاز والمطل، وكذلك كل خاص ومخوص، إذا انتفى الخاصة، كالضحك وقبول العلم والأدب اللذين هما خاصتا نو الانسان. فاذا انتفى الانسان انتفت هاتان الخاصتان. وإنما مثلتً الوعد بالانسان، وان كان الوعد عرضا، والانسان جوهرا تقريباً وتثبيتاً. فلا تظن بنا غير ذلك، ولو وثقنابفهم بنى الزمان، لغنينا عن إطالة البيان. ) كفى ثُعلاً فخْراً بأنك منهمُ ... ودَهْرٌ لأن أمْسَيْتَ من أهله أهْلُ ( أي ودهرٌ بكونك من أهله. أي دهر مستحق لذلك. وَرَفَعَه بفعل مُضمر أي وليفخر دَهْرٌ، وحسن هذا الإضمار، لأن قوله:) كفى فخراً بأنك منهمُ (في قوة قوله: لتفتخر ثُعلٌ، فحمل الثاني على المعنى، فكأنه قال: لتفخر ثُعل وليفخر دهر، والحمل على المعنى كثير، فأهل: صفة لدهر، وأراد كفى الفخرُ ثُعلاً فخراً بكونك منهم. وله أيضاً: ) أبرحْتَ يامَرَضَ الجُفُون بِمُمْرضٍ ... مَرضَ الطبيبُ له وعيدَ العُوَّدُ ( أبْرحْتَ: بالغت في تعذيبه، وتجاوزت النهاية، ومنه قولهم: أبرحْتَ فارسا: أي بلغت الغاية، وتجاوزت النهاية. ومرض الجفون: فتورها. والممرض: يعنى نفسه لأن مرض الجفن أمرضه، فيقول: بالغت يامرض الجفن بإمراض مريض، مَرِض الطبيب له: إما عجزا عن شفائه. ومرض العُوَّدُ لشدة ما رأوا به فِعيدوا. ولابن جنى في هذا البيت كلام أجله عن أن أغزوه إليه. وقوله:) مرض الطبيب له (، فله: في موضع الصفة للمُمرض، ومعنى له: أي) من (أجله. وقد يكون في موضع المفعول كقولك: أنا عليم بك ووكيل عليك. ) فله بنُو عبد العزيز بنِ الرِّضا ... ولكلِّ رَكبٍ عِيْسُهم والفَدْفَدُ ( يريد أنه قصد بنى عبد العزيز ليشفوه مما به، ولم يأخذ سيرة الذين يأخذون بقولة امرئ القيس: وإنك لم تقطع لُبانة عاشق لأنهم يرون البعُد من المحبوب مما يُريح، فترك هو هذا، ونحا إلى بني عبد العزيز، يذهب إلى أن شُغل بني عبد العزيز هؤلاء أن يُريحوا من هذا المُمرض، وشُغْل كل ركب أن يركبوا العيِيْس، ويمشوا في القفار. وبعض الناس يقول: إن العِيْس لبني عبد العزيز، والأحسن ما بدأْنا به. ) نِقَمٌ عَلَى نِقَمِ الزَّمانِ يَصُبُّها ... نَعِم عَلَى النِّعَمِ التي لا تُجحَدُ ( أي نعمه البوادي العود: تدفع نقم الزمان، فتغنى من فقر، وتفُك من أسرأ والأسر من نقم الزمان، فهو يصب هذه النعم فينتقم بها من نِقم الزمان، لن جوده وغياثه إذا أزالا الفقر والأسر ونحوهما من النقم، فقد انتقما منها، فهن إذن نقم على الزمانية، ونعم على الأسير والفقير ونحوهما ممن أصابه الدهر ينقمه. ) مَن في الأنامِ من الكرام ولا تقُل ... من فيكَ شَأمُ سوى شُجاعِ يُقصدُ ( الشأم، مذكر، وتقدير البيت: من في الأنام من الكرام سوى شجاع يُقصد يادنيا، ولا تقل) من فيك ياشأمُ (، فخص بذلك الشأم وحده، فإنه أوحدُ الدنيا جميعاً. لا أوحد الشأم وحده. ) أرضٌ لها شرفٌ سواهَا مِثْلُها ... لو كان غيُرك في سواها يُوجدُ ( أي منبجُ هذه ارض شريفةٌ، وغيرها مثلها، لولا كونك بها، فإنما شرفت على البلاد بك لابذاتها. ) بَقِيتْ جُموعُهُم كأنك كُلها ... وبقيتَ بَينَهُم كأنك مُفْرَدُ ( أي أغنيت غناء الكُل، فكأنك كلهم كقوله:) إلا رأيتُ العباد في رجل (. وبقيت بينهم كأنك مُفرد، أي لم يكن فيهم من يجوز أن يُعد ثانياً لك، وإن كان حولك منهم جماعة. ) ما شَارَكَتْه مَنِيةٌ في مُهجةٍ ... إلا لِشفْرَته عَلَى يدها يَدُ ( العرب تقول: لك على فلان اليدُ البيضاء؛ أي المزية الظاهرة. فمعنى البيت: إن لشفرته الأثر الأظهر، فإما أن يكون؛ لأن تأثير السيف أظهر من تأثير المنية، لن تاثير السيف جُسماني عليه يقع الحسر، وتأثير المنية نفساني، لا يقع عليه حس. وقديجوز أن تكون للشفرة اليد على المنية، من جهة أن المنية معلولة للسيف، والسيف علة لها. والعلة أشرف من المعلول، فوجبت المزية للسيف بذلك.

стр. 12

وقد يتوجه البيت على أن كل شريكين، فمن المعتاد الأغلب أن يكون أحدهما أقوم بالأمور، فتعلو يدهُ يد صاحبه، فاذا شاركت المنية سيفه فحكمه أمضى، والأول عندي أقوى. ) قَطَّعتهُم حسداً أراهُم ما بِهمَ ... فَتَقَطعوا حسداً لمن لا يَحْسُدُ ( أراهم مابهم: أي كشف لهم عن تقصريهم عنك، ولو أن اتزن له أراهم ما هو به كان أدخل في الصناعة المنطقية، فتقطعوا حسداً لمن لا يحسُدُ: أي هم يحسدونك لنقصهم عنك، وأنت لا تحسد احداً، لن الفضائل كلها متجمعةٌ لك، فلم يبق لك ما تحسد عليه غيرك. وقوله: أراهم مابهم، جملة في موضع الصفة. ) أنى يكونُ أبا البَريةِ آدمٌ ... وأبُوكَ والثِّقلانِ أَنت مُحمَّدُ ( هذا محال من القول وسفه، أي انك انت الإنس والجن، وأبوك محمد، هذا يعني أبا الممدوح، لفما لهذه البرة وادعائها آدم أباها، وهذا من قبيح الضعف، وطريق السخف، وقد دخل به العقابُ في أنه لم يُحسن تأليف البيت ولم يُوفق لإقامة إعرابه. ألا تراه فصل بين المبتدأ والخبر بجملة أجنبية في قوله:) وأبوك والثقلان أنت محمد (. وموضع الكلام: أبوك محمد، والثقلان أنت. وهذا لا يكاد يُسيغه لنفسه الذي يقول: ضحِك الناس وقالُوا شِعْر وَضّاح الْيَمانِ إنما شعرى قيد عُقِدْ بخُلَّجانِ وقال ايضا: ) طلبتُ جسِيمَ ما طَلَبِى وإنَّا ... نُخاطرُ فيه بالمُهَجِ العِظامِ ( اراد جسيم طلبي، و) ما (: زائدة. والعظام هانا: كناية عن العز والشرف. أي يقول: أنت إنما نُخاطر في طلب بالمهج العزيزة التي لا خلف منها إذا فقدت. ) وَلو بَرَز الزمانُ إلى شخصاً ... لأدْمَى رأس مفْرقِهِ حُسامِي ( أي لو شخص الدهرُ لأثرت فيه بسيفي، والدهر ليس بشخص لن وجود النور وعدمه، لاختلاف حركة الفلك، فتمناه هو شخصا ليوقع به، غُلُوا منه غلُواً، وعليه دائرة السوء. ) إذا امتلأتْ عُيونُ الُخيلِ منِّي ... فَويلُ للتَّيقُّظِ والمناَم ( أي أروعهم ببأسي متقيظين، ويحملون بي، وذلك بما بقى في نفوسهم من الروع، كقوله هو: يرى في النومِ رُمحك في كُلاُه ... وَيخْشَى أن يراهُ في السُّهادُ ( ومادة كل ذلك قول الشاعر: وعَلَى عُدوًَّك بابن عمِّ محمد ... رَصَدان ضوء الشمي والإظلامُ فإذا تنبَّه رُعتهُ وإذَا هدا ... سَلّت عليه سيوفَك الأحلامُ وأراد المتنبي: إذا امتلآت عيونُ فرسان الخيل، فخذف المضاف، واراد فويلٌ لها في التيقظ والمنام، فأسند الويل إليهما مجازاً لا حقيقة، لن التيقظ والمنام عرضان لا يلحقهما ويل. وقد يجوز أن بعض المصدر موضع الاسم، كأنه قال: فويل للمُتيقظ والنائم، كقولهم: ماء غَوْرٌ: أي غأر؛ ومثله كثير. وله ايضا: ) أذا الغُصنُ أم ذَا الدِّعصُ أَم أَنت فتنةٌ ... وذَيَّا الذي قَبَّلتُه البرقُ أم ثَغْرُ ( أي: اقدكُ غصنٌ؟ أم ردفُك دعصٌ؟ و) ذيا (، تصغير) ذا (. وإنما صغره، لنه اشار إلى الثغر؛ والثغر يوصف بالصغر، ألا ترى إلى قول النظام يصف عجبه من امراة طرحت خاتمها في فيها فقال: مِنْ رَمْيها الْخاتمَ في الْخَاتَم شبه فاها بالخاتم لصغره و) أم أنت فتنةٌ (: يكون فيه) أم (العديلة لألف الاستفهام، وتكون منقطعة كَهَلْ، وقد اعترض السؤال عن الجملة، أعنى قوله:) أم أنت فتنتة (بين اثناء الكلام عن الأجزاء، لأن القَدَّ، والرَّدف، والثغر، كلها طوائف، وأنت جملة. وإنما كان ينبغي، لو استقام له، أن يقرع بالسؤوال عن الطوائف، ثم يجُما، أو يجُمل مبتدئا فيقول: أنت فتنة، ثم يأتي بالطوائف. واما هذا الفصل عندي بين النظائر بالغريب، فقلق غير متمكن، وهذا إنما) يحكيه (أهل المنطقية. وكذلك قوله:) وذيا الذي قبلته البقُ أم ثغرُ (كان أصنع أن يقول:) بَرْقٌ (، لمكان) ثَغْر (، لأنهما نكرتان. ) فَتى كلَّ يوم يحتوي نَفْسَ مالهِ ... رماحُ المعالي لا الرُّدَيْنِيةُ السُّمرُ ( تُغير على ماله رماحُ المعالي، يعنى المدائح. أي رماح المدائح التي تُبنى بها المعالي، تُغير، كقول أبى تمام: وآمله غادٍ عليه فسالُبه وقال: رماحُ المعالي، ولم يقل سيوف المعالي، توطئة للردينية السُّمر.

стр. 13

وقوله:) نَفْس ماله (، ليس للمال نفس في الحقيقة، إنما تجوز بذلك، كما تجوز بأن جعل للمعالي رماحا، وليس هناك رمح ولا نفس، وعلى هذا أوجه أنا قوله: ألستُ من القوم الألى مِنْ رماحِهم ... نداهُم ومن قتلاهُمُ مُهجةُ الْبُخلِ لما استعار ما ذهب إليه أكثر مفسري هذا الشعر، من أنه عنى بقوله:) من رماحهم نداهم (: أنهم يجودون، وإنما يجودون بما تُفئ عليهم رماحهم من النهب. وما أدرى ما أعماهم عن هذا على وضوحه. وله ايضا: ) ولا الدِّيارُ التي كان الجبيبُ بها ... تشكوُ إلي ولا أشكُو إلى أحدٍ ( شكوى الديار إنما هي باعتبار النظار من سوء آثار الزمان عليها. كقول علي ﵁ مخاطباً القبور: لم تُجبك جهاراً، أجابتك اعتبارا. يقول الشاعر: وَعظتكَ أجداثٌ صُمُتْ ... وَنَعَتك ألسنةٌ خُفُتْ وَتكلمتْ عن أوْجُهٍ ... تَبْلَى وَعن صُوَرٍ سُبُتْ فيقول: إن دمعي حال دون تأملي آثار البلاد في الديار، فيقوم مقام شكواها إلي: لولا مَنعُ الدمع إياي من التأمل، لرأيت سُوء صُنع الدهر بها، لكن الدمع كَفَاني وحماني النظر، كقول الآخر: فعيناي طوراً تغرقان من الُبكا ... فأعشى وطوراً تحسران فأبصرُ ولهذا العلة سقول الشاعر منهم لرفيقه: تبصر وانظُر، كقوا امرئ القيس: تَبصِّر خَلِيلي هل ترى من ظَعائنٍ ... سَوالكَ نَقْباً بين حَزْمَيْ شَعَيْعبِ وقال آخر: بل تَبصَّر، فأنتَ أبصرُ مِنِّي أي أن الدمع قد حال بيني أنا وبين التأمل، بإغراقه ناظري؛ وقد بكيت حتى اكل الدمعُ بصرى.) ولا أشكو إلى أحد (، أي أنها قفر لا أحد فيها فأشكو إليه، أي ليس بها احد يُشكى اليه، فأنا أدع الشكوى لذلك، ونفيه العام هنا كقول النابغة: ) عَيتْ جوابا وما بالربْع من أحدِ ( وقد يتوجه البيت على أنه لم يبق في الدار فضل للشكوى بما هدمها وأبادها من البلى، ولا في أنا للشكوى. أي قد ضعفت عن ذلك، والأول أوجه. ) أيُّ الأ كف تُبارى الغَيْثَ ما اتَّفقا ... حتى إذا افترقاَ عادتْ وَلم يعُدِ ( الأ كف: جمع كف، قال سيبويه: ولا يكسر على غير ذلك أي كفٍّ سوى كف هذا الممدوح تعارض الغيث؛ أو تباريه؟ حتى إذا أقلع الغيث عادت الكف للندى. وهي تلك الكف بعينها، ولم يعُد الغيث، لأن ذلك الغيث بعينه لا يعود أبدا. وفي قوله:) عادت (، إشعار بأنها أقلعت وإنما قاله توطئة لقوله:) ولم يَعُد (، ومثل هذا كثير في كلامهم، كقوله تعالى:) فمن اعْتَدَى عليكم فاعْتَدُوا عَلْيه (، وانتصار المؤمنين من الكفار، ليس باعتداء ولا ظُلم، ولكنه ذكر الاعتداء هنا لتقدم) فمن اعتدى (. ومثله قول الشاعر: ألا لا بَجْهلَنْ احدٌ علينا ... فنجهل فوقَ جَهْلِ الجاهِليناَ وقوله: أي الأكف تُباري الغيث ما اتفقا ... حتى إذا افترقا عادت ولم يعدُ يسمى ترجيحا، فقد وقعت المساواة بين الكف والغيث بلا فضل لأحدهما على صاحبه. فإذا أقلع الغيثُ ودامت الكف تجود، فقد فَضَلت الغيث الكفُ ورجعت عليه. وله ايضا: ) وفشت سرَ اثرنا إليكَ وَشَفَّنا ... تَعْريضُنا فبدا لَكَ التَّصْرِيحُ ( أي لما جهدنا التعريض، استروحنا إلى التصريح، فانتهك الستر. وإن شئت: لما عرضنا؛ ظهرت دلائل الحُب علينا كفيض الدمع، وتغير اللون، فعاد التعويض تصريحاً، بهذه الأدلة التي أعربت عن الحب، وصرحت به، وإن كنا نحن لم نُرد التصريح فتقديره. فبدا لك التصريحُ من تعريضنا. ومعنى شفنا على هذا القول: نقص تصبُّرنا، وغير تجلدنا، وقد يكون وشفنا: أي شف قوتنا على التكتم فبكينا، فحصل العريض تصريحا. ) شِمناَ وما حَجبََ السَّماءُ بروقَه ... وَحرى يجُود وما مرَتْهُ الريحُ ( نشيم بروق المزن أين مصابُهُ ... ولا شيء منك يابنة عفزرا وقال ابن مقبل في النار: ولو تُتري منه لباع ثيابه ... بنبحة كلب أو بنارٍ تشِيمُها

стр. 14

أي شمنا الببروق، ولم يُحجب السماء. أي لا غيم هنالك، فيُحجب أديم السماء، وإنما عنى مخايل يديه، وإن شئت قلت: إن الجو يبسِم بالبرق بعد تعبُّسه بالغيم، وهو يبقى أبداً، فبرقه في صحو، ولا يلحقه عبوس، فيكون ذلك العبوس كالغيم. فجوده هنئ، وليس الغيث كذلك، لأنه وإن حلى الأفق بالبرق، فإنه يحجب حسن السماء، وجمال سِمتها، ويحجبها بالغيم وهذا قريب من قوله هو: فَترى الفضلة لا تَرُدُّ فضيلةً ... الشمس تُشرق والسحاب كنهورا عنى بالسحاب الكنهور: نداه، وبالشمس: بشره، وحسن وجهه الوضئ، وسنشبع شرح ذلك في القصيدة التي هو فيها إن شاء الله تعالى. ) وحرى يجودُ وما مرته الريح (. أي حرى نان يجود من غير أن تَمْرِ به الريح. يذهب إلى تخليص جود هذا المدوح من الكدر، وتفضيله على المطر، لأن ماء المطر وإن كان طهوراً نافعاً، فإن هناك ما يُكدره، وهو الغيم الذي يطمس نور الشمس، فيولد الكُرْبة في النفس والريح التي يتوقع منها الآفات وأنواع الجوائح. وإن شئت قلت: إن الريح هنا مستعارة، وإنما كنى بها عن السؤال، لأن السؤال يستخرج النوال، كما أن الريح تمرى الماء. فيقول: جُوده متبرع يُغنى عن السؤال: كقوله هو: وإذا عنُوا بعطائه عن هَزِّه ... وإلى فأغنى أن يقولوا وَالهِ لذلك قال هو أيضا: والجراحاتُ عنده نَغَماتٌ ... سَبَقَتْ قَبلَ نَيْلهِ بسؤال وسيأتي شرحه في موضعه: ونظيره قوله: وَحرَّى يجود وما مرته اليحُ وعلى هذا القول الأخير قول البحتري: مواهبا ما تجشمنا السؤال لها ... إن الغمام قليبٌ ليس يحتفرُ ويجوز) وحرى يجود (بإضمار) أن (، أي وحرى أن يجود.) ما مرته الريح (. جملة في موضع الحال. وله ايضا: ) لمَ يَلق قبلكَ من إذا اشْتجر القَنا ... جَعَل الطَّعان مِن الطِّعان مَلاذَا ( إن شئت قٌلت معناه: أنك تلقي فسك للطعان محتقراً لها، لتهابك الأقران. وإن شئت قلت معناه: إنك تلوذ من الطعن بطعنك لعدوك، علما أنك إن تهيبته ولم تطعنه طعنك فإما تدفعه باإقدام، لا بالإحجام،) لأنه (تمكين للعدو. ولهذا قالت العرب: إن الحديد بالحديد يُلف: أي إن الشر إنما يدفع بمثله. كقول قطري: تأخرتُ أستبقى الحياة لم أجِد ... لنِفْسي حياة مثل أن أتَقدَّما وقال المتنبي في نحوه أيضا: فإن تكُن الدولاتُ قسماَ فإنها ... لمنَ ورد الموتَ الزؤام تدُولُ لمنْ هوَّن الدنيا على النفس ساعةٌ ... وللِبيض في هامِ الكماة صليل ) لمَّا رَأوك رَأوا أباك مُحمداً ... في جوشنٍ وأخاَ أبيكَ مُعَاذَا ( أي) ذكروا (برؤيتهم إباك عمل وأباك. يذهب إلى قوة شبهه بهما كقولهم ابو يرسف ابو حنيفة، أي مثله، وقد قال المتنبي في هذا المعنى: لو تنكَّرت في المكَرِّ بقومٍ ... حَلَفُوا أنك ابنُهُ بالطِّلاقِ وله ايضا: ) وكأنما عيسَى بن مريمَ ذكرُه ... وكأنَّ عزر شخصُه المقبورُ ( عازرُ هذا: أخياء عيسى، وإقامه من قبره، فكذلك ذكر هذا البيت يحييه، كما أحيا المسيُ عازر. وترك صرف عازر لأنه أعجمي. وله ايضا: ) تُشَقَّق منهُنَّ الجُيوب إذا بَدَتْ ... وتُخْضَبُ منهُنَّ اللَّحَى والمفارِقُ ( ) تشقق منهن الجيوب (. أي إن البعولة والبنين يقتلون بها، إذا جُردت من أغمادها، فيشقق الثكإلى جيوبهن. و) وتُخضَب منهن اللحى والمفارق (أي يُخضبن بالدم، حتى يُشكل الشابُ والكهل والشيخ، فلا تعرف الثكلى بعلها من ابنها. ) يحُاجى به: مَا ناطقٌ وهو ساكتٌ؟ ... يُرى ساكتاً والسيفُ عَن فيه ناطقُ ( الصمت والنطف: ضدان، والضدان لا يجتمعان في محل واحد، في وقت واحد، لكن هذا الملك ينطق السيفُ عنه وفمه ساكت، فالأحجية من البيت في الشطر الأول وتحليلها في الثاني، ونُطق السيف عنه؛ عمله في عًصاته وعُداته، إذ السيف جمادُ، والجماد لا نطف له. وإنما هو كقوله: وقالت الأنساعُ للبطن الحقِ ولو تقصيت هذا لطال الكلام، لن في مثله يطولُ المثال. وله ايضا: ) وتُنكرُ مَوْتَهُم وأنا سُهيلٌ ... طَلعتُ بموت أولادِ الزِّناء ( أكثر الموت الواقع في البهائم، إنما هو عند الرعاء بطلُوع سُهيل، فعد أضداده من جهلهم. بهائم يمُيتهم سُهيل. قال:

стр. 15

وكان أضر فيهمْ من سُهيلٍ ... إذا أوفى وأشأم من قُدارِ وقال المنجمون: طُلوع سُهيل طلوع ضُرٍّ وويل. فيقول هو: طلوعي ضرر على أولاد الزنا. ولم يعن بذلك أنهم لزنية في أنسابهم، إنما أراد أنهم يعتزون إلى الفضل وليسوا منه، كما ينتسب بنُو الزنا إلى غير آبائهم. وسُهيل: اسم جاء على بناء التصغير وله ايضا: ) مَلامُ النَّوى في ظُلمِها غايةُ الظُّلم ... لَعلَّ بها مِثلَ الذي بي مِنْ سُقْم ( أي أن ملامى للنوى في ظلمها لي، واسئثارها بمحبوتي غاية الظلم، لأن في الإمكان، وطبيعة تأثير الزمام أن تكون النوى عاشقةُ لهذا المحبوب كعشقى، فيورثها ذلك سُقما كَسُقمى، فالحكم ألا ألومها، لأن من لم يُؤثر عليك إلا نفسه فليس بمؤثر عليك أحدا. وبالغ بقوله: غاية الظلم، مُدرا أن بالنوى من الوجد مثل ما به. وذكر السُّقم ولم يذكر العشق استغناء بذكر المسُبب عن السبب. واراد ملامى للنوى، فأضاف المصدر إلى المفعول، كقوله تعالى:) لايَسْأمُ الإْنسانُ من دُعاءِ الَخْيْر (. ) طِوال الرُّدَينَّيات يَقْصفُها دَمِى ... وبِيضُ الْسُّريْجِيّات يقطُعها لحْمِى ( إن شئت قلت: إن دمه يقصف الرمح بحدته وقوته، أي أنه أقوى من الرمح.) وبيض السُّريجيات يقطعها لحمى (: أي أنه احدُّ من السيف، فهويؤثر في السيف تأثير السيوف في غيره. وقد يكون أن الرماح والسيوف تنبو عنه، ولا تؤثر فيه البته. فكأن دمه كَسر الرمح، وكان لحمه قطع السيف. وقد يجوز أن يهنى أنه من نفسه وعشريته في منعة. فإذا أصابه طعن أو ضرب، أكثر الطعن في طلب ثأره، حتى تتقصف الرماح، وتتقطع السيوف. ) مُذلُّ الاعِزَّاء المُعزُّ وإن يئن ... به يُتمُهم فالمُوتمُ الجابر اليتم ( أي مذل مخالفيه المعادين له، معز محالفيه المعاضدين له. وإن يئن: أي يقرب به يُتمهُم، أي يُتم أبنائهم بقتله أباءهم، فإنه يجبر يتمهم بعوده عليهم؛ واكتفاله إياهم بعد الآباء. وقد يجوز أن يوتم قوما ويجبر يتم آخرين، لم يكن هو الذي أيتمهم. ) إذا بَيَّت الأعداء كان اسْتماعُهم ... صرير العوالي قَبل قَعقعةِ اللجم ( أي يطوى سره؛ ويخفى حسه، حتى يكاد يُخرس اللجام فلا يخرس. وهذه مبالغة في طي الخبر. ) وقد الحزم حتى لو تعمد تركه ... لألحقهُ تضييعه الحزم بالحزْم ( أي أن حرمه طبيعي؛ فلو تعمد تركه لا نعكس تضييعه الحزم حزماً، إذ ليس قوته غير ذلك. ) وفي الحرب حتى لو اراد تأخرا ... لأخره الطبعُ الكريمُ إلى القُدْم ( أي أن طبعه إتيان الفضائل، وتنكب الذائل، فلو رام التأخر ممتحناً لطبيعته تلك، لتأبى عليه الطبع، فرده إلى التقدم. وقد اطرد هذا المعنى في غير هذا الموضع من هذا الشعر، كقوله: ) لَهُ رحمةٌ تحيى العظام وغضْبةٌ ... بها فضلَةٌ للجُرم عن صاحِبِ الْجُرمِ ( يُحيى العظام: مبالغة في قوتها على الإحياء. وغضبةٌ: أي إذا إغضبه المجرم الجاني تجاوز له غضبه قدر جُرمه، فاما تجاوز به قدر جرمه فإهلكه، وإما تهاون به فتركه. ) دُعيتُ بِتقريظيك في كل مجلسٍ ... فظَن الذي يدعُو ثَنَائي عليكَ اسْمِي ( أي أن لزمتُ مدحك، وخصصت حمدك، حتى عُرفت بذلك، وغلب على اسمي العلم وكُنيتي ونسبي، وظن الذي يدعو ثنائي عليك اسمي: أي قيل لي: با مادح ابن إسحاق، ذهاباً إلى أن ذلك اسمي لا اسم لي غيره، وأراد يدعوني، فحذ المفعول. ثنائي واسمي: مفعولا ظن. وإنما أراد الصفة المشتقة من ثنائي عليك، كقوله: يا حامد، ويا مادح. ولم يرد المدح ولا الحمد، لأنهما عرضان، والمسمىجوهر، فلا يُدعي الجوهر بالعَرَضِ. ) وَثقناَ بأن تُعطى فلو لم تَجُدْ لَنا ... لَخِلْنَاك قد أعطيتَ من قوَّةِ الوهمِ ( يذهب إلى أنه لو عدم فضيلة في وقت، لُظن فيه أنها موجودة أو تُيقنت وذلك لما يُعتاد من وجود الفضائل فيه، وهذا كالصادق يَكْذب فيُتوهم كِذْبه صدقاً، لما جرت به العادة من صدقه. وقد عظم إعياء أبى الطيب في هذه القصيدة جداُ. فمن ذلك أنه عكس المر بين الفاعل في بيته الذي هو) طوال الرُدينيات. . . (. ومنه: أنه جعل الضِّد ينقلبُ إلى ضده كقوله:) لألحقَه تضييعه الحزم بالحزم (. وليس من شأن تضييع الحزم أن ينتج الحزم. وكذلك قوله

стр. 16

وفي الحرب حتى لو أراد تأخراً ... لأخره الطبعُ الكريم إلى الْقُدو فجعل التأخير ينعكس إلى التقدم. ومنه: أنه جعل العدم يُظن به الوجود، كقوله: ) . . . فلو لم تجد لنا ... لخلناك قد أعطيتَ. . . ( ) فكم قائل لو كان ذا الشخُ نفسهُ ... لكانَقراهُ مكمنْ العسكر الدهمِ ( النفس روحانية: فاما تعظم عظما روحانيا كعظم العالم العلوي. والجسم جوهرٌ متكائف، فلو تجسمت هذه النفوس لعظم جرمُها، وكانت ذات طوائف جسمانية عظيمة. فكأن ظهر هذا الجسم يستُروراءه عسكراً عظيماً فيحجبه، وإن شئت قلت: لو كان شخصهُ على قدر نفسه في العظم، لكان ظهره مكمن عسكر كبير. وخص الظهر، لأنه لا غُصون فيه، فالكمون فيه أصعب. ) عظُمت فَلَماَّ لم تُكَلَّمْ مهابةً ... تواضعت وهو العُظْم عُظماً عن العُظْمِ ( فأرحت ما بالناس من تهيُّبهم لك، تواضعت عظما عن التعظيم، وهو العُظم في الحقيقة، لأن العظمة والكبرياء إنما يليقان بالأعظم وهو البارئ سبحانه. و) عَن (في قوله:) عن العُظم (، متعل بقوله عُظماً: بمعنى تعاظم وهو نصب على الحال أو المصدر. وتقدير تالبي: تواضعت عُظماً عن العُظم وهو العُظم أي ذلك التواضع هو العُظم الحقيقي. وله ايضا: ) أحادٌ أم سداسٌ في أحَادِ ... لُيَيْلَتُنا المُنوضَةُ بالتَّنادي ( أي أواحدة لُييلتنا هذه أم ستٌ في واحدة. لُييلتنا: صغرها تصغير التعظيم، كقول أوس: فُويق جُبيلٍ شاهِق الرأسِ لم يكن ... ليبلُغهُ حتى يَكَلَّ ويعملا فقال جُبيل. والجبلُ الذي هذه حاله ليس بجبيل، إنما هو جَبَل. وأنما وجه تصغير التعظيم، أن الشيء قد يعظم، في نفوسهم، حتى ينتهي إلى الغاية، فاذا انتهى إليها، عكس إلى ضده، لعدم الزيادة في تلك الغاية، وها مشهور من رأى القدماء الفلاسفة الحكماء: أن الشيء إذا انتهى انعكس إلى ضده، ولذلك جعل سيبويه الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وهي نهاية التعدي بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى إلى مفعول. قال: لأنه لما انتهى فلم يتعد صار بمنزلة ما لا يتعدى. وهذا منه ظريف جداً. والتنادي: القيامة، لما جعل الليلة ستا استطالها بعد ذلك، فجعلها هو أكثر مدة، فقال: إنها منوطة بالبعث. وأحاد: خبر مبتدأ مقدم، ولا يكون مبتدأ لنه نكرة، ولُييلتنا معرفة، فهو أولى بالابتداء، وصغر الليلة على القياس. ) مَتى لَحظتُ بياض الشَّيبِ عَيْنيِ ... فقد لَحَظتْه مِنْها في السوادِ ( أي حزنى على بياض شيبي كحزنى عليه لو رأته عيني في سواد ناظرها. كقول أبى دلف: في كل يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنما طلعت في ناظر البصر ) مَتى ما ازْددتُ من بعد التَّناهي ... فقد وَقَع انتْقِاصِي في ازْديادي ( أي إذا ازددتُ عمراً بعد تناهي الأشُد، فتلك الزيادة في سني نقصان مني، لنه قد بلغ غاية النماء ببلوغ الأشُد، فهو آخذ بعد ذلك في التحلل إلى بسيط العنصر، كقوله هو وقد مدح بعض الأمراء بشعر عدد أبياته أربعون: فبعثنا بأربعين مهاراً ... مُهرٍ ميدانه إنشادُه عَدَدٌ عشته يرى الجسمُ فيه ... أرباً لا يراه فيما يُزادُه أي عدد عشته أيها الممدوح، لأن سن الممدوح حينئذ، كانت اربعين فسوى عدة الأبيات بعدة سنيه، وقال:) يرى الجسمُ فيه أرباً لا يراه فيما بُزاده (يعنى بالأرب: النماء، ولا يكون إلا إلى الأربعين. فاذا زيد عليها عمرا لم ير الجسم في ذاته تماءً، إنما هو راجٌ عن التركب إلى التحلُّل. ) وأبعَدُ بُعْدنا بعد التدانى ... وأقربُ قُرْبنا قُرب البعادِِ ( يقول: كنت منه بعيداً، فكان البُعد مني حينئذ قريباً، والقربُ بعيداً. فلما جئتهُ وقربت منه، انعكست الحال، فعاد البعد بعيداً وكان قريباُ وعاد القرب قريباً وكان بعيداً. ونسب الإبعاد والتقريب إلى هذا الممدوح، لأن انعكاس الحال، إنما كان بسببه. فلولا هو لم يَبْعُد البعُد الذي كان قريباً، ولا قرب القرب الذي كان بعيداً. وإخراجه مصدر أبعد وقرب على بُعد وقُرب، أنما مصدراهما إبعاد وتقريب. على قوله تعالى:) واللهُ أنْبتكُمْ مِن الأرْضِ نباتاً (أي: نبتُّم نباتا. وكذلك ابعد وقرب، مطاوعهما بَعُد وقرُب، فأخرج المصدر عليهما، مثله كثير.

стр. 17

) وأنك لا تَجودُ على جوادٍ ... هباتُك أن يُلقب بالجوادِ ( أي لم تترك هباتُك أحدا غيرك يستحق أن يٌلقب بالجواد إذا قيس بك وتلخص ذلك: أي لا تجود هباتك على أحدٍ بهذا الاسم، وإن كانت لاتمكنع غيره من ضروب العطايا،) فأن (على هذا القول نصب بإسقاط الحرف أي بأن يُلقب. وهباتُك فاعل بتجود. ولا تكون التاء في تجود للمخاطبة ويكون) هباتك (بدلاً من الضمير الذي في تجود، ولا يجوز ذلك البتة، لأن المخاطب لا يُبدل من البته. ومن هنا منع سيبويه البدل في قولك: بكَ المسكين مررت، إنما تنصبه على الترحم، أو على نية إسقاط الألف واللام في قول يونس، فيكون منصوباً على الحال. وقد كره هو أيضا قول يونس وقال: ولو جاز هذا لقلت: مررت بعبد الله الظيف تريد ظريفاً. وله ايضا: ) إذا ماَسَتْ رأيت لها ارْتجاجاً ... لَهُ لولا سواعدُها تَزُوعا ( أي إنها مُنعمة تهتز في مشيتها: فلولا سواعدها لبزها اهتزازها ثوبها. ) تُرَفِّعُ ثَوبها الأردفُ عَنْها ... فَيبقى من وشاحيْها شَسُوعا ( أي يرفع ردفُها ثوبها عن جسمها. والوشاح عن الخصر، فيُبعد بينهما وبين الثوب، كقوله: أبت الروادفُ والثديُّ لقُمصها ... مس البطون وأن تمس ظهوراً ) ذرَاعاَهاَ عَدُوا دُمُلجيها ... يخُال ضجيعُها الزّند الضَّجيعاً ( إن شئت قلت: إن الدُّم ُحين يلزمان الذراعين لأنهما عبلتان كقوله: تجول خلاخيلُ النساء ولا أرى ... لرملة خلخالاً يجول ولا قلبا إن شئت قلت: إن الذراعين عدوا دُملجيهما، لأنهما يُصيلن الدملجين، ويشيحانهما، حتى يكادا يكسرانهما. وهو عندي كقول جرير: لها قصب ريان قد شجيت به ... خلاخيلًُ سلمى الصمتاتُ وسُورُها سُور: جمع سوار. وكقول القُطامي في صفة امرأة: إذا يميلُ على خلخاها انفصماَ ويروى:) انقصنا (وبقويه:) ذراعاها عدُوا دُمْلُجَيْها (ولو اراد الألو لقال: سوارها عدُوا ساعديها. على انى لا أحجر ذلك، لأن العدو من باب المضاف في غالب الأمر إعنى أنك إذا كنت عدوا لشيء كان لك عدوا. فقوله: ذراعاها عدوا دُمْلُجيها كقوله: دملجاها عدوا ذراعيها. ) يخال ضجيعها الزند الضجيعا (: أي زندها عبل يظنه الضخيع من عبالته جسما. ) أحبُّك أو يقُولوا جَرَّ نملٌ ... ثَبِيراً وابنُ إبراهيم ريعْا ( معنى هذا البيت الأبدية؛ أي أنى أحبك حتى يجر النمل ثبيراً. وهذا لا يكون عند أحد أبداً. وحتى يقال: ربع ابن إبراهيم، وابن إبراهيم على هذا المنزع لا يُراع عنده. وقد احسن هذا الستطراد وإن كان قرنه إمكانيا، أعنى بقوله:) وابنُ ابراهيم (فتناهى وهو قوله:) أو يقولوا جر نمل ثبيرا (، لكن الثاني عنده في الامتناع كالأول، وإن كان في تحصيل الحقيقة ليس مثله، وكذلك حبُّه إياها إلى أن يجر النمل ثبيراً شعر كذب. ) وليس مُؤدباً إلا بنصلٍ ... كفى الصَّمْصامةُ التَّعَبَ القَطيعا ( أي أرهب سيفه الناس، حتى ليس تفعل في أيامه ما تستحق عليه السوط فضلا عن غير ذلك فقد كفى سيفُه السوط التعب. وإن شئت قلت: إنه لاُينزل عقوبة بجبان إلا القتل، لا يضربه بسوط، فقد استغنى بالسيف عن السوط. وكفى التعب لذلك. ) فلا عزلٌ وأنت بلا سلاحٍ ... لحاظُكَ ما تكُون به مَنِيعا ( العزلُ: عدم السلام عامة. واللحاظ: جمع لحظة، وقد يكون مصدر) لاحظ (، أي ملكت هيبتُك القلوب، فنظرتك تثغنى عن السلاح، فان هيبتك إذا نظرت قاتلة، لإقدامك وإن كنت بلا سلاح. فقوله:) بلا سلاح (جملة في موضع الحال، أي فلا عزل بك، وإن كنت غير متسلح. وقوله:) لحاظك (ما تكون به منيعا (يجوز أن تكون فيه) ما (بمعنى الذي، فيكون على هذا ما بعدها صلة لها. ويجوز أن تكون نكرة بمنزلة شيء، فما بعدها في موضع الصفة، لأنها إذا كانت نكرة لزمتها الصفة، كما أنها إذا كانت معرفة لزمتها الصلة. ونظيره في الوجهين قوله تعالى:) هذا ما لَدىّ عَتِيدٌ (. ويجوز أن تكون) ما (زائدة كأنه قال: لحاظُك تكون به منيعا. ومنيع. يجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، أي ممنوعاً محمياّ، وأن يكون فاعل ككريم. يقال: منُع مناعة فهو مَنِع كرفُع رفاعةً فهو رفيع. ) وجاودَنيِ بأن يُعطى وأحوى ... فأغْرق نَيلهُ أخذى سريعا (

стр. 18

أي نازعنى الجود: بان يعطى هو، وآخذ أنا، ولم يكون للمتنبي هنالك جُود، لكن الآخذ لما كان: يجودُ هذا الجود، صار كأنه جُود. وهو أحسن عندي ممن قال: إن جود المتنبي إنما كان بالأخذ. ونظير هذا القول الذي أنا اليه قول تعالى:) فَمن اعتْدَى عَليكُم فاعتدوا عليه (وليس قتل هؤلاء المأمورين للمعتدين عليهم اعتداء. ولكنها مكافأة اعتداء، فسُمي باسم السبب الذي هو الاعتداء. وكقول عمرو بن كلثوم: ألا لا يَجْهَلْنَ أحدٌ عليناَ ... فَنجهل فوقَ جهلِ الجاهليناَ ) فأغرق تيله أخذى سريعا (: أي مللتُ الأخذ ولو يمل هو العطاء. وله ايضا: ) أحَقُ عافٍ بِدَمْعك الهممُ ... أحدث شيء عهداً بها القِدمُ ( العافي: الدارس. والهمم: جمع هِمّة وقد قيل هَمة بالفتح. ولا يمتنع أن يكون هِمم جمع همة أيضا، فقد جاءت فعله مكسورة على) فِعَل (كَبدْرة وبِدَر وهضْبة وهضَب. ومن المعتل، ضَيْعَة وضِيعَ، وخَيْمة وخِيمَ. ومعنى البيت؛ أنه يسفه الناس في بكائهم الديار والأطلال إذا عفت، ويقول لهم: أولى عافٍ بدموعكم هممُ الرؤساء في هذا الزمان، فقد عفت حتى صار أحدث عهد بها قديما، فما تفضل هممهم عن ملاذ بطونهم وفروجهم، فاياها فابكوا لا الديار، فهن أولى بالبكاء عليها منها، لأن الهمة المعدومة أعزفقداً من الدار. واذا كان أحدث عهد بها قديماً، فما ظنك بغير الحداث. ) مِلْتُ إلى من يكادُ بينكما ... إنْ كُنتما السائلين يَنْقَسِمُ ( يخاطب صاحبه؛ أي آثرت بقصدي وتأمبلي من لو سألمتاه ولا شيء لديه إلا شخصه لا نقسم بينكما شقين، اعتيادا للنوال وألا يردُ ذوى السؤال. ) يُريكَ من خَلْقه غرائبه ... في مَجْدِه كيفُ يخْلَقُ الَّنسَمُ ( إن شئت قلت: إن الله لطف خلقه للنسم كما شاء، حتى دق على الوهم تصور كيفيته، ولهذا الممدوح غرائبُ من خلقه تُوصله إلى اقتناء المكارم، تغرُب وتلطُف؛ فمن تأملها، فكأنه قد تأمل خلق الله للنسم. وذلك تعظيم لقدر ما يأتيه، لشبهه بخلق الله، تعالى عن ذلك! وإن شئت قلت: إنه بحسن أفعاله ويُمنها تحيا النفوسُ، فكأنه بذلك يُحيها وينشئها وليس الخلق عنده في قوله) يريك في خلقه غرائبه (الخلق الذي هو إيجاد المعدوم، وإخراجه إلى التكون، لأن ذلك لا يستطيع عليه إلا بارئنا جل وعز، وإنما الخلق ها هنا: كناية عن الصُّنع، وكنى عنه بلفظ الخلق ذهاباً إلى ابتداع هذه الغرائب، وهذا من شديد المبالغة. وربما كنى بالخلق عن الصنع. وبين الخالق والصانع فرقٌ، لا يليق إيضاحه بهذا الكتاب. والنسم: جمع نشمة، اشتقت من النسيم، كما اشتق الروح من الريح، والنفس من النَّفس. ) تُشرقُ أعراضُهم وأوجُهُهُم ... كأنها في نُفوسهم شِيمُ ( لا شيء أصغى ولا أبسط من النور، فلذلك توصف الجواهر الصافية به. وأولى شيء بذلك الأمور النفسانية، لأنها أذهب في البقاء وعدم السراب من الجسمانية. والشِّيمة نفسانية، والوجه جسماني. والعِرض: يجزو أن يكون بالجسم، فلم يخلُص إلى النفسانية كخلوض الشيمة، فشبه ابو الطيب الأعراض والأوجه بالشيم في الشروق والصفاء، وتناهى البقاء. وإن شئت قلت: موضع هذا الكلام على أنه قد علم أنه شِيمة مُشرقة علماً عاماً، وقدم ذلك لمزية الشيمة، وهي الطبيعة، على الوجه والعرض، فحمل الوجه والعرض بعد ذلك عليها، تشبهاً لهما بها. والأوجْه ما قدمناه من أن الشيمة نفسانية، فهي أملك بالصفاء، والوجه والعرض جسمانيان، فحملهما عليها. ) كأنها في نهارها قمرٌ ... حف بها من جنانها ظُلمُ ( شبه البحيرة في استدارتها بالقمر كقول ابن الرومي يصف رغيفاً: ما بين رؤيتها في كفهِ كُرة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر وشبه الجنان علىى حافاتها، وبالظُّلم من شدة خضرتها، وذلك لأن النبات إذا اشتدت خضرته ادهام، كقوله في وصف الجنتين) مُدْهامَّتان (وقال الراجز يصف سائمة عدت على كلأ ناجم مُخضر: فصَبَّحتْ أرْعَلَ كالَنَبال ... ومظلما ليس على الدغال

стр. 19

وقال:) في نهارها (لستغرب وجود الظُّلم نهارا، واختار ذلك لمكان القمر، اذ القمر في غالب أمره، لا يكون إلا مع الليل، وهذه البحيرة بالشام وليست البحيرة تصغير بحر، لأن البحر مذكر، فلا تثبت الهاء في تصغيره، إنما هي تصغير) بحرة (! وهو القاع العظيم يُنبت السدر، كقول النمر بن تولب في صفة روضة: وكأنها دَقَرَى تَخيَّل نبتُها ... أنفٌ يغم الضال نبتُ بحارِها ) ناعمةُ الجسم لا عظام لها ... لها بَنَاتٌ ومالها رحيمُ ( وصف جسمها بالنعمة لأنه ماء، والنعمة إنما تكون في النامي، وهما الحيوان والنبات، وأما الماء؛ فلا يقبل نماء. وإنما كثرته بعد القلة كمية لا كيفية. لكن لما كان الناعمُ صافي البشرة، وكان الماء صافياً، استعار له النعمة، كما يقال في البرود ذوات الدُّور والفرائد: ناعمة. وأنما هو على الاستعارة. ) لها بنات وما لها رحبمُ (: أغرب بذلك؛ لأن البنات مولودة، ولا تلد إلا الرحم، فهذه ذات بنات بغير رحم ولدتهن. وعنى بالبنات: سَمكها؛ كأنه لما ربين فيها وغتذين، صرن لها بنات. وإن شئت قلت: إن الماء للسمك كاللبن للمولود. فلما غذتها هذه البحيرة بما فيها، صارت كالوادة الكرضعة. وقد ألم التنبي في هذا بقول ابن الرومي يستهدي سمكا: وبناتُ دجِلة في قبائِكُمُ ... مأسورةُ في كل مُعتركِ إلا أن المتنبي زاد عليه بقوله:) وما لها رحمُ (، فأغرب. ) يُبْقرُ عَنْهن بطنُها ابداً ... وما تشكى وما يسيلُ دمُ ( يُحاجي بذلك، لأن شق البطون الحيوانية يُشكى ويدُمى. وهذه البحيرة يُشق بطنها عن سمكها، فلا تشتكي ولا تدمى بعدمها الحيوانية. ) وقد توإلى العِهَادُ منه لكُمْ ... وجَادَتِ المَطَرةُ التي تَسِمُ ( الوسى: أول المطر، لأنه يسم الارض بالنبات. والعهدة: المَطْرة تاتي بعد الوسمى، تعهد الارض بالنبات. واعتيادُ الشعراء الاعتداء على الملوك بتكرر مدحهم فيهم، وتمهيدهم بذلك الحقوق عندهم، كقول أبى تمام: لها أخوات غيرُها قد سمعتها ... وإن تَرُغْ بي مُدًة فستمع فيقول: هذه القصيدة الثانية من جملة العهاد التي تتعهد الارض، وأما القصيدة الأولى التي كانت كالوسمى فقد جادتْ. وله ايضا: دارُ الملم لها طيفٌ يُهدِّدُنى ... ليلاً فما صدَقت عيني ولا كَذَباَ أي تهددني الطيفُ بالهجر؛ كما كانت رؤويته في اليقظة، والحلم جار على عاداته في اليقظة، فما كذب الطيفُ فيما تهددني به، لأن الهجر واقع. وما صدقت عيني في رؤية الخيال، لأنه زور لا حقيقة. والألف واللام في) الملم (للمراة، والفعل للطيف ولها. والام فيها للاستحقاق لا للملك لأن الطيف غير مملوك، وإنما هي مستحقة له من حيث كان إياها في المعنى. ) عُمْر العدُوِّ إذا لاَقَاه في رَهَجٍ ... أقلُّ من عُمْرِ ما يَحوي إذا وَهَباَ ( ليس الموهب بمحوى فيصح قوله: أقل من عمر ما يحوي إذا وهبا، لأن ما فارقه بالهبة، فليس في ملكه، وإنما عنى: إذا أراد أن يهب. فاكتفى بالمعلول الذي هو الهبةُ عن العلة التي هي الإدارة. ) وَتغبِطُ الارض منها حيث حلَّ به ... ونحَسُدُ الخيلُ منها أيَّها رَكِباَ ( غبطت الرجل: إذا تمنت مثل ماله من النعمة، ولم تُرد زوالها عنه. وحسدته: إذا تمنيت ماله بزواله عنه. فجعل الارض تغبطُ، لأنها جرم واحد متصل. والذات الواحدة لا يريد بعضها ببعض كراهة، وجعل الخيل تُحسد لأنها جمع غير متصل الأجزاء، ولا مُتداخلها، وإنما هي اشخاص مفترقة، وان ضمها نوع فهي متغايرةٌ بالشخص، ومشتركة بالنوع، والاشخاص متشاكلة ومتعادية. فمن المألوف أن يُحب بعضها بعض. و) أيها (: منصوب بركب، ولا يكون بتحسد، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلا أن يكون حرف جرٍّ. ) بكُل أشْعَث يلقى الموت مُبتسماً ... حتى كأن له في قتله أرَبا ( أي أنه يستبشر بالنية إذا كانت في سبيل المعالاة، لأن ذلك يُعقبه ذكراُ رفيعاً، ومثله كثير، كقول الشاعر: إذا قتلوا أقرائَهم لم يَروهُمُ ... وإن قُتلُوا لم يقشعرُّوا من القتلِ إلا أن أبا الطيب أغرب بقوله:) مبتسما (، فهو أبلغ في قلة المبالاة بالمنية من قوله:) لم يقشعروا (. وقال أبو تمام: يَسْتعذبُون مناياها كأنهمَ ... لابَيْأسون من الدنيا إذا قُتلُوا

стр. 20

إلا أن الابتسام أبلغ من الاستعذاب، لأن الابتسام مُشعر بلذةٌ نفسانية. وله ايضا: ) بأبى الشَّموسُ الجانحاتُ غواربا ... الَّلابِسَاتُ من الحرير جلاببا ( الشموس هنا: النساء والجانحات: الموائلُ للغروب. فإن شئت قلت: إنه شبههن بالشموس في هذه الحال، لأنه لقيهُن، فأظهرن الخَفَر، أو خَفَرْن فَسَتَرْن بعض محاسنهن، وأبقين بعضا: إما للمُباهاة، وإما لأنهن لم يمكنهن إلا ذلك، فجعلهن كالشموس التي أخذت في الغروب، فخفى بعضها، وبقي بعضها، كقول قيس بن الخطيم: تَراءتْ لنا كالشَّمس تحت ... غمامة بَداَ حاجبٌ منها وضَنَّتْ بحاجبِ وإن شئت قلت: إن هؤلاء النساء غبن في الخدور والهوادج، فكأنهن شموس غوراب. هذا قول ابى الفتح، وليس عندي بقوىّ، لأنهن إذا غبن في الخُدور والهوادج، فهن غير محسوسات، والشمس إذا جنحت للغروب فبعضها محسوس، وبعضها غير محسوس. ولم يقل الشاعر: بأبى الشموسُ غواربا فُيتأول أنه عنى النساء اللواتي أخفتهن الخدور، وإنما قال: الجانحاتُ، والجنوح لا يقتضي كُلية الغروب. فإن قلت: فقد قال:) غوارباً (، فأشعر ذلك بغروب كُلي، قلنا: قد أثبت الجنوح قبل ذلك. وإنما قال: غوارباً، وهو يذهب إلى أنه آخذه في الغروب ولما تغرب بعدُ. كقولهم في العليل إذا يئس منه: هو ميتٌ؛ وإن لم يُمت بعدُ. وقد يجوز أن يوقع غواربا على الكُل حين غرب الجزء تجوزاً لا حقيقة. وله ايضا: ) سلامٌ فلولا الخوفُ والبخلُ عنده ... لقلتُ أبو حفصٍ علينا المُسلم ( أي إنى ارتحت بسلام هذا الطيف عليَّ، كارتياحي بسلام هذا الممدوح، فكأن سلامه علىّ تسليم إبى حفص علىّ. لكن الفرق بين الخيال وتسليم أبى حفص أن تسليم الخيال يتخلله بتمام الوصل وتحقيقه، والخوف من فراقه، وألم معاتبته على بطعم الغُمض بعده. فتسليمه كَدِرٌ بهذه الآفات وتسليم أبى حفص لا يلحقه بخل ولا خوفٌ، بل هو الشرف السابغ الهنىء. ) وأغربُ مِن عَنقاءَ في الطيرِ شَكْله ... وأغْوزُ من مُستَرْفدٍ منه يُحرَمُ ( ليس الشكل هنا: الصورة لأن صورته موجودة، وعنقاء مُغرب معدوم البتة. فلا يقال في موجود إنه أغربُ من معدوم. والشكل هنا: المثل، أي أن شكله اسم واقع على غير مُسمى، أي لا شكال له، كما أن العنقاء اسم لغير مسمى. وإنما يوجد الشكل ملفوظا به في نفي الشكل عنه، أعنى في قولك: ماله شكلٌ، فتفمهه، فإنه معنى منطقي. ) وأعوزُ من مُستَرْفدً منه يُحرم (: أي أن نظيره عدم، كما أن مسترفداً منه محروما عدم. وقال:) أعوز (وإنما هو أشد إعوازاً، لأنه جاء به على حذف الزائد. هذا قول أبى الفتح. وليس على حذف الرائد كما قال، لأنه يقال: عازه الأمر وأعوزه. فأعوز في بيت المتنبي على) عاز (، لا على) أعْوز (. وإنما يتوهم حذف الزائد إذا لم يوجد عنه مندوحة، كقولهم: ما أعطاه للدرهم وآتاهُ للجميل وأولاهُ للمعروف، فإن هذه كلها على حذف الزائد. والمسترفدِ: طالب الرفد، لأن باب استفعل في غالب الأمر، إنما هو للطلب والمحاولة، كاستخرج واستسمن واستجاد. قال سيبويه: وقالوا مرَّ مستعجلا، أي مرّ طالباً ذلك من نفسه، متكلفا إياه. وله ايضا: ) أركائِبَ الأحْباب إنَّ الأدْمُعَا ... تَطِسُ الخُدود كما تَطِسْنَ اليَرْمُعا ( أي أن الدمع يؤثر في الخدود تأثير كُن في اليرمع، وهو الكذان. وتطس: تكسر، وليس هناك كسر، إنما بالغ في التأثير، فكنى عنه بالكسر، للتكثير. ) نظِمَت مواهبهُ عليه تَمَائِماً ... فاعتَادَها فإذا سَقَطْن تَفَزَّعَا ( أي اعتقاده في مواهبه أنها تقيه المذام كاعتقاده في التمائم انها تقيه السوء، فاذا خلا منهن تفزع، كفَزعَ ذى التمائم إذا سقطت عنه. وإنما ضرب ذلك مثلا. ولو قال: فلو سَقَطن تَفزعا: لكان سقوطها إنما يكون لعدم مالٍ أو انقطاع سؤال، فهذا توجيه قوله:) فإذا سقطن (، و) تمائماً (منصوبة على الحال، وإن كانت اسما، لأن فيها معنى حَوَارِس، وقد يكون الاسم الجامد حالاً، على توهم الصفة، كقوله تعالى:) هَذِهِ نَاَقةُ الله لَكُمْ آيةً (. قال سيبويه:) وسمعنا من العرب من يقول: العجبُ من بُرً مررْنا به قبلُ، قفيزاً بدرهم قفيزا بدرهم (فقيزا بدرهم حال، وهذا واسع كثير.

стр. 21

) يَهتزُّ للجَدْوى اهتزازَ مُهنَّدٍ ... يَوم الرَّجاء هَزَزتَه يوم الوعَىَ ( أي اهتزازُه للعطايا والجدوى، اهتزازُ السيف عند الوعى، والوعى: صوت الحرب. والغبن أعلى في الحرب. وإنما الوعى والوغى: الصوت، فسميت الحرب بهما لمكان الصوت. وله ايضا: ) وربيعاً يُضاحكُ الغَيثُ فيه ... زَهَرَ الشُّكرِ من رِياضِ المعَاليِ ( أي أنه مظنة للنعم، وأهل لوافر القسم، كما أن الربيع مظنة للخصب وزمن الإمراع، مع مافيه من الاعتدال، وتساوي الأحوال. فلذلك سمى هذا الربيع على ضروب النواوير، وأنواع الأزاهير. وقوله:) يضاحك الغيث فيه (: عنى بالغيث النعمة. وجعل الشكر زهرا، لأن النعمة هي التي أنبتت الشكر، كما ينبت الغيثُ الزهر، فهذا الممدوح كلما أنعم عليه شكر. وإذا كان غيث وزهر، فلابد من روضة، وهي الأرض. التي تنبت الزهر، وكل ذلك مستعار. ) والجِرَاحَاتُ عِندَه نَغَماتٌ ... سَبَقَتْ قبل نَيْله بسؤال ( من طبيعة الكريم، أن يبادر بالنوال من غير أن يُحوج إلى السؤال، لأن في ذلة السؤال مالا يفي به فضلُ المسئول. فإذا كان ندى من غير مسألة فهي اليد البيضاء التي لم يشنها تكدير، ولا خالطها تنغيص. فإذا سبقت المسألة نوال المسئول الكريم، سُر بذلك سروراً مشوباً بالكراهية، إذ) طبيعته (إيثارهُ الجود قبل السؤال، فنغمات السائل عنده، كالجراحات التي تُصيب الشجاع فتسره من جهة الثبات، سروراً يخالطه الكراهية، لما يلحقه من الألم. وإن شئت: لم تمثل ذلك بجراحات الشجاع، وقلت: إن نغمات سائله جراحات عنده تؤلمه، إذا لم يكن نيله له من غير سؤال. ) وَبقايا وَقارِه عافَتِ النَّاسَ ... فصارت ركانةً في الجِبالِ ( كانه استبد بالوقار اجمع، إلا أنه بقيت منه بقية، فتلك البقية عافت نوع الانسان، لما رأته به من قلة الاحتمال لها، والعجز عن الاستقلال بها، لضعف منته، ووهيقوته. فعدلت إلى اجسم الجواهر الارضية، وهي الجبال اذ لم تجد جوهرا يستقل بها إلا إياها. وإن شئت قلت: إن لوقاره) هيُولى (خلق منها فما فضل من تلك الهيولى يكون ركانة في الجبال. وهو قريب من القول الأول. ) واستعارَ الحديدَ لوناَ وألقى ... لَونَه في ذَوائبِ الأطفالِ ( الحديد هنا: كناية عن السيوف والاسنة والنصال، ولونهن الغريزى: البياض لكن استعارت لونا غيره، وهو احمرارُها بالدم، ولذلك جعله مستعاراً، لأنه لون غريب. إنما هو لمكان الدم الذي صبغها به، فيقول: لما صبغ سيوفه ورماحه بالدم، أشاب بأهوالها لاطفال فكأنهن لما استعارت غير لونها، أعارت لونها ذوائب الاطفال. وكان لونها قبل ذلك السواد. كما كان لون السيوف البياض قبل ذلك. وله ايضا: ) أسَفِي على أسفِي الذي دَلَّهْتنِيِ ... عن علمه فبه على حفاءُ ( ليس يأسف في الحقيقة على الأسف، إنما يأسف على تمييزه الذي يعقل به أسفه. فحقيقة الكلام، أسفي على عقلي الذي كنت أحصل به أسفي. ) فبه على حفاء (: أي أنك دلهتني حتى ما أشعر بأسفي. وقد كان ينبغي له ايضاً أن يذهب عليه، لو كان مُدلها، أسفه على هذا الأسف، إلى ما لانهاية له، لكن هذا مقطع شعري فلا تَتَقَصَّيَنَّ بالمنطِق، فيفسد. وما أحسن هذا المثل العمي، الذي هو قولهم: الاستقصاء فُرْقَةٌ، ولا تستخفن بذكر هذا المثل؛ فقد ذكره ابو نصر الفارابي في باب من البُرهان. ) وشكِيتي فَقْدُ السَّقَام لأنه ... قَد كان لمَّا كانَ لي أعضاءُ ( وهذا البيت أيضا يشبه الأول: لما يشكُ فقد السقام لأنه مكروه والمكروه لا يستوحش احدٌ من فقده، ولكن شكا فقد أعضائه، لأن السقام عَرَض والعَرَض لا يكون إلا في الجواهر؛ فإذا عدم أعضاءه فقد عدم السقام وإنما شكا في كُل الأكبر، واستسهل الاصغر. ) فنبيتُ تُسئدُ مُسْئداً في نيها ... إسآدَهَا في المَهْمَه الإنضاء (

стр. 22

الإسآد: سرعة السير، وقيل: سير الليل. والنى: الشحم. وتقدير البيت: فتبيت تسْئد الإنضاء في نيها إسآدها في المهمه. والإنضاء: الهزال. أي أن الإنضاء الحادث عليها من التعب، يُسئد في نيها أي يسرى فيه مُسرعا، فيأخذ منه، كما تُسئد هي في هذاال المهمه الذي تقطعه. يقول: يأخذ السيرُ من جسمها كأخذها هي من المهمه، فقد أفناها السيرُ كما أفنت هي المهمه، فلم يبق من جسمها شيء كما لم يبق من المهمه، فمسئدأ في اللفظ حال من الضمير الذي في تسئد، وهو في الحقيقة للانضاء والإنضاء: فاعل بقوله: مُسئداً. وتحقيق الحال في ذلك، أن تقول: فتبيتُ تسئد، والإنضاء: مُسئدٌ في نيها، والعائد إلى الضمير الذي قد تُسئدُ من هذه الحال اللفظية، وما في نيها وإسآدها من الضمير. وتقدير لفظ البيت، على ما صورته لك يُؤديك إلى حقيقة إعرابه، لكنى ذهبت إلى التبين. ) وَكَذَا الكريمُ إذا أقَامَ بِبَلَدةٍ ... سَالَ النُّضَارُ بها وَقَامَ الماء ( أي أنه يبُثُّ الذهب ويصرفه في كل وجه، فكأنه بكثرته يسيل ويمُاعُ، حتى يخجل الماء من كثرته، فيقف حائراُ. يقال: قام الماء: إذا جمد فلم يسل. ومنه قوله تعالى) إلاَّ ما دُمْتَ عَليه قاَئِماً (أي ثابتا غير منصرف، ألا ترى قوله بعد هذا) جَمَد القِطَارُ. . . (وإن شئت قلت: يَخْجل القطر من سيلان الذهب، فيعود سيلانه - بإضافته إلى سَيَلان الذهب - جُمودا، إلا أنه يجمد عن السَّيَلان. ) مَنْ يَهتَدِى في الفِعل مالا يَهْتَدى ... في القَول حتى يَفْعَل الشُّعراءُ ( أي هو من يهتدي في الفعل إلى مالا يهتدي إليه الشعراء في القول حتى يفعل. يقول: ذهنُه في الفعل أنفذ من أذهان الشعلااء في القول، فإذا أغربوا في مدحه لم يك ذلك اإغراب من غوص أذهائهم على المعاني. وإنما نظروا إلى فعله الذي عليه هو بذهنه. فاهتدوا إلى القول بما رأوه من فعله. ولولا ذلك لم يهتدوا، فاذا فعل تعلموا وصفه من فعله. ) منْ نَفعُه في أن يُهاجَ وضُرُهُ ... في تَركِه لَو تَقْطن الأعداءُ ( إنما جعل نفعه في أن يُهاج، لأنه إذا هيج أوقع بالأعداء، فأغار وغنم، وأثرى، واتسعت كفُّه للجود. وتلك بغيته من الثروة. وضره في تركه أي إذا سُولم ياَلم، وهو في ذلك بجود بما عنده حتى ينفد، فلا يجد ما يجود به. فهذا وجه ضُره في تركه. وإت شئت قلت: البأس وحبُّ الحرب في طبيعته، فإذا هيج مُكن بما في طبعه، والإنسان ينفعه تحريكه إلى مافي سجيته، لأن في ذلك كل بلوغ أمنيته، وضرُّه في تركه: أي أنه مُشته للقتال بطبيعته، فاذا سُولم اشتاق إلى مشاهدة مافي طبعه، فضرُّه شوقه إلى ذلك إذا لم يمكنه مشاهدته، كقوله هو: ) فالسِّلمُ يَكسِرُ من جَنَاحَىْ مَالهِ ... بِنَوالِه ما تَجْبُر الهَيْجاءُ ( أي أنه يجود بماله فيُثْلم، ثم يُغير فتجبرُ الهيجاءُ ما انثلم، ثم يسالم فيعود إلى طبعه الأول من الجود، فكلما هاضت السلم ماله جبرتها الحربُ، وبالعكس، أي كلما جبرته الحربُ هاضته السِّلم. ) يا أيُّها المُحْيَا عَليه رُوحُه ... إذ لَيْس يَأتيه لَهَا اسْتِجداءُ ( ) أحياء عليه روحه (: بأنه لم يستوهبه ولو استوهبه لأعطاه فعدمُ، فإن لم يستجده روحه أحياله. وعدى) المُحْيَا (بعلى، لأنه في معنى المحبوس عليه روحه. ) احْمَدْ عُفَاتَكَ لا فُجِعْتَ بفقْدِهم ... فَلَتَرْكُ مالم يَأْخذوا إعْطاءُ ( يقول: احمدهم على أن لم يستجدُوك رُوحك، اذ لم استجدوك إياه، لحقك طبع الكرم والسخاء على هبته لهم، فقد استوجبوا أن تحمدهم على ترك هذه الروح لك، لأنه عطاء منهم لك، كما ينبغي لهم أن يحمدوك على ما أعطيتهم من مالك فهم يقتضونك الشُكر على عطائهم، كما تقتضيهم أنت إياه على عطائك لأن المعطى بطبيعته يجب أن يشكر. فأعطِ من نفسك أيها الممدوح، كما تطلب من غيرك. بل أنت أولى بشكرهم، لأن الذي تركوا لك وهو الروح، أنفسُ من الذي أعطيتهم، وهو المال. وقوله: لافُجِعت بفقدهم: إنما حد الصنيعة أن تُشكر لأنها إذا شُكرت حييت واذا كُفرت ماتت، لن كفرها له سترٌ. فيقول: لا مانت صنائعك عند عُفاتك بكفرها قلة شكرها. دعا بذلك له وإن شئت قلت: لا فُجعت بحمدهم: أي لا فارقتك المروءة، فيفضى بك فرارها، إلى ذد حمدِ عُفاتك لك.

стр. 23

) لا تَكثرُ الأمواتُ كَثْرةَ قلةٍ ... إلا إذا شَقِيتْ بك الأحياءُ ( أي أن الأموات أفلاء، حتى تعود فيهم، فيكثرون حيئنذ. وقوله:) إلا إذا شقيت بك الأحياء (: جَمْجَمةٌ عن قوله: إلا إذا مِت، أي فاذا مت وشقيت الأحياء بفقدك، قلت الأحياء، وكثرت الأموات. وقال: كثرة قلةٍ: لأن الأموات وإن كثرت أعدادُهم، فهم قليل لَعَدمهم للفنى، وأخذهم في الفنا. وإن شئت قلت: كثرة قلةٍ: أي كثروا بك وأنت واحد، والواحد قليل، فتكُّرهم بك تكثُّر قلة. وقد يتجه هذا البيت على معنى آخر، وهو أن الأحياء إنما ينالون الحياة بنداه، فإذا عُدم بالموت، مات الأحياء الذين كانوا يتعيشون بذلك، فكثرت الأموات بموت هؤلاء الأحياء بعده. وقد يجوز أن يعنى بالأحياء هاهنا أعداءه. يقول: لاتكثر الاموات إلا إذا ضاربتك أعداؤك، فَغَلبْتَهم وقتلتهم، فحينئذ تكثر الموتى بهم. وشقاءُ الأعداء به قَتْلُهُ إياهم، وقال: كثرة قلة: لأن ما يدخل تحت الفناء قلةٌ في الحقيقة ودل ذلك على أن أعداءه كثير. والقولان الأولان عندى أوجه. أخبرني بعض أهل بغداد، أن الممدوح بهذه القصيدة أدركته الوفاة بعد إنشاد المتنبي إياه هذا الشعر بأيام قليلة، فكان يتقلب على فراشه ويردد هذا البيت الذي فسرناه. ) أبدأْتَ شَيئاً مِنكَ يُعرف بَدؤُهُ ... وأعَدْتَ حتى أنكرَ الإبداء ( أي أعدت أعظم مما بدأت به، حتى لا يسمى المبدأ به بالإضافة إلى المُعاد. ) لم تُسم ياهارونُ إلا بعد ما اقْ ... ترعتْ ونازعتِ اسْمَكَ الأسماءُ ( أي تنافست فيك الاسماء، رغبة في الشرف بذاتك، وتقديره لم تسم هارون ياهارون فاكتفى من ذكر المفعول الثاني بقوله: ياهارون، لأن نداءه إياه به دليل على أنه اسمه. وهذا من أحسن الحَذفِ وأجزه. ) فَغَدَوت واسُمك فيكَ غيرُ مشاركٍ ... والناسُ فِيمَا في يدْيكَ سَواءُ ( أي لم تُسم بغير هذا الاسم من الأسماء التي نازعته فيك، والناس فيما لديك سواء: أي أنه وإن لم تشترك فيك الأسماء فالناس مشتركون في مالك شركَ تساوٍ. ) ولجدت حتى كدت تبخل حائلا ... للمُنتهى ومن السرور بُكاءُ ( إن شئت قلت: بلغ جُودُك الغاية. ومعروف أن الشيء إذا انتهى انعكس ضدا فكذلك جودُك، لما انتهى فلم يك مزيداً، كاد أن يستحيل بخلا. وقوله: ومن السرور بكاءُ:) أي (أعلمت أن الشيء إذا انتهى عاد إلى ضده كالسرور إذا أفرط كان بكاء. وقال:) كدت تبخل (، ولم يقل: حتى بَخِلتْ، استقباحاً منه أن يٌوجب عليه البخل. وإن شئت قلت: تَنَاهَيْتَ في الجود، فبخلت أن يُشارك أحدُ في اسمه، فحال الجودُ بخلا، كما يحول السرورُ بكاء. والقول الأول عندي أوجه، اذ لو كان على القول الأخير، لم يكن يِكدت معنى لأنه نُقصان من مدحه، اذ بُخْلُه بأن يُشارك في اسمه الجود غيرُ مذموم. وأما في القول الأول فالبخل المطلق مذموم. فتفهمه، فإنه جيد لطيف. وقوله: للمتنبي: أي من أجل الانتهاء. ) لَمْ تَحْكِ نائلك السحابُ وإنما ... حُمَّتْ به فَصَبِيبُها الرُّحَضَاءُ ( الرُّحضاء: عَرَق الحُمَّى يُرحَضُ: أي يعُسل. أي لم يُحاكك السحاب بمطره، ولا ناوأك، لأنه معترف أنك أندى منه. وإنما تأمل بذلك وأيقن بالعجز عنه، فحسدك فحُمَّ حمى حُساده، فمطرُها إنما هو عَرَقُ حُماها. ) لَو لَمْ تكُن مِنْ ذَا الوَرَى اَّلذْ منك هُوْ ... عَقِمَتْ بمولدِ نَسْلِها حَوَّاءُ ( جعل الورى جُزءاً منه، بعد أن جعله جُزءاً من الورى، فالاول حقيقة، والثاني مجاز، لا يكون الكلُّ جزءاً لجزء. هذا خُلفٌ، لكن جعلهم منه، إشعاراً أنه جمال هذا النوع، به عُرف، وإليه نسب، فكأنه إنما يكون منه كقوله: أنى يكونُ أبا البرايا آدمُ ... وأبوك والثقلان أنت مُحمدُ وهذا قبيح داخل في الشَّنَع. وقوله: عَقَمتْ بمولد نسلها حواءُ: أي لو لم تكن من ولدها كان نسلُها كلا نسْل، حتى كأنها عقيم، لم تلد قَطُّ. وقوله: بمولد نسلها: أي عُدَّتْ عَقِيماً على أنها قد ولدت. وله ايضا: ) يَحولُ بين الكلْبِ والتأمُلِ ( إن شئت قلت إن الظبي يُجهد الكلب فيشغله عن التأمل. وإن شئت قلت: إنه يمنع الكلب أن يتأمله بسرعته، كقول البحتري يصف فرساً:

стр. 24

جَارِي الجيادَ فَطارَ عن أوْهَامها ... سَبْقاً وكادَ بطيرُ عن أوهامه وهذا أبلغ من قول أبى الطيب، لأن سبق الوهمِ أدلُ على السرعة من سبق الطرف مع لفظ الطيران، والطيران أبلغ في السرعة، ولذلك شبهت العرب خيلها بالطير كقول لبيد: وَكأني مُلْجَمُ سُوذَا نِقا وكقول الآخر: كأنَّ غُلامي إذا علا حالَ مَتْنِه ... على ظهر بازٍ في السماء نُحلقِ ) لَهُ إذَا أدبَرَ لَحْظُ المُقْبِلِ ( أي أنه تَيقُّظِه يُراعى جهاتهِ، فكأنه يرى ما وراءه كرؤيته ما أمامه. ) شَبِيهُ وَسْمِىِّ الحِضَار بالوَلِىْ ( الوسمىُّ والوليُّ هنا: مستعار، وأصلهما في المطر، الوسمْىُّ الأول والولىُّ الثاني. يقول: ثاني جريه الأول، وذلك لشدته وصلابته، حثى إن إعياءه كجمامه. وهذا كقوله في موضع آخر يصف فرسا: وأقْتُلُ أي الوحشِ قَفّيُته به ... وأنزِلُ عنه مِثلَه حين أركبُ أي أنه من المنعة ولالنشاط في آخر عدوه، مثله في أوله، وحسن استعاراته الوسمى والولى لأو لاجرى وآخره، لانهم يستعملون لفظ الغيث في هذ النحو كقولهم: فَرَسٌ سَكْب، وفَيْض وغَمْر، وبحْر. . . كل ذلك جواد، وهُن من صفات الغيث والماء. وقالوا: شآبيبُ الجرى، كقولهم شآبيبُ المطر، وهي الدُّفَع منه. ) وَعْقْلَةُ الظبي وَحَتَفُ التَّتفلِ ( أي إذا رأى الكلبُ الظبي والتَّتْفُل وهو ولد الثعلب، كان عُقلة للظبي يأخذه ويمنعه من الهرب، ويهلك التتفل. وهذا كقول امرئ القيس: بِمُنجردٍ قَيدِ الأوابدِ هَيكلِ أي إنه هذا الفرس قيد للوحش، فكذلك هذا الكلب، عٌقلة للظبي، وحتف للتتفل. وقد قال المتنبي أيضا مثله في هذا الموضع: يَتَقَبَّلْون ظِلالَ كُل مُطَّهم ... أجل الظليمِ وَرِبْقَةِ السِّرحان فقول: ربقة السرحان كقول امرئ القيس: قَيْد الأوابد، وزاد عليه اجل الظليم. فبيته هذا الأخير مكافئ لبيته الأول، لأن الحتف كالأجل والربقة كالعقلة. وصح له الشرف على امرئ القيس. ) لو كَان يُبلىِ السوط تحريكٌ بَلىِ ( أي أن هذا الكلب بجدول مضمر كالسوط، فكما أن السوط لا يُبليه التحريك، كذلك هذا الكلب لايبليه شدة عدوه ولا ينقصه، ولو كان السوط الذي شبيه له في الجدل الضُّمر والاستعمال له يُبلى لبلى الكلب. ) فَحَال ما للْقفزِ للتَجدُّلِ ( أي صُرع فصارت قوائمه التي كانت للقفز إلى التجدل. أي الُّزوق بالجدالة وهي الارض. ) وَصَار ما في مسكه في المِرْجَلِ ( المرجل: قدر النحاس حاصة، مذكر من بين أسماء القدر، يقول: سُلخ عنه جلده، وأدخل في القدر، فعاد ما كان من لحمه في الجلد رهين المرجل، واراد: ما كان في مسكه، ففي مسكه من صلة الذي ولا يكون خبراً لكان هذه المرادة، لأن تلك لا تضمرُ، وتَعمل، لأنها فعل كوني غير مؤثر ولذلك منع سيبويه إضمارها وإعمالها، فقال:) واعلم أنه، لايجوز لك أن تقول: عبد الله المقتول، وأنت تريد: كُن عبد الله المقتول (. ولذلك حمل الفارسي قوله تعالى:) فوجد فيها رجلان يقتلان هذا من شيمته وهذا من عدوه (على الحكاية، لا على إضمار) كان (استدلالا بما قدمت من كلام سيبويه. وله ايضا: ) رأينا ببدر وآبائه ... لِبَدرٍ وَلُوداً وبَدراً وَليدَا ( معنى هذا البيت: التعجبُ من خرق العدة، وهو من ظريف المحاباة. فبدرٌ الاول: اسم الممدوح. والآخران: عنى بهما البدر المعروف. يقول: ليس من طبيعة البدر الفلكي أن يَلِدَ ولا أن يولد. فلما رأينا بدراً هذا الممدوح وأباه وجدنا بوجودنا إياه بدراً مولوداً، ووجدنا بوجود آبائه وَلُودَ البدر. فقد خرق علينا المعتاد، فوجب التعجب. وحاصل البيت: وجدنا ببدر هذا الممدوح بدراً وليدا. ولا كبير فائدة في وجود الآباء، لأن المولود والوالد من باب المضاف والمضاف إليه. فاذا وجَد بدراً مولودا، فلا محالة أن له والِدَين. فإذن ذكرُه الآباء هنا حشوٌ، إلا أن يُفيدنا بذلك أن أباءه بدور وليس بكبير فائدة أيضا، لأن النوع لا يلدُ غير نوعه، فتفهمْه. ) طَلَبْنا رِضَاهُ بتركِ الذي ... رَضينَا له فَتَركْنا السُّجودا (

стр. 25

أي رضينا أن نسج له إذا رأيناه إكبارا له وإيثاراً، لا أنه لا يريد ذلك منا لن هذا إنما ينبغي لله غزل وجل، فطلبنا نحن حينئذ رضاه، بترك السجود الذي رضينا له. فقد مدح بدراً هنا بشيئين: أحدهما: جلالة القدر، حتى رُئى أهلا للسجود له. والآخر: تورُّع بدر عن هذا الذي رضيه له، قبحاً لكلامه، ونهراً في هذا الموضع وأشباهه لنظامه. وقوله: فتركنا: معطوف على طلبنا، ولا يكون معطوفا على رضينا لفساد المعنى، وأن) الذي (لا يعود عليه من المعطوف على صلته شيء. ) فأنت وحيدُ بني آدم ... وَلست لفقد نظير وحيدا ( أي: واحدهم في الفضائل، وكرم الشمائل، ولم يحترم الزمان نُظراءك بل لك نظراء في حب المجد، والسعي إلى ابتناء الحمد، ولكنهم لم يُؤتوا من ذلك ما أوتيته ولا حُبوا بما حُبيته، وليس أوانك خلواً من السادة، فتكون أنت إنما سُدت لُخلُو الوقت من ذوي السيادة، لأن تلك السيادة لا تتبين لها مزية. وإنما الفخر أنك ذو نظراء، وأنك مُوفٍ عليهم، بخلاف قول الشاعر: خَلتِ الديارُ فَسُدت غير مُسَوَّدٍ ... ومِن الشَّقاء تَفَرُّدى بالسُّوْدَدِ وله ايضا: ) حَدَقٌ يُذِمُّ من القواتل غيرها ... بدرُ بنُ عماَّر بْن إسماعيلا ( أي إنه يُذم كل مظلوم فيُقيده من واتره وينصفه. إلا من قتلته هذه الحَدَق، فإن هذا الأمر على جلالته، لا يقوى مظلومها ولا يُقيدُ قتيلها وهذا نحو قوله في سيف الدولة: وقوله:) بمخبرتي مجتزئٌ (: كقوله: ذَرَاني والفَلاةَ بلا دليلٍ ... وَوَجْهي والهجير بلا لثامِ ورفع ذلك كله بإضمار مبتدأ، أي أنا مرُتدٍ بمخبرتي مشتمل. . . الخ. ) أصْبَح مالاً كمالهِ لِذوي الحا ... جَةِ لايُبتَدى ولا يُسَلُ ( أي نصرفه على احتكامنا واقتراحنا، كما يصرف ماله، فلا هو يبتدئنا بالعطاء، ولا نستأذن بدراً في أخذ ماله. فقد استوى هو ومالهُ في أنهما لايُستأذنان، ولذلك قالت العربُ: ما هو إلا هشيمةُ كرم؛ أي يأخذه الواردُ كيف شائ، لا يعسر عليه منه شيء، كما أن الهشيمة، وهي العود اليابس لا تتعذر على مُحتطبها ولا تحوجه إلى تعب في تناولها. ) إن أدْبرت قُلتُ: لا تليل لها ... أو أقبل قلت: مالها كَفَلُ ( التليلُ: العُنق وما يليها من الصدر، أي صدرهل المقبل يَحْجُزُ عن كفلها، وكلفها المُدبر يحجز عن صدرها، فلأنت من حيث تأملتها رأيتها مُشرفة، والمستحب من الفرس أن تهتز مقبلة وتنصب مدبرة، فباهتزازها مقبلة يخفى الكفلُ، لإشراف التليل، مابا نصبابها يخفى التليل لإشراف الكفل. ) أنت نَقِيضُ اسْمهِ إذا اختلفتْ ... قَواضبُ الهِندِ والقَنَا الذُّبُلُ ( جعل اسمه وهو بدر، دالاً على صورته وطبيعته. وذلك أن البدر إنما يسمى به القمر إذا قابل الشمس فانتلأ نوراً، وهو مع ذلك سعدٌ لا نحس. يقول: فأنت خلافُ هذا الاسم، أي خلاف طبيعة المسمى بهذا الاسم في الحرب، لأنك في السلم طلق نير، وحظك السعادة، وتلك طبيعة البدر وفي الحرب عَبُوس مُهلك، وتلك طبيعة زُحل. فأنت في الحرب على غير ما انت به في السلم طبيعة. فقد وجب لاسمك في الحرب أن يكون غير اسمك في السلم. وقال:) أنت نقيض اسمه (لم يقل؛ ضد اسمه، لأن النقيض أشدُّ مباينة لنقيضه، من الضد لضده. ) أنت لَعْمري البدرُ المنيرُ ولكَّن ... كَ في حَوْمةِ الوغَى زُحَلُ ( أي أنك سعد في السلم، وشيمتك في الحرب ضد ذلك، وليس بالبدر ولا بُزحل في الحقيقة، وإنما عنى بالبدر إنه مُسعد، وبزُحل إنه مُنحس، والمنير هنا: مفيد لأن البدر قد يتلبسه الغيم فلا يُنير. ) مَدَدْتَ في راحة الطبيب يداً ... وَما دَرَى كيف يُقْطعُ الأملُ ( أي كُّفك مجتمع الآمال قد اتصلت بها، كأن عُروقها قد صارت آمالا، والطبيب لا معرفة له ببعض الآمال، ولا بمعاناتها، إنما يعانى الأبدان، فلا تلحقنه ملاما، لأنك كلفته مالا يُحسن، والانسان إنما بلام على تقصيره فيما يُعزى إليه علمه، فإن قصر فيما ليس من علمه فغير مَلوم. وقوله:) كيف يقطع الأمل (لم يُرد القطع المُفسد، وإنما اراد كيف يقطع الأمل للإصلاح. وله ايضا: ) فَماَ حاولتُ في أرض مُقاَماً ... ولا أزمعتُ عن ارضٍ زَوَاَلا (

стр. 26

أي أني ملازم لظهر بعيرى، فكأنى مقم، وأنا مع ذلك سائر. فإمكاني يتقسم ما بين الحالين. لأنى لا ظاعينٌ ولا قاطن. ) إلى بد بنِ عمار الذي لَمْ ... يَكُن في غُرُةِ الشَّهرِ الهلالا ( البدرُ يبدو هلالا ثم يتزايد، ولا يسمى بدراً حتى يكمل، وبدر بن عمار لم يك قط هلالا، بل لم يزل كاملا. وهذا مقطع شعري، لأنه لم يك قط هلالا ولا بدراً. وكأنه لم يزل بدراً، لأن لم يزل اسمه. وهذا البيت وإن كان المقصود به المدح ظاهراً فقد يجوز أن يقصد به الذم باطنا. لأنه لا بدر على الحقيقة إلا وقد كان في غرة الشهر هلالاً. وهذا لم يكُ هلالا، فليس إذن بدراً. فالحاصل له من ذلك، إنه بدرٌ بالتسمية، لا بالطبيعة، فيكون ذلك مقتضيا للُهزُؤ، فخرج مُشبها لقوله: وفارقتُ شَرَّ الارض أهلاً وتُربةً ... بها عَلَوىٌّ جَدُّه غيرُ هاشمِ ) جَوابُ مُسائلي ألهُ نَظِيرٌ ... وَلا لك في سثؤالك لا، ألا، لا ( تقديرُ البيت: جواب مُسائلي:) أله نظير (: ألا، لا، أي ليس نظير، فلا جحدٌ، وألا: استفتاح) ولا لك في سؤالك (نظير، لا، أيها السائل، فلا الثانية توكيد، وإنما حاجة الكلام: ولا لك أيها السائل نظير، إذا شككت في إنه لا نظير له، حتى أحوجك ذلك إلى السؤال. فقوله:) ولا لك (معطوف على قوله:) ألاَ، لاَ (فعكس، بأن قدم المعطوف على المعطوف عليه. ) وَقَاَلوا: هل يُبَلِّغُك الثُرياَّ ... فقلتُ نعم إذا شئتُ استِفالاَ ( اب أنا معه فوق الثُريا، فإذا أردت أن يبلغني إياها، فإنما أبلغها بأن يحظنى إليها، فإنا لا أريد منه بلوغ الثريا، إلا أن أشاء التسفٌّل لأن العالي لا يبلغ ما هو أخفض منه إلا بأن يُحط إليه. وهذا كقوله: فَوقَ السماءِ وفوقَ ما طَلَبُوا ... فإذا أرادوا غايةً نَزَلُوا أي أن عُلُوهم الآن فوق كل غاية، فإذا ارادوا غاية محدودة، نزلوا إليها، إلا أن هذا البيت الآخر أفخم معنى. وأصل ذلك قول البحتري لمجمد ابن علي: لمحمدِ بن عليٍّ الشرفُ الذي ... لا يَلْحَظ الجَوْزاء إلا مِنْ عَلِى أي إنه فوق الجوزاء، فاذا لحظها فانما يلحظها من فوقها. ) فَقَد وَجِلتْ قُلوبٌ مِنكَ حَتَّى ... غَدَتْ أوجَالُها فيها وِجَالا ( أي وجلت قلوبهم، حتى عددتْ أوجالهُم؛ فوجلت الأوجال، وهذه مبالغة كقولهم: جُنَّ جُنُونه. وقالوا: شر ٌ شاعر. مثله كثير حكاه سيبويه وسائر اهل اللغة. قال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك، فقال: ارادو المبالغة والإشادة. ورجال: جمع وَجل كوجِع ووِجاع ولو قال: وَجَإلى؛ يريد جمع وَجِل، لكان كَحنِجٍ وحَبَاجَى وحبطٍ وحَباطَى. ) يُفارِقُ سَهَمُك الرَّجل المُلاقى ... فرَاق القَوسِ ما لاقى الرِّجالا ( أي إن سهمك كلما لاقى رجلاً خرقه ونفذ منه على ما هو به من قوته الأولى عند فراق القوس، وذلك دأبُه ما لقى الرجال وإن كثروا. يصفه بجودة الرمى وقوة النزع. فما: منصوبة على الظرف، والقوس: في موضع نصب. أي فراقه القوس. فأضاف المصدر إلى المفعول، كقوله تعالى) لاَ يسْأَمُ الإنْسانُ مِنْ دُعَاء الخَيْر (. وله ايضا: ) أفْدِى المُودِّعَةَ التي أتْبَعْتُها ... نَظَراً فُرادى بين زَفْرَاتٍ ثُنَا ( أي حضر الرقيبُ فحذره، فقلت نظراته، وغلبت الحسرةُ، فكثرت رفراتهُ. حتى كانت الزفرات ضعف النظرات. فلذلك جعل النظرات فرادى. والزفرات ثُناء. واحتاج إلى قصر) ثُناء (وثناء معدُول عن) اثنين اثنين (المقتضية) ثِنتين ثِنتين (، ولا تكون معدولة عن) اثنين اثنين (لأن المعدول بعدد المعدول عنه. وقال. زفرات فأسكن الفاء للضرورة، كقول ذى الرُّمَّة: أبتْ ذِكراً عَوَّدْن أحشاء قلبِه ... خُفوقا وَرَقْصَات الهوى في المفاصلِ ) وَتَوقَّدَتْ أنْفاسُنا حَتَّى لَقَدْ ... أشْفَقْتُ تَحَتَرِقُ العَواذِل بَيْنَنَا ( أشفق من احتراق العَذُول مع شنآنه له، خشية أن يتم احتراقه بما هما عليه من توقد النفس. فقال: إن العواذل إنما احترقن بتوقد أنفاسهما عند التقائهما، وأراد) أن تحترق العواذل (أي) من أن (فحذفها، وأبطال عملها بحذقها. وإن شئت نصبت الفعل على مكان) أن (فكانت بمنزلة مُوثر غاب وبقي تأثير دالا عليه.

стр. 27

) مَن لَيْس مِنْ قَتْلاَهُ من طُلَقَائِه ... مَنْ لَيس مِمَّنَّ دان مِمّن حُيِّنَا ( يقول: عداه قتلاه وأسراه، ومن أفلت منهم فإنما هو طليقُه، بصفحه عنه. ) ومن ليس ممن دان حُينا (دان الرجلُ: أطاع. أي من لم يكن من دائنيه فهو من مُحينيه. واراد: دَانَ له، فحذف للعلم بها. ومن هنا بمعنى الذي، كأنه قال: الي ليس من قتلاه معدود في طلقائه، والذي ليس من دائنيه مُحين. فقوله:) من طُلقائه (في موضع خبر المبتدأ، الذي هو) من (الاولى. وقوله: ممن حُينا خبر مبتدأ، الذي هو) من (الثانية. ) وَقَطعتُ في الدُّنيا الفَلاَ وَرَكائبي ... فيها وَوَقْتى الضُّحى والمَوْهِنَا ( أي أفنيت الأمكنة والأزمنة والركائب. وكان يجب أن يقول: ووقتى الضحى والمَوْهن لأن المْوِهن نحوٌ من الزمن الليلي، وفصف الليل. والضحى: أولُ الزمن النهارى. فقابل هو المَوْهِن الذي هو نصف الزمن. الليليّ، بالضحى الذي هو اول الزمن النهاري ولو قال قائلٌ: عنى بالضحى اليوم كله، وبالموهن الليل كله، وأقام الجزء مقام الكُل، كما أقيم الكُلُّ مقام الجزء في قوله تعالى:) وَإنَّكُمْ لَمَرُّوْن عَلَيهِمْ مَصَبِحِيْنَ وبالليل (من سورة الصافات لكان جائزا، فتفهمه فإنه لطيف. ) أمْضى إرادتهَ فَسوفَ لهُ قدٌ ... واسْتَقْرب الأَقْصى فَثَم لهُ هُنَا ( إن شئت قلت: متى قال غيره: سوف أفعل هو: قد فعلت فسبق. ومتى قال غيره: ثم الجم أو السماء مستبعدا، قال هو -) هُنا (مستقربا. وإن شئت قلت: إذا نوى أمراً سابق نيته بفعله، فصار المستقبل ماضياً، ومتى لخظ أمراً بعيداً أعمل عزمه، فقُرب عليه قتناوله. ) نِيطَتْ حَمائِلُه بِعَاتق مِحُرَبٍ ... مَاكَرَّ قَطُّ وهَلْ يَكُرُّ وَمَا انثنَى ( إنما يكون الكرُّ بعد النثناء فالا علةٌ له، فاذا لم يكن انثناء لم يكن كرُّ، لأنه إذا ارتفعت العلة ارتفع المعلول، فيقول: هذا المحرب ماكرَّ لأنه لم ينثن، فيُعقب الانثناء بالكرِّ. ) تَتَقَاصَر الأّفْهَامُ عن إدراكِه ... مثل الذي الأفلاكُ فيه والدُّنَيا ( غاية ما أدركت الأفهام، الفلك وما فيه، فأما ما هو فيه، فلم يُدركه وهم ولا فهم: فيقول: إدراكهُ مُعوز كإدراك ما فيه الدنيا والفلك. والدُّنا: جمع الدنيا، كالعُلا جمع العُليا، وهذا مُطرد. ) لايستكن الرعب بين ضلوعه ... يوما ولا الإحسان ألا يُحسنا ( أي لا يتصور الخوف بين ضلوعه، ولا يتصور أيضاً بينهما العلم بألا يحسن. بل هو محسن لأن يُحسن، وغيره محسن الا يحسن أي الإحسان غلبه. والإحسان هنا أن يكون المعرفة، كقول فلان مُحسن لعلم كذا، ويجوز أن يكون الإحسان الذي هو ضد الإساءة، فكانه قال في كل ذلك: ولا يحسن ترك الإحسان؛ إنما يُحسن الإحسان. وهذا كقول الآخر أنشدناه ابو الفتح: تُحْسِن أن تُحْسِن حتى إذا ... رُمْتَ سِوَى الإحسان لم تُحْسِن إلا انةهذا البيت بعيد، لأنه نسب إلى الممدوح مرام غير الاحسان. ) سَلَكتْ تَماثيل القِبابِ الجنُّ منْ ... شَوق بها فأدَرْن فيك الأعْيُنا ( أي سلكت الجن صور القباب، لتنظر إليك شوقاً، وإنما قال:) تماثيل القباب (ولم يقل) القباب (، لأنهم يزهمون أن الجن تألف التصاوير الموضوعة على أشكال الحيوان. وقد قيل: إنما كره اتخاذها في الثياب والمستور والبُسُط لهذا. ) وَعَجَبتُ حتى ما عجبتُ من الظُّبا ... ورأيتُ حَتى ما رأيتُ من السَّنا ( الظُّبا: السيوف. والسنا: الضوء. أي عجبت من السيوف حتى أنستُ بالعجب، وأخلدتُ اليه، فلم أعجب بعد، ورأيت لمعانهن حتى عُشى بصرى فلم أرى. فصدر البيت كقول ابى تمام: على أنها الأيام قد صِرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب ) فَطنَ الفؤادُ لما أتيتُ على النَّوى ... ولِما تَركْتُ مَخافةً أن يَفْظنا ( أي لم تقتصر على العلم بما صنعتُ، حتى علمت ما تركته مخافة أن يفطن به. وقيل معناه: قد علمت ما كان من شكرى وثنائي عليك، وهو الذي فطن فؤادك له. وكذلك فطن أيضا لما تركته؛ خوفاً أن يفطن له، من تَنَقُّصك ايضا، فلو لم يكن تركي لذلك إلا مخافة أن يفطن فؤادك له، فكيف وطبيعتي فيك خلافُ ذلك. والبيت يقتضي أنه قد كان هنالك شيء من الإخلال بقدر بدر بن عمار. ويقويه قوله:

стр. 28

) أضْحَى فراقُك لي علَيهِ عُقوبة ... ليس الذي قاسيتُ شَيئاً هَيِّناً ( أي عُوقبت على تقصيري عن واجبك، بفراقك الشديد على الكُره إلي، فليس الذي لا قيته من ذلك بهين، أي بيسير. ولا يريد الهين الذي هو ضد العزيز. وله ايضا: ) يَتَداوى من كثرة المال بالإقْ ... لالِ جُودا كأن مالاً سَقَامُ ( أي يتشافى بالجود، حتى كأن المال مَرضُ يبغى إزالته، والإقلال بُرء يطلبه. وقوله) كأن مالاً سَقَامُ (اراد كان وجود مال، لأن المال لا يقال له سقام إذ هو جوهر والسقام عَرَض. ) حَسَنٌ في عُيونِ أعدائه أقْ ... بَحُ من ضَيفهِ رَأتْهَ السوامُ ( أي هو حسن الصورة غاية إلا في عيون أعدائه، لعلهم بإهلاكه إياهم أقبح من ضيفه في عيون السوام، لعلمها إذا رأت الضيف أنها منحورةٌ، كقول الشاعر: حبيبُ إلى كلب الكريم مناخُهُ ... بَغِيض إلى الكَوْمَاء والكلب أيصرُ ومثله كثير. فقوله:) في عيون أعدائه (: ظَرف لأقبح، ولا يتعلق بحن، لنه في عيون أعدائه. وتقدير البيت: حسن في عيوننا معشر أحبابه ومن لا يَشْقى به، لكنه بخلاف ذلك في أعين عداه. وقد بالغ بالقُبح ولم يبالغ بالُحسن، لأن قبْحه في عيون أعدائه، وأمدح له من الحسن في عيون أحبابه. ) وَعَوارٍ لوامعٌ دَمُها الحِلُّ ... وَلكنَّ زِيها الإحْرَامُ ( اللوامع: السيوف لبريقها. ووصفها بالعرى: لاعتيادها مفارقة أغمادها. وعوارٍ: جمع عار، لا جمع عُرْيان فُعلان لا يكسر على) فواعل () دمُها الحال (: أي أنها مستحلة للدماء، على أن زيها الإحرام: أي أنها مجردة أبداً كالُحرم والمحرم لا يسفك الدماء. فقد اجتمع في هذه السيوف طبيعة الحل وزيُّ الإحرام. ) وَمنَ الرُّشد لَم أزُرك على القُر ... بِ عَلَى البُعْدِ يُعرفُ الإلمَامُ ( كأن قريباً منه فلم يزُره، ثم بعد فزاره، ليكون ذلك أدل على إجلاله وإعظامه له، فأوجبه. وأراد: من الرُشد أنى لم أزُرك. وقوله) على البعد (: متعلق بيعرف. وعلى القرب متعلق بأزرك. وله ايضا: ) تَخْلُو الدِّيارُ من الظباءِ وَعنْدَه ... مِن كل تَابِعةٍ خَيالٌ خاذلُ ( كنى بالظباء عن الحسن. أي تخلو الديار ممن كان بها. والخيالُ غير مفارق لي. وكنى بالتابعة عن صغارها، لأن الجداية وهي الصغيرة من الظباء تتبع إمها. ولما جعل المراة غزالة جعل الخيال خاذلاً، كما تخذُل الظبيةُ عن القطيع، أي تتأخر. وإن شئت قلت: جعل الخيال بمنزلة ولد والغزال، وربة الخيال بمنزلة الغزال. فتابعة بمعنى متبوعة على هذا القول. وجعلها الخيال بمنزلة الولد لها تعسُّف لأن الخيال رُوحاني، فهو ألطُ من رؤية الخيال كما أن الصغير الجسم ألطفُ من الكبير. وخاذلُ: أي خذلها وزارني. فمن - على هذا - تكون للتبعيض وللجنس، فَتَفَهَّمْه. ) كَفأنَنَا عن شِبهِهِنَّ مِن المَهَا ... فَلَهُن في غَيرِ التُّراب حبائلُ ( كافأننا: من الكُفُؤ، وهو المثل، والمها: بقر الوحش: يشبه النساء بهن في سواد الحدق. والحبائل: الشرك، واحدتها: حبالة، لي صدنا المها وهن أشباه النساء، بحبائل منصوبة لُهن في التراب، فكافأننا عن فعلنا بأشباههن بأن صدننا كما صدناهن، طلباً بثأرهن، إلا أن النساء صدننا بحبائل لم تُنصب لنا في التراب وهي الأعين والخدود وغيرها من المحاسن الظاهرة، كالمباسم والأعطاف والقدود، وكلهن حبائل إلا انها لا تثبت في التراب. ) مِنْ طَاعنى ثُغر الرجالِ جآذرٌ ... وَمِنَ الرِّماحِ دَمَالجٌ وَخَلاَخِلُ ( كنى بالجآذر هنا عن النساء، كما كنى عنهن في البيت الذي قبله بالظباء أي ينبغي أن تعدُ جآذر الإنس من طاعني ثُغر الرجال، لأنهن يفعلن من القًَتل مالا يفعل الطاعن. وينبغي أن يُعد الحلى من السلاح، لأنه سلاح النساء، كقول الأعشى: إذا هُن نَازلن أقر انَهُن ... وكان المصاعُ بما في الجؤَن يعنى بما تضمنت الجُؤَنُ من الطيب وسائر أنواع الزينة. ولو جعل السلاح محاسنهن لكان أليق بالشعر. ولكن لما كان السلاح في المعتاد ليس بجزء من المتسلح، جعل سلاحهن ماليس بجزء، منهن الدمالج والخلاخلُ وكان مصُوغُ الذهب والفضة، كمصوغ الحديد لرجال الحرب.

стр. 29

وقد يجوز أن يكون اراد. من طاعنى ثُغر الرجال جآذرُ، ومن السلاح دُملجٌ وخلخالُ يذهب في ذلك إلى التعجب. وحذفت الألف التي لفظها الاستفهام، ومعناها هنا الإنكار. لأن اللفظ مُكتفٍ بذاته، لما فيه من معنى التعجب، كقول أبى تمام: أسربلُ هُجْرَ القول من لَوْ هَجَوْتهُ ... إذن لَهَجاني عنه معروفهُ عندي أي أأسربلُ، فحذف الألف. ومثله كثير إذا تضمن الكلامُ معنى الإنكار والعجب. وله ايضا: ) صَغَّرت كل كَبيرةٍ وكَبُرت عَنْ ... لكأنهُ وَعَدَدت سن غُلام ( أي فعلت الصنائع الحسان. فصغرت كل صنيعة جسيمة فعلها غيرُك، بالإضافة إليها. وجللت عن التشبيه بشيء من الأشياء التي لا نظير لها في العالم، كالشمس والبدر والبحر. وعددت سن غلام: أي نلت هذه النهاية، وبلغت تلك الغاية في حد صباك. فذاك أغرب وأشرف. فقوله) وعددت سن غلام (جملةٌ في موضع الحال. كأنه قال: بلغت كل ذلك غُلاماً، وكان ينبغي أن يقول:) صغرت كل عظيمة (مكان) كبيبرة (لأن الصغر عند الأوائل، إنما يقاله العظم. ولكنه حمله على طريق اللغة، لأن الكبير وإن كُنى به عن المُسن، فقد يكون لعظيم. إلا أن غير المشترك في التقابل، خير من المشترك فتفهمه. ) مَهْلاً ألا لله ما صَنَع الْقَنا ... في عمرِو حَابِ وَضَبَّة الأغتامِ ( اراد عمرو حابي، فرخم المضاف اضطرارا، كقوله أنشده سيبويه: أودى ابنُ جُلْهم عَبادٌ بصرمته ... أن ابن جُلْهُم أمْسى حية الوادي قال: اراد بن جُلهمه، والعرب يُسمون الرجل جلْهمة، والمرأة جُلْهم كل ذلك حكاه سيبويه. والأغتام: جمع أغتم. كسر أفعل على أفعال، وهو قليل. ونظيرة أعزل وأعزال، وهو الذي لا سلاح له، وأغزل وأغزال وهو الذي لم يُختن. ) أحْجارُ ناسٍ فَوَقَ أرضٍ من دمٍ ... ونُجومُّ بِيضٍ في سماءِ قَتَامِ ( لما استعار للدم أرضاً، استجاز تسنية جُثث القتلى أحجاراً وشبه البيض للمعانها في القتام بالنجوم النيرة في الظلام. ) وذِرَاعُ كل أبى فُلان كُنيةٌ ... حالت فَصَاحبُها ابو الأيتام ( أي وفي ذلك المعترك أذرع قطعت من قوم كانوا يُكنون أبا زيد، وأبا عمرو، وأبا عبد اللة، وغير ذلك من أنواع الكنى. فلما قُطعت منهم ماتوا فكنى كل واحد منهم أبو الأيتام. وله ايضا: ) عَذِيري من عَذَارَى من أمُورِ ... سَكَن جَوانحي بَدَل الخُدُور ( عذارى: أي خطوب أبكار لم تصب أحداً قبل. هذا معنى العذرة فيهن و) مِنْ (ها هنا للتبيين. أي ليست هؤلاء العذارى من النساء، إنما هي من أمور الدهر، أي أعذرى، أو من عاذرى؟ وقوله:) من أمور (خلص عذارى الخطوب هنا: من عذارى النساء، لا يسكن الجوانح إنما يسكن الخدور. فاقام جوانحه لعذارى الهموم مقام الخُدور لعذارى النساء بدل ظرف. أي مكان الخدور، كما حكاه سيبويه من قول العرب: إن بَدلك زيدا، أي إن مكانك. قال: ويُقال للرجل: اذهب معك بفلان، فيقول: معي بدل فلان، أي يغنى غناء، ويكون في مكانه. وله ايضا: ) مَناَفِعُها مَاضَرَّ في نفع غيرِها ... تَغَذىَ وتَرْوَى أن تْجُوع وأن تَظما (ذ أي أن ضُرها لنفسها منفعة لها، إذا جر ذلك نفعا لغيرها تغوثاً بالمجد، واحتساب الأجر، كقوله تعالى:) ويُؤثِرُون على أنْفُسِهم وَلَو كَانَ بِهمُ خَصَاصَةٌ (. أي طلباً للأجر. ثم فسر قوله:) منافُعها ما ضر في نفع غيرها (. بالنصف الثاني، فقال) تَغذَّى وتَرْوَى أن تجوع وأن تظما (. أي أنها تجوع لتخص غيرها بطعامها، فهي تَغَذى بذلك الجُوع ولا يُثر فيها، بل هو نماء لجسمها. وتعطش لتخُخص غيرها بشرابها، فذلك العطش رى لها، إذا هو في سبيل المجد. فتلخيص القضية. أنها تغذى بالجوع، وتروى بالعطش. وكان وجه الصنعة - لو استقام له الوزن - أن يقول. تَشْبع وتروي، ليُقابل الجُع بالشِّبع، كما قابل العطش بالري. ولكن لما كان في التغذي ما يُشعر بأنه ربما كان معه الشِّبع، تَسمَّحَ به، وأراد) أن تَطْمَأ (فأبدل الهمزة إبدالاً صحيحاً، حتى ألحقها بحروف العلة، وذلك لحاجته إلى الوصل، لأن الهمزة لا يُصل بها الروي، ولا يطرد هذا في كل شيء.

стр. 30

وليس لك أن تقول: إنه خف الهمزة تخفيفاً قياسياً، لأن الهمزة إذا خففت تخفيفاً قياسياً، لم توصل به، لأنه في نية الهمزة. فمن حيث لا يوصل بالهمزرة مُخففة، لا يوصل بها مخففة تخفيفاً قياسياً، فتفهمه فإنه لطيف. ) إذا فَلَّ عزمِي عن مَدى خَوفُ بُعْدِه ... فَأبْعَده شيء ممكنٌ لم يجِد عَزْمَا ( أي أن الممكن من المطالب، إذا لم يعزم عليه طالبه، كان بمنزلة الممتنع. والفرق بين الممكن الذي لا بجد عزماً وبين الممتنع، أن الممكن إذا عُزم عليه نيل، والممتنع لا يُنال البتة ولو عزم. وقوله:) فأبْعَدُ شيء ممكنٌ (: يريد فأبعد الممكنات ممكن لا يعُزم عليه. وبجوز أن يكون شيء هاهنا يجمع الممكن والممتنع، لأن العقل لا يشك في أن الممتنع أبعد الأشياء. وتخليصه: إذا فل عزمي بعد مطلبي فأبعدُ منه مطلبٌ ممكن، لم يجد لدى عزما. وله ايضا: ) سِرْبٌ مَحاسِنهُ حُرِمْتُ ذواتها ... دانى الصِّفات بَعِيد موصُوفاتها ( السربُ: القطيع من الظباء والشاء والبقر. وعنى) بالسرب (هنا النساء، تشبيهاً لهُن بالظباء. والمحاسنُ: واحدها حُسن على غير قياس. وذواتها: صواحبُها. أي هَواىَ سِربٌ حُرمتُ ذوات محاسنه، وذوات المحاسن هن ذلك السرب. فكأنه قال: حُرمته، بأن حيل بيني وبينه. وقد يجوز أن يكون سرب مبتدأ، ومحاسنه مبتدأ آخر، أو بدلا من سرب. وحُرمت ذواتها: خبر عن المحاسن، والميتدأ الثاني وخبره؛ خبر عن سرب. فلا يحتج على هذا القول إلى إضمار) هَواى (. وأن يكون سربٌ خبر مبتدأ مضمر: أولى كما قدمنا، لقبح الابتداء بالنكرة. ثم قال:) دانى الصفاتِ بعيدُ موصوفاتها (: إنما دنت صفاته عليه، لأنه يقدر على وصفهن بما أوتيه من السن، والمنطق الحسن. وبعدت موصوفات السرب، لانهن مقصورات محجوبات، أو ممنعات، والضمير في) موصوفاتها (: راجعٌ إلى السرب وإن كان مذكراً. لكن جاز ذلك، لأنه في معنى الجماعة. ولا يجوز أن يكون راجعاً إلى الصفات، لأنه نوع من إضافة الشيء إلى نفسه. ) وكأنَّها شَجَرٌ بَدا لكنَّها ... شَجرٌ جَنَيْتُ المُرَّ من ثَمَراتها ( أي كأن العيس شجرٌ من عُلُوهن. والعرب تشبه الحمول كثيراً بالنخل، وذلك لما يضعون على الهوادج من الرقم والعُهون الملونة، فيشبهون ذلك بالزهور والبسر الملون. ولم يشبه المتنبي الهوادج وما عليها بذكر النخل، وإنما عنى عُلُو الإبل، فشبهها بالشجر عامة، ثم قال:) لكنها شجر جَنَيتُ المرُ من ثمراتها (، يعنى بذلك: إبعاد الإبل حَبَاِئَبه عنه، وقد بين ذلك بقوله: ) لا سرتِ من إبلٍ لَوَ انىِّ فَوقَها ... لَمَحَتْ حَرارةُ مَدْمَعيَّ سِماَتهِا ( دَعَا عليهن ألا يَسْرِن، إشفاقاً من بعد حبائبه عنه إذا سارت ) وَترى المُروة والفُتَّوةَ والابُوَّ ... ةَ في كلُّ مليحة ضَرَّاتِها ( يعنى أن الملائح يعشقنه، وهو يوثر عليهن المروة والأبوة والفتوة، وذلك أن هذه الثلاثة يَنْهَيْنَه عن عشق النساء ويأمُرن بُحبهن أنفسهن. فعلم الملائح أن هذه الخصال الثلاث يضرُرن بهن عنده، كما تضر المرأة عند يعلها ضراتُها، إذ لولاهن لواصلهن. ) وَمَقانِبٍ بمقانِب غَادَرْتُها ... أقوات وحشٍ كُن من أقواتها ( المقِنبُ: القطعة من الخيل. أي صرفتُ مفنب غيري بمقنبي. فهذا معنى قوله:) وَمَقانب بمقانب غادرتها (وقوله:) أقوات وَحشٍ كُن من أقواتها (أي صَرَعتُ هذه لمقانب، فتركتها أقواتا للوحوش، التي كانت من أقوى هذه لمقانب، فعاد الأمر بالعكس، وجعل الوحش الآكله لهم مما كانوا يقتاتون به، لأن العرب تأكلُ الذئب، والضُبع والهلياع والفهد ونحو ذلك من آكلة الإنسان. وقد شبه بعضهم هذا البيت بقول البحتري: كلانا بها ذِئبٌ يحدِّث نفسه ... بصاحبه والجِدُّ يتبعُه الجدّ وليس مثله، لأن البحتري لم يأملُ أكل الذئب كما أمل الذئب أكله وإنما قال: كلانا قاتل لصاحبه، الذئب يري أكلى، وأنا أريد قتله. ) أقْبَلْتها غُرر الجِياد كَأنَّما ... أيْدِىَ بني عمران في جَبَهاتِهاَ ( الكريم يوصف ببياض اليد، وهي الخيل التي أقبلتها هذه الوجوه. هُن غُرّ، فكان غُروها أيدي هؤلاء موضوعة في جبهاتها. يعني أقبلتها خيلاً سابقة، يُقبلون جباهها كما تقبل أيدي بني عمران. فهذا معنى التشبيه.

стр. 31

) تكْبوُ وَرَاءكَ يا ابْنَ أحمد قُرَّحٌ ... لَيْسَتْ قَوائِمهُنَّ من آلاتها ( القُرح هنا: كناية عن الرجال الكهول المُذكين. وأصله في الخيل، واحدها قارح، وهو الذي أتى عليه خمسُ سنين من نتاجه. فشبه الممدوح بفرسٍ جواد، وشبه مبارزيه بخيل قُرح، كقوله: فدى لأبى المِسْكِ الكرامُ فإنها ... سوابقُ خيلٍ يَهتَدينَ بأدْهَمِ أي بفرسٍ أدهم. وخصه بالدُّهمة، لأنه عنى به كافوراً وقوله:) ليست قوائمهن من آلاتها (: أي ليست قوائهما آلات لها لانها تعثر وتكبو وتضعف عن مجاراتها، فكأن هذه القوائم ليست من آلاتها اذ لو كانت آلا لها لنصرتها ولم تخنها ولا أظهرت فضلك أيها الممدوح على هذه القُرح. وإنما قوائمها من آلاتك أنت، لدلالتها على سبقك، إذا كبت هذه القرح وراءك، فهن آلاُتك المبينة لفضلك لا آلاتها، لأن من نصرك وخذل ماوئك، فإنما هو آلة لا لمناوئك، وإن كان أهلا له، وجزءاً منه، كقوله تعالى) ياَنُوُح إنهَّ لَيْسَ مِنْ أهْلِك (أي ليس من أنصارك ولا مُعاضديك، إنما هو من أعدائك. ولم ينف أنه اينه حقيقة، لأن نساء الأنبياء لم يَفْجُرْن. وذكر القوائم هنا، لذكره الخيل، ذهابا إلى الصنعة. وإنما القوائم هنا كناية عن الحصال والفضائل النفسانية. وقيل: إن الضمير في آلاتها ل) وراءك (، أي لا يتبعك إلا خيلٌ قوائمها أثبت من قوائم هذه القُرح. وأما قوائم هذه فمقصرة عن متابعتك، والصبر على مجاراتك. ) سُقِيتْ مَنابِتُها التي سَقَتِ الورى ... بِنَدىَ أبى أيوب خَيِر نَبَاتِا ( الصنعة سارية في هذا البيت، وذلك أنه جعل للنفوس منابت، وليست النفوس نباتية فتنبت، واذا لم تنبت فلا منبت لها، ومعناه: سقى الله اهل هذا الممدوح بنداه لأنهم أجدواد، فإذا أفاض عليهم جوده، أفاضوه على من سواهم وقله:) وخير نباتها (الهاء للمنابت. ودعا للمنابت بُسقيا النبات لها، وتغذيتهل إياها، قلبا للعادة. لأن المنبت يغذِّي النبات، والنبات لا يُغذي المنبت، اذ المنبت غير نامٍ، ولكنه أغرب بذلك، وجعل الممدوح خير نبات المنابت التي هو منها، لانه أشرفها وأوسطها، فالباء التي في قوله:) بندى أبى أيوب (على هذا التفسير متعلقة بُسقيت. وقد يجوز أن يكون متعلقة بَسَقت. ويكون سقي المنابت غير مُبَينّ. فكأنه قال: سُقيت منابتها، وأمسك ولم يذكر ما تُسقى به. ) لَو مَرَّ يركُضُ في سُطور كِتاَبَةٍ ... أحْصى بحاِفرِ مُهرِهِ ميماتها ( يصفه بالحذق في الفروسية. وخص المُهر لتكون أغرب، إذا فعل ذلك بالمهر وهو غير ماهر ولا مُرتاض، كان أقدر أن يفعل ذلك بالقادح، لا رتياضه وانقياده. ) يَضَعُ السِّنَان بحيثُ شَاءَ مُجاولاً ... حَتَّى من الآذانِ في أخْرَاتِها ( يصفه أنه حاذق بالطعن، حتى إنه يضع السنان في خرت الأذن. وقوله مُجاولا: حال مُفيدة. والمُجاول: المجُاري في ميدان الطعن، وذلك أنه إذا فعل وهو جائل في الحرب، كان أقدر عليه وهو في الميدان وادع. ) لا خلق أسمع منك إلا عارفٌ ... بك راء نفسك لم يقل لك هاتها ( أي المعروف عنك الجود بكل ما سُئلته، فلا أحد أسمح منك إلا الانسان عرف هذه الشيمة منك، فلم يسألك نفسك. وجعله أسمح منه، لانه ترك له أنفس الأشياء، فكأنه قد جاد عليه بما لم يجد بمثله على أحد، لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود وهذا كقوله هو: يأيُّها المُجدَي عَليه رُوحُهُ ... إذ ليس يَأتِيه لها استِجْدَاءُ وقد أنعم شرحهُ فيما تقدم. وراء: مقلوبة عن رأى، قال الشاعر: فَلَيْت سُويداً راء مَنْ فر منهُمُ ... ومَنْ جَر إذ يَحْدونَهُمْ بالركائبِ ويدلك على أن) راء (مقلوبة عن رأي، أنه لم يأت لها مصدر، إذ الافعال المقلوبة لا مصادر لها عند سيبويه، ولا أعرف أحداً خالفه. ولو كانت) راء (لغة في رأيته، لكان لها مصدر. وهذا أصل من أصُول التريف، فتفهمه. والخلق في هذا البيت: بمعنى المخلوق. ولذلك أبدل) عارف (منه. إذ لو كان الخلق مصدراً لم يجُز إبدال عارف منه، لأن الجواهر لا تبدل من الأعراض. وإنما كان يَنصِبُه على الاستثناء المنقطع، مع أن المصدر لامعنى له في هذا البيت. ولذا حذرنا منه إغراباً) بالإعراب (. ) غَلِت الذي حَسَبَ العُشور بآيةً ... ترْ تيلُك السُّورات من آياتِهاَ (

стр. 32

غلت في الحساب، وغلط في القول. هذا فرق. وقيل: هما سواء. يمدح إمام أنظاكية، فيصفه بتجويد التلاوة، وحُسن التأدبة، حتى جعل حسُن لفظه وترتيله للقراءة في الإعجاز، منزلة الآية، فيقول: يجب أن تكون قراءتك هذه مضافة إلى الآيات، تعد بصورة في النفس آية، فقد غلط حُساب العُشور إذا لم يعدوا قراءتك منها. وكان يجب أن يقول: ترتيلُك للعشور من آياتها، أو الأعشار من أياتها، فكان أذهب في الصنعة. وهذا البيت كله) خلف (من وجهين. أحدهما: طريق الغُلُو الذي لا مساغ له في الذات اللقنة المتيقنة. والآخر: أن الترتيل عرضٌ في اللفظ وليس بذات لفظ، والآية لفظ. وإنما الترتيلُ في ذات اللفظ كالعرض في الجوهر، فلا ينبغي أن يُعد ما هو عرض في الجوهر جزءا من ذات الشيء، فتفهمه، فإنه لطيف المعنى. ) لا نَعْذُل المرض الذي بك، شَائِقٌ ... أنت الرجال، وشَائِقٌ عِلاتِها ( كان هذا الممدوح عليلا، فيقول: لا تلم المرض المعتمد لك، والحالُ بك، لأنك محبب إلى النفوس وإلى أحوال النفوس، فكما أنك تشُوق النفوس فتذهب نحوك، وتحل بك، كذلك الأحوال، والعلة نوع من الحال، فلا عتاب عليها في حبها لك. فتلخيص البيت: لا تعذل مرضك، لأنك تشوق الرجال، وتشوق عللها فشائق: خبرُ مبتدأ مقدم، وأنت مبتدأ. أي انت شائق الرجال وعللها ولا يجوز أن يكون شائق مبتدأ، وأنت فاعل بشائق، لأن اسم الفاعل إنما يعمل عمل الفعل إذا كان) معتمداً (على شيء قد عمل في الاسم قبله، أغنى كأنه يكون خبراً لمبتدأ، أو فاعلا لفعل، أو صفة لموصوف، أو حالا الذي حال، ونحو ذلك، فأما أن يكون يعمل عمل الفعل وهو مبتدأ، فلا يجوز فلو قلت: ضاربٌ زيداً تُريد: اضرب زيداً كان خطأ. ) فإذا نَوتْ سفراً إليك سَبَقْتَها ... فَأضَفْتَ قبل مُضَافِها حَالاَتها ( هذا البيت متعلق بهذا البيت الذي قبله: أي أن الرجال إذا نوت سفراً إليك سبقتها بإضافتك أحوالها، قبل إضافتك إياها. وإضافته لحالاتها قبوله لها بجسمه، لانه في ذكر المرض، عَرَض، والعرض يطلب محلاً ومحله الجسم. ويشبه ذلك قوله بعد هذا: ) ومنازل الحُمى الجسُومُ فقثل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتها ( أي إذا كانت الأمراض أعراضاً، ولم يكن للعرض بد من جسم وأمكن العرض جسمُك الذي هو خير الجسوم، فكيف يعذر على تركه. ) فاليومَ صِرتُ إلى الذي لو أنه ... مَلَكَ البرية لا سْتَقَل هباتها ( هذه الهاء في موضع المفعول به، أي لاستقل أن يهبها لعالم آخر. فكان يجب على هذا أن يقول: لاستقل هبتها. لأن الهبة هنا المصدر، لا الموهوب ولكنه جمع المصدر، لانه عنى به الموهوبين، ولأنه مصدر متنوع، لانه كان يهبها فُرادى ومثنى، ومازاد على ذلك من الكم، فقد تنوع المصدر باختلاف الأعداد، فاستجاز الجمع لذلك. ) مُسْتَرخَصُ نظر إليه به ... نَظَرَتْ وَعثَرةُ رِجلهِ بدياَتها ( ) مابه نظرت (: يعني أعين البريه. أي أن النظر إلية رخيص بأعينها يعني بفقدها الأعين. وكذلك عثرة رجله لو اشتُريت بديات البرية لكانت رخصية. وله ايضا: ) وَتركُكَ في الدُّنيا دَويا كأنما ... تَداوَل سَمْعَ المرء أمْمُلهُ العشرُ ( يعني لا يسمع شيئا، كقول النابغة:) وتلك التس تستك منا المسامعُ (والدوي: الصوت. وهذا البيت مضمن بما قبله. أي إنما المدُ السيوف، والفتكة البكر، وأيام حرب يُسمع لها من اجتماع الأصوات المختلطة الواصلة إلى الآذان، مثل صوت البحار الذي يسمعه الانسان إذا اطبق أذنيه بأنمله. والأنمل هنا: الاصايع، واحدتها أنملة، من باب تَمْرة وتمر، وليس بتكسير أنملة لأن هذين البناءين انمايكسران على) أفاعل (. وقوله) تداول سمع المرء (: يجوز أن بكون السمع اسما للأذن، فلا يحتاج في هذا القول إلى حذف. ويجوز أن يكون السمع هنا: الحس لا الجوهر الذي يُحسن به، فإذا كان ذلك، فلابد من حذف، كأنه قال: تداول موضع سمع المرء وإلى هذا ذهب أبو علي في قوله تعالى:) خَتَم اللهُ على فلوبِهم وعَلَى سَمْعِهم (وجهة على الوجهين جميعاً. ) إذا الفَضلُ لم يرْفَعْك عن شُكر ناقصٍ ... عَلَى هبةٍ فالفضلُ فيَمنْ لَه الشُّكْرُ (

стр. 33

أي إذا اضظرات إلى ناقص فتفضل عليك فشكرته فقد حصل الفضل لذلك الناقص فمن الحق أن تتحامى رجاء الناقص، لئلايتيح لك فضلا منه عليك، فيكون الفضل له. وقال:) الفضل فيمن له الشكر (أي: الفضل للشاكر لا للمشكور، لانه يُشرف هذا الناقص بشكره، أو بنفعه به. ) وَغثٍ ظَنَنا تَحْتَهُ أن عامِراً ... عَلاَ لَم يُمت أو في السحابِ له قبرُ ( عامر: جد هذا الممدوح. يصف سحابا بكثرة الماء، حتى كأن عامراً علا إلى الفلك فأمطر الناس جوده، أو دفن في السحاب، فهو يجود بالماء وإن كان فيها ميتاً. وقوله:) لم يمت (بدل من قوله:) عَلاَ (. وقد يجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في علا أي غير ميتٍ. ) أو ابنَ ابنهِ الباقي على بن أحمدً ... يجودُ به لو لَمْ أجُز ويدي صِفْرُ ( أي لولا أني جُزت به خالي اليد منه، لما شككت أن أحدهما هناك ويدي صفرُ: جملة في موضع حال. ) إليك طَعَنا في مَدَى كل صَفْصَفٍ ... بكلِّ واة كُلُّ ما لَقِيتْ بحرُ ( أي قطعنا غليك الأراضي البعيدة بكل ناقة خفيفة مُوثقة، تفعل في الارض البعيدة ما تقعل الطعنة في النحر. ومعناه أنها تتوغل الطعنة في الصدر، وتبلغ الغاية، كما تبلغ الطعنه إذا وصلت إلى القلب. ) إذا وَرِمَت من لسعةٍ مَرِحَت لها ... كأن نوالا صر في جِلْدِها النِّبرُ ( النبر: دُويبة تلسع الإبل، فتحبطُ مواضعُ لسعها وترم، يقول: إذا لسعها النبر لم تألمْه، لا عتيادها إياه، وطيب نفسها، وفرحت له، حتى كأن تلك اللسعة التي أورمت جلدها، صرت فيها نوالاً لها، فهي تفرح لذلك كما يفرح المُعطى بالعطية. وقوله:) كأن نوالا (: يجوز أن يكون نوالاً منصوباً بكأن، والجملة التي هي) صر في جلدها النبر (: خبر كأن. وفيه ضعف لأن اسم) إن (نكرة غير مؤيدة بالصفة. وخير منه عندي أن يكون في) كأن (الأمر أو الحديث، ونوالاً: مفعول لصر. فقوله:) نوالاً صر في جلدها النبر (: تفسير للمضمر الذي في) كأن (. ) فَجِئناك دُون الشمسِ والبدرِ في النوى ... ودُوَنك في أحْوالِك الشمسُ والبدرُ ( قوله:) دون الشمس والبدر في النوى (حال أي جئناك وأنت أقرب إلينا من الشمس والبدر، وهما دونك في المجد وشرف القدر. ) لِساني وَعينِي والفُؤادُ وِهمتي ... أودُّ اللواتي ذا اسْمُها منك والشطرُ ( الاود: الاحباء، واحدهم وَُد. فيقول: هذه الأعضاء مني تُحبُّ ما قابلها من أعضائك التي أسماؤها هذه. وقوله:) والشطر (: أي كأن هذه الاعضاء مني شقيقة سيمتها منك، حتى كأنهما اقتسمنا جزءاً من العنصر الذي منه كونها. وإذا كان هذا في الاعضاء، فكان لساني موافقاً للسانك، يقول ما تقول، وعيني مطابقة لعينك تستحسن ما تستحسن، وفؤادي ملائم لفؤادك، يهوى ما يهواه، وهذه عُمدة أعضاء الانسان فالجملتان شقيقتان. فنحن إذن شقيقان. وأما قوله: وهمي، فزيادة، لأن الفؤاد محل الهمة، فهو يغنى عنها. وله ايضا: ) أقَلُّ فَعَإلى بَلهَ أكثرهُ مَجْدُ ... وذا الجدُّ فيه نلْتُ أم لم أنلْ جَدُّ ( بله: يُنصبُ بها ويجر، النصب على أنه اسم للفعل كرُويد. والجر على أنه مصدر، وإن لم يكن له فعل، فقد وجدنا مصدراً دون فعل، كويل وأخواتها. أي أقل فعإلى شرفٌ. دع أكثره، كقول القائل فكيف أكثره. وهنا إفراط في القول، لانه ليس فوق الشرف منزلة، فيكون أكثر فعله أعلى من الشرف. إلا أن الشرف يتفاضل في ذاته. فإذا كان أقل فعاله شرفاً، فأكثره شرفٌ أعلى من ذلك. وقوله:) وذا الجِدُّ فيه نلتُ أم لم أنل جَدُّ (. الهاء عائدة إلى الجد، أي ود الجدُّ في طلبه جدٌّ. الجِدُّ: الاجتهاد والتشمير. والجَدُّ: البَخت. ويقول: جِدي في الامور بخت. وإن لم أنل به بختا، لأن الجِد معدود في السعاة، لكونه من الفضائل النفسانية، التي يبعث عليها الأنفه والشهامة، كما أن التواني يُعد في الشقاوة لكونه من الرذائل التي يبعث عليها العجز والسآمة، يقول: فأنا إن لم أنل بسعي حظاً نلت به عند نفسي وغيري عذراً أحصل به على راحة نفسي، لا يلحقني كلام من أحد: كقوله:) ومُبْلِغُ نَفْسٍ عُذرَهَا مثلُ مُنْجِحِ (؟ ) سأطلبُ حَقي القنا ومَشَايخٍ ... كأنهُم من طول ما التَثَمُوا مُردُ (

стр. 34

مشايخ: جمع مشيخة، حكيناه عن أبى زيد، وقد يجوز أن يكون جمع مشيوخاء، الذي هو اسم لجمع شيخ فكان ينبغي على هذا) مشايخ (لكنه اضطر فحذف، كقوله: والبكرات الفُسج العطامسا فشبههم بالمرد، لأنهم التثموا حتى لم تظهر لحاهم، كما لم يظهر للمرد لحى. ولو اتزن له لكان أحسن أن يقول: كأنهم من شدة ما التثموا، لأن كيفية الالتثام حجبت لحاهم، بإحامهم إياها. والشدة كيفية، والطول كمية فالكيفية أولى بما ذهب إليه. وإن قلت انهم أطالوا الالتثام حتى حُسيُوا مُرْاً كان له وجه. ) تَلَجُّ دُمُوعي بالجُفونِ كأنما ... جُفُونِيِ لِعَيْني كُلِّ باكيةٍ خذَُ ( أي أن جفوني مساربُ للدمع لا يخلو منها، حتى كأنها خذٌ لكل باكية. فالدمع يلازمها كما يلازم خد الباكية. وإن شئت قلت: ذهب في ذلك إلى غزر الدمع. أي أن جفون دموعي مُجتمع الدموع، حتى كأنها خد لعيني كل باكية. ) سَرَى السِّيفُ مما تَطبع الهندُ صَاحِبيِ ... السيفِ مشما يَطْبَعُ اللهُ لا الهِند ( صاحبي: نعت للسيف. ولا يكون على حد قولك) ضاربي (المنقولة من قولك: زيد ضارب عمراً؛ لانه لا يقال: زيد صاحبٌ عمرا، وذلك أن هذه الصفة جُردت من معنى الفعل، فلم يعدوها من المصادر، وقولهم:) لله درُّك (فدرك: مصدر وقد أجمده حتى قال سيبويه: هو بمنزلة قولهم:) له بلادك (وقوله:) مما تطبع الهند (، يعني السيف الذي عنصر الحديد، وهو الذي يطبعُ الهند. والسيف الثاني: هو الممدوح، وهو الذي يطبعُه الله لا الهند، لأن الهند لا تخلُق وإنما الخالق الله وحده: ) يَكادُ يُصيبُ الشيءَ من قَبْلِ رمْيه ... وَيُمكنُه في سَهْمِه المُرْسلِ الردُّ ( يصفه بالقوة في الرماية، والعلم بها، فيقول: يصرف سهمه كيف شاء، حتى لو اراد رده بعد إرساله مثلاً، أمكنه ذلك. و) يمكنه (: يجوز أن يكونمعطوفا على) يصُيب (. فيكونان جميعا داخلين تحت) يكاد (ز ويجوز أن يكون من الفعل الذي هو خبر) يكاد (فيكون ذلك أبلغ. وكلتا القضيتين داخلة في الامتناع، لا يجوز أن يصيب شيئاً قبل رميه له. ولا أن يقارب ذلك وكذلك القول في القضية الثانية. والهاء في) رميه (يجوز أن تكون ضميراً لشيء فيكون مجروراً في موضع نصب. كأنه قال: من رميه هو. ويجوز أن يكون ضمير لفاعل، والمفعول على هذا محذوف، أي من قبل رميه إياه. وله ايضا: ) حَوْلىِ بكُلِّ مَكِانٍ مِنهُمُ خِلقٌ ... تُخطى إذا جِئْتَ في اسْتِفْهامها بِمَنِ ( أي انهم لا يعقلون و) مَنْ (إنما يستفهم بها عمن يعقل، فإذا استفهمت عن هؤلاء بمن فأنت مخطئ، اذ لاحظ لهم فيها وإنما حظُّهم) ما (التي هي لما لا يعقل، وأن شئت قلت: إنهم وإن كانت صُورهم صُور الناس، فهم بهائم، لجهلهم، وأنما تُعامل الأنواع بطبائعها لا بأشكالها، وذلك أخذت الحكماء في حدودها طبائعها دون صورها، حتى إن بعضهم قال استضعافا للحد المأخوذ من الصورة:) فإنه لا يُستنكر أن يكون إنسان على شكل سمكة، كما لا يستنكر أن تكون سمكة على شكل إنسان (. واراد) تُخطئ (، فأبدل إبدالا صحيحاً للضروة، كما أنشد سيبويه:) فارعى فزارةُ لا هناك المرتعُ (ولو خفف تخطى قياسيا بين بين، لانكَسَر البيت، لأن الهمزة المخففة بَيْن بين عند سيبويه بُرمتها مخففَّة. ) ومُدْقعينَ بُسْبُروتٍ صَحِبْتُهمُ ... عارين من حُللٍ كَاسِينَ من دَرَن ( أي ورب فقراء بأرض قفر صحبتهم وبُليت بهم) عارين من حلل (: أي هم اللصوص لا يتسربلون،) كاسين من دَرَن (: يصف شعثهم وقشفهم. وإنما يُعدد ما مُنى به وبلى، من مكاره الأيام، وصحبة من لم يكن أهلا للصحبة. ) كم مخلصٍ وعلا في خوض مهلكةٍ ... وَقَتْلةٍ قُرنت بالذم في الجُبُن ( أي: كم إنسان أقدم، فسلم وعلا مع إقدامه، ولم يضره اقتحامه الهلكه، وآخر جُبن، فقُتل مع جُبنه، ومات مع ذلك، مذموماً على نكوله ملوماً. قوله:) في الجُبُن (متعلق بقتلةٍ، كأنه قال: وقتلة في الجُبن قُرنت بالدم، كما أن قوله) في خوض مهلكة (مُتعلقة بمخلص وعُلا. ) مدحتُ قوماً وإن عشنا نظمت لهمُ ... قصائدا من جياد الخيل والحُصنِ (

стр. 35

عنى بالقصائد: الجيوش، وإنما كنى عنها بذلك، لقوله:) مدحت قوماً (واستعمل النظم مكان الحشد، لماكن القاصائد، وجعلها من جياد الخيل والحُصُن، لانه عنى بالقصائد العساكر، والعساكر إنما تأتلف من الخيل وفُرسانها، ولو قال:) من إناث الخيل والحصن (لكان أذهب في الصنعة، لأن الحُصُن: الفحول من الخيل، فكان يطابق الإناث لقوله تعالى:) وَبَثَّ منهما رِجَالاً كثِيراً ونِسَاءَ (. وأما) من جياد الخيل والحصن (، فقسمة غير سالمه، لأن الحصن قد تدخل في جياد الخيل، وكذلك جياد الخيل قد تدخل في الحصن، إذ بعض الجياد حصان، وبعض الحصن جواد. ومن عنى بالحصن الجياد، ما ذهب في باب القُبْح، لانه لا يوجب قسمها، إذ الجياد هي الحصن. ) تَحتَ العَجَاجِ قَوافِيها مُضَمَّرةٌ ... إذا تُنُوشِدنَ لم يدخُلْنَ في أذُنِ ( عنى بالقوافي الخيل، وخصها بالذكر لأنها أشرف ما في الشعر، لاشتمالها على اللوازم، كالروى والصِّلة والخرُوج والرِّدف والتأسيس، وغير ذلك من طوائف القافية، وإذا جادت القافي؛ سَرَت جودتُها في الشعر. واستجاز أن يجعل القوافي) مضمرة (، لكنايته بها عن الخيل. ) إذا تُنُوشدن لم يدخلن في أذن (: فرق مليح صحيح، لأنهن لسن في الحقيقة قوافي، فتلج في المسامع، وإنما هن خَيْل، وليس هناك تناشد. إنما استجازه للفظ القصائد والقوافي. ) غَضُّ الشبابِ بعيدٌ فَجُر لَيلتهِ ... مُجانبُ الجَفْنِ للفَحشاء والوَسَنِ ( يستغرب العبادة مع الشباب. و) بعيد فجر ليلته (: أي لا ينام، فآخر ليلته بعيد من أولها.) مُجانب الطرف للفحشاء والوسن (: هذا اختصار مليح. وما أحسن مقابلته الشباب بالفحشاء، والسهر بالوسن. وكأنه قال: غض الشباب، مجانب الطرف للفحشاء، طويل الليل، مجانب الطرف للوسن. ) ألقى الكرامُ الأى بادُوا مكارمهمُ ... على الخصيى عند الفَرْض والسُّنَنِ ( ) الإلى (: بمعنى الذين بادوا من صلة) ألى (. أي باد هؤلاء الكرام وألقوا مكارمهم على هذا الممدوح، كأنهم كفلُوه إياها، كما يكفل الوصي اليتيم. ) فهن في الحجر منه كلما عرضت ... لَهُ اليَتَامَى بدا بالمجْدِ والمِنَنِ ( فُهن: يعني هذه المكارم الملقاة عليه التي كُلها. يقول: هذه المكارم التي مات اهلها، وبقيت يتامى في حجر هذا القاضي الممدوج، فهو يفرق أمواله فيهم، ويبدأ منهم بالمجد والمنة. فهما من جملة الأيتام، يظهرهما ويؤثرهما. كما يفعل الرابُ المُشبل. وقوله: اراد) بدأ (فأبدل إبدالا صحيحاً للضرورة. كما تقدم في تخطي ونحوها. وله ايضا: ) لَقدَ حَازَني وَجْدَ بمن حَازَهُ بُعْدُ ... فيا ليتني بُعدٌ وياَليُتَه وجدُ ( أي الوجد خُلُقى فقد حازني، والبعد خُلُقه فقد حازه، يقول: فياليتني بُعد لأحوز كما حاز البعيد وياليته وجد فيحوزني كما حازني الوجد، فنجتمع ولا نتفرق. ) سُهاد أتانا منك في العين عِندنَا ... رقادٌ وُقلاَمٌ رَعَى سَرْبُكم وردُ ( استحين كل مكروه اتى من قبلهم؛ واستلطف كل جافٍ لهم، حتى جعل السهاد رُقاداٌ، والقلام - وهو ضرب من الحمض - ورداً. كل ذلك لحبه إياهم. من الحمض - ورداً. كل ذلك لحبه إياهم. ) إذا غدرت حسناء وقت بعهدها ... ومن عهدها ألا يدوم لها عهدُ ( شيمة المرأة: الغدر. وهي التي عُهدت عليه فمتى غدرت فقد أوفت بعهدها ) وسيفي لأنت السيفُ لا ماتسُله ... لِضربٍ ومما السيفُ منه لك الغمدُ ( أقسم بسيفه، ثم تلقى القسم بقوله للممدوح، لأنت السيف، أي إنك أمضى من السيف بل أنت السيف في الحقيقة، إذا لولاك لم يكن للسيف عناء كقوله: إذا ضَرَبتْ يُمناهُ بالسيفِ في الوَغَى تَبيَّنْتَ أن السيف بالكف يضرِبُ) ومما السيف منه لك الغمد (: الشيء أنما يصُان بما هو دونه في القدر، ليكون له وقاء. يثول: فأنت أشرف من السيف، لأن السيف مطبوع من الحديد، وأنت تلبس الدروع والجواشن والترك، فهن لك كالغمد. وإذا كنت أنت مصونا بما السيف منه مصنوع. فلا محالة أنك أشرف من السيف، لأن السيف مساو للدرع في القدر؛ لأن جوهرهما سواء. والدرع لك لباس. والغمدُ في قوله) ومما السيف منه لك الغمد (:مرفوع بالابتداء. وخبره:) مما السيف منه (، فغمدك من الحديد الذي طُبع منه السيف:

стр. 36

) كَاَنَّ عَطِياتِ الحُسَين عساكِرٌ ... فَفِيهاَ العِبِدي والمُطّهّمةُ الجُردُ ( العسكر إنما يأتلف من الخيل والرجال. وهذا يهب الخيل والعبيد. فهذا وجه الكيفية في تشبيهه عطاياه بالعساكر. ثم يكثر هبة هذين النوعين، حتى يعود في كثرة العسكر. فهذا تشبيها بالعساكر من جهة الكمية. والعطية: المُعطى لا العطاء إذ لو كان ذلك لم يجز تشبيه العرض بالجوهر، فتفهمه. ) حَبَانيِ بأَثَمْان السوابِقِ دُونها ... مَخَافَة سَيْرِى إنها للنَّوى جُندُ ( ) وَشَهوةَ عَوْدٍ إن جُودَ يميِنه ... ثُناَء ثُنَاءُ والجَوادُ بها فَرْدُ ( أي أعطاني الدنانير دون الخيل، مخافة أن أبين عنه، لأن الخيل جُند للنوى وأعوان. و) شهوة عودٍ (أي اراد أن أقيم فيُوإلى لي عطاياه. وإن جود يمينه ثُناء ثُناء: أي أياديه مثنى؛ وهو في ذاته فردٌ. وإن شئت عنيت بالعود، أنه معدوم النظير في جوده، كما يقال: رجل واحد: لامثل له، قال ابو ذؤيب: يَحمى الصرِيمةَ أحدَانُ الرجال له ... صَيدٌ ومُجْتَرئٌ بالليلِ هَماس فكأنه قال: والجوادُ بها أوحدُ. ) فَهُم في جُموع لايراها ابن داية ... وهُمْ في ضجيجٍ لا يُحس به الخُلدُ ( ابن داية: الغُراب، سُمي بذلك لانه يقع على دأية البعير، وهي فقارته، فيعقرها. والعرب تصف الغراب بصحة البصر، حتى عنوا به فقالوا: أ [صر من غراب، والخلد: فأرة عمياء لا سمع بها، رعموا. يقول: فما يراهم الحديدُ البصر ولا يُحس بهم الذي مبالغة. وليس يذهب في ذلك إلى قلة جموعهم، وجفوت لُجُمهم، إنما يذهب إلى احتقارهم، وقلة غنائهم، ومثله في ذلك الاستضعاف قوله: فبَعْدهَ وإلى ذا اليوم لو رَكَضَتْ ... بالخيل في لَهَواَت الطفل ماسَعَلاَ وله ايضا: ) أراكضُ مُعْوصات القَوْل قسراً ... فَأقْتُلها وغَيرِيَ في الطِّرَدِ ( أي أنا ذو بديهة، فاذا عورضت في قول الشعر فرغتُ وغيري يعد في تلحينه وتسديته ومعاناته، وليس هناك قتل ولا طراد، وإنما استعارهما وأقتلها: بمعنى أصيها وأملكها كقولهم: قتلتُ الأمر علما. والمُعْوص: الأبى الممتنع. وله ايضا: ) أنا لاثمى كُنتُ وقت اللوائم ... علمِتُ بما بي بَيْنَ تلك المَعَالمِ ( قوله:) أنا لا ثمى إن (كقوله: أنا مثلك إن فعلت كذا. أي ضرني الله مثل لا ثمى في قلة اللب والجهل بالحب. وقيل اراد: أنا لاثم نفسي أي جعلني الله لاثماً لها، وهذا أضعف في العربية، إنما تستعمل العرب في مثل ذلك أنا لاثم نفسي هذا مذهب سيبويه. وقد أنشد بعض الكوفييم: ) ندمتُ على ما كان مني عدمتُني ( فعلى هذا يجوز) أنا لاثمى (أي لاثم نفسي. يقول: إن كنت علمت بحالتي وعقلت أمري بيت تلك المعالم، كقول الأشتر: بقَّيتُ وَفرِى وانحرفت عن العُلا ... ولقيتُ أضيافي بوجه عَبُوسِ إن لم أشُن على ابن حرب غارةً ... تعدو ببيض ي الكريهة شُوسٍ ) وَلكِنني مِما شُدهتم متيم ... كسال وقلبي بائح مثل كارتم ( أي ولكني متيم كسالٍ مما شُدهتُ وذهلت. أي قد أفرط ذهولي، حتى كأنى ذهلت عن الهوى، فُعدتُ كالسالي، ومعنى كل ذلك أنه يريد: لم يخلص لي حال ولا يثبت لي حقيقة، وإنما يقول إنه بقي فقيد العقل، ومن فقد عقله لم يثبت له تذكُّر ولا سُلُو، ونحو هذا قوله تعالى في صفة أهل النار:) لا يَموتُ فيها ولا يَحْيى (. وإن شئت قلت: ذهلت عن الشكوى، حتى كأنني سال وذهوله عن الشكوى إما أن يكون عدم حسه بتلاشي جسمه كقوله هو: وَشَكيتي فقدُ السقام لانهُ ... قد كان لما كان كان لي أعضاءُ وقلبي بائح مثل كاتم: أي أنه قد ظهر على الحب، فكأن قلبي بائح به وهو مثل كاتم، أي أنه لم يقصد إظهار ذلك. ومعنى كل ذلك نفي القصد لاطوله. ) عن المُقْتَنىِ بَذْلَ التلادِ تلادهُ ... وَمُجْتَنبِ البُخل اجتِنَابَ المحارمِ ( أي يقتني ذل التلاد مكان تلاده، فأعقبه ذلك ذكراً في البذل، فكأنه قال: عن المقتنى الذكر الجميل، ببذل التلاد مكان تلاده. الذي كان اقتناه، لما في تلاده من البقاء في الذكر الجميل المقتنى مكانه من البقاء.

стр. 37

فتلاده عندي - منصوب بالظرف، كما أنك لو أظهرت المضاف المحذوف فقلت: مكام تلاده، كان منصوباً على الظرف، فلما حًذف المضاف عمل الفعل في المضاف اليه ذلك العمل نفسه، كقوله تعالى:) واسْألِ القرية التي كُنَّا فِيهَا (. ولو قال:) تلادُه (، فرفعه بالمُقتنى على السعة لجاز. أي كأن ماله يدعوه أن يبذله فَيقفُوه بذلك فخراً. فكأن المال هو المقتنى له ذلك ولا كلام في قوله:) ومُجتنب البخلِ اجتناب المحارم (لظهوره. ) كأنك ما جَاوَدْتَ من بان جُودُه ... عليك، ولا قاومت من لم تُقاوِمِ ( إن شئت قلت: إن حساد جاودُوك في الجود والبأس، حتى غلبتهم فيهما، فكأنك بعد غلبك إياهم ما جاودوك ولا قاتلوك. ثم جعل للقضية مثلاً مطلقاً، أي أيها الانسانُ من غلبك بعدما غلبته فكأنك ما غلبته، وإن شئت قلت: كل من جاودته فْقته، وكل من حاربته غلبيته، حتى كأنك إنما اخترت من المُجاوين والمحاربين من وثقت بظهورط عليه؛ ولم يكُ ذلك قصدك، اذ لو كان ذلك لم يك محموداً منك، لانك لم تَشْجُع إلا على من علمت أنه دونك ولا جاريت في الندى إلا من علمت أنك فوقه. هذا كله لا يُمدح به. ولكنك إنما كنت الظاهر على المجاودين المحاربين، بفضيلتك النفسانية، ومزيتك الطبيعية إلا أنك اخترت من هو دونك. وقوله:) من لم تقاوم (كقوله: ولا قاتلت من بانت شجاعته عليك، فهذا اللفظ المسلوب في المعنى لفظ آخر مُثبت وإنما ذكرت لك هذا لتثبت قدمك في تبينُّه. وله ايضا: ) غَدَا الناسُ مِثْلَيهِم به لاعدمْتُهْ ... وأصبح دهرى في ذَاِرهُ دهُورا ( أي فيه من الفضائل مافي كل الفضلاء. فقد صار الناس به ناسين. ولا يعني بالناس جميع نوع الإنسان، لأن في جماع النوع رفيعاً ووضيعلً، وإنما عنى بالناس الفضلاء من الناس، ولولا ذلك لم يقتض مدحاً، كقول أبى نواس: لَيْس على الله بُمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد لم يرد العالم كله، إنما عنى رُفعاءهم وخيارهم. ) وأصبح دهرى في ذراه دهورا ( يقول: جنيت من لذيذ تمر العيش في دهرى عنده، ماجناه أهلُ كل دهر من حُلو تمر دهرهم، فصار دهرى بذلك دهوراً. وله ايضا: ) وَكَمْ من عَاثبٍ قولاً صحيحاً ... وآفَتُه من الفهمِ السقيم ( قد يكون القول صحيحاً في ذاته، ولا تلوح صحته إلى الجاهل به، فيعيبُه، لانه يظنه على خلاف ما هو به. من كلام الحكماء:) من علم أنس، ومن جهل استوحش (. وقال تعالى:) بَلْ كَذَّبُوا بما لَمْ يحيطوا بِعِلْمِه وَلماَّ يَأتِهِمْ تَأوِيلُه (: أي لو فهموه لعلموه، فآمنوا به. ويشبه هذا البيت قوله هو: ومن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مرِيضٍ ... يَجِدْ مُرًّا به الماء الزُّلالا وله ايضا: ) كَفِرنْدى فرندُ سَيْفِي الجُراز ... لَذَّةُ العين عُهدةٌ للبراز ( الفرند: ماء السيف، فارسي معرب. إنما هو ما بين الباء والفاء. والعرب تعرب مثل هذا بالفاء المضة، والباء المحضة. هذا قول سيبويه في باب اضطراد الإبدال في الفارسية. الجُراز: الماضي النافذ. وإنما شبه فرنده بفرند السيف، لأن فرند السيف، دليل على مضاء حده. وعنى بفرند نفسه هنا شحوبه، وتغير لونه من الأسفار والتعب، فجعله فرنداً، لانه دليل على مضاء عزمه، كما أن فرند السيف دليل على مضاء حده. ففي ذلك شبه فرنده بفرند السيف، وإن لم يكن شُحوبه في الحقيقة فرنداً، بل هو خلاف الفرند، فإنما سماه به، لانه محمود منه، كما أن ذلك محمود من السيف. ونحوه قوله ﷺ لَخلُوفُ فم الصَّائم أحَبُّ إلى اللهِ من المِسْكِ (وليس الخُلوف بطيب، ولكن لدلالته على ما يحبه الله من الصيام. وأما ابن جنى فقال: عنى أن جوهر سيفي كجوهرى. فإن كان عنى بالجوهر الفرند، فخطأ، لأن الفرند إنما هو صفاء السيف بما يحدُث من الصقال، فهو لذا عَرَض. وإن كان عنى بالجوهر سنخ هذا السيف، أي أن سنخى في نوع الانسان كسنخ سيفي هذلا في نوع الحديد، فصفاء فهمي من جهة شرف جوهري، كما أن صفاء هذا السيف من جملة شرف جوهره، فهو حسن. ويقوى ذلك أنه قد استطرد في أبيات السيف من هذا الشعر، تشبيهه نفسه به، وجعله نفسه في نوعه، كسيفه في نوعه. ثم أخبر عن نفسه فقال: هو لذةُ العين، أي أنظر إليه فأستملحُه، وهو أيضا عُدةٌ للقتال.

стр. 38

) ودقيقٌ قَدى الهباء أنيقٌ ... مُتَوالٍ في مُستوٍ هَزْهَازِ ( أي وفيه فرند دقيق، قدر الهباء في شكله وتضاؤله. متوالٍ: متتابع في مستوٍ، أي في متن مُستوٍ. فأقام الصفة مقام الموصوف، وقواها بهزها، فحسن ذلك. ) يا مُزيل الظلام عنى وروضى ... يوم شُربي ومعقلي في البراز ( البرازُ: الصحراء. يقول لسيفه: إذا اسودت الدنيا على بنزول الملمات، كشفتها عنى وفرجتها. وقد يعنى به أنه يزيل الظلام عنه بمائه وضيائه) وروضى يوم شُربى (: شبهة بالروض في خُضرته، وجعله روضة يوم شربه، على ما تجرى به عادة الشجاع من تلقفه سيفه وتنزيهه طرفه فيه، متأملاً لحسنه وما هيه جوهره. وكان أذهب في الصنعة أن يقول:) وروضتي (لأن الروض جمع، وهو يخاطب واحداً، ولكن هذا واسع كثير.) ومعقلى في البراز (: أي أنى أمتنع بك إذا امتنع غير بحصن، لأن الشجاع إنما يلجأ إلى سلاحه لا إلى معقل، كقوله هو: ) جواشنُها الأسنةُ والسيوف ( وكقوله: ) فلا أحارب مدفوعاً إلى جُدُر ( وإن شئت قلت: إذا كنتُ في الصحراء فلم أجد معقلاً، فأنت أيها السيف هناك مَعْقِلى. ) إن بَرقى إذا بَرَقْتَ فعإلى ... وصليلي إذا صَلَلْتَ الرتجازي ( يذهب بذلك إلى التقريب بين نفسه وسيفه، لما أن مثل نفسه به في جوهره أراد أن يكمل تشبييهها به في أعراضه، فيقول: ايها السيف، لا تظني مُقصراً عنك، بأن لالَمْعَ لي كَلمْعِك، ولا صليلي ني كصليلك، فإنك إن قدرت ذلك، فأنت مخطى، لأن ما يُوازي لمعك وصليلك منى، أشرف من لَمْعك وصليلك. أنا أفعل بك يوم الروع ما يكسو جبيني وسائر وجهي ضياء، استبشارً به وفرحاً. فذلك البشر هو برقى المُوازي لبرقك، وأرتجز بشعري إذا صُلت فيقوم ذلك مقام الصليل لك فإذن لايُقصر حإلى عن حالك. ) وَلقَطْعِى بك الحديدَ عَلَيهْا ... فكلانا لجِنِسه اليوم غاز ( وهذا أيضا زيادة في تقريبه بين نفسه وسيفه. يقول: أنا أقتل أقراني وهم جنسي، وأننت تقطع عليهم الدروع والمغافر والترك، وكل ذلك جنسك، فقد حكيت فعلك في نوعك، بفعلي في نوعي. أنا انسان أقتل إنساناً، وأنت حديد تقطع حديدا. وهذا من أبدع الصنعة، مثل نفسه بذاته، في سيفه بذاته، ثم عرضهُ المتصل به الذي لا يتعداه، كالبرق والصليل، ثم في عرضه الذي يُوقعه بغيره، عن حركة واستعمال، وهو قطعُهُ الحديد، فقدم ما هو من الذات لا يتعداها، وأخر ما يتعدى الذات. فتفهمه فإنه غريب. ) كَيْف لايَشتكى وكيف تَشكَّوْا ... وبهِ لا بِمَنْ شَكَاها المرَازِى ( أي كيف لا يشتكى هذا الممدوح وهو الذي يتحمل المغارم، ويتكلف المُؤن بذاته، وماله فيه المرازي. وكيف تشكاها هؤلاء وقد احتملها هو عنهم فالعجب من شكواهم ولا زُرء بهم، ومن يحتمل الرزية عنهم لا يشتكى. فتقدير القضية: وبه المرازي لا بمن شكاها. والمرازي: جمع مرزأة، وكان حكمه المرازي، فأبدل إبدالاً صحيحا قياسيا، لانه لا يوصل بالهمزة المخففة إلا هكذا، أعنى أن نبذل ابدالاً محضاً، حتى تلحق بحروف العلة، ولذلك استشهد سيبويه على أن الهمزة تبدل إبدالاً صحيحاً في حال الاضطرار، كبيت عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: وكنت أذل من وتدٍ بقاعٍ ... يُشججُ رأسه بالفهرِ واجبى اعتقد البدل في واج صحيحاً، لأن القطعة جيمية، فالوصل ياء محضة. وهذا الاستشهاد من دقائق سيبويه، ولطائفه التي بز فيها الممارى، وسبقَ المُجارى. وله ايضا: ) فَمَتَى أقُومُ بِشُكْرِ ما أوْلَيْتَنى ... والقوْلُ فيكَ عُلُوُّ قَدْرَ القائِلِ ( أي أن مدحك يُسرف مادحك، فكما شكرتك على نوالك بالشعر، رفع شعري فيك من قدري، فاقتضاني الشكرُ على ذلك شُكراً آخر، إلى غير نهاية.) فمتى أقوم بشكرك (يُوئسُ نفسه من القيام بشكره، ويجعله داخرً في الامتناع. فهذا استفهام فيه معنى النفي، أي لا أقوم بشكر ذلك أبداً. وله ايضا: ) كأن على الجَوانِبِ منه ناراً ... وأيدي القَوْمِ أجْنحةُ الفَرَاشِ (

стр. 39

أي على جوانب هذا السيف نار. شبه لمعه إذا هُز بلسان النار، وشبه أيدي القوم في تطايرها حوالي ناره بالفراش المتهافت في النار. وقال: أجنحة الفراش. لأن طيرانها إنما يكون بالأجنحة. وقد كان يعنى من ذلك الكلام، وأيدي القوم فراش. ولكن بقوله:) أجنحة الفراش (ولا معنى لرواية من روى) كأن على الجماجم (لقوله:) وأيدي القوم (وإنما كان يسوغ لو قال: وهن أجنحة الفراش يهنى الجماجم. فأما كون السيوف على الجماجم كالنار وتطاير الأيدي مع ذلك، فتشبيه. ) يُدَمِّى بَعضُ أيدي الخيلِ بعضاً ... وما بِعُجايةٍ أثرُ ارتهاش ( العُجاية: عُصيبة فوق الحافر. والارتهاش: أن تضطرب يد الفرس، فتنعقر ذراعاه، لأن ذلك الاضطراب يحدث عنه احتكاك. فيقول: إنما دميت أيدي هذه الخيل بعجلة الهزيمة والازدحام في الهرب، لارتهاش كان أصابها. ولو وصفها بالارتهاش، كان ذلك عيباً لها، ولم يقتض مدحاً. ) لَقُوه حَاسِراً في دِرْع ضرب ... دَقِيقِ النسج مُلتَهب الحواشي ( أقام الضرب في تحصينه له، مُقام درعٍ دقيقة النسج. ووصفها بالتهاب الحواشي، ذهاباً إلى حدة ضربه. ) مِنَ المُتَمِّردَاتِ يُذَبُّ عنها ... برُمحى كُلُّ طَائره الرَّشَاشِ ( أي قوسى هذه متمردة كالشيطان المريد، أذُب عنها بالطعن المُرش. ولو قال: يذُب عنها رمحى بكل طائره الرشاش، لكان أليق؛ لأن الرمح فاعل لطعنته. والطعنة منفعلة له. فكأنه عكس إدلالاً واتساعاً. ) عَليكَ إذا هُزِلت مع الليالي ... وحَوْلك حين تَسْمَنُ في هِراشِ ( الهُزال هنا: مثل لإدبار الدُول، والسمن: مثل لإقبالها. يقول: إذا ساعدك الزمان بالإقبال عليك تهارشُوا في طلب المنفعة حواليك. وذكر الهراش تخسيساً لهم، لانه من فعل الكلاب. فإذا ألمت بك نوائبه فهم عليك أعوانه. والعرب تكنى بعلى على خلاف ما تكنى معه بمع. فمع واللام: للموالاة. وعلى: للخذلان والمعاداة. قال تعالى:) لها ما كَسَبتْ وعليها ما اكْتَسَبَتْ (ومعنى هذا البيت متداول كثير. ومنه قول بعض المُحدثين: وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عوانا وتقدير البيت: عليك مع الليالي إذا هزلت، وحولك في هراش إذا سمنت أي أنهم هم كذلك. وله ايضا: ) خَلاَ وَفيهِ اهلٌ وأوْحَشَناَ ... وَفيِه صِرمُ مُروحٌ إبله ( الصرم: الجماعة من الناس، أي إنه خال عندي وإن كان فيه أهل، لأنهم غير أحبائي الين عهدت بها، وهو موحش وإن كان فيه صرم من الناس، لعدم أولئك الأحباء. ويقويه بعد هذا: ) لو خُلِط المِسكُ والعبيرُ بها ... ولستَ فيها لَخِلُتها تفله ( وإنما تحسن الأمكنه في عيون المحبين باحتيازها المحبوبين. وقوله:) وفيه أهل (: جملة في موضع الحال. وكذلك قوله:) وفيه صرم (جملة في موضع الحال ايضا، فاذا رددتها إلى الإفراد. فكأنه قال: خلا عامراً، وأوحشنا آهلاُ. ) يَنْصُرها الغَيثُ وهيَ ظامِئةٌ ... إلى سِواهُ وسُحْبُها هطله ( ينصرها: يُسقيها. قال: من كان أخْطَاهُ الربيعُ فإنما ... نُصِرَ الحجازُ بغَيثِ عبد الواحِدِ وإنما قيل في المكان المسقى: نصره الغيث لأن المكان في غالب الأمر إنما يهُجر لجدبه. فذلك الخجر خذل له. فاذا سُقي أعشب وأخصب فاستدعى من رحل عنه، فكأنه نُصر بالمعاودة، كما خُذل بالترك، ولذلك دعُى للدار بالسُّقيا، لتخصب فيعاودها من حل بها، فيعود عامراً ما كان منها غامرا. ويقول: الدار ظامئة إلى من رحل عنها، إلا إلى الغيث الي ينصُرها ها وسحبها هطلة، ليكون لك أبلغ في استغراب الظمأ. وما أشبه ها بقوله: إذا أردت كُميت اللون صافيةً ... وجدتُها وحبيبُ النفسِ مفقودُ قوله:) وهي ظامئة (: جملة في موضع الحال. وكذلك) وسحبها هطلة (والسحب: جمع سحاب لا جمع سحابة لأن) فَعَالة (لاتكسر على فُعُل. إنما سجمع سحابة: سحائب. ) واحرباَ منك يا جِدَايَتهَا ... مُقيمة فاعلمي ومُر تحلهْ ( الجداية: الظبية. أي: واحربا منك ياظبية هذه الدار. أقمت أو منُعتِ منى وقُصرت عنى. فُمقامك وارتحالك سواء، كلاهما عائد علي بالحرب، وهو الهُلك. ومثله قول الآخر: ) والقريب الممنوعُ منك بعيدُ (

стр. 40

وقوله؛) منكِ (: أي حُبك ومن أجلك واستعمل) وَا (هنا دون) يا (. لانه أشهر أعلام التفجُّع والنُّدبة. ) وَبيضُ غِلمانِه كَنَائِلهِ ... أولُ مَحْمُولِ سَيْبِه الحَمَلَهْ ( جعلهم محمولين لأنهم إذا حملوا إلى المعطين البدر والثياب كانوا في جملة الهبات فكأنهم حملوا أنفسهم مع حملهم الهبات. وقوله:) أول محمول سيبه (قدمهم في السيب لأنهم أشرف أنواعه. وقال:) بيض غلمانه (يعني: الصقلب والروم لأنهم أثمن من الزنج والنوب وأحسن في الأعين وهذا البيت كقوله: كأن عطياتِ الحُسين عساكرٌ ... ففيها العبدى والمُطَهَّمة الجردُ ) وراكب الهّوْلِ يُفتره ... لو كان للِهولِ مَجزِمٌ هزله ( أي إنه يركب الهول دائما، لا يُفتره ولا يُريحه، فلو تجسم الهول، فكان مركوباً يُشد عليه الحزام، لهزل ذلك المحزم، بدوام الركوب وملازمته، وخص المحزم دون طوائف الجسم، لانه موضع الركوب والهمْز. ) قد هَذَّبَتْ فَهمَه الفَقَاهَةُ لي ... وهَذَّبت شعِرِي الفصاحةُ له ( والفقاهة: الفهم. تقول العرب: ماله فقاهة ولا فصاحة. يقول: فقاهته في الشعر قد هذبت فهمه لي، باستحتانه ما أنقح من شعري فيه، حتى مايستحسن غيره من الشعر المتعسف المخْشُوبِ. وهذبت فصاحته شعري له، أي لما علمت إنه فصيح، نقيت ألفاظ شعري واستجدتها، فكانت فصاحته هي التي هذبت شعري. ) فَأكبروا فِعلهُ وأصغرهُ ... أكبرُ من فِعْلهِ الذي فعله ( أي أعظموا فعل أبى العشائر، وأصغره هٌوَ، أي استصغره، لانه صغير بالإضافة إليه، كما هو عظيم بالإضافة إليهم. ثم قطع فقال:) أكبر من فعله الذي فعله (: أي الفاعل أكبر من الفعل المنفصل عنه. ) فصرتُ كالسيفِ حامداً يَدَهُ ... ما يَحْمَدُ السَّيفُ كلَّ مَنْ حَمَلَهْ ( أي أجاه الفهم عنى، كما أجاد الضرب بالسيف، فأنا كسيفه في أنى أحمد فهمه، كما يحمد السيف يده. إلا أن السيف يحمد منه جُسمانياُ وهو يمده وأنا احمد منه نفسانياً وهو فهمهُ. ) ما يحمد السيف كل من حمله (: أي ليس كل حامل له يجيد الضرب به، فيكون حامداً لكل من حمله. وكذلك أنا، ليس كل أحد يفهم شعري، فأحمدهم كما حمدت هذا الممدوح. وله ايضا: ) أعيدُوا صَبَاحيِ فَهْوَ عِنْدَ الكَواعبِ ... ورُدُّوا رُقادى فهو لَحْظُ الحَبَائِبِ ( إن شئت قلت: طال على الليل فلا صباح، وأسهرني الحزن فلا رُقاد، وكل ذلك بمغيب من أحببت. فيقول: أعيدوا الكواعب الي، فإذا كان ذلك قصُر ليلي، وجاء الصباح. وردوا الحبائب إلي، رُقادى عندهن، فإذا عُن عاودني نومي. وإن شئت قلت: غاب عنه الصباح بمغيب الكواعب، لأن الدنيا تظلم على المحزون، فاذا أراد أن يُرد ذلك عليه، استدعى أن يُرد إليه الرُقاد. لانه قد كان يرى الخيال فيه وفي الخيال أنس فلما عدم الرقاد، عدم الخيال الذي كان يأنس به. وقوله:) فهو لحظ الحبائب (أي أن سبب رُقادي نظري إليهن، فاذا لم ألحظهن سهرتُ غرضاُ إليهن. ) أرَاكِ ظَننتِ السِّلْكَ جسمِي فَعُقْتِه ... عليك بِدُرً عن لِقاء الترائِبِ ( السلك: الخيط. يقول: عهدت جسمي ناحلاً؛ فلما رأيت السلك حسبته إياه؛ ومن عادتك البخلُ بالعناق. فَحَجَزْتِ بين السلك وبين ترائبك بنظام الدُّر عليه، جرياً على ما اعتدته من البخل. وقوله:) عليك (: ظرف في موضع الحال. ) إليك فإنى لستُ ممن إذا اتقى ... عضاض الأفاعي نام فوق العقارب ( ضرُّ العقرب، أسهل من ضر الأفاعي، فهو يزجُر عاذلته على اقتحام المهالك، والاهجام على صعاب المالك، فيقول لها: إليك؛ فإنى لا أصبرُ على الصغير من الأذى، فرقاً من العظيم؛ وإن كان أيسر من الموت؛ كما أن سم العقارب أخفٌّ من سم الأفاعى؛ وأبلغ من هذا قولهُ: إن المنية عند الذلِّ قنديدُ ) أتانى وعيدُ الأدعياء وأنهم ... أعدوا لي السودان في كفر عاقب ( ) كفر عاقب (: موضع بالشام، وأرصد له فيه قوم يريدون إهلاكه.) والأدعياء (: ناس ادعوا إلى على ﵇. ) ولو صدقُوا في جدهم لحذرتُهم ... فهل في وحدى قولهم غير كاذبِ (
следующие страницы →