← Адаб

Адаб · id 775

شرح المشكل من شعر المتنبي

ابن سيده

Полный текст (111 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

) كَاَنَّ عَطِياتِ الحُسَين عساكِرٌ ... فَفِيهاَ العِبِدي والمُطّهّمةُ الجُردُ ( العسكر إنما يأتلف من الخيل والرجال. وهذا يهب الخيل والعبيد. فهذا وجه الكيفية في تشبيهه عطاياه بالعساكر. ثم يكثر هبة هذين النوعين، حتى يعود في كثرة العسكر. فهذا تشبيها بالعساكر من جهة الكمية. والعطية: المُعطى لا العطاء إذ لو كان ذلك لم يجز تشبيه العرض بالجوهر، فتفهمه. ) حَبَانيِ بأَثَمْان السوابِقِ دُونها ... مَخَافَة سَيْرِى إنها للنَّوى جُندُ ( ) وَشَهوةَ عَوْدٍ إن جُودَ يميِنه ... ثُناَء ثُنَاءُ والجَوادُ بها فَرْدُ ( أي أعطاني الدنانير دون الخيل، مخافة أن أبين عنه، لأن الخيل جُند للنوى وأعوان. و) شهوة عودٍ (أي اراد أن أقيم فيُوإلى لي عطاياه. وإن جود يمينه ثُناء ثُناء: أي أياديه مثنى؛ وهو في ذاته فردٌ. وإن شئت عنيت بالعود، أنه معدوم النظير في جوده، كما يقال: رجل واحد: لامثل له، قال ابو ذؤيب: يَحمى الصرِيمةَ أحدَانُ الرجال له ... صَيدٌ ومُجْتَرئٌ بالليلِ هَماس فكأنه قال: والجوادُ بها أوحدُ. ) فَهُم في جُموع لايراها ابن داية ... وهُمْ في ضجيجٍ لا يُحس به الخُلدُ ( ابن داية: الغُراب، سُمي بذلك لانه يقع على دأية البعير، وهي فقارته، فيعقرها. والعرب تصف الغراب بصحة البصر، حتى عنوا به فقالوا: أ [صر من غراب، والخلد: فأرة عمياء لا سمع بها، رعموا. يقول: فما يراهم الحديدُ البصر ولا يُحس بهم الذي مبالغة. وليس يذهب في ذلك إلى قلة جموعهم، وجفوت لُجُمهم، إنما يذهب إلى احتقارهم، وقلة غنائهم، ومثله في ذلك الاستضعاف قوله: فبَعْدهَ وإلى ذا اليوم لو رَكَضَتْ ... بالخيل في لَهَواَت الطفل ماسَعَلاَ وله ايضا: ) أراكضُ مُعْوصات القَوْل قسراً ... فَأقْتُلها وغَيرِيَ في الطِّرَدِ ( أي أنا ذو بديهة، فاذا عورضت في قول الشعر فرغتُ وغيري يعد في تلحينه وتسديته ومعاناته، وليس هناك قتل ولا طراد، وإنما استعارهما وأقتلها: بمعنى أصيها وأملكها كقولهم: قتلتُ الأمر علما. والمُعْوص: الأبى الممتنع. وله ايضا: ) أنا لاثمى كُنتُ وقت اللوائم ... علمِتُ بما بي بَيْنَ تلك المَعَالمِ ( قوله:) أنا لا ثمى إن (كقوله: أنا مثلك إن فعلت كذا. أي ضرني الله مثل لا ثمى في قلة اللب والجهل بالحب. وقيل اراد: أنا لاثم نفسي أي جعلني الله لاثماً لها، وهذا أضعف في العربية، إنما تستعمل العرب في مثل ذلك أنا لاثم نفسي هذا مذهب سيبويه. وقد أنشد بعض الكوفييم: ) ندمتُ على ما كان مني عدمتُني ( فعلى هذا يجوز) أنا لاثمى (أي لاثم نفسي. يقول: إن كنت علمت بحالتي وعقلت أمري بيت تلك المعالم، كقول الأشتر: بقَّيتُ وَفرِى وانحرفت عن العُلا ... ولقيتُ أضيافي بوجه عَبُوسِ إن لم أشُن على ابن حرب غارةً ... تعدو ببيض ي الكريهة شُوسٍ ) وَلكِنني مِما شُدهتم متيم ... كسال وقلبي بائح مثل كارتم ( أي ولكني متيم كسالٍ مما شُدهتُ وذهلت. أي قد أفرط ذهولي، حتى كأنى ذهلت عن الهوى، فُعدتُ كالسالي، ومعنى كل ذلك أنه يريد: لم يخلص لي حال ولا يثبت لي حقيقة، وإنما يقول إنه بقي فقيد العقل، ومن فقد عقله لم يثبت له تذكُّر ولا سُلُو، ونحو هذا قوله تعالى في صفة أهل النار:) لا يَموتُ فيها ولا يَحْيى (. وإن شئت قلت: ذهلت عن الشكوى، حتى كأنني سال وذهوله عن الشكوى إما أن يكون عدم حسه بتلاشي جسمه كقوله هو: وَشَكيتي فقدُ السقام لانهُ ... قد كان لما كان كان لي أعضاءُ وقلبي بائح مثل كاتم: أي أنه قد ظهر على الحب، فكأن قلبي بائح به وهو مثل كاتم، أي أنه لم يقصد إظهار ذلك. ومعنى كل ذلك نفي القصد لاطوله. ) عن المُقْتَنىِ بَذْلَ التلادِ تلادهُ ... وَمُجْتَنبِ البُخل اجتِنَابَ المحارمِ ( أي يقتني ذل التلاد مكان تلاده، فأعقبه ذلك ذكراً في البذل، فكأنه قال: عن المقتنى الذكر الجميل، ببذل التلاد مكان تلاده. الذي كان اقتناه، لما في تلاده من البقاء في الذكر الجميل المقتنى مكانه من البقاء.

стр. 37

فتلاده عندي - منصوب بالظرف، كما أنك لو أظهرت المضاف المحذوف فقلت: مكام تلاده، كان منصوباً على الظرف، فلما حًذف المضاف عمل الفعل في المضاف اليه ذلك العمل نفسه، كقوله تعالى:) واسْألِ القرية التي كُنَّا فِيهَا (. ولو قال:) تلادُه (، فرفعه بالمُقتنى على السعة لجاز. أي كأن ماله يدعوه أن يبذله فَيقفُوه بذلك فخراً. فكأن المال هو المقتنى له ذلك ولا كلام في قوله:) ومُجتنب البخلِ اجتناب المحارم (لظهوره. ) كأنك ما جَاوَدْتَ من بان جُودُه ... عليك، ولا قاومت من لم تُقاوِمِ ( إن شئت قلت: إن حساد جاودُوك في الجود والبأس، حتى غلبتهم فيهما، فكأنك بعد غلبك إياهم ما جاودوك ولا قاتلوك. ثم جعل للقضية مثلاً مطلقاً، أي أيها الانسانُ من غلبك بعدما غلبته فكأنك ما غلبته، وإن شئت قلت: كل من جاودته فْقته، وكل من حاربته غلبيته، حتى كأنك إنما اخترت من المُجاوين والمحاربين من وثقت بظهورط عليه؛ ولم يكُ ذلك قصدك، اذ لو كان ذلك لم يك محموداً منك، لانك لم تَشْجُع إلا على من علمت أنه دونك ولا جاريت في الندى إلا من علمت أنك فوقه. هذا كله لا يُمدح به. ولكنك إنما كنت الظاهر على المجاودين المحاربين، بفضيلتك النفسانية، ومزيتك الطبيعية إلا أنك اخترت من هو دونك. وقوله:) من لم تقاوم (كقوله: ولا قاتلت من بانت شجاعته عليك، فهذا اللفظ المسلوب في المعنى لفظ آخر مُثبت وإنما ذكرت لك هذا لتثبت قدمك في تبينُّه. وله ايضا: ) غَدَا الناسُ مِثْلَيهِم به لاعدمْتُهْ ... وأصبح دهرى في ذَاِرهُ دهُورا ( أي فيه من الفضائل مافي كل الفضلاء. فقد صار الناس به ناسين. ولا يعني بالناس جميع نوع الإنسان، لأن في جماع النوع رفيعاً ووضيعلً، وإنما عنى بالناس الفضلاء من الناس، ولولا ذلك لم يقتض مدحاً، كقول أبى نواس: لَيْس على الله بُمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد لم يرد العالم كله، إنما عنى رُفعاءهم وخيارهم. ) وأصبح دهرى في ذراه دهورا ( يقول: جنيت من لذيذ تمر العيش في دهرى عنده، ماجناه أهلُ كل دهر من حُلو تمر دهرهم، فصار دهرى بذلك دهوراً. وله ايضا: ) وَكَمْ من عَاثبٍ قولاً صحيحاً ... وآفَتُه من الفهمِ السقيم ( قد يكون القول صحيحاً في ذاته، ولا تلوح صحته إلى الجاهل به، فيعيبُه، لانه يظنه على خلاف ما هو به. من كلام الحكماء:) من علم أنس، ومن جهل استوحش (. وقال تعالى:) بَلْ كَذَّبُوا بما لَمْ يحيطوا بِعِلْمِه وَلماَّ يَأتِهِمْ تَأوِيلُه (: أي لو فهموه لعلموه، فآمنوا به. ويشبه هذا البيت قوله هو: ومن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مرِيضٍ ... يَجِدْ مُرًّا به الماء الزُّلالا وله ايضا: ) كَفِرنْدى فرندُ سَيْفِي الجُراز ... لَذَّةُ العين عُهدةٌ للبراز ( الفرند: ماء السيف، فارسي معرب. إنما هو ما بين الباء والفاء. والعرب تعرب مثل هذا بالفاء المضة، والباء المحضة. هذا قول سيبويه في باب اضطراد الإبدال في الفارسية. الجُراز: الماضي النافذ. وإنما شبه فرنده بفرند السيف، لأن فرند السيف، دليل على مضاء حده. وعنى بفرند نفسه هنا شحوبه، وتغير لونه من الأسفار والتعب، فجعله فرنداً، لانه دليل على مضاء عزمه، كما أن فرند السيف دليل على مضاء حده. ففي ذلك شبه فرنده بفرند السيف، وإن لم يكن شُحوبه في الحقيقة فرنداً، بل هو خلاف الفرند، فإنما سماه به، لانه محمود منه، كما أن ذلك محمود من السيف. ونحوه قوله ﷺ لَخلُوفُ فم الصَّائم أحَبُّ إلى اللهِ من المِسْكِ (وليس الخُلوف بطيب، ولكن لدلالته على ما يحبه الله من الصيام. وأما ابن جنى فقال: عنى أن جوهر سيفي كجوهرى. فإن كان عنى بالجوهر الفرند، فخطأ، لأن الفرند إنما هو صفاء السيف بما يحدُث من الصقال، فهو لذا عَرَض. وإن كان عنى بالجوهر سنخ هذا السيف، أي أن سنخى في نوع الانسان كسنخ سيفي هذلا في نوع الحديد، فصفاء فهمي من جهة شرف جوهري، كما أن صفاء هذا السيف من جملة شرف جوهره، فهو حسن. ويقوى ذلك أنه قد استطرد في أبيات السيف من هذا الشعر، تشبيهه نفسه به، وجعله نفسه في نوعه، كسيفه في نوعه. ثم أخبر عن نفسه فقال: هو لذةُ العين، أي أنظر إليه فأستملحُه، وهو أيضا عُدةٌ للقتال.

стр. 38

) ودقيقٌ قَدى الهباء أنيقٌ ... مُتَوالٍ في مُستوٍ هَزْهَازِ ( أي وفيه فرند دقيق، قدر الهباء في شكله وتضاؤله. متوالٍ: متتابع في مستوٍ، أي في متن مُستوٍ. فأقام الصفة مقام الموصوف، وقواها بهزها، فحسن ذلك. ) يا مُزيل الظلام عنى وروضى ... يوم شُربي ومعقلي في البراز ( البرازُ: الصحراء. يقول لسيفه: إذا اسودت الدنيا على بنزول الملمات، كشفتها عنى وفرجتها. وقد يعنى به أنه يزيل الظلام عنه بمائه وضيائه) وروضى يوم شُربى (: شبهة بالروض في خُضرته، وجعله روضة يوم شربه، على ما تجرى به عادة الشجاع من تلقفه سيفه وتنزيهه طرفه فيه، متأملاً لحسنه وما هيه جوهره. وكان أذهب في الصنعة أن يقول:) وروضتي (لأن الروض جمع، وهو يخاطب واحداً، ولكن هذا واسع كثير.) ومعقلى في البراز (: أي أنى أمتنع بك إذا امتنع غير بحصن، لأن الشجاع إنما يلجأ إلى سلاحه لا إلى معقل، كقوله هو: ) جواشنُها الأسنةُ والسيوف ( وكقوله: ) فلا أحارب مدفوعاً إلى جُدُر ( وإن شئت قلت: إذا كنتُ في الصحراء فلم أجد معقلاً، فأنت أيها السيف هناك مَعْقِلى. ) إن بَرقى إذا بَرَقْتَ فعإلى ... وصليلي إذا صَلَلْتَ الرتجازي ( يذهب بذلك إلى التقريب بين نفسه وسيفه، لما أن مثل نفسه به في جوهره أراد أن يكمل تشبييهها به في أعراضه، فيقول: ايها السيف، لا تظني مُقصراً عنك، بأن لالَمْعَ لي كَلمْعِك، ولا صليلي ني كصليلك، فإنك إن قدرت ذلك، فأنت مخطى، لأن ما يُوازي لمعك وصليلك منى، أشرف من لَمْعك وصليلك. أنا أفعل بك يوم الروع ما يكسو جبيني وسائر وجهي ضياء، استبشارً به وفرحاً. فذلك البشر هو برقى المُوازي لبرقك، وأرتجز بشعري إذا صُلت فيقوم ذلك مقام الصليل لك فإذن لايُقصر حإلى عن حالك. ) وَلقَطْعِى بك الحديدَ عَلَيهْا ... فكلانا لجِنِسه اليوم غاز ( وهذا أيضا زيادة في تقريبه بين نفسه وسيفه. يقول: أنا أقتل أقراني وهم جنسي، وأننت تقطع عليهم الدروع والمغافر والترك، وكل ذلك جنسك، فقد حكيت فعلك في نوعك، بفعلي في نوعي. أنا انسان أقتل إنساناً، وأنت حديد تقطع حديدا. وهذا من أبدع الصنعة، مثل نفسه بذاته، في سيفه بذاته، ثم عرضهُ المتصل به الذي لا يتعداه، كالبرق والصليل، ثم في عرضه الذي يُوقعه بغيره، عن حركة واستعمال، وهو قطعُهُ الحديد، فقدم ما هو من الذات لا يتعداها، وأخر ما يتعدى الذات. فتفهمه فإنه غريب. ) كَيْف لايَشتكى وكيف تَشكَّوْا ... وبهِ لا بِمَنْ شَكَاها المرَازِى ( أي كيف لا يشتكى هذا الممدوح وهو الذي يتحمل المغارم، ويتكلف المُؤن بذاته، وماله فيه المرازي. وكيف تشكاها هؤلاء وقد احتملها هو عنهم فالعجب من شكواهم ولا زُرء بهم، ومن يحتمل الرزية عنهم لا يشتكى. فتقدير القضية: وبه المرازي لا بمن شكاها. والمرازي: جمع مرزأة، وكان حكمه المرازي، فأبدل إبدالاً صحيحا قياسيا، لانه لا يوصل بالهمزة المخففة إلا هكذا، أعنى أن نبذل ابدالاً محضاً، حتى تلحق بحروف العلة، ولذلك استشهد سيبويه على أن الهمزة تبدل إبدالاً صحيحاً في حال الاضطرار، كبيت عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: وكنت أذل من وتدٍ بقاعٍ ... يُشججُ رأسه بالفهرِ واجبى اعتقد البدل في واج صحيحاً، لأن القطعة جيمية، فالوصل ياء محضة. وهذا الاستشهاد من دقائق سيبويه، ولطائفه التي بز فيها الممارى، وسبقَ المُجارى. وله ايضا: ) فَمَتَى أقُومُ بِشُكْرِ ما أوْلَيْتَنى ... والقوْلُ فيكَ عُلُوُّ قَدْرَ القائِلِ ( أي أن مدحك يُسرف مادحك، فكما شكرتك على نوالك بالشعر، رفع شعري فيك من قدري، فاقتضاني الشكرُ على ذلك شُكراً آخر، إلى غير نهاية.) فمتى أقوم بشكرك (يُوئسُ نفسه من القيام بشكره، ويجعله داخرً في الامتناع. فهذا استفهام فيه معنى النفي، أي لا أقوم بشكر ذلك أبداً. وله ايضا: ) كأن على الجَوانِبِ منه ناراً ... وأيدي القَوْمِ أجْنحةُ الفَرَاشِ (

стр. 39

أي على جوانب هذا السيف نار. شبه لمعه إذا هُز بلسان النار، وشبه أيدي القوم في تطايرها حوالي ناره بالفراش المتهافت في النار. وقال: أجنحة الفراش. لأن طيرانها إنما يكون بالأجنحة. وقد كان يعنى من ذلك الكلام، وأيدي القوم فراش. ولكن بقوله:) أجنحة الفراش (ولا معنى لرواية من روى) كأن على الجماجم (لقوله:) وأيدي القوم (وإنما كان يسوغ لو قال: وهن أجنحة الفراش يهنى الجماجم. فأما كون السيوف على الجماجم كالنار وتطاير الأيدي مع ذلك، فتشبيه. ) يُدَمِّى بَعضُ أيدي الخيلِ بعضاً ... وما بِعُجايةٍ أثرُ ارتهاش ( العُجاية: عُصيبة فوق الحافر. والارتهاش: أن تضطرب يد الفرس، فتنعقر ذراعاه، لأن ذلك الاضطراب يحدث عنه احتكاك. فيقول: إنما دميت أيدي هذه الخيل بعجلة الهزيمة والازدحام في الهرب، لارتهاش كان أصابها. ولو وصفها بالارتهاش، كان ذلك عيباً لها، ولم يقتض مدحاً. ) لَقُوه حَاسِراً في دِرْع ضرب ... دَقِيقِ النسج مُلتَهب الحواشي ( أقام الضرب في تحصينه له، مُقام درعٍ دقيقة النسج. ووصفها بالتهاب الحواشي، ذهاباً إلى حدة ضربه. ) مِنَ المُتَمِّردَاتِ يُذَبُّ عنها ... برُمحى كُلُّ طَائره الرَّشَاشِ ( أي قوسى هذه متمردة كالشيطان المريد، أذُب عنها بالطعن المُرش. ولو قال: يذُب عنها رمحى بكل طائره الرشاش، لكان أليق؛ لأن الرمح فاعل لطعنته. والطعنة منفعلة له. فكأنه عكس إدلالاً واتساعاً. ) عَليكَ إذا هُزِلت مع الليالي ... وحَوْلك حين تَسْمَنُ في هِراشِ ( الهُزال هنا: مثل لإدبار الدُول، والسمن: مثل لإقبالها. يقول: إذا ساعدك الزمان بالإقبال عليك تهارشُوا في طلب المنفعة حواليك. وذكر الهراش تخسيساً لهم، لانه من فعل الكلاب. فإذا ألمت بك نوائبه فهم عليك أعوانه. والعرب تكنى بعلى على خلاف ما تكنى معه بمع. فمع واللام: للموالاة. وعلى: للخذلان والمعاداة. قال تعالى:) لها ما كَسَبتْ وعليها ما اكْتَسَبَتْ (ومعنى هذا البيت متداول كثير. ومنه قول بعض المُحدثين: وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عوانا وتقدير البيت: عليك مع الليالي إذا هزلت، وحولك في هراش إذا سمنت أي أنهم هم كذلك. وله ايضا: ) خَلاَ وَفيهِ اهلٌ وأوْحَشَناَ ... وَفيِه صِرمُ مُروحٌ إبله ( الصرم: الجماعة من الناس، أي إنه خال عندي وإن كان فيه أهل، لأنهم غير أحبائي الين عهدت بها، وهو موحش وإن كان فيه صرم من الناس، لعدم أولئك الأحباء. ويقويه بعد هذا: ) لو خُلِط المِسكُ والعبيرُ بها ... ولستَ فيها لَخِلُتها تفله ( وإنما تحسن الأمكنه في عيون المحبين باحتيازها المحبوبين. وقوله:) وفيه أهل (: جملة في موضع الحال. وكذلك قوله:) وفيه صرم (جملة في موضع الحال ايضا، فاذا رددتها إلى الإفراد. فكأنه قال: خلا عامراً، وأوحشنا آهلاُ. ) يَنْصُرها الغَيثُ وهيَ ظامِئةٌ ... إلى سِواهُ وسُحْبُها هطله ( ينصرها: يُسقيها. قال: من كان أخْطَاهُ الربيعُ فإنما ... نُصِرَ الحجازُ بغَيثِ عبد الواحِدِ وإنما قيل في المكان المسقى: نصره الغيث لأن المكان في غالب الأمر إنما يهُجر لجدبه. فذلك الخجر خذل له. فاذا سُقي أعشب وأخصب فاستدعى من رحل عنه، فكأنه نُصر بالمعاودة، كما خُذل بالترك، ولذلك دعُى للدار بالسُّقيا، لتخصب فيعاودها من حل بها، فيعود عامراً ما كان منها غامرا. ويقول: الدار ظامئة إلى من رحل عنها، إلا إلى الغيث الي ينصُرها ها وسحبها هطلة، ليكون لك أبلغ في استغراب الظمأ. وما أشبه ها بقوله: إذا أردت كُميت اللون صافيةً ... وجدتُها وحبيبُ النفسِ مفقودُ قوله:) وهي ظامئة (: جملة في موضع الحال. وكذلك) وسحبها هطلة (والسحب: جمع سحاب لا جمع سحابة لأن) فَعَالة (لاتكسر على فُعُل. إنما سجمع سحابة: سحائب. ) واحرباَ منك يا جِدَايَتهَا ... مُقيمة فاعلمي ومُر تحلهْ ( الجداية: الظبية. أي: واحربا منك ياظبية هذه الدار. أقمت أو منُعتِ منى وقُصرت عنى. فُمقامك وارتحالك سواء، كلاهما عائد علي بالحرب، وهو الهُلك. ومثله قول الآخر: ) والقريب الممنوعُ منك بعيدُ (

стр. 40

وقوله؛) منكِ (: أي حُبك ومن أجلك واستعمل) وَا (هنا دون) يا (. لانه أشهر أعلام التفجُّع والنُّدبة. ) وَبيضُ غِلمانِه كَنَائِلهِ ... أولُ مَحْمُولِ سَيْبِه الحَمَلَهْ ( جعلهم محمولين لأنهم إذا حملوا إلى المعطين البدر والثياب كانوا في جملة الهبات فكأنهم حملوا أنفسهم مع حملهم الهبات. وقوله:) أول محمول سيبه (قدمهم في السيب لأنهم أشرف أنواعه. وقال:) بيض غلمانه (يعني: الصقلب والروم لأنهم أثمن من الزنج والنوب وأحسن في الأعين وهذا البيت كقوله: كأن عطياتِ الحُسين عساكرٌ ... ففيها العبدى والمُطَهَّمة الجردُ ) وراكب الهّوْلِ يُفتره ... لو كان للِهولِ مَجزِمٌ هزله ( أي إنه يركب الهول دائما، لا يُفتره ولا يُريحه، فلو تجسم الهول، فكان مركوباً يُشد عليه الحزام، لهزل ذلك المحزم، بدوام الركوب وملازمته، وخص المحزم دون طوائف الجسم، لانه موضع الركوب والهمْز. ) قد هَذَّبَتْ فَهمَه الفَقَاهَةُ لي ... وهَذَّبت شعِرِي الفصاحةُ له ( والفقاهة: الفهم. تقول العرب: ماله فقاهة ولا فصاحة. يقول: فقاهته في الشعر قد هذبت فهمه لي، باستحتانه ما أنقح من شعري فيه، حتى مايستحسن غيره من الشعر المتعسف المخْشُوبِ. وهذبت فصاحته شعري له، أي لما علمت إنه فصيح، نقيت ألفاظ شعري واستجدتها، فكانت فصاحته هي التي هذبت شعري. ) فَأكبروا فِعلهُ وأصغرهُ ... أكبرُ من فِعْلهِ الذي فعله ( أي أعظموا فعل أبى العشائر، وأصغره هٌوَ، أي استصغره، لانه صغير بالإضافة إليه، كما هو عظيم بالإضافة إليهم. ثم قطع فقال:) أكبر من فعله الذي فعله (: أي الفاعل أكبر من الفعل المنفصل عنه. ) فصرتُ كالسيفِ حامداً يَدَهُ ... ما يَحْمَدُ السَّيفُ كلَّ مَنْ حَمَلَهْ ( أي أجاه الفهم عنى، كما أجاد الضرب بالسيف، فأنا كسيفه في أنى أحمد فهمه، كما يحمد السيف يده. إلا أن السيف يحمد منه جُسمانياُ وهو يمده وأنا احمد منه نفسانياً وهو فهمهُ. ) ما يحمد السيف كل من حمله (: أي ليس كل حامل له يجيد الضرب به، فيكون حامداً لكل من حمله. وكذلك أنا، ليس كل أحد يفهم شعري، فأحمدهم كما حمدت هذا الممدوح. وله ايضا: ) أعيدُوا صَبَاحيِ فَهْوَ عِنْدَ الكَواعبِ ... ورُدُّوا رُقادى فهو لَحْظُ الحَبَائِبِ ( إن شئت قلت: طال على الليل فلا صباح، وأسهرني الحزن فلا رُقاد، وكل ذلك بمغيب من أحببت. فيقول: أعيدوا الكواعب الي، فإذا كان ذلك قصُر ليلي، وجاء الصباح. وردوا الحبائب إلي، رُقادى عندهن، فإذا عُن عاودني نومي. وإن شئت قلت: غاب عنه الصباح بمغيب الكواعب، لأن الدنيا تظلم على المحزون، فاذا أراد أن يُرد ذلك عليه، استدعى أن يُرد إليه الرُقاد. لانه قد كان يرى الخيال فيه وفي الخيال أنس فلما عدم الرقاد، عدم الخيال الذي كان يأنس به. وقوله:) فهو لحظ الحبائب (أي أن سبب رُقادي نظري إليهن، فاذا لم ألحظهن سهرتُ غرضاُ إليهن. ) أرَاكِ ظَننتِ السِّلْكَ جسمِي فَعُقْتِه ... عليك بِدُرً عن لِقاء الترائِبِ ( السلك: الخيط. يقول: عهدت جسمي ناحلاً؛ فلما رأيت السلك حسبته إياه؛ ومن عادتك البخلُ بالعناق. فَحَجَزْتِ بين السلك وبين ترائبك بنظام الدُّر عليه، جرياً على ما اعتدته من البخل. وقوله:) عليك (: ظرف في موضع الحال. ) إليك فإنى لستُ ممن إذا اتقى ... عضاض الأفاعي نام فوق العقارب ( ضرُّ العقرب، أسهل من ضر الأفاعي، فهو يزجُر عاذلته على اقتحام المهالك، والاهجام على صعاب المالك، فيقول لها: إليك؛ فإنى لا أصبرُ على الصغير من الأذى، فرقاً من العظيم؛ وإن كان أيسر من الموت؛ كما أن سم العقارب أخفٌّ من سم الأفاعى؛ وأبلغ من هذا قولهُ: إن المنية عند الذلِّ قنديدُ ) أتانى وعيدُ الأدعياء وأنهم ... أعدوا لي السودان في كفر عاقب ( ) كفر عاقب (: موضع بالشام، وأرصد له فيه قوم يريدون إهلاكه.) والأدعياء (: ناس ادعوا إلى على ﵇. ) ولو صدقُوا في جدهم لحذرتُهم ... فهل في وحدى قولهم غير كاذبِ (

стр. 41

أي لو صدقوا هؤلاء الأدعيان المُوعدُون لي، في ادعائهم قُربي على عبسه السلام، لحذرتهم لشرفهم، ولكنهم يكذبون في ذلك، فهل في وحدي يكون قولهم صادقاً، كما يكونون في نسيهم، كذلك يكونون في توعُّدهم إياي. ) بأيِّ بلادٍ لم أجُر ذوائبي ... وأيُ مكانٍ لم تَطأهُ ركائِبيِ ( أما جرُّه ذوائبه: فكناية عن الغزل والتغني، كقول الآخر: أيام أسحبُ لمتى عفر الملا ... وأغُضُ كل مُرجلٍ ريان وأما وطء ركائبه المكان، فكناية عن الغزو، يقول: كل مكان قد شاهدت إما طالب غزلٍ أو غازى أملٍ. ) كأن رحيلي كان من كف طاهرٍ ... فاثبت كُوري في ظهُور المواهب ( أي أن مواهب هذا الممدوح مُشَرقة ومُغربة. فكأن رحيلي كان من كفه، وهي مكانُ العطايا، فأثبت كُوري في ظهور مواهبه فهي تُشرق بي وتغرب. ووجه اتصال هذا البيت بالذي قبله، أي لم أدع موضعاً إلا أتيته، كما أن مواهب طاهر لم تدع موضعاً إلا أتته. وإنما صح لي ذلك بإثباته رحلي على ظهور مواهبه السيارة. وجعل للمواهب ظهوراً، لذكره الكُور الذي موضعه الظهر. وهذا مجاز. إذ لا ظهر لمواهبه ولا بطن. ) فَلم يبق خَلقٌ لم يرِدن فِناءَهُ ... وَهُن له شِرْب وُرُودَ المشارب ( يُحقق تشريق مواهبه وتغريبُها، وأخذها من الدنيا في كل أفق وقُطر. فيقول: لم يبق خلق إلا وقد وردت هبات طاهر فناءه؛ إما قادماُ بها من لُدنه، وإما محمولة اليه. والخلق هنا: بمعنى المخلوق، إذ لا معنى للمصدر في هذا الموضع. ) وهُن له شِرب وُرُود المشارب (: أي وهي وإن كانت مشارب للآملين، فإنها تطلب الآملين الزُّوار؛ مع طلبهم إياها طلب العطاش لمشارب. وقوله:) وهُنَّ له شِربُ (: يتعجب من أنها لهم شرب، وهي تطابهم طلب الظمآن للماء. وهذا نحو قول أبى تمام: فأضحت عطاياهُ نوازع شُرداً ... يُسائلن في الآفاقِ عن كل سائِل لا أن بيت أبى الطيب أغرب. وتلخيصه: فلم يبق خلق لم يردن فناءه وُرُود المشارب، على أنهن شرب لذلك الخلق. ) فقد غَيَّبَ الشُّهادَ عن كل موطنٍ ... وردَّ إلى أوطانه كل غائبٍ ( أي دعا صيتهُ في السا الناس حتى غابُوا عن أوطانهم، مسافرين إليه. ثم أغنى هؤلاء السفر؛ فردهم إلى أوطانهم، وكفاهم عن السفر إلى غيره، بما أفادهم إياه. قال بعض النُّفاد: وهذا كقول أبى نُواس: واذا المطى بنا بلغن محمداً ... فظهورُهن على الرجال حرامُ وليس عندي مثله، لأن المتنبي قال: أغنى هذا الممدوح قُصاده، وردهم إلى أوطانهم، فكفاُهم السفر. وأبو نواس قال: إذا بلغتِ المطىُّ بنا هذا الأمير، حرمنا ظهورها على الرحال؛ أي لم نركبها أبداً؛ ولا امتهناها، جزاء لها على تبليغها إيانا أملنا من لقائه. ولم يذكُر عطاء؛ ولا كفاية سفر، ألا تراه يقول بعد هذا؛ مُبينا لعلة تحريم ظهورها على الرجال: قَرَّبْننا من خير من وطئ الحَصَى ... فَلَها علينا حُرمة وذمامُ ) أناسٌ إذا لاقواعدى فكأنما ... سلاحُ الذي لا قوا غُبارُ السلاهبِ ( السلاهب: الطوال من الخيل وغيرها. وإن شئت قلت: سلاح أعادبهم بمنزلة غبار الخيل في أنه لا يعبأ به. وخص السلاهب، لأن الطوال أخفُّ، فغبارها أخف. وإن شئت قلت: إن سلاح من لقيهم إنما هو إثارة الغبار بالهرب والانهزام، وجعل ذلك سلاحهم، لانه هو الذي يقيه كما يقى السلاح غيرهم، أي ذلك الذي يقوم لهم مقام السلاح. وإن شئت قلت: كان السلاح هنا الدروع والجُفن أي هي عليهم أوهى نسجاً من الغُبار تحرقها الرماح، كقوله في صفة الرماح: قواضٍ قواض نسج داود عندها ... إذا وَقَعَتْ فيه كَنَسجٍ الخدرنق الخدرنق: العنكبوت؛ شبه الدروع في خرق الرماح لها، وسهولة ذلك منها عليها، ببيت العنكبوت. ) رموا بنواصيها القسى فجئتها ... دوامى الهوادى سالمات الجوانب ( أي رموا نواصي هذه الخيل بالقسى، فعكس،) ومثله كثير (؛ فجاءت دوامى الهوادى، وهي الأعناق والمقَاوم، لأقدامها. وسلمت جوانبها، لأنها لم تستعرض ولم تستدبر. وكنى بالجوانب هنا عن الأعجاز والأعطاف جميعاً، وهم يصفون المُقدم بأن جُرحه في أمام جسمهن والمُدبر بخلافه، كقول القُطامى: ليست تجرحُ فُراراً ظهورهُم ... وفي النحور كُلوم ذات أبلادِ

стр. 42

وقوله:) دوامى الهوادى (: اراد دَوَامى، فسكن اضظراراً. ) يَقولوُن تأثير الكواب في الورى ... فما بالهُ تأثيره في الكواكب ( أثر فيها باعتلائه عليها. يقول: أثر هو في الكواكب؛ وهو من الورى فكيف زعموا أن الكواكب تؤثر في الورى. يذهب إلى تكذيب المنجمين، فيقع فيما هو أوحش وأفحش من قولهم، وهو قوله: إن هذا الممدوح أثر في النجوم بفضله عليها. وهذا نحو قوله: فتباًّ لدِينِ عَبيدِ النُجُوِم ... وَمَنْ يَدَّعِي أنها تَفْعَلُ وقَد عَرفتكَ فما بالُها ... تَراكَ تراها ولا تَنزِلُ ) يرى أن ماما بان منك لضاربٍ ... بأقْتَلَ مما بان مِنْك لعائِبِ أي يرى أنه ليس الذي بان منك لضارب، بأقتل مما بان منك لعائب. أي العيب أقتلُ من الضرب. ففي) أن (مُضمر على شريط التفسير، وما الأولى نفي، والثانية بمعنى الذي والجملة بكليتها تفسير المضمر على شريط التفسير. ) حَملتُ اليه من لِساني حديقةً ... سَقَاهاَ الحجا سقْي الرياض السَّحائبِ ( الحديقة: الروضة. شبه القصيدة بها في حسنها، إلا أن الذي قام لها مقام السحاب للحديقة، إنما هو هقلي، بأنه سقاها بفكره وبأمله، سقى السحابِ الرياض، كقول أبى تمام في صفة الشعر: ولكنه صوبُ العُقُول إذا ابجلتْ ... سحائبُ منه أعقبتْ بسحائبِ وأراد سقي السحاب الرياض فصل بين المضافين اضطراراً. وله ايضا: ) كتمتُ حبك حتى عنك تكرمةً ... ثم استوى فيك إسرارى وإعلانى ( أي كَتَمتُ حبي عن الأنام، حتى عنك وإنما كان كتمانه تكرمة لك، ثم غلبني ذلك فاستوى سري وجهري أي أظهرت منه مثل ما كنت أخفي. ) كَأنه زَادَ حَتى فَاض عَن جسدِي ... فَصَارَ سُقمى به جسمِ كتمانى ( أي كأن الحب زاد حتى سَقِمتُ، فغاض بعض سُقمى إلى جسم كتمانى، فمرض الكتمان، وبطل، فظهر الحب. وهذا اعتذار منه إلى محبوبه في إعلانه بحبه. أي إنما كان ذلك لهذا. واستعار للكتمان جسماً، وان كان عرضاً، لانه ذكر السُّقم، والسُّقم عرض، والعض لابد له من محل. وان شئت قلت: الهاء في كأنه راجعة إلى الكتمان. وإن لم يجر له ذكر كقوله: من كذب كان شرا، أي كان الكذب شرا له. حكاه سيبويه. ومثله كثير في التنزيل وغيره. فيكون المعنى على هذا، كأن الكتمان فاض عن جسدي فتغشى الجسم؛ واستتر العرض في أغلب الأمر. ولما قال إن الكتمان مشتمل على الجسم كاشتمال الثوب، استجاز أن يجعل الكتمان جسماً مؤلفا، وقد خفي جسمه وظهر ما فاض عليه من الكتمان، فكأن السُّقم في جسم الكتمان. وله ايضا:) ولقد علمنا أننا في طاعة الفراق والانقياد له، لتيقننا الموت، الذي هو أشد أنواع الفاق، لانه اضطراري الوجود، وغيره من أنواع الفراق ممكنٌ لا واجب، وكأنه قال: نحن متيقنون لوقوعه، لعلمنا أننا نموت. وذكر الطاعة، لأن الامتناع من الموت ممتنع. ومن ظريف هذا البيت: أيجابه إطاعة الجنس، وجعله علة ذلك إطاعة النوع الضروري، لأن النوع قابل لاسم الجنس. وهذا منه تفلسف منطقي بديع. وله ايضا: ) أعلى قناة الحُسين أوسطُها ... فيه وأعْلَى الكمى رِجْلاهُ ( ) فيه (: أي في المأزق. ومعناه: أنه لما طعن بها الفارس تحنَّت، وتقوست أحد طرفيها في المطعن والآخر في يد الطاعن، فيعتمد عليه، فصار أوسطها أعلى أنبوب فيها.) وأعلى الكمى رجلاه (أي يطعُن الفارس فيخر مكبواًّ: أعلاه رجلاهُ وأسفله رأسه. ) تُنشدُ أثوابا مدائحه ... بألسن مالهن أفواهُ ( أي تدل من رآها أنا قد مدحناه، فأخذنا مدحه، فتخبر عن جودة المدح بجودتها، اذ لا يكافئ الممدوحُ الناقد بالجيد إلا على الجيد. وقيل: عنى أنها جُدد، فهي تُقعقُع. وهذا لا يلتف اليه. ) إذا مَرَرنْا على الأصم بها ... أغْنَتْه عن مِسْمَعَيْهِ عَيناهُ ( ) بها (: أي بالحُلل. ويقول: إذا رأى الأصمُ علينا هذه الحلل التي كساناها ابو العشائر، علم أننا داعون له من أجلها، وشاكرون عليها، لما يُرى من بهائها وسنائها وإن لم يسمع شكرنا إياه، ولا دعاؤنا له. فعيانه موثوفٌ به، بل هو أشد إعراباً عن ذلك من اللسان. لأن اللسان ربما حذف إما اختصاراًوإما لُكنة. ونحو هذا البيت قوله هو: خلفت فاتُك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا

стр. 43

ونظير البيت الاول قول الأسود، وهو نُصيب: فعاجُوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتُوا أثنت عليك الحقائبُ وقال قوم لم يكنك يا أبا العشائر، فقال: ) قالُوا ألم تكنه فقُلْتُ لهُم ... ذلك عى إذا وَصَفْنَاه ( قالوا) ألم تكنه (: يُخرج ظاهره على أنه كناه، لأنك إذا قلت مُنكراً: الم تقم؟ فمعناه: قد فعلت القيام. وإذا قلت أقُمْت، لم يكن فيه غثبات إنه قام، وإنما هو إنكار امر القيام. والمتنبي لم يُكن أبا العشائر في القطعة التي قبل هذه. وإنما قال له هؤلاء المطالبون المتتبعون لزلله:) ألم تَكْنه (؟ وهم مستفهمون لا منكرون، فلم يشعر هو لمكرهم، فاعترف لهم، فقال: لا. ثم أعلم ما حاوله هؤلاء الحاسدُون منه، فقال ها الشعر معتذراً وحكى كا واجهُوه من لفظ الاستفهام. ) لايتوقى أبُو العَشَائرِ من ... لَبْسِ معاني الورى بمعناهُ ( أي إن صفاته مُغنية عن تسميته وتكنيته، لانه منفرد يها لا يُشرك) فيها (اذ هي صفات لا يُحلى بها غيره. فصارت كالاسم، بل هي أشد اختصاصاً به من الاسم والكنية،، لأن حُسناً وأبا العشائر كثير. والصفاتُ التي لأبى العشائر ها، لا تلحق إلا إياه. فصارت لاته كالحد للنوع المحدود. وللك سمي تكنيته مع وصفه إياه عيا. وله ايضا: ) كيف ترثى التي ترى كُل جفنٍ ... راءها غير جفنها غير راقي ( أي لا يسعها الرثاء للباكين، لانه يبكي من هجرها واحد، بل كل واحد وإنما كانت ترثى لو انفرد باك بالبكاء، فأما جميع الباكين من هجرها فلا يسعهم رثايتها لهم. وإن شئت قلت: إن كل جفن رآها بكى من هجرها إلا جفنها وحدها، فانه لا يبكى، لأنها لا تهجره. ويُقوى ذلك بعد هذا: ) أنتِ مِنا فتنت نفسك لكن ... كِ عُوفيتِ من ضنى واشتياق ( فهي لا ترثى لذلك من غيرها؛ لأنها مُعفاة منه. وتقدير البيت: كيف ترثى التي ترى كل جفن رآها غير راقٍ إلا جفنها) فغير جفنها (استثناء) وغير راق (حال. وإذا رددت غير راق إلى الاسم المحصل فكأنك قلت: كيف ترثى التي ترى كل جفن رآها باكياً، لأن) غير راق (معناه: باك كما أنك إذا قلت: زيد غير عالم. فغير عالم كقولك: جاهل واراد: راقئا، فأبدل إبدالاً صحيحاً، للوصل. ) لو عَدَا عَنْك غَيْرَ هَجْرِك بُعد ... لأرَار الرسيمُ مُخ المناقى ( عدا: صرف وارارِ: ذاد. والرسيم: ضرب من السير. والمناقى: الإبل السمان. أي لو كان المانعُ عنك بعداً لا هجراً، لسرنا دأباً حتى تُهزل إبلنا، فيذوب مُخها، فاكتفى بذكر المسُبب عن ذكر السبب. ومثله قوله: أبعدُ نأى المليحة البخلُ ... في البُعد مالا تكلفُ الإبلُ ) وَلَسِرْنا وَلَوْ وَصَلْنَا عَلَيْها ... مِثْلَ أنفَاسِنَا عَلَى الأرْمَقِ ( الأرماق: البقايا. أي سرنا إليك على هذه الإبل التي كانت تعود أرماقا ونحن كالأنفاس عليها خفة، لما لحقنا من النحول: كقوله: برتنى السُّرى برى المُدى فرددننيِ أخف على المركُوب من نفسي جرني) فمثل أنفاسنا (: حال من الضمير الذي في وصلنا) وعلى الأرماق (ظرف متعلق بأنفاسنا. وإن شئت قلت: ولو وصلنا على هذه الإبل فقد استكرهت حملنا فضعقت عنه لما لحقها من المشقة، كما استكرت أرماقنا حمل أنفاسنا لذلك. ) كاثرت نائل الأمير ممن الما ... لِ بما نوَّلت من الإيراق ( الإيراق: التجنيب والمنع. يقول: كاثرت عطاء الأمير بمنعها. يصفها بكثرة ذلك منها. فكأنه قال: عارضت جُودهُ ببخلها، ليكون أبعث على حبها كقول العرب:) تمنعى أشهى لك (. وقد يكون أنه وصفها بالعفة، كما وصف الأمير بالكرم؛ أي أن عفتها في نوع العفة، ككرم الأمير في نو الكرم. ) يابني الحارث بن لقمان لاتَع ... دمكُمُ في الوغى متون العتان ( في الوغى اختصاص حسن. يصفهم بالشجاعة إذ لا يُدمنُون ركوب الخيل أبدا لإراضتها وسياستها. ) طاعنُ الطعنة التي تطعنُ الفي ... لقَ بالذُعر والدم المهراق ( الفيلق: الكتيبةُ. والذعر: الفزع. أي أنها طعنة تملأ صدور الكتيبة كلها ذُعراً، وإن لم تكن تقع الطعنةُ إلا بواحد. فكأنه بذلك قد طعن الفيلق كله، فيفرُّون. ) همُّهُ في ذوى الأسنة لا في ... ها وأطرافُها له كالنطاقِ (

стр. 44

أي حفت به الأسنة، حتى صارت له كالنطاق، فهمهُ حينئذ في قتل ذوي الأسنة؛ لهوانها عليه، وحقارتها لديه. وقوله:) وأطرافها كالنطاق (: جملة في موضع الحال، يستغرب ذلك وهذه حال. وشبههه بعض النقاد بقول أبى تمام: إن الأسود أسود الغاب همتُها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلبِ وليس مثله، لأن أبا تمام نفي عن الممدوح حُب سلب وأبو الطيب ذكر أن أبا العشائر لا يعبأ بالأسنة المحدقه به لشجاعته، ولم يذكر حُب سلب ولا ضده، وقال:) وأطرافها (ولم يقل) هي (، لأن الأسنة لم تخالط لحمه بعدُ، وإنما هي على ظاهر جسمه، فأطرافها هي المحدقة به لا جُملتها. ) جاعلٍ درعه منيتهُ إن ... لم يكن دُونها من العارِ وَاقِ ( أي يجعل درعه منيته التي تقيه العار، إذا لم يجد غير الموت واقياً. وكان أظهر من ذلك - لو اتزن له - أن يقول: جاعل منيته درعه. ) والاسى قبل فُرقةِ الرُّوح عجزٌ ... والاسى لا يكُون بعد الفراق ( يُسفه رأي من شح بنفسه وجبُن. فيقول: لامعنى للأسى قبل فرقة الروح، لانه في حد الوجود، فإذا حل به العدمُ وأزال الوجود فلا أسى هنالك؛ فمن الحُكم ألا يكون أسى. وقيل: الأسى لا يكون بعد الفراقن وإنما هو قبل الفُرقة، فعلى هذا يكون صدر البيت تسفيهاً لرأي المشفق على الذات، وعجزهُ اعتذار له. ) ليس قولي في شمسِ فِعلك ... كالشمس ولكن ي الشمس كالإشراق ( جعل لفعل شمساً: استعارة لحسن أفعاله وإنارتها. فيقول: ليس ثنائي عليك في نوع الثناء؛ مثل فعلك في نوع الفعل، ولكن فعلك شمس وثنائي إشراقها، أي أن ثنائي ينشُرها فعلا ويُبينه كما يُظهر الإشراقُ جوهر الشمس وكنى عن فعله بالشمس، وعن ثناثه بالإشراقُ، لأن الشمس أشرقُ من الإشراق؛ من حيث كانت جوهراً والإشراقُ عرضٌ فيها. وله ايضا: ) ولو لم أخف غير أعدائه ... عليه لبشرتُه بالخُلُود ( غير أعدائه: الحمام البيعي. فيقول: لو أخف عليه الموت إلا من قبل أعدائه لتيقنت أنه خالد؛ لقصور عداهُ عنه. وهو نحو قول جرير: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يامربعُ إلا أن قول أبى الطيب أبلغ جريراً بشر مربعا بطول السلامة، ولم يفصح بالخلود. وأبو الطيب اراد أن يبشره بالخلود. وله ايضا: ) قطعت ذياك الخُمار بسكرة ... وأدرتْ من خمر الفراق كُئوسا ( الخُمار: أخف من السكر. فيقول: كنت أشكو هجرك مع القرب، فأتبعني بينك، وهو أشد من الهجر الذي كان مع دُنو الدار، وقرب المزار. وكثيراً ما يستعمل هذا النحو، أعنى أنه يستصغر العظائم، بإضافتها إلى ما هو أعظم منها، كقوله: وقد كنتُ قبل الموت أستعظم النوى فقد صارت الصُّغرى التي كانت العُظمى وكقوله: ولم يُسلها الا المنايا وإنما ... أجلُ من السُّقم الذي أذهب السُّقما ) وَبه يُضَمن على البرية لاَبِهاَ ... وعليه منها لاَعَلِيْه يُوسى ( أي يضن على البرية أن يُعد منها وإن كان من نوعها، لانه أشرف منها جوهراً وفعلا. فكأنه أنما يعُد في نوع آخر غير نوع الإنسان، ولا يُنفس بالبرية عليه، لأن خطره أنفس من خطرها، فتقديره: لابها عليه.) فحذف عليه (للعلم بها، وكذلك يُحزن عليه منها: أي يُحزن على أن يُعد منها، فُيبخس حقه، ولا يُحزن عليها من كونه معدوداً فيها بالنوعية، لأنها دونه في القدر والخطر. وإن شئت قلت: إنه إنما يُحزن عليه من بينهم إذا هلك، لا عليها إذا هلكت، لعجز غنائها عن غنائه. فمن على القول الاول للعلة أي من أجلها، وعلى القول الثاني بمعنى من بينها. وأراد:) يُءسى (؛ فأبدل إبدالاً صحيحاً للردف، في قول أبى الحسن وهو تخفيفٌ قياسي في قول أبى عثمان؛ لانه يرى الردف يالتخفيف القياسي معامل للفظ. وله ايضا: ) مَرَتْكَ ابنَ إبراهيم صافيةُ الخمرِ ... فَهُنئتها من شاربٍ مُسكرِ السُّكْرِ ( أي أنت سكران صاحياُ بأريحية خلتك؛ فإذا شربت الخمر أسكرتها بفضل سكر أريحتك. وقال مُسكر السكرِ ولم يقل مُسكر الخمر لأن إسكاره السكر أبلغ من إسكاره الخمر. وهو أذهب في الشعر وأغرب؛ لأن العرض لا يحملُ عرضاً؛ فتفهمه. وقال: مرتك؛ وإنما هو مرأتك؛ فأبدل إبدالاً صحيحاً، كقوله:) فارعى فزارة لا هناك المرتعُ (. وله ايضا:

стр. 45

) يا أخت مُعتنق الفوارسِ في الوغى ... لأخُوكِ ثم أرقُ منكِ وأرحمُ ( ) يرنُو إليك مع العفاف وَعندهُ ... أن المحبوس تُصيبُ فيما تحكمُ ( قيل: يخاطب محبوبته. جعلها أختاً تعففاً عنها، وتنزهاً عن الفجور بها.) لأخوكِ (: يعني نفسه.) ثم (: أي في موضع القتال. و) اعتناق الفوارس (أرق منك في الهولا وأرحم، ذلك على قساوته في الحرب، برنو إليك مع العفاف. . . البيت. أي أن أخاك وهو يعني نفسه ينظر إليك فيعجبه حسنُك، إلا أنه يعفُّ تشرفاً لا تديناً، وعنده مع عفته، أن المجوس تُصيب في حكمها الذي هو نكاح الأخوات. إن شئت قلت: إنه يتعزل بأخت رجل شجاع، فيقول لها: أخوك على شدته وبسالته، أرقُ منك وأرحم، ثم أخبر عنه أنه يرنو إليها مع العفاف الذي تُوجبه منافرة الطبيعة لنكاح الأخوات، فيذُم نفسه على ذلك العفاف الطبيعي. وعنده أن المجوس تصيب في نكاح الأخوات. وقد قيل في هين البيتين قول لا ينبغي أن يُلتفت إليه لسُخفه. وقولُه المجوس: اراد المجوسيين، فلذلك أجل عليه الألف واللام. ولو عنى القبيلة لقال إن مجُوس كقوله: أحار أريك برقاً هب وهناً ... كنَار مجَوسَ تَسْتَعِر اسْتِعارَا ) راعتك رائعةُ البياض بعارضي ... ولو آنها الأولى لراع الأسْحمُ ( الرائعة: اول ما يظهر من الشيب. والعرب تصف المرعى بالسواد، فاذا حلت الشيبةُ جعلوها) راعية (لذهاب السواد، كما تُذهب الراعيةُ من الماشية حضرة المرعى. ) ولو آنها الاولى لراع الأسحم (: أي لو تقدم البياض قبل السواد، ثم أعقبه السواد لكان اروع؛ لأن السواد أروع من البياض وأهول. ) والظُّلمُ من شيم النُّفُوسِ فإن تجد ... ذا عِفةٍ فلعلة لا يظلمُ ( المعنى: والظلم من تأليف خلق النفوس. ومعنى الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. وتأليف النفوس من اربعة أشياء متنافرة: من حار رطب، وبارد رطب، وحار يابس، وبارد يابس. وهي ما اعتدلت صلح الجسم، واذا اختلفت فسد الجسم، فهل يوجد؟ ) وتراه أصغر ما تراهُ ناطقاً ... ويكون أكذب ما يكونُ ويُقسمُ ( أي يعظم ساكناً بهيبته، فيغُرُّ من رآه، فاذا تكلم صغُر من لكنته، كقوله: وكائن ترى من صامتٍ لك مُعجبٍ ... زيادتهُ أو نقصُه في التكلمِ ) ويكون أكذب ما يكون ويُقسم (: أي إذا تناهى في الكذب أقسم عليه أنه حق له. وله ايضا: ) كُنْ لُجنة أيها السماح فقد ... آمنه سيْفُه من الغرقِ ( الُّلجة مهلكه للأرواح، والسماح مهلكة للمال. فيقول: أيها السماح اعظُم، حتى تكون لُجة مُهلكة لما له، فإن سيفه يحلف عليه بالإغارة والنُهبة جميع ما تتلفه أنت. ولما جعل السماح لجة استعار اسم الغرَق للفقر. ونظير هذا قول الشاعر: ومن يفتقر منا يعشْ بُسامهِ ... ومن يَفتقِرْ من سائر الناس يسألِ. وقال: كن لُجة، ولم يقل: كن بحراً، لأن اللجة اهول ما في البحر ألا ترى أن العرب تسنيها) العَوْطب (، لما يحدث فيها من العطب أو يُخاف، ولم يُسَمُّوا جملة البحر عَوْطَبا. وله ايضا: ) أنا بالوُشاة إذا ذكرتُك أشبهُ ... تأتي الندى ويُذاعُ عنك فتكرهُ ( الكريم يكره ذكر إحسانه إلى مُؤمليه، حذار أن يُظنوا ذكر ذاك اعتداداً به عليهم ومنا، فكأن من يذكره عنه؛ يُشيع عنه ما يكره إشاعته؛ وينمُّ به. والقطعة رائية؛ ولا تكون هائية؛ لأن بعد هذا البيت بيتاً آخرُه) نَصْرهُ (؛ فهذه هاء إضمار؛ متحركٌ ما قبلها؛ وهاء الإضمار المتحرك ما قبلها؛ لا تكون رويا. فإن قال قائل: قد قال في المصراع الاول من هذا الشعر) أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبهُ (فقفى بالهاء. قُلتَ: لم يُقف بهاء. وليس الشعر بمصرع، وإنما هو في البُعد من التصريع، بمنزلته لو قال:) إذا ذكرتك أمثلُ (مع قوله تكره. فهذا احتيالُ لطفه له أهل بغداد. والذي عندي أن أبا الطيب كان جاهلا بصناعة القوافي؛ فانها مهنة دقيقة يعجز عنها الشعراء؛ ويفلطون فيها. نعم؛ وقلَّ من يعرفها من النويين إلا الخليل وأبا الحسن إماميها وقليلاً بعدهما. وله ايضا: ) ومن خُلقتْ عيناك بين جُفُونهِ ... أصابَ الحدور السَّهل في المرتقى الصعبِ (

стр. 46

أي أن قلبي متنزه بمناعته؛ أي بشجاعته؛ دافع عن نفسه ببأسه. ولكن من كانت له عين كعينك، أصاب الأمر الصعب بالسعى السهل. أي فذلك ممكن لك منى على تمنُّعه على غيرك. والانحدار سهل، والاؤتقاء صعب. فمن كان الارتقاء عليه في سهولة الانحدار؛ فكل صعب له سهل، كقول البحتري: ومُصعدٌ في هضاب المجد يطلُعُها ... كأنه لسكُون الجأش منُحدرُ وقد بالغ أبو الطيب بالمقابلة بين الحدور السهل والمرتقى الصعب؛ لسرى طبيعة الضد في الوصفين والموصُوفين. قابل الحدُور بالمرتقى، والسهل بالصعب. ولو أمكنه أن يقابل الحدُور بالصعود؛ لكان أذهب في الصنعة. ليوازن اللفظين. وله ايضا: ) وفاؤُكُما كالربع أشجاهُ طاسمُه ... بأن تُسعدا والدمعُ أشفاه ساجمهُ ( يخاطب خليله. وإنما كثرت مخاطبة العرب خليلين وصاحبين؛ دون أقل أو أكثر؛ لأن أقل السفر المتُرافقين ثلاثة، فالواحد يخاطب صاحبيه. يذهبون في ذلك إلى أنه إن اختلف الاثنان قتل الأقوى الأضعف. فاذا كان لهما ثاث؛ توسط فحال بينهما في الأغلب. فلذلك لم يصطحب في الأكثر أقلُّ من ثلاثة لهذه العلة. هذا معنى مخاطبة العرب في أغلب الأمر الاثنين، حتى تجاوزوا في ذلك إلى أن خاطبوا الواحد بخطاب الاثنين؛ كقوله تعالى:) ألْقَيا في جَهَنَّم (. ومن كلامهم: ياحَرسيُّ اضربا عُنقه. وقال: فإن تَزْجُرانى يابن عفان أزدجر والطاسم: الدارس. وأشجاه: أشدُّه إشجاء وإحزاناً. ولا يكون فعلا، لمقابتله إياه بقوله: أشفاه. وأشفى: اسم لا فعل. يقول: وفاؤكما أيها الخليلان بأن تسعداني على بكائي في هذا الربع الدارس، كهذا الربع الذي بكيتهُ، وذلك في ترك المساعدة في الوقت به معي، ففي ذلك أشبه وفاؤكما للربع دروساً وطُموسا. ثم قال:) والدمعُ أشفاه ساجمه (: أي لا تلوماني على البكاء، فان أشفى الدمع ساجمُه. وقد يجوز،) والدمعُ أشفاه ساجمه (: أي بالإسعاد وبالدمع الذي أشفاه ساجمُه. أي: وفاؤكما بالإسعاد لي، والبكاء معي. ) دارسٌ (قد قارب العدم، كما أن الربع كذلك، فكلا كما أشجاه لي مادرس، وقد يقنع المشُوقُ من صاحبه أن يقف معه على الربع عاذلاً، أو عاذراً، وإن لم يشركه في شوق ولا بكاء، كقول البحتري: قف مشُوقا أو مسعداً أو حزيناً ... أو مُعيناً أو عاذراً أو عذولاَ فقد يجوز أن يكون أبو الطيب عدم هذا كله من خليله، وأبيا موافقته على وجه: لا مشوقين ولا مسعدين، ولا عاذرين. والدمع على هذا، معطوف على موضع) بأن تسعدا (أي بالإسعاد. وبالدمع الذي أشفاه ساجُمه، يعني بكاه معه. والباء في) بأن تُسعدا (: متعلق بمحذوف أي وفاؤكما بالإسعاد. ولا تكون متعلقة ب) وفاؤكما (الاولى، لأنك قد أخبرت عنها بقولك:) كالربع (فمحال أن تخبر عن الاسم وقد بقى ما يتعلق به، لأن هذا المتعلق به جزء منه. فكما لا يخبر عن الاسم قبل تمام حروفه، كذلك لا تخبر عنه وقد بقى ماهو جزء منه. ) سقاكِ وحياناَ بكِ اللهُ إنما ... على العيس نورٌ والخُدُورُ كما كمائمُه ( جرى في هذا البيت على مذاهب العرب وطرائقهم، لأنهم يُحُّيون بالنُوار وأصناف الازهار. فلما أبصرها في الخدور جعلها نوراً في كمه، فدعا له بالسُّقيل، لينعم ويحْسُن. ودعا لنفسه أن يحيا بذلك النور. ) إذا ظفرت منك العيونُ بنظرةٍ ... أثاب بها مُعيى المطى ورازمُه ( يريد أن النظر إليها سببٌ لقول الشعر فيها، والتغنى به في الطرق، وجميع ما يتصرفون، ويحدُون به. فتنشط الإبل لذلك. إذ من طبعها أن تنشط للحُداء. ) قِفِى تغرم الاولى من اللحظ مُهجتي ... بثانيةٍ والمُتْلفُ الشيء غارمُهْ ( يقول: لحظتك فأهلت اللحظةُ مُهجتي. فقفى على حتى ألحظك اخرى، فترد على ما أذهب الاولى، وذلك أن لكل نظرة أنظرها تأثيراً في، فا ... ذا قد عدتُ المهجة الاولى، فعمل الثانية ردُّها، لأن الشيء إذا انتهى في ضد انعكس إلى ضده. ) وتكملةُ العيش الصبا وعقيبهُ ... وغالب لون العارضين وقادمُهْ (

стр. 47

أي كمال العيش، يعني جميع طبقاته، فأولُهن الصبا: وهو من النشوء إلى الشباب، وعقبيُه الشباب، وبعده غائب لون العارضين، وهو الشيب مالم يقدم، فاذا قدم فقد كمل العيش، وما بعد الكمال إلا النقص. والهاء في) قادمه (راجع إلى اللون، ولا يكون راجعاً إلى اللون، ولا يكون راجعاً إلى) غائب (، فيكون من إضافة الشيء إلى نفسه، وليس كذلك إذا كان مضافاً إلى اللون، لأن لون جنس انقسم إلى نوعين: غائب وقادم؛ والنوع غير الجنس، فكأنه قال: وتكملة العيش الصبا وعقيبُه، سوادُ الشعر وبياصُه، لانه إذا كان البياض غالباً، فالسواد حاضرز ) وأحسنُ من ماء الشبيبة كُله ... حيا بارقٍِ في فازة أنا شائمهْ ( قوله:) في فازة (يعني فازة ديباج ضربت لسيف الدولة، والحيا هنا: الخصب، ويعني به سيف الدولة. والشائم: الناظر. ) إذا ضَرَبته اليرحُ ماج كأنما ... تجُول مذا كيه وتدأى ضراغمُهْ ( أي هذه الفازة مُصورةٌ بصورة خيل وأسد، فاذا مرت به الريح حركت الفازة، فتحركت هذه الصُور بحركاتها، فتُخيل أن مذاكيها، وهي الخيل المصورة فيها تجول، وان ضراغمها تدأى: أي تمرا سريعاً. ومن روى) تأى (: أي تهمس المشى لتختل. والضراغم: الأسد. واحدها ضِرْغم وضِرغام وضِراغمة. وان يكون في البيت جمع ضِرغم أولى، ىنه إن كان جمع ضِرغام أو ضرغامة، لزم) ضراغيم (لأن الألف إذا كانت رابعة في الواحد، صارت ياء في الجميع ثابتة، إلا أن يُضطر شاعر، كما أنشد سيبويه: والبكرات الفُسج العطامسا وانما حكمه العطاميس، فحذف للضرورة، فإن يكن ضراغمه جمع ضرغم وهي لغة مشهورة حكاها ابن دُوَريد وغيره، أوجه من أن يُوجه على الضرورة: ) فَقَد مل ضوء الصُبح مما تُغيرُهُ ... وَمل سوادُ الليل مما تُزاحمُه ( ) ومل القنا مما تدُقٌ صدوره ... ومل حديدُ الهند مما تلاطمُه ( ذكر طاهر بن الحسين أن) تُغيرُه (في البيت من الغيرة، يريد أن الصبح يغار من كثرة ما تفعل فيه، من قبله إلى ضده، من شدة القتال، وكذلك الليل أيضا يفار من ذلك، لانه يُصيره يوماً، لإظهاره فيه السيوف والرماح، من ضيائها. قال ابو الفتح بن جنى: اراد تُغير فيه، فحذف حرف الجر اختصاراُ. وقال في) تزاحمه (: أي تسرى فيه، فاستعمل) تزاحمه (في موضعها. والهاء في) تزاحمه (مفعول به، وليست بمعنى) تزاحم (فيه. وقال الوحيدُ: ليس هذا اراد بقوله) تغيره (وإنما اراد أنك تسير في بياض الحديد، من البيض والروع، فكأن الصبح يغار عليه إذا رأى ضياء غيره قد ألبس به. يزاحم الليل الذي هو الظلمة. وقوله:) ومل حديدُ الهند مما تُلاطمه (أي تلاطمه بأمثاله. ) قبائعهُا تحت المرافق هيبةً ... وأنفذُ مما في الجُفُون عزائمه ( يريد انهم يسترون سيوفهم ويخفونها هيبة ومخافة من سيف الدولة. وعزائمهُ أنفذُ من شفار سيوفهم. ) سحابٌ من العقبان يزحفُ تحتها ... سحابٌ إذا استسقت سقتها صوارمُه ( ويروى:) فوقها (، فيكون قوله:) العقبان (في أول البيت كناية عن الخيل، كما قال: تظُنُّ فراخُ الفُتخ أنك زرتها ... بأماتها وهي العتاقُ الصلادمُ السحابُ: جمع سحابة. وكل جمع ينقصُ عن واحده بالهاء، ذلك تذكيره وتأنيثه، فأنث في قوله) تحتها (، وذكر في قوله: صوارمه، أخذاً بالأمرين. ولا يمكنه هنا غير ذلك، لمكان الوزن، وأن هذا الشعر موصولٌ، ليس له خروج، أعنى أنه ليس بعد هائه حرف لين. وقيل تأنيث هذا النوع على الجمع، وتذكيره على الجنس. أي قد حُشرت العقبان في أفق جيشه، وثقةً منها بما يُقتلون، فيكون رزقاً لهذه العقبان، كقول الأفوه: وترى الطيرَ على آثارها ... رأي عينٍ ثقة أن ستُمارُ فالعقبان على هذا الجيش كالسحاب، لتكاثُفها واشتباكها ولونها والجيش تحت هذا السحاب، الذي هو من العقبان، سحابٌ آخر. فإذا الذي هو الجيش، بأن تضع لها القتلى فتنزل عليها، فتخصُب. وجعل الأسفل يسقى الأعلى؛ إغراباً، لانه بعكس ما جرت عليه العادة، من أن الاعلى هو الذي يسقي الاسفل. وقال:) إذا استسقت (وانما العقبان وسائر سباع الطير مستطعمةٌ لا مُسْتَسْقِيةٌ؛ لانه ذكر السحاب؛ والسحابُ مُسقٍ. كقول أبى ذُؤيب في صفة السحاب: تروت بماء البحر ثم ترفعت

стр. 48

ومن الحسن أن تكون الرواية) يزحف (على لفظ التذكير؛ توطئة لقوله: صوارمُه، فيكون ضرباً من الإشعار. وجعلها تزحف لكثرة الجيش، كما قالوا: كتيبةٌ جرارة، أي لا تقُدر على السير إلا رويداً؛ لكثرتها. ) سلكتُ صُروف الدهر حتى لقيتُه ... على ظهر عزمٍ مُؤيداتٍ قوائمُه ( الهاء في لقيتُه: عائدة على سيف الدولة. وعلى: متعلقة بسلكتُ. . . فالمعنى: إن عزمه قوى مؤيد؛ فاستعار انه ركبه ويسلك صروف الدهر عليه. وله ايضا: ) أأطرحُ المجدَ عن كتفِي وأطلُبُه ... وأترُك الغيث في غمدي وأنتجعُ ( كنى بالمجد عن الرمح الذي يحُمل على الكتف مُعتقلاً، لما كان المجد يُكتسب به. فهذا من باب الاستغاء عن ذكر السبب بذكر المُسبب. وإن شئت قلت: جعل الرمح هو المجد مبالغة. كقولهم: ما زيد إلا أكل وشُرب: وإن شئت: كان الحذف؛) أي ذا المجد (وهو الرمح ايضا، لإدراك المجد به.) وأطلبه (: أي أطلبُ أثراً بعد عين. وأترك الغيث في غمدي: يعني السف الذي هو سبب خصب المعيشة. وليس الغيثُ هنا ذات السيف. وانما عنى الغيث. وإن شئت قلت: جَعَله الغيث مبالغة، إذ كان سبباً له، ثم قال وأطلب الرزق على غير هذا الوجه الذي لا يكْرُم عيش ولا يُصب إلا به، كقول النبي ﵇:) الخير في السيف والخير مع السيف (. زأصل الانتجاع: طلب الكلأ. ثم صار كل طلب: نُجعة. وحسن لفظ الانتجاع لتقدم ذكر الغيث. ) ذم الدُمسْتُق عينيه وقد طلعت ... سُودُ الغمام فظنوا أنها قزعُ ( أي غرت الدمستف عيناهُ، ثم توهم جيش سيف الدولة قليلاً وهو كثير، فأقدم اغتراراً بما خيلته اليه عينهُ، فذم عينيه ولا مهمُا اذ لم تخبراه باليقين، فَتُرياهُ الجيش على ما هو به من الكثرة، لانه لو صدَقتاهُ لم يُقدم والقَزَعُ: قطع السحاب المفترقة. يقول: ظن الجيش قليلا كقزَع السحاب، وهو كسود الغمام، وانما شبهه بالغمام السُّود، لانه أهول منظراً؛ ولأن فيه صواعق بلا غيثٍ، فهي أشبه بصفة الجيوش من جهة العاقبة واللون، ألا تراهم قالوا: كتيبة جأواء وخضراء وخصيف. وكل ذلك إلى السواد. فتلخيص البيت: ذم الدمستق عينيه حين أوهمتاه الجيش قليلاً وهو كثير، فأقدم، وكان أذهب في الصنعة لو اتزن دون زحافٍ - أن يقول:) فظن (، بلفظ الإفراد لانه إخبارٌ عن الدُّمستق، ولكنه حمل الضمير عليه وعلى من حوله. ) كأنما تتلقاهُم لتسلُكهُمْ ... فالطعنُ يفتحُ في الأجوافِ ما تسعُ ( أي كأن خيله تريد سُلُوك عداه، كما يسلكُ السهمُ الرمية ثم يمرقُ، فالطعن يفتح في أجوافهم ماتسع الخيل، إشادة بالطعن، وتشيعاً له. كقول قيس بن الخطيم: سلكتُ بها كفى فأنهرتُ فتقها ... يرى قائم من دُوتها ماوراءها وأراد ماتسعُ الخيل؛ فحذف المفعول، لتقدم ذكر الخيل. ) دُون السهام ودُون الفرِّ طافحةً ... على نفوسهم المُقورة المُزُعُ ( أي قد تغشتهم الخيلُ حتى صارت أقرب إليهم من السهام التي فيهم، مبالغة وليس بحقيقة، لأن السهام التي فيهم، أقربُ اليهم من الخيل التي عليهم. و) دون الفرِّ (: أي أن الخيل تمنعهم الفرار. وقال:) على نفوسهم (، ولم يقل على أبدانهم؛ لأن نفوسهم قد فاضت عن أبدانهم، فكان الخيل تسبق السهام وتفوت حتى تغنى عن الفر. ويروى) دُون السهام ودون القر (فيكون المُقْورةُ على هذا الدروع التي قد أخلقها التداول؛ حتى عادت كالمقورة من الخيل وهي الضامرة - المتجردة و) المُزُع (على هذا: التي قد تمزقت أشلاؤها أي قد تمزقت كما يتمزعُ اللحم أي يتبدد. فيكون المعنى أنه لا تقيهم الكُسى حراً ولا برداً؛ ولكن هذه الدروع المقورة. والرواية الاولى أصح. ) إذا دعا العلجُ علجاً حال بينهُما ... أظمى تُفارقُ منهُ أختها الظلعُ (

стр. 49

رمُح أظمى: أسمر؛ وقيل: ظمآن إلى الدم؛ والاول أولى؛ إذ لو كان من الظمأ لكان حرياً أن يُسمع مهموزاً، ولم أسمعه كذلك. إلا أن مثل هذا الإبدال قد يجوز في الضرورة كقوله:) لاَ هناكِ المَرْتعُ (ولا حاجة بنا إلى توجيه ذلك هنا، اذ المشهور في كتب اللغة أن الأظمى: الأسمر. يقول: إذذا تداعى العلجان لتناذر أو تشاور أو تناحُر، حال بينهما رُمح أظمى يدخل بين الضلعين؛ فيفرج بينهما حتى يتفرقا. و) منه (: أي من أجله. وحسن ذلك المفارقة هنا لقوله:) حال بينهما (. وكان من حُسن الصنعة لو اتزن له - أن يقول: إذا دعا العلج صاحبه ليوازي به قوله:) أختها الضلعُ (؛ لأن الأخوة والصحبة من باب المضاف ولكنه ذلك اراد؛ كأنه قال: إذا دعا العلج صاحبه أو أخاه. ) كم من حُشاشة بطريقٍ تضمنها ... للباتراتِ أمينٌ مالهُ ورعُ ( الحُشاشة: النفس. وقيل، بقيتُها. والباتراتُ: السيوف القاطعة. والأمينُ هنا: القيد ونفى الورع عنه إغراباً بأمين لا ورع له. وانما سماه أميناً لحفظه على السيف ما استودعته إياه من الأسارى؛ حتى يردهم إليه عند القتل فهو أمين لذلك. وليس له ورعٌ. لأن الورع إنما يكون عن قصد، والقصد إنما يكون لذى العقل. وكذلك أمانته غير حقيقة. ولو كان أميناً عاقلاً لكان ورعاً إذا لا أمانة إلا بورع. ) يُقاتلُ الخطو عنهُ حين يطُلبهُ ... ويطرُدُ النوم عنهُ حين يضطجعُ ( أي تقصر خُطا هذا الأسير بضيق القيد، إذا اراد أن يخطو. ويطرد النوم عنه ترنم حلقه كقول أبى نواس: إذا قام غنتهْ على الساق حلقة ... لها خطوُهُ عند القيام فصير والمقاتلة والطراد في هذا البيت مستعاران. ) قل للدُّمُستقِ إن المسلمين لكُم ... خانُو الأمير فجازاهُم بما صنعُوا ( خيانهم اياه: خلافُهم له؛ بسعيهم إلى النهب وأسلاب العدُو المفزوعين. وإسلامهُ إياهم له: تركُه الطلب بثأرهم؛ أو رضاه لهم ماحل بهم. ) وجدنموُهم نياماً في دمائكُكُ ... كأن قتلاكُمُ إياهم فجعوا ( اي خافوكُم؛ فألقوا نفوسهم في دماء قتلاكُم: لتحسبوهم منهم، فتتجافوا عنهم؛ وكأنهم هم المجُوعون بقتلاكم، يُلقون أنفسهم عليها كإلقاء المفجوع نفسه على القتيل تأسفاً. وقيل: كان المسلمون يأتون قتلى الروم يتخللونهم؛ فينظرون من به رمقٌ فيقتلونه، فبينما أكب عليهم المشركون فقتلوهم. ) تشُقُّكُم بفتاها كُل سلهبةٍ ... والضربُ يأخُذُ منكُم فوق ما يدعُ ( ) بفتاها (: اي بفارسها. ذهب في لفظ الفتى إلى الرفع من شأن الفارس؛ كقولهم:) أنت الفتى كلُّ الفتى (لا يُذهب به إلى فتاء السن: لكنه كقولك: انت الرجلُ. تمدحه بالصبر والثبات والنجدة، لا تعني به الرجولة التي هي الذكورية) والضربُ يأخذُ منكم فوق ما يدعُ (. ذهب قوم إلى انه عنى أن القتلى أكثر من الناجين. وهو لعمري قويلٌ والذي عندي انه لم يعين بذلك الكمَّ؛ وانام؛ وانما عنى أن الضرب يأخذ النفوس، ويدع الأبدان؛ والنفس فوق الجسم في لطف الجوهر، وشرف العنصر. فهذا معنى قوله: ما يَدع. لا الكميه التي ذهب اليها أولاً. وله ايضا: ) يردُّ يداً عن ثوبها وهو قاردٌ ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقدُ ( ) يرد يدا عن ثوبها (: كناية عن العفاف. والثوب هنا: يجوز أن يعني اللباس؛ وان يعني بعض طوائف جسمها؛ كقول الآخر: خرَّقوا جيبَ فتاتهمُ ... لم يُبلوا حُرمة الرجلهْ قيل: يعني بالجيب القُبل. وقوله) وهو قادر (: اي متمكن بها، لا يتقي رقيباً لانه ذلك في النوم وأثبت لنفسه قدرة في نومه لانه قد تتهيأ للنائم أفعال اليقِظ وإن كانت غير مقصودة، وقد قيل: إن قوله) يريد يدا عن ثوبها وهو قادر (: أن هذا إنما هو في اليقظة. وانما اراد وهو يقظان فلم يتزن له، فكنى بالقدرة عن اليقظة لأن اليقظان أملك لذاته من النائم مع أن قادراً مقلوب لفظ راقد. فأناب المقلوب في المقابلة مناب الضد الذي هو يقظان.) ويعصي الهوى وهو راقد (: اي انه يملك نفسه عن شهوته في حال النوم. وتلك حال لا يغلب فيه عقلُ شهوةً، لأن التحصيل حينئذ عازب؛ فهو يقرُب بتمالكه عن محبوبه في الحال الرٌّقاد. وجملة معنى البيت: انه اعتاد العفاف في يقظته؛ كقوله هو: وترى المروة والفتوةَ والأبوَّ ... ةَ في كُل مليحةِ ضراتها

стр. 50

فاذا رآى الطيف أراه النوم ما تعود من العفة في اليقظة فعف، فإن ذلك من خلق النفس كثير. أعنى أن ترى في حُلمها ما تعودته يقظي؛ ولذلك علة ذكرها حذاقُ القدماء جالينوس وغيره. والطيف فعل من طاف يطوف الا أنا لم نسمع فيه طوفا. وقد يكون) فعلا (من طاف يطيف؛ سُمي بالمصدر، لأن نسمع طاف يطيف عندنا من باب باع يبيع واسع ولا أحمله على ما ذهب اليه الخليل في طاحَ يطيح قياساً عليه؛ لأن باب باع يبيع واسع كثير. وباب) طاح يطيح (قليل، لايُوجد لها ات إلا تاهُ يتيه في لغة من قال: توهْتُه. وحكى ابو زي: ناهت الركيةُ تميه وهو من الواو فهي ثالثة) لطاح (وتاهَ (على قول الخليل: مخضبةٌ والقومُ صرعى كأنهم ... وإن لم يكونوا ساجدين مساجدُ اي هذه البلاد مُخضبة، الدماء فيها جارية والأشلاء مُنكبة ومبطوحة فكأنها مساجدُ مُخلقة لا نكباب القتلى وإن يكونوا ساجدين. ) تُنكسُهم والسابقاتُ جبالُهم ... وتطعنُ فيهم والرماحُ المكايد ( تنكسهم: تقلبهم على رؤسهم. فيقول: من شأن تنكيسك لهم عن متون خيلهم وهو رُكبان لها. فلما تركوا الخيل، وركبوا الحصون والقلاع وقُنن الجبال مكان الخيل؛ فلم يمكنك تنكيسُهم بالرمح حينئذ، كما كنت تنكسُهم به فُرسانا، أقمت كيدك لهم مقام الرمح فنكستهم عن الجبال به. وقوله:) والرماح المكايد (: اي المكايد هي التي قامت مقام الرماح لأنك وصلت بالمكيدة إلى مثل: ما كنت واصلاً إليه بالرم. وقد أجاد ي تطبيقه قوله:) والسابقات جبالهم (بقولهم:) والرماح المكايد (. ) فتى يشتهي طُول البلاد ووقتُهُ ... تضيقُ به أوقاته والمقاصدُ ( اي همته يقصُر عنها الدهرُ فهو يشتهي طول الدهر ليسع همته، وجيشه عظيم تضيق عنه البلاد فهو يشتهي أن تسع البلاد وتطول لتحمل جمعه. فلأوقات أزمنة وتضيق عن همته والمقاصدُ أمكنةُ تضيق عن جيشه. وفي البيت حذف. وتمامه - لو اتزن - فتى يشتهي طول لجيشه وسعةَ الأوقات لهمته فهتمه تضيق عنها الأوقات وجيشه تضيق عنه البلاد. ) أحبُك ياشمس الزمان وبدرهُ ... وإن لا منى فيك السُّها والفراقدُ ( جعله شمس الزمان وبدره ليخبر عنه بكمال النُّورية وأنه يعم الليل والنهار بضوئه وهذا أحسن. لأن الممدوح موجوده نهاراً وليلاً فهو النهار شمس ولليل بدر، واختار البدر على القمر لأن القمر ربما لم يُغن ضوؤه كبير غناء مع ما آثر ممن الوزن. وجعل غيره من الأملاك بالإضافة إليه سُهاً وفراقد. ولا خفاء بما بين الشمس والبدر وبين السُّها والفراقد من المراتب في النُّور. فيقول: أنا أحبك أيها الملك الذي هو الملوك كالشمس والبدر في النجوم لعظم نفعك وجسامة غنائك في نوعك وإن فيك أملاك؛ هم في الملوك كالسُّها. والفراقد في الكواكب فكيف أطيع من هو كالسهام والفراقد فيمن هو كالشمس والبدر وهما مُغنيان عن السها والفرقدين. بل احدهما مغن عنهما. والسها والفرقدان لا يتجزءان كنها ولا من احدهما وقال:) والفراقد (. وانما هو) الفرقدان (لأن جمعهما. بما حولهما، أو على أنه جعل كل جزء منهما فرقداً وقد فعلت العرب ذلك قبله كثيراً كقوله: ودون الجدى المأمول منك الفراقد وحكى سيبويه: أنهم يقولون للبعير) ذو عثانين (جعلوا كل جزء منه عُثنونا. وقال جرير: أنشده سيبويه: قال العواذلُ ما لجهلك بعدما ... شاب المفارقُ واكتسبن قتيرا وله ايضا: ) يحيدُ المحُ عنك وفيه قصد ... ويقصُر أن ينال وفيه طُولُ ( اي هيبتُك في فؤاد القرن تخذُل يده فيحيد رمحه عنك مهابة لك بعد أن سده ويقصُر الرمح أيضاً أن ينالك هذا القرنُ به حذره إقدامك عليه وإن كان طويلا. وانما يعنى بطول الرمح العمل به وجودة التصريف له لا الطول الذي هو ضد القصر. لأن الطُّول عيبٌ وذلك أن الرمح إذا كان طويلاً خان فضعف. وله ايضا: ) شفن لخمسٍ إلى منْ طلبن ... قُبيل الشفُون إلى نازلِ ( الشفن: النظر من فوق إلى أسفل.) لخمس (: اي بعد خمسٍ بين يوم ولية. والعرب تُغلب في مثل هذا المؤنث على المذكر، لسبق الليلة في تاريخ الشهر.

стр. 51

اي ركبت فُرسانك خيلهم إلى عدوهم وطوَوا عليها المراحل ليلاً ونهاراً فما نزلوا عنها حتى هجمت بهم على مطلوبهم. فكان نظرهُن إلى من طلبته من العدو قبل نظرهن إلى نازلٍ عنهن. اي لو ينزل أحدٌ منهم عنها فتنظر إليه. وانما أدركوا ما طلبوه ثم كان النزول بعد ذلك. ) فأقبلن ينحزن قُدامهُ ... نوافر كالنحل والعاسلِ ( ينحزن: ينفعلن ويتحوزن فقبلت الواو ألفا لانفتاح ما قبلها، فالتقى بذلك ساكنان فحذف الاول لا لتقائهما. اي كانت خيلُ عدوك أمامك وهو في آخرها من خوفك. وهي بينك وبينه نوافر. فاقتضى البيت ثلاث تشبيهات اختصرها بأن ردها إلى اثنين وشرح ذلك أنه شبه الممدوح بالعاسل وعدوه بالعسل المطلوب للشور وصحابه بالنحل التي يُنفرها العاسلُ ليصل إلى العسل المطلوب. وعنى بالخيل هنا: أصحاب الخيل. واكتفى من تشبيهه عدوه بالعسل لفظاً لأن كلامه يقتضي ذلك وهو من حُسن دليل الخطاب؛ لانه إذا كان عاسلٌ ونحل فهناك عسلٌ لا محالة، وقوله:) ينحزن قدامه (: اي ينحاز بعضهم إلى بعض. ) وَمَا بين كاذَتَى المُسْتغيرِ ... كما بين كاذتى البائلِ ( الكاَذة: لحم الفخذ ألفُه منقبلة عن واو. قالوا ثوب مكُوذ: بلغ الكاذة. والمستغير: الفرسُ المُغير، بناه على استفعل لأنه طلبٌ، والطلب يأتي على استفعل كثيراًعليه بني سيبويه باب استفعل. يقول: قد تفؤج ما بين أفخاذها. ) فُلقين كُل رُدينيةٍ ... ومصبوحةٍ لبن الشائلِ ( يقول: إن خيل سيف الدولة لقيت مع الخارجي بعد جهدها أشد الأعراب الذين يغذُون الخيل الكرام التي تُثر باللبن عند قلتة. ولقيت جيشاً) لخارجي من الأعراب يقاتل (على ناقة قد تيقن استهلاك أصحابه دونه. فأعرض عن ركوب الخيل ووصفه بحاله في كذبه ودعواه. أنما الشائل بغير هاء: اللاقح، وبالهاء: التي خف لبنها. والخيل أنما تغذى بلبن لشائلة لأن اللبن إذا خف مرأ ونجع وانما اراد هذا الشاعر الشائلة فحذف الهاء للضرورة. والمصُبوحة: المسقيةُ الصبوح وهو ما اصطُبح بالغداة حاراً. اي كل قناة ردُينية وفرس ملبونةٍ وهي أقوى الخيول. وأنشد سيبويه: لايحمل الفارس إلا الملبُون ... المخص من أمامه ومن دُونْ ) وطعنٍ يجمعُ شُذانهُمْ ... كما اجتمعت دٍرةُ الحافلُ ( ) شُذلنهم (: من شذ منهم. والدرة: اللبن يجتمع في الضرع. ) والحافلُ (: إما أن يكون جُملة فيعني به الناقة فيكون من باب ناقة بازل اي من المؤنث الذي لا هاء فيه. وإما أن يكون جزءا فيعني به الضرع وهو عندي أجود لأنه موضع تحفل اللبن. ومعنى البيت: أنه عنى طعنت كل طعنة عظيمة تجمعُ المتفرقين على صاحبها، تعجباً من سعتها، كما تُجمع الدرةُ في الضرع المُحفل كقول الشاعر: تركتُ بني الهُجيمْ لهم دوارُ ... إذا تمضي جماعتهم تعودُ والدرة في الدر كالحيلة في الحلي. أعنى أن هاء التأنيث تعاقب الفتحة ومثله برك وبركة وهي الصدر. وحب وحبة وهي بذور الصحراء. ) وأنبت منهُم ربيع السباع ... فأثنت بإحسانك الشاملِ ( أقام الأشلاء للسباع، مُقام الربيع للماشية. والاول) ربيع للسباع (إنما هو على المثل كما قيل: فلان يرعى في لحوم الناس. يقول ألقيت لها الأشلاء فأخصبت كما تخصب السوام في الربيع. ونحوه قوله: وأصبحت بقُرى هنريط جائلة ... ترعى الظُّبا في خصيب نبتُه اللحمُ يعني الرءوس جعلها خصيبة إشعاراً بأن أصحابها شُبان. وقوله:) فأثنت - بإحسانك الشامل (: مبالغةٌ وإفراط ومذهب شعري غير حقيقي. ولكن يقول: إن السباع قد اعتادت ذلك منهم حتى عقلت أنه من لدُنه فشكرتْ لذلك. ) وكم لك من خبرٍ شائعٍ ... لهُ شيةُ الأبلق الجائل ( اي خبرك مشهورٌ ظاهر شُهرته كشهرة الأبلق الجائل. وذلك أن الأبلق مشهورٌ في موضعه. فإذا جال كان أشهر له، لأنه يُعرف في مواضع. وكذلك خبرك سائرٌ مشهور في كل موضع. وله ايضا: ) ولهُ ... وإن وهب الملوك مواهبٌ درُّ الملولكِ لدرها أغبارُ (

стр. 52

الغُبر: بقية اللبن في الضرع. فيقول: هباتك كأول الدر، وهبات الملوك كبقايا اللبن بعد الحلب. وأوضح من هذا أن يقول: إن مواهب الملوك وإن كثُرت وغزرت بالإضافة إلى مواهبك، كالغُبر بالإضافة إلى الدر الذي هو أغزر اللبن؛ فهذا أبين. والاول وجيه. واللام في قوله:) درُّ الملوك لدرها أغبار (: جملة في موضع الصفة للنكرة. فكأنه قال: وله مواهبُ در الملوك لدرها أغبار. واذا رددت هذه الجملة إلى المفرد، فكأنه قال: وله مواهبُ فائقة وقوله:) وإن وهب الملوك (: معناه: أجزل الهبةَ. فهذا يُحسن معنى البيت ويدلك عليه قوله:) درُ الملوك (فقد اوضح ما اراده في قوله:) وإن وَهَب الملوك (ولا يكون وَهب هنا مجردة من معنى الغَزَارة لأن الممدوح إذا فاق واهباً غير مُجزل، لم يك ذلك فضلاً إنما فضله أن يفوق المُجزلين. ) وبدُون ما نا من ودادك مُضمرٌ ... يُنضى المطىُّ ويقرُب المُستارُ ( اي بأقل من هذا الوداد الذي أضمره لك تعمل المطى في الأسفار إلى المودود حتى تنضى، فيقرب بذلك ما كان بعيدا. وذلك أن الشوق يحمل على احتثاث المطى وإغذاذ السير كقول الشاعر: كأن عليها سائقاً يستحثها ... كفى سائقاً بالشوق بين الأضالع وقال: وعودُ قليل الذئب عاودت ضربهُ ... إذا خاج شوق من معاهدها كبرُ والمُستارُ: مُفتعل من السْير. اي: يقرب الموضع الذي يسار إليه. وله ايضا: ) وكذا تطلعُ البُدورُ علينا ... وكذا تقلقُ البحُورُ العظامُ ( اي إن همتك لا تستقر لأن شيمتك الحركة كما أن البدر شأنه الحركة دائماً كلما غاب من موضع طلع على خر وكذلك البحر يتموجُ فلا يستقر. وكنى بالقلق عن التموج لأن القلق ضد الطمأنينة والاستقرار. و) كذا (: مجرور في موضع نصب. اي مثل طلوعك تطلع البُدور ومثل قلفلك تفلق البحر ومثل طلوعُه يطلوع البدر وقلته بقلق البحر إشعاراً أن الممدوح كالبدر جمالاً وكالبحر نوالاً. وقوله:) العظام (: مؤازرة للبدور لانه لو قال البحور ولم يذكر العظام لم يك مطابقاً للبدور، فتفهمه. ) والذي يضربُ الكتائب حتى ... تتلاقى الفهاقُ والأقُدامُ ( الفقهة: ما بلى الرأس من فقر العُنق. وقيل الفهاهة: مواصل الأعناق في الرءوس اي ينقص الأعضاء ويبضعها، حتى يلتقي طرفا الجسم على بعد بينهما. وإن شئت قلت: يضرب الهام، فتسقط على الأقدام. ) فكيرٌ من الشجاع التوقيِّ ... وكثيرٌ من البليغ الكلامُ ( اي هيبته تروع قلوب ذوي النجدة وقلوب ذوي البلاغة لأن هذا الممدوح شجاعٌ بليغ قد بلغ الغاية في الفضليتين، فأبعدُ غايات الشجاع وأعلى منازله أن يُحسن التوقي من هذا الممدوح ولا يتحدث بالظهور عليه لأن ذلك منه سفهُ رأي. وأبعد غايات البليغ أن يقدم فيسلم عليه ولا يتحدث بإسهابٍ في مخاطبته ولا إطناب. وهذا في أسلوب قول الشاعر: بغضى حياء ويُغضى من مهابتهِ ... فلا يُكلم إلا حين يبتسمُ ولأبى الطيب فضل ذكر الشجاعة والبلاغة في بيت واحد وإفراد كل واحد من الفضليتين بمصراع. وله ايضا: ) ضُربن إلينا بالسياط جهالة ... فلما تعارفنا ضُربن بها عنا ( يصف خيل الروم. وذلك أن سرية الروم رأت جيش سيف الدولة فظننته جيشها فهمزت نحوه تريدُ اللحاق، فتبين لهم بل أن يلحقوا أنها خيل الإسلام، فانصرفوا هاربين عنها مُجدين يضربونها بالسياط للإدبار كما يضربونها للإقبال. و) عن (ها هنا: لما عدا الشيء اي مبعدين عنا لها. وقوله: تعارفنا: اي افترقنا فعرفونا وعرفناهم. ) وإن كُنت سيف الدولة العضْبَ فيهم ... فدعنْا نكُن قبل الضرابِ القنَا اللدْنا ( اللدن: اللين. ذكر على اللفظ لأن القنا وإن كان جمع قناة فلفظه لفظ المذكور وما خرج من الجمع على هذه الصورة جاز تذكيره وتأنيثه. يقول: إن كنت انت سيف الدولة والسيف أشرف السلاح، وهو المستغاث به إذا اشتد البأس، لأن الرماح والسهام قد فنيت فعدنا نحن حينئذ رماحا وقدمنا، فإذا فنينا أو قاربنا ذلك فكن انت سيف الدولة الذي يكون به الضراب اذ لا يباشر ذلك إلا مثلُك. وهذا نحو قول الآخر. فلما لم ندع قوساً وسهْما مشيناه نحوهم ومشوا إلينا وله ايضا: ) اخترتُ دهماء تين يامطرُ ... ومن له في الفضائل الخيرُ (

стр. 53

راد دهماء هاتين الفرسين، فاكتقى الإشارة من التنبيه تقول العرب: تا، وهاتا، وتى، وهاتى. وقوله: يامطر: يخاطب سيف الدولة جعله مطراً بجوده.) ومن له في الفضائل الخيرُ (: عطفٌ على قوله:) يامطرُ (والخيرُ: جمع خيرة وهو الشيء المختار. اي له من الفضائل أشرفها، أو من نوع كل فضيلة أشرفه. اراد ومن له من الفضائل الخير فوضع) في (موضع) من (. والفضيلة: الخصلة التي يُستحق بها الفضل، وضدها الرذيلة. وله ايضا: ) حصانٌ مثل ماء المُزن فيه ... كثوم السر صادقةٌ المقالِ ( اي هذه المرأة حصان طاهرة نقية من الشوب كماء المُزن في المُزنْ قبل انحطاطه إلى الارض ومُمازجته طبيعة التراب. فالهاء في قوله) فيه (: راجعة إلى المُزن. كيُومُ السر: يعني محاسن خُلقها وخَلقها؛ وكتمها إياه: صوتها له حتى لا يُطلع عليه منها. ولما كنى بالسر عن المحاسن الخلقية والخُلُقية كنى عن صوتها بالكتمان. وكأنه إنما سمي ذلك سراً لانه مما يجب ألا يُعرف من النساء.) صادقة المقال (اي لا تدخل في ريبة فتحتاج إلى افتعال التأويل والتحيل للاعتذار، ولكنها حسنة الخفايا سالمة الإرادة، فصدقُها يُغنيها عن التماس الكذب. وإن شئت قلت: وصفها بصدق المقال مُطلقاً لأن ذلك من أجل ما يُمدح به ولا حفاء بمزية الصدق. ) فلا غيضتْ بحارُكِ ياجمُوماً ... على علل الغرائب والدخالِ ( بحر جمُوم: كثير الماء، وكذلك البئر. والدخال: أن تُدخل بعيرا قد شرب بين بعيرين لم يشربا. والغرائب: الإبل الواردة حياض غير أهلها فهي مدفوعة عنها ممنوعة دُونها كقل الحجاج) ولأضربنكُم ضربَ غرائب الإبل (وغيضت، نقصت غامض الماء وغضته وفي التنزيل.) وغيضَ الماء (والعلَلَ: الشُّرب الثاني من النهل. فيقول: لا غيضت بحارُك: اي لا قصر جودُك عن كثرة من يردُه من الغرائب وذوات الدخال وكلاهما نوع غير مستحق للورود، فكنى بهم عمن لا يستحق جُود هذا الممدوح وإن شئت قلت: كنى عن المقيمين والطارئين عليه. اي عمَّ جودك الفريقين. يدعو له بذلك. وله ايضا: ) بناَ منكَ فوق الرماِ ما بك في الرملِ ... وهذا الذي يضنى كذلك الذي يُبلى ( منك: اي من أجلك. تقديره: بنا فوق الرمل من لحزن بك والأسف عليك ما يُنْحفُنا ويُضنينا كما بك في لرمل. إلا أن هذا لنا مُضنٍ وذاك مُبلٍ وكلاهما مشتبهان في أن عملهما التَّنقص والفساد إلا أن حالك البلى وحالنا الضنى وقال:) وهذا الذي يُضنى (فأشار إلى الضنى إشارة القُرب لانه مُشاهد وقال:) كذاك الذي يُبلى (: فأشار إلى البلى إشارة البعد لانه مُغيبٌ عنه. ) تركتَ خُدود الغانيات وفوقها ... دُموع تُذيبُ الحُسن في الأعين النُّجلِ ( هؤلاء الغواني كُحل الأعين كحلا طبيعياً. والكحلُ الطبيعي يزيده الحسن حسناً لأن كل طبيعي يُقوية المكتسبُ المشاكلُ له، فيقول: إن دموع الغانيات الكُحل المكتحلات تفسل الكُحل الذي هو زيادة في حسن الكحل فيزول حُسن الكُحل ويبقى الكَحَل فقد زال الحُسن الاكتسابي الذي كان زياة في الطبيعي فنقص الحسن عما كان عليه إذ كان المكتسب موجوداً مع الذاتي، وكأن الدمع هو الذي أدابه ونقصه. ولا يُكنى تذوب الجواهر، لكن لما كانت زيادة بالكُحل وكان جوهراً استجاز إيقاع الإذابة على العَرضَ الحادث عنه فتفهمه. ) تَبُل الثرى سُوداً من المسك وحدهُ ... وقد قطرت حُمراً على الشعر الجثلِ ( اي بكين دمعاً مشوباً بدم لإفراط الحزن عليك تقطرت حُمراً ووقعت على لذوائب المنشورة على الخدود للحزن وفيها أفواهُ المسك فسقطت إلى الارض سُوداً بالمسك وحدهُ دون الكُحل لأن الكُحل قد أذابهُ الدمع وأسالهُ. وقال) تبل الثرى (: فأشعر بأنها خرقت الارض لشدة وقوعها وغزارتها حتى سختْ في الثرى. ) الست من القوم الذين رماحُهُم ... نداهُم ومن قتلاهُمُ مُهجةُ البخلِ (

стр. 54

لما استعار للبُخل مهجة مقتولة، فجعلها إحدى قتلاهم، وكان البخل إنما يُقتل بالندى، جعل نداهم رُمحاً يُقتل به البخل. وقيل: من رماحهم نداهم: اي يجودون بما أفاءت عليهم رماحهم. والاول أولى لقوله: ومن قتلاهم مهجةُ البخل. وقوله:) مهجة البخل (: تفلسُفٌ لانه إذا قتلت المهجة والمهجة قوام المقتول أغنى ذلك عن وصف الجملة بالقتل. وهذا منه احتيال مليح لتسوية إعراب الرَّوى. وليس للبخل مُهجةٌ. إنما المهجة للحيوان فاستعارهُ وسهُل ذلك حين استعار لقتل للبخل. وقال:) ألست (. فأخرج اللفظ مُخرج الاستفهام ومعناه الإثبات والتقرير كقوله) ألستُ بربكم (؟ قال جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بُطزن راحِ فمعناه انت من القوم الذين شأنهم كذلك كما أن معنى) ألستُ بربكم (: أنا ربُّكم. ومعنى) ألستم خير من ركب المطايا (: أنتم خير من ركب المطايا. ) ويبقى على مرِّ الحوادثِ صبرهُ ... ويبدُو كما يبدُو الفرندُ على الصقلِ ( اي إذا نزلت بك الملماتُ ثبت من صبرك وتبين من جلك ما يزيدك في النفس جلالاً لأن ذلك عين الخبر والمحنةِ، كما أن السيف إذا أخذ منه الصقلِ جلا عن جوهره الذي كان يخفيه منه الصدى فازداد شرفاً بذلك؛ ولذلك قالوا: خرج منها كالشهاب. اي بين الفضل واضح الشرف. وقابل الحوادث بالصقل لأن ذلك روز واختيار وداعية إلى الوقوف الصحيح من الشيء. ) بنفسي وليدٌ عاد من بعد حملهِ ... إلى بطنِ أم لا تُطرقُ بالحملِ ( يعني انه عاد من بعد الحمل الذي تبعته الولادة إلى بطن أمٍ لا تضع حملها يعني الارض لأن من تضمنته لا يخرج منها إلا إلى الحشر فجعل تضمينها له كالحمل به، ونفي عنها التطريق الذي هو ضد الحمل وكل ذلك مستعار. ) وما الموتُ إلا سارٌ دقَّ شخصُه ... يصُول بلا كف ويسعى بلا رجلِ ( قوله) دق شخصه (: كلام شعري لأن الموت عرض والعرض لا يُشخص، إنما التشخيص للجواهر. وقد يُتجوز بالعرض المحسوس كالحمرة والصفرة. فأما الاعراض النفسانية فلا تُشخص وسوغه ذلك قوله فيه) سارق (لأن السارق لا يكون إلا شخصاُ، فلما نسب إليه صفة لا تكون إلا في الجواهر، وهو السرق استعار له التشخص.) يصُولُ بلا كف ويسعى بلا رجل (: اي انه عَرَض والعَرَض لا يد له ولا رجل. ) يرُدُ أبو الشبلِ الخميس عن ابنهِ ... ويُسلم عند الولادة للنملِ ( يعذر سيف الدولة في أنه لم يطق دفع المنية عن ابنه يقول: إن الأسد يردُ الخميس عن شبله وذلك لكبر أجرامهم وعظم أشخاصهم ويسلمه عندما يولد للنمل تأكله إذ لا يطيق دفعها عنه لدقة أشخاصها فكذلك الموت لو نجم لردهُ سيف الدولة عن ابنه ولكنه عَرَضٌ غير مُتجسم ولا محسوس، فلا قوة به عليه، بل سيفُ الدولة أعذر من الأسد لأن النمل وإن دقت فهي مرئية والموت غير مرئي، فدفعه أبعد من الإمكان. ألا ترى إلى قول بعض حكماء العرب يوصي ابنه:) فإنما تغُر من ترى ويغرُّك من لا يُرى (. يعنى الموت وهو الذي لا يُرى. وله ايضا: ) فما تُرجى النُّفوسُ من زمن ... أحمد حاليه غيرُ محمُودِ ( اي أحمد حإلى الدهر أن يمُد للإنسان في العمر ويُسلمه ثم يفضى به بعد ذلك إلى الهلكة وتلك حال غير محمودة لمصيرها إلى ما لا يُحمد، لكنها أحمد الحاليت، فما ظنك بالآخر. وإن شئت قلت: أحمد أحولك بقاؤك بعد صديقك، وتلك حالٌ غير محمودة لما هو به من تعجُّل الوجل وانتظار الأجل. وهذا إفراط من القول لانه إذا كان الأحمد غير المحمود فهو مذموم لا محالة. فأي صفة تقع على الأذم والمحمود مذموم ما هي إلا أن الأذم أذهب في باب الذم وإلا فالذم مشتمل عليها فذكر محموداً لانه ذهب إلى الأحمد. ) نحملُ أغمادُها الفداء لهمُ ... فانتقدُوا الضربَ كالأخاديد ( الأخدود: الشق الواسع في الارض يُخذُّ فيها: اي يحفر. شبه الضربة العظيمة بها وكان ابو وائل تغلب هذا، قد أسرته بنو كلاب، فضمن لهم الفداء عن نفسه فكان مكان ما ضمن لهم من الفدية أن غزاهم فأوقع بهم ألا ترى إلى قوله فيه وفيهم: فَدَى نفسه بِضمانِ النُّضار ... وأعطى صُدور القنَا الذَابِلِ ومناهمُ الخيل مجنُوبةً ... فجشن بكل فتى باسلِ

стр. 55

فيقول: تحمل لهم أغمادُ السيوف ما ضمنه لهم من الورق والعين وغيرهما، وذلك منه هُزء بهم اي إنما كان الفداء المحمولُ إليهم أن ضربُوا بما في الأغماد وهي السيوف. فكانت كل ضربة على قدر الأخدود عظماً. ولما كان المعتاد في الفداء الذهب والفضة بالأغلب جعل السيوف نقوداً والأغماد أكياساً، وحَسُن ذلك لأن السيف من الحديد، والحديد يشرك الذهب والفضة في أنه جوهرٌ معدني كما أنهما معدنيان. فانتقدوا الضرب، اي قام لهم مقام النقد. وقيل: وقع بهم أجود الضرب كما يختار المنتقد أجود الدراهم والدنانير، وكله هُزء. وقوله:) كالأخاديد (: في موضع الحال. اي انتقدوا الضرب عريضاُ ومستطيلا. والضرب ها هنا يجوز أن يكون الجنس، وأن يكون جمع ضرْبة. فقد ذهب محمد بن يزيد في قوله تعالى:) غَافِرِ الذْنْبِ وقَابِلِ التَّوبِ (إلى انه جمع توبة، إلا أن أكثر ذلك إنما هو في الجواهر المخلوقة دون الأعراض، نحو لوزة ولوز. وقد جاء في الجوهر المصنوع منه شيء كدواة ودوى، وسفينة زسفين. فأما في العرَض فقليل كما قلنا. لكني أوثر أن يكون الضرب هنا جمع ضرْبة لقوله) كالأخاديد (مع ما آنسنا محمد بن يزيد في قوله تعالى:) وقَابِلِ التَّرْبِ (. وأضمر السيوف في قوله:) تحمل أغمادها (للعلم بمكانها، كقوله تعالى:) كُلُّ من علَيْها فَانِ (وأيضا فقد جاء ذكر الجنود والسيوف متصلة بهم فكأنها مذكورة. ) مَوِقعُه في فراش ِ هامهِم ... وريحُه في مناخرِ السيدِ ( الفراش: قشور تكون في الرأس على العظام دون اللحم، وقيل: ما يتطاير من عظام الرءوس واحدته بالهاء. و) مَوْقعِه (: وقوعه. اي يقع هذا الضرب برؤسهم فَتَشمُّ الذئابُ رائحة الدم فتقطع إليهم لتأكلهم. فالهاء في قوله:) وريحه (ليست للضرب لأن الضرب لا طبيعة له فيكون ذا ريح، وإنما الهاء للدم، فأضمره لمكان العلم به، وقد يجوز أن تجعل الريح للضرب. وإن شئت قلت: إذا وقعت الضربة أرشت دماً فتغير منه الهواء، حتى ينشق الذئب رائحته فيستدل عليه. وقوله) في مناخر السيد (كان ينبغي أن يقول منخر السيد أو في منخري السيد. ولكنه جعل كلَّ جزء من المنخر منخراً، ثم جمعه كما حكاه سيبويه من قولهم للبعير: ذو عثانين كأنهم جعلوا كل جزء منهم عُثنوناً. وعليه وجه قول العرب: آتيك عُشياَّنات، قال: جمعوا لانه حين، كلما تصوبت الشمس، ذهب منه جزء. وأنشد قول جرير: قال العواذلُ مالجهلك بعدما ... شابَ المفارقُ واكتسين قتيرا وإن شئت قلت: إنه عنى بالسيد هنا: النوع فجمع المنخر لذلك وكل واسع. ) ثُم غَدَا قيدُهُ الحِمام وَماَ ... تَخلُصُ منه يمينُ مصفُودِ ( صدت الأسير وصفدته: أوثقته. وأصفدت الرجل: أعطيته رالألف لا غير. فمصفُودٌ على صفدته. وكانت أغلال العرب القدز ولهذا قالوا في المرأة السيئة الخلق: غُلٌّ قملٌ، لأنهم كانوا يشدُّون القد على الأسير فيقمل. فمعناهُ: كان هذا الميت ابو وائل أسيراً في يد العدا فأنقذته منهم ثم غدا بعد ذلك في أسر الموت فلم يك بك قدرة على تنقذه منه وما يخلص منه يمين مصفُود. وعذرهُ لعجزه عن تنقُّذه إياه من الموت، فالموت لا يخلص منه من أوثقه. فأنت ياسيف الدولة غير ملوم على أن لم تنقذه من الحمام كما تنقذه من الأنام.) قيده الحمام (: مبتدأ وخبر في موضع خبر غدا، واسم غدا: مضمر فيها، كما حكاه سيبويه من قولهم:) كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه اللذان يُهودانه أو يُنصرانه (أضمر اسم يكون فيها، وجعل جملة في موضع الخبر، وأنشد: إذا ما المرءُ كان أبوهُ عبسٌ ... فحسبك ما تريد إلى الكلام ولو قال:) ثم عدا قيدُهُ الحمام (أو) قِدُّهُ الحمام (، لكان حسناً لكنه لما كان ذكره إنما هو لأبى وائل، وقد أجره كثيراً، أكد ذلك بالمحافظة عليه فأضمره الا ترى قوله:) قد مات من قبلها (. . . وقوله:) ما كنت عنه (. . . وقوله:) أين الهبات التي يفرقها (إلى سائر ما في القطعة من إخباره عن أبى وائل، واستفهامه عنه. وله ايضا: ) ولا فضل فيها للشجاعة والنَّدَى ... وصبر الفتى لولا لقاءُ شعُوبِ ( فيها: اي في الدنيا. وشَعُوبُ: المنية تَشعب اي تفرق، وأنشد يعقوب: فقام إليها بها جازرُ ... وَمن تدعُ يوماً شَعُوبُ يُجبها

стр. 56

يعزى عن الدنيا ويقول إن تمام هذه الفضائل فيها إنما هو بتيقُن الفناء. اي لولا خوف الموت، شجع كل الناس وجادوا وصبروا فلم يك أحد مخصوصاُ بهذه الفضائل دون صاحبه ولو كان كذلك لم يك لهذه الفضائل فضل لأن الأشياء إنما تَتَبَينَّ بأضدادها. فلو عُدم الضد خفى ضده. وإن شئت قلت: لو أمن الموتُ لما كان للشجاع فضل، لانه قد أمن الموت. وكذلك السخيُّ والصبور لأن اعتقاد الخلود، وتنقل العُسر والشدة إلى الرخاء مما يُسكن النفوس ويسهل البوس. هذا قول أبى الفتح، وهو حسن. وقوله:) لولا لقاء شعُوب (اراد لولا تيقن لقائها. و) الفتى (هنا لا يعني به فتاء السن إنما يراد به المدخ. كقولك: أنت الرجلُ اي الجلد الصابر وكقول الهذلي: فثى ما ابنُ الأغر إذا شَتَوْنا ... وُحبَّ الزاد في شَهرْى قُماحِ كنى بالفتوة عن الكرم، كأنه قال: ابن الأغر كريم مُتَفَتٍّ، ولولا ذلك لم يعمل) فتى (في) إذا (لأن الظروف لا تعمل فيها الا الأفعال أو ما هو في طريقها، واذا قلت زيد فتى تعني به السِّن، فليس فيه معنى فعل. ) فعُوض سيفُ الدولة الأجر إنه ... أجلِّ مُيبِ ( إن شئت عنيت بالمثاب سيف الدولة، وإن شئت عنيت به الأجر الذي أثيبه. ) إذا استقبلت نفسُ الكريم مُصابها ... بخُبثٍ فاستدبرتهُ بطيبِ ( المصاب هنا الإصابة لأن المصدر قد يخرج على شكل المفعول به لانه في المعنى مفعول، فمن ذلك الميسور والمعسور والمعقول والمجلود فأما فيما جاوز الثلاثة فمطرد كالُموفى في معنى التوفية، والمقاتل في معنى القتال أنشد سيبويه: أقاتل حتى لا أرى لي مُقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيس والخُبثُ في هذا البيت: كناية عن الجذَع، وجيشان النفس عند الفزع. والطيب: كناية عن الصبر والتوطين. اي إذا جَزع الفهم في أول نزول المصاب به رَاجَع أمره بعد ذلك، فعاد إلى الصبر. وإن شئت قلت: من لم يوطن نفسه للقاء المصائب قبل نزولها صعبت عليه عند حلولها فليستشعر اللبيب التوطن على لقاء المكروه لانه إذا لم يفعل ذلك، ونزل به ما يكره، عظم عليه وجزع منه ثم يحول بعد ذلك إلى الصبر، لا جدوى له الجزَع. فالحكم أن يبتدئ أولاً بما يعود إليه آخراً كقول الشاعر: رأى كلَّ شيء إلى غاية ... فصيرَّ آحَرهُ أولاَ وقد فسر المتنبي معنى هذا المتقدم بقوله بعد هذا: ) وللواجِد المحزُونِ مِن زفراته ... سُكونُ غزاء أو سكونُ لُغُوبِ ( اي لابد للمحزون أن يسكن حزنُهُ: إما تعزيا وهو الحميد، وإما إعياه وهو اللغوب. وإن شئت قلت: إن لم يصبر تعزياً واحتساباً، وإلا صبر لغوبا حين لا أجر له ولا فضل. وله ايضا: ) فَلم لا تلُوم الذي لاَمَها ... وما قصُّ خاتمه يذْبُلُ ( كأن لائماً لام هذه الخيمة على عجزها عن الاستقرار على سيف الدولة والاعتلال له حين تقوضت. فيقول: لا ينبغي أن تُلام ذلك ليس في وسعها، ولا استطاعتها، وليس على تارك ما يطيق لوم. فإن كان الإنصاف أن تُلام هذه الخيمة على ما ليس في طوقها، فلم لا تلُوم لائمها على أن لم يطق أن يجعل فصَّ خاتمه يذبل؟ لأنهما قد استويا في العجز وإنما كان ينبغي أن يلومها من أطاق التختم بهذا الجبل. فإذن لا أحد يقدر على ذلك فلا تلومن الخيمة على تقوضها، وضعفها عن حمل سيف الدولة، لأن العجز عن الممتنع قد وضح فيه العُذر، و) لِمْ (:لغة في) لِمَ (فاشية معروفة. ) فام اعتمد اللهُ تقويضها ... ولكنْ أشار بما تَفْعلُ ( اي لم يقوضها ليحُزنك، ولكن اشار عليك بالرحيل نحوما اختاره لك من الجهاد، وسلوكِ شُبُل الرشاد. والإشارة من الله عليه: إنما هي إلهامُهُ إياهُ، وليست على حد الاشارة الانسانية، لأن إنما هي الجوارح. وربنا تعالى يَجِلُّ عن ذلك. ) رأتْ لون نُوركَ في لونها ... كَلَون الغَزَالةِ لايُغسَلُ ( وهذا عذر الخيمة في سقوطها، اي أنها رأت لون نورك في لونها كنور الشمس فراَعها في ذلك، لانها ظنتك الشمس؛ التي هي ملك الكواكب، فلذلك سقطت لأنها استعظمت حملها لك، وقوله:) لايُعْسَلُ (اي اصل نورك بها، حتى صار فيها كالشامة التي لا تُحمى بالغسل. ) وقد عَرَفتكَ فما بَالُها ... تراك تَراها ولا تَنزِلُ (

стр. 57

هذا البيت شُنع وكُفر لما عنى أن هذه الكواكب غير عاقلة لأنها لو كانت عاقلة لعرفَتْك، وتبينت أن مَحَلك فوق محلها، فكانت تنزل إليك فإذا لا تنزل، فهي غير عارفة بك، واذا هي غير عارفة بك، فهي غير بك، وإذا هي غير عارفة بك، فهي غير عاقلة. ولعمري، فقد ذهب في تلك إلى تكذيب من ادعى أن الكواكب تعقل وإن كان قد غلا. وله ايضا: ) وما عَفَتِ الرياحُ له محلاَّ ... عفاهُ من حدا بهمُ وساقَا ( اي لم الرياح هذا المنزل، وإنما عفاه بتنقلهم عنه وإخلائهم له. ) نَظَرتُ إليهمُ والعينُ شَكْرى ... فصارت كلُّها للدمع ماقا ( شَكْرى: اي ملأى لم تفض بعدُ. والماقُ: مجتمع الدمع. فلما رأتهم متحملين، فاض الدمع مع جميع جوانبها ولم يخص الماق وحده، بل صارت العين كلها مَجرىً، فكأنها كلُّها مآق، كقول الشاعر: أقلبُ عيني في الفوارس لا أرى ... حراقاً وعيني كالحجاةِ من القَطْرِ اي تملأت كلُّها من الدمع حتى عادت كالحَجَاةِ؛ وهي نُفاخة الماء. ولا أقول: إن الألف في) ماق (مبدلة من الهمزة، لمكان الردف، لأنهم قد قالوا) ماق (بزنة) مال (وكسَّرُوه على أمواق كأموال، فدل ذلك على أن ألفه منقلبة عن واو؛ كألف مال. ولو لم نعرف مافاً مكسراً على أمواق، لعلمنا أن ألفه منقبلة عن هكزة، لقولهم مأق مهموزة. إن شئت قلت: إذا نظرته العين استحسنته، فلم تعدُه، وتثبت فيه. فكثر الناظرون إليه من كل جانب حتى كأنه متنطق بالحدق. وإن شئت قلت: تثبت الأبصار فيه لبضاضته ونعمته؛ فكأن ما ثبت فيه من حَدق الناظرين إليه نطاق له. واراد كأن عليه نطاقا من الحَدَق المُحدق به. ) أباحَ الوحشَ يا وحشُ الأعادي ... فَلم تَتَعرضين له الرِّفاَقا ( الحشُ مؤنث. ويروى) أباحك أيها الوحش الأعادي (. والأعادي: جمع الجمع: عدو وأعداء وأعادٍ؛ وأصله أعادي كأفاعي؛ فحذفت إحدى الياءين تخفيفاً، ثم حذفت الأخرى حذفاً لغير علة؛ وصار التنوين عوضاً منها. واراد) الأعادي (لانه في موضع نصب؛ بكونه مفعولاً ثانياً فاضطره الوزن إلى تسكين الياء. والرفاق: جمع رفقة كُحفرة وحفار، وعلبة وعلاب والمعنى أيتها الوحش؛ قد أباحك هذا الممدوح أعاديه قتلهم وصَرَعهم لك؛ وحكمك في أكلهم، فلم تتعرضين له الرفاق السائرة إليه، وقد أغناك عن الاعتساس والطلب فيمن أجزرك من أعاديه؛ وجَعَله لك أكيلة. ) إذا أنعلن في آثارِ قوم ... وإنْ بُعدوا جُعلنهمُ طراقا ( الطراق: نعل تُطرح تحت النعل؛ استظهاراً وتوكيداً. اي إنها إذا أنعلت في طلب قوم أدركتهم فدلستهم؛ فصارت أشلاؤهم نعالاً لتلك النعال. ) أقامَ الشعرُ ينتظهر العطايا ... فلما فَاقتِ الأمطار فاقا ( انتظر الشعر أن تُحسن، فأشكرُ وأشعرُ. فلما فاقت عطاياك الأمطار، فاق شعري الاشعار كقول البحتري: فقد أتتك القوافي غبَّ فائدة ... كما تَفتحُ بعد الوابل الزهرُ ) يُقصرُ عن يمينك كلُّ بحرٍ ... وعما لم تُلقهُ ما ألاَقا ( لاَقَ الشيء وألاقهُ: أمسكهُز ولاقَ هو نفسهُ: أمسك. وأنشد سيبويه: تقولُ إذا استهلكتُ مالاً للذةٍ ... فُكيهةُ هشىءٌ يكفيك لائقُ يقول: يقصر البحر عن يمينك جوداً؛ ويُقصر ما آلاق من الأعلاق، عما بذلته أنت. اي إنما تعطيه أنت أكثر مما يمسكه البحر في ذاته. وله ايضا: ) لا الحُلمُ جاد به ولا بمثالهِ ... لولا اد كارُ وداعهِ وزيالهِ ( اي مثله لايستطيع الحلمُ أن يُصوره، لانه أرفع من ذلك. لكني تذكرته حين نذكرت وداعَه ومزايلته؛ فثبت ما امتثلت منه في هاحسى؛ فأراني النوم إياه. فإذن لم يجد لديه إلا تذكرهُ به. وهذا رأى بعض الفلاسفة فيما يراه النائم. وقال أبو تمام: زارَ الخيالُ لها لا بل أزاركهُ ... فكرٌ إذا نَامَ فكرُ الخلقِ لم يَنَمِ وإن شئت قلت: إنه بالغ بصفة هجر محبوبه له فقال: لا يسمح لي بمواصلةٍ في يقظة ولا نوم؛ وإنما أطلت تذكره؛ وواصلت ذلك ليلاً ونهاراً حتى رأيت خياله. وأبلغ منه قول الآخر: ) صَدَّتْ وعلمت الصدود خيالها ( فهذا يصف أنه لم ير خيالها. ) إن المعيد لنا المنامُ خيالهَ ... كانت إعادتُه خيال خياله (

стр. 58

اي كنا قبل النوم نتخيل خياله بالتذر والتفكر؛ فلما نمنا رأينا خيال ذلك الخيال الذي كنا تخيلناه. وإن شئت قلت: إنه كنى بذلك عن قلة الزمن الذي استمتع فيه بالخيال. والإعادة بمعنى المُعاد، وضع المصدر موضع الاسم ولا يكون الخيال هو الإعادة، لأن الخيالَ جوهرٌ والإعادة عَرَض. ) نجني الكواكب من قلائدِ جيده ... وتنالُ عين الشمس من خلخالٍه ( السابق من هذا البيت إلينا؛ أنه شبه دُر قلائده بالكواكب لبياضه، وخَلْخاله بعين الشمس لاستدارته ولونه، إن كان من ذهب ولكن ألطف من هذا أن يقول إن هذا المحبوب ممنوع لا تصل اليد إلى العبث بقلائد جيده، ولا تمسُّ خلخاله الأيدي، فيقول: من مس قلائده فكأنه جنى الكواكب لبُعدها ومناعتها، ومن نال خَلْخاله؛ فكأنه نال الشمس لذلك أيضاً مع التشبيه الذي تقدم ذكره لو قال:) وننال الشمس من خلخاله (كان كافياً في المعنى لكن قال:) عين الشمس (لأن هذه الجارحة مستديرة. وإن شئت قلت: إنه عنى بعين الشمس حقيقة جوهرها، لأن هذه الجارحة من الحيوان. ) بنتُم عن العين القريحة فيكُمُ ... وسَكنتُم طي الفُؤادِ الوَالهِ ( فيكم: أي من أجلكم، كما تقول: هُجرت فيك: اي من أجلك. وليست) في (هنا للوعاء) وسكنتم طي الفؤاد (: كان يعني من ذلك أن يقول: وسكنتم الفؤاد. ولكنه وطأ بذكر الوطن صنعةً وتسبباً، إلى خفظ إعراب القافية وجعل الهاء الأصلية في الواله لأن العرب تصل بها أصلاً كما تصل بها زائدة. قال: ضوريةٌ أولعتُ باشتهارها ... ناصلة الحقوينِ من إزارِها يُطرقُ كلبُ الحي مِنْ حِذارها ... أعطيتُ فيها طائعاً أو كارِها فوصل بالهاء الأصلية في قوله كَارِهَا وفَارِها كما وصل بالزائدة في سائر الأبيات. ) فَدَلوتُمُ ودُنُّوُّكُم من عندهِ ... وسَمَحْتُمُ وسَماحُكُم من مالهِ ( اي فكر فيكم فأدناكم فؤاده، ولم تدنُوا أنتم بإرادتكم. فالمنُّ للفؤاد لا لكُم، وسمحتم وسماحكم من ماله. اي سمحتم له بالزيارة، وسماحكم من لدُنه لانه إنما كان لما امتثله خاطركم من ذكراهم، وتصور لقياهم. ولما ذكر السماح استجاز ذكر المال، وإلا فلا حقيقة له. ) اني لأبغضُ طيف من أحببُته ... إذ كان يهجرني زمان وصاله ( إنما شنأ الطيف، لانه وصله أيام هجر الحبيب له، وهو المُوجب لزيارة الطيف لأن إمكان الوصل الحقيقي لا يكاد يكون معنى خيال إنما الخيال مع عدمه لما يحدُث من الشوق والتوق. وقيل معناه: إذا كان الحبيب يهجرني زمان وصال الخيال، وهذا من الضعف بحيث لا يلتفت إليه. وإنما نقلته تعجباً. ) إن الرياح إذا عمدن لناظرٍ ... أغناهُ مُقبلُها عن استعجالهِ ( اي أن الممدوح من شيمة المباردة إلى الجود، ما يغني عن السؤال، كما أن للريح من السرعة ما يغني عن الاستعجال لها. والهاء في استعجاله يجوز أن تكون للناظر، فتكون في موضع الفاعل، اي من استعجاله إياها، ويجوز أن تكون للمٌبل، فتكون الهاء في موضع المفعول. وذلك أن الاستعجال مصدر، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول. ) غَرَب النُّجومُ فَفُزن دون هُمُومهِ ... وطلعن حين طلعن دُون منالهِ ( اي قد نال ما هو أعلى من النجم، وهمته في ذلك غير مقتنعة بما نالت، ولا مقتصرة عليه، فهي تطالبه بما هو أبعد من مطالعها ومغاربها. وله ايضا: ) الفاعلُ الفعل لم يُفعلِ لشدتِه ... والقائلُ القول لم يُترك ولم يُقل ( اي يفعلُ الذي لم يفعله غيره، بل عجز عنه وقصر، لشدته وثقل مئُونته، و) القائل القول لم يُترك (: اي لم يُترك الناس اجتهاداً في أن يقولوا مثله، فهذا معنى قوله:) ولم يُقل (. وهو كقول البحتري: في غايةٍ طلُبت وقصر دُونها ... من رامها فكأنها ما تُطلبُ اي لما كان الطلب علةً للإدراك؛ ثم لم تك هذه الغاية مُدركة، كان الطلب كأن لم يكن. وتقدير البيت: الفاعل لفعل الذي لم يُفعل؛ والقائل القول الذي لم يقل؛ فحذف) الذي (ومثله كثير كثير؛ أنشد سيبويه: لو قُلت ما في قومها لم تيثمِ ... يفضلُها في حسبٍ وميسمِ ) هو الشجاعُ يعدُ البخل من جُبنٍ ... وهو الجونادُ يعدُ الجبُن من بخلِ (

стр. 59

اي انه شجاع جواد؛ لأن إحدى هاتين الصفتين منوطة بالأخرى؛ لأن الشجاع يجب له أن يعلم أن البُخل جُبن وهلعٌ من الفقر؛ فإن كان بخيلاً فهو ناقص الشجاعة؛ لحذره من الإعدام؛ ويُحبُّ للجواد أن يعلم أن الجُبن بخلٌ بالنفس؛ فان لم يك ذا شجاعة فهو ناقص الكرم؛ لبخله بذاته. فهذا الممدوح قد تبين له أن البخل جُبنٌ؛ وان الجُبن بُخلٌ؛ فلم يرض إحدى الخطتين دون صاحبتها؛ فشجُع وكرُم. ومثله قوله هو ايضا: فقلت إن الفتى شجاعتثه ... تُريه في الشُّح صورة الفَرَق وقد اجاد ابن الرومي تلخيص ذلك وتسهيله؛ فقال: البخلُ جبنٌ والسماحُ شجاعةٌ ... لاشك حين تصحح التحصيلا جبُن البخيل من الزمان وصرفهِ ... فتهيب الإفضال والتنويلا ) وكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهم ... تركتَ جمعهُم أرضاً بلا رجُلِ ( اي كانوا كثيرا قد غطوا الارض بكثرتهم حتى خفيت، فكأنهم بلا أرض البتة، يقول: قتلهم أنت حتى عادت تلك الارض المُوطأةُ بكثرتهم؛ أرضاً لا ترى فيها رجُلا. وأوقع) كم (على جميع هذا؛ لأنها خبر. قال: كم دُون سلمى فلواتٍ بيدِ ... منُضيةٍ للبازل القيدُودِِ وقوله:) تركت جمعهم أرضا بلا رجُل (جملةٌ في موضع جر، لأن موضع كم هنا رفع بالابتداء. ) يا مَنْ يَسيرُ وحُكمُ الناظرين لهُ ... فيما يراهُ وحُكمُ القلب في جذلِ ( اي قد أطاعتك آمالكُ، وحكمك الزمان في نيلك كل ما سعيت إليه، وبنيت هواك عليه، فما تقغ عيناك من المرئيات إلا على ما يسُّرهما ويؤديان به إلى فؤادك ما يخبرك ويسرك. وقال: وحكم الناظرين وحكم القلب: اي حكم ناظريه وحكم قلبه. وكلتا الجملتين في موضع الحال من الضمير الذي في الفعل، أعنى) يسير (اي: يا من يسير مسروراً جذلَ الفؤاد. ) أجر الجياد على ما كنُت مُجربها ... وخُذ بنفسك في أحلاقِك الاولِ ( السابق إلى من هذا البيت، أنه رأى منه تغيراً عما كان عليه من تفضيله على من سواه من الشعراء فقال له: اعدل كما كنت فاعلا. وأما ابن جني فقال: سألته عن هذا فقال: كان سيف الدولة قد ترك الركوب أياماً، فحضُه بذلك على المُعاودة ) إذا كان مدحٌ فالنسيبُ المقدمُ ... أكُلُ فصيحٍ قال شعراً مُتيمُ ( من شأن الشعراء إذا ارادو المدح، أن يقدموا النسيب. هذا هو الأغلب، حتى سموا الشعر الذي لا يُصدر بالنسيب خَصِياً، حُكِى هذا عن أبي زيد. فالمتنبي قد خَرَق في هذا الشعر عادتهم، وأنكرها عليهم، وجعل ابتداء شعره مدح سيف الدولة. ثم قال:) أكلُّ فصيح قال شعراً مُتيمُ (؟ هذا في اللفظ إنكارٌ، ظاهره استخبار، وهو في الحقيقة خبر منفي. اي ليس كل فصيح شاعراً مُتيماً، فيلزمه النسيب إذا مدح. ) فَجَازَ له حتى على البدرِ حُكْمُه ... وبَانَ له حتى على البدرِ ميسمُ ( اي إذا سار أثار الغبارَ، فحكم على الشمس بالاسوداد. وهو ضدُّ لونها. واذا سَارَ ضاعفَ الغبار. وكَلَفَ البدر. والميسم على هذا القول من الوَسمِ - الذي هو العلامة بالنار والقطع، وليس بآلة هنا، إذ لا معنى لذلك وقيل المِيسم هنا الحُسن. اي فاق البدر في الحسن والأول أولى. وتقدير البيت: فجاز له حُكم على شيء، حتى على شمس. وبان له وسم على كل شيء، حتى على البدر. وينبغي أن يكون الفعل مَنويا مع حتى، كأنه قال: حتى جاز على الشمس، وحتى بان على البدر، اي إلى أن. ولا تكون حتى هنا حرف غاية، وتكون داخلة على) على (لأن حتى وعلى حرفان، ولا يدخل حرف على حرف. فلا بد من تقدير حتى) بإلى أن (. وإذا قدرتها بإلى أن، فقد حصل الفعل؛ لأن) أنْ (لابد لها من الفعل. ) وَلا كُتبَ إلا المشرفيةُ والقنا ... ولا رُسلُه إلا الخميسُ العرمْرمُ ( اي الذي يقوم له مقام الكُتُب، إنما هو السيوف. والذي يقوم له مقام الرُسُل، إنما هو الجيش العظيم، يُهديه إلى عدوه. وإنما نفي عنه الإخلاد إلى الكُتب والرسل، لأن ذلك تأنٍ، وأخذٌ بالهُويني. ) يطأن من الأبطال من لا حملنهُ ... ومن قصد المُران ما لا يُقومُ (

стр. 60

القصد: كسر الرماح، واحدتها: قصدة. والمُران: وشيج الرماح إذا لأن وتخلق، من المرانة؛ وهي اللين، ألا تراهم قالوا في هذا المعنى: ... رمح لدن. واللُّدنة: اللين. ومن هنا زعم سيبويه أنه إذا سميت بُمرانٍ صرفنه؛ لتصوره معنى من اللين فيه. ومعنى البيت: أن خيله يطأن من أعدائه، منى لم يَحمِلنه. فومضع الماضي موضع المستقبل. وإنما توضع الأفعال بعضها موضع بعض في غالب الأمر مع الحروف، نحو قولك: إن فعلتَ فعلتُ: اي إن تفعل أفعل، وقولك: والله لا فعلتُ، تريد: لا أفعلُ. ) ومِن قصَدِ المُران ما لا يقومُ ( اي قد بالغت في تحطيم الرماح وتعويجها حتى ليس في الإمكان أن يُجبر عن كسرها؛ ولا أن يٌقوم مُنادُها وقيل:) مَنْ لاَ حَمَلتهُ (: دعا للمدوح: اي لا غلب عداهُ حرابه، فيملكوا خيلهم. والأول عندي أولى، لقوله:) ومن قصد المُران مالا يقوم (فهذا خبر، إلا أن تضع) يُقوم (موضع) قُوم (فيتوجه معنى الدعاء، وقد يجيء لفظ الدعاء مساوياً للفظ الخبر، كما يكون ذلك في الأمر والنهي، كقول الشاعر، أنشده يعقوب: كملقي عقالٍ أو كَمَهلكِ مالكٍ ... وليس لحي هالك بوصيلِ وقال الهُذلي: ليس لِميْتٍ بوصيل وقد ... عُلق فيه طرفُ المَوصِلِ فمعنى هذا كله: ولا وُصل هذا الحي بهذا الهالك. وهذا دعاء قد خرج على لفظ الخبر، ومثله كثير. ) يُقرُّ له بالفضلِ من لا يودُّهُ ... ويقضي له بالسعِد من لا يُنجمُ ( اي إن فضله ذائع شائع، يضطر عداه إلى الإقرار به له، تنكبا لخرق الإجماع، وعلما منهم أنهم أنكر، ولم يقبل ذلك منهم، فكان دليلاً على تعسُّفهم كقول البحتري: لا أدعى العلاءِ فضيلةً ... حتى يسلمها إليه عداهُ ) ويقضي له بالسعد من لا يُنجمُ ( أي قد عهد سعيداً ميموناً مدركاً لكل من طلب فيقاس بماضي أفعاله وحاضرها على مستقبلها. ) أجار على الايام حتى ظننْتُه ... تُطالُبه بالرد عادٌ وَجُرْهُمُ ( ) أجار على الايام (: حمى منها ومنع، وجعل نفسه ملاذاً للناس منها، حتى ظننت أن الغابرين من الأمم ستطالبه بأن يردها إلى الحياة، وأن يُعديها على الأيام التي تحيلإتها وأهلكتها. وخص عاداً وجُرهماً لقدمهما. وإن شئت قلت: لعظمها. ) كأجناسها راياتُها وشعارُها ... وما لبسته والسلاحُ المصمُ ( عسكر العرب قبيلةٌ واحدة. فحيلة وسلاحه ملبوسه كُله عربي، وإنما مدح عسكره بذلك، لأن الجيش إذا كان من قبيلة واحدة كان أشد لبأسها. هذا قول ابي الفتح. والذي نؤثر نحن، أن عسكر العرب إنما هو كما قال، ألا ترى أن النابغة قد قال: وثقت لهم بالنصر إذ قيل قد غزت ... كتائبُ من غسان غيرُ أشائب وهي التي تسمى الحمرة. ومنه قول الحطيئة لعمر بن الخطاب:) يا أمير المؤمنين، كُنا ألف فارس، ذهية حمراء: اي لم يختلط بنا أحد، فهكذا عسكر العرب. فأما عساكر الملوك فكلما تنوعت أجنادها، كان أعظم لمُلكها، وأقدر لملكها، لانه متى تغيرت حربٌ ما، قوم بحرب آخر (فيقول إن أجناس عسكرها هذا الملك كثيرة مختلفة بالنوعية، فينبغي أن تختلف أيضاً أعلامها وبزتها وسلاحها، لكل نوع من أنواع الخميس زي يخالف زي صاحبه كقوله هو يصف عسكراً: تَجَمه فيه كل لسنٍ وأمة ... فما تُهمُ الحُداث إلا التراجمُ وتقدير البيت راياتهُا وشعارها وسلاحها كأجناسها. اي أن هذه المحمولات كلها متنوعة في ذاتها، كما أن الحاملين لها متنوعون. والتنوع الذي ذكرناه في هذا البيت؛ إنما هو تنوع بالنسب، وتنوع بالصورة، لا تنوع بالفصول الذاتية، ولو قال هو كأنواعها، لكان أشبه، ولكنه آثر كلام الجمهور. ) بغُرته في الحرب والسلم والحجا ... وبذل الُّها والحمدِ والمجد مُعلمُ ( اب أنه مُعلم بغرته في هذه الفضائل كلها مطرور لها. ذهب إلى شهرته وجَهرَته. ) ضلالاً لهذي الريح ماذا تُريدُه ... وهدياً لهذا السيلِ ماذا يُؤممُ ( دعا على الريح، لأنها عارضت سيف الدولة فآذت، ودعا للغيث لمشاكلته إياه في طبيعة الجود. ) تَلاَكَ وَبعضُ الغيثِ يَتبَع بعضَه ... من الشام يتلُو الحاذق المُتعلمُ (

стр. 61

تلاك يعني الغيث، ويخاطب الملك، وكان الغيث قد صحبه من الشام إلى ميافارقين وبعض الغيث يتبع بعضه: اي أنك غيث، فلا تلم الغيث في اتباعه إياك، لأن بعض الغيث يتبع بعضاً. و) من الشام (: متعلق بتلاك؛ اي تلاك هذه الغيثُ من الشام. ) يتلو الحاذق المتعلمُ (: إما أن يكون هذا على المَثل، فيكون الحاذق والمتعلمُ نوعين، اي كل حاذق يتلوه مُتعلمه، من اي الطبقات كان. فهذا وجه المثل الكلي. وإما أن يهني بالحاذق سيف الدولة، وبالمتعلم الغيث، اي سيف الدولة هو الحاذِق بسلوك طريقة الجود، والغيثُ مُتعلمٌ منه فهو يتبعه لذلك. ولو اتزن له أن يقول: يتلو المُعَلمَ المُتعلّم، لكان حسناً لمقابلة الفاعل بالمنفعل المفعول، ولكن في الحاذق مزيةٌ، اذ ليس كل مُعلم حاذقاً. ) ألم سألِ الوابلُ الذي رام ثنيناَ ... فيُخبره عنك الحديدُ النُثبمُ ( اي: ألم يسأل الوبلُ الذي اراد صرفنا عن وجهنا، الجديد المَثلم فيخبره عنك، انه لم يجد فيك مطمعا، ولا لصرفك مَوضعاً. فكيف يروم الغيث من فك وصرفك، ما عجز عنه الحديد، الذي هو أقدر على ذاك منه. فالعامل في هذا البيت الفعل الآخر، الذي هو) فيخبره (. وهذا كقولك ضربتُ وضربني زيد، اي ضربت زيداً، وضربني زيدٌ. فخذف لدلالة الثاني. وقد أبان سيبويه ذلك وقال: إنه كلام العرب، أو أكثر كلامها. يعني إعمال الثاني. ولو أعمل الاول لقال الحديد المثلم فيخبره، وهو كقولك: ضربت وضربني زيداً، اي ضربت زيداً وضربني. وله ايضا: ) وَمن صحب الدنيا طويلاً تَقَلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا ( اي لا صدق أصدقُ من العيان، وبه تثبت حقيقة البُرهان. فيقول: من عرف الدنيا علم أن ما يراه عياناً مما يسره، لا يلبث أن يزول، فيعقبه ما يسوءه فكأن ذلك الصدق المدرك بالعيان كذب. و) طويلا (هنا: نصب على الحال، ولا يكون على الظرف، لأن طويلاً ونحوه صفة، وليس بحين يقع فيه الفعل، ولذلك اختار سيبويه في قولهم:) سِبر عليه حسناً وشديداً ونحوهما (أن يكون أحوالا لا ظرفاً، لما قدمنا. ) لقدْ لعب البينُ المُشتُّ بها وبي ... وزودني في السير ما زود الضبا ( يعني ما زود الضبَّ العدم، وإن كان لفظه لفظ الوجود. اي لم يُزودني شيئاً بقدلا ما يشربُ الضبُّ من الماء. والضب لا يشرب الماء ألبتة، إنما يستروح النسيم. ) إذا الدولةُ استكفتْ به في مُلمةٍ ... كَفَاهَا فكانَ السيفَ والكفَّ والقلباَ ( استكفت به: اي طلبت الكفاية. ولو قال استكفتهُ فاتزن، كان) مثل (قوله: استغفرت الله واستعجلت السير. ) كفاها فكان السيف والف والقلب (: اي كان هو الجامع لهذه الثلاثة، وذلك أن السيف لا يستغني عن الكف، والكف لا تقبض عليه حتى يؤيدها القلب. وقد قال هو في تحقيق هذا: وَلَكِن إذا لم يحمل القلبُ كفه ... على حاله، لم يحمل الكف ساعدُ ) فبُورِكت من غيثٍ كأن جثلُودنا ... به تُنبتُ الديباج والريط والعصبا ( العَصبْ: برود اليمن، جعله كالغيث وجعل جلودهم كالأرض التي إنما تُنبت بالغيث. فان شئت قلت: كَنَى بالديباج والربط والعصب عن نَعْمة جلودهم وما يعلوهم من الخير. وإن شئت قلت: كنى به عما تَهب لهم من الكُسا، وإن شئت قلت: إن الغيث يُنبِت الرياض، وجلودُنا بنداك تنبت ما هو أحسن من الرياض: عَصْباً وديبتجاً. ) ولكنه وَلى وللطعنِ سورةٌ ... إذا ذَكرتها نفسُه لمَسَ الجَنبْاَ ( سَورة: حِدةٌ وارتفاع: اي إذا ذكر سَورْة الطعنة لم يصدق أنه نجا منه فلمس جنبه، ليعرف هل أصابه الطعن أم لا؟ كقول أبى نواس: إذا تفكرتُ في هواى له ... لمستُ رأسي هل طار عن جسدي يعني أنه يَهوَي ممتنعاً عزيزاً. ) فأضحى كأن السُّور من فوقُ بضدؤُهُ ... إلى الارض قد شَق الكواكب والتُّرْبا ( ) من فوقُ (: مبني على الضم لحذف المضاف إليه. وبدؤه: ابتداؤه. اي أن هذا السور فوقه قد شق الكواكب إلى ما فَوقها؛ وأسفله قد شق التربَ إلى ما تحته، كقول السموءل بن عادياء يصف حصْناً: رَسا أصلهُ تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فَرع لا يُنال طويلُ فكأنه قال من السماء بدؤه إلى الارض. وإذا كان من السماء إلى الارض، فهو لا محالة من الارض إلى السماء. وإن كان المبدأ الصحيح إنما هو: من الارض.

стр. 62

وله ايضا: ) أعيذُها نظراتٍ منكَ صادِقةً ... أن تحسب الشَّحْمَ فيمَن شحمُه وَرَمُ ( اي: أجلُ نظرك الصادق المصيب، أن تظن بي حُسن حالٍ، لما يظهر لك من شارتي، وانما ذلك تجمُّل لا غنى، فنظرُك هذا لايُشبه لك الأمر بخلاف ما هو به. ويكون النظرُ ها هنا ظنُّه الخير فيمن لا خير فيه؛ والاول أشبه. إذا تَرَحَّلْتَ عن قومٍ قدرُوا ... ألا تُفارقهُم فالراحِلُون هُم ( اي إذا قدرُوا على إغنائي عن مُفارقتهم، ثم اضطلاوني إلى فراقهم) فُهمُ (المخلُّون بي حقيقة. وإن كنت أنا المخل بهم، لأن سبب إخلإلى بهم إنما هو سبب إخلالهم بي. وإذ لو شاءوا ألا أرحل عنهم لم أرحل. ) وقد قدرُوا (: جملة في موضع الحال. وجاز أن يكون حالاً من قوم، وإن كانوا نكرة، لأن فيه معنى العموم، ولولا هذه الواو، لكان أولى من ذلك أن تكون الجملة في موضع الصفة للنكره. فأما مع الواو فلا يكون، لأن الصفة والموصوف كالشيء الواحد. فإذا عطفت الصفة على الموصوف، فكأنك عطفت بعض الاسم على بعض، وذها مالا يسوغ. وأما الحال فمفصوله من ذي الحال، فجاز الفصل بينهما لذلك. ) وَشرُّ ما قيصتهُ راحتي قنصٌ ... شُهبُ البُزاة سواء فيه والرخمُ ( اي: أنا في الشعراء كالبازي في أنواع الطير، والشعراء غيري كالرخم، وبين البازي والرخمة من الفضل ما قد عُلم. فيقول: إذا تساويتُ أنا ومن لا تُدركه في أقدار عطاياك، فكان له منها مإلى، فأي فضل لي عليه، وإن كنت فاضلاً له؟ يقول: إما أن تُميزني على غيري من الشعراء، وتُبقي عطاياك لهم كما هي، وإما أن تُبقي عطاءك لي كماهو، وتُنزلهم عنه، ليكونوا دُوني في النوال، كما هُم دُني في المقال. وخص شُهب البزاة لأنها أفرهُهُن وأقنصُهُن. وقد قيل إن البُزاة كُلها شُهب. فليس إذن على طريق التخصيص، وإنما على حسب الصفة التي البزاة بها. ) وَمُهجةٍ مُهجتي من هم صاحبها ... أدركتُها بجوادٍ ظهرُهُ حَرَمُ ( اي: وُرب ذي مهجةٍ طلب مني ما طلبت منه فلم ينلى ونلُته أنا بجواد ظهره حرمَ: اي من ركبه ولاذ به لم يُنل، ولا قتِل، كما لا يُقتل اللائذُ بالحرم. ) رجلاَهُ في الركضِ رجلٌ واليدان يَدٌ ... وفِعلُه ما تُريدث الكفُّ والقدَمُ ( اي: أنه يطفرِ، فَتَقَعُ رجلاه معاً كأنمكا هما رجل واحدة. وكذلك تقع يداه، فكأنهما يد واحدة. و) فعله ما تريد الكفُّ (إذا ضربتْه، والقدم إذا ركضته. يقول: فهو يُغنى فارسه أن يضربه بسوط، أو يركضه بعقبيه؛ ليستدر بذلك جرْيته، ويستمري مشيته. وله ايضا: ) أشكُو النوى ولهُمْ من عبرتي عجبٌ ... كذاك كُنتُ وما أشكُو سوى الكلل ( اي: عجُبوا من بكائي وقد غيبها البُعد، وكذا كان دمعي وهي حينئذ قريبة لا تغيبها عني إلا الكلل. فكيف يعجبون من بكائي الآن. ... فقوله:) وما أشكو سوى الكلل (: جملة في موضع الحال. كأنه قال: كذلك كانت عبرتي وهذه المحبوبة قريبة. وجعل) سوى (ها هنا، اسما، فموضعها نُصب بأشكو. وهو في قوة قوله: وما أشكو شيئاً سوى الكلل. وحَسن ذلك أنه في معنى: وما أشكو إلا الكلل. ) مابالُ كُل فُؤاد في عشيرتها ... به الذي بي وما بي غيرُ مُنتقلِ ( اي به من الحب لها مثل ما بي. والذي بي مع ذلك منتقل وكان القياس، إذ كان بهم مثلُ ما بي، أن ينتقل عني حبُّها. وقيل معناه: به مثلُ الذي بي. والذي ثابت. فالذي بهم أيضاً ثابتٌ لا ينتقل. والفؤاد هنا يجوز أن يعني به الطائفة التي هي موضع الحب، أعنى القلب. ويجوز أن يعني به كل سيد في عشرتها، لأن الفؤاد من أشرف طوائف الجسم. وهذا كما يسمى الشريف عينا لأن العين أشرف الحواس، وألطف جوهراً، فيكون كقول أبى تمام: وسنى فما يصطادُ غير الصيدِ ) مُطاعةُ اللحظ في الألحاظِ مَالِكةٌ ... لمُقلتيها عظيمُ الملُك في المُقلِ ( اي إذا رأت العيون عينها، ملكت عينها العيون، فلم تقدر أن تتعداها إلى غيرها. فكأن عينها للعيون ما لكة، بمعنها إياها التصرف، والمالك مُطاعٌ. والألحاظ: جمع لحظ. على أنه سمي العين لحظاً، ثم جمعه وإلا لم يُسوغ جمعُ المصدر، إلا أن تكون العرب قد صرحت بجمعه.

стр. 63

ونظير الألحاظ قولهم) الاسماع (إنما سمي موضع السمع بالمصدر، ثم كُسر. ولو قيل إنه اعتمد اللحظ الذي هو المصدر مختلف الأنواع ثم كسره، كما كسرت الحلوم والأشغال، لكان وجها، إن كان ثبت عنده له سماع، يثبت أن المصدر الذي هو) اللحظ (يُجمع. ولو قال) عظيم الملك (بالكسر، لكان أشبه بمالك، كما أنه لو قال) ملكهُ (لا تزن ذلك؛ فكان ضم الميم في) المٌلك (أشبه بملك، لأن المعروف مالكٌ بين الملك، ومَلِكٌ بين الملك. ولكنه لما قال عظيم وكان) المُلك (أخم من) المِلك () اختار المُلك (. وحسُن ذلك، لأن البيت يشتمل بذلك على الملك الذي هو أعم من المُلك بقوله:) مالكةٌ، وعلى المُلك الذي هو أشرف من الملك (. ) تشبه الخفراتُ الآنساتُ بِها ... في مشيها فينلن الحسن بالحيلِ ( الخفرةُ: الحييةُ. والآنسة: المتحببة. اي كل امراة حَسنة مقصرة عن حُسنها، تشبهُ بها في مشيتها، فيغيبُ حسنُ المشي حسنها. فتنال الحُسن بالتحيل. وحَسُن التشبه بها في المشي، لأن غير ذلك من أنواع حسنها لا يُقدر على محاكاته. ) وقد أراني الشبابُ الرُّوح في بدني ... وقد أراني المشيبُ الروح في بَدَليِ ( اي قد كنت فتى يُريني شبابي رُوحي في بَدَني لا أوذن بثُقلته، ولا استشعر قرب رحلته، فلما شبثُ أيقنت إلى الموت وإإلى فراق اللدنيا، ليعمرُها بَدَلي؛ اي غيري. فكأن) روحه (قد فارقه حين تيقن بإنذار المشيب أنه مُفارقٌ. وقد قال هو في هذا المعنى يصف الدنيا: تملكها الآتي تَمَلُكَ سالبٍ ... وفارقها الماضي فِراقَ سَليبٍ اي كأن الآتي سَلَبَ الفاني روُحه. وذُكر أن الحسن البصري مر بمكتب، فبكى فقيل له ما يُبيكيك فقال: اعتباري من هؤلاء الصبيان، كأنهم يقولون: انصرفوا قد بُعثنا أبدالكُم. إلا أن المتنبي تصور روحه في غيره والحَسَن لم يفعل ذلك. ) وَقَْ طرقْتُ فَتَاَة الحي مُرتدياً ... بصاحِبٍ غيرَ عَزْهَاةٍ ولا غَزِلِ ( الفتاة: أنثى الفتى، كقولهم: غلامٌ وغُلامة، ورجل وَرَجلة. الطُّرُوق: الإتيان ليلاٌ. وأضاف الفتاة إلى الحي، تفخيماً لشأنها، وإشادة بمكانها، كقوله: ولكن قلبِي يابْنَةَ القومِ قُلبُ وأراد بالصاحب: السيف لأن الصعلوك لا يفارق سيفه، فأشعر أنه مُتصعلكٌ بقوله: إن السيف صاحب له. والعزهاةُ: الماقت لحديث لنساء ومجالستهن. والغزلُ: ضدُّه. يقول: طرقت هذه الفتاة مُرتدياً لسيفي. وجعله لا عِزْهاةً ولا غَزِلا، لأن الغزل في طريق القسمة. والعزاهةُ في طريق العدم. فيقول: سيفي صاحب لا يوصف بعزاهة ولا بغزلٍ. والجمادُ لا يقبل قسمة ولا عدَماً. فتفهمه فإنه معنى لطيف، وهو باب من المنطق حسن. ولولا أنه ليس من غرض هذا الكتاب لزدته بياناً. وقد يجب أن أعذر في قولي) الَزَاهةَ (، لانه إنما قلته لمكان الغزل، وإن لم تستعمل العربُ) العَزَاهةَ (. وأقل من هذا العُذر يغنيني مع من عَلَمَ طريقة المنطق. ) والمدحُ لابن أبى الهيجاء تُنْجِدُهُ ... بالجاهليةِ عينُ العي والخَطَلِ ( كان بعض الشعراء يمدح سيف الدولة، بذكر أسلافه من أهل الجاهلية، فعابه اوب الطيب بذلك، وقال: إن فيما يشاهدون من أفعاله وفضائله ما يغني عن ذكر قدمائه من جدوده وآبائه. وإعراب البيت يتوجه عندي على وجهين: أوضحُهما أن يكون) المدحُ (مرتفعاً بالابتداء، و) عين العي والخَطَل (: خبره، اي: مدحه إذا أنجده بذكر الجاهلية عيٌّ وخَطَل. وبالجاهلية، متعلق) بتنجدهُ (اي تُقويه بها، ولا يجوز أن يكون متعلقاً بالمدح، لانه إذا كان كذلك صار في صلة المصدر وقد حُلت بينهما بتنجده، فلذلك لا يتعلق به. ويجوز أن يكون المدح مرتفعاً بالابتداء كما قدمنا، والخبر تنجده. وعين فاعلة بتنجده. اي مدح هذا الملك بأخبار الجاهلية إنما يَمدح المادحُ بها للعيه وخَطله. ) والعُربُ منه مع الكُدري طائرهٌ ... والُّرومُ طائرةٌ منهُ معَ الحجَلِ (

стр. 64

والعُربْ: لغة في العرب. ونظيرة، العًجم والعَجَم. والقطا: نوعان كُدري وجوني، فالكُدري اسم عمهما، وحَجَلُ: القبيح، واحدتها حَجَلة، وقد يكون واحدتُها) حجلي (فيكون الحَجل، اسم الجمع كما ذهب إليه سيبويه في قولهم: خادم وخدم، وعازب وَعَزب. فالقطا من طيور ديار العرب الوَحشية. والحَجَلُ من طير الجبال، وهي من مساكن الروم. فيقول: اضطر أعداءه من الفريقين إلى العرب منه والنوحُّش. فلحق كل واحد منهما بالوحشي من طير أرضه، وصار في جملته، حتى كأن لم يكن إنساناً، بكونه مخالفاً للطير. ولذلك قال:) طائره (. وقد يجوز أن يكنى بالطيران عن شدة العَرَب، وإلا فالعرب والروم وسائر الأجيال لا يتحولون طيراً. وخَصَّ حُوشية الطير دون سائر الوحش، لانها أسرع في الهَرَب. وقوله:) منه (: اي من أجله. ) وما الفرارُ إلى الأجبال من أسدٍ ... تمشي النعامُ به في معقل الوعلِ ( اي النعام سُهلية لا قوة لخفافها على خشونة الجبل، ولو ركب سيف الدولة النعام، سهل عليها من ذلك ما صعُب من سعده، ويمُن نقيبتهمشت به في معاقل الأوعال، وهي ذُرا الجبال لأن كل صعب سهلٌ عليه. وإن شئت قلت: إنه عنى بالنعام خيله، يقول: يركب أوعر الأوعار؛ فكيف يطمع العدو المعتصم بالجبل أن يُعيذه منه. ومما يُحسن أنه يعنى بالنعام هنا الخيل؛ وأنه ليس بحقيقة النعام، وقولُه:) وما الفرارُ إلى الأجيال من أسدٍ (، يعني بالأسد سيف الدولة، ولا نوع الأسد الذي هو السبُع. فمن ظريف الصنعة أن يوفق بين آخر البيت وأوله، فلا يعني بالنعام، النوع الذي يُقال له النعام، كما لم يعنِ بالأسد الشخص الذي يسمى أسداً على الحقيقة. ) وردَّ بعضُ القنَابعضا مُقارعةً ... كأنه من نُفوس القموِ في جَدَلِ ( اي ضاق المعترك، وتحير الملتقى، حتى ردً بعض القنا بعضاً وتقارعت، فكان رد بعضها لبعض تقارعاً، وإذا كان قراعٌ، كان صوت، فكأن ذلك الصوت الذي حدث عن التقارع تخاذلُ. وذلك القراع والجدال كأنهما منافسة في النفوس، كما يتنافس المتجادلون في الظفر، فيرد بعضهم قول بعض. وأراد كأنهما ممن يحاول الظفر بالإنفس، فحذف، لانه قد علم ما يغني. وله ايضا: ) وأشنبَ مَعْسُولِ الثنياتِ وَاضحٍ ... سَتَرْتُ فمي عنهُ فقبل مفر قى ( يذهب إلى إثيار الجلالة على اللذاذة، ويدعى ذلك لتسميته، حتى إنه يصحبه خلوته، وحين الظفر بمحبوبته. والصبر عند ذلك أدل على مِلْكِهِ لإْبه. قال: فرب حبيب حُسناً ودلاََّ زارني، فحاول تقبيل فمي، فسترت فمي عنه، لانه موضع اللذاذة، واللَّذاذة لا أوثرها، وبذلت له تقبيل مفْرِقي، لانه موضع الجلالة التي أوثرها. وهذا كقول الآخر؛ إلا انه بعكس، ومنعه محبوبه من نفسه، ما منع المتنبي من نفسه حبيبه: حاولت منها قُبلةً فتعمدتْ ... بعقارب الأصداغ قطع طريقها ) وَمَا كُل من يهوى يعفُّ إذا خَلاَ ... عفافي ويُرضى الحب والخيل تُلتقي ( ويروى) ويرعى الحب (. فمن رواه) يُرضي (فإن من شأن نساء العرب أن يُحببن من مُحبيهن الشجاعة والإقدام، كقول عمرو بن كُلثوم: يَقُتن جيادنا ويقُلنْ لستمُ ... بعُوُلتنا إذا لم تمنعُونا فيقول: أنا أعف كرماً، وأرضى محبوبى في الحرب، بمشاهدته مني، ما يهواه مني، أو بإخباره ذلك عنى. وليس كل أحد من العشاق يجمع عقة وشجاعة، إذ العشق والعفة والفتك غريزة الاجتماع. ومن رواه) ويرعى الحب (فهو يقول: أنا أعف كرماً لا توراً في هواى، بل أنا مُراعٍ المحبوب، حتى إني اذكُره في الحرب، وأراعيه أوان الشدة فكيف في حال السكون والهدوء. وفي)) عى الهوى (هنالك مَزيتاَن: إحدهما رباطة الجأش، حتى لا يُشغل الخاطر عن ذكر الهوى. والآخر لشدة محافظته على الوقاء، حتى لا يشَغْله عتد شدةُ الهيجاء كقول زياد الأعجم: ذكرتك والخَطى يخطر بيننا ... وقد نَهَلَتْ منا المثقفة السَُمْرُ قوله:) والخيل تلتقي (؛ جملة في موضع الحال. اي ويرعى الحب محارباً. ) إذا ما لبِستَ الدهرَ مُستِمتْعِاً بهِ ... تخَرَّقْت والملْبُوسُ لم يتخرقِ (

стр. 65

لبس الدهر مَلبوساً، وإنما هي استعارة يقول: إذا لبستُ الدهر مليا أهرمني، وهو لا يُهرِمُه امتداد برهته، فجرى الأمر بيني وبينه بضد ما يجري بين اللابس والملبوس، لأن شأن اللابس أن يُخلق الملبوس، والدهرُ ملبوسٌ يُخلق لا بسهَ. ولما استجاز أن يجعله ملبُوساً، استعار له التخَرُّقَ. ) إذا شَعَتِ الأعداء في كَيْدِ مَجدِه ... سَعَى جَدُّه في كَيدهم سعى مُخنقِ ( حنق حنقاً: غضب، واحتنقتهُ: اي إذا رام العدو كيد مجده، فحاول هدمه بمبارزته أو مقاومته، غضب جده، فدفع سعى عداه بسعي أنفٍ وأيدٍ، على ما تقدم قبلُ. ) كيدُ العدو لمجده (.) وكيد (: مصدر كاد يكيد المتعدية: كقوله تعالى:) فإن كان لكُم كيدٌ فكيدُون (. فَمَجدُه، مجرور في موضع نصب. اي في كيدهم لمجده. وذلك أن المصدر يضاف إلى المفعول، كما يضاف إلى الفاعل، كقوله تعالى) لاَ يسأمُ الإنسانُ مِن دُعَاء الخيْرِ (، فالخير في موضع المفعول، اي من دعائِهِ الخير. وله ايضا: ) يَشكُو الملامُ إلى اللوائم حرهُ ... ويَصُدُّ حين يُلمن عن بُرحائه ( اي إن الملامة لا تتعى سمعي؛ ولا تصل إلى فؤادي، لأن حره يمنعها من ذلك، فهي تتفادى منه. ويعتذر إلى اللوائم من قصوره عن الوصل إليه، بما يتوقعه من ناريته. والكلام شعريٌّ لا حقيقة، لأن الملا عرض، والعرض غير حاس فيشكو. وإنما تشكو الجواهر ما يلحقها من العَرَض. وشبه أبو الفتح هذا بقول كثير: ذَهوبٌ لإعتاق المئينَ عَطاؤه ... غلُوبٌ على الأمرِ الذي هو فاعلُ ) ويصد حين يلمن عن برحائه ( مثل ما تقدم والبرحاء: الشدة. ) ما الخِلُّ إلا من أودُّ بقلبهِ ... وأرى بطرفٍ لا أرى بسوائه ( أي ما الخل الا من يكون حظى من قلبه، حظه من قلبي، ويرى بالعين التي أراهُ بها، فيقع التكافؤ في الحب والجلالة، لا من حظى من فؤاده مُقصر عن حظه من فؤادي، وتعظيمه لي دون تعظيمي له. وقد يجوز أن يعني بذلك التناهي في التشاكُل والتناسُب؛ حتى كأنه هو جملة. واذا كان هو إياه بالجُملة، فقلبُه قلبُ خليله، وَعينه عينه. ) عَجب الوُشاةُ من اللُّحاةِ وقولهم ... دع ما نراك ضعُفت عن إخفائه ( إنما عجب الوشاة من اللُحاة في ذلك، لأنهم كلفوه ترك ما يعجز عن إخفائه، والإخفاء للحُب أمكنُ من تركه. فإذا ضعف غن الأقل الذي هو الإخفاء؛ وقد علم اللُّحاةُ ذلك منه، فكيف يكلفونه الأكثر الذي هو السُّلوان. وقوله:) ضعفت عن إخفائه (: جملة في موضع المفعول الثاني، إن كانت الرؤية علمية، أو في موضع الحال إن كانت الرؤية حسية. ) مهلاً فإن العذل من أسقامه ... وتَرَفقاً فالسمعُ من أعضائه ( اي إن العذل يُسقمه كما يُسقمه الحب، فهو نو من إسقامه، وترَفقُّاً في عذلك، فإن السمع الذي يقرعه عذلُك من جملة أعضائه. فإن عَنُفت به في العذل، اختل سمعُه أو ذهب. وإنما قدر ذلك نافعاً له عند من عذله، لأن العاذل لم يُرد بعذله إفساد جوهره، وإنما أراد إصلاحه. فيقول: إن لم تترفق، عاد ما حاولته من إصلاحي إفساداً إلي. والسمع: يجوز أن يكون مصدراً، إلا أنه إذا كان مصدراً، فليس من أعضائه. لانه حينئذ جنس، والجنس عَرَض، والأعضاء جواهر، والعَرَض لا يكون جزءاً للجوهر. وإنما عنى موضع السمع من أعضائه. وقد يجوز أن يكون السمعُ اسماً للأُذن، سُمي لحسها، كما سميت العينُ بصراً في بعض المواضع. وإنما البصرُ في أكثر الكلام حسنٌ. ) وَهَب المَلامَة في اللذَاذَةِ كَالَري ... مطرُودة بسُهاده وبُكائهِ ( اي إن كنت تلتدُّ بالملامة، فاجعلها كالكري الذي قد عدمتهُ أنا، على التذاذي به. فكما نفاهُ عنى سهادي وبكائي؛ فكذلك ينبغي لك أيها اللائم أن يُسليك عن كلامي الذي تلتذ به ما تراه من سُهادي وبكائي، فيعودا سواء في امتناع الالتذاذ. ودعاه إلى الائتساء به في الصبر على عدم ما يُلتذُ به. ) ومطرودة (: مفعول ثان لِهَب، لأنها بمعنى) اجْعَل (المعتدية إلى مفعولين. وإن شئت قُلت: إنه بدل من موضع) كالكري (لنه بمنزلة قولك مثل الكَرَي. وهو القول أقوى. ) إن المُعين على الصبابةِ بالأسى ... أولى برحمة ربها وإخائهِ ( اي مُعينى على الصبابة: من أعان بالمؤاساة لا بالملام. فإن راحم ذى الصبابة مُؤاسه بالعذر، لا لائمه.

стр. 66

) والعشقُ كالمعشُوقِ يعذُبُ قُربُه ... للمُبتلَى وَيناَلُ من حَوبائهِ ( اي العشق مُلتذ محبوبُ، كما أن المعشوق كذلك. وكلاهما نائل من حوباء المُبتلى وقاتل له. وقوله:) والعشق كالمعشوق (: جملة يفسرها ما بعدها من البيت. كأنه لما قال: والعشق كالمعشوق، قيل له فيه، أو كيف تفسره للسائل، فتقديره: والعشق كالمعشوق في أنهما يعذُبان ويقتلان مع ذلك. ) وقُي الأميرُ هوى العُيون فإنهُ ... مالا يزُولُ ببأسه وسخائه ( اي وقى هوى العيون. وأما ما سواه فقد آمنتُه عليه، لأنه دافع له ببأسه وسخائه. وهوى العيون مالا ينفع فيه بأس ولا سخاء؛ فإنما أدعوا له أن يُوقى مالا طاقة لجوده وبأسه على دفعه. ) منْ للسيُوف بأن تكون سميها ... في أصله وفرنده وَوفائه ( اي بأن تكون مثل سميها في أصله، إما أن يرد: في نوعه الذي هو الإنسانية، وإما في قبيله، وفرنده؛ أو في صورته، لأن صورة الانسان أحسن من صورة السيف، ورونقه افضل من رونقه. وإما وفاؤه فلا وفاء للسيوف ولا عُذر إلا على المجاز، لأن ذلك من خواص الإنسان. ) إني دعوتُك للنوائبِ دَعوةً ... لم يُدع سامعهُا إلى أكفائه ( أي: دعوتك لخطب ليس كُفؤا لك، لأن كل خطبٍ دُونك، لا يعزُّك ولا يغلُبك. وإن شئت قلت: كل نائبة وإن عظمت فهي دون أن يُدعى مثلُط إليها، وإن كنت لا تُدعى من النوائب إلا إلي ما أنت له كُفُوء، ما وجدنا ما يكون كفؤا لك، فندعوك إليه، لكن لا بد أن ندعوك لما ناب، وإن جل عنه خَطرُك، وعلا قدرُك. وله ايضا: ) كأني عصت مُقلتي فيكُمُ ... وكاتمت القلبَ ما تُبصرُ ( هذه مبالغة في كتمان السر والضن بإذاعته، اي رأت عيني ما رأت، فكتمته عن قلبي. واذا كان القلب لم يعلم ذلك؛ لم يمكن أن يعلم غيرُه به، إذ لا يمكن أن يعلم غيرُك إلا ما علمته. وإن شئت قلت: إذا رأت عيني ما تحبون كتمه، تناساه قلبي، حتى كأن العين كتمت عنه ما رأت. والمقولان متقاربان. وقوله) فيكم (: أي من أجلكم. وعصيان المقلة للفؤاد: إنما هو كَتْمها عنه ما رأته، فكأنه قال: كاني عصت مقلتي فيكم قلبي، وكاتمته ما تبصر فحذف الأول لدلالة لثاني عليه، وأعمل) كاتمت (. إذ لو أعمل الأول واتزن لقال: وكاتمته القلب. اي عصت مقلتي القلب وكاتمته. وله ايضا: ) إذا كان شَمُّ الروحِ أدنى إليكُمُ ... فلا برِحَتني رَوْضةٌ وَقَبُولُ ( اي إن كنتم إنما تؤثرون شم الروح، ونسيم الهواء. وذلك إنما يكون بحضور الروض والريح القبول، فلا زلت أنا روضة فتضمكم، وريحاً قبولاً تشُمونها، تلذ لكُم، إذ كلما كنتُ كذلك، فأنتم قريبٌ مني، وطالبون إلي. قوله:) أدنى إليكم (: أي أشد إدناء لمن يُحبكم. وقوله:) فلا برحتني روضة وقبول (: أن شئت قلت: أراد فلا برحتُ روضة وقبولاً، فعكس، فجعل المعرفة الخبر، وهي) ني (والنكرة الاسم، وهي) روضة وقبُول (. وإن شئت قلت: إن) ني (من) برحتني (ليست بخبر، ولا برح هذه المقتضية للاسم والخبر. وإنما) بَرِح (هنا المتعدية إلى المفعول. وكقوله تعالى:) فَلَنْ أبْرح الأرضَ حتىَّ يأذنَ لي ربي (فيكون) ني (على هذا مفعولاً، ويكون التقدير: فلا فارقتني، أو فلا زايلتني روضة. اي فإذا كان ذلك، قصدهم هذه الروضة التي عندي، فسعدت أنا بقربكم والأول أبلغ، لانه على ذلك القول الأول، يجعل نفسه ذات الروضة؛ ويتمنى الخروج من النوع الحيواني الإنساني إلى النوع النباتي، إيثاراً لهواهم، واختياراً لقربهم. ) لقيتُ بدربِ القُلةِ الفجْر لقيةً ... شفت كَمدى والليلُ فيه قتيلُ ( اي أصبحت في هذا الموضع، أو أفجرت فيه.) شفت دمدى (. اي شفت اللَُقيةُ للفجر بانحار الليل، ما كان من الكمد.) والليل فيه قتيلُ (: اي قد ذهب، واشتمل ضده على محله، فكأن الليل لما عُدم أو قارب العدم مقتول. وإن شئت قلت: طال على الليل بالصبابة، فكأنه وَترني، فاستوجب بذلك أن أطلبه بثأري: فأوقد سيف الدولة بالدرب نيرانا، فخالط ضوؤها دخانها، فبدت لي من الضوء المختلط بالدخان، سُمرة كسمرة الفجر، قبل أوان الفجر، فكأن هذا الملك قد قتل الليل بإيقاده هذه النيران، التي خَلْخَلَتْ كثافة الظلمة، فأنا أكنى بذلك عن ثأري، فيُشفي كمدي.

стр. 67

وقيل ك الفجر هنا سيف الدولة، أقام غُرته مُقام الفجر، وبالغ في ذلك، حتى جعله قاتلاً ليل، وما طُلب عند ليل ذحل، ولا نيل منه ثأر قبل هذا. ) على طُرُقٍ فيها على الطُّرْقِ رفعةٌ ... وفي ذكرها عند الأنيس خُمُولُ ( رفعتها: أنها أكُمٌ وجبال، وخمولها: أنها غير مسلوكة لوعورتها، فهي لذلك خاملة. وقد يجوز أن تكون طرقاً لم يسلكها إلا جيش سيف الدولة، لأنها مخُوفة فالناس لا يعرفونها لذلك. ) وما شعرُوا حتى رأوها مُغيرة ... قباحاً وأما خلقُها فجميلُ ( أي قباح الأفعال بهم، وإن كانت في خلقتها جميلة، لأن خوفهم لها يُقيحها في أعينهم، فيخفى عليهم جمالُها. وهذا نحو قوله: حَسنٌ في عيون أعدائهِ اقبحُ من ضيفهِ رأتهُ السر فالحسن فيه طبيعية؛ والقبح عَرَض. ) وأضعفن ما كُلفنهُ من قُباقبٍ ... فأضحى كأن الماء فيه عليلُ ( قُباقب: نهرٌ دهمته هذه الخيل، فسدت مجاري الماء فيه، بكثرة قوائهما، فارتدع الماء، إلا ما تخلل شُعب قوائم الخيل، فأضعفته عن قوة جريه، حتى كأنه عليل. والعلة هنا كناية عن الضعف، إنما العلة في الحيوان، والماء ليس بحي. ) نَجَوت بإحدى مُهجتيك جريحةً ... وَخلفتَ إحدى مُهجتيك تسيلُ ( يخاطب الدُّمُستُق، وكان شُج في وجهه ونجا جريحاً، فهذا معنى قوله:) نجوت بإحدى مهجتيك جريحة (، وكان ابنه قد أسر، فلذلك قال:) وخلفت إحدى مهجتيك تسيلُ (، اي تركته يذوب في الكبل والحبس، مع ما اشتمل عليه من خشية القتل: ) إذا لم تكُن لليث إلا فريسةً ... غذاهُ ولم ينفعك أنك فيلُ ( ضرب) الفيلِ (مثلا لعظم عدد الروم، وضرب) الليث (مثلا لسيف الدولة وجيشه، اي فلا تُعجبن الروم كثرة عددهم، فإن الكمية لا تغني، وإنما الغناء للكيفية وقال:) غذاه (: أراد غذاهُ ذلك الشخص المفترس. ) أعادى على ما يُوجبُ الحُب للفتى ... وأهدأ والأفكارُ في تجُولُ ( اي أعادى على ما لدي من الفضائل النفسانية، كالشجاعة والفروسية، والفصاحة والشعر، حسداً لي على ذلك. وكل واحدة من هذه الفضائل في حد الحقيقة، مُوجبة للحب، فكيف أشنأ على ما يُوجب الحب؟ يقول ذلك متعجباً. قال أبو الفتح: لو قال) أبغض (مكان) أعادى (كان أوفق في مذهب الشعر، يعني أبو الفتح: أنه لو قال ذلك، كان أذهب في باب التقابُل، لأن النقيض إنما يقابل بنقيضه؛ وكذلك الضدّ بضده. فضد الحب البغض. وضد العداوة الصداقة. فإذا قابلت بالحب، والصداقة بالشنآن، لم يكُ ذاك على تقابل الضد والنقيض. لكن الذي يُسهل ذلك، أن العداوة علتها البغضة، التي هي ضد الحب، فأقام العلة التي هي العداوة، مُقام المعلول، الذي هو البُغض. ولولا ما يدخلُ التخفيف البدلي من الاضطرار، لقال: فأشنى، أو) أشنَ (على اجتمال الجزم، ولكن الاول أسوغ أعنى وضع) أعادى (مكان) أبغض (لما ذكرت، من دلالة العلة على المعلول. وله ايضا: ) تُرى الأهلهَ وجهاً عم نائلُهُ ... فما يخُصُّ بهِ من دُونها البشرُ ( اي انه يكسب الأهلة بنظرها إلى غُرته نوراً وسعداً، فتنال بذلك من جوده كما ينال الناس. فالبشر إذن نوع غير مخصوص بنائله بل هو عام للعالم العُلوي والسفلي. وله ايضا: ) وشربِ كاسٍ أكثرتْ رنينهُ ... وأبدلتْ غناءه أنينهُ ( الشرب: اسم للجمع عند سيبويه، وهو عند أبى الحسن جمع. ويدل على صحة قول سيبويه: إن العرب إذا حقرت هذا النحو حقرته بوزنه، كما تحقر الواحد، فقالوا: شُريب ورُكيب. فلو كان جمعاً كما ذهب إليه أبو الحسن، لرُده إلى واحده في التحقير، ثم جمع بالواو والنون، فقيل: رُوَيكبون ورُوَيجلُون. وإنما كلام العرب ما قدمنا. أنشدنا القرشي: بنيته بعُصبةٍ من ماليا ... أخشى رُكيباً ورجيلا عاديا وذهب قوم إلى أن معنى البيت: أن هذا الشرب - وهم أعداء الممدوح - غنوا بمناقبه، حتى إذا سكروا هاج لهم السكر ذكر من سبا منهم وقتل، فأنوا حزنا، وعاد ذلك الغناء أنيناً وتفجعاً. والذي عنتدي أن هؤلاء الشرْب غنوا، فأثخن فيهم هذا الملك وأوجعهم، فعاد ذلك الغناء رنينا وأنينا. وقوله:) أكثرَت (و) أبدلتْ (: إخبار عن الخيل والقنا اللتين في قوله: ) إن الجياد والقنا يَكْفِينهُ ( وله ايضا:

стр. 68

) فاني رايتُ البَحر يعثُر بالفتَى ... وهذا الذي يأتي الفَتَى مُتعمدا ( اي أن سيف الدولة اولى بأن يرجى ويخشى من البحر، لأن البحر وإن أروى وأعطى، فليس شيء من لك على عمد ولا قصد، لانه لا رُوح له ولا فؤاد، فليس إذن يحمد على مكرماته ولاذميمٌ لآفاته. وهذا كقوله هو: ألا لا أرى الأحداث حمداً ولاذما ... فما بطُشها جهلاً ولا كَفها حلما وأما سيف الدلوة فهو لكل ما يأتيه من إفاقة وإغناه وإمانة وإحياء، عامدٌ قاصد، لانه من نوع الانسان، الذي هو أشلاف الحيوان. ) وَتُحيي لهُ المالَ الصوارمُ والقنا ... وَيَقُتلُ ما تُحيى التبسم والجدا ( أي انه يغير فيغم بسيوفه ولاماحه، فهي تحيي له المال. ثم يهب عُفاته، ما يسلبه عُداته، وذلك في حال تبسُّمٍ وأريحية للعطاء، فذلك التبسم هو الذي يقتل المال الذي أحيتهْ الأشنة والصوارام، كقول ابى تمام: إذا ما أغاروا واحتووا مال معشرٍ ... أغارت عليه فاحتوته الصنائع وذكر التبسم والجدا هنا كقول كُثير: غمرُ الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... غلقت لضحكته رقاب المالِ ولو قال) يميت (مكان) يقتل (لكان أشد مقابلة للحياة، لأن القتل ليس بضد الحياة إنما هو علة ضد الحياة في بعض الأوقات. ونقيض الحياة إنما هو الموت. ومقابلة الشيء بنقيضه أذهب في الصناعة و) التبسم والجدا (: مرتبطان بيقتل، اي ويقتل التبسم والجدا ما تحييه الصوارم والقنا. ففي تحيى ضمير راجع إلى لقنا والصوارم، اي ما تحيى هي. ) هُو الجدُّ حتى تَفضُل العينُ أختها ... وحتى يكُون اليزمُ لليوم سيدا ( وإنما ذكر فضل يوم الأضحى وجعله سيد نوعه. ثم مثل به فضل سيف الدولة على جميع نوعه. وذلك في البيتين اللذين قبل هذا البيت. ثم عجب من تفاضل الاشخاص الواقعة تحت نوع واحد، على أن عنصر هذا واحد. فقال:) هو الجد حتى تفضل العين أختها (فبلغ بالعجب من العين التي تفضل صاحبتها على اقترابهما وشدة اقترابهما. وبالعجب من الآيام التي تتفاضل بما يحدث فيها من السراء والضراء وضروب الممالك والمناسك. ) أجزني إذا أنشِدتَ شعراً فإنما ... بشعري أتاك المادحُون مرددا ( أجزني: اي أعطني الجائزة إذا مدحك غيري، فإن الشعراء إنما يأخذون معاني شعري، فيمدحونك بها، فاذن إنما المستحق بجوائزك أنا لاهُم. إذ لولا شعري لم يهتدوا إلى ما يمدحونك به. فكلما احسنوا فإنما الإحسان لي كقول الآخر: فإن أنشدَ حَمادٌ ... فقد أحسن بشارُ اي إن حماداً إنما يأخذ شعر بشار. فالإحسان له، والإنشاد لحماد. وله ايضا: ) ثيابُ كريمٍ ما يصُونُ حسانها ... إذا نُشرت كان الهباتُ صوانها ( يعني ثيابا رومية كساه إياها،) كان الهبات صوانها (اي أنه لا يصونها إنما يبتذلها بالهبة هي التي تكون لها مقام الصوان إذ لاصوان لها عنده وإذا لم يصن حسانها كان أحجى ألا يصون دُةنها. ) تُرينا صناعُ الرُّومِ فيها مُلوكها ... وتجلُو علينا نفسها وقيانها ( اي صورت الأنواع الحيوانية إلا الرزمان، فانها لم تصوره لعجزها عن ذلك وذلك أن الزمان هنا إما أن يعني به الفلك، ولا أحد يستطيع تصويره على حقيقته التي هو بها؛ وإما أن يكون الزمان هنا وجود النور وعدمه وذلك عَرَض والعرض لا يقتصور إلا في جوهره الذي هو منه. ) وأم عتيقٍ خالُهُ دون عمه ... رأى خلقها من أعجبتهُ فعانها ( وأم عتيق: يعني فرساً. وعتقُها: مُهرُها، والعتق: الكرم وجعل لها خالاً وعما، يذهب إلى أن هذه الفرس ات طرفين كريمين مختلفين بالنسب، لأن ذلك مما يُستحب في الخيل أعنى ألا يكون الأبوان متناسبين. وقد يستحب ذلك في الإنسان، لأنهم يزعمون أن الأبوين إذا كانا متناسيبن جاء الولد هنا وياُّ، اي مهزولاً، دقيق العظم) ابن السكيت (.

стр. 69

ومنه الحديث:) اغتربوا لا تُضْوُوا (. اي لا تنكحوا في الأقارب، فيجيء الولد ضاويا. وقال:) خاله دون عمه (يذهب إلى أن أباه أكرم من أمه، وذلك أنجب له.) رأى خلفها من أعجبته فعَانها (. يزعمون أن الشيء المُعجِب ربما أصابته العين فقسد لذلك، فيقول: رأى هذه الفرس بحجر من أعجب فعانها (. اي رأت خلفها فحلا حاول كَومها حين أعجبته، فأمكنته، فأولدها، فكأنه تنقصها بالإيلاد، كما يُتَنقص الشيء الحسن المعجب إذا أصيب بالعين. ) إذا سايرتهُ باينته وبائها ... وشانتْه في عين البصير وزانها ( أي باينته، من) البَون (اي باعدته. فان قلت. ينبغي على ذلك:) باونته (، لانه من الواو. فان شئت قلت: إن هذا على المعاقبة، ومعناهما: قلب الواو إلى ياء لغير علة إلا طلب الخفة، وهي لغة حجازية عربية. يقولون:) صُياغ (في) صُواغ (، ومياثق في مواثق، وهو كثير، قد عمل فيه يعقوب باباً واسعاً. وإن شئت قلت: إنه من) البَيْن (الذي هو في معنى) البون (حكى أبو عُبيد، بينهما) بون (بعيدو) بَينٌ (. وقد بان صاحبه يبونهُ ويبينهُ. فحمُلك إياه على هذا. خيرٌ من اعتقاد المعاقبة الحجازية، لأنك إنما تلوذ بها إذا لم تجد عنها معدلاً. و) شانتهْ في عين البصير (: اي شانته بكونها أمه لتقصيرها عنه) وزانها (، بكونه ابنها وهو زائد عليها. ) وأين التي لا تأمنُ الخيلُ شرها ... وشرى ولا تُعطى سواى أمانها ( إن شئت قلت: أين فرسي التي من أمرها وشأنها، من هذه الفرس المعيبة؟ وإن شئت قلت. أراد: هب لي الفرس التي هي أكرم من هذه الفرس التي وهبتها لي. وقوله:) لا تأمنُ الخيلُ شرها (: إذا كَرَرْتُ بها. وأراد أهل الخيل، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.) ولا تُعطى سواى أمانها (: اي لا يأمنُها إلا مثلي من الحُذاق بركوب الخيل. وله ايضا: ) تَشبيهُ جُودِك بالأمطار غادية ... جُودٌ لكفك ثانٍ ماله مطرُ ( أي انك غاية في الجود لا فوقها، فإذا شبهنا كفك بالمطر، فالمشبه دون المشبه به، فقد بالغنا بمدح المطر وشرفناه. فكان هذا التشريف له بتشبيه جودك بهن جُوداً عليه ثانياً من جودك علينا بالمال وخص الأمطار الغوادي، لأنها بالأغلب أغزرُ ما تكون حينئذ في أول النهار، والنفوس حينئذ شهمةٌ مُنشطة، فهي حينئذ أورق وأعلق. وله ايضا: ) وقاسمك العينين منه ولحظه ... سَميُّك والخلُّ الذي لا يُزايل ( يعني بسميه والخل الذي لا يزايل: السيف. أما سميه فلأنه سيف، والملِكُ سيف الدولة، فهو وسيفه سميان. وأما كونه خلأ لا يزايلُه، فلأن السيف لا يفارق. فيقول: نظر إليك طامعاً إحسانك، وإلى سيفك، خائفاً من بأسك، يقلب طرفه من يمين إلى شمال، فذاك معنى المقاسمة، اي أن السيف قد قاسمك عيني رسول الروم فهو تارة يتأملك، وأخرى يتأمل سيفك ولحظه، عندي حشو، لانه إذا قاسمه عينيه فقد قاسمه اللحظ. ) وأكبر منهُ همةً بَعثت به ... إليك العدا واستنظرتهُ الحجافلُ ( اي أكبرت العدا همة هذا المُرسل، وأعظمت شأنه لإقدامه عليك، ومُثُوله بين يديك.) واستنظرته الحجافل (: اي سألته أن يُنظرها، بشغله إياك أيها المالك عنهم. فمعنى استنظرته: طَلَبت منه النظرة، اي التأخير. ) أطاعتك في أرواحها وتصرفت ... بأمرك والتفت عليك القبائل ( بالغ بإطاعتهم إياه في أرواحهم، لأنهم إذا أطاعوه في ذواتهم، كانوا أجدر أن يطيعةه فيما سواها. و) التفت عليك القبائلُ (: اي أحدقت بك العرب، لأن كل جيش مُحدِق بأميره. وإن شئت قلت: جعله سطة لسراوة نسبه، وعلاوة حسبه، وقبائل العرب محيطة به، فالمحاط به أشرف من المُحيط، كالقلادة التي أنفسُها سطتُها. والدائرة التي أشرفُها نقطتها. ) رميتُ عداهُ بالقوافي وفضلهِ ... وَهنُ الغوازي السالماتُ القواتلُ ( وفضله: اي وفضائله. هذا أذهب في الصناعة، أي أعنى يعطف جميعاً على جميع في النية وإن لم يستقم ذلك في اللفظ. إذا أغضبتُ عداه لمدائحي فيه بفضائله النفسانية، فلم يجدوا في شعري مطمعا ولا في فضائله الذاتية مدفعا، فقد قتلتُهم بأن أغضبتهم وأعجزتهم، وسلمٍت هي في أنفسها، إذ لم يقدروا على غض أشعاري، ولا إنكارِ فضائله. ) يُتبعُ مُراب الرجال مُرُادُهُ ... فمن فرَّ حرباً عارضتهُ الغوائلُ (

стр. 70

الغوائلُ: الدواهي المهلكة. تقول العرب: الغضب غُول الحِلم. اي يذهب بالحلم فيغتاله. يقول: إن سمده المهزومين؛ فيقتلهم بالعطش والكلال وسائر أنواع الآفات، كقوله هو: إذا فاتُوا الرماح تناولتهمُم ... بأرماح من العطش القفارُ ويتبع من باب) فعل (في معنى) تفعل (اي يتبع. ونظيره ما حكاه سيبويه من قولهم بين الشيء وتبيَّنَه. وفي بين الصبحُ لذى عينين اي تبين. ) رأيُتك لو لم يقتضِ الطعنُ في الوغى ... إليك انقياداً لا قتضتُه الشمائلُ ( اي لو لم يجر من أصحابك على الطعن، انقيادُهم لك، وطاعتهم إياك، لاقتضاهم إياه حُبُّهم لك. و) الشمائلُ (يجوز أن تكون منه ومنهم، فان كانت منهم، فمعناه: حبهم لك بطاعتهم. وإن كانت منه فمعناه: بحبهم لشمائلك. وله ايضا: ) وأسقطتِ الأجنةُ في الولاياَ ... وأجهضتِ الحوائلُ والسقابُ ( اي أن النساء أردفن، وعُسف بهن في الهزيمة، فمن كان منهن حاملاً أسقطتْ في الولايا، وهي الأحْلاسُ على إعجاز الخيل والإبل، وأجهدت الإبل، وكُلفت أكثر من طاقتها في السير، فأجهضت الحواملُ، وهي الإناث؛ والسقابُ، وهي الذكور. والإجهاض للنوق، كالإسقاط للنساء وهذا كقول أبى النجم: كَمْ طَرَحتْ من ولدٍ لا يغتذى ... تراه كالمسلوخِ والجلُد برِى ) وَعَمروٌ في ميامنهم عُمُورٌ ... وكعبٌ في مياسرهم كعابُ ( عمرو وكعب: بطنان، كعب: بن ربيعة، وعمرو بن مالك. فان شئت قلت: اختلفت كلمتهم فأشارت طائفة بالعرب، والأخرى بالاستذمام وأخذ الموثق من سيف الدولة. وكانوا قبل يداً واحدة، كلمتهم سواء فكانهم باختلافهم تقسموا وافترقوا فصارت القبيلة باختلاف كلمتها في قبائلك؛ فلذلك جعل عمراً عمُوراً، وكعباً كعاباً. أنشد سيبويه: رأيت الصدعَ من كعبٍ وكانُوا ... من الشنآنِ قد صاروُا كعاباَ وإن شئت قلت: هربوا وتبددُوا، فصاروا شيعاً وأحزابا، فكل جزء من عمرو عمور، وكل جزء من كعب، كعوب. والقولان متقاربان. ) ولو غَيرُ الأمير غزا كلاباً ... ثناهُ عن شُموسهمُ ضبابُ ( يعني بشُوسهم: حقائق نفوسهم. والضباب: مايلقاه من الطعان والضراب. وقيل: ثناه عنهم أقل ما يصيبه منهم، لأن كثافة الضباب أقل من كثافة السحابز وقيل: عنى بالشموس نساءهم التي سباها سيف الدولة وبالضباب: من فيهم من الكُماة والحُماة. وله ايضا: ) تُفدي أتمُّ الطير عُمرا سلاحهُ ... نُسورُ الفلا أحداثُها والقشاعمُ ( أتمُ هنا: بمعنى اطول. وإنما جاز ذلك لان التمام في باب) كيف (، نظير الطول في باب) كَمْ (. وإنما المستعمل في العمر أطول، فلم يتزن له، ونجوه قول رؤبة: ) كالكَرْم إذ نادى من الكافُورِ ( وإنما المعروف صاح لكَرم، سائر الشجر إذا بدا ثمره. إلا أنه لو قال صاح الكَرم لكان في الجزء طي، وهو ذهاب فاء) مُستفعلٌ (، لانه قوله:) صاح منل (مستعلُن، فاستوحش من الطي، فوضع نادى مكان صَاَح ليسلم الجزء. والمتنبي أعذر، لانه لو قال:) أطول (لا نكسر البيت ورُؤبة لو قال: صاح من الكافور لم ينكسر البيت، وإنما كان يلحقه الزحاف الذي وصفناه. وقال) تُفدي (فأنت الفعل، وإن كان للأنم، والأتم مذكر، حملاً على المعنى، لان الأتم هو النسور في الحقيقة. ونظيره قول بعض العرب: فلان لغُبو جاءته كتابي فاحتقرها. أنث الكتاب لما كان في معنى) الصحيفة (. و) نسور الفلا (. يدل من) أتم الطير (. و) أحداثها والقشاعم (: بدل من) نسور (. وكلاهما بدل بيان. يقول أوسعتْ سلاحُه النسور شبعاً من لحوم القتلى قديماً وحديثاً الآن. فقشاعهما وهي المسان تشكر القديم والحديث، وأحداثها تشكر الحديث، لأنها متأخرة الكون عن زمن القديم. فكلا النوعين يشكر سلاح هذا الملك، و) يفُديه (: اي يقولان نحن الفداء لسلاحه. استعار الأحداث للنسور، وإنما هو في نوع الانسان، ومثل هذه الاستعارة كثير. ) هَلِ الحدثُ الحمراءُ لونها ... وتعلمُ ايُ الساقيين الغمأئمُ ( ) الحدث (: حصنٌ معروف، وأنثه على معنى القلعة، أو المدينة، وجعلها حمراء، لما سال عليها من الدماء، وكانت غير حمراء. يقول: فهل تعرف الآن لونها القديم الذي بُدلت منه الحُمرة. وإن شئت قلت: هل تعرف الآن أنها حمراء، أو تنكر ذلك؟

стр. 71

وقيل: جعلها حمراء، لان سيف الدولة بناها بحجر أحمر، ولم يك قبل ذلك. يقول: فهل تعرف هذه القلعة أن بناءها الحديث غير بنائها القديم؟ وكذلك بلت هذه السيوف هذه المدينة بالدم، كما يبُل - السحابُ الارض بالمطر فهل تعرف أن الغمام سقاها الآن أو السيوف؟ وقد بين ذلك بقوله بعد هذا: ) سقتها الغمامُ الغُر قبل نُزُولهِ ... فلما دَنا منها سقتها الجماحمُ ( اي سقاها السحاب قبل نزول سيف الدولة بها، فلما دنا منها قتل من كان بها من الروم، فسفتها السيوف بدمائهم. ) وَكان بها مثلُ الجُنُون فأصبحتْ ... ومن جُثثِ القتلى عليها تمائمُ ( التمائم: العُوذ، وهي تُناط بمن كان به مَرَضَ أو جنون أو سحر. فيقول: كانت هذه القلعة مضطربة غير مطمئمة ولا مستقرة بمن غلب عليا من الروم، حتى كان بها من ذلك مثل الجُنون، لان المجنون يخالطه اضطراب وقلة ثبات، ولذك قيل له:) الأولق (. لان الولْق: سرعة الطعن والمشي، وهذا فيمن أخذه من ذلك، فجعله) أفعل (. فأما سيبويه، فهو عنده) فوغل (بديل) مألُوق (فلما وردها سيف الدولة فقَتل من تغلب عليها، استقرت واطمأنت، فكانت جثث القتلى عليها تمائم أوجبت لها الاستقرار والطمأنينة. ) وَقد حاكَمُوها والمنايا حَواكٌم ... فلما مات مظلُومٌ ولا عاش ظالُم ( أثبت حكماً من حيث أثبت ظلماً، لان الظلم جورٌ، والجور نوع من الحكم، ضد العدل، فحاكموا هذه القلعة. والسيوف حواكم: اي هُن ذوات الحكم على المتحاكمين عليها، وكان الظلم من قبل الروم لهذه المدينة، بهدمهم إياها، وإخلائهم لها، فلما كان الحُكم للسيوف، مات الظلم بقتل هؤلاء الروم الظالمين. ) فما مات مظلُوم (: يعني القلعة، اي لم يعفُ أثرهُا، بل جُدد بناؤها، وزيدت تحصيناً.) ولا عاش ظالمُ (: اي لم يعش الروم الذين هدموُها، بل قتلهم سيف الدولة. ) تَقَطّعَ مالا يَقطعُ والقنا ... وفر من الفُرسان من لايُصادمُ ( اي ما كان من السيوف قاطعاً للدرع وللابسها بقي وما لم يبلغ من الحدة والشدة أن يقكعهما، تقطع وفنى، وذلك لشدة ما كان هنالك من الضرب. ومن كان من الفُرسان غير مزاحم ولا مصادِم لم يَثبت. يذهب في كل ذلك إلى أنه لم يبق إلا الجيدُ الصابر على الكفِاح من الرجال والسلاح ألا تراه يقول: ولله وقتٌ أذهبَ الغش نارُه ... فلم يبق إلا صارمٌ أو ضبارمُ ) تجاوزت مقدار الشجاعة والنُهي ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم ( اي أن أناساً من الحُذاق لما رأوا إقدامك، وإعمالَك رُمْحك وحُسامًك، يُبيحان لك سلامة الحَوْباء، والظفر أبداً بالأعداء، قالوا إنه لا يقتحم ذلك إلا بعد ما ظل عالماً، أنه لا يئُوب إلا سالماً غانماً. فَحَلَتْ عندهم بذلك عالم غيب، مُتقفيا للعواقب غير ذي ريب وهذا أرفع من منزلة الشجاعة والتدبير. ) تظُنُ فراخُ الفُتح أنك زُرتها ... بأماتها وهي العتاقُ الصلادمُ ( اي أن خيالك صعدت الجبال حتى انتهت إلى أعاليها، وهناك وكُورُ العقبان. فلما أشرفت لى تلك الوكور جَمْجَمْتَ، والجمجمة تشبه صَرْصَرة عتاق الخيل، ظنتها فراخُ العقبان أمهاتها. ومما يدلُك على أن الجمجمة تشبه الصرصرة قول الشاعر: إذا الخيلُ صات صياح النسور ... هززنا مَراسفها بالجذمْ وعنى بالفُتح: العقبان. أقام الصفة مُقام الموصوف، لأنها صفةٌ غالبة، تقوم مقام الاسم. وإنما العُقاب فتخاء، للين جناحها. والفَتَحُ: اللين، والصلادم: شداد الخيل: صِلدِم وصِلْدِمة. ) أفى كل يوم ذا الدُمُستُقُ مُقدمٌ ... قفاهُ على الإقدام للوجهِ لائمُ ( اي إن هذا الدمستق في كل يوم يُقدم فيُهزم، ويحُجم فَيسلم وجههُ، ويُضرب قفاه، فالقفا يلُوم الوجه على الإقدام. يقول له: كم تتوجه إلى من قد علمت أنه لك هازمٌ، فتسلمُ أنت، ويهونُ عليك ما ألقاه إذا سلمت أنت. وأراد قفاهُ لائمُ لوجهه على الإقدام فقال:) للوجه (، لأن إضافة القفا غليه تشعر أنه لا يعني من الوجوه إلا وجهه. ) بضربٍ أتى الهاماتِ والنصرُ غائبٌ ... وَصار إلى اللبلتِ والنصرُ قادمُ (

стр. 72

اي أن الضرب الضرب إذا قرع الهام لم تعده نصره، إذ في الإمكان أن يموت صاحبُها، وأن لا يمُوت. فإذا وصل إلى اللبة، هلك لا محالة، فيحنئذ يُعتدُّ بالنصر. وضرب الغيب مثلاً للشك في النصر، والقدوم للتيقن. وكذلك الغائب مشكوك فيه، والحضر متُيقن. ) حقرْت الرُّدينياتِ حتى طضرحتها ... وحتى كان السيف للرُّمِح شاتمُ ( الرُّدينيات: الرماح، منسوبة إلى مرأة تسمى رُدينة، كانت تُركب فيها الأسنة. يقول: إنما أحبتُ لقاء العدو على قُربٍ معانقةً ومصافحة، لجرأتك وشجاعتك، ولم ترض لن تستعمل في قتاله الرمح، لان ذلك مُشعرٌ بالجبن، لان القتال به إنما هو على بُعد، فاطرحته واستعملت السيف مكانه قال: ) وحتى كأن السيف للرُّمح شَاتِم ( اي لكأنك قد رأيت السيف قد عير الرمح بالضعف والتقضف وقلة الغناء، فَهَان عليك الرمح لذلك، ألا تراه يقول بعد هذا: ومَنْ طَلب الفتح الجليل فإنما ... مَفَاتيحُه البيضُ الخِفافُ الصوارِمُ ومن كلام بعض العرب: الرمح أخُوك وربما خانك. وقال عمرو بن معْدِ يكرب في السيف: خليلي لم أخنُه ولم يَخُنى ... على الصمصامَِة السيف السلامُ وله ايضا: ) أراع كذا كُل الأنام همامُ ... وسح لهُ رُسل الملوكِ غمامُ ( كذا في موضع نصب صفةٌ لمصدر محذوف. اي راع روعاً مثل هذا: ) وسح له رُسل الملوك غَمام ( اي تقاطوا عليه، وقد جاءوه تترى من كل أوب، حتى كأن غماماً سحهم عليه لكثرتهم، اي صبهم، فُرسل الملوك: منصوب على المفعول به، لان سح فعل متعد. ) وَرُب جوابٍ عن كتابٍ بَعَثَتَهُ ... وعنوانهُ للناظرين قتامُ ( يعني جيشاً أجاب به عن كتاب، فأنبأهم قتامُه عنه، كما يُنبء عن الكتاب عنوانه. ) تضيقُ به البيداء من قبل نشره ... ومافُض بالبيداء منهُ ختامُ ( اي انه يملأ البيداء، وهو مجتمع قبل انتشاره، فكيف به إذا انبت وانبعث. ) حُروفُ هِجاء الناس فيه ثلاثةٌ ... جوادٌ ورُمحٌ ذابلٌ وحُسامُ ( اي لا يشاهد فيه إلا هذه النواع، كما لا يشاهد في الكتاب إلا حروفه. وله ايضا: ) بلادٌ إذا زار الحسان بغيرها ... حَصَى تربها ثقبنهُ للمخانق ( بلاد: اي هي بلاد، يعني) الثوية (وهي الكوفة وحصاها وهو ذلك الذي يعرف بالفرومي، وهو شفاف حسن. يقول: فإذا زير به النساء في غيرها من البلاد استحسنه فثقبنه ووضعنه في مُخانقهن. وليس الحصى هو الزائر في الحقيقة لان الزيارة إنما هي لمن يعقل، والحس جماد. وإنما أراد زير به الحسن فاتسع بأن جعل الفعل له. وواحد المخانق مخنقة، سميت بذلك، لأنها توضع في موضع الخق من الحلق. ) وأغيدُ يهوى نفسه كل عاقلٍ ... عفيف ويهوى جسمه كل فاسقِ ( اي أنه كامل الحُسن خلقاً وخُلقاً، فحسنه حُسنان رُوحاني، وهو حسن الخُلُق، وجسماني وهو حُسن خلْقه، فأوجب ذلك أن يعشقه العفيف والفاسق، فالعفيف يهوى نفسه، ولها الحسن الخُلُقي، والفاسق يهوي جسمه، وله الحسن الخلقي. ولو اتزن له أن يقول:) كل عفيف (ولم يذكر العاقل؛ لكان أذهب في التقابل لان العفة ضد العقل. وإنما يقابل العاقلُ الأحمق؛ فلا معنى لقوله) كل عاقل (، ولكن لما كانت العفة للجزء المعتدل، وكان الجزء المعتدل يوصف بالقعل، حسُن أن يذكر العقل مع العفة، وإلا فوجه التقابل ما ذكرت لك. وقوله:) وأغيد (: عطفٌ على قوله:) مليحةٌ (من قوله: ) سقتنى بها القُطرُ بلىَّ مَلِيحةٌ ( وإن شئت رفعت أغيد على الابتداء، وخبره مضمر. كأنك قلت: وثمّ أغيدُ. ) يُحدثُ عما بين عادٍ وبينه ... وصُدغاهُ في خدى غُلامٍ مُراهقِ ( ويُروى:) يحدث ما بين القرون وبينه (. وهي الأمم الخاليه. اي أن هذا الأغيد حافظ واع حسن الحديث، جيد السياق له، فهو يحدث عن الأوائل، ويخبر بأخبار القدماء، وإن كان حديث السن. وقوله: ) وصُدغاهُ في خدى غلامٍ مُراهِقِ ( كناية عن حداثته وفُتُوته. ويعنى بالصدغ: ما سال من الشعر على خده. وهذه الكناية، وإن كانت حسنة، فإن فيها تكلفاً، كان أقرب من ذلك لو اتزن له أن يقول: وهو مُراهق. فكان يعنى من قوله: ) وصدغاه في خدىْ غلام مراهق ( ولكنه تكلف ذلك، لحفظ إعراب القافية.

стр. 73

) يُفرقُ ما بين الكُماةِ وبينها ... بطعنٍ يُسلى حره كل عاشقِ ( اي بين الكماة ونسائهم، بطعن يؤلم العاشق، فيُسليه بحرهِ عن المعشوق. ) أتى الطعن حتى ما تطيرُ رشاشةٌ ... من الخيل إلا في نحُورِ العوانق ( الرشاشُ: ما أرش من الدم. يقول: ألْحق عقيلا بحلالهم وعيالهم، حتى إنهم إذا أصيبوا بالطعان، طارت دماؤُهم في نُحور الشواب من النساء. وبالف باختصاص الشواب، لأنهن لوازم لزوايا الخُدور، فذلك أغرب. ) وَملَمُوسةٌ سيفيةٌ ربعيةٌ ... يصيحُ الحَصَى فيها صياح اللقالقِ ( ويروى تصيح الحصى. مَلموُمة: يعني كتيبة مجتمعة لم بعضها إلى بعض، اي جُمع. وقيل مجموعة كالحجر اللملموم. والقولان متقاربان. سيفية: منسوبة إلى سيف الدولة منها. ) يصيح الحصى فيها اللقالق ( اي قد كثر فيها الخيل والرجل، الحصى يصيح تحت حوافر الخيل، وأرجل الرجال، صياح اللقالق: وهي نوع من الطير. واحدها لقلاق. وحقيقة اللقالق: الصوت، فسمي هذا النوع من الطير لقلاقاً بصوته، وكان يجب على هذا) صياح اللقالين (لان واحدهما لقلاق. وإذا كانت الألف وغيرها من حروف اللين رابعة في الواحد، ثبتت ياء في الجمع، نحو حملاق وحماليق، وكُردوس وكراديس، وشملال وشماليل. لكن الشاعر إذا اضطر حذف هذه الياء في الجمع. أنشد سيبويه: قد قربت ساداتها الروائسا ... والبكراتِ الفثتح العطامِسا فكذلك اضطر هذا الشاعر، فحذف ياء) اللقالين (ولا يلتفت إلى قول العامة في واحدها) لقلق (، فإن ذلك خطأ. وقيل: كانت هذه الكتيبة مَكسوة تجافيف ودروعاً فإذا وضع الفرس حافره على حصاة أطارها، فقرعت تجفافاً أو درعاً، فأشبه صوت وقوعها بالدرع أو التجفاف، صوت اللقلاق. واستعار الصياح للحصى وإنما الصياح للحيوان. ومن رواه) تصيح (اراد تُصيح هذه الكتيبة الحصى، وكان يجب على هذه الرواية أن يقول إصاحة اللقالق، لان مصدر أفعل إنما هو الإفعال، فإن كان الفعل معتل العين، وكان مصدره إفعالة، تحذف العين، ويجعل الهاء عوضاً منها، كقوله أقَالهُ إقاَلَةً، وأقامه إقامةً، لكنه قال: صياح، فجاء بالمصدر على غير فعله، لانه اراد فتصيح صياح القالق، وفي التنزيل) واللهُ أنْبَتَكُم من الأرْض نَبَاتَاً (اي فنبتم نباتاً. ومثله كثير، قد أفرد سيبويه فيه باباً. ) وكانَ هَديراً من فُحُولٍ تركتها ... مثهلبة الأذنابِ خُرس الشقاشقِ ( اي كان هذا الذي أبدتُه عُقيل من الطغيان والأشر. بمنزلة الهدير للفحول، والفحول إذا هاجت هَدَرَت، وأخرجت شقاشقها، وهي هنوات تخرج بيضاً وحُمراً كالرئة. أنشد ابن دريد في صفة شقشقة حمراء: في جَوْنةٍ كقفدانِ العطارْ الفقدان: أدمة حمراء، تصان فيها أتواع العطر، فشبه الشقشقة في لونها وعظمها لها. والجَوْن: يكون للأبيض والأسود والأحمر. وإنما قلنا هنا: إنه يصف شقشقة حمراء. لتشبيهه إياها بالفقدان، والفقدان أحمر. فاذا تهادرت الإبل، شُدت أذنابُها وأهلابُها، فسكنت وخَرِست شقاشقها وذلت، فجعل عُقيلا بمنزلة الفحول، وأشرها وتوعُّدها لسيف الدولة كالهدير. وجعل إذله لهم، وتحبيسه إياهم، بمنزلة تهليب الأذناب، وإخراس الشقاشق. وإن شئت قلت: لما هزمهم، فأدرك بعضاً وفاته بعض، كانوا بمنزلة فحول صال عليها فَحل مُقرم، فهربتْ أمامه، فهلب ما أمكنه من أذنابه اي نسفها. وله ايضا: ) وغيرها التراسُلُ والتشاكي ... وأعجبها التلُّبُ والمُغارُ ( اي تراسلوا بما لقُوه من هذا الملك، وشكاه بعضهم إلى بعض، فدعاهم ذلك إلى ترك الطاعة، وغيرهم عن الائتمار لسيف الدولة.) وأعجبها التلبب (وهو التحزم بالسلاح، والمُغارُ: اي الإغارة على الأحياء. ) فكُنت السيف قائُمُه إليهم ... وفي الأعداء حدك والغرارُ ( اي كنت قبل نفاقهم وشقاقهم، سيفاً مردود القائم إليم، لا تقطعهم ولا تؤذيهم، لان القائم. وفي أعدائهم غرارك: اي حدك وله التأثير. ) فأمْست بالبديةِ شفرتاهُ ... وأمسى خلف قائمه الحيارُ ( البدية والحيار: ماء أن بأرجان. والحيار أقرب إلى العمارة فيقول: سير من الحيار إلى البدية وبها أدركهم، فصار الحيار خلف القائم. والشفرتان بالبدية، ضارباً لهم بالسيف، الذي كان قبل مشاقتهم له يضرب به أعداءهم عنهم.

стр. 74

) مضوا مُتسابقى الأعضاء فيهِ ... رُءُوسُهُم بأرجُلهم عثارُ ( اي أنفصلت أعضاؤهم بعضها قبل بعض، يقُول: تقطعت أعناقهم فبُددت، فتعثرت. ) يُغادر كُل مُلتفتٍ إليه ... ولبتُهُ لتعلبهِ وجارُ ( الثعلب: ما دخل من الرمح في جُبة السنان، والوجار: جُحرُ الثعلب وِجَار ووَجَار، حققها يعقوب. وشك أبو عبيد في الكسر. اي إذا التفت اليه المنزِم ليقاتل بعُده وقُربه لم يلبث أن يُطعن به في لبتهِ. فتكون بمنزلة الوجار للثعلب. ويجوز أن يجعل الليلة وجاراً من حيث سُمي ما يدخل من الرمح في جُبة السنان ثعلباً. وقوله:) وَلبَّتُه لثعلبه وجار (:جملة في موضع الحال، إذا رددتُها إلى المفرد فكأنك قلت: يغادر كل ملتفت إليه مطعون اللبة به، وهو في موضع الفلادو من الصدر. ) فهُم حزقٌ على الخابٌو رصرعي ... بهم من شُرب غيرهم خُمارُ ( اي أنهم جمدوا، وأجمدوا خيلهم، فانقطعوا وانقطعت، وأقاموا في هذا الموضع صَرعَى، كانهم شَرْب مخنُوروُن وليسوا بشَرْب، إنما الشَرب رماح سيف الدولة، لأنها التي شربت دماءهم، والخُمار إنما هو للشارب. يسخرُ بهم فيقول: كيف خُمر هؤلاء. وإنما الشاربة رماحُك. وإن شئت قلت قلت: جعل المهرومين كالمخمورين، لما بهم من الحيرة والكسل والفتور. وجعل الهازمين كالشَرْب، لما نالوا منهم، أو مابهم من الفرح بفلهم لهم، وقتلهم إياهم، كفَرَح الشراب للنبيذ. ) يُوسطُه المفاوز كل يومٍ ... طلابُ الطالبين لا الانتارُ ( يوسطه: اي يدخله وسط المفاوز، طلابُه للمهزومين الهاربين إلى الفقار، فهو يطلبهم هناك. يقول: فهذا هو الذي يدخله المفاوز، لا هربه من أعدائه، ولا انتظاره أن يُدركوه. وقوله:) طلابُ الطالبين (: كان الأحسن في الظاهر - لو اتزن له - أن يقول: طلابُ المطلوبين، ولكن هذا يتجه على ثلاثة أوجه: إما أن يكون عنى بالطالبين أعداءه الذي كانوا يطلبونه قبل، وهم الان مطلوبون، وإما أن يكون عَنلا بالطالبين للنجاة، وهم هؤلاء المهزومون، وإما أن يكون) الطالبين (بمعنى المطلوبين، فقد يجيء) فاعل (بمعنى مفعول كما يجيء عكس ذلك كثيراً، فما جاء) فاعل (فيه بمعنى مفعول قولُ بشر بن أبي خازم: ذكرتُ بها سلمَى فبتُّ كأنني ... ذكرت حبيباً فاقداً تحت مَرْمَس اي مفقوداً. وأما عكسُه، فنحو قوله تعالى:) إنهُ كانَ وَعدُه مَأْتِياَّ (اي آتياً. وذكر لي أن المتنبي سُئل عن هذا فقال: عَنيتُ بالطالبين سيف الدولة وكتيبته، وهذا عندي حسن. فطالبين على هذا في موضع رفع اي طلاب الطالبين لعدوهم: كقولك:) عجبت من ضرب زيد (وانت تريد من ضرب زيد لعمرو، فاذا كانوا قد يحذفون الفاعل، ويجتزون بالمفعول، للعلم بالمعنى، مثل قوله تعالى: ) لاَ يَسْأم الإنسانُ من دُعاء الخَيْر ( اي من دعائه الخير، فحذف المفعول وإبقاء الفاعل اولى. فقد جاء المفعول نحذوفاً كثيراً، في مثل قوله تعالى: رَخِيماتَ الكلامِ مُيتلاتٍ ... جواعل غي القَنَا قَصَباً خدالاَ مبتلات) بالكسر (اي مُقطعات للكلام، يَبْرْن المنطق نَغْمة، فحذف المفعول ومن رواه) مبتلات (فقد كفاك، لان المبتلة لفظ المفعول، وهي من النساء التي كل شيء منها حسن على حدة، كأن الحُسن) بُيل (على كل جزء منها، اي قطع. وقد اثبت هذا في كتابي الموسوم بالمخصص في اللغة. وتوطه في المفاوز في أثر المنهزمين يكون كناية عن بعُد همته، كقوله هو فيه: أكلما رُمتَ جَيْشاً فانْثَنَى هَرَباً ... تَصَرَّفتْ بك في آثاره الهِمَمُ عليك هَزْمُهُمُ في كل معترك ... وما عليك بهم عارٌ إذا انهزمُوا وقديكون ذلك كناية هن هديته ومعرفته بالسبلُ والمخادع، حتى لا يفوته الهارب منهم، كقوله هو فيه أيضا حين هزم عُقيلاً: توهما الأعرابُ صَولة مُتْرَفٍ ... تُذكَّرُه البيداءُ ظل السُّرَادقِ فذَّكرتَهُمْ بالماء ساعةَ غَبَّرت ... سَماوَةُ كَلْبٍ في عُيُون الحَزَائِق وكانوا يرُوعُون الملوك بأن بدوا ... وأن نَبُتَتْ في الماء نبتَ الغَلافِقِ فهاجُوك أهدى في الفلا من نُجومِهِ ... وأبدى بُيوتاً من بُيوت النقانق ) غَطا بالعثير البيداء حتى ... تحيرتِ المتإلى والعشارُ (

стр. 75

العثير: ماء اي غطى مالُهُمُ البيداء، في هذا الموضع المسمى بالعثير، حتى تحيرت متالية وعشاره: اي أعز أولادها، وذلك لكثرة العدد، وغزارة المَدَد. ) وَجيشٍ كلما حارُوا بأرضٍ ... وأقبل أقبلتْ فيه تحارُ ( اي أن سيف الدولة تبع بنى كعب بجيشه، فكان الكعبيون كلما مروا بأرض واسعة حاروا فيها وكان جيش سيف الدولة كلما مروا بتلك الأرض التي حار أولئك فيها، حارتِ الأرض فيه، وذلك لعظمه، وحمهور أممه، مع ما خالط الكعبيين من الخَوَر، وهؤلاء من التحدث بالظفر. فالضمير في حاروا راجع إلى هؤلاء المتبوعين، وغي أقلب: راجع إلى الجيش. وكذلك الهاء في قوله) فيه (راجعة إليه أيضاً. ) وَأجفَل الفُرات بنُو نُميرٍ ... وزأرُهُم الذي زأرُوا خُولرُ ( الزئير للأسد، والخُوار للضأن، يقول: كانوا أسداً قبل لقاء سيف الدولة، فعادوا ضأناً عند لقائه. وكنى بالزئير عن الأسد، وبالخوار عن الضأن، لان الزئير والخُوار في هذين النوعين خاصتان، والخالصة دالة على مخصوصها فتفهمه. ) فَهثم حِزقٌ على الخابور صَرْعى ... بهمْ من شُربِ غيرهمُ خُمارُ ( قيل معناه: اراد غيرهم، فظنوا انه ارادهم، ففروا وتفرقوا. والذي عندي أن سيف الدولة أوقع ببني كعب، فذلك معنى قوله:) من شُرب غيرهم خُمار (، وخاف النميريون من مثل ذلك فتفرقوا، فذلك خُمارهم لان الخُمار أقرب إلى الصحو من السكر المُغرق. ففزعُ هؤلاء النميريين اخف من موت الكعبيين. ) بَنو كعبٍ وما اثرتَ فيهم ... يدٌ لم يُدمها إلا السوارُ ( اي أنك وإن نلتهم بمساءةٍ؛ فقد شرفتهم باعتمادك إياهم، واشتغالك بهم، كالكف التي إن أدماها السوار، زينها ذلك وإن آلمها. وله ايضا: ) أيا رامياً يُصمى فُؤاد مرامهِ ... تُربي عداهُ ريشها بسهامِهِ ( يخاطب سيف الدولة. يقول: أيا رامياً يصيب مارامه، فرماه بسهمٍ ريشهُ أجنحة عداه. عنى بالسهم: جيشه، وبريش عداه: سلاحهم الذ سلبهم إياه، وكساه جيشه. وجعل سلاح عداه ريشاً، لكونه عوناً لهم. كما أن الريش عون للسهم، وسوغ ذلك أيضا أن السلاح لباس، واللباس يُكنى عنه بالريش، لقوله تعالى:) وريشاً ولِبَاسُ التقوى (، وكنى بالسهم عن جيشة، لانه يقتل به عدوُه، كما يقتُل بالسهم. وحسن لن يناديه بالنكرة، لانه قد أطال وصفها، وذهب إلى أنه ليس أحد يستحق هذه الصفة إلا هو. فكأن النكرة هنا معرفة. والعدا: اسم للجمع عند سيبويه، وليس بجمع لان) فَعُولا (لا يكسر على) فِعَل (وإنما جمع عَدُوً، وأما عُداةٌ فجمع عادٍ. حكاه أبو زيد عن العرب. أشمت الله عاديك، اي عدوك. وما كان على) فاعل (من المعتل اللام، فَفُعَلَة فيه مطردة كقاضٍ وقُضاة، ورامٍ ورُماة. ولا يكون) عُداة (جمع عدو، لان) عدو (فَعول، و) فَعُول (لا يُكسر على) فُعَلة (، ولم أسمع لعادٍ يجيء) عادٍ (عليه، اي لم يجيء) عَدَوته (في معنى) عاديتُه (. ولن هذا عندي على النشب، اي ذو عداوة، ونظيره. فاعل، ونايل، وأشياءُ قد حكاها سيبويه وغره. ) وَيَجْعَلُ ما خُولتُه من نَوَالَ ... لما خُولتُه من كلامهِ ( اي إن أياديه تُنطقني بجيد وتطلعني على بالغ الشكر، فهو سبب ما خُولته من الكلام. فإن ذا الكلام إنما هو منه، ثم يجازيني بالنوال، على ما اعاننى عليه من المقال. يُغرب المتنبي بذلك وهو كقول البحتري: فهو بُعطى خيراً ويُثنى عليه ... ثم يُعطى على الثناء جزاء قوله: جزاء لما خُولته من كلام: أراد) جزاء على ما خولته (، فأبدل اللام مكان) على (ضرورة. ويجعلُ هنا: بمعنى) يُصير (فهي متعدية إلى مفعولين، كقولك: جعلتُ الطين خزفاً. وله ايضا: ) قاسَمتَك المنونُ شخصين جوراً ... جعل القسمُ نفسه فيك عدلا ( ويروى) فيه عدلا (يعني بالشخصين) أختيه (أخذتِ المنون إحداهما، وهي الصغرى، وأبقت لك هذه الأخرى. وهذه المقاسمة جور، لأنه تسورٌ عليه في أهله. إلا أن القسم صير نفسه عدلاً في ذلك الجور بأن أبقى لك الكبرى، وسلبك الصُّغرى، كقوله: قد كان قاسمكَ الشخصين دهرهُما ... وعاش دُرُّهما المفدي بالذهبِ
следующие страницы →