← Адаб

Адаб · id 775

شرح المشكل من شعر المتنبي

ابن سيده

Полный текст (111 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقيل: جعلها حمراء، لان سيف الدولة بناها بحجر أحمر، ولم يك قبل ذلك. يقول: فهل تعرف هذه القلعة أن بناءها الحديث غير بنائها القديم؟ وكذلك بلت هذه السيوف هذه المدينة بالدم، كما يبُل - السحابُ الارض بالمطر فهل تعرف أن الغمام سقاها الآن أو السيوف؟ وقد بين ذلك بقوله بعد هذا: ) سقتها الغمامُ الغُر قبل نُزُولهِ ... فلما دَنا منها سقتها الجماحمُ ( اي سقاها السحاب قبل نزول سيف الدولة بها، فلما دنا منها قتل من كان بها من الروم، فسفتها السيوف بدمائهم. ) وَكان بها مثلُ الجُنُون فأصبحتْ ... ومن جُثثِ القتلى عليها تمائمُ ( التمائم: العُوذ، وهي تُناط بمن كان به مَرَضَ أو جنون أو سحر. فيقول: كانت هذه القلعة مضطربة غير مطمئمة ولا مستقرة بمن غلب عليا من الروم، حتى كان بها من ذلك مثل الجُنون، لان المجنون يخالطه اضطراب وقلة ثبات، ولذك قيل له:) الأولق (. لان الولْق: سرعة الطعن والمشي، وهذا فيمن أخذه من ذلك، فجعله) أفعل (. فأما سيبويه، فهو عنده) فوغل (بديل) مألُوق (فلما وردها سيف الدولة فقَتل من تغلب عليها، استقرت واطمأنت، فكانت جثث القتلى عليها تمائم أوجبت لها الاستقرار والطمأنينة. ) وَقد حاكَمُوها والمنايا حَواكٌم ... فلما مات مظلُومٌ ولا عاش ظالُم ( أثبت حكماً من حيث أثبت ظلماً، لان الظلم جورٌ، والجور نوع من الحكم، ضد العدل، فحاكموا هذه القلعة. والسيوف حواكم: اي هُن ذوات الحكم على المتحاكمين عليها، وكان الظلم من قبل الروم لهذه المدينة، بهدمهم إياها، وإخلائهم لها، فلما كان الحُكم للسيوف، مات الظلم بقتل هؤلاء الروم الظالمين. ) فما مات مظلُوم (: يعني القلعة، اي لم يعفُ أثرهُا، بل جُدد بناؤها، وزيدت تحصيناً.) ولا عاش ظالمُ (: اي لم يعش الروم الذين هدموُها، بل قتلهم سيف الدولة. ) تَقَطّعَ مالا يَقطعُ والقنا ... وفر من الفُرسان من لايُصادمُ ( اي ما كان من السيوف قاطعاً للدرع وللابسها بقي وما لم يبلغ من الحدة والشدة أن يقكعهما، تقطع وفنى، وذلك لشدة ما كان هنالك من الضرب. ومن كان من الفُرسان غير مزاحم ولا مصادِم لم يَثبت. يذهب في كل ذلك إلى أنه لم يبق إلا الجيدُ الصابر على الكفِاح من الرجال والسلاح ألا تراه يقول: ولله وقتٌ أذهبَ الغش نارُه ... فلم يبق إلا صارمٌ أو ضبارمُ ) تجاوزت مقدار الشجاعة والنُهي ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم ( اي أن أناساً من الحُذاق لما رأوا إقدامك، وإعمالَك رُمْحك وحُسامًك، يُبيحان لك سلامة الحَوْباء، والظفر أبداً بالأعداء، قالوا إنه لا يقتحم ذلك إلا بعد ما ظل عالماً، أنه لا يئُوب إلا سالماً غانماً. فَحَلَتْ عندهم بذلك عالم غيب، مُتقفيا للعواقب غير ذي ريب وهذا أرفع من منزلة الشجاعة والتدبير. ) تظُنُ فراخُ الفُتح أنك زُرتها ... بأماتها وهي العتاقُ الصلادمُ ( اي أن خيالك صعدت الجبال حتى انتهت إلى أعاليها، وهناك وكُورُ العقبان. فلما أشرفت لى تلك الوكور جَمْجَمْتَ، والجمجمة تشبه صَرْصَرة عتاق الخيل، ظنتها فراخُ العقبان أمهاتها. ومما يدلُك على أن الجمجمة تشبه الصرصرة قول الشاعر: إذا الخيلُ صات صياح النسور ... هززنا مَراسفها بالجذمْ وعنى بالفُتح: العقبان. أقام الصفة مُقام الموصوف، لأنها صفةٌ غالبة، تقوم مقام الاسم. وإنما العُقاب فتخاء، للين جناحها. والفَتَحُ: اللين، والصلادم: شداد الخيل: صِلدِم وصِلْدِمة. ) أفى كل يوم ذا الدُمُستُقُ مُقدمٌ ... قفاهُ على الإقدام للوجهِ لائمُ ( اي إن هذا الدمستق في كل يوم يُقدم فيُهزم، ويحُجم فَيسلم وجههُ، ويُضرب قفاه، فالقفا يلُوم الوجه على الإقدام. يقول له: كم تتوجه إلى من قد علمت أنه لك هازمٌ، فتسلمُ أنت، ويهونُ عليك ما ألقاه إذا سلمت أنت. وأراد قفاهُ لائمُ لوجهه على الإقدام فقال:) للوجه (، لأن إضافة القفا غليه تشعر أنه لا يعني من الوجوه إلا وجهه. ) بضربٍ أتى الهاماتِ والنصرُ غائبٌ ... وَصار إلى اللبلتِ والنصرُ قادمُ (

стр. 72

اي أن الضرب الضرب إذا قرع الهام لم تعده نصره، إذ في الإمكان أن يموت صاحبُها، وأن لا يمُوت. فإذا وصل إلى اللبة، هلك لا محالة، فيحنئذ يُعتدُّ بالنصر. وضرب الغيب مثلاً للشك في النصر، والقدوم للتيقن. وكذلك الغائب مشكوك فيه، والحضر متُيقن. ) حقرْت الرُّدينياتِ حتى طضرحتها ... وحتى كان السيف للرُّمِح شاتمُ ( الرُّدينيات: الرماح، منسوبة إلى مرأة تسمى رُدينة، كانت تُركب فيها الأسنة. يقول: إنما أحبتُ لقاء العدو على قُربٍ معانقةً ومصافحة، لجرأتك وشجاعتك، ولم ترض لن تستعمل في قتاله الرمح، لان ذلك مُشعرٌ بالجبن، لان القتال به إنما هو على بُعد، فاطرحته واستعملت السيف مكانه قال: ) وحتى كأن السيف للرُّمح شَاتِم ( اي لكأنك قد رأيت السيف قد عير الرمح بالضعف والتقضف وقلة الغناء، فَهَان عليك الرمح لذلك، ألا تراه يقول بعد هذا: ومَنْ طَلب الفتح الجليل فإنما ... مَفَاتيحُه البيضُ الخِفافُ الصوارِمُ ومن كلام بعض العرب: الرمح أخُوك وربما خانك. وقال عمرو بن معْدِ يكرب في السيف: خليلي لم أخنُه ولم يَخُنى ... على الصمصامَِة السيف السلامُ وله ايضا: ) أراع كذا كُل الأنام همامُ ... وسح لهُ رُسل الملوكِ غمامُ ( كذا في موضع نصب صفةٌ لمصدر محذوف. اي راع روعاً مثل هذا: ) وسح له رُسل الملوك غَمام ( اي تقاطوا عليه، وقد جاءوه تترى من كل أوب، حتى كأن غماماً سحهم عليه لكثرتهم، اي صبهم، فُرسل الملوك: منصوب على المفعول به، لان سح فعل متعد. ) وَرُب جوابٍ عن كتابٍ بَعَثَتَهُ ... وعنوانهُ للناظرين قتامُ ( يعني جيشاً أجاب به عن كتاب، فأنبأهم قتامُه عنه، كما يُنبء عن الكتاب عنوانه. ) تضيقُ به البيداء من قبل نشره ... ومافُض بالبيداء منهُ ختامُ ( اي انه يملأ البيداء، وهو مجتمع قبل انتشاره، فكيف به إذا انبت وانبعث. ) حُروفُ هِجاء الناس فيه ثلاثةٌ ... جوادٌ ورُمحٌ ذابلٌ وحُسامُ ( اي لا يشاهد فيه إلا هذه النواع، كما لا يشاهد في الكتاب إلا حروفه. وله ايضا: ) بلادٌ إذا زار الحسان بغيرها ... حَصَى تربها ثقبنهُ للمخانق ( بلاد: اي هي بلاد، يعني) الثوية (وهي الكوفة وحصاها وهو ذلك الذي يعرف بالفرومي، وهو شفاف حسن. يقول: فإذا زير به النساء في غيرها من البلاد استحسنه فثقبنه ووضعنه في مُخانقهن. وليس الحصى هو الزائر في الحقيقة لان الزيارة إنما هي لمن يعقل، والحس جماد. وإنما أراد زير به الحسن فاتسع بأن جعل الفعل له. وواحد المخانق مخنقة، سميت بذلك، لأنها توضع في موضع الخق من الحلق. ) وأغيدُ يهوى نفسه كل عاقلٍ ... عفيف ويهوى جسمه كل فاسقِ ( اي أنه كامل الحُسن خلقاً وخُلقاً، فحسنه حُسنان رُوحاني، وهو حسن الخُلُق، وجسماني وهو حُسن خلْقه، فأوجب ذلك أن يعشقه العفيف والفاسق، فالعفيف يهوى نفسه، ولها الحسن الخُلُقي، والفاسق يهوي جسمه، وله الحسن الخلقي. ولو اتزن له أن يقول:) كل عفيف (ولم يذكر العاقل؛ لكان أذهب في التقابل لان العفة ضد العقل. وإنما يقابل العاقلُ الأحمق؛ فلا معنى لقوله) كل عاقل (، ولكن لما كانت العفة للجزء المعتدل، وكان الجزء المعتدل يوصف بالقعل، حسُن أن يذكر العقل مع العفة، وإلا فوجه التقابل ما ذكرت لك. وقوله:) وأغيد (: عطفٌ على قوله:) مليحةٌ (من قوله: ) سقتنى بها القُطرُ بلىَّ مَلِيحةٌ ( وإن شئت رفعت أغيد على الابتداء، وخبره مضمر. كأنك قلت: وثمّ أغيدُ. ) يُحدثُ عما بين عادٍ وبينه ... وصُدغاهُ في خدى غُلامٍ مُراهقِ ( ويُروى:) يحدث ما بين القرون وبينه (. وهي الأمم الخاليه. اي أن هذا الأغيد حافظ واع حسن الحديث، جيد السياق له، فهو يحدث عن الأوائل، ويخبر بأخبار القدماء، وإن كان حديث السن. وقوله: ) وصُدغاهُ في خدى غلامٍ مُراهِقِ ( كناية عن حداثته وفُتُوته. ويعنى بالصدغ: ما سال من الشعر على خده. وهذه الكناية، وإن كانت حسنة، فإن فيها تكلفاً، كان أقرب من ذلك لو اتزن له أن يقول: وهو مُراهق. فكان يعنى من قوله: ) وصدغاه في خدىْ غلام مراهق ( ولكنه تكلف ذلك، لحفظ إعراب القافية.

стр. 73

) يُفرقُ ما بين الكُماةِ وبينها ... بطعنٍ يُسلى حره كل عاشقِ ( اي بين الكماة ونسائهم، بطعن يؤلم العاشق، فيُسليه بحرهِ عن المعشوق. ) أتى الطعن حتى ما تطيرُ رشاشةٌ ... من الخيل إلا في نحُورِ العوانق ( الرشاشُ: ما أرش من الدم. يقول: ألْحق عقيلا بحلالهم وعيالهم، حتى إنهم إذا أصيبوا بالطعان، طارت دماؤُهم في نُحور الشواب من النساء. وبالف باختصاص الشواب، لأنهن لوازم لزوايا الخُدور، فذلك أغرب. ) وَملَمُوسةٌ سيفيةٌ ربعيةٌ ... يصيحُ الحَصَى فيها صياح اللقالقِ ( ويروى تصيح الحصى. مَلموُمة: يعني كتيبة مجتمعة لم بعضها إلى بعض، اي جُمع. وقيل مجموعة كالحجر اللملموم. والقولان متقاربان. سيفية: منسوبة إلى سيف الدولة منها. ) يصيح الحصى فيها اللقالق ( اي قد كثر فيها الخيل والرجل، الحصى يصيح تحت حوافر الخيل، وأرجل الرجال، صياح اللقالق: وهي نوع من الطير. واحدها لقلاق. وحقيقة اللقالق: الصوت، فسمي هذا النوع من الطير لقلاقاً بصوته، وكان يجب على هذا) صياح اللقالين (لان واحدهما لقلاق. وإذا كانت الألف وغيرها من حروف اللين رابعة في الواحد، ثبتت ياء في الجمع، نحو حملاق وحماليق، وكُردوس وكراديس، وشملال وشماليل. لكن الشاعر إذا اضطر حذف هذه الياء في الجمع. أنشد سيبويه: قد قربت ساداتها الروائسا ... والبكراتِ الفثتح العطامِسا فكذلك اضطر هذا الشاعر، فحذف ياء) اللقالين (ولا يلتفت إلى قول العامة في واحدها) لقلق (، فإن ذلك خطأ. وقيل: كانت هذه الكتيبة مَكسوة تجافيف ودروعاً فإذا وضع الفرس حافره على حصاة أطارها، فقرعت تجفافاً أو درعاً، فأشبه صوت وقوعها بالدرع أو التجفاف، صوت اللقلاق. واستعار الصياح للحصى وإنما الصياح للحيوان. ومن رواه) تصيح (اراد تُصيح هذه الكتيبة الحصى، وكان يجب على هذه الرواية أن يقول إصاحة اللقالق، لان مصدر أفعل إنما هو الإفعال، فإن كان الفعل معتل العين، وكان مصدره إفعالة، تحذف العين، ويجعل الهاء عوضاً منها، كقوله أقَالهُ إقاَلَةً، وأقامه إقامةً، لكنه قال: صياح، فجاء بالمصدر على غير فعله، لانه اراد فتصيح صياح القالق، وفي التنزيل) واللهُ أنْبَتَكُم من الأرْض نَبَاتَاً (اي فنبتم نباتاً. ومثله كثير، قد أفرد سيبويه فيه باباً. ) وكانَ هَديراً من فُحُولٍ تركتها ... مثهلبة الأذنابِ خُرس الشقاشقِ ( اي كان هذا الذي أبدتُه عُقيل من الطغيان والأشر. بمنزلة الهدير للفحول، والفحول إذا هاجت هَدَرَت، وأخرجت شقاشقها، وهي هنوات تخرج بيضاً وحُمراً كالرئة. أنشد ابن دريد في صفة شقشقة حمراء: في جَوْنةٍ كقفدانِ العطارْ الفقدان: أدمة حمراء، تصان فيها أتواع العطر، فشبه الشقشقة في لونها وعظمها لها. والجَوْن: يكون للأبيض والأسود والأحمر. وإنما قلنا هنا: إنه يصف شقشقة حمراء. لتشبيهه إياها بالفقدان، والفقدان أحمر. فاذا تهادرت الإبل، شُدت أذنابُها وأهلابُها، فسكنت وخَرِست شقاشقها وذلت، فجعل عُقيلا بمنزلة الفحول، وأشرها وتوعُّدها لسيف الدولة كالهدير. وجعل إذله لهم، وتحبيسه إياهم، بمنزلة تهليب الأذناب، وإخراس الشقاشق. وإن شئت قلت: لما هزمهم، فأدرك بعضاً وفاته بعض، كانوا بمنزلة فحول صال عليها فَحل مُقرم، فهربتْ أمامه، فهلب ما أمكنه من أذنابه اي نسفها. وله ايضا: ) وغيرها التراسُلُ والتشاكي ... وأعجبها التلُّبُ والمُغارُ ( اي تراسلوا بما لقُوه من هذا الملك، وشكاه بعضهم إلى بعض، فدعاهم ذلك إلى ترك الطاعة، وغيرهم عن الائتمار لسيف الدولة.) وأعجبها التلبب (وهو التحزم بالسلاح، والمُغارُ: اي الإغارة على الأحياء. ) فكُنت السيف قائُمُه إليهم ... وفي الأعداء حدك والغرارُ ( اي كنت قبل نفاقهم وشقاقهم، سيفاً مردود القائم إليم، لا تقطعهم ولا تؤذيهم، لان القائم. وفي أعدائهم غرارك: اي حدك وله التأثير. ) فأمْست بالبديةِ شفرتاهُ ... وأمسى خلف قائمه الحيارُ ( البدية والحيار: ماء أن بأرجان. والحيار أقرب إلى العمارة فيقول: سير من الحيار إلى البدية وبها أدركهم، فصار الحيار خلف القائم. والشفرتان بالبدية، ضارباً لهم بالسيف، الذي كان قبل مشاقتهم له يضرب به أعداءهم عنهم.

стр. 74

) مضوا مُتسابقى الأعضاء فيهِ ... رُءُوسُهُم بأرجُلهم عثارُ ( اي أنفصلت أعضاؤهم بعضها قبل بعض، يقُول: تقطعت أعناقهم فبُددت، فتعثرت. ) يُغادر كُل مُلتفتٍ إليه ... ولبتُهُ لتعلبهِ وجارُ ( الثعلب: ما دخل من الرمح في جُبة السنان، والوجار: جُحرُ الثعلب وِجَار ووَجَار، حققها يعقوب. وشك أبو عبيد في الكسر. اي إذا التفت اليه المنزِم ليقاتل بعُده وقُربه لم يلبث أن يُطعن به في لبتهِ. فتكون بمنزلة الوجار للثعلب. ويجوز أن يجعل الليلة وجاراً من حيث سُمي ما يدخل من الرمح في جُبة السنان ثعلباً. وقوله:) وَلبَّتُه لثعلبه وجار (:جملة في موضع الحال، إذا رددتُها إلى المفرد فكأنك قلت: يغادر كل ملتفت إليه مطعون اللبة به، وهو في موضع الفلادو من الصدر. ) فهُم حزقٌ على الخابٌو رصرعي ... بهم من شُرب غيرهم خُمارُ ( اي أنهم جمدوا، وأجمدوا خيلهم، فانقطعوا وانقطعت، وأقاموا في هذا الموضع صَرعَى، كانهم شَرْب مخنُوروُن وليسوا بشَرْب، إنما الشَرب رماح سيف الدولة، لأنها التي شربت دماءهم، والخُمار إنما هو للشارب. يسخرُ بهم فيقول: كيف خُمر هؤلاء. وإنما الشاربة رماحُك. وإن شئت قلت قلت: جعل المهرومين كالمخمورين، لما بهم من الحيرة والكسل والفتور. وجعل الهازمين كالشَرْب، لما نالوا منهم، أو مابهم من الفرح بفلهم لهم، وقتلهم إياهم، كفَرَح الشراب للنبيذ. ) يُوسطُه المفاوز كل يومٍ ... طلابُ الطالبين لا الانتارُ ( يوسطه: اي يدخله وسط المفاوز، طلابُه للمهزومين الهاربين إلى الفقار، فهو يطلبهم هناك. يقول: فهذا هو الذي يدخله المفاوز، لا هربه من أعدائه، ولا انتظاره أن يُدركوه. وقوله:) طلابُ الطالبين (: كان الأحسن في الظاهر - لو اتزن له - أن يقول: طلابُ المطلوبين، ولكن هذا يتجه على ثلاثة أوجه: إما أن يكون عنى بالطالبين أعداءه الذي كانوا يطلبونه قبل، وهم الان مطلوبون، وإما أن يكون عَنلا بالطالبين للنجاة، وهم هؤلاء المهزومون، وإما أن يكون) الطالبين (بمعنى المطلوبين، فقد يجيء) فاعل (بمعنى مفعول كما يجيء عكس ذلك كثيراً، فما جاء) فاعل (فيه بمعنى مفعول قولُ بشر بن أبي خازم: ذكرتُ بها سلمَى فبتُّ كأنني ... ذكرت حبيباً فاقداً تحت مَرْمَس اي مفقوداً. وأما عكسُه، فنحو قوله تعالى:) إنهُ كانَ وَعدُه مَأْتِياَّ (اي آتياً. وذكر لي أن المتنبي سُئل عن هذا فقال: عَنيتُ بالطالبين سيف الدولة وكتيبته، وهذا عندي حسن. فطالبين على هذا في موضع رفع اي طلاب الطالبين لعدوهم: كقولك:) عجبت من ضرب زيد (وانت تريد من ضرب زيد لعمرو، فاذا كانوا قد يحذفون الفاعل، ويجتزون بالمفعول، للعلم بالمعنى، مثل قوله تعالى: ) لاَ يَسْأم الإنسانُ من دُعاء الخَيْر ( اي من دعائه الخير، فحذف المفعول وإبقاء الفاعل اولى. فقد جاء المفعول نحذوفاً كثيراً، في مثل قوله تعالى: رَخِيماتَ الكلامِ مُيتلاتٍ ... جواعل غي القَنَا قَصَباً خدالاَ مبتلات) بالكسر (اي مُقطعات للكلام، يَبْرْن المنطق نَغْمة، فحذف المفعول ومن رواه) مبتلات (فقد كفاك، لان المبتلة لفظ المفعول، وهي من النساء التي كل شيء منها حسن على حدة، كأن الحُسن) بُيل (على كل جزء منها، اي قطع. وقد اثبت هذا في كتابي الموسوم بالمخصص في اللغة. وتوطه في المفاوز في أثر المنهزمين يكون كناية عن بعُد همته، كقوله هو فيه: أكلما رُمتَ جَيْشاً فانْثَنَى هَرَباً ... تَصَرَّفتْ بك في آثاره الهِمَمُ عليك هَزْمُهُمُ في كل معترك ... وما عليك بهم عارٌ إذا انهزمُوا وقديكون ذلك كناية هن هديته ومعرفته بالسبلُ والمخادع، حتى لا يفوته الهارب منهم، كقوله هو فيه أيضا حين هزم عُقيلاً: توهما الأعرابُ صَولة مُتْرَفٍ ... تُذكَّرُه البيداءُ ظل السُّرَادقِ فذَّكرتَهُمْ بالماء ساعةَ غَبَّرت ... سَماوَةُ كَلْبٍ في عُيُون الحَزَائِق وكانوا يرُوعُون الملوك بأن بدوا ... وأن نَبُتَتْ في الماء نبتَ الغَلافِقِ فهاجُوك أهدى في الفلا من نُجومِهِ ... وأبدى بُيوتاً من بُيوت النقانق ) غَطا بالعثير البيداء حتى ... تحيرتِ المتإلى والعشارُ (

стр. 75

العثير: ماء اي غطى مالُهُمُ البيداء، في هذا الموضع المسمى بالعثير، حتى تحيرت متالية وعشاره: اي أعز أولادها، وذلك لكثرة العدد، وغزارة المَدَد. ) وَجيشٍ كلما حارُوا بأرضٍ ... وأقبل أقبلتْ فيه تحارُ ( اي أن سيف الدولة تبع بنى كعب بجيشه، فكان الكعبيون كلما مروا بأرض واسعة حاروا فيها وكان جيش سيف الدولة كلما مروا بتلك الأرض التي حار أولئك فيها، حارتِ الأرض فيه، وذلك لعظمه، وحمهور أممه، مع ما خالط الكعبيين من الخَوَر، وهؤلاء من التحدث بالظفر. فالضمير في حاروا راجع إلى هؤلاء المتبوعين، وغي أقلب: راجع إلى الجيش. وكذلك الهاء في قوله) فيه (راجعة إليه أيضاً. ) وَأجفَل الفُرات بنُو نُميرٍ ... وزأرُهُم الذي زأرُوا خُولرُ ( الزئير للأسد، والخُوار للضأن، يقول: كانوا أسداً قبل لقاء سيف الدولة، فعادوا ضأناً عند لقائه. وكنى بالزئير عن الأسد، وبالخوار عن الضأن، لان الزئير والخُوار في هذين النوعين خاصتان، والخالصة دالة على مخصوصها فتفهمه. ) فَهثم حِزقٌ على الخابور صَرْعى ... بهمْ من شُربِ غيرهمُ خُمارُ ( قيل معناه: اراد غيرهم، فظنوا انه ارادهم، ففروا وتفرقوا. والذي عندي أن سيف الدولة أوقع ببني كعب، فذلك معنى قوله:) من شُرب غيرهم خُمار (، وخاف النميريون من مثل ذلك فتفرقوا، فذلك خُمارهم لان الخُمار أقرب إلى الصحو من السكر المُغرق. ففزعُ هؤلاء النميريين اخف من موت الكعبيين. ) بَنو كعبٍ وما اثرتَ فيهم ... يدٌ لم يُدمها إلا السوارُ ( اي أنك وإن نلتهم بمساءةٍ؛ فقد شرفتهم باعتمادك إياهم، واشتغالك بهم، كالكف التي إن أدماها السوار، زينها ذلك وإن آلمها. وله ايضا: ) أيا رامياً يُصمى فُؤاد مرامهِ ... تُربي عداهُ ريشها بسهامِهِ ( يخاطب سيف الدولة. يقول: أيا رامياً يصيب مارامه، فرماه بسهمٍ ريشهُ أجنحة عداه. عنى بالسهم: جيشه، وبريش عداه: سلاحهم الذ سلبهم إياه، وكساه جيشه. وجعل سلاح عداه ريشاً، لكونه عوناً لهم. كما أن الريش عون للسهم، وسوغ ذلك أيضا أن السلاح لباس، واللباس يُكنى عنه بالريش، لقوله تعالى:) وريشاً ولِبَاسُ التقوى (، وكنى بالسهم عن جيشة، لانه يقتل به عدوُه، كما يقتُل بالسهم. وحسن لن يناديه بالنكرة، لانه قد أطال وصفها، وذهب إلى أنه ليس أحد يستحق هذه الصفة إلا هو. فكأن النكرة هنا معرفة. والعدا: اسم للجمع عند سيبويه، وليس بجمع لان) فَعُولا (لا يكسر على) فِعَل (وإنما جمع عَدُوً، وأما عُداةٌ فجمع عادٍ. حكاه أبو زيد عن العرب. أشمت الله عاديك، اي عدوك. وما كان على) فاعل (من المعتل اللام، فَفُعَلَة فيه مطردة كقاضٍ وقُضاة، ورامٍ ورُماة. ولا يكون) عُداة (جمع عدو، لان) عدو (فَعول، و) فَعُول (لا يُكسر على) فُعَلة (، ولم أسمع لعادٍ يجيء) عادٍ (عليه، اي لم يجيء) عَدَوته (في معنى) عاديتُه (. ولن هذا عندي على النشب، اي ذو عداوة، ونظيره. فاعل، ونايل، وأشياءُ قد حكاها سيبويه وغره. ) وَيَجْعَلُ ما خُولتُه من نَوَالَ ... لما خُولتُه من كلامهِ ( اي إن أياديه تُنطقني بجيد وتطلعني على بالغ الشكر، فهو سبب ما خُولته من الكلام. فإن ذا الكلام إنما هو منه، ثم يجازيني بالنوال، على ما اعاننى عليه من المقال. يُغرب المتنبي بذلك وهو كقول البحتري: فهو بُعطى خيراً ويُثنى عليه ... ثم يُعطى على الثناء جزاء قوله: جزاء لما خُولته من كلام: أراد) جزاء على ما خولته (، فأبدل اللام مكان) على (ضرورة. ويجعلُ هنا: بمعنى) يُصير (فهي متعدية إلى مفعولين، كقولك: جعلتُ الطين خزفاً. وله ايضا: ) قاسَمتَك المنونُ شخصين جوراً ... جعل القسمُ نفسه فيك عدلا ( ويروى) فيه عدلا (يعني بالشخصين) أختيه (أخذتِ المنون إحداهما، وهي الصغرى، وأبقت لك هذه الأخرى. وهذه المقاسمة جور، لأنه تسورٌ عليه في أهله. إلا أن القسم صير نفسه عدلاً في ذلك الجور بأن أبقى لك الكبرى، وسلبك الصُّغرى، كقوله: قد كان قاسمكَ الشخصين دهرهُما ... وعاش دُرُّهما المفدي بالذهبِ

стр. 76

ومن روى) فيك عدلاً (: عنى أنه إذا سلمت أنت فلم يأخذك، فذلك الجور عدل، لان من ترك أنفسُ ممن أخذ، إلا أن الجور في ذلك موجود. وإنما كان يكون العدل لو ترك الجميع موفوراً. وإنما هذا العدل على الإضافة، لا على الإطلاق. ) خِطبةٌ للحمامِ ليس لها ردٌ ... وإن كانت المُسمَّاة ثُكلا ( اي حُلول الحمام بهذه العقيلة، يعني أخت سيف الدولة، خطبةٌ لا ترد، يذهب إلى إعظامها وإنكارها، وإن كانت هذه الخطبة نسميها نحن ثُكلا فليست كذلك في الحقيقة، إنما هي إرادة من النُّور العُلوي، يجذبها ويُصيرها إلى ذاته. ) وَكَم انتشت بالسُّيُوفِ من الده ... رِ أسيراً وبالنوال مُقلاً ( ) عدها نُصرهة علية فلما ... صال ختلا رآه أدرك تبلا ( اي تسورت أنت على الدهر في مظلوميه، فككت أسيره، وجبرت كسيره، وأغنيت فقيره، فأغضبته بمضادتك إياه في افعاله. وفأرصد لك ختلةً ينتهزها منك، إذ عد كل ذلك إنصافاً منه لمظلوميه، ونُصرة عليه لمغلوبيه. فأخذ إحدى أختيك، مكافأة لذلك وعقاباً، فقدر أنه ادرك ذحلا، ونال تبلا. والهاء في) رآه (: عائدة إلى الدهر، فالفاعل هنا هو المفعول؛ ولا يكون مثل هذا عند سيبويه إلا في الأفعال النفسانية التي في معنى الشك والعلم فرآه هنا: المتعدية إلى مفعولين. وإذا كان كذلك، فالجملة التي هي قوله) أدرك تبلا (: في موضع المفعول الثاني. وختْلا: مصدر في موضع الحال، من باب أتانا غدواً ومُسيا. والانتياش: التخلص والانتفاض. ) وَهُوَ الضاربُ الكتيبة والطعنةُ ... تغلُو والضربُ أغلى وأغلَى ( اي أن الكتيبة متمنعة ببأسها شديدة؛ فالطعنة تغلو فيها، اي تغلو وتشتد على مريدها منها. فإذا كانت الطعنة الواحدة غالية؛ فالضرب أغلى منها، لان الطعن أمكن من الضرب، إذ هو على بُعد، والضرب على قُرب، وقال:) والطعنة (ثم قابلها بالضرب، احتياجاً لإقامة الوزن. وكان أذهب له في الصنعة - لو اتزن له - أن يقابل الطعنة بالضربة؛ والطعن بالضرب. وله ايضا: ) كُلما رَام حطها اتسع البنْ ... ىُ فَغَطى جبينهُ والقذالا ( بنى بنياً: مصدر بنى إما أن يكون قد تُكُلم به، وإما أن يكون على الضرورة، لان الشاعر إذا اضطر، كان له أن يرُد مصادر الأفعل الثلاثية غير المزيدة إلى) فَعْلٍ (، وإن استُعمل في الكلام على ذلك زيادة وغير زيادة. مثال ذلك بعُد بعداً، وذهب ذهبا، وكذب كذبا، فيُردّ كل ذلك إلى فعل. هذه حكاية الفارسي.) والجبين (: من أمام الرأس.) والقذالُ (من ورائه. يقول: كلما رام) ابنُ لاون (ملك الروم هدم هذه القلعة، أوسع سيف الدولة بناءها وأطاله، حتى امتد ظله من أمامه، فغطى جبينه، ومن ورائه فغطى قذاله. اي قذال ملك الروم وجبينه. ) وتُوافيهمُ بها في القنا السُّمرِ ... كما وافتِ العطاشُ الصلالا ( الصلال: الأرضُون التي لم تُمطر بين أرضين ممطورة. واحدتها صلة، وقيل هي الأمطار المتفرقة. ويروى) الضلا (: وهي بقايا الماء، واحدها ضلل وقيل الضللُ: الماء الجاري تحت الحجر. ويقول: توافيهم بها أو بالمنايا وهي في القنا السمر، ببادر جيشك إليهم بالفتل كما تبتدر الأنفس العطاش بقايا الماء. والعطاش أحرصُ عليها، لأنهم لا يثقون بالري، فلم يتسابقوا. وقوله: في) القنا السُّمر (: في موضع نصب على الحال، اي مستقرة في القنا السمر، وملتبسة بها، كقولك: خرج زيد في ثيابه: اي لابساً لها، مشتملاً بها، و) كما وافت (أيضاً نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، اي موافاة مثل موافاة العطاش. ولو قال قائل: إن) في (مع قوله:) بها (اسم على حدة) فاعل (مقلوب موضع العين إلى اللام، من هافت الإبل تهاف: إذا عطشت لكان حسناً. وهذا الباب كثير، قد عمل سيبويه وأهل اللغة فيه أبواباً. فكأن المعنى حينئذ أن الرماح تبتدر شُرب دمائهم، فكأنها عطشةٌ إليها، كما يبتدرُ العطاش الماء. ) أبصرُوا الطعْن في القلوب دراكاً ... قبل أن يُبصرُوا الرماحَ خَيَالاً ( اي رأوا أصحابهم مقتولين، فشاهدوا الطعن فيهم دراكاً قبل أن يروا أشباح الرماح. وإن شئت قلت: أعجلتِ الرماحُ هؤلاء القتلى أن يتوقعوا قبل ذلك، فيروها في نومهم. يذهب إلى أنه يك هنالك توعُّد من سيف الدولة، ولكن فَجِئهم فقتلهم.

стр. 77

وقد يتوجه المعنى على أنهم أبصروا الطعن في قلوبهم دراكاً بالقرع قبل أن يروا نفس الرماح، كأن القرع قتلهم. وليس قول من قال إن البيت مقلوب العجز والصدر، لان ذلك فاحش يذهب إلى أنه اراد: أصروا الرماح خيالاً، قبل أن يبصروا الطعن في القلوب دراكاً، استدلالاً بقوله: يرى في النوم رُمحك في كُلاه ... ويخشى أن يراه في المنامِ ) اي عين تأملتكَ فلاقتْ ... كَ وطَرْفٍ رَنَا إليك فآلا ( اي أنك مُتهيب، فإذا رأتك العين تغشتها هيبتكُ، ولم تَتمل، منك فتصفك وصف من لقى الموصوف، وأيُّ طرف رَنَا إليك، فأنكر أن شعاعك يغلبه ويهرُه، فيمنعهُ إدامة النظر إليك، وكره عليك كقوله هو فيه: كأن شعاع ضوء الشمس فيه ... ففي أجسامنا عنه انكسارُ أراد:) أيُ طرف (، فاجتزأ بالأول عن الثاني، كقولهم، أينا فعل ذلك أخراه الله، أراد) أيى وأيك فَعل (. من أبيات الكتاب: فأيي ما وأيكَ كان شرا ... فسبق إلى المنيةِ لا يراها ) كُلما أعجُلو النذير مسيراً ... أعجلتهمُ جيادُهُ الإعجالا ( اي كلما آب إليهم المنذر بإقبال خيل سيف الدولة مُعْجلا سبقوه، كأن ذلك قد وَقع في روعهم قبل الإنذار، فُتعجِلُهُم خيلهُ عن العجلة التي تكلفُوها للهرب فخيلُ سيف الدولة منهم، في إعجالها إياهم، بمنزلتهم من النذير، في إعجالهم إياه. ) رُب أمر أتاك لا تعحمدُ الفُعال ... فيه وتحمدُ الأفعالا ( هؤلاء جيش من الروم، تزلوا على) الَدثَ (فنذروا بعسكر سيف الدولة، فانهزموا، فالانهزام محمود، والمنهزم غير محمود على ذلك، لأنهم فروا وخلوا له سبيله، اضطراراً لا اختياراً. والمضطر غي محمود على فعله، وإن كان فعله في ذاته حميداً. وهذا كقوله هو: فولى وأعطاك ابنه وجُنودهُ ... جميعاً، وما أعطى الجميعَ ليُحمدا ) وَقسى رُميت عنها فردت ... في قُلوب الرُّماةِ عنك النصالاَ ( اي رموك فأخطئوك، ورميتهم أنت فأصبتهم. ) أخذوا الطرقَ يَقصَعُون بها الرُّسل ... فكَان انقطاعُها إرسالاَ ( اي لما قطعوا الطُرقٌ، فلم يمكن الإرسال، استمع الناس وتطلعوا إلى عرفان الأنباء، فأحوجهم ذلك إلى إنعام البحث، حتى عرفوا مع انقطاع الرسُل، ما كانوا يعرفون بالإرسال أو اكثر، فكأن الانقطاع صار إرسالاً حين أنتج من معرفة أخبار الأعداء، وما كان يُنجه الإرسال. ) ما مضوا لم يُقاتلوك ولكنَّ ... القتال الذي كَفاكَ القتالا ( ) لم يقاتلوك (: جملة في موضع الحال، اي هؤلاء - وإن لم يقاتلوك - فما مضوا غير مقاتلين لك. وذلك القتال هو علمهم بظفرك بهم، وعلمهم باعتيادك إبادتهم، وهو الذي حملهم على ترك القتال، فهو الذي كفالك القتال. فقوله:) القتال (، نصب بلكن، و) الذي (؛ خبر لكن؛ اي، ولكن القتال القديم الذي علموه منك، هو الذي كفاك القتال أن. ) والثباتُ الذي أجادوا قديماً ... علم الثابتين ذا الإجفالا ( اي لما ثبت للهاجمين منهم فبادوا، امتثل هؤلاء خلاف ذلك. خشية أن يحُل بهم ماحل بأوائلهم، فهربوا وأجفلوا، وكانوا من ذوى النجدة والثبات. ) بَسطَ الروعَ في النُّهير يميناً ... فَتَولوا وفي الشمال شمالا ( إن شئت قلت: أتاهم الروع من أيمانهم وشماثلهم. وإن شئت قلت: ضاعف الرَّوْع عساكر سيف الدولة في عيونهم، ففروا ولم يَثبُتوا. وله ايضا: ) يَقْمُصن في مثل المُدى من باردٍ ... يذرُ الفُحول وهُن كالخصيانِ ( القٌماص. والنزوان، حكى سيبويه عن العرب أفلا قماص بالعير، وقال هو مثل هذا الماء الذي ذكر المتنبي) أرسناس (داثم البرد مَشتى ومصيفاً، وكانت هذه الغزوة صيفية. فيقول: إن هذا الماء خصى الخيل، وآلمها البردُ إيلام المدى، وهي السكاكين، حتى قلص ذلك البرد الخصى، فعاد الفحلُ منهن كالخصي. وقال:) من باردٍ (، فوضع الصفة موضع الموصوف، لانه قواه بالنعت، وهي الجملة التي هي قوله:) يذر الفحول (فصارت الصفة كالاسم، بما هيأ لها من الوصفز ولولا ذلك لَقَبحُ. قال سيبويه: لو قلت ما أتاني اليوم إلا قوى، وإلا بارداً، لم يكن في قوة قولك: ما أتاني اليوم إلا رجلٌ قوى، وإلا ماء بارداً. ) والماء بين عَجَاجتينِ مُخلصٌ ... تتفرقانِ به وتلتقيفانِ (

стр. 78

يعني عجاجة الإسلام، وعَجاجة الروم ربما جازت النهر فالتقتا، وربما قصرتا عن ذلك فتفرقتا. ) ركَض الأميرُو كاُّللجينِ حَبَابُه ... وَثنى الأعنة وهو كالقيانِ ( اي جاوزه أبيض بريئاً من الدم والقتلُ لم يقع بعد، ثم أوقع بالروم فسالت دماؤهم في) أرسناسِ (فاحمر، وةُعَثره للرجوع، وهو من ذلك الدم أحمر كالعقيان، وأراد: ركض الأمير الخيل فحذف المفعول. ) وَحشاهُ عادِيةً بغيرِ قوائمٍ ... عُقم البُطُون جوالك الألوان ( يقول حشا سيف الدولة هذا النهر سُعثا سُودا بالقار عُقماً: اي لا تحمل. وإنما أقام السُّفن في هذا النهر مُقام الخيل. وقيل:) عادية بغير قوائم (لان السفن سابحة لا ماشية. ونظير قوله:) حوالِك الألوان (قول الآخر في وصف سفينة: وإلى نداك ركبُتها زنجيةً ... كرُمت منابتُ أصلها من عَرْعَرِ ) وعلى الدُّرُوب وفي الجرُّجُوع غضاضةٌ ... والسيرُ ممتنعٌ من الإمكانِ ( اي: كان الذي عددنا من أحوالك، وذكرناه من أخبارك على الدروب. وإن شئت قلت: وعلى الدروب لك آثار أيضاً، إذ في الرجوع غضاضةٌ ونقصان على الراجع، والسير حينئذ صعبٌ لا يُمكن، وقوله:) وفي الرجوع غَضَاضة (و) السيرُ ممتنع (، جملتان في موضع الحال. ولو قال:) والسيرُ ممتنعٌ (، لكان الكلام تاما، لأنه قد عُلم أن الممتنع غير ممكن. ولكن القافية وباقي بناء البيت أحوجاه إلى قوله:) من الإمكان (. ) وفَوارسٌ يُحيى الحمامُ نُفُوسها ... فكأنها ليستْ مِنَ الحيوان ( من شأن الحمام أن يمين ولا يُحيى، لكن هؤلاء الحِمام نفوسهم، بما يتبع موتهم في الحروب من عالي الذكر؛ وجميل الثناء، بحسن البلاء، كقول أبي تمام: ألفُوا المنايا فالقتيلُ لديهمُ ... من لم يُخلِّ العيش هو قتيل وإن شئت قلت: يُحيى الحمامُ نفوسهم، وهؤلاء يُحبونه ويُؤثرونه؛ فكأنهم ليسوا من الحيوان، لان الحيوان يكرهون الحِمام؛ وهؤلاء يحبونه ويؤثرون حُب الحِمام نفوسهم. ) حُرمُوا الذي أملوا وأدرك منهُمُ ... آملهُ من عادَ بالحرمانِ ( اي الذي أملُوه من الظفر بسيف الدولة؛ وأدرك الناجي منهم بنفسه أمله الحادث له حينئذ، لأنه لما حُرم الظفر، وعلم أن سيف الدولة مُظفر به، جعل أقصى آماله السلامة والنجاة بذاته، فمن تهيأ له ذلك منهم، فقد نال أمله الحادث، وإن كان قد حرم ذلك الأول. ونحوه قول أمرئ القيس: وقد طوفت في الآفاق حتى ... رَضيتُ من الغنيمة بالإيابِ ومن أشعار المَثَل: الليلُ داجٍ والكباشُ تَنْتَطِح ... فمن نَجَا برأسهِ فقد ربحْ وله ايضا: ) عُقبى اليمين على عُقْبى الوَغى ندمُ ... ماذا يزيدُك غي إقدامكَ القَسمُ ( كان الدمستق أقسم على أن يلقى سيف الدولة. فلما لَقيَهم انهزم، فَنَدِم على قسمه، فجعله المتنبي مثلاً. يقول: إذا حلقت أن تلقى من لست قِرنا له مُوازياً، ولا كُفُؤاً مساوياً، ندمت على ما فرط منك من حلفك. ثم قال: ماذا يزيُدك في إقدامك القسمُ؟ اي لا تقسم فإن ذلك لا يزيدك في إقدامك؛ بل ربما أعقبك الندم، وهذا نحو قول العرب: الصدق يُنبئ عنك لا الوعيد. وقوله:) على عُقْبى (متعلقة باليمين وإن يُستعمل منه فعل. وحروف الجر إنما تتعلق بالأفعال والأسماء المشتقة منها. لكن جاز تعلُّقُها باليميمن، لان في اليمين معنى الحَلفِ؛ فكما تتعلق بحَلَف؛ كذلك تعلقت بما هو في معناها. والعُقبى: العاقبة. ) وَلى صَوَارِمهُ إكذاب قَولهِمُ ... فُهن ألسنةٌ أفواهُها القمَمُ ( كان زعيم الروم أقسم ليغلِبنَّ سيف الدولة أو لا يبرحُ؛ فكان الأمر بخلاف ما أقسم عليه ليكُونن، فأعقب ما كان من ذلك القسم، أشد ما يكون من الندم. فيقول: ولى سيفُ الدولة صوارمه إكذاب قول هؤلاء، بإصارتهم إلى الحنث، لأنهم واقعُوا، لم يلبثوا أن انهزموا، قال:) فهُن ألسنةٌ (يعني السيوف، شبهها بالأسنة في الصورة والمضاء، وجعل هامهم الملقة بها، بمنزلة الأفواه التي تكون بها الألسنة، وجعل عمل السيوف في الهام، بمنزلة الفُتياَ المرخصة لهم في الهرب. ومما شبه فيه السيف باللسان قول الشاعر: وسيفي من خوض الدماء ... كأنه بكفي لسانُ الذيبِ أولغه الدمَّا وما شُبه فيه السنان باللسان أيضاً قوله:

стр. 79

وأسمرُ في رأسه أزرقٌ ... مِثلُ لِسَانِ الحية الصادى ) وَشُربٌ أذكُتِ الشعري شكائمها ... وَوَسَّمَتْها على آنافِها الحَكمُ ( اي أحمى طلوع الشعري العبُور، وهو أوان اشتداد الحر، وانقطاع المطر، شكائم هذه الخيل الضامرة والشكائم: فئوس اللُّجُم، واحدتها شكيمة وقيل: الشكائم: الحكَم، فاستحرت الحكم حتى عادت كالمكواة، فوسمت آناف الخيل، كما يسمها الكاوي بالنار. ) حتى وَرَدْنَ بِسمنينٍ بُحيرتها ... تنش بالماء في أشداقها اللُّجُمُ ( اي أن الخيل شربت من بُحيرة سُمنين. فغلا ذلك الماء في أفواهها باستحرار اللجم التي في أشداقها، كان ذلك الحر الذي في الحديد هو الذي أحمى الماء فغلى في أفواه الخيل. ) وأصبحت بقُرى هنزيط جائلة ... ترعى الظُبا في خصيبٍ نبتُه الِّمَمُ ( الخصيب هنا: الهامُ، ونبتها الشعر. والخصيب كناية عن كثرة الشعر. وإنما عنى أن هؤلاء القتلى شباب لم يصلعُوا بعد، وهم يكنُون عن كثرة الشعر وسواده بالخصب، وعن ذد ذلك بالمَحْل فمما جاء في ذلك قولُه: رأت أقحوان الشيب فوق خَطِيطةٍ ... إذا أمطرت لم تستكن صُوأبها شبه رأسه حين صلع بالخطيطة، وهي الارض التي تُمطر بين أرضين ممطورتين. وإذا لم تُمطر لم تُنبت. وقال:) تستكن صُؤابها (: اي أنه ليس هنا شعر فيستتر فيه الصؤاب لو مُطر، ولا نعلم أحداً شبه الشيب بالأقحوان إلا هذا الشاعر: قال أبو النجم في تشبيهه قلة الشعر بالجرب) أجرب الفإلى إذا الفإلى فلا (كقولك: أهيجتُ الأرض: وجدْتُها هائجة النبات وله نظائر كثيرة. ) فَمَا تركن بها خُلداً لهُ بصر ... تحت التراب ولا باراً لهُ قدمُ ( استثارت هذه الخيل من مُنهزمي الروم من وَلَجَ بطن الارض، وسلك الأخاديد، فصار بتخلله التراب، بمنزلة الخُلد وهي الفأرة العمياء، إلا أن الخلد هنا إنسان وله بصر، إنما أخرجه بقوله:) لهُ بصر (من نوع الخلد إلى نوع الانسان إذهو المختبئ في التراب، وليس يُخلد في الحقيقة، إنما هو إنسان، وإنما شبهه بالخلد فيما ذكرت لك. وكذلك أنزلت منهم صقر الخيل والعُقاب، فصار بازًا في تسنُّمه المراقب، كتسم البوازي، إلا أن له قدماً، إذ ليس بباز في الحقيقة. وبقوله:) قدم (أخرجه من نوع البازي إلى الإنسانية، كما أخرجه من نوع الخُلد بقوله:) له بصر (وهذا الاخراج مليح، وإن كان قوله:) له بصر (و) له قدم (، من باب الرسم لامن باب الحد، فقد أحال، فتفهمه، فإنه لطيف. ) ولا هزبراً لهُ من دِرعه لِبدٌ ... ولا مساةً لها من شِبهها حشم ( اي: درعه له كاللبدة للأسد،) ولها من شبهها حشم (: اي: جوارٍ مثلُها في الحسن والسن يخدُمنها. وبقوله:) من درعه لِبدَ (أخرجه من نوع الأسد، لان الأسد لا يدرعُ. وبقوله:) لها من شِبهها حشم (عرضان، ليسا برسمين، كالبصر والقدم الذي قبله، لان البصر والقدم جوهران. ) عبرت تقدُمُهُم فيه وفي بلدٍ ... سُكانهُ رممٌ مسكونُها حُمَمُ ( والحُمم: الفحم؛ واحدته حُمة بالهاء. سمي بذلك لسواده. اي قتلتهم وأحرقت منازلهم؛ فلم يبق من أنفسهم إلا أعُظمُ رمم، وهي البالية، ولم يبق من منازلهم إلا ماعاد حُمما. فالأعظم هي الساكنة لأنها جزء من السكان، والمسكونةُ هي الحمم، لأنها جزء من المساكن. وما أحسن ما قابل به بين الرمم والحُمم: لفظاً ومعنى. وقوله:) سكانها رممُ (جملة في موضع النعت لبلد. وقوله:) مسكونها حُمم (: جملة في موضع النعت لرمم. فكأنه قال: في بلد خال مُحرق. ) وفي أكفهمُ النارُ التي عُبدت ... قبل المجُوس إلى ذا اليوم تضطرمُ ( سبه السيوف بالنار في صفائها والتهابها وقوة تأثيرها. وقوله:) عبدت قبل المجوس (: كلام صحيح، لان الحاجة إلى السيف طبيعة، وعبادة المجوس النار شريعة، والطبيعة أقدم من الشريعة، وإن لم تكن هذه السيوف المحدثة الآن، هي السيوف التي استعملت قبل عبادة المجوس النار، وإنما أراد التي عُبدت أفرادُها من السيوف، أو عبدت أمثالها. ومعنى عبادتها: القول بها، والاستغاثة إليها. وقيل: اشتمالهم بها: كاشتمال الاسلام بالمصاحفن والنصارى بالإنجيل، ونحو ذلك من أنواع الشعار الإلهي. وقيل، معنى) عُبدت قبل المجوس (، إنما ذهب إلى أنها عتيقة قديمة.

стр. 80

) تلقى بهم زَبدَ التيار مُقربةٌ ... على جحافلها من نصحهِ رثمُ ( يعني زوارق يحثُها سيف الدولة لأصحابه، حتى عبروا عليها هذا النهر. والرثمُك بياض الشفة العليا، والجحْفلةَ للفرس: كالشفة للإنسان، يقول: جُزت بهم التيار على هذه الزوارق. والتيار: هو الموج يقذف على مقادم هذه الزوارق، والسُّمَيريات بالزبد، وهو أبيض، فكأن ذلك الزبد عليها رثمٌز ثم جعل الزوارق مُقربة الخيل، لأنهم كانوا يعبُرون عليها هذه الأنهار بالخيل، فأقام هو الزوارق مُقام الخيل، فاستجاز لذلك أن يصفها بالمقربة. ولما جعلها خيلاً مُقربة، استجاز أن ينسب إليه أعضاء الخيل وشباتها. فجعل لها حجفلة، إنما هي الخيل، وجعل لها رثما حين جعل لها جحْفلةز والنضج: مارمى به الزبد. يقال: نضحَ ونَضخَ: وقيل ما كان فعلا فهو نَضح؛ بالحاء غير معجمة، وما كان اسما فهو بالخاء معجمة. وهكذا رُوى هذا البيت عنه. فإن قلت: كيف قلت إن المقربة هنا زوارق، وهو يقول عقب هذا البيت: تجفل الموجُ عن لبات حيلهم ... كما تجفلُ تحت الغارة النعمُ فأنبأ أنهم عبروا على الخيل. وقال في موضع آخر وذكر هذا العبور: حتى عبرن بأرسناس سوابحا ... يَنُشرون فيه عمائم الأبطال فالقول عندي: أن بعضهم عبر على الخيل، وبعضهم على زوارق. وقد يجوز أن يكون قوله:) تجفل الموجُ عن لبات خيلهم (: عنى فيه الخيل الزوارق، على ما تقدم في البيت الأول. ومما يدلك أنه عنى الزوارق قوله بعد هذا: ) دُعمُ فوارسُها رُكابُ أبطنُها ... مكدُوُدةٌ وبقوم لا بها الألمُ ( فالخيل لا تُركب بطونها، وإنما يُركب منها الظهور. وأراد المتنبي بقوله: ركاب أبطنها: أن يفصلها من أنواع الخيلز وقوله:) بقوم لا بها الألم (: إنما الم بالقنا لا بها وإن كُدت. وقيل الألم بالقوم العاملين فيها. ) من الجيادِ التي كدت العدُو بها ... وما لها خِلَقٌ مِنها ولا شِيمُ ( اي السفن مبلغة لك من عدُوك، ما أبلغتك الخيل منهم، فهي من الخيل بمشاركتها إياها في ذلك. لكن لا تشبهها في حلقة ولا خليقة. الخيل حيوان، والسفن عيدان. ) صَدَمتهم بخِميس أنت غُرتُهُ ... وسمهريتُهُ في وَجْهه غَمَمُ ( انت غُرته: اي انت أمامه، فكنى بالغرة عن التقديم والشهرة. ولما جعل للخميس غُرة، فوصفه بما هو من شيات الخيل، استجاز أن يصف بالغَمَم، وهو كثرة شعر الناصية. فجعل الرماح المشرعة في وجهه بمنزلة الشعر الكثير. وجعل الغمم وهو عرض، خبراً عن السمهرية، وهي جوهر تجوزاً وكأنه أراد، وتكاثفلإ السمهرية في وجهه غمٌ. لكنه حذغ المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. ونظيره قوله تعالى:) وَلَكِنَّ البِرَّ من آمَنَ باللهِ (اراد: ولكن) ذا البر من آمن بالله (، ولُيقابل الجوهر بالجوهر، والعرض بالعرض. ولذلك اعتقد النحويون الحذف في مثل هذا. ) فلا سقى الغيثُ مَاوَارَهُ من شجرٍ ... لو زال عنهُ لوارتْ شخصه الخمُ ( يعني ماوارى ابن شُمَشقِبق من الشجر، وذلك أن الشجر حال بينه وبين المُتبعين، فأنت. فدعا المتنبي على هذا الشجر ألا يسقيه الغيث حين وارى هذا المنهزم، فكان ذلك سبب نجاته.) لو زال عنه (: اي لو زال هذا الشجر عنه، فلم يوارهم لقتل، فتجمعت الرخمُ عليه تواريه بُشخوصها. وقيل: لو رأته لأكلته فيتوارى في أجوافها. ويروى: لوارى شخصه الرجم بالجيم وهو القبر، والأول أسبق، لأن القتيل في المعترك، إلى أن تأكله الطير والسباع أقرب منه إلى أن يقبر، وبذلك وصَفت العرب قتلاها. كقول عنترة: فَتَركته جَزَرَ السباع بنشنه ... ما بين قُلة رأسِه والمعصم وقال: إن يفعلا فلقد تركتُ أباهما ... جزراً لخامعةٍ ونسرٍ قشعمِ وقال آخر: تركتُ أباك قد أطلى ومالت ... عليه القشعمان من النسور وله ايضا: ) فارقتكُم فإذا ما كان عندكمُ ... قبل الفراق أدى بعد الفراق يدُ ( ) إذا تذكرتُ ما بيني وبينكُمُ ... أعان قلبي علىالشوق الذي أجدُ ( هدان البيتان يخاطب بهما سيف الدولة، بعد فراقه إباه، وهما يخرجان على ذم سيف الدولة وعلى حمده.

стр. 81

فأما خروجهما على ذمه، فمعناه: أتى تأذيت بمجاورتكم، فبعثى ذلك على فراقكم، فعاضني الدهرُ حيراً منكم، وتبدلتُ بالأذى راحة. فصار ذلك الأذى الذي كان قبلُ يداً عندى الآن. إذا كان سبب تنقلى عنكم، وارتيادي ما أحمدته حين وحدته. وقوله:) إذا تذكرت ما بيني وبينكم (يعني من الحال، وهو الأذى الذي عدا منهم إليه. هاج شوقي فأعلن قلبي على ما يجده من ألم التوحش. وقد يجوز أن يعني بقوله:) إذا تذكرت ما بيني وبينكم (، ما بينهما من تفاوت المنتزلتين، كان ذلك سبباً للسُّلو. وأما خروجهما على حمده، فمعناه: شكوتكم بل أن أختبر غيركم فلما جريت من سواكم، علمتُ أن ما شكوته منكم كان بالحمد أولى. ثم أعلم أن سيف الدولة مع ذلك كان غير منصفٍ له. وإنما حمده بالإضافة إلى غيره، فقال: إذا تذكرت ما بيني وبينكم من قلة إنصافكم لي، سلابي ذلك عنكم. وله ايضا: ) طَوَى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ ... فزعتُ بآمالي إلى الكذبِ ( اي عظم عندي، وأطعمتُ نفسي أن يكون، كذباً، تُعالا بضلك لان الانسان كثيراً ما يميل إلى تصديق ما يوافقه من الاخبار، وتكذيب مالا يوافقه منها، لما وُضعت عليه النفس من مُنافرة المحذور، وملاءمته ما يجنيها ثمرة الحُبُور، كقول الشاعر: وَعلت نفسي بالمرجم غيبةً ... وكاذبُتها حتى أبان كِذَابًها أبان، اي استبان.) وخَبرٌ (مرفوع على مذهب البصريين) بجاءني (لأنهم إنما يُعملُون أقرب الفعلين، ولا بد على هذا من إضمار الفاعل في) طوَى (على شريط التفسير، وإن كان إضماراً مالم يتقدم له مُظهر. ومن حُكم العربية، إذا وَرَد أمران كلاهُما مَتَجنبٌ على حِدَةٍ، تُجنب أقبحمها، وأوثر الثاني. ألا ترى أنهم يكرهون توإلى إعلالين؟ وقد أخذ الخليل بهما في جاء ونحوه، حين أبدل وقلب فاحتملهما كراهية ما هو أشد منهما، وهو اجتماع الهمزتين في كملة واحدة، فتفهمه. وإما على مذهب الكوفيين فيرفع) خبر (على أنه فاعلٌ) بطوى (لأنهم يُعملون أسبق الفعلين. فلابد على هذا من الإضمار في جاءني، اي طوى الجزيرة خبرٌ حتى جاءني. والقول الأول عندى أحسن في هذا البيت، لن النكرة التي هي) خَبرٌ (على ذلك القول، موصوفة بالجملة التي هي) فَزِعْتُ فيه بآمإلى (. إلا أن فيه ما قدر أريتُك من الإضمار في الاول، على شريطة التفسير. وعلى هذا القول الثاني، ليس للنكرة وصف. وقوله:) إلى الكَذِبِ (: أراد إلى اعتقاد الكذب، كائناً في هذا الخبر. ويجوز أن يريد إلى التكيب، فوضع الكَذب موضع التكذيب، كقوله: ) وبَعد عَطائك المائة الرِّتاَعا ( ) يا أخت خير أخٍ يا بنت خير أبٍ ... كنايةً بهما عن أرفع النسبِ ( اي أخوتك من سيف الدولة، وأبوتك وبنُوتك من أبى الهيجاء،) كناية (عن أرفع الأحساب؛ لان من كانت لهذا الملك أختاً؛ ولهذا الأمير بنتاً؛ فقد نصع نسبهُ.) فكناية (على نُصب على المصدر، اي أكنى بهذين السببين عن أرفع نسبين. ) أجلُّ قدرك أن تُسمى مُؤبنةً ... ومن يَصِفك فقد سماكِ للعربِ ( اي إني أكرمُك عن الإيضاح لا سمك، فأعدلُ عن الإفصاع برسمك، فإذا وصفتك ورثَيتُك، عَلِمَتَ العربُ أني عَنَيتُك، فأغناني حُسن التخلية، عما لا يحسن من التسمية. ومؤبنة: نصب على الحال والتأبين: للثناء على الهالك. ) حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدقُه أملاً ... شَرِقتُ بالدمع حتى كاد يشرقُ بي ( اي بكيتُ حتى شرقت بالدمع، وذُبتُ من حرارة الوجد، فعدتُ جوهراً سيالاً، حتى كاد الدمع يشرق بي، لذوبي ولُطفيِ. ) مسرةٌ في قُوبِ الطيبِ مفرقُها ... وحسرَةٌ في قُلوب البيضِ واليلبِ ( اي أنها امرأةٌ تتطيبُ ولا تلبس السلاح. فالطيب يُسرُّ بمفرقها، والسلاح يحسُدُ الطيب، لانه لا يصل منها حيث يصلُ الطيب. وقال:) في قلوب الطيب (: ذهاباً إلى أنواعه. ولو ذهب إلى الجنس أو الشخص لقال في فؤاد الطيب: وحمله على اختيار ذلك قولهُ:) في قلوب البيض (ليقابل جمعاً بجمع، ولو قال: في فؤاد الطيب ثم قال. في قلوب البيض ساءت الصناعة؛ وكل واسع. وله ايضا: ) تشتكي ما اشتكيتُ من ألمِ الشوْ ... قِ إليها والشوقُ حيثُ النُّحُولُ (

стр. 82

اي أنها تشكو إلى ملقاً؛ وأشكو إليها حُرقاً، ثم أقام على تملقها وتخلُّقها بُرهاناً عيانياًّ؛ فقال:) الشوقُ حيثُ النُّحول (اي النحول عندي؛ وهو نتيجة الشوق؛ فلو كلن بها شوقٌ كما بي؛ لكان بها من النحول ما بي؛ ولا نحول لديها فلا شوق بها. ) من رآها بِعيتهِ شاقهَ القُطانُ ... كما تشُوقُ الحُمول (اي من رأى الدنيا بعينه؛ اي بالحقيقة التي هي بها؛ شاقه الباقون فيها، لعلمها أنهم طاعنون، كما يشوقه الذاهبون عنها، فالٌطان والراحلُون عنها سواء، في أنه ينبغي أن يشوقه النوعان، لعلمه باشتمال الفناء على الفريقين. وقوله:) الحُمولُ (: أراد كما يشوقه المتحملون، فوضع) الحمول (، موضعها. وإن شئت قلت: عنى بالحُمول هنا. أسرة الموتى. ) صحبتني على الفَلاةِ فَتاةٌ ... عادُ اللونِ عندها التبديلُ ( كنى بالفتاة عن الشمس، وآثر التأنيث العرب أسماءها، ولذلك سموها) الجارية (عن الفارسي. و) عادةُ اللون عندها التبديل (: اي أنها حمراء وقتا، وبيضاء وقتا، وصفراء آخر. فعادة لونها التبديل في ذاته. فكان يجب على هذا - لولا الوزن والقافية - أن يقول: التبدُّل، لكن وضع التبديل موضعه اتساعاً. وإن شئت قلت: التبديل لها لوناً بعد لون. ) سترتكِ الحجالُ عنها ولكنْ ... بكِ فيها من اللمَى تَقبِيلُ ( الحجال: الأشرة عليها الكللُ خاضة. واحدتها حجلة. وقد يكون حجال جمع حَجَل. وحَجَل جمع حَجَلة. يقول: أدُمت أنا بهذه الشمس، وأما انت فسترَتكِ الحِجال عنها. ولم تمش في البراز، فتُورثك سُمرة كما أورثتني، لكن سُمرة شفتيك سُمرة طبيعة، فكأن الشمس قبلتك، فألقت في شفتيك سُمرة، وهو اللمى.) وفيها (الهاء راجعة عليك، ووصلت إليك، وَقبلتك، وأكسبت اللمى شفتيك. ) لا أقمنا على مكانٍ وإن طَا ... بَ ولا يُمكنُ المكانَ الرحٍيلُ ( اي لا تُقيم دوب) حَلَبَ (بمكان، وان طاب ذلك المكان، إلا لو أمكن ذلك المكان أن يرحل معنا، فأما ولا يمكنه ذلك، فلا إقامة لنا عليه ولو طاب والماضي هنا الذي هو) لا أقمنا (في معنى الحال أو الاستقبال. ) مثُلها انتِ لوحتني وأشقمتِ ... وزادت أبها كُما العُطبُولُ ( يقول: أنت مثلُها فعلاً، ولو قال:) مثلها أنت (جاز أن يكون مثلها بها في الحسن، وأن يكون مثلها بها في الإساءة اليه، فأراد هو أن يُبين ما أشبهت فيه هذه المرأة الشمس، فقال: مبينا للمشابهة،) لو حتني وأسقمت (: اي الشمس لو حتني وغيرتني، وأنت أسقمتني. والإسقام أشد من التلويح. فلهذا قال:) وزادت أبها كُما العُطبُول (يعني هذه المحبوبة. والعُطبول: الطويلة العُنُق. ) وَمَوالٍ تُحييهمُ من يَديه ... نعمٌ غيرهُمُ بها مقتُولُ ( ) موال (: يعني أولياء وأقاربه، يقتل أعداءه، فيغنم أموالهم، فيعطيها أولياءه، فيحييهم بذلك. وقوله:) بها مقتول (: أي بسلبهم إياها، أو مقتول من أجلها. وقد يجوز أن يحييهم بهذا المغنم، فيقدرُوا بذلك على قتل أعدائه. وله ايضا: ) وقد كان ينصُرُهم سمعُهُ ... وَينصُرني قلبُه والحسب ( يعني هؤلاء الوشاة الذين يشُون به إلى سيف الدولة، كان ينصرهم سمعه لانه لم يكُ يطيق سد أذنيه عن سماع كلامهم، وينصرني قلبه بحبه لي، وتكذيبه إياهم سرا. والنصر بالفؤاد أنفع من النصر بالسمع. وجعل حسبه ناصراً له ايضاَ، لان شرفه حمله على الثبات، وإلغاء ما يورده عنه حسادُه. ) وما قُلتُ للبدر أنت اللجينُ ... وما قُلتُ للشمس أنتِ الذهبْ ( اي اني لم أتنقصك، ولا بخستُ مناقبك حقها. كما يُنتقص البدرُ لو يُشبه باللجين، أو الشمس لو شُبهت بالذهب. وإنما ضرب ذلك مثرً، وجعل اللجين المبدر، لكون أن أهل الكيمياء من الطبيعيين يقولون إنه من أكون القمر، وجعل الذهب الذهب المشمس، لان أولئك يزعمونه من أكوان الشمس. وقيل: هذا البيت تعريض بشعراء سيف الدولة. يقول: كل واحد منهم يمدحك، يريدون ما تستحقه من المدح، ثم ينقلب المدح ذما. فكأنه يقول للبدر يافضة، والمشمس ياذهب، فيُحط بذلك قدرهما؛ ويهبط به خَطَرهما. وأنا لم أقتصر على هذه الرتبة، ولا قنعت لك بها، بل وَفيتُ مدحك ماقصروا هم عنه؛ قسبيل الغضب أن يكون عليهم لا علىَّ. واللُّجين من الأسماء التي لم تستعمل إلا مصغرة؛ وقد عمل سيبويه فيه بُويباً.

стр. 83

) فإن فارقتني أمطارُهُ ... فأكثر غُدرانها ما نضب ( المطر: ذو مادة: والغدير لا مادة له؛ إنما هو القطعة من الماء؛ يغادرها السيل، اي يتركها؛ فجعل عطاياه أمطاراً، لكونها ذات مادة؛ وجعل ما حصل عنده من عطايا - وقد انقطع جوده عنه بفراقه له - بمنزلة الغُدران التي لا مادة لها. فيقول: إن كنتُ رحلتُ عنه وانقطعت عني جوائزُ، فقد جمعت من سوالقها وعوارفها مالم ينفذ أكثرها بعد. ) وَيَسْتنصران الذي يعُبدانِ ... وعندهما أنه قد صُلبْ ( يسفه النصارى، ويستضعف أخلاقهم حين يتنصرون بالمسيح ﵇ وهم يعتقدونه ميتاً مصلوباً، ولم ينصر نفسه حينئذ. وله ايضا: ) كفى بك داء أن نرى الموتَ شافيا ... وحَسبُ المنَايَا أن يكُن أمانيا ( الفرق بين الباء التي في) بك (وبين التي في قوله تعالى:) وكفَى باللهِ شهيداً (أن الباء في كفى بالله داخلةٌ على الفاعل. وفي بك داخلة على المفعول، اي كفاك داء. ويجوز أن يكون كفى بدائك داء، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مُقامه، وداء في كل ذلك نصب على التميز. ومعنى البيت: كفى بما تلقاه من شدة الزمن، وتناهي المكروه، حتى أدى لك إلى تمني الموت، واعتدادك به شافياً يعظم بذلك مثونة ما يلقاه. ومن العَجَشب أن يُلاقي الإنسان بلية، تجعلُ المنية من أجلها أمنية. ) تمنيتها لما تَمَنيت أن ترى ... صديقاً فأعيا أو عدوا مُدايا ( اي تمنيت المنية حين تمنيت صديقاً مصافياً، أو عدواً مدارياً، فكلاهما أعوزك وأعياك. فأما تمنيه الصديق فسجية مألوفة، وأمنية معروفة؛ لأنه ريحانة الفؤاد، وإنما هو الصديق المخلص الوداد. واما تمنيه العدو المداجيا، فهو الخطب العجيب، والخبر الغريب، لأنل لا نعلم أن أحداً تمنة لقاء عدُو، ولكنه إنما عرض بأنه فقد العزة، ولم يُؤت ما كانت همته له لا مَحةً اليه، وعينه طامحة عليه، فنَدر بذلك قدرُة، وهان على عدوه خَطَرُه؛ فجاهر بمداجاته، ولم يتكلف مداراته، تهاوناً منه به، ولو كان على عدوه قديراً، أو في نفسه خطيراً، لتكلف له المداجاة، وبين أنه إنما يُلاينُك عدوك ويداجيك، إذا رآك بحال يحذر بها منك. يقول: أنا لا صديق يُصفني، ولا عدو يداجيني، فأية ملأربة لي في الحياة؟ بل أحب إلى منها لقاء الوفاء. ) حببتُك قلبي حُبك من نأي ... وقد كان غداراً فكُن أنت وافيا ( ) من نأى (: يقول لسيف الدولة. يقول لقلبه: أنا أحببتك قبل حبك لهذا النائي، وصحبتك قبل إياه فعليك أن تبقى لي؛ وتسلو عن هذا الغادر الذي يستعمل الوفاء لي؛ فإنك لم تفعل فقد عذرتني بحبك هذا الذي غدرني؛ ولو أسعده الوزن بأن يقول: وقد كان غادراً؛ ليُطابق قوله وافياً؛ لكنا أذهب في الصناعة، وأدل على الاستطاعة. وقلبي: نداء مضاف؛ اي ياقلبي. ولا يجوز أن يكون بدلاً من الكاف؛ لان المخاطب لا يبدل منه كما لا يبدل من المخبر عن نفسه لان المخاطب والمخبر عن نفسه قد أمن التباسُهما، فقد أغنى ذلك عن الإبدال منهما إذ البدل إنما هو البيان. قال سيبويه: فإن قلت: بي المسكين كان الأمر، أو بك المسكين مررت، لم يجز. ثم احتج بمثل هذا الذي ذكرت لك. ) تماشي بأيد كلما وافتِ الصفا ... تَقَشنَ به صدر البُزاةِ حوافيا ( تماشي؛ يعني الخيل، اي تتماشى بأيد قد سقطت نعالها من السفر. وما في الطريق من الحصى والمدر، لكن حوافرها شداد حداد. إذا وافت الصفا - وهي أصلب ما تكون من مواطن الحجر - نقشت فيها أمثال صدور اليزاة لشدتها. وصدر: مفرد موضوع موضع الجمع، لانه مضاف إلى جمع. وهو كثير فلي النظم ومنثور الكلام. كقوله تعالى:) إنَّ المُتَّقين في جَنّاتٍ ونهرْ (اراد؛ وأنهار. لان مياه الجنة أنهار لا نهر واحد. ألا تراه يقول كثيرا في وصف الجنة:) تًجْري من تَحْتِها الأنهارُ (وقال:) فيها أنهارُ من ماء غير آسنٍ (إلى آخر الآية. واما في الشعر فقوله: لاتنُكروا القتلى وقد سُبيناَ ... في حلقكُمْ عظمٌ وقد شجينا ورواه بعضهم:) صُدر البُزاة (اراد؛ جمع) أصدر (وهو العظيم الصدر. ولا يعجبني. إن الحافر إنما يصون صدر البازي - لو صور - لا جملة البازي كلها. والصفا: جمع واحدته:) صفاة (، وألفه منقلبة عن واو، لقولهم: الصفوان والصفواء.

стр. 84

) بغزمٍ يسيرُ الجسمُ في السرجِ راكباً ... به ويسيرُ القلبُ في الجسم ماشيا ( اي أن الجسم - وإن سار راكباً - فإن القلب يسير فيه ماشياً لتوقره فإنه لايُعفه مشي الراحلة والفرس، جرياًَ إلى إدراك مرغوبه، والظفر بطلوبه. ) فجاءت بنا إنسان عن زمانهِ ... وخلت بياضاً خلفها ومآقيا ( أشرف ما في العين إنسانها، لان حسن النظر إنما هو به. وكذلك كافور لزمانه. مالإنسان للعينز اي أنه أشرف بني دهره. وأعلى عامرٍ في عصرهز وإنما الملوك غيرُه لعين درهم كالبياض والمآقي. وحسن ذلك أن كافوراً أسود، فقد شاكل سواد العين، وغيره من الملوك الذين خلفهم المتنبي وراءه بيض، فقد شاكل البياض والمآقي، وهذا وإن كان قد أجاد في مدح كافور، فقد عرض بسواه. وقلما مر له فيه غريب بيت: إلا قد جمع مدحاً وتعريضاً؛ ولذلك قال فيه بعد صده عنه: وشعرِ مدحت به الكَركَدَ ... ن بين القريض الرُّقي ولو قال هذا البيت في رجل أبيض، أعنى) فجاءت بنا (، ولكن مدحا لا يجارى، وتعريضاً لا يُبارى، وإنما نقص عن غاية المدح، لتعريضه بسواده ولكن هذا البيت في الأسود أشد تحققاً منه في الأبيض لانه في الأسود يحوي الطبيعة واللون، وفي الأبيض ينفرد بما طُبع دون اللون. فتفهمه. ) لقيتُ المرورى والشناخيبَ دُونه ... وجُبتُ هجيراً يترك الماء صاديا ( بالغ في صفة حر الهجير، بتركه الماء صادياً، لان الماء لا يصدى بل هو مُزيل للصدى ولو قيل إن إصداءه للماء، إيباسهُ له، وتنضيبه إياه، لان الصديان ذابل عما عليه الريان، من النضارة والغضارة، لكان وجها. ) إذا كَسب الناسُ المعالي بالندى ... فإنك تُعطي في نداكَ المعالياَ ( المعالي على ضربين: طبيعي، ومُقتنى. فأما الطبيعي فالفضائل النفسانية: كالشجاعة والكرم والفهم والعفة، وهذا لا يمكن أن يُوهب البتة، لقوله هو فيه: ولو جاز أن يحوُوا عُلاك وهبتها ولكن من الأشياء ماليس يُوهبُ يعني الخصال الذاتية، وخلال الفضل النفسانية. وأما المُقتنى فنحو المال والجاه والثروة، فإن هذا الإمكان أن يُوهب. يقول له: إذا كان قصارى أفاضل الناس اكتساب المعالي بالندى، فإنك أنت تعطي المعالي في نداك، فُتولى البلاد، وتكسب الأجناد. وإن شئت قلت: إن عطايك تُشرفُ المُعطين، فتفضى بهم إلى المعالي، وما كان سبباً للمعلاة فهو معلاة. وقد ينقلب هذا المعنى على ما قدمناه، كأنه يريد؛ إنك لا تحسن المعالي إذ لا مادة لك تربيها وتُنميها بصنعة جوهرك، ورداءة عنصرك، حتى إذا هُيئ لك منها شيء، وقاربت ملكه والاشتمال عليه، انصرفت عنه، وسلمته إلى غيرك. ) إذا النهدُ سؤتْ بين سيفي كريهةٍ ... فسيفُك في كف تُزيلُ التساويا ( اي إذا سوي أهل الهند بين سيفين، طبعاً، وصقلاً، واستجادة عُنصر، فإن السيف الذي يقع منهما بكفك، فتضربُ به، يكون أمضى من صاحبه الذي تضرب به كفُّ غيرك، لان كفك أقوى الأ كف، فقد أزالت كفُّك التساوي بين السيفين اللذين سوت الهند بينهما. وقال) في كف (، فأ فاد، وإن كان نكرة لانه قد عُلم أنه لا يعني من الأكف إلا كفة، كقولك مررت برجل حسن وجهُه.) والكريهة (الشدة المكروهة. وهذا البيت نحو قوله فيه ايضاً: إذا ضربت كفاك بالسيف في الوغى ... تَبَينتَ أن السيف بالكف يضربُ وقال ايضا: ) من الجآذرُ في زي الأعاريبِ ... حُمر الحلي والمطايا والجلاَبيب ( ألحقهن بنوع الجآذر، وحق ذلك إغراباً ومبالغة، وتجوز بكونهم أعاريب، فغزاهم إلى زيهم لا إليهم، والحٌمرةِ في الحلي، واللباس، والأينقِ حُمر الألون، فخصهم بها من بين سائره. ) لاتجزني بضني بي بعدها بقرٌ ... تجزي دُمُوعي مسكُوباً بسكُوبِ ( يعني بالبقر: احبابه. يقول: بَكَين كما بكيتُ، فسكين من الدمع مثل ما سكبت مكافأة، فإذا جَزَينني بُبكائي، فلا جزينني بضناي ونحولي، اي لاضنين كما ضنيت، يدعو لهن، فهذا الأسبق والأليق. وإن شئت قلت: إن حُبهن فد أضى جسدي، وأقنى جسدي، وأسقم وأهرم، فلم يبق في موضع لحبهن إياي. فإذا كان ذلك، لم تضن النساء عشقاً، وإن نظرن إلي فبكين، فإنما يبكين رحمة لي لا عشقاً، فيكون لفظه على هذا لفظ الدعاء، ومعناه الخبر. كأنه قال في المعنى: لس يجزينني.

стр. 85

وقوله) تًجزي دموعي مسكوباً بسكوب (: جملة في موضع الصفة لبقر. والهاء في بعدها عندي: للحالة أو المسرة. وقد يكون راجعاً إلى النساء. واستجاز أن يقول:) بعدها (. وإن عنى النساء، وهو من النوع الناطق، لأنهن قد سماهن بَقَرَا، والبقر وغيرها من الأنواع غير الناطقة، يُخبر عنها كما يخبر عن الواحد المؤنث. تقول: الجمال رأيتها، والجبال علوتها، ولو سوغع الوزن أن يقول:) بَعدهُن (كان أذهب في الحقيقة، لأنهن لسن جآذر، وإنما هن نسوة. ) أو حاربته فما تنجُو بتقدمةٍ ... مما اراد ولا تنجُو بتجبِيبِ ( اي هذه الأعداء إن حاربته لم ينجها منه إعداد عُدة يُقدمون النظر فيها، كتشييد سُور، وحفر أخدود، واستظهار بُحشود. وكذلك لا تنجو منه بما يؤخرونه من الاحتيال للهرب، وإعداد الحيل المنجية. ومن القتل والحرب. وإن شئت قُلت: ما تنجو بتقدمتها نفوسها إليه، ولا بتجبيبها عنه. والتجبيب: الهرب والنُّكوص. ولو قات: إن التقدمة هنا بمعنى التقدم، ليقابل التجبيب، لأن التقدم غير متعد، كما أن التجبيب كذلك، لكان حسناً، كقول قَطَري: تأخرتُ أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أنْ أتقدما ووضع المصدر مكان مصدر آخر كثير، قد عمل سيبويه وغيره من أهل اللغة فيه أبواباً. ولو علمنا أن العرب قالت: قدم في معنى تقدم، كقولهم: بين الأمر، اي تبين، ألغينا الاحتلال له، لكن مثل هذا لا يضبط إلا سماعاً. ) بلى يرُوعُ بذي جيشٍ يُجد لُه ... ذا مثله في أحم النقع غربيبِ ( اي أنه لا يقصد استمداد الأموال من الملوك ولا السوقة. وإنما قصده ترويعُ الملوك بالقتل، فإذا صرع مَلِكاً ذا جيش فجدله، روع به آخر لم يُجدله بعدُ. وقولُه:) ذا مثلهِ (: أقام فيه الصفة مقام الموصوف، اي ذا جيش مثلهِ. وحسُن حذف هنا وإقامة الصفة مقامه لأمرين: أحدهما أن مثل مضافة، فشاكلت بذلك الأسماء، لان افضافة إنما هي الاسم. والآخر أن لفظ الموصوف المحذوف، وهو الجيش، قد تقدم مُظهراً في قوله:) بلى يرُوعُ بذي جيش يُجدله (. وقوله:) في أحم النقع. والغربيب: الأسود. وله ايضا: ) يُباعدن حبا يجتمعن وَوَصلُهُ ... فكيف بِحِب يجتمعنَ وَصدُّهُ ( عنى بالحب هاهنا: الشيب، لانه محبوب على الكُره، وبإضافته إلى الموت فيقول: الأيام مُشاكلةُ بالطبيعة الشيب. لان الشيب همٌّ، كما أنهن هم. فكان القياس ألا تباعده لمكان المشاكة، وإنما مباعدتها بالموت، الذي هو أشد كرباً، وأجل خطبا، فإذا باعدت الشيب الآن وهي مجتمعة معه، فكيف أطلب منها حبا قد اجتمعت هي وضدُّ ذلك الحِب؟ ويعني بالحب هاهنا: الشباب. يعاتب نفسه على مطالبة الأيام برد العجيب الذي فات، وهي لا تبقى له الأقل الذي بقي. ألا تراه يقول: أبى خُلُق الدنيا حبيباً تُدِيمهُ ... فما طَلَبي منها حبيباً تردُّهُ اي الدنيا لا تُديم لي حياتي، وهي معي إلى الآن، فكيف أطلب منها شبابي وقد ذهب. وإن شئت قلت في البيت الأول: إنه اراد: يُباعدن حبيباً هو الآن معي. وأصل لي، اي هذا من قوتها وفعلها، أعنى أنها تُباعد الحبيب الواصل، فكيف لي منها بإدناء حبيب مُحتجزٍ مني، نازح عني؟ وعطف وله وصده على المضمر في) يجتمعن (اضطراراً، كقوله: قلت إذ أقبلت وزُهرٌ تهادي ... كنعاج الفلا تعسفْن رملا ولو كان الروى منصوباً، لكان) وصدّه (هو الأجود، على المفعول معه، ولو أسعده الوزن بتأكيد الضمير فقال) هي (لكان الرفع لا ضرورة فيه، ولو انه أكد وكان الروى منصوباً، لكان النصب حسناً. ولما ذكر سيبويه وجه النصب في قوله:) ما فعلت وأبك (قل: إنما فعل ذلك، لانك لو قلت: افعل وأخوك، كان قبيحاً، حتى تقول إقعد انت واخوك، قال: فإذا قلت: ما فعلت أنت وأباك؟ فأنت بالخيار: إن شئت حملته على المعنى الأول) يعني الرفع على العطف (. وإن شئت حملته على المعنى الثاني،) يعني النصب على المفعول معه (. وجعل الأيام مجتمعة بالوصل والصد، لأنهما عرضان، وظروف الزمان مشتملة على جميع الأعراض كاشتمال الأمكنة على الجواهر. هذا معنى الاجتماع، فتفهمه. ) بوادٍ به ما بالُقلوب كأنه ... وقدْ رَحَلُو جيدٌ تناثَرَ عقدُهُ (

стр. 86

اي أنهم كانوا لهذا الوادي كالعقد للجيد، فلما رحلوا توحش، وعطل كما يعطل الجيد إذا تناثر عقدهز وقوله:) به ما بالقلوب (، اي من الأسف عليهم، والحنين إليهم،) وقد رحلوا (: جملة في موضع الحال، اي في حال رحيلهم عنه. وكأنه قال: مرجُولاً عنه جيدٌ هذه صفته. ولا بد من تقدير) عنه (إذ لا بد للحال من ضمير يعود إليه من الحال. ) يُخلفث من لم يأتِ داركِ غايةً ... ويأتي فيدري أن ذلك جُهدُه ( اي انت أرفع المقصودين. فمن قصد غيرك، فقد ترك مقصوداً فوق مقصوده، وهو أنت. فإذا قصدك تبين وتيقن أنه قد بلغ أقصى الغايات، إذ لا مقصود وراءك، ولا مورُود فوقك. وقوله:) ذلك جهده (: اي أقصى غاياته، وأبعد نهاياته. وحينئذ تقر عين القاصد، لانه لا يُعنف على ترك الجرى إلى أقصى ما يمكنه من ذلك، إذ ليس يمكنه تجاوزه. وله ايضا: ) قد اُخترتُك الأملاكَ فاختر لهُم بنا ... حديثاً وقد حَكمتُ رأيكم فاحكمُ ( اي من الأملاكِ، فحذف وأوصل الفعل، ومثلُه كثير، إلا أنه ممنوع لايقاس عليه. وقد صرح بذلك سيبويه، والأملاك: يجوز أن يكون جمع مَلك ومَلَك ومليك، اي قد اخترتك من جميع الأملاك، ورجوتك لهمتي ومطلبي، فاختر لهم بنا حديثلً: اي اجعل الصنيعة في، فإنك إذا فعلت ذلك تُحُدث عنك بالإحسان، وتُحُدث عني بأني استأهلت ذلك عندك، وقد حكمت رأيك، اي سلمتُ لإليك، فافعل ما تشاء، فإن طبيعتك لا تحملك على ضد الجميل. وله ايضا: ) أغالُب فيك الشوق والشوقُ أغلبُ ... وأعجبُ من ذا الهجر والوصلُ أعجبُ ( اي والشوق أغلب مني، فحذف للعلم بما يعنى، كقولنا: الله أكبر من اي شيء فحذف، أنشد سيبويه: مَررتُ على وادي السباع ولا أرى ... كوادي السباع حين يُظلم وادياً أقل به ركبٌ أتوه تئيةً ... وأخوف إلا ما وقي اللهُ سارياً اراد: أقل به ركب تئيةً منه. وذهب بعضهم إلى أن) أغلب (هنا ليست للمفاضلة، وإنما هو أفعلُ صفة كأحمر، ولا يعجبني لان قوله في آخر البيت) ووصل أعجبُ (لايسوغ فيه إلا) أفعل (التي للمفاضلة، بأن يكون المصراع مشاكلا للمصراع الأول وإنما كان الشوق اغلب له، لانه لو كان ذد ذلك لم يكن عاشقاً. وقوله:) وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب (: إنما كان الوصل من الهجر، لان الهجر نوع من مكاره الأيام، والوصل نوعٌ من محابها، وشيمة الأيام أن تأتي بما يكره، فلا عجب من الهجر الذي هو في خليقتها، ولكن الوصل لو تيسر، كان أعجب من الهجر لشذوذه عن خلق الزمان. واراد: والوصل أعجيب منه، فحذف كما تقدم في) أغلب (. ) فكمْ لظلام الليل عندك من يدٍ ... تُخبر أن المانوية تكذبُ ( المانوية: أصحاب ماني وهم أهل الثنوية، يذهبون إلى أن ظلام الليل يكون الشر وان النور يكون الخبر، والمتنبي يرد على هؤلاء الثنويين فيقول: ليس الأمر على ما وصفتموه، بل قد أجد ذلك بالعكس. فإن الليل قد وقاني شر الأعداء، بأن وَارَاني منهم بظلامه، كقولهم:) الليلُ يستُر الويل (. وقالوا: اتخذ الليل جملاً: اي اركبه لحاجتك. وكذلك زَارَني الحبيب بالليل، فأخفى مزاره على الرقيب، وهذه أفعال الخير، فلم تنسبون إلى الظلمة الشر؟ ولما قال) فكم لظلام الليل عندك من يَد (فسره في البيت الثاني بقوله: وقَاكَ رَدى الأعداء تسرى إليهم وزَارَك فيه ذُو الدلاَلِ المُحجبُ. ولما حَمِد الليل بما اسدى اليه من الخير، وكذب المانوية بهذا البرهان، أخذ في في ذم النور، فقال: ) وَيومٍ كَلَيلِ العاشِقين كَمنْتُهُ ... أراقبُ فيه الشمس أيان تغرُبُ ( اي اني قد أمنت من العٌداة بالليل، فَسريت وأدللت، وخشيتهم بالنهار فكمنتُ وتخبأت. وتلك كُلفة ومشقة، وجهد على النفس لإخفائه، وما أحسن ما اتفق له الاستطراد في هذه الأبيات. وقوله:) أيان (اي متى. وليس من لفظ أين. إنما) أيان (من) اي (فهي فَعلان كَرَيان التي في أزمنة. ويدلك على أن) أيان (ليست من) أبن (، أن) أين (يكون سؤالاً عن الجوهر والعرض، كقولك في الجواهر، اين زيدٌ، وفي العَرَض: اين اللقاء والقتال.

стр. 87

فأما) أيانَ (فلا يسأل بها إلا عن العَرَرض. تقول أيان القتالُ. ولا تقول أيان زيدٌ. وقد قال :) يسألون أيانَ يومُ الدين (وقال:) يسألونك عن الساعة أيانَ مُرْساها (فحُكُم) أيان (إذن حكُم مَتى، ومتَى خِلافُ أين. فأيان إذنْ خِلافُ أين. وقد يجوز أن يكون ابو الطيب في ذمه النهار، مُعرضا بسيف الدولة لبياضه، وفي حمده الليل، مُتعللاٍّ بكافور لسواده، فإن كان قصد ذلك فهو ظريف، وإن كان لم يقصده فتوجيهنا له غريب. ) وأصرع اي الوحشِ قفيتُه بهِ ... وأنزلُ عنه مثلهُ حين أركبُ ( قفيته: اي اتبعت قفاه. يقول: أقتُلُ بهذا الفرس اي نوع أو شخص من الوحش حاولتُ به إدراكه، وأنزل عنه بعد ذلك وهو في مثل حاله حين ركبته، من الجمام ووفور الجري لم يغيره إجرائي له، ولا أذهب ميعته. وهذا كقول المَرار بن منقذ السعدي في صفة عجوز يذكر بقاء حسنها: من بعد ما لَبِسَتْ زماناً حُسنها ... وكأن ثوب جمالها لم يُلبسِ ) ومثله (. منصوب على الحال من الهاء التي في عنه. و) حين (ظرف متعلق بأنزل. ) تَزيدُ عطاياهُ على الليث كَثرةً ... وتلبثُ أمواهُ السحاب فتنضُبُ ( اي كلما لبث عطاياه تضاعفت ونمت، لأنها ذوات مواد كحجر يهبها فتنتج مهراً، أو ضيعة تُورثه غلة ووفراً، فتنمى هباته على الأيام، وتواتر الأعوام. وأما مواهب السحاب فكلما لَبِثت نشقَتها الشمس، ونضبتها الأرض، واستقتها الواردة. فهذا فضل ندى كافور على ندى السحاب. ) ودُون الذي يبغُون مَا لوْ تَخَلصُوا ... إلى الشيبِ منهُ عِشت والطفلُ أشيبُ ( ) ما لوا تخلصوا إلى الشيب منه (: يعني الموت. اي دون ما يحاولونه منك الموت، الذي لو تخلصوا منه إلى الشيب، لشاب طفلُهم في حال طفولته - اراد القرب - ولكنهم لا يمكنهم التخلص من الموت إلى الشيب، بل أنت تأتي عليهم، فتقتلهم في الحال. وقيل معناه: لو أمهل الحسدُ حسادك ريثَ هجوم الشيب، لشاب طفلُهم الآن، ولم يتأخر الشيب عنه إلى أوانه، ولكن انت تعجلهم، وشيب الطفل في كل ذلك: يذهب به إلى القُرب. اي لو أمهلهم الموت الذي يحدث عنه الحسد، لشابوا في هذا الوقت، ولم يمهل الطفل منهم إلى أوان المشيب، بل كان يشيب مع هؤلاء. وإن شئت قلت: إن هذا كقوله: فإنك سوف تحلُم او تناهَي ... إذا ما شِبتَ او شاب الغُرابُ اي إنما تحلم إذا شبت، وأنت لا تشيب أبداً، لان حلْمك على الناس يقتلُك، فيُعجلك عن بلوغ الشيب، وكذا لا يشيب الغراب أبداً. فكذلك لا تحلم أبداً. فيقول: لو تخلصوا من الموت إلى الشيب - وهذا غير ممكن - اي لو أمكن ذلك الممتنع، الذي هو التخلص من الموت إلى الشيب، لأمكن هذا الممتنع الثاني، وهو شيب الطفل. ) ثناهُم وبرقُ البيضِ في البيضِ صادقٌ ... عليهِم وبرقُ البيضِ في البيضِ خُلبُ ( البرق على ضربين: صادق، وكاذب. والكاذب يقال له: الخُلب، من الخلابة، وهي الخداع. فوعدْ بَرق سيوفك بأن يُفلِق البيض إلى ما تحتها من الهامِ، صادق، لأنها تفعل ذلك. وبرق بيضِ عداك أن تقي هامهم من بيضك، اي سيوفك، كاذب، لان سيوفك من عاداتها أن تقُد تريكهم إلى هامهم، فهو خُلب لذلك. وقد يقولون: برقُ الخُلب فيضيفون، وهذه الإضافة على حذف الموصوف، اي برق السحاب الخُلب. وإن شئت، جعلتها من إضافة الشيء إلى نفسه، كنحو ما حكاه أبو بكر محمد أبن السرِى من قولهم: مَسْجد الجامع، وباب الحديد. وقد حمل بعضهم توله تعالى) ولَدَارُ الآخَرةِ خَيرٌ (على ذلك. ) سَلَلتَ سُيُوفاً علمت كل خاطبٍ ... على كُل عُودٍ كيف يَدعُو ويخطُبُ ( إن شئت قلت: لما رأى الناس تأثير سيوفك في عِداك، دانُوا لك، فخطبوا باسمك على كل منبر. وان شئت قلت: كان الواجب في الاختطاب على المنابر أن يكون باسمك، فتُجُوز في الخُطب باسم غيرك، فَسَلَلتْ سيةفك، وقتلت بها أعداءك، وبلغت أماميك، فخطبُوا لك خاصة، فكان تخصيصك بذلك من تعليم السيوف التي سلن، كقوله: توليه أوساطَ البلادِ رِماحُهُ وقوله:) كيفَ يَدعو ويخطُبُ (جملة في موضع المفعول الثاني، و) علمت كل خاطب (: الدعاء والخطبة. و) على كلِّ عُود (: اراد على كل منبر، لان المنبر من العُود، فأقام العُنصُر مكان الصورة، ومثله كثير. وله ايضا:

стр. 88

) أريدُ من زمني ذا أن يُبلغني ... ما ليسَ يَبلُغُه من نفسِه الزمنُ ( اي أريد أن يدوم شبابي وسروري أبداًن فلا أهرَم ولا أهتم. وهذا الذي أريده من الزمان، لا يبلُغُه هو من أمنيته لذاته، لنه لو اختار أن يكون ربيعاً أبداً، ونهاراً سرمداً، لم يبلغ ذلك، لان أحواله الأنيقة تتكدر، فيلحق ربيعه القيظ، ويتخلل نهاره الليل. فإذا لم يبلغ الزمان مُرادُ في نفسه، فجدير ألا يُبلغني مرادى. إذ لو كان ذلك قوته، لآثر به نفسه. يتعجب من تشططه على الزمن، وتكليفه إياه ماليس في وسعه، ولا يجد مُعيناً عليه من طبعه. وجعل للزمان نفساً وإنما هو نورٌ وظلمة، تحدثان عند حركة الفلك، لان العرب تنُسب الأفعال إلى الدهر كثيراً، لوقوعها فيه. فيقولون: فَعل الزمان، وصنع، كقوله تعالى حكاية عن الكفار:) وما يُهِلكُنا إلاَّ الدَّهْرُ (. ) مما أضَرَّ بأهلِ العِشقِ أنهُمُ ... هَوَوا وما عَرَفُوا الدُّنيا ولا فطنُوا ( اي أنهم اعتبروا حُسن الخلق لا حُسن الخُلُق. ولو جربوا الدنيا، فأجادوا الاعتبار، وأطالوا الاختبار، لوجب أن يُؤثروا حسن الخُلُق، فيجب إذ هو اولى في الحقيقة بذلك، من اعتبار هذا الحُسن المحسوس. وقد فسره هو في البيت الثاني الذي بعده فقال: ) تفنى عيونُهُم دَمْعا وأنفُسهم ... في إثر كل قبيحٍ وجهُهُ حَسَنُ ( اي في إثر كل قبيح الخُلُق. ) تَحملُوا كُلُّ ناجيةٍ ... فكلُّ بينٍ على اليوم مُؤتمنُ ( نسيب هذه القطعة ابو الطيب مُغضباً، شاكياً لأمره، متسخطاً على دهره، حتى أفضت به شدة العتاب، إلى ملامة الأحباب، واحتمل إفراط الجفا، لما تأمله من قلة الوفا، فقال) تحملوا حَمَلَتكُم كل ناجيةٍ (: اي أبعدتم ولا دَنوتم، بخلاف قوله هو راضياً عن أحبابه: لا سِرتِ من إبلٍ لو آني فوقها ... لَمحت حرارةُ مدمعيَّ سِماتِها ثم أدركه بعد ضَجرة التأسف، وإظهار البراءة عن العشق بعدهم، فقال: فكل بينٍ على اليوم مؤتَمَن اي أني كنت أحذر بينكم، فإذ قد وقع، فما أبإلى بشيء بعده، كقوله الأول: من شاء بعدك فليمُت ... فعليكَ كُنتُ أحاذِرُ وامتثله أبو فراس فقال: وكنتُ عليه أحذرُ الدهر وحدهُ ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذرُ والفاء في قوله:) فكل بين (لعطف الجملة الثانية على الأولى، التي هي) تحملوا (. ) رأيتكُم لا يصُون العِرَ جَارُكُم ... ولاَ يدرُّ على مَرعَاكمُ اللبنُ ( اي من جاوركم ذل، وأقام صابراً على الذلة، حتى يكون عرضُه غير مصون لأنكم لا تنصرونه على من اوصل إليه الذاة، بل تَدَعُونه تُهبة، ولا يستطيع أن ينتصر هو لخذلكم إياه. وهو في هذا البيت يُعيرهم الصبر على الذل والقُل، لان قوله:) ولا تدر على مَرَعاكُم اللبن (: يعني به أن رِفدكم قدر الكَفاف، ليس ما يفضُل عن الاستشفاف. ) فغَادَر الهجرث ما بينني وبينكُمُ ... بهماء تَكذبُ فيها العينُ والأذُنُ ( البهماء: الارض القفرة،) فَغْلاء، لا أفعل لها من جهة السماع (. اي لا يقال:) قَفْرٌ أبهمُ (. وقد غَلَبت) البَهماء (غلبة الأسماء. حكى ابو زيد عن العرب؛ البَهماوات. فلو عاملوا الصفة لقالوا: البُهم، اي غَادر الهجرُ بيننا بهماء يَقرَعُ فيها الحس ما ليس بحقيقة، كتخيل الآل، وتصور الأشخاض، وعزيف الجِنّ، ونحو ذلك مما لا حاصل له. ) تَخبُو الرواسمُ من بعد الرسيم بها ... وتسألُ الارض عن أخفافها الثفِنُ ( اي تخبو الإبل الراسمة من هذا القفر، والثفن: ما يصيب الارض من البعير والناقة إذا بركا، وهي خمسٌ رُكبتاه من ذراعيه وساقيه وفخذه، فإذا حَفيت هذه الإبل، فبركت على ثفِناتها، وصدمت بها الارض، قالت الثفنات للإرض: اين الأخفاف التي كانت تكفينا إياك، وتقينا لُقياك؟ و) الثفِن (: جمع ثفنة، كلبِنة ولَبِن. و) تسأل وسأل (كلاهما عربي، لان ما لم يفارق من الجمع واحده إلا بالهاء، جاز تذكيره وتأنيثه ولذلك - إذا وافقت صورة هذا الجمع صورة الجمع المكسر - استدل سيبويه على الجمع الذي باين واحده بالهاء بدليل التذكير، مثل ذلك قوله: إن الرُّطَب ليس كالغَرَب، وإن اتفق المثلان، لان الغَرَبَ مُكسر، بدليل تأنيثه، والرُطب يذكر ويؤنث، يقولون: هذا الرُّطب، وهذه الرُّطَب. وله ايضا:

стр. 89

) وَلَوَ آن الحياة تبقى لِحي ... لَعَدَدنا أضلنا الشُّجعانا ( اي أن الحياة لا تدوم، فما ينبغي للحي أن يجبُن، إذ لا بُد من لقاء الموت. وفي الجُبن العار. ولو كانت الحياة تدوم، لكان أضلنا الشجاع الذي يتعرض للقتل فيقتل، فحرم بذلك نفسه بقاء الحياة ولذاتها. ولكن إذا كان الموت لا بُد منه، وفي الشجاعة المجدُ، فهي أولى من ضدها. وله ايضا: ) كأن رِقَاب الناسِ قالت لِسَيفهِ ... رَفِيقُكَ قَيسىٌّ وأنتَ يَمَانِ ( قيس من عندنان، واليمن من قحطان، وبينهما منافرة. فيقول: كثُرَ تقطيعُ شبيب لرقاب الناس بسيفه، فأغرت الرقابُ بينهما، ليفترقا فتسلم. وقوله:) رفيقُك قيسىٌّ وأنت يمانِ (، ترويةٌ عن قولهم: لمَ تتفقان وأنما بالنسب مفترقان. ونحوه قوله الآخر: أيها المُنكحُ الثُّريا سُهيلاً ... عَمْرك اللهَ كَيف يلتَقيَان هي سامِيةٌ إذا ما استقلت ... وسُهيلٌ إذا استقل يمانِ والألف في يمانِ عوض من إحدى ياءى النسب، التي في قولك) يَمَنى (. ومن العرب يقول: يماني. فهذا ليس على الوض، لانه لم يحذف منه شيئاً فتكون الألف عوضاً منه، ولكنه من بوادر النسب. ) أتُمسِكُ ما أوليتهُ يدُ عاقلٍ ... وتُمسِك في كُفرانهِ بِعِنَان ( اي سبيل النعم التي زالت من يدك إلى يده، أن تَنهي كفه عن الإمساك بعنان في معصيتك، فهلا فعل ذلك؟ ينكر على شبيب كفره أيادي كافور بنفاقه عليه، وخلعه طاعته. ) ثَنى يده الإحسانُ حتى كانها ... وقد ُبضت كانت بغير بنَانِ ( اي لما هم بمعصيتك، ثنت كثرةُ أياديك عن العصيان يده، حتى ألقت السيف كأنه لابنان لها يُمسكهُ بها، وقوله:) وقد قبضت (: جملة في موضع الحال من الضمير الذي في) كأنها (. و) كانت (ها هنا يجوز أن تكون المفتقرة إلى الخبر، ويجوز أن تكون بمعنى خُلقتن فتكون الغنية. حكى سيبويه: أنا أعرفك مُذ كنت، اي مذ خلقت، ويكون المجرور على هذا في موضع الحال، وكما ذهب إليه سيبويه في رواية من روى: إذا كان يومٌ ذو كواكب أشنَعَا من أن أشنع حال، ولا تكون خبراً لكان، لان الخبر سبيله أن يكون مفيداً، وليس في أشنع من الفائدة إلا ما في قوله:) ذو كواكب (لان اليوم إذا كان ذا كواكب كان شنيعاً إذ ظهور الكواكب إنما يكون للقتام الذي يكسِف ضوء الشمس، فتظهر. وهذا من دقائق سيبويه التي يسميها المتأمل إعجازاً. وله ايضا: ) عُيونُ رَواحلي إن حِرتُ عَيني ... وكُل بغام رازحةٍ بغُامِي ( حِرت: اي تَحَيرت، والعيون ها هنا: يجوز أن تكون جمع عينن وهي الشخص، اي أني ماهر بالفلاة معاود لها أحس فيها أملى فأدعها ذؤاما في الطريق، فإذا أنا تحيرت في التيه، فدليلى كل عُود أخليه، لأني أرى شخصه فيكون لي كالمنار الذي يُستدل به. وقد تكون العيون هنا جمع العين التي هي كالجارحة النظرية، اي تبدو لي أعين هذه الروايا، وخص أعينها بقوله: عيني. وكذلك إذا أردتُ استنباح الكلاب، ليُدل نُباحها على الحِلاَل، وأمان الحُلال، بَغَمت ناقتي، والبُغام: صوت تقطعه ولا تمُدُه، فيسمع الكلب بُغامها فينجح، فذلك البُغام يغنيني أن أستنبح الكلاب، والرازِحة: الناقة المعيبة، رَزَحَت تَرزَح رُزُوحاً ورُزاحقاً. وخص الرازِحة، لانه يصف نفسه بإدمان السير، والصبر على التعب في السفر. ) فقدْ أردُ المياه بغير هادٍ ... سِوى عَدى لها بَرْق الغَمَام ( يصف نفسه بمعرفة الارتياد، ويتعرب بذلك، فيقول: لا أحتاج على الماء دليلاً، إذا ابتغينا إليه سبيلاً، لأني عالم بمخايل المطر، كعلم رُواد العرب ومنتجعيهم بذلك. وهم يزعمون أن البرق إذا لمع مائة ومْضة، وثقوا بالمطر وانتجعوا الناحية، التي لاح منها ذلك البرق. وقيل: إذا بَرَقت السماء أربعين برقة، وثقوا فساروا، وربما طاردوا جوه عشراً، فوافقوا الماء. ) يضيقُ الجلدُ عن نفسي وعنها ... فتُوسُعه بأنواع السقام ( اي أنحلتني هذه الحُمى، فكأنها وجدت جلدي لا يسع نف سي وإياها، فأكلت اللحم، ليتسع الجلد فيجمعهما، كما وَسِع النَّفس والنّفس. ) وَضاقت خُطةٌ فخلَصتُ مِنها ... خَلاَص الخمرِ من نسيجِ الفدام (

стр. 90

الفدِام: المصفاة، ونسجُه ضيقٌ، تدفعُ إليه الخُمر قذاها، فتمرق منه صافية فتزداد شرفاً بنقائها وصفائها. شبه الخُطة، وهي النازلة العظيمة من نوازل الدهر، في ضيقها بالفدام المُضيق. فيقول: إذا دُفعتُ إلى مُلم ضيق فعجز غيري عن نفاذه، خرجتُ وازددتُ شرفاً بذلك، كازدياد المدام عند فراغها صافية للقدام، كقوله: ما تعتريني من خُطوب مُلمِةٍ ... لإلا تُشرفُني وترفعُ شاني ولهذا قالوا خرج منها كالشهاب، اي لم تعلقة منها تبعة. واراد:) وربما ضاقت خطة (، او) فقد ضاقت خُطة (يذهب في ذلك إلى خُططٍ شتى، لا إلى خُططٍ بعينها. واراد) من منسوج الفدام (إذ النسيج عَرض، والخمر جوهر، والجواهر لا يتخلل العَرَض. قال سيبويه: هذا ثوبٌ نسج اليمن، ودرهم ضربُ الأمير: اي منسوج ومضروب، مثله كثير. ) وَإن أسلم فما أبقى وَلكن ... سلمتُ من الحمامِ إلى الحِمام ( اي إن سلمتُ من موت على وجه ما، لم اسلم من آخر على وجه ما، وإن سَلمتُ من الموت في زمان ما، لم أسلم في غيره، إذ الخُلد في الحياة ممتنع. وقوله:) من الحِمام إلى الحِمامِ (: لو يُرد الجنس ولكنه اراد من بع ... أنواع الحمام إلى بعض أنواع الحمام. وله ايضا: ) مُنى كُن لي أن البياض خضابُ ... فَيخفي بتبييض القُرون شبابُ ( ) أن البياض (: خبر ابتداء مضمر. اي كانت لي مُنى. ثم أوضح تلك المنى وكأنه قال: هي أن البياض وقار لي، فيخفي شبابي بالمشيب، ذهاباً إلى إكبار الشيب، وذلك لما يلحقُ الشباب عنده من العيب. ) فكيف أذم اليوم ما كنتُ أشتهى ... وأدعُو بما أشكُوهُ حين أجابُ ( يعني في كل ذلك الشيب، اي قد كنت أيام اسألُه ، وأدعو أن يسلُبني الشباب، ظانا أن الشيب لا يلحقُ الإنسان معه ألمٌ ولا هَرَم. فلما شبت ولحقني من الضعف ما لحقني، علمت أن رأيي في سؤالي الشيب، ورغبتي إلى الله فيه، كان سَفها. لكن كيف أذمُّ المشيب وقد كنت أشتهيه. وكيف أشكوه وقد كنت أدعو الله أن يهبه لي. يقول: فإن شكوت ما كنتُ أحب، وذممتُ ما دعوت إلى الله فيه، وقع التناقض في مذهبي، مع أن ذلك غير نافع فالصبر أولى والرضا بكل ذلك أخجى. ) جَرَى الخُلفُ إلا فيك أنك واحدٌ ... وأنك ليثٌ والملُوكُ ذئابُ ( ) وَأنك إن قُويستَ صحف قارئٌ ... ذئاباً فلم يُخطئ فقال ذُبابُ ( اي إذا عُددت ليثاً، وطلب من السباع ما هو دون اليت، مما بقاس به الملوك إليك رُيئوا ذئاباًز ثم إن حُقق القياس، كان ما بينك وبين الملوك تفاوتاً، كما بين الأسد والذئاب، حتى لو صحف مُصحف فقال: ذباب لم يخطئ في قياسه إليك، وإن كان صَحف، بل يكون بهذا التصحيف أشعر كقول الأصمعي لقارئ عليه، صحف عليه بيت الحُطيئة، وهو قوله: وَغَررْتني وزَعمت أنكَ ... لابنٌ بالضيفِ تامرْ فقال:) لاتني بالضيفِ تامرُ (، فقال له الأصمعي، أنت والله أشعر من قائله، حين قلبت هجوهُ مَدحاً. وقوله:) أنك واحدٌ (: بدل من الكاف في فيك. وإن قلت: منع سيبويه البدل من المضمر المخاطب، فقال: إن قلت: بك المسكين مَرَرت، لم يجُز، لان البدل إنما هو للإيضاح والمخاطب لا يُشكل، فيحتاج إلى البيان. قلنا إنما منع سيبويه في هذا بَدل الجملة من الجملة، أعنى الكل من الكل، الذي هو هو، فأما بدل الجزء من الكل، فغير ممتنع؛ كقولك اعجبتي وجُهك، وعجبتُ منك صبرك، فكذلك) أنك واحد (، وإن لم يكن جزءا من كل فهو عَرَض في جوهر كقولك: جرى الخُلف إلا في كونك واحداً، والعرض - وإن لم يكن جزءا من الجوهر - فهو مرتبط به، فكان كالجزء منه. والخلف هنا: بمعنى الختلاف، ولذلك جاز أن يتعدى إلى في. وذئاب ها هنا: اسم للجنس لأنه قد قال:) والملوك ذئاب (، فأخبر بالجمع عن الجمع، ولو لم يجعل الذُباب جنساً، لَلَزِمك أن تخبر عن الجمع بالواحد. وقد حكى ابو عُبيد في) الغريب المصنف (عن الأحمر:) النُّعرة: ذبابة (. فإن صح ذلك، ولم يك وهما من أبى عُبيد، فذباب هنا جمع ذُبابة، لا يحتاج حينئذ إلى تأول الجنس ولا إلى جعل الواحد موضع الجمع. ولا أعلم أحداً من أهل اللغة حكى في ذُباب ذُبابة إلا أبا عُبيد وحده. وله ايضا: ) والعبدُ ليس لحُرٍّ صالحٍ بأخٍ ... لو أنه في ثياب الحُر مولودُ (

стр. 91

اي لو غُدى ورُبى وأدب بمثل ما يغذي به الحُرُ ويربى ويُؤدب، لقصر عن طبيعتة الحُر، ولو لم يرُم العبودية، والعبد بمتهنه الحُرُّ، فإذا كان كذلك فهو عدو لا أخٌ. ) أولى اللئام كُيفيرٌ بمعذرةٍ ... في كل لُؤم وبعضُ العُذر تفنيدُ ( أولى اللئام في العذر في اللوم كافور، لأنه شرُّ نفسٍ من اخس جنس، أعنى بالجنس، والجيل، لا المقُول على الأنواع، واذا خس الجنس؛ عذر الواحد منه أن يجري على قيسه، الذي هو طبعُ جنسه، فغدا عذرا له، وإن كان هذا العذر بالذم والتنقص أشبه. فهو إذن عذر يزيد على التفنيد، لان التنفيذ يشعر أن المفند موجود، كقوله: ويبقى الُودُّ ما بقي العتابُ فأما إذا ترك التفنيد، للعلم بأن الإساءة طبيعة في المسيء، فذللك أقصى نهايات الذم. وأراد:) أولى اللئام بمعذرة كويفير (، لأن قوله:) بمعذرة (من تمام الاسم، الذي هو أولى. فكان ينبغي له ألا يجيء بالخير الذي هو) كويفير (إلا بعد قوله:) بمعذرة (لتعلق الباء بأولى. وكذلك إن جُعل) كويفير (هو المبتدأ، وجعل) أولى اللئام (خبر مبتدأ مقدماً، فقد حال أيضا بين الاسم الذي هو الخبر، وبين ما هو من تمامه. ولذلك جعل الفارسي) كِلاَ (في قوله: كِلاَ يوميْ طُوالة وصلُ أروى ... ظنونٌ آن مُطرحُ الظنُونِ جزءا من الخبر، لا من المبتدأ، الذي هو وصل أروى، لان وصلاً مصدر، فكان يكون) كِلا (من صلته متقدماً له. والصلة لا تتقدم على الموصول. وكما لا يُقدم بعضُ أجزاء الاسم على بعض مُغيراً عن وضعه، فكذلك لا يُحال بين بعضه وبين بعض بأجنبي أيضا، فلذلك مثلنا بيت المتنبي في فصله بين) أولى (وما يتعلق بها، بالبيت الذي أنشده أبو علي، في أنه لا يجوز تقديم الصلة على الموصل. وإنما قوله:) بمعذرة (متعلق بأولى. ثم أبرز مضمره. اي أولاهم بمعذرة. وله ايضا: ) وَعدتُ ذا النصلَ منْ تعرضهُ ... وَخفتُ لما اعترضتَ إخلاَفاَ ( اختلس له بعض أعبده سيفا، وأعطاه امراة وَردان بن ربيعة الطائي الذي تضيفه بحسمي. وكان عبيده قد خالفوا إليها فوثب ابو الطيب إلى العبد الذي اختلس السيف، فأخذه منه، وضربه به فقتله، فيقول: لم أقتلك لان السيف عظُم على قدرُه وجل لدى خَطَرُه، حتى دعاني فقده إلى قتلك، ولكن وَعَدَتُ هذا السيف أن أقتل به من تعرضه، لما تعرضت أنت له وهمتُ بالصفح عنك، خفتُ أن يتخلل وَعدى إخلافٌ، فأكون غير صادق الوعد. وأراد:) من تعرضَ له (فحذف وأوصل وكذلك اراد) وخفت لما اعترضت له (، فحذف الجار والمجرور، كقوله: إن لم يجد يوماً على مَن يَتكِلْ اراد يتكل عليه، حكاه سيبويه. وقوله:) من تعرضه (اراد: قتل من تعرضه، فحذف المضاف، لمكان العلم به، وأقام المضاف إليه مَقامه، و) مَنْ (: في موضع المفعول الثاني بوعدت. وله ايضا: ) ألا كُلُّ ماشِيةِ الخيزليَ ... فدا كل ماشيةِ الهيدَبي ( الخَيزلي: مِشيةٌ من مشي النشاء، فيها تخُّزل وتفكٌّك. والهيدبي) بالدال والذال (: أعلى من مِشية الخيل والإبل، فيها سُرعة. فيقول: كل امراة معشوقة التحرك فدا ل ناقة وجَمضل من الإبل التي خرجت عليها من مصر، لما نلت بها من الضيم، وقد بين ذلك بقوله بعد هذا: ) . . . . . . . . . ... ومَابِيَ حُسْنُ المِشى ( أي ما على من حسن مشية النساء لأني لا أعني بذلك، وإنما أعنى بطلب النجاة، ومحاولة المُعالاة، وإرغام العُداة، وقد بين ذلك أيضاً بقوله: ) وَلكِنهُن حِبالُ الحياة ... وكيدُ العُداةِ وميطُ الأذى ( اي هن أسباب الحياة، فوضع الأسباب لان السبب من أسباب الحبل) وكيد العداة وميط الأذى (اي وسبب كيد العُداة أكيدهم بها، وسبب ميط الأذى أيضا. فحذف المضاف، وأقام المضاف اليه مقامه. وإنما تأولنا ذلك، لان الخيل لا تكون في الحقيقة كيداً ولا ميطاً، إذ الخيل جوهر، والكيد والميط عَرَضان، والجوهر والعرض ليسا من باب) هو هو (، بل هما من باب الغير. وقد يجوز أن يجعل الخيل هي الكيد والميط، على سعة الكلام، كأنها لما كانت سبب ذينكِ، كأنها هُما. وقد ذهب سيبويه إلى الوجهين جميعاً في هذا الضرب، إعنى كقولهم: ما زيد إلا أكلٌ وشُرب، فإنما هي إقبالُ وإدبار. قال: جعلها الإقبال والإدبار على سمة الكلام، وإن شئت على الحذف، كما قدمنا.

стр. 92

) فَمَا كَان ذلك مَدحاً لهُ ... ولكنه كان هَجْو الوَرى ( اي إذا كان مقصودهُم وممدوحهم مثل كافور، فكفى بذلك هجواً لهم. وإن شئت قلت: أحوجني الوَرَى إلى مدح كافور، وذلك سَفهُ، فكان ذلكم المدح هجوا لهؤلاء، إذ لو كانوا كُرماء أحراراً، أغنوني عن مدحه، والتعرض للقائه. وله ايضا: ) قال الزمانُ لهُ قولاً فأفهمهُ ... إن الزمان على الإمساكِ عذال ( يقول: من رأى المسكين خشية الإقلال، وموتهم عن الأمول، وتخليتها للأعداء الأضداد غير الشكال، فقد اراه الزمانُ فيهم العِبَر والغير، فكأنه قد حذره الإمساك، ولاَمهَ على ذلك، وليس للزمان على الحقيقه قولٌ، لان الزمان عَرضٌ مُتولد عن حركة الفلك، وليس للعرض قول، إنما هو للجوهر الناطق، لكنه لما اتعظ بتصاريفه، ومشاهدة تكاليفه، صار كأنه لهُ لائمٌ ومثله كثير. والقول الذي قاله الزمان، إنما هو: لا تمسك المال، فإنك إن فعلت ذلك كان عليك حُوبُه، وللوارث لذته وطيبهُ. وقد ألم الحارث بن حلزة بهذا المعنى في قوله: لا تكسعِ الشول بأغبارها ... إنكَ لا تدرِي من الناتجُ ) القائدُ الأسد غذتها براثُنه ... بمثلها من عداهُ وهي أشبالُ ( براثهم: سيوفهم. وأما البرثن في الحقيقة، فهو المخلب، لكن السلاح للإنسان كالبراثن للسباع، اي انه يسير للهيجاء في غلمانه الذي رباهم وضراهم وثيتهم لسلب عداه، الذين هم مثلهم في الشجاعة، وذلك من حد صغرهم إلى كبرهم، وقوله: وهي أشبال: جملة في موضع الحال، إذ رددتها إلى المفرد، فكأنك قلت: غذتها براثنهُ صغاراً، والشبل: ولد الأسد. ) وقد يُلقبهُ المجنُون حاسدُهُ ... إذا اختلطن وبعضُ العقل عُقالُ ( معنى هذا أن) فاتكا (كان يُلقب) المجنون (، وهو لقب له - كما تراه - قبيح، فاحتال المتنبي، لتأوله على أحسن الوجوه، فقال: إنما جنونه إذا تزحمت السيوف، واختلطت الصفوف، في الاقتحام والاهتجام. ثم قال: وبعضُ العقل عُقال: لان الجُبن يتصور لأهله في مَعرض الحزم والعقل، وهو مذموم. وعُقال: اي انه يعقلهم عن الجراءة، لان العُقال ظَلع يكون بالبعير ساعة ثم ينشط. ) إذا العدا نشبت فيهم مخالبُه ... لم يجتمع لهُمُ حلمٌ ورئبالُ ( هذا تفسير للبيت الأول، واعتذار من تلقيبه) المجنون (. يقول: فهو في الحرب أسد، والأسد لا يُوجد عنه الحلم، فلا يُلامن في عدمه الحِلم، كما لا يلام الأسد، ولا يُسمينَّ) مجنوناً (لانه قد تحول في الحرب عن طبيعة الإنسان، إلى طبيعة الأسد، وإنما كان يسمى) مجنوناً (لو فارق الحلم وهو في النوع الإنساني، فلا يصح عليم اسم الجنون كما لا يصح على الأسد. والرئبال: الأسد يُهمز ولا يهمز. وليس ترك الهمز فيه على التخفيف القياسي، إذ لو كان كذلك لم يقل في الرئبال والريبال. إنهما لُغتان، كما لا قول في) ذيب، وذئب (أنهما لغتان. وذلك أن تحقيق الهمز وتخفيفه لا يُسمى فيهما لغة، ما دام التخفيف قياساً، إذ التخفيف على القياس في فئة المحقق. ويدلك على أن) ريبالا (ليس بتخفيف قياسي، وإنما هي لغة قولُهم في جمعه: رَيابيل. فلو كان) رِيبالا (على التخفيف، لقيل في جمعه) رآبيل (لان العلة التي كانت تقلب الهمزة ياء، وهي الكسرة في رئبال، وقد زالت في حد الجمع، وعاقبتها الفتحة. وينبغي أن يكون وزن الكلمة) فِعلالا (. وإن كانت الياء لا تكون أصلا في بنات الأربعة، وأمثال ذلك إن كانت زائدة كان في الكلام فِيعَال. وهذا بناء قد نقاه سيبويه عن الأسماء، إنما هو للمصادر. فلما كان ذلك أشذذنا) رِيبالاً (فجعلنا الياء فيهِ أصلا لعدم) فِيعَال (في الاسم، كما حملت الضرورة سيبويه، على أن يعتقد الواو في) وَرَنتل (أصلاً، وإن كانت الواو لا تكون أصلا في بنات الأربعة. ومن العرب من يقول:) رَئبال (بفتح الراء فإذا جاز ذلك، فالياء حينئذ زائدة وليست من لفظ رئبال، ولو أسعده الوزن والقافية فقال) حلمٌ ورأبلة (لُيوفق بين المصدر والمصدر، لكان أذهب في الصنعة. فقد قالوا:) ما اشد رأبلته (. وحكى ابو زيد عن العرب: خرج المُترأبلُون) وهم المتلصصون (ليلاً كالأسد. واستجاز أن يجعل لفاتك مخالب، وإنما المخالب للسبُع، لكن سوغه ذلك جعلُه إياه رئبالا. والرئبال ذو مخالب، لان المِخلب للسبُع كالظفُر للإنسان.

стр. 93

) أنالهُ الشرف الأعلى تقدُمُهُ ... فما الذي بتوقي ما أتى نالُوا ( اي توخي التقدم في جوده وجُرأته، فنال بهما الشرف، على أن الجود يفقر، والجُرأة تُهلك. فما الذي ناله غيره بتوقيه القفر إن جادَ، والموت إن أقدم؟ وله ايضا: ) وَصلت إليك يدٌسواء عندها البازى ... الأشيهبُ والغُرابُ الأبقعُ ( يعني بذلك الموت، جعل له يداً، لقولهم: أخذه الموت إذا الأخذ أكثر ما يكون باليد. ولذلك سَموا القُوة يداً، لأنها إنما تكمل باليد، اوقعوا اسم الجارحة على العَرَض. وقوله:) سواء عندها البازى الأشيهبُ والغُرابُ الأبقعُ (: ضرب البازي مثلاً للأرفع، والغراب الأبقع مثلا للأوضع، اي الموت يُسوى بين الفاضل والمفضول، والرفيع والوضيع، حتى لا يفرق بينهما، بل هما متساويان فيه، وكلاهما طُعمة لفيه، فهو نحو قول الآخر: لو كُشفت للناس أغطيةُ الثرى ... لم يُعرف المولى من العبدِ اي قد استويا في التغير بالمنزلةز ونحو قول المتنبي ايضا: يموتُ راعي الضأن في جهلهِ ... مِيتة جاليُنوسَ في طِبه وقوله:) سواء عندها (: خبر مبتدأ مقدم، والبازى الأشيهب، مبتدأ. وانما آثرنا ذلك، لان) سواء (نكرةٌ وإن تقوى بقوله:) عندها (. و) البازى الأشيهب (معرفة. وإذا اجتمع معرفة ونكرة فالمبتدأ المعرفه، والخبر النكرة، ألا ترى أن سيبويه لما قال في قوله: مررت برجل سواء هو والعدلُ، حين فرغ من الجر،) وإنما جعلت هو مبتدأ، حذراً أن يوُهمك أن) سواء (هو المبتدأ (. وقطع ألف الوصل في قوله:) والبازى الأشيهب (لانه في أول المصرع الثاني، فكأنه آخذ في بيت آخر. وهذا مما أجازه سيبويه في الأنصاف خاصة. قال: إن الأنصاف مواضع فُصول وأنشد: ولا يُبادُر في الشتاء وليُدنا ... القدر يُنزلُها بغير جمالِ ) وَتصالحتْ ثمرُ السياط وَخيلُهُ ... وأوَت إليها سُوقُها والأذرُعُ ( ثمر السياط: عُقد عذباتها. وقيل: أطرافها، وهو الصحيح. وجعل الثمر لها تنممي استعارة، وحسن ذلك أن الثمرة إنما تكون في طرف العود. وإما ما رُوى عن مجاهد في قوله تعالى:) وكان له ثمر (من أن) الثمر (الذهب والفضة، فإنما هو عندي على التفاؤل وذلك أن الذهب والفضة جماد، والجماد لا ينمي والثمر نام، فسُمي هذا الذي لا ينمى باسم الذي ينمى تفاؤلا. يقولم إنه كان يُديم ضرب الخيل بالسياط، لحرب عدو، او لمحاولة فتنة، او لطرد قنص، فكأن السياط كانت محاربة للخيل تؤلمها، والخيل محاربة لها، بكراهتها إياها، فالآن إذا مات لم يبق من يزجُرُ خيلاً إلى الحرب، ولا نهب، ولا طرد، فكأن ثمر السياط قد صالحت خيله حتى سكنت إليها سوقها وأذرعها، لما فقدته من ضربها. وقوله: أوت: اي رجعت آمنة لها، ساكنة إليها. وله ايضا: ) حتأم نحُن نُساري النجم في الظلمِ ... وَما سُراهُ على خُف ولا قَدَم ( يعجب من طول مساراته للكواكب، على أن سُراه هو متكلف. وسرى الكواكب طبيعي فيقول: كيف أقدر بهذه السُّرى المتكلفة على مسايرة النجم ونحن على خف وقدم، وكلاهما حيوان، وذلك نور يسير بجرية الفللك؟ وحذف الألف من) ما (لان) ما (إذا اتصلت بحرف الجر في حد الاستفهام حذفت منها الألف، فحتى بمعنى إلى، فكانه قال:) إلى ما؟ (إلى إلى اي وقت؟ ) وضلاَيُحسُّ بأجفان يُحس بها ... فقد الرُّقادِ غريبٌ بات لَم يَنم ( اي والنجم مع خفة السُّرى عليه، وهوانها لديه، لا يُمنع رقاداً كما نمنعه نحن، فكلفتنا أشد، بل الكُلفة لنا خاصة. ومعنى قوله:) فقد الرقاد (: لطيف، لان ما ليس في طبعه أن يَرقُد، لا يقال فيه) فَقد رُقاداً (وإنما اراد أن النجم ليس بحيوان يغذوه النوم، ويُصلح شأنه، فإذا سرى فقدَ الرقاَ فآذاه ذلك. وقوله:) ولا بحس بأجفان (: نَفي عنه الأجفان، لان الجفن إنما لذي الرُّوح. فيقول، ليس النجم بذي رُوح فيكون له جفن ينفعُه الكَرىَ، ويضره السَّهر. وبنفي هذا العضو الجسماني، أخرج النجم من النوع الحيواني. ) وَنترُكُ الماء لا ينفك من سفرٍ ... ما سارَ في الغيمِ منه سار في الأدمِ (

стр. 94

أما سيره في الأدم، وهي الأدواي، فلعمري إنه لهم وبإرادتهم. وأما سيره في الغيم فلمُجريه ومنشئه سبحانه. لكنهم لولا أنهم أودعوه مَزادَهُم، وجعلوه زادهم، لم يكُ دَهره كله مسافراً، ولكان مسافراً في السحاب، وحالاً في التراب، فلما كان إدامة سفر الماء إنما هو بكونه في السحاب، وَتَزوُّد هؤلاء اياها، صار كأن كلا السَّيرينِ بملكهم. وقيل؛ لما كان حَمله في المزاد نتيجة كونه في الغيم، جعلوا السبب والمسبب كالشيء الواحد. ومثله في القرآن والشعر والكلام كثير. ) تَبرىِ لهُن نعامُ الدو مُسرحيةً ... تُعارضُ الجُدلُ المُرخاةَ بالجمِ ( تَبرى: تُعارض. ونعام الدو: يعني به الخيل. وبقوله:) مُسرحية (: فصلها من النعام الوَحشي، لان نوع النعام لا يُسرج اذ لا يُركب. والجُدُل: جمع جَديل، وهو حبل مفتول من أدم، يكون في عُنف الناقة والبعير. يقول: فإبلُنا طوال العناق كخيلنا، فأعناقها تُعارض أعناق الخيل، وأقام الجُدل واللجم مُقام الأعناق، لان فيها دليلا عليها، إذ لا يكون إلا هناك. وما احسن ذكر اللُّجم مع قوله:) مُسرحيةً (. ) تبدو لنا كُلما ألقوا عمائمهُم ... عمائم خثلقتْ سُوداً بلا لُثمِ ( يصف غلمانه، ويذكرهم بالمروءة. يقول: كلما سَفروا عمائمهم بدت لنا عمائم سُود، يعني لمهم، واثبت العمائم لهم، لان العمائم على الهام، وشعور المُرد انما هي هناك. ونفي اللثُم عن عمائمهم التي عنى بها الشعر، لان اللثام ما سال على الخد من العمامة. وهؤلاء مُردٌ لا شعور في خدودهم، فتص شعور رؤسهم فلذلك جعل اللمم عمائم) بشعور رؤسهم (دون لثم، وهذا مليح جداً. ) ناشُوا الرماح وكانتْ غير ناطقةٍ ... فعلمُوها صياحَ الطيرِ في البُهَمِ ( النوش: التناول.) باتت تنوشُ الخوض نوشاً من علاَ (. وفي التنزيل:) وأني لهم التنَاوُشُ (اي التناول للنجاة، والبُهم: الشجعان، واحدهم بُهمة. يقول: تناولوا الرماح وهي خُرسٌ في حال تناولهم إياها، فدقوها في الأبطال، حتى صاحت صياح الطير، فحكى بذلك نغمة انكسارها في المطعون بها، كقول الآخر: تصيحُ الرُّدينيات فينا وفيهمُ ... صِياحَ بناتِ الماء أصبحن جُوعا وقوله:) وكانت غير ناطفة، فعلموها صياح الطير (: يشعر أنها ناطقة إذا صاحت. وهذا مقطع شعري، لان الصياح ليس بمنطق. وإنما المنطق عبارة عن النطق المتصور في النفس، وهي الفكرة الباعثة على المنطق. فإما قوله تعالى:) عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ (فإنما ذلك على أن الله تعالى قد جعل للطير ما تعبر به عن ذواتها، إلا أن ذلك لا يتأدى إلينا نحن، وإنما خُص لفهمه سليمان صلى الله على محمد وعليه، وذلك انه فهم من نَغم الطيور ما نفهمه نحن في هذا النوع الإنساني بالمنطق. ) مَنِ اقتضى بسضوى الهندِى حَاجتهَ ... أجابَ كل سُؤالٍ عن هلِ بلمِِ ( اي من اقتضى حاجته أوسألها من غير أن يُعمل لإدراكها سيفاً او رمحاً، لم تُقض له. فكلما قيل له: هل قضيت حاجتك او أدركتها، كان جوابه لم أقض ولم أدرك، وإنما يدرك حاجته من اقتضاها بالسيف والرمح. وجعل) هل (، و) لم (اسمين للحرفين، فصرفهما، لأنها على شكل فمٍ ودم. إن شئت قلت: اراد) لَمْ (بسكون الميم، ثم تصور الوصل فالتقى له ساكنان، فحرك الميم لالتقاء الساكنين، وكان يجب أن يقول: أجاب كل سؤال بهل، لان السؤال ليس عن هل، إنما المبحوث بهل عن غيرها، كقولك: هل في العالم خسوف قمر، فالسؤال إنما وقع عن الخسوف القمري بهل، لا عن هل وهي عند أصحاب المنطق أول منازل البحوث، لأنها إنما يُسأل بها عن الآنية لكن لما كانت هل منتظمة للقضية المسئول بها عنها وكانت تلك يتعدى السؤال إليها بعن، استجاز أن يجعل السؤال عن) هل (اضطراراً. وإن شئت قلت: أبدل) عَنْ (مكان الباء، لان حروف الجر يبدل بعضها من بعض كثيراً. وحسن له ذلك، انه لو أسعده الوزن فقال:) بَهلٍ بلمِ (توالت الباء في الحرفين. فهذا ما يعتذر له به. وخص الهدي، وهو السيف، بتبليغ الأمل دون الرمح، لان العمل بالسيف أدل على الاجتهاد، وأوصل إلى المراد، كقوله هو: ومن طلبَ النصرَ العلى فإنما ... مفاتيحه البيضُ الخفاف الصوارمُ ) صُنا قوائمها عنهُم فَ ... ما وقَعَتْ مَوِاقع اللُؤم في الأيدي ولا الكَرم (

стр. 95

ويروى) ولا الكزم (فمن رواه ولا الكرم، فمعناه: لم يقبض على قوائمها قبض اللئيم يده، اجتهاداً في محاربتهم، وذلك لقلتهم عندنا، ولصوننا سيوفنا عنهم، ولم نمُد بها إليهم صفحات أكفنا، كما يتوعد المشير إلى سيفه، باسطاً يده كما يبسطها الكريم، بل حَقَرناهم على الحالين معاً، فلم نُعمل فيهم السيوف كذا ولا كذا. من رواه الكَزَم: اراد: لم نشدُد أيدينا عليها شَدَّ اللئيم الأكزن، وهو الذي قصر اللؤن أصابعه، كقولهم فيه: كَزُّ البنان؛ وجَعدُ البنان، وقولهم في ضده: سبطُ البنان. والرواية الأولى اعلى. ) تخذى الركابُ بنا بيضاً مَشافرُها ... خُضراً فراسنُها في الرُّغل والينم ( الرغل والينم: نبتان. إما ابيضاض مشافرها فإنهم لا يهنئونها الرعي، من حثهم إياه، ومواقعتهم السير، فلا تبلغ من الرعى اليسير أن تخضر مشافرها، إنما كانت تخضر لو أنعمت الرعى. ويدلك على صحة ما ذهبنا إليه قولُه: . . . . . . . نَضْرِبُها ... عن منبتِ العُشب نبغِى مَنِبتَ الكَرَمِ أولا تراه يصفها بأنه يقَدعُها عن الرعى، ويحثها على المشي. وإما اخضرا فراسِنِها فلإدامتها السير في الكلأ، وأنواع النبات الأخضر. وخص الرغل واليَنَم لأنها مما يغلب على منابت الحَمض. ) هَون على بَصرٍ ما شقَّ منظرُهُ ... فإنما يَقظاتُ العَينِ كالُحلُمِ ( اي ما شق عليك النظر إليه، والمشاهدة له، من أنواع المكاره فهونه على عينك، فكل موجود معدوم بعد وجوده، كان خيراً او شراً. وقوله:) فإنما يقظات العين كالحُلُم (اي كل ما تشاهد في اليقظة في قلة الدوام، في منزلة ما يُشاهد في الأحلام. وإن شئت قلت إن المشاهدة في اليقظة غير حقيقة. كا أن مشاهدة ما في المَنام كذلك، مبالغة بقلة تحقيق الأشياء. والقول الأول أسوغ وأبلغ. ) ما زلتُ أضحكك إبلى كلما نظرت ... إلى من اختضبتْ أخفاَفُها بدمِ ( يذهب إلى احتقار كافور حتى إن إبله لتزدري مقصوده، فتضحك منه ومن القاصد. يقول: إلى مثل هذا الصنف اعمالنا وجهدنا، حتى اختضبت بالدم أخفافها، واراد إلى منِ اختضبت أخفافها بدم إليه فحذف الجار والمجرور، وحسن حذف ذلك، لأن إلى قد ظهرت في الكلام، وان لم يكن من سبب تلك المحذوفة. ونحوه ما أنشده سيبويه: إن الكريم وأبيك يَعتمِل ... إن لم يَجدْ يوماُ على مَنْ يتَّكِلْ اراد يتكل عليه. ونسبة الضحك إلى الإبل مثلٌ شعري غير حقيقي، لان الضحك خاصة للإنسان، والخاصة لا تتعدى مخصوصها. وله ايضا: ) وبالسُّمرِ عن سُمر القنا غير أنني ... جناها أحبائي وأطرافُها رُسلي ( يُغرب بذاته في العشاق، وبحبائبه في المعشوقات. اي أنه لا نظير له في الحب، لأني إذا ذكرتُ البيض في شعري، لم اعنِ النساء، واذا ذكرت السُّمر؛ فإنما إعنى الرماح، ولكن إنما أحبائي، الأرواح التي تجْنيها لي من أجسام أعدائي، وأطرافها رُسلي، اي أسنتها هي التي تقوم مقام الرُّسُل إلى الأحباب. اي إنما أتوصل اليها بها، كما أتوصل إلى المحبوب بالرسول. وجعل أرواح عداه جنى على المثل، لأنها حياة في الحقيقة، لأن الحياة نوع من النامي، والروح عندنا ليس بنام، واراد رُسُلي فخفف، وهي لغة تميم. ) فَما حَرَمت حسناء بالهجرِ غبطهً ... ولا بلغتها من شكى الهجر بالوصلِ ( ويُروى) بما حَرَمَتْ حسناء (. نهى عن الحرص على النساء، اي إذا هجرتها ثم وصلتها كنت أحسن موقعاً عندها، وأنشط لها، فزادت الغبطة. فإذا لم تَحرم هي، فهجرتُك اياها إذا عادت الغبطة بوصلك لها، بعد هجرك إياها؛ أبلغ. وإذا شكوت إليها الهجر وتذللت، هُنت عليها، فمنعتك وصلها، واما رواية من روى) فما حَرَمتْ حَسناء (وهي الصحيحة، فمعناه: لم تحرم امرأة محبوبة محبها غبطة بهجرها إياه، ولا بلغت شاكياً شكى إليها هجراً غبط بوصلها اياه. يذهب إلى التهاون بأمر النساء، اي إنهن لا يُتحن بهجرهن لك عدم غبطة، ولا بوصلهن إياك وجُودها. والهاء في قوله: بَلَّغَتها: عائدة إلى الغبطة، اي ولا بَلغتْ مُحبها غبطة يوصلها له. و) منْ (في موضع نصب لأنه مفعول ثان لبلغت.

стр. 96

وإن شئت كان) مَنْ (هو المفعول الأول، و) ها (من) بلغتها (هو المفعول الثاني. وهذا كما تقول: كَسَوْتُ زيداً الثوب، وكسوت الثوب زيداً. و) حسناء (ها هنا: صفة أقيمت مقام الموصوت، اي امرأة حسناء. وقد غلبت هذه الصفة غَلَبة الأسماء، وهي من باب) فعلاء (التي لا أفعل لها من جهة السماع. وله ايضا: ) تَعسَ المهَارى غير مَهريٍّ غَدا ... بُمصورٍ لبس الحرير مُصورا ( تعس المَهاري: دعاء على نوع المهاري، وهي إبل منسوبة إلى مهرة ابن حيدان. وإنما دعا عليهن، لأنهن جُندُ البينَ، ومُقطٍّعةٌ ما بين الحبيبين، اي أتعسهُن الله فلا انتعشنَ. ثم استثنى منها) المَهري (الذي ركبته محبوبتُه. وقد كان أولى أن يُدعى عليه من سائر المهاري، لانفراده بالحبيب، وحمله إياه، لكن استثناه، لأنه يحمله، فيقيه الرُّجلة، وما يلحق معها من الكسل والكَلَل. وقوله:) بمصور (: اي بستر رُقم عليه صورة شخص قد لبس حريراً مصوراً، ومن عادة عقائل العرب رَقم الحجال، كقوله: كأن فُتاتَ العِهن في كل منزلٍ ... نَزلنَ به حبُّ الفنَا لم يُحطمِ وذلك أن حب الفَنا أخكر، مالم يكُسر ذهبت حمرته. وإن شئت قلت:) بمصور (: يعني هودجاً عليه حرير مصور، وإنما جعل الهودج مصوراً، لأنه ذو شكل، وكلُ شكلٍ مُصور. ) نافستُ فيه صُورةً في سترها ... لو كُنتُها لَخفيتُ حتى يظهرا ( كان دُون هذا المحبوب ستر فيه صُورة. فيقول: حَسَدت هذه الصورة على قربها منه. فلو كنت مكان الصورة، أو كنت إياها: لَخَفِيتُ فزُلت عن وجهه، ليزول الستر، فتظهر للعيون. فإن قلت: لا يلزم زوال الستر الحامل الصورة، لمكان زوال الصورة، لأن الصورة تخطيط موضوع فيه، والتخطيط عَرَض. قلنا: لو ارتفعت الصورة المنتقشة في ذات الستر، لارتفع الجوهر الحامل لها. وإنما ارتفاع التخطيط عن المخطوط، وبقاء الجوهر بعد ذلك مُتَوَهمٌ لا مَوجُود. وإذا تأملت البيت فهو شعري لا حقيقي، لان من الصور الموضوعية في الثياب ما يمكن إزالته، ومنها مالا يمكن. وأحسن مافي ذلك أن يقال: إن المتنبي عنى الصورة بالخرقة الحاملة لها. ) لاَتتربِ الأيدي المُقيمةُ فوقهُ ... كِسرى مُقام الحاجبِيِن وقيصرا ( كِسرَى وكَسرَى: لغتان. واختار ابن السكيت الكسر. وقالوا: تَرب الرجل: قل مالُه، وأترب: كثر ماله. اي لا تفتقر الأيدي المصورة التي أتقنت هذه الصورة صنعاً، وأجادتها وضعاً، فأقامت كسرى وقيصر ملكي فارس والروم لها مُقام الحاجبين، فحجباها وإنما عنى بذلك صورتيهما لا ذواتهما، لان ذلك ليس في الإمكان، إذ الصورة الصناعية لا تقبل طبيعة الحيوان. ) ولو استطعتُ إذا اغتدت رُوادُهُم ... لمنعتُ كل سحابةٍ أن تقطُرا ( الرُّوادُ: منتجو الكلأ، وافتراق العرب من حلالها إنما هو للنجعة بهم، يقدمون الرُّواد ليخبروهم بمواقع الماء، في مواضع الكلأ. وفي المثل:) لايكذب الرائدُ أهله (. فإذا أخبرهم بوجود ذلك ظَعنوا. وان أخبرهم بعدمه، سكنوا فلم يظعنوا. فإذن إنما سبب الفراق نزول المطر، وظهور الخُضر. فيقول: لو كان في قوتي أن تطيعني السحاب، لنهيتهن عن المطر، لئلا يجد رائدهم أرضاً مُخصبة، ولا روضة مُعشبة، يدعوهم إليها، ويدلُّهم عليها. فلو كان ذلك من قوتي لم يفارقوني. ) فإذا السحابُ أخو غُراب فراقهمْ ... جعل الصَّياحَ ببينِهْم أن يُمطرا (

стр. 97

هذا البيت تفسير للأول، وهو عندي داخل في نوع التضمين، وإن لم يكن منه على الحقيقة، وذلك انه محمول على المعنى. أراد: لأني تأملت بينهم، فوجدتُ سبَبَه إنما هو النُّجعة. وهو كقوله تعالى:) فَقُلنا اضْرِبْ بعَصَاكَ الحَجَر فانْفَجَرت منهِ أثنتاَ عَئرة عيناً (اي فضرب فانفجرت، فكذلك اراد المتنبي، لأني تأملت فإذا الأمر كا، لان المطر إذا وافى، خرجوا في إثره منتجعين له، فصار السحاب بمنزلة الغُراب، في أن أمطاره مشعرة بالبين، كما أن صياح الغراب معلن بذلك عن العرب، وجعله إذن غراب فراقهم، ذهاباً إلى شَبهه به، لان الأخوين في غالب الأمر متشابهان. اي أقام السحاب والأمطار مقام صياح الغراب، في الإيذان بنواهم، وبُعد مثواهم. و) جعَل (هاهنا، بمنزلة صير، فهي متعدية إلى مفعولين؛ كما أن صير كذلك. وذكر السحاب لأنه مما ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. وسوغ التذكير في هذا الضرب من الجمع خروجه إلى شكلِ واحداه. ) يحمِلْن مِثل الرَّوضِ إلا أنها ... أسبى مهاةً للقلوب وجُؤذُرا ( شبه ما عللا الهوادخ من الحرير المزين، والوشيب الملون؛ بالروض الذي سارت فيه إبلُهم، في تَزاهي نواويره، وتخايُل أزاهيره. والمها: وهي بقر الوحش؛ عقائلُ الخمائل الأريضة والحقوف المريضة؛ كقول ابن مقبل يصف بقرة وحشية: عقبلةُ رملٍ في حُقٌوفه ... رَخَاخَ الثرى والأقحوان المُديما فلما جعل الوشى وما على الهوادج من صنوف الرقم بمنزلة الرياض، جعل ما يستُره من النساء بمنزله المَهَا والجآذر. وذلك في النجلِ والكَحل. ثم استثنى فقال إلا أن ما على الهودج من هذه المها أسبى مهاةً وجُؤذرا للفؤاد، من هذا الروض الباقي. فكأنه قال في كل ذلك: سِرنَ في الروض بمثل نقوشه، من رقُوم الهَوادج، وحَمَلن مثل وحشها من رباتها كقول البحتري: لما مشين بذي الأراك تَشابهت ... أعطافُ أغصانٍ به وقُدودِ في حُلتي حِبر وَروض فالتقى ... وشيان وشىُ رُباً ووشىُ بُرودِ ومثله قوله؛ أعنى المتنبي: إذا سَارتِ الأحداجُ فوق نباته ... تَفَاوَح مِسكُ الغانياتِ وَرَندُهُ واراد: أسبى مهاة للقلوب، وجؤذراً منه فحذف) من (ومثله كثير. ) فَبِلَحظها نكرتْ قناتي راحتي ... ضعفاً وأنكرَ خاتمايَ الخِنْصَرَا ( اي بُليت بعشقها حتى بليتن فضعفت راحتي، عن حمل قناتي، فأنكرتها كأن القناة تقول: ليست هذه اليد التي عَهدتها، ولا القوة التي شهدتها؛ وكذلك دقت خنصري، ورقت عن خاتمي؛ حتى أنكرها، لما رأى فيها من خلاف ما كانت عليه. وأراد: وانكر خاتمي؛ فوضع الاثنين موضع الواحد، كقول امرئ القيس: وعينٌ لها حَدرَةٌ بَدرةٌ ... شُقت مآقيهما من أخر وهذا الضرب من الاتساع وعكسه كثير؛ ونَكِرَ وأنكَرَ. لغتان فصيحتان؛ جمع بينهما في بيت واحد. وهذا من غريب الصنعة الشعرية. ) أمى أبا الفضلِ المثبر أليتي ... لأيممن أجل بحرٍ جوهرا ( اي اقصدى أيتها الخيل أبا الفضل؛ الذي لما حلفت فقلت:) لأيممنَّ أجل بحر جوهراً (والله او غير ذلك من أنواع المقسم به، ثم قصدته؛ فألقيته أجل البحور جوهراً، أبر بذلك يميني. وقوله لأيممن أجل بحر. تفسير الألية. أنى لما حلفت لأيَممن أسنى البحور جوهراً، لم أعلم اي البحور هو وقد لزمتني الألية؛ فاستفتيت فقهاء الأنام ومتفلسفيهم؛ فأفتوا به وقالوا: إذا يممت أبا الفضل ابن العميد، فقد بَرَرت لنه أجل جوهراً، وجلالة الجوهر كناية عن جزالة العطاء ولو قال: أفتى بأمه الأنام فاتزن له؛ لكان أشد تطابقاً لما قبله؛ ولكن لم يستقيم فيه الوزن. وسوغ ذلك أنه إذا كانت رؤية فقد كان أم. وهذا لا ينعكس، لأنه قد يكون أمٌّ ولا رؤية. ) خَنثى الفُحُول من الكُماة بصبغهِ ... ما يَلبسون من الحديدِ مُعصفرا ( ) خنثى الفحول من الكماة (: خَنَث اللهُ الخَنِث: خلقه خُنثىَ. وهو الذي لا يخلُص إلى الإناثية، ولا إلى الذُكورية. والمعصفر: من زى الإناث، وذوى الانخناث. فيقول: صير الفُحول من الكماة إناثاً، بصبغة ما يلبسون من الدروع والجواشن والبيض بالدم. فزياهم زي النساء، وألحقهم بهن في الجُبن، بما ألقى في قلوبهم من الرعب. ) فَدَعاك حُسدُك الرئيس وأمسكُوا ... ودعاكَ خالقكُ الرئيس الأكبرا (

стр. 98

) خَلَفت صِفاتُك في العيون كلامهُ ... كالخطَّ يملأ مسمَعَي من أبصرا ( اي أن حسادك لم يجودا بُدا من أن يدعوك رئيساً، إذ لو حَجضدوا ذلك لما جُومِعُوا عليه، ولا طُووعوا بالإجابة إليه. لكن لم يبلغوا الغاية في إنصافك، حين لم يسموك الرئيس الأكبر. وأنصفك خالقك، فدعاك بما قصروا هم عنه، فدعاك الرئيس الأكبر. ثم أقام البرهان على هذه الدعوى الحقيقية. فقال: لك صفات توجب لك أن تسمى الرئيس الأكبر، فكأنها خُط فيها حكاية قوله تعالى:) إنك رئيس (وإن كنت لا تسمع. ) وَترَى الفَضِبلة لا ترُدّ فضيلةً ... الشمس تشرقُ والسحابَ كَنَهورا ( الكَنَهور: السحاب المتراكم: أنشد سيبويه: كنهورٌ كان من أعقاب السُّمى وإشراق الشمس وتكاثف السحاب، فضيلتان ذديتان. والضدان مختلفان؛ لا مؤتلفان. ومُعْتقبان لا ملتقيان. وهذا الممدوح قد جمع إشراق الشمس، وتكاثف السحاب، لأنه مستبشر الوجه جميله، مستبشر النيل جزيله، فالإشراق بشره وجماله، والأمطار برُّه ونوالُه، وهذا كقوله فيه: وأحسنُ ذي وجهٍ، وأسمعُ ذي يدٍ وأشجعُ ذي قلب، وأرحُم ذي كِبد فجعله حسناً سمحاً بهذا، كوصفه إياه بالشمس والسحاب، فيقول: ليت هذه الباكية التي أبكاها نواي عند وداعها إياي، شهدت ما شهدته من هذه القضية، فتعذرني فيما رأتني عليه، من اجتماع النية، وإزماع الطية، إلى هذا الممدوح، لمشاهدة ما فيه من الأمر العجيب، والفضل الغريب. وقله:) الشمسَ والسحابَ (، بدل من الفضيلة، وهو محمول على المعنى، لان معناه، فترك فضيلتين لا تَتَرادان، على ما هما به من كونهما نوعين متضادين، ولو قال) الشمسَ والسحابَ (لكان حسنا، لكنه تمم بقوله:) تشرق (لقوله:) كَنَهورا (، في صفته، فإذا وقع التناهي، فكانت الشمس مُشرقةً، والسحاب كَنَهوراً، لم يمكن اجتماعهما. وله ايضا: ) كُلما قال نائلٌ أنا منهُ ... سَرَفٌ قال آخرٌ ذا اقتصادُه ( اي كلما استعظم منه نائل يُعد سرفا، أعقبه نائل أعظم منه يَعُدُّ ذلك النائل الأول الذي كان يستسرف اقتصاداً، بإضافته إلى الثاني، وليس للنائلين منال، لكن القول لما كان من أجملها، نَسب القول إليهما. ) قَلدتني يمينهُ بحُسامٍ ... أعقبت منه واحداً أجدادُه ( اي نُسب إلى الهند، كما ينسب الشريف إلى الجد. يقول: إن الهند لم تطبع له نظيراً يكون له ثانياً، فقد أعقبت منه واحداً، و) مِنْ (ها هنا للجنس. ولولا القافية لقال: آباؤه، مكان قوله) أجدادُه (، لان الجد اعم من الأب، فكل جد اب، وليس كل أب جدا. ) كُلما استُل ضاحَكَتهُ إياهُ ... تزعُم الشمسُ أنها أرآدُه ( اي كلما استُل هذا السيف، ضاحكته أنوار فرنده، تدعى الشمس أنها أرآدُه، وأرآد الضُحى: ماؤها ورونقُها. فيقول: الشمس تدعى إنها من ماء هذا السيف، وأراد أنها أرآده من أجلها، اي من أجل الإياة. وقد يجوز أن يكون الأرآد هنا: جمع ريد، وهو الترب والمثل، والأول أسبق. ) مَثلُوه في جفنهِ خِيفة الفقد ... فقد مِثلِ أثره إغمادُه ( أثر السيف: فرنده. يقول: حلوا جفنه بالفضة، فهو يحكيه بياضاً وصقالاً، وعلى الفضة نقش سواد، يحكي أثره نقشا، فكأنهم إنما فعلوا ذلك، لأنهم لم يصبروا عنه لجماله حين واراه الغمد، فصوروا عليه مثل صورته، لئلا يفقدوه البتة، هذا معنى قوله: خشية الفقد، اي خشية فقده. ) فَرَّسَتنا سَوابقُ كُن فِيهِ ... فَارَقت لبده وفيها طرادُه ( فرستنا: يعني هذه الخيل السابقة، التي جاءته مع السيف، في جملة عطايا أبى الفضل. وقوله: كُن فيه، الهاء راجعة إلى الندى.) فارقت لبدء (: اي فارقت سرج هذا الممدوح إلى سَرجي، واللبد ليس بكلية السرج، ولكنه طائفة منه، فكنى به عن كُله، ومثله كثير) وفيها طرادُه (: اي ذكرها سائر في الارض، فكأنها بعدُ في طرا، وإن استراحت لدينا. وإن شئت قلت: إن هذه الخيل تغيظ الأعداء، وتخشى الحساد، تعين على النوب، فكأنها غير مُنفكةٍ من الطراد، وإن كانت مستريحة، لان ذلك عملها بالبقوة.

стр. 99

وقيل:) وفيها طراده (: اي صِرتُ في جُملة عبيده وعديده، فإذا سار إلى موضع سرت معه، وطاردت بين يديه، فكأنه هو المُطارد عليها، لان ذلك بأمره ولطلب الحُظوة عنده. و) فيها (: بدل من) عليها (وقد يجوز أن تكون) وفيها طِرادثه (: اي وفيها ما علمها من عِلم المطاردة والعَدو بفُرسانها. ) وأحق الغُيوث نفسا بحمدٍ ... في زمانٍ كُلُّ النفوس جَرادُه ( اي زادتنا الأيام بك إعجاباً، ولك استغراباً، وذلك لان والٍ في زمان يأخذ فيه كل زالٍ اموال الناس، فهم كالجراد الذي يحشك الزرع والربيع والبُسر. وأنت تبدُر مالك، فكأنك غيث تنبت لهم المراعي وغيرك جراد يَجرُدها. وهذا كقول ابن أبى عُيينة يهجو المُهلبي، ويمدح أباه: أبوك لنا غيثٌ نعيش بنبته ... وأنت جرادٌ لست تبُقي ولا تذر ) عددٌ عشته يَرى الجسُم فيه ... أرباً لا يَراهُ فيما يُزادُه ( يصف هذه القصيدة التي مدح أبا الفضل، وأهداها إليه في النيروز فيقول: هي أربعون بيتاً، وهي عدد السنين التي إذا تجاوزها الانسن نقص عما عهده عليه في جسمه، من أحواله في تقلبه وتصرفه. فلذلك اخترت لهذه القصيدة هذا العدد تفاؤلاً لك بالصحة، واستكمال قوتك. وقيل: كانت سن الممدوح حينئذ أربعين، وهي ترى الجسم من استكمال القوة وبلوغ الأشد أربا لا يراه فيما يُزادُه من السنين، بعد الأربعين لنه بعدها كل عام آخذ في التحويل ومنعكس إلى التحلل. وله ايضا: ) نَسيت ولا أنسى عتاباً على الصدِّ ... ولا خَفَراً زادتْ به حُمرةُ الخد ( الخَفَر: شدة الحياء، وهو من علل حُمرة الخد. وقال: زادت به حُمرة الخد، ليشعر أن هنالك حمرةً طبيعية سوى الحمرة التي يولدها الحياء، لأن حمرة الحياء عَرَضٌ سريع الزوال، إذا زال الحياء زالت. وكذلك مثلت به الحكماء الأعراض السريعة الانتقال، فقالوا: ذلك كحُمرة الخجل، وصفرة الوجل. ) ولا ليلةً قصرتُها بقصُروةٍ ... أطالت يدي جيدها صُحبة القعدِ ( قَصرتها: جعلتها قصيرة، اي ضد الطويلة. والقصُورة: المرأة المقصورة الممنوعة، أراد قصرتها بوصال قصُورة. وقصيرة لغة في قصُورة. ) أطالت يدي في جيدها صُحبة العقد (: اي اعتنقتها معظم ليلي او كله، فصحبت دواعي عقدها. واليد هنا: كناية عن كُلية الذراع، كقوله تعالى:) فاغْسِلُوا وُجُهَكُمْ وأيدِيَكُم إلى المرافِقِ (. ) فإما تريني لا أقيمُ بلدةٍ ... فآفهُ عمدِي في دُلُوقي من حدِّي ( اي بأني سيف ماضٍ كثير الدُّلُوق من حدي. فغمدي متغير مُنقد، لكثرة تحريكي فيه وقلقي. وضرب السيف مثلاً لنفسه، والغمد مثلاً لجسمه، والدُّلُوق مثلا لحركته. اي تنقلي في البلاد يُشجيني ويرث بزتي. وقد فسره بقوله بعد هذا: ) تُبدلُ أيامي وَعيشي وَمَنزلي ... نجائبُ لا يُفكرون في النحس والسعدِ ( ) إذا لم تُجزهُم دار قومٍ مَودةٌ ... أجاز القَنَا والخوفُ خيرٌ من الوُد ( اي هؤلاء الفتية إذا مروا بقوم لا يودونهم، فراموا صدهم، حاربوهم، فأجازتهم الطريق رماحهُم،) والخوفُ خيرٌ من الُود (. اي لأن تُخلف خيرٌ من أن تُود وترحم، كقولهم في المثل السائر:) رَهَبُوتٌ خيرٌ من رَحَموت (. ومن أمثالهم:) أوفرقا خيراً من جُبين (: اي إذا فَرِقوك فرقا يكون ذلك الفَرَق خيراً من حُبين. وهذا كقول دُويد بن نَهْدَ في توصيته لبنيه:) أخيفوا الناس وارعوا الكلأ (. واراد: أجازهم القنا إياها، فحذف المفعولين، لأن في قوله:) إذا لم تُجزهم دار قوم (، ما يدل على هذا المحذوف، إذ دل الأول على الثاني، والثاني على الأول، فاستُجيز الحذف فيه، كقوله تعالى:) يَوَم تُبدل الأرضُ غير الأرْضِ والسَّمَوات (اي والسماوات، فحذف الثاني الذي هو الأول المذكور في المعنى أولاً. ) كفانا الربيعُ العيس من بركاته ... فجاءته لم تسمع حُداء سوى الرعدِ (

стр. 100

اي كُفينا حُداء الإبل برعد الربيع، لانه قام لها مقام الحُداء بصوته، وقيل: كفانا الربيع العيس: اي كان منه رَعيُها وشُربها وحُداؤها. ولو عدد للربيع أيادي غير الرعد كما قال، لقال: فجائته: اي رعت. وشربت؛ وجاءته. وإنما قال) فجاءته (: فبين كيفية الكفاية، كما تقول: أحسنت إليك فوهبتك ألفا، فهبة الألف تفسير للإحسان. وقوله:) لم تَسمَع حُداء (جملة في موضع الحال اي جاءته غير سامعة حُداء إلا الرعد. والرعد هنا: مصدر من قولك: رَعَدَت السماء تَرعُد رعداً. ولا يكون الرعد الذي لا يُسمع هو الجوهر المكنى في قوله تعالى:) ويُسبح الرعدُ بحمدهِ (لأن ذلك لا يُسمع بذاته، إنما يسمع صوته. والحداء عَرَضٌ، فمقابلته بالعرَض أولى، وهذا دقيق فتفهمه. ) إذا ما استَحَين الماء يعرضُ نفسه ... كَرَعن بِسِبتٍ في إنا من الوَرد ( يصف ما أمطرتهم به السماء من الماء، وأنبتت لهم الأرض من الربيع، في مُضيهم إلى أبى الفضل، لمكان بركته، وأن العناصر تُعظم شانه، وتعلى مكانه، فتسقى رُواده، وترعى قُصاده. والسبت: كل جلد مدبوغ وقيل: هو المدبوغ بالقَرَظ خاصة، وهو يلين الجلود ويحسنها، حتى تُشبهُ العربُ مشافر الإبل بها، فيقول: إذا مرت هذه الإبل بهذه السيول التي غادرتها هذه الغيوث، ظلت كأنها تعرض نفسها عليها. فكأن الإبل مستحية منها. لإلحاح المياه عليها، بعرضها أنفسها، وقد أحاطت بها رياض الورد او ما يشبه الورد، من ضروب الأزاهير، وأنواع النواوبر. فهي تُدخل أكارعها فيه؛ وتغمس مشافرها في تلك المشارب، متقنعة من إفراط الحياء، بذلك الورد النابت. وإنما عنى) بالسبت (ها هنا مشافرها، كقول طرفة: وخَدٍّ كقرطاس الشآمي ومِشفرٌ ... كسبت اليماني قده لم يُحرد وقيل: غَسَل الماء المستنقع في الأرض أخفاف الإبل من الطين، حتى عادت كالسبت في نقائها، وأنبتت حافات الغُدُر زهراً، فكأن الماء: بعرض نفسه يتراءى في إناء من الورد، والأول اولى. ) فَتى فَاتَتِ العدوى من الناس عينُهُ ... فما أرمدت اجفانه كَثرةُ الّثرمدِ ( ضرب الرمد مثلاً للعيوب المُعدية، لأنه داء ربما أعدى كالجَرَب ونحوه. فيقول: كثرت العيوب في الناس، لكنه سَلم هو منها، فلم تعًدهِ، لشرف عنصره، وصفاء جوهره. وقصد منه) العين (، توطئة لذكر الرمد الذي جعله مادة القافية، وحسن ذلك ما ذكرت لك من طبيعة الرمد في العدوى. ) يُغيرُ ألوان الليالي على العدا ... بمنشوُرةِ الراياتِ مَنصورةِ الجُندِ ( اي يوقد النيران في معسكر هذه الكتائب، فيغير من سواد الليل. ولما كان النارُ إنما تُوقدها هذه الكتيبة، جعل التغيرُّ لها، إذ هي الفاعلة الجقيقة، والنار وإن كانت مُغيرة، فإنها مفعولة للكتيبة، فهي الفاعلة على القصد الأول، والنار الفاعلة على القصد الثاني. فافهمه: إذا ارتقبُوا صُبحاً رأوا قبل ضَوثِه كَتاَئِب لا يردي الصباحُ كما تردي اي يتوهم العدو المغزو بتلك النار صبُحا وهو يترقب حقيقة الإصباح، فتوافيهم هذه الكتائب مكان الصباح الذي ارتقبوه، وجعل الكتائب أسرع من الصباح عدواً. وإن شئت قلت: إن مجيء الصباح غير مجيء الكتائب، لأن مجيء هذه مشيٌ، ومجيء الصباح طلوع، فلذلك قال:) لا يرْدي الصباحُ كما ترِدي (. ) يَغضن إذا ما عُدن في مُتَقَاذفٍ ... من الكُثر غانٍ بالعبيد عنِ الحَشد ( ) يغضن (: يَنْعدِمن فلا يُوجدن. اي بعوثك المتوجهة للغارة على عظمها وكثافتها، إذا عادت إلى معظم جيشك، غاضت فيه كما يغيض النهر في البحر، و) متقاذف (: جيش يقذف بعضه بعضاً، لكثرتهم والتقائهم، كقول الراجز في صفة خصب وإبل: أرعيتُها أكرم عُودٍ عُودا ... بحيثُ يدعُو عامرٌ مَسْعودا اي يتقاذف هذان الراعيان في طول هذا المكان واكتماله، حتى ينادي كل واحد منهما صاحبه. ) غان بالعبيد (: اي أن هذا الجيش متألف من عبيد ابن العميد. فقد استغنى بهم عن الحشد، للقُربى. وأن يكون اسما أولى، ليُطابق العبيد، لان العبيد اسم. وقد قال أبو زيد الحشدْ: القوم المجتمعون؛ فهذا مما يقوى فيه الاسمية. ) حَثت كُل أرضٍ تُربةً في غُبارهِ ... فَهُن عليه كالطرائق في البُرد (

стр. 101

البُرد: الثوب المُوشي؛ وطرائفه مختلفة الألوان؛ اي فهذه الكتائب شتى المطالب؛ بعيدة المذاهب، فهي تطأ لبعد مرامها؛ ارضين مختلفة أنواع التراب؛ اختلافاَ لونياً؛ من بياض وسواد. فكل أرض تؤها تختفي من غبار هذا الجيش بترابها؛ فيكسب بذلك ألواناً مختلفة؛ بحسب أنواع التراب؛ لكل نوع ولون؛ فكأن الغبار بُرد؛ وهذه ألوان فيه. ) وكُل شريك في السُّرور بمُصبَحي ... أرى بَعده من لا يرى مثلهُ بعدي ( مُصبحي: أوانُ صباحي؛ اي وكل مشارك لي من أهلي في السرور في رجوعي وتصبيحي له؛ عند رؤيته ما أقنانيهِ لقاء هذا الممدوح من الثروة فإني مع ذلك كله منفرد دونه بأثرةٍ؛ وهي رؤيتي هذا الممدوح الذي لا يرى هو بعدي مثله. يقول؛ فأنا أكره أن أنفرد بنوع من انواع المَسرة دونهم؛ فإذا أنا أبت إليهم ورأوني، رأوا من لا نظير له عندهم كما أرى أنا الآن من لا نظير له، فاستووا معي فيما نلته من الغني وأدركته من المُنى، ألا تراه يقول: ) وقد كنتُ المُنى غير أنني ... يُيرني أهلى بإدراكها وَحدي ( وهذا كله اعتدار إلى أبى الفضل في إيثاره الرحيل عنه. وإنما كان يريد التمادي إلى شيراز، ثم الأوب إلى أهله. وله ايضا: ) أوهِ بديلاً من قَوءلتي وَاها ... لِمن نأتْ والبدِيلُ ذِكراها ( أوهِ، وأوهِ: كلمتا توحع مبنيتان على الكسر. وواهٌ: كلمة استطابة واستزادة. فيقول: أنا متوجع لفراقها بعد استزادتي وصالها واستطابتي إياه، لم أقنع بهجر الدلال، حتى بُليتُ بفرقة الزوال، وقوله:) لمنَ نات والبديلُ ذكراها (اي أعنى التي بانت بهذا التوجع) والبديل ذكراها (، او ذكراى إياها بدل مثها. هي مفقودة اي ذكراها لدي موجودة. ) أوهِ امن لا أرى مَحَاسِنها ... وأصلُ واهاً وأوهٍ مَرآها ( اي غنما أرجع هذه الكلمة التي معناها التوجُّع والتفجُّع لفقدي رؤية محاسنها.) وأصل واه واوه مرآها (؛ إنما كان سبب استطابتي إياها، وتوجعي بنواها، رُؤيتي لها. وذلك اني رأيتها فهويتها، ووصلت فاستطبتها ونأت فتأوهتُ لها. ) شاميَّةٌ طاَلما خَلَوتُ بَها ... تُبصِرُ في ناظري مُحيأها ( شامية: منسوبة إلى الشام. يقال: شام وشأم. وناظر العين؛ إنسانها والمحيا. الوجه اي هذا المحبوبة شامية خلوت بها طويلاً، فاستمتعت بوصالها، واستكثرت نوالها. ) فقبلت ناظري تغالطُني ... وإنما قبلت به فاها ( اي كانت تنظر إلى عيني، فشخص لها صورة وجهها في ناظري، والفم جزء من الوجه. فكانت ترى فاهاً في جُملة وجهها المرئي في ناظري، فكانت تقبل الناظر مُريةً أنها تريده، وإنما كانت تريد فاهاً، فتقبله بالناظر، كما كانت في المرآة لان الناظر عضو مجلُوٌ، فتشخص فيه الصورة، كشخصها في المرآة. ) فَلَيتها لا تزَالُ آويةً ... وَلَتهُ لا يزالُ مأوَاها ( اي ليت صورتها لا تزال آوية ناظري. يقال: أويتُ المكان، وأويت إليه، وذكر آوية، وكان الحكم آويتُه ذهاباً إلى الشخص او الشكل اي وليت الناظر لا يزال مأوى هذه الصورة. وهذا البيت مشتمل على قضيتين، ترجعان إلى قضية واحدة، لان التمني الأول هو التمني الثاني. ) لَقيننا والحُمولُ سائرةٌ ... وَهُنَّ دُرٌ فذُبن أمواها ( لقيتنا: يعني هؤلاء الظُعُن. والحُكول سائرة بهن الإبل بما عليها من الهوادج، وهن دَراري، وهن دَرارس، قد رقت بَشرَاتُهُن وصفت، فهن كالدر. وأراد مثل الدر؛ فبالغ احتى جعلهن الدر نفسه. ولا بد اعتبار) مثل (لأنهن لا يكون دُرا، لان الدرجماد؛ وهي حسوان ناطق. وقوله: فذُبن أمواهاً: اي بكين لما سارت بهن الإبل. فلما كانت دموعهن كبشراتهن التي شاكت الدر، رقة وصفاء، ظننتهن دراً ذائباً، وهذا كقوله هو: أوفى فكنت إذا رميت بمقلتي ... بشراًرأيتُ أرق من عَبَرَاتها وقوله: امواهاً: منصوب على الحال، وإن كانت الأمواه جوهراً فقد يكون الجوهر حالاً. حكى سيبويه عن العرب) العجب من بُر مررنا به قفيزاً بدرهم (قال: قد يكون خبرا مالا يكون صفة. يعني بالخير الحال؛ وقال: هذا بُسراُ أطيب منه رطبا. وفي التنزيل) هذه ناقةُ اللهِ لَكُم آية (ومثله كثير. وقال:) ذُبن (وإنما يعني دموعهن. لكن ادعى أن الجملة قد عادت ماء مبالغة.

стр. 102

) او عَبَرت هَجمةٌ بنا تزكتْ ... تَكُوسُ بين الشُّروب عَقراها ( الهَجمة: القطعة من الإبل، قد اختلف في عددها. فقيل ما بين السبعين إلى المائة. وقيل أولها الأربعون؛ إلى ما زادت. يصف شُربه وقراه الأضياف، فيقول: تمر بنا إبُلها فنُعرقبها للضيفان، حتى تكوس اي تمشي على ثلاث وقيل تزحف على رُكبها. قال الأعور النبهاني يهجو غسان السَّليطي: ولو عند غسان السليطيَّ عَرَّسَتْ ... رَغا فرقٌ منها وكاس عَقيِر و) الشُروب (: يجوز أن يكون جمع شارب، كشاهد وشهود، وساجد وسجود، ويجوز أن يكون جمع شرب، الذي هواسم لجمع شارب عند سيبويه، وجمعنا لع عند أبى الحسن. لكن أن يكون جمع شارب أولى؛ لأنه إن كان اسم جمع على مذهب سيبويه؛ فجمع اسم الجمع في القلة كجمع الجمع، من حيث كانا مشتركين في الدلالة على الجمع. وإن كان الشرب جمعاً على رأي أبى الحسن، فجمع الجمع قليل، لا يحمل سيبويه صيغة الجمع عليه ما وجد عنه مندُوحة، إنما يقر بجمع الجمع إذا لم يجد سيبلاً إلى غير ذلك. ومن ثم ذهب الفارسي في قراءة قرأ) فَرُهُنُ مقبوضة (إلى انه جمع رَهْن؛ كسَجْلٍ وسُجُل، وسَقْف وسُقُف، واستجاز هذا على قلته، كراهية أن يحتاج إلى أن يقول إن رُهُناً: جمع رِهانٍ، ورِهان: جمع رَهْن. وإنما ذلك من أبى على فرار من جمع الجمع. فلهذا قلنا غن:) شُرُوب (: جمع شارب، أولى من كونه شَرب، فافهمه. ) تَقُود مُستَحسن الكلام لَنا ... كما تَقُودُ السحاب عُظماها ( اي إذا اعتبرنا مآثره، وامتثالنا مفاخره، لقنتنا مُستَحسن الكلام فيه، وفادته لنا، كما يقودُ السحابُ سحاباً. ) لو فضِنتْ خيلُه لنائلهِ ... لم يُرضها أن تراهُ يرضاها ( اي لو شعرت خيله انه إنما يُعدُّها للهبة، وإنه إنما يهب منها الخيار المرضية؛ لم تَرض هذه الخيل أن بُرى عنها راضياً، لان مارضي منها موهوب لآمله، ومبذول لسائله. ) تَسُرُّ طَرباتهُ كَرَائنهُ ... ثُم تُزيلُ السرورَ عُقباها ( الكرائن: جمع كَرينة وهي المغنية. والكران: العُود. اي إن الكرائن ذا غينه أطربنه، فوهب لَهُن، وسَرهن بذلك. ثم تجاوز الطربُ ذلك الحدَّ فيهبهن جميعهُنَّ للشُّروب فيأسْين لفراقه، فتزيل عُقبيَ الطرب سُرُورهُن لهبته إياهُن لنداماه. والهاء في) عُقباها (راجعة إلى الطَّرَبَاتز وكان حكم) طَرْباته (بتحريك العين لأنه جمه) فَعْلَة (اسماً، لكن الشاعر إذا اضطر سَكَّن مثل هذا، لإقامة الوزن، أنشد الفارسي: أبتْ ذكرٌ عودن أحشاء قلبه ... خُفُو قاً وَرَقضاتُ الهوى في المفاصل ) بِكُل موهُوبةٍ مُولوِلةٍ ... قاطِعَةٍ زيرها وَمثناها ( ) ولولتها (: أنينها لفقده، و) قطعها الزير والمَثنىَ (. ندم لمن حصلت عنده، ممن ليس نِده. ) تَعُومُ عَومَ القذاةِ في زيدٍ ... من جُودِ كفِّ الأمير يغشاها ( زبدٍك اي مُزبِد، ليس على الفعل، لأنا لم نسمع زبد، وإنما هو على النسب، اي ذو زبد، كما ذهب إليه سيبويه. اي هذه الموهوبة محتقرة في جملة عطائه كاحتقار القذاة في معظم التيار. ) لا تَجِدُ الخمر في مَكَارمهِ ... إذا انتشى خلةً تلافاها ( اي كرمه طبيعة، فسواء عليه صحا او سكر، لا يقع في كرمه تقصيرٌ قبل الخمر، ولا خلةً تسُدُّها الخمرُ. وهذا كقول البحتري: يُكرم من قبل الكئوسِ عليهمُ ... لقلنا كريم هَيجَته ابنةُ الكَرْمِ وأراد) تتلافاها (فحذف إحدى التاءين، كراهية اجتماع المثلين. وهذا مطرد في اللغة، و) انتشى (: سكر. تُصاحبُ الراحُ أريحيته ... فتسقُطٌ الراحُ دُون أدناها أريحية الراح: يتكرم بها اللئيم، ويزداد كَرما بها الكريم فهي على كل حال تُوجد مزية لم توجد قبلها، وأريحية الممدوح طبيعية بالغة غايةً تكون أريحيةُ السكر مقصرة عن أدنى منازلها. فكيف أن توجد فيها مزية لم تكن من قبلُ؟) تجمعت في فُؤاده جوهر، والدهر عَرَض، ولا يكون الجوهر جزءاً من العرض، ولكن استعاره له صنعة واقتداراً. وقد بين ذلك قوله: ولو بَرزَ الزمان إلى شخصاً ... لَدمى حدَّ مفرقهِ حُسامي ولما جعل له فؤاداً استجاز أن يجعل له همة، لأن الفؤاد مطية الهمة. وحسن ذلك قولُه.) تَجَمَّعَت في فُؤاد الدهر منها واحدة، ويضيق عما سواها.

стр. 103

) فإن أتى حظُّها بأزمنةٍ ... أوسع من ذا الزَّمانِ أبداها ( اي فإن أتى حظ هذه الهمم التي لا يسعُ فؤادُ الزمان منها، إلا واحدة بأزمنة أوسع من هذا الزمان، أبدى الممدوح تلك الهمم، التي لا يبديها إلا أن يضيق الزمانُ عنها. و) حظها (هنا كقوله:) جَدُّها (. وقوله:) بأزمنةٍ (أحسن من قوله:) بزمان (، بعد أن يحتكله الوزن؛ لأن الجمع أبلغ من الواحد. ) وَصَارتِ الفيلَقَان وَاحدةً ... تَعثُرُ أحياؤُها بموْتاها ( واحدة: اي فيلقا واحدة، وإنما صارت الفيلقان فيلقاً لا ختلاطهما، حتى كأنهما اتحدنا. والهاء في) أحيائها وموتاها (: عائدة إلى الفيلق الواحدة. ) يُعجبُها قَتلُها الكُماة ولا ... يُنظرُها الدهرُ بعد قتلاَهَا ( اي إذا قَتَل الفارس فارساً أعجبته ذلك، ثم لا يلبث أن يُتاح له فارس آخر يقتله. ) وَدَارت النيراتُ في فلكٍ ... تسجدُ أقمارُها لأبهَاها ( عنى بالفلك هنا: ذات المعترك، حيث التقت الأملاك والأبطال الأنجاد. وكلا هذين القبيلين) أقمار (فهي) تسجد لأبهاها (يعني الملك. ) الفارسُ المُتقي السلاحُ به ... المُثني عليه الوغي وَخَيلاهَا ( يُتقي به السلاح، لأن السلاح لا يؤثر فيه، بل هو المؤثر فيها كقول الآخر: اللابسينَ قُلُوبهُمْ ... فوقَ الدروع لدفِع ذلكِ اي إن أفئدتهم أوقى لهم من دروعهم، لأنها أثبت صيانة، وأنشد منها حصانة، وثنى الخيل، لأنه أراد خيله وخيل عدوه، لأن الحرب إنما تقوم بطائفتين متضادتين. ولذلك قال بعض الأوائل، من الحكماء الأفاضل: الحرب حينئذ ذو طبيعتين متضادتين، اي قوامها ذلك فان بطل أحد الضدين بطل الحرب. ) لو أنكرت من حيائها يدُهُ ... في الحرب آثارَهَا عَرَفنَاهَا ( ذهب قوم إلى أنه يَجِلّ عن الفخر بتأثيره في عداه. فلو أنكرت يدُه ذلك لعرفنا أن هذه الآثار لها. والذي عندي أن آثار مفاخره في العالم حِسان، وذلك بإغناء فقير، وافتكاك أسير، وبث فضل، وإقامة عدل. أما آثاره في عداه فقبيحة الصُّور. لأنها إنما هي إفساد جواهرهم، وتغيير ظواهرهم وبواظنهم. قلو أنكرت يده هذه الآثار، حياء من قبحها، لعرفنا نحن أنها لها، لأنه يؤثر في العدي هذا التأثير إلا هي. ) وَكيف تَخفي التي زيادتُها ... وَناقعُ الموتِ بعضُ سيماها ( يعني يده، اي وكيف تخفي آثار هذه اليد، التي سوطها وناقع الموت جزء من سيماها. عنى بناقع الموت: السيف، وبالزبادة: السوط وذلك أنه يضرب بالسوط، ويقتل بالسيف. وإذا كان هذا بعض سيماها، ونتيجتها الضرب والقتل، فما الظن بكلية سيماها. ) الناسُ كالعابِدين آلهةً ... وعَبدُةُ كالمُوحدِ الله ( الآلهة: لا تغني عبادها، والله يغني عباده. يقول: فمن أمل غير هذا الملك، لم يستغن بواحد عن آخر، مع ما يُنتج له ذلك من قلة الغنى، ومن أمله كفاء، وأغناه، عمن سواه، كما يفعل ذلك بعبده الإله. وله ايضا: ) عُددُ الوفُود العامدين لهُ ... دوُن السلاج الشُّكلُ والعُقُلُ ( اي لا يقصد المحاربون، لأنه لا يطمع فيه أحد، فلذلك لا يُعد له السلاح، وإنما يقصده الآملون، فعُددهم الشُّكل والعُقل، لأنهم يسألونه الخيل للحرب، والإبل للدية. ووفد العرب انما بغيتهم ذلك، فهم يُعدون الشكُل والعُقُل، ثقة منهم بهبته لهم يسألون. ) تُمسى على أيدي مَوَاهبهِ ... هيَ او بَقِيتُها او البَدَلُ ( اي أن مواهبة مستبدة بخيله وابله، لا مطمع للإبقاء فيها. وقد اجاد أبو الفتح في تمثيله اياه بقول العرب في الشيء إذا استبد به أمرٌ ما، فلم بك ابتزازه منه مَطمع.) وُضِع عَلى يَديْ عَدْل (. ومعنى البيت: أن يهب جُودُه خيله، وخيار ابله لأوائل الوفود عليه، وما بعدها في المنزلة، وهي البقية، لمن يفد يعد الوفد الأول. حتى إذا لم يبق من خيله ولا ابله شيء أعطى بعدها العين والوَرق.

стр. 104

والبَدل هنا: اسم وقد يكون ظرفاً في غير هذا الوضع. فاذا كان اسماً كان بمنزلة البديل، قال سيبويه: وتقول: أن بَدَلَك زيداً، اي إن مكانك زيداً. قال: وإن جعلت البَدل بمنزلة البديل، قُلت: إن بَدَلَك زيدٌ، فلحِق بالأسماء. وأراد:) أوبدلُها (فجعل الألف واللا عوضاً من الإضافة، لأن كل واحدة منهما للمعرفة وجعل للمواهب) أيديا (تحكُما على الصنعة، وتأنقاً في البلاغة، وليُشعر أنه إنما وَازى به قول العرب فيما ينسب منه:) وُضِعَ على يدي عَدل (. ) يُشتاقُ من يِده إلى سبيلٍ ... شَوقاً إليه ينبُتُ الأسلُ ( السبَل: المطر، كناية عن العطاء، يقول: يشتاق إلى يده، حتى أن الأسل لا ينبت إلا ليباشر راحته، فيُروي بنائلها كَرَيه بالسحاب، بل أكثر. وإن شئت جعلت حظ الأسل من نائل كفه، ما يسقيها من الدم. وقوله: شوقاً إليه ينبت الأسلُ: جعله في موضع الصفة لسبل. وشوقاً مفعولاً من أجله، وهو يسميه سيبويه عُذراً لوقوع الأمر. ) فإذا حَمى أرضٍ أقام بها ... بالناسِ مِنْ تَقْبِيِله بَلَلُ ( اي إذا حل بحصى أرض، قبله الناس بين يديه، حتى تبل أسنانُهم اي تُقبل وتنعطف إلى الباطن. وحَصَى منصوب بفعل مضمر. اي إذا حل حصى أرض) وأقام بها (: تفسير للفعل المضمر، لأنه إذا أقام به فقد حله، وأراد: فباأناس، فحذف الفاء للضرورة، وهو كثير في الشعر، أنشد سيبويه: من يفعل الحسنات الله يَشكُرُهَا ... والشرُّ بالشر عند الله مِثلاَن اي فالله يشكرها. والهاء في) بها (راجعة إلى الحصى، لان الحصى يؤنث ويذكر، وكذلك كل جمع بينه وبين واحده الهاء. ولا تكون الهاء في) بها (عائدة إلى الارض لأنه لابد في الفعل من مُضمر يرجع إلى المفعول، الا أن يُحذف لضرب من الاستخفاف، كما قد بين سيبويه في غير موضع. ولو كانت الهاء راجعة إلى الأرض، ولم تَعُد إلى المفعول الذي هو الحصى، لقلت:) زيداً ضربت هنداً (مريداً) ضربتُ زيداً ضربت هنداً (. وهذا لا يقوله أحد، لابد في الفعل الظاهر من ضمير ملفوظ يه او مقدر، يعود إلى المفعول المنتصب بالفعل المضمر. وقال:) من تقبيله (: حَملاً على التذكير، والعرب تقول: شجر أخضر، وخُضر، وحصى أسود وسُود. ) لا تَلقَ أفرَ منك تعَرفُه ... إلا إذا ضَاقت بكَ الحيلُ ( يخاطب بذلك لوهوذان، يقول له: من عرفت أنه أثبت منك فراسة فلا تَعرض له ما وجدت عن لقائه مندوحة، ولا تحاربه ما أمكنتك مسالمته. يعظه بذلك، وكأنه مستهزئ به. فإذا ضاقت بك الحيلُ ولم تجد بُدا من لقائه، فقد استحققت المعذرة. وقوله أفرس منك: صفة موضوعة موضع الاسم اي رجلاً أفرس منك. وحسن وضع الصفة هنا موضع الاسم، لأنها قد تقوت بقوله:) منك (. وأيضاً فإن منك مناسب للاضافة، والمضاف اسم. وتعرفه: جملة في موضع الصفة، كأنه قال: لا تَلق رجلاً أفرس منك، معروفاً لديك. ) فَوقَ السماء وفَوق ما طَلَبُوا ... فإذا أرادُوا غايةً نَزَلُوا ( اي رتبتهم في أرفع الغايات من الرتب. بحث لا يمكن مَزيد إلى فوق، فإذا أرادوا غاية ما غير تلك الغاية، نزلوا إلى الأسفل منها، اذ لا تمكن غاية إلى فوق، لأن مراتبهم في أسنى الغايات وأرفع النهايات. وقد قال هو في هذا المعنى بعينه: وقالوا هل يُبَلعُك الثُّرَيا ... فقلت نعم إذا شئت استفالا وله ايضا: ) ليس كما ظنَّ غَشيةٌ عَرَضَت ... فجئتنى في خِلالها قاصد ( كان أبو الطيب توقع أن يلومه محبوبه لنومه بعده، وحُملمه بخياله فيه. فقال: لعل مرسلك إلى أيها الخيال، ظن أنى نائم، أوخلتنى أنت يا خيال كذلك، ليس كما ظننتماه، حالى أشدُّ من أن أنام عليها، وانما هي غَشية. فإن الباشق يُغشى عليه، وليس من شأنه أن ينام فلا ألحقن منكما ملاماً، لأني لم أخل بحق العشق إذا لم أنم. وانما كنت مُخلا به لو نمت، فجئتني في خلالها قاصداً، اي في خلال تلك الغَشية. وعيادة الخيال اياه في تلك الحال، أبلغ وأعرف من عيادته اياه في حد النوم، لأن المغشى عليه بمنزلة الميت، والنائمُ قد يدرك أشياه كثيرة مما يدركه اليقظان، كالضحك والاحتلام وغير ذلك وما علمنا أحداً من الشعراء ذكر أن حيالاً ألم به في غَشية الا هذا.

стр. 105

وقوله.) قاصد (في موضع نصب على الحال، فكان حكمه على هذا) قاصداً (إلا أن من العرب من يقول:) رأيت زيد (في حال الوقف. قال: شَترٌ جنبي كأني مهدَأٌ ... جَعَل القينُ على الدفِّ إبر وأنشد الفارسي للأعشى: إلى المرء قيس أطيلُ السُّري ... وآخذُ من كل حي عُصُم ولا يكون) قاصد (في موضع رفع على البدل من التاء التي في خلتني، لأن المخاطب لا يبدل منه للعلم بمكانه، والأمن من التباسه. وذلك لم يجز سيبويه) بكَ المسكن مرت (. وقد أثبت ذلك غير دفعة في هذا الكتاب. ) إذا المَنَايَا بَدتْ فَدَعوتُها ... أبدلَ نُوناً بدَالهِ الحَائِد ( سَفه رأى وهو ذان في محاربته فنا خُسرُو، ثم عذره، فقال: إن المَنَايا إذا المت فإنما قولها ودعاؤها:) أبدل نوناً بدالهِ الحائِد (: اي صُير) الحائد () حائناً (وهو الهالك. وليس مقال، لأن المنية ليست بنوع ناطق، انما هي عدم حرارة الروح، وذلك عَرَض. ولذلك قالواك بَرَدَ فلان، إذا مات، يذهبون إلى انقطاع الحرارة الحيوانية، لكن استعار القول للمنية. وإنما أراد أن:) الحائد (الذي يحيد عن الموت، إذا وافاه حينهُ، لم يُغن عنه حيده. ) رأوكَ لما بَلَوكَ ناَبتةً ... يأكُلُها قبلَ أهله الرائدْ ( الرائد: الذي يطلُب الكلأ للحي، فيقول لوهوذان: هزمتك طلائع عسكر فنا خسرو قبله، ولم ينتظروا يك معظم الجيش، احتقاراً لك، وتهاوناً بك، وإكراما لكوكب الجيش، فكنت كالنابتة المحتقرة المستصغرة التي يأكلها الرائد قبل أهله؛ لا ينتظرهم بها، ولا يدعوهم إليها، احتقاراً لقدرها واستنزاراً لخَطَرها. و) نابتة (: صفة أقيمت مقام الموصوف. وحَسُن ذلك، لأنها قد قويت بالجملة التي بعدها، فضارعت الاسم بهذه الصفة، لأن الموصوفة في الأصل إنما هي الأسماء. هذا مذهب سيبويه. وإنما اراد: خلاه نابتة وحشية، او نبقة، او نحو ذلك. ) وُمُتقٍ والسهامُ مُرسلةٌ ... يحيدُ عن حابضٍ إلى صاردْ ( الحابض: السهم الذي يقع بين يدي الرامي من ضعفه. والصارد: النافذ. يقول: إن الإنسان لا ينفعه احتسابه، ولا يقيه احتراسه، فرب مُتق للموت في الحرب وقد أرسلت السهام، فنفر عن الحابض، ولو وقف له لم يضره، ويعدل إلى النافذ، فيقتله، وهو في كل ذلك مُصرف بيد القدر. وله ايضا: ) فَلاَ قَضَى حَاجَتهُ طالبٌ ... فؤادُه يَخفقُ من رُعبِهِ ( يقول: إن الموت قَدَر محتوم، وقضاء مجزوم، وسواء فيه الشجاع، والجبان الفزاع، فإذا كان الأمر كذلك، فالجازع ملوم، والجبان مذموم. فمن الحق أن يُدعى على الطالب الشديد الهيبة، ألا يَظْفر من حاجته إلا بالخيبة. والجملة التي هي قوله:) فؤاده يخفقُق من رُعبه (: في موضع الصفة لطالب. و) طالب (: صفة وضعت موقع الموصوف. وحسُن ذلك، لأنه قد قُرن بالصفة، فضارع الاسم. والهاء في) رعبه (: إن شئت رَدَدتها إلى طالب، وإن شئت إلى قوله:) فؤاده (. والبيت مشتمل على الدعاء على كل من إذا رام الإقدام، أورثه الجبنُ الإحجام. ) حَاشاكَ أن تَضعُف عن حملِ ... السَّائرُ في كُتبهِ ( اي حاشاك أن تضعُف عن احتمال ما قدر الفيج بالنعي على احتماله؛ اي إذا كان الفَيج) وهو الرسول غبلا قدميه (يقول: جاء على احتماله في كتبه، وهو متكلف مع ذلك رِجْلَه، وعادمٌ رَحْلَه، فأنت أحجى باحتماله على ترك استهواله. وقال ايضا: ) وَقيدتِ الأُيلُ في الحِبَال ( الأُيلُ: اسم للجنس، وأنث على معنى الجماعة، وقد يجوز أن يكون) أُيل (على اعتقاد ضمة مجتلبة للجمع، كما ذهب إليه سيبو] هـ في دلاص وَهِجان. وقد أثبت الأيل واشتقاقه ووزنه وتكسيره، وما فيه من اللغات، في كتابي الموسوم) بالمحكم (. ) وَأوْفَتِ الفُدْرُ مِنَ الأَوْعَالِ ( الأوعال: شياه الجبال، الفُدر: المَسَان يجوز أن يكون جمع فَدٌور، فالأصل على هذا) فُدر (إلى أن بني تميم يسكنون ثاني الضرب استخفافاً. ويجوز أن يكون جمع فادر، كعائد وعُود، لأن سيبويه قد اعتد) بفُعل (بناء من ابنية تكسير) فاعل (. ) مُرْتَدِياتٍ بِقسِىِّ الضالِ (

стр. 106

يعني قرونها. شبهها فب انعطافها بقسى العرب، وهي تتخذ من الضال وهو السِّدر الجَبَلي، ألفُه منقلبة عن ياء. وذكر بعض متأخري أهل بغداد أنه وَجدَ بخط) جعفر بن دِحية (؛ رجل من أصحاب ثعلب.) الضأل (مهموزاً؛ فاشتقه ذلك البغدادي حينئذ من الضآلة، وذلك لأن الجَبَلي منه أقل ريا ونعمة من المائي، وذلك قال البغدادي: ثم وجدته بخط ابي إسحاق،) يعني إلراهيم بن السرى الزجاج (: أضيلَ المكان: أنبت الضال. فإذا كان ذلك، فلا أثر للهمز في الضال، ولا طريق إليه. وإنما هو كتاب، فمحا البغدادي حيئنذ ضبط جعفر، وعول على خط أبي إسحاق. ) وُلدن تحت أثقل الأثقالِ ( قيل: الجبال، وقيل: القُرُون. فإن قلت: فإنه لم يُولد بقرن، فتقول: إنه عنى) بأثقل الأثقال (والقرون؟ قلنا إن لم يولد بالفعل معها، فإنه مولود معها بالقوة، لأن نبتة القرون للأنواع المفطورة عليها، خلقة طبيعية، فلابُد من خروجها إلى الفعل. ) قَدْ مَنَعَتْهُنَّ من التَّفالي ( اي تشابكت القرون على رؤس الأيابل، حتى لو حاولتِ التفالي، منعَها اشتباك قرونها من الوصول إلى رؤسها. ) لاَ تَشركُ الأجسام في الهُزال ( اي أن القرون لا يلحقها سمن ولا هُزال، كما يلحق الأبدان، لأنها ليست متصلة بلحم ودم، ولا هي في ذواتها كذلك. ولو اتزن له ألا يُشرك الأجسام في السَّمن والهُزال، لكان أقعد بالحقيقة، ولكن السمن والهزال، انتفى أن يشركها في السمن، فاكتفى بأحد الضدين من صاحبه ) إذا تَلفتن إلى الظلال ... رأين فيها أشنع الأمثالِ ( اي إذا رأت الأيابل ظلال قرونها، استبشعتها وهالتها. ) كأنما خُلقن للإذلِ ... زيادةً في سُبةِ الجُهالِ ( يعني القرون صاحبها ذليل. فيقول: كأن هذه القرون إنما خلقت لتدل علي على ذلة الأوعال، كما خُلقت للقرْنان، وإن كان لاقرون له. وإنما هو تمثيل. وقوله: زيادة فس سُبة الجهال: اي أن الجهال يتشاءمون كثيراً بالقُرون، ويكنون أحدهم بأبى القُرون. ) نَواخِسَ الأطرافِ للأكفالِ ( اي طالت القرون منها، حتى نَخَست الأكفال بأطرافها. ) يَكَدْنَ يَنفُذن مِنَ الآطَالِ ( الآطال: الخواصر، واحدها: وإطل. وقد قيل: الإطل وضع، والإطل: فرع. يقول: في القرون شُعب تكاد تنفذ الخواصر، حدةً واعتراضاً. وأراد: يَكَدْن يَنُفذن الآطالَ، فزاد) من (على رأي أبى الحسن، لأنه يرى زيادتها في الواجب، وسيبويه لا يرى زيادتها فيه. ويجوز أن يكون أراد من الآطال إلى الآطال، اي من اليمين إلى الشمال وبنقيض ذلك. ) شبيهةُ الإدْبار بالإقْبَالِ ( اي في وجوهها من لحاها ما يشبه إذنابها، فقد تشابه القُبُل والدُّبُر، وقيل: يريد عُموم قرونها، لظهورها بالتعطف عليها إلى أدنابها. ) في كُلِّ كِبدٍ كَبدي نِضَالِ ( كِبدُ النصل ما بين عَيرَيه. اي في كل كبد أيل ووعل من هذه الوحش المقنوطة نصال. ) فَهُنَّ يَهوين من القٍلاَلِ ( ) مَقْلُوبة الأظلاَف والإرقَالِ ( اي هذه الأيابلُ والأوعال يَهوين من قلال الجبال، وهي أعاليها، منعكسة أظلافها وأذنابها على أجسامها. ) فكَانَ عَنها سَبَبُ التَّرحَلٍ ( ) تَشويق إكثارٍ إلى إقلالِ ( اي أكثرنا من القنص حتى مللنا، وشوقنا الإكثارُ إلى الإقلال، فكان ذلك سبب الترحال عنها.) فعن (: متعلقة بالترحال المقدر قبلها، ولا تكون متعلقة بالترحال الظاهر لأن) عن (حينئذ من صلة المصدر، وما كان من صلة المصدر لم يتقدم عليه، وجعل) سبب الترحال (اسم كان، لأنه معرفة و) تشويقَ إكثار (. خبرها، لأنها نكرة، فالبيت مُضمن. وقال سيبويه: أكثرتَ، جئت بكثير، وأقللت؛ جئت بقليل فأما كَثَّرتَ وقَّللت؛ فجعلته كثيراً وقليلاً. ) وَلو جَعَلت مَوضع الإلآلٍ ... لآلًئا طَعَنتَ باللآلي ( ) الإلآل (، الحراب. وأحدتها؛) ألة (؛ وذلك لبريقها ولَمَعانها. أل الشيء يؤلُّ ألا: برق. اي لو جعلت مكان الحديد والمحدد لؤلؤاً فعلت به من القتل ما يفعل الحديد، لأنك مؤيدٌ منصور.

стр. 107

وقيل: اراد ولو جعلت أصحاب الحراب من جيشك صواحب الحلي لقتلت بهن عداك، لأن السعد والبأس إنما هولك. واراد) طعنت باللآليء (فأبدل الهمزة إبدالاً محضاً، ليس على التخفيف القياسي، وإن كان مثله في اللفظ. وإنما أبدل إبدالاً كلياً غير قياسي، لمكان الوصل، لأن التخفيف القياسي في نية التخفيف. والهمزة المخففة لا يُوصل بها، فكذلك المخففة التي في نية المخففة لا يوصل بها. وقد بينت ذلك غير دُفعة في هذا الكتاب، وفي غيره من كتبي. وإنما اعدته لظرافته ودقته، وأنه لا يفهمه إلا الدرِب. فمن أنس به أحبه ووالاه، ومن نافره قلنا فيه؛ من جهل شيئاً عاداه. وله ايضا: ) مَغَاني الشعبِ طيباً في المَغانِي ... بِمنزِلة الرَّبيعِ من الزَّمَانِ ( يعني بالشعب: شعب بوان وكان في طريقه إلى شيراز، مربه فأعجبه. يقول: فهذه المغاني في حُسنها بمنزلة الربيع في أرباع السنة. اي أن هذه المغاني أطيب المغاني وأعشبها كما أن الربيع آنق أرباع الزمن وأخصبهل. جعل هذا المكان في جملة الأمكنة بمنزلة الزمان، أعنى الربيع في جملة الأزمنة، وهذا من عجيب الاقتران، أعنى تمثيله لمكان بالزمان. ) وَلكن الفَتَى العَربي فيها ... غَريبُ الوَجهِ والَيدِ والِّسَانِ ( بوان هذه؛ ي بلاد فارس، ولا عرب هنالك إلا غُرباء، فكنى بغرابة الأعضاء عن غرابة الجملة. وقيل؛ غريب الوجه، أن ألوان العرب الأدمة، واهل فارس بيض، وأما غربة اليد فقيل، إنه عنى به الخط، ولا يُعجبني، إنما عَنى به الجود، والجود للعرب. وأما اللسان فلأنهم أعاجم، والتفسير الأول هو الصحيح، أعنى أنه لا هرب هناك إلا قليل. ) إذا غنى الحَمامُ الوُرقُ فيها ... أجابتها أغانيُّ القيانِ ( اي أنها أرض طيب ورفاهية، واعتدال هواء، فإذا غنى الحمام فيها، جاوبتها القيان طرباً إليها، اي أن أهلها لا يتركون اللهو. ) وَمن بالشعبِ أحوجُ من حمامٍ ... إذا غنى وناح إلى البيانِ ( اي أن أهل بوان أعاجم، لا يُفصحون، كما أن الحمام كذلك. وجعلهم أحوج إلى البيان من الحمام؛ مبالغةً وإفراطاً في الكلام، إذ يوجد لغناء أهل بوان ترجمان، لأنهم أناسيٌّ. ) وقد يَتَقَارب الوَصفان جدا ... وموصُوفا هُما مُتباعدانِ ( اي هؤلاء الأعاعم في قلة الايضاح، وعدم الافصاح، كهذه الحمائمن وإن اختلف نوعاهما فهما متباعدان بالنوع، وذات الجوهر، متقاربان في عدمهما البيان. ويحمل أن يريد أن الإنسان يقرب الموصوف بوصفه له، حتى لكأنه حاضر، ولكنه يبعد لعدم إحاطته بجميع أحواله، وغرائب أفعاله. ) وألقى الشرقُ مِنهَا في ثِيابي ... دنانيراً تَفِرُّ من البَنَانِ ( يصف شعب بَوان؛ وهي مدينة معروفة في طريق شيراز. والشعب: الطريق في الجبل. والشرق: الشمس. يقال، طلعت الشرق، ولا يقال غاب الشرق، فيعني أن شجر هذا الموضع أشب مُلتف، ضيق الخصاص، وهي الشُّعب التي بين الورق، فإذا طلعت الشمس تخلت أظواؤها خلال الورق، مستديرة كالدنانير من الذهب، في الشكل واللون، إلا أنها إذا حَلت الكف، فهمت بالقبض عليها حال ظل البنان بينهما؛ واعتراض دون ما في باطن الراحة من أشكال الضوء. وقد قدمتُ الفَرق بين تشبيهه إياها بالدنانير هنا، وبين تشبيهه إياها بالدراهم في قوله: إذا ضوؤُها لاقي من الطيرِ فَرْجةً ... تَدَور فوق البيض مثل الدراهمِ عن تفسير ذلك البيت. وقوله:) منها (اراد من نفسها، وصرف) دنانير (للضرورة. ) يحلُ به على قلبٍ شُجاعٍ ... وَيرحلُ منه قلبٍ جَبَانِ ( اي أنه إذا رأى أضيافه نازلين به، فرح فقويت ذاته وإذا رآهم راحلين ساءة ذلك، فضعف منه ما قوى. فعلى هذا القول، تكون الشجاعة والجبن لقلب هذا الممدوح. وقد يجوز أن يكون ذلك. لأفئدة الضيفان، اي أن الضيف إذا نزل به وهو زاهد في الحياة، غير فرقٍ من الموت، لما لحقه من الكد والجهد، فرأى ما لدى أبي شُجاع من خصب المكان؛ ولين أخادع الزمان، والخفض والأمان، راقه ذلك، فأحب الحياة، وكره الوفاة، بعكس ما كان عليه. ) دَعتهُ بِمفزع الأعضائ منهُ ... ليومِ الحزب: بِكرٍ او عوانِ (

стр. 108

المفزع: المستغاث. ودعته: سمته. فيقول: دعته هذه الدولة عضد الدولة، لان الأعضاء إنما تدفع عن نفسها بالعضد، وهي حاملة اليد، فكذلك هذه الدولة، لما وجدت مَفْزَع أعضائها بالعَضُد، دعته عَضُدها. فقوله:) بمَفزع (في موضع المفعول الثاني؛ لأن هذه) دَعَوتُ (التي بمعنى سميت تقول: دعوته زيداً، ودعوته بزيد، كقولك سميته إياه، وسميته به. قال سيبويه حين ذكر هذا النحو. وكذلك دَعَوته التي تجري مَجرى سَمَّيتهُ، يعني إنها تتعدى إلى مفعولين: كطما يتعدى سميته إليهما. قال: فإن أردت الدُّعاء إلى أمر، لم تجاوز مفعولاً واحداً. يعني نحو التي في قوله تعالى) سَواءٌ علكْيم أدَعَوتموهُمْ أم أَنْتُم صامتُون (: وكقوله له سبحانه:) أجِيب دعوةَ الدَّاعي إذا دَعان (وقوله:) ليوم الحرْب (. اي إلى يوم الحرب.) بكْرٍ أو عَوانِ (: يدل من الحرب. وقد بين معنى هذا البيت بقوله: ) بعَضدِ الدولةَ امتَنَعَتْْ وعَزتْ ... وليسَ بغيرِ ذِي عَضُد يدانِ ( اليدان: إما أن يكون هما الكفين، وإما أن تكون القوة. حكى سيبويه: لا يدينِ بِهالك، لم يَعنِ) تثنية اليد (، فنفي الجارحتين؛ ولكنه نفي القُوة. وأراد:) لايد بِهالك (، فوضع الاثنين موضع الواحد الدال على الكثرة؛ فدلت التثنية من الشياع على ما يدل عليه الواحد الدال على الكثير أعني المنفي بلا؛ لأن ذلك الواحد متفرق للنوع المنفي بها. وقد تجيء التثنية تدل على الكثير. أنشد الفارسي للفرزدق: وكلُّ رَفيِقيْ كلِّ رَحلْ ونظيره قوله تعالى في صفة السماء:) فارجع البصر هلى ترى من فُطُور، ثم ارجع البصر كَرَّتين (. ) فَكَّرتين (في موضع كَّراتٍ. والدليل على ذلك قوله.) ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حَسِير (. فلو أمره أن ينظر في السماء كرَّتين فقط؛ فنظر مرتين، لم يرجع البصر خاسئاً وهو حَسير، لان البصر لا تيَحْسر من مرتين، انما يَحسِر من مرات. هذا تفسير الفارسي، بعد أن أعمل فيه إنعام الفِكر؛ وقدَّر ما فيه من وراء غلوة الحشر. ) كأنَّ دَمَ الجَماجِم فب العَنَاصي ... كَسى البُلدان ريش الحَيُقطانِ ( ريش الحيقُطان: واحمر. والعناصي: خُصل من الشعر. يقول: جرى الدم في عناصيهم فاختضبت فاحمرت، ثم تمزقت شعورهم في المُعترك وأطارتها الريح على الأرض؛ فكأن العناصي المحمرة المتمزقة ريشُ هذا النوع من الطير. وجعل الدم هو الذي كسا البُلدان، ذلك لأنه لولا الدم لم يُشبه العَنصوة ريشُ الحيْقُطان. و) في العناصي (. ظرف في موضع الحال، اي مستقراً فيها. ) وكانَ ابناَ عَدُوٍّ كَاثَراهُ ... لهَ يَاءي حُروف أنيسيانِ ( أنَيْسِيَان: تصغير إنسان، وهو أكثر حروفاً من مُكبره، لكن تلك الكثرة مشعرة بقلة، فلا غناء لهذه الزيادة التي فيه، لما يلحقه من التصغير، ونقيصة التحقير. فهو يدعو لفناخُسَر، فيقول: لا كاثرك ملك باثنين إلا كانا كالياءين اللتين في) أنَيسيان (، وكلتاهما زائدة، لاغناء لهما. وأيضا فإنهما للتحقير: الأولى للتصغير حقيقة، والثانية لا تلحق الا مع ياء التصغير، فهي بمنزلتها في الدلالة على التصغير. فلذلك قلت إنهما جميعاً للتحقير، ولم أعنِ أن ياء) أنيسيان (الأخيرة، وياء التصغير لا تكون أبداً إلا ثالثه. و) أنيسيان (من شاذ التصغير. وله ايضا: ) فِدى لَك من يُقصر عن مداكا ... فلا ملكٌ إذن إلا فدَاكا ( ) فَدَاكَ (يحتمل أن يكون قعلاً، واسماً. ) ولوْ قُبنا فِدى لَكَ من يُساوي ... دَعَونا بالقَاء لمن قَلاَكا ( اي أنه لا يساويك أحدن فلو قلنا: فدًى لك مساويك، لكان كقولنا: فدًى لك لا أحد، وقاليه: داخل في ذلك. ) وآمنا فِداءَك كلَّ نفسٍ ... ولو كَانت لملكةٍ مِلاَكاَ ( اي لو اشترطنا في فدائك المساواة، لأمن كل احد أن يكون لك فداء، وإن كان ملكاً، لأنه مع مُلكه ومِلْكِه مُقصِّرٌ عن مساواتك. ) وَمَن يظنُ نَثر الحبِّ جُوداً ... وَينصبُ تحتَ ما نثر الشباكا ( اي وفدى لك من أعطى وغرضه أن يستجر فائدة فاضلة بعطائه، بمنزلة القناص الذي يلقي الحَب للطير، وقد نصب الشبكة تحته لا قتناصها فلا ينبغي أن يحمد على ذلك، لأنه ليس جوداً في الحقيقة، إنما هو دعاء إلى هُلك.

стр. 109

وهذا مثل ضربه لمن طلب من الشكر أكثر مما يوجبه له نداه والشِّباَك جمع شبكة كرقبة ورقاب، وَرحبة ورِحاب. ) أتَتْركُني وعيُن الشمسِ نَعلي ... فَتَقْطعَ مِشيتي فيها الشرَاكا ( اي بكوني في حاشيتك، واعتدادي في صاغيتك، شَرُفت وعظمت حتى عدت كأن عين الشمي نعلي؛ فإذا فارقتك، كنت كمن مَشى بهذه النعل، فانقطع شِراكها، فسقطت، فكان اختلال جزئها، سبباً لعدم كلها. وإن شئت قلت: كساني قصدك شرفاً، صارت به عين الشمس لي نعلاً فإذا بَعُدتُ عنك، أخللتُ ببعض ذلك الشرف، لا بكله، فكأني قطعت الشراك الذي هو بعض النعل، فجعل الشرف كعين الشمس، وجعل فراقَه لعضُد الدولة المشْىَ فيها، وجعل بعده عنه بمنزلة انقطاع الشراك، الذي هو سبب الإخلال بالنَّعل، ولم يتوقع في كل ذلك إخلالاَ كليا، لأنه كان مُزمعاً للعودة إليه. ألا تراه يقول: لعلَّ الله يَجعلُهُ رحيلاً ... يُعينُ على الإقامَةَ في ذَرَاكا وقوله:) فتقطع مِشيتي فيها الشراكا (: نصب فيه) تقطعَ (، لأنه جواب الاستفهام، والكلام متضمن معنى الجزاء. اي إن تتركني أسيرُ وقد انتعلت بعين الشمس، قطعت مِشيَتي شِراك نعلي. وإن شئت رفعتَ على القطع، اي فإنها تُقطع، ولا يكون عطفاً على) أتتركني (لأن قَطعَ مِشيَتهِ شِراك النعل، ليس داخلاً في حد الاستفهامن ومعنى هذا الاستفهام الإنكارُ والتقرير، اي كيف تتركني على ما أنا به من الرأي، وأنت تعلم أن الذي أنا عليه من ذلك سَفَه. ) قد استشفيتَ من دَاء بداء ... وأقتلُ ما أعلكَ ما شَفَاكا ( الداء المستشفى منه: تشوقه إلى أهله أيام كونه بشياز، وأهله بالكوفة؛ والداء المُستشفى به من ذلك الداء: فِراقه للمَلك. فيقول أما الآن حين أزمعت الإياب إلى أهلك استشفيت من داء الشوق بفراق هذا الملك، وفراقك إياه أعودُ عليك بالألم.) وأقتل ما أعلك ما شفاكا (؟ اي أقتل ما أعلك الآن؛ فراقُك لأبي شجاع، على أنه قد شفاك من شوقك إلى أهلك، فكان اشتياقك كالمرض، ومزاولتك لهذا الملك حين أزالت شَوقك كالموت المذهبِ لألم المرض، وهو أشد من الم المرض. ثم يُخَرج قوله) وأقتل ما أعلك ما شفاكا (على طريق العموم، فيصير مثلاً، كقوله: أرى بصري قد رَابني بعدَ صحةٍ. وحَسبُك داء أن تَصح وتَسلمَا وكذا: ودعوتُ ربي بالسلامةِ جاهداً ... ليُصحني فإذا السلامة داءُ وموضوع بيت المتنبي أولى: ) وأن البُخت لا يُعرِقن إلا ... وقد أنضى العُذافرةَ اللكاكا ( البُخت: جمع بُختى، فحذفت ياء النسب في الجمع، لأنها بمنزلة التأنيث، في أنها داخله على الاسم بعد تمامه، ألا تراهم قالوا ثمرة وثمر، ونخلة ونخل.) ويُعرِقن (: يأتين العراق. و) أنضى (: أهزل و) العُذافرة (: العظام. أخبر عن جماعة ما لا يعقل بشكل الواحد. حكى سيبويه عن العرب: الجمالُ ذاهبة وذاهبات. ولا أقول) العُذافرة (هاهنا واحدة، لان نَدى فَناخُسر عنده، أعظم من أن يصفه بأن تستقل به ناقة واحدة. واللكاك: الأنيق الشداد، وهي اللحِمة أيضا هنا. حكى سيبويه: ناقة لكاك، وأينُق لِكاك. والقولُ في هذا، القول في دِرعٍ دِلاَص وأدرع دلاص. قان الكسرة التي في الجمع غير التي في الواحد؛ والألف غير الألف. وقد أعدتُ هذا القول مرارآ لأونس به المستوحش، فاني رأيتُهم عند تفسيره لهم دَهشين. ولو فهموا كلام سيبويه، أنسُوا إليه. ورواه بعضهم:) اللُّكاكا (. وفُعال: من الجمع العزيز؟ إلا أن له نظائر جَمة، كعرق وعُراق، وثنى ةثُناء. وذد ذكر سيبويه وأهل اللغة منه حروفاً جمة. وعليه وجه الفارسي قراءة من قرأ) إنا بُرآء مِنكُم (. قال: هو جمع برِئ كَفَرير وفُرارٍ، يعني ولد البقرة. وجعل بعضعهم الفرار لغة في الفرير. ونظائره عَريضة أريضة. ومعنى البيت: ولَيتَ النوم حَدث هذا المحبوب الذي يريه إياي في النوم؛ حُبه لي، وتوحُّشه نحوي، أن البُخت لا تبلغ بنا العراق حتى يُضيها او يُفنيها ما تَحَملته من نَداك، لثقل ما حَملتها إياه، من البُدرو والخلع وهذا نحو قول أبى العتاهية يصف الإبل. فإذا وردن بنا وَرَدْنَ مُخفةً ... وإذا صَدَرْنَ بنا صَدًرنَ قالا والضمير في) أنضى (: راجع إلى النَّدى في قوله:) فليت النومَ حَدَّث عن نَدَاكا (.

стр. 110

) وكَمْ طَرب المَسامع لَيس يَدري ... أيعجبُ من ثنائي أم عُلاَكا ( ) وذاكَ النشرُ عِرضُكَ كان مِسكا ... وذَاك الشعرُ فِهرِى والمَدَاكا ( اي طرب السامع لا ستماع شعري، ليس يدري أيًّ الأمرين أولى بالتعجب منه، أجودة شعري فيك، أم رفعة عُلاك في ذاتها، لأن شعري متناهٍ في نوع الشعر. وعُلاك متناهية في نوع العُلى؛ فقد تساويا في السبق والفضل. ولولا البيت الذي بعد هذا، لعُدَّ جَفاءً من المتنبي، لتسويته شعره في نوعه بعُلا الملك في نوعها، لكن حَسُنَ ذلك بالبيت الذي اردَفه به، فيقول: الأريج الذي ذاع وشاع لشعري، إنما هو لعرضك السليم الكريم، فن عرضك هو المسكُ الذي إنما طبعه الطيب لذاته لا شعري. وإنما شعري هو بمنزلة الفهر والمَدَاك، الذين يُظهران فوح المسك، وينشران نَشْرَه، لان المسك إذا سُحق كان أسطع لَعرفه، وأشيَع لِفَوْحه. وأما شعري فلم يك له في ذاته طيب، إنما كان كالالة للطيب، ألا ترى أن آلة الطيب ليس في طبيعتها فَوْحٌ، إلا بحسب ما تعلق بهذا من الجوهر الذي صُرفت في صنعته. وقوله) ذاك النشر (: ذاك مبتدا، والنشر صفة له، وعرضك: خبر المبتدأ. وأراد: وذلك النشر نشرُ عِرضك. هذا إن عنى بالعِرض الإناء والذات، لأنها جواهر، والنشر عَرَض، فلا يخبر عن العَرَض بالجوهر. فلذلك احتجنا إلى تقدير حذف المضاف، كما احتجنا إليه في قوله تعالى:) ولكن البرَّ مَنْ آمَنَ باللهِ (وذهب سيبويه إلى أن التقدير:) ولكن البر برُّ من آمنَ بالله (، اي إيمانُ من آمن بالله لأن) البرَّ (عَرَض، و) من آمن بالله (: جوهر، فَقَجر الحذف مضافاً، ليخبر بالعَرَض عن العَرَض. قال الفارسي: وقد يجوز أن يكون التقدير، ولكن أهل البِرّ مَن آمَنَ بالله، وذلك لتقابلُ الجوهر بالجوهر لأن أهل البر جوهر، و) من آمن بالله (كذلك فيخرج إلى باب) هو هو (لأن أهل البر هم المؤمنون بالله، وإن جعلت العَرَض هنا المَجد وسائر أنواع الفضائل، لم يحتج إلى حذف المضاف، لأن النشر والمجد كلاهما ليس بجوهر) وذاك الشعر فِهري والمدَاكا (: اي وكان ذاك الشعر. وقوله) كان مِسكاً (إلى آخر البيت: تفسير لقوله:) وذاك النشر عرضك (. والمَدَاك: صلاية العطار، دُكتُ الشيء دَوكاً: دققته وكان القياس) مدوَكاً (: لأن بناء ما يُعتمل به) مِفَعل (، لكنه شذ كما شذ المُسعُط وأخواته، وإن اختلف بناؤهما، فقد التقيا في الشذوذ. ) فلا تَحمدهُما واحمَد هُماماً ... إذا لم يُسمِ حامِدُه عَنَاكا ( اي لاتحمد الفِهر والمَدَاك اللذين عنيت بهما شعري، لأن حقيقة الطيب ليس لهما، فلا يستحقان شيئاً من الحمد، وإنما ينبغي لك أيها الملكُ أن تحمد نفسك التي اقتنت المساعي، وأنبتت المعالي، باسندعاء القوافي، والثناء الوافي ويعني بالهُمام نفس المَلِك. وقوله:) إذا لم يُسمِ حامده عناكا (: الهاء راجعة إلى الهُمام، وأخبر عنه كما أخبر الغائب، لأنه قد أخرجه ذلك المخرج لقوله) وأحمدْ هُماما (فلم يكن بُدٌّ من أن يعيد إلى الموصوف ذكراً من صفته، لأن قوله) إذا لم يُسمِ حامده (في موضع الصفة) لهمام (، وأراد إذا لم يُسمك حامُده، وإذا لم يُسم حامده محموداُ، فإنما يعنيك. وإن شئت قلت: معناه: لو لم يُسمِك الحامد لعناك، والقولان متقاربان والمعنى مشتق من قول أبى نُواس. إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ ... فأنت كما نُثني وفوقَ الذي نُثنيِ وإن جَرت الألفاظُ يوماً بِمِدحة ... لغيرك إنساناً فنت الذي نعني ولو قال:) إذا لم يُسمِ حامُده عناهُ (كان حسنا، ولكنه حمله على المعنى، لأن المراد في كل ذلك المخاطبة. ) أغرُّ لهُ شَمائلُ من أبيه ... غداً يلقي بها أباكا ( اي قد أخذت شَبه أبائك، صورةً وفعلاً، وبنوك يستكملون شَبَهك لأنهم الآن يُشبهونك بعض الشبه، إذ لم يستكملوا خصالك، فإذا استكملوها أشبهوك، وإذا أشبهوك وأنت تشيه أباك، فقد أشبهوا أباك. وهذا يتألف في الشكل الأول من المنِطق. تقول: زيد يشبه عَمْراً وعمرو يشبه خالداً، النتيجة: فزيد يشبه خالداً. ) وفي الأحْبَابِ مُخْتَصُّ بَوَجْدٍ ... وآخرُ يَدعىِ مَعَه اشتِراكَا ( يُومئ إلى أن وجْدَه لفرِاق عضدُ الدولة طبيعي لا عَرَشي، وإن كان غيره يدعي مثل ذلك، فليس ذلك.
следующие страницы →