بالإجارة، والبضع ليس كذلك.
(وإن غصب) إنسان (خمر مسلم: ضمن) الغاصب (ما تخلَّل بيده) منها
إذا تلف؛ لأنها صارت خلاَّ على حكم ملك المغصوبة منه. ويؤمر برد ما تخلل.
قال ابن رجب: لو غصب خمراً فتخلل في يد الغاصب وجب ردها. ذكره القاضي وابن عقيل والأصحاب؛ لأن يد الأول لم تزل عنها بالغصب فكأنها تخللت في يده.
و (لا) يضمن (ما تخلل مما جمع) من خمر (بعد إراقةٍ)؛ لزوال اليد
بالإراقة.
(وتُرد خمر ذمي مستترة؛ كخمر خلاَّل)؛ لأنه غير ممنوع من إمساكها.
وعنه: وقيمتها إن تلفت.
وقال في " الانتصار ": لا يردها، وأنه يلزمه إراقتها إن حُدّوا، وإلا لزم تركه. وعليها يخرج تعزير مريقه. انتهى.
ووجه المذهب: أنها مال عند أهل الذمة. فوجب ردها لهم؛ كسائر المال.
وأما عدم وجوب قيمتها إن تلفت؛ فلأن ما حرم بيعها لا لحرمته لم تجب قيمته بتلفه؛ كالميتة.
وقيل: تجب قيمتها بتلفها على غير المسلم.
(و) يرد (كلب يقتنى)؛ لأنه يجوز الانتفاع به. أشبه سائر الأعيان المنتفع بها.
(لا قيمتهما) أي: لا تجب قيمة خمر الذمي ولا الكلب (مع تلف).
وتقدم الخلاف في قيمة خمر الذمي. وإنما لم تجب قيمتهما؛ لأنه ليس
لهما عوض شرعي.
(ولا) يرد (جلد ميتة غصب) والمراد: أنه لا يجب رده؛ (لأنه لا يطهر
стр. 2732
بدبغ) فلا سبيل إلى إصلاحه.
وفيه وجه بلى؛ بناء على رواية: أنه يطهر.
وعلى المذهب: لو أتلفه أو أتلف ميتة بجلدها. فلا ضمان عليه؛ لأن ذلك لاقيمة له؛ لعدم صحة بيعه.
(ولا يُضمن حر باستيلاء عليه) يعني: لو تعدى إنسان على حرّ بأن حبسه
ولم يمنعه من تناول الطعام والشراب فمات عنده: لم يضمنه. سواء كان كبيرًا أو صغيرا؛ لأنه ليس بمال.
وقيل: بلى.
وقيل: يضمن الصغير.
(و) على المذهب: (يضمن ثياب) حر (صغير وحُليّه) الذي عليه ولو لم ينزعها عنه؛ لأن الصغير لا ممانعة منه على ذلك. أشبه ما لو غصبه منفردًا. وقيل: لا؛ لأنه تبع له. أشبه ما لو كان على كبير.
(ولا) تضمن (دابة) بغصب و (عليها مالكها الكبير ومتاعه)؛ لأنها في
يد مالكها. نقلها ابن رجب عن القاضي في " الخلاف الكبير " واقتصر عليه. (وإن استعمله) أي: استعمل إنسان حراً (كرهاً) في أي عمل كان، (أو حبسه مدة) لمثلها أجرة: (فعليه أجرته).
أما كون من استعمل حراً كرهاً تلزمه أجرته؛ فلأنه استوفى منافعه وهي متقومة. فلزمه ضمانها؛ كمنافع العبد.
وأما كون حابسه تلزمه أجرته مثل مدة حبسه؛ فلأنه فوت منفعته زمن الحبس وهي مالٌ يجوز أخذ العوض عنها. فضمنت بالغصب؛ كمنافع العبد.
وفي " الانتصار ": لا تلزمه بإمساكه؛ لعدم تلفها تحت يده. بخلاف العبد.
وكذا في "عيون المسائل ": لا يضمنه إذا أمسكه؛ لأن الحر في يد نفسه، ومنافعة تلفت معه؛ كما لا يضمن نفسه وثوبه الذي عليه. بخلاف العبد فإن يد
стр. 2733
الغاصب ثابتة عليه ومنفعته بمنزلته.
والأول المذهب.
قال في " الإنصاف ": وهو الصحيح، صححه في " التصحيح "، وجزم به
في "الو جيز " (١) وغيره.
(لا إن منع) إنسان إنساناً (ولو) كان الممنوع (قناً العمل من غير حبس)
له، فإنه لا يضمن منافعه.
قال في " الشرح " عن الحر: وجهاً واحداً؛ لأنه لو فعل ذلك بالعبد لم يضمن منافعه فالحر أولى. انتهى.
وفي " الفروع ": ويتوجه بلى فيهما. انتهى. أي: في الحر والعبد.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب. وهو في العبد آكد (٢) . انتهى.
(ولا يُضمن ربح فات) على مالك (بحبس) غاصب لـ (مال تجارة) عن مالكه مدة يمكن وجود ربح فيها إذا لم يتجر فيها الغاصب؛ كما لو حبس عبدًا يريد مالكه أن يعلمه صناعة مدة يمكن تعليمه الصناعة فيها، فإن الصناعة لا تقوم على غاصب في تضمين منافعه ولا في تضمين عينه إن تلف؛ لأنها لا وجود لها.
стр. 2734
] فصل: في رد المغصوب]
(فصل. وعلى غاصب رد) موجود من (مغصوب قَدَر) الغاصب (عليه) أي: على رده، (ولو) لم يحصل الرد إلا (بأضعاف قيمته) أي: قيمة المغصوب، (لكونه بُني عليه) أي: بأن يكون غصب حجراً أو خشباً قيمته درهم فبنى عليه ويحتاج في إخراجه إلى غرم خمسة دراهم.
(أو بُعِّد) بأن حمل مغصوباً قيمته درهم إلى بلد بعيدة بحيث تكون أجرة حمله في رده إلى البلد المغصوب فيه أضعاف قيمته.
(أو خُلط بمتميز) بأن غصب شعيراً فخلطه بقمح بحيث إن صار يحتاج تخليصه منه إلى أجرة، (ونحوه)؛ كما لو غصب حيواناً وأفلته بمكان لا يمكنه الخروج منه، لكنه يعسر مسكه فيه ويحتاج في ذلك إلى أجرة، فإن ذلك يكون على الغاصب.
أما كون الغاصب يلزمه رد (١) ما غصبه مع وجوده، فلقول رسول الله ﷺ :
" على اليد ما أخذت حتى ترده " (٢) . رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي. وقال: حديث حسن.
ولما روى عبدالله بن السائب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعباً أو جاداً. فإذا أخذ عصى أخيه فليردها إليه أو يردها عليه " (٣) . رواه ابو داود.
ولأنه أزال يد المالك عن ملكه بغير حق. فلزمه إعادتها.
стр. 2735
وأما كونه يلزمه غرم تخليصه ومُؤنة حمله؛ فلأن ذلك حصل بتعديه. فكان
أولى بغرمه من مالكه؛ لكون الشارع لم ينظر إلى مصلحة المتعدي.
(وإن قال) لغاصب (ربُّ) مغصوب (مبعَّد) اي: بعّده الغاصب عن بلد الغصب: (دعه) بالبلد الذي هو فيها، (وأعطني أجرة ردَّه إلى بلد غصبه)، أو طلب من الغاصب حمل المغصوب إلى مكان آخر في غير طريق الرد: (لم يجب) أي: لم يلزم الغاصب ذلك؛ لأنها معاوضة. فلا يجبر عليها؛ كالبيع. وكذا (١) لو بذل الغاصب للمالك أكثر من قيمته ولا يسترده: فإن المالك
لا يلزمه ذلك؛ لما تقدم.
وإن أراد المالك من الغاصب رد المغصوب إلى بعض الطريق فقط: لزمه؛
لأنه يلزمه إلى جميع المسافة فلزمه إلى بعضها؛ كما لو أسقط رب الدين عن المدين بعض الدين وطلب منه باقيه.
(وإن سمَّر) الغاصب (بالمسامير) المغصوبة (باباً) أو غيره: (قلعها) وجوباً، (وردها)؛ للخبر المتقدم.
ولا أثر لضرره؛ لأنه حصل بتعديه؛ كما لو غصب فصيلاً وأدخله داره فكبر
وصار لا يمكن إخراجه لضيق بابها عليه، فإنه ينقض مجاناً ويخرج الفصيل.
(وإن زرع) الغاصب (الأرض) المغصوبة ثم ردها وقد حصد زرعه: (فليس لربها) اي: الأرض (بعد حصد) لزرع الغاصب (إلا الأجرة) اي: أجرة المثل على الأرض إلى حين تسليم الغاصب لها. يعني: أنه لا يكون لرب الأرض حق في زرع الغاصب بعد حصاده بتملك ولا غيره؛ لأنه انفصل عن ملكه. أشبه ما لو غرس فيها غراساً ثم قلعه.
ونقل حرب: إن حكمه حكم ما لم يحصد.
(و) المذهب: التفصيل، وأن رب الأرض (يخيّر) فيما إذا أدرك القدرة
على رفع يد الغاصب والزرع في أرضه (قبله) أي: قبل حصاده (بين تركه)
стр. 2736
أي: ترك الزرع في أرضه (إليه) أي: إلى الحصاد (بأجرته) أي: أجرة مثله، (أو تملكه) أي: الزرع (بنفقته. وهي: مثل البذر، وعوض لواحقِه) من حرب وسقي ونحوهما.
وعنه: بقيمته زرعاً فله أجرة أرضه إلى تسليمه.
وذكر أبو يعلى الصغير: لا أجرة. نقله إبراهيم بن الحارث.
ونقل مهنا: أن رب الأرض مخير في أخذه بأيهما شاء.
والصحيح الأول؛ لما روى رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : " من
زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته " (١) . رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
وقيمة الشئ لاتسمى نفقة له.
قال أحمد: إنما أذهب إلى هذا الحكم استحسانا على خلاف القياس.
ويحتمل أن يكون الزرع للغاصب وعليه الأجرة. قاله في " المقنع "؛ كما
إذا رجع المستعير.
ووجه المذهب: أن في كل من تبقيته بأجرته وتملكه بنفقته تحصيلاً لغرض
رب الأرض فملك الخيرة بينهما. ولا يجبر رب الزرع على قلعه؛ لأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمان. فلم يجز إتلافه؛ كما لو غصب سفينة فحمل فيها ماله وأدخلها اللجة فإنه لا يجبر على تفريغها حتى ترسي صيانة للمال عن التلف كذا هنا. وفارق الشجر؛ لأن مدته تطول ولا يعلم انتهاؤها فانتظارها يؤدي إلى ترك رد الأصل بالكلية.
وقيل: لرب الأرض قلع الزرع إن ضمن.
стр. 2737
وقيل: وبدونه. وهو قول أكثر الفقهاء؛ لقوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق " (١) . ولأنه وضعه ظلماً. أشبه الغرس. وتقدم الفرق بينهما.
ويجاب عن الحديث: بأنه ورد في الغرس، وحديث رافع ورد في الزرع، فعمل كل منهما في موضعه أولى من (٢) إبطال أحدهما.
وقيل: إن الزرع لرب الأرض. يعني: أنه ينبت على ملك رب الأرض كالولد
فإنه لسيد الأم، لكن المنيّ لا قيمة له. بخلاف البذر. ذكره الشيخ تقي الدين. قال الزركشي: وهذا القول ظاهر كلام (٣) أحمد في عامة نصوصه والخرقي والشيرازي وابن أبي موسى فيما أظن، وعليه اعتمد الإمام احمد.
(وإن غرس) الغاصب الأرض (أو بنى فيها: أخذ بقلع غرسه أو بنائه، وتسويتها، وأرش نقصها، وأجرتها) إلى وقت تسليمها. (حتى ولو كان) الغاصب (أحد الشريكين) في الأرض، (أو لم يغصبها) الغارس أو البانى فيها، (لكن فعله بغير إذن).
أما كون الغاصب يوخذ بقلع غرسه أو بنائه إذا طولب بذلك من قبل رب الأرض؛ فلما روى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن النبي ﷺ قال: " ليس لعرق ظالم حق " (٤) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وروى أبو داود وأبو عبيد في الحديث أنه قال: فلقد أخبرنى الذي حدثني الحديث: " أن رجلاً غرس في أرض رجل من الأنصار من بني بياضة، فاختصما إلى النبي ﷺ . فقضى للرجل بأرضه وقضى للآخر أن ينزع نخله. قال: فلقد رأيتها يضرب في أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عُمٌّ " (٥) .
стр. 2738
قال أحمد: العُمّ الطوال.
وقيل: معناه أنها عمت بخيرها.
وقيل: معناه تامة في طولها والتفافها. واحدها (١) عميمة.
ولما روى الخلال بإسناده عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ " من بنى في رباع قوم بإذنهم فله القيمة، ومن بنى بغير إذنهم فله النقض ".
قال الشافعي في معنى قوله ﷺ : " ليس لعرق ظالم حق ": العروق أربعة، عرقان ظاهران الغراس والبناء، وعرقان باطنان البئر والنهر.
ولأنه شغل ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له في نفسه بغير إذنه. فلزمه تفريغه، كما لوجعل فيه قماشاً.
وأما كونه يوخذ بتسوية الأرض وأرش نقصها، فلأنه ضررٌ حصل في ملك غيره بفعله تعدياً فلزمته إزالته.
وأما كونه يؤخذ بأجرتها إلى وقت تسليمها، فلأن منافعها تلفت تحت يده العادِيَة .. فكان عليه عوضها، كالأعيان.
وكذا يلزمه أجرتها وأرش نقصها ولو لم ينتفع بها وحصل النقص بترك زرعها ذلك العام، كأراضي البصرة. أو بغير ذلك.
وأما كون أحد الشريكين والغارس أو البانى بغير إذن كالأجنبي والغاصب؛
فلأن التعدي حاصل في الجميع.
وقيل: لايُنقض بناء بدون غرض صحيح فيه.
وقيل: لا يقلع غراس (٢) ولا بناء إلا مضموناً؛ كغرس المستعير.
وفي " الرعاية " قول: لا يلزم قلع.
стр. 2739
ونقل ابن منصور: يكون الغاصب شريكاً بزيادة بناء.
(ولا يملك) رب الأرض (أخذه) أي: البناء أو الغراس (بقيمته)؛ لأنه عين مال الغاصب. فلم يملك رب الأرض أخذه؛ كما لو وضع فيها أثاثاً أو نحوه. ولأنها معاوضة. فلم يجبر. المالك عليها.
ونقل جعفر: بلى. وحزم به ابن رزين، وزاد: وتركه بأجرة.
وذكر ابن عقيل رواية في البناء: لا يلزم نقضه ويعطى قيمته. ونقله ابن الحكم، وروى الخلال فيه عن عائشة مرفوعاً: " له ما نقص ".
قال أبو يعلى الصغير: هذا منعنا من القياس.
وقال المجد في " شرح الهداية ": ولصاحب الأرض تملك البناء والغراس بقيمته مقلوعاً إذا كانت الأرض تنقص بقلعه.
(وإن وهب) أي: وهب الغارس أو البانى ما غرسه أو بناه (لمالكها) أي: لمالك الأرض: (لم يجبر على قبوله)؛ لأن فيه إجباراً على عقد يعتبر له الرضى.
وقيل: بلى؛ لما فيه من دفع الخصومة. ما لم يكن له في قلعه غرض صحيح.
وإن زرع فيها نوى فصار شجراً، فكما لو حمل إليها غرساً فغرسه فيها.
وقيل: كالزرع؛ لدخوله في. عموم أخبار الزرع.
(ورطبة ونحوها) مما يتكرر حمله؛ كقثاء وباذنجان: (كزرع) في أن رب الأرض إذا أدركه قائماً له أن يتملكه بنفقته؛ لأنه ليس له فرع قوي. أشبه الحنطة والشعير.
(لا غرس) أي: لا أن حكمه حكم الغراس فيما تقدم.
وفيل: بلى؛ لبقاء أصله.
ولو أثمر ما غرسه غاصب في الأرض المغصوبة: فقال في " الإنصاف ":
стр. 2740
قال في " المجر د " و" الفصول " وصاحب " المستوعب " و" نوادر المذهب " الثمر لمالك الأرض كالزرع: إن أدركه أخذه ورد النفقة، وإلا فهو للغاصب. واختاره القاضي ونص عليه في رواية ابن سعيد.
قال في " الفروع ": ونصه فيمن غرس أرضاً: الثمرةُ لرب الأرض، وعليه النفقة.
وقال المصنف في " المغني " والشارح وصاحب " الفائق " وابن رزين:
لو أثمر ما غرسه الغاصب، فإن أدركه صاحب الأرض بعد الجذاذ: فللغاصب، وكذلك قبله.
وعنه: لمالك الأرض وعليه النفقة. انتهوا.
قال ابن رزين عن القول بأنه لصاحب الأرض: ليس بشيء.
قال الحارثى: وفيه وجه: أنه للغاصب بكل حال.
وحكاه ابن الزاغونى في كتاب الشروط رواية عن أحمد.
قال: وهذا أصح اعتباراً بأصله.
قال: والقياس على الزرع ضعيف، فاختار الحارثي ما قدمه المصنف وقدمه في " الرعايتين " و" الحاوي الصغير ". انتهى كلامه في " الإنصاف ". (ومتى كانت آلات البناء من مغصوب)؛ كما لو غصب لبناء من تراب الأرض المغصوبة وبنى به بيتاً فيها: (فـ) عليه (أجرتها) حال كونها (مبنية)؛ لأن الأرض والبناء ملك للمغصوبة منه الأرض.
(ولا يملك) الغاصب (هدمها)؛ لأنه لا ملك له فيه، ولا يملك نقض ملك غيره بغير إذنه. فإن نقضه كان عليه أرش نقصه بنقضه.
(وإلا) أي: وإن لم تكن آلات البناء من عين المغصوب، كما لو حمل إليها اللبن المضروب من غير ترابها والطين الذي بناه به (١) : كان عليه أجرة الأرض فقط. ولهذا قلنا: وإلا (فأجرتها) أي: الأرض دون البناء، لأنه إنما
стр. 2741
غصب الأرض والبناء له فلم يلزمه أجرة ملكه.
(فلو آجرهما) أي: آجر الغاصب الأرض المغصوبة مع بنائه: (فالأجرة) المستقرة على المستأجر مشتركة بين رب الأرض ورب البناء (بقدر قيمتهما). نقل ابن منصور: فيمن يبني فيها ويؤجرها: الغلة على النصيب.
(ومن غصب أرضاً وغراساً منقولاً من) مالك (واحد فغرسه) أي: غرس الغراس المغصوب (فيها) أي: في الأرض المغصوبة: (لم يملك) الغاصب (قلعه)؛ لأن مالك الغراس والأرض واحد. فلم يملك غيره التصرف في ملكه بغير إذنه. (وعليه إن فعل) أي: وعلى الغاصب إن قلعه بغير إذن المالك، (أو طلبه) أي: القلع (ربهما) أي: الغراس والأرض (لغرض صحيح) له في القلع: (تسويتها) أي: الأرض (ونقصها) أي: أرش نقص الأرض، (ونقص غراس) نقص بقلعه.
وعلم مما تقدم أنه إذا لم يكن للمالك في القلع غرض صحيح لم يجبر الغاصب عليه؛ لأنه سفه.
وقيل: بلى؛ لأن المالك محكم في ملكه.
ووجه إجباره على القلع مع غرض المالك الصحيح لكونه فوت عليه غرضاً مقصوداً بالأرض. فأخذ بإعادتها إلى ما كانت عليه.
ووجه كون: أن على الغاصب أرش نقص الأرض والغراس بالقلع مع أمر المالك له به؛ لأنه نقص حصل في يده بسبب تعديه بالغرس. فكان عليه؛ كما لو قلعه بغير إذن المالك.
قال المجد في " شرح الهداية ": فإن غصب أرضاً لرجل وغرساً من آخر وغرسه في الأرض ثم وقع النزاع في مؤنة القلع ففيه وجهان للشافعية:
أحدهما: أنها على صاحب الأرض، والآخر على صاحب الغراس (١) . وأيهما غرمها رجع على الغاصب. قال: وعندي أنه يتخرج لأصحابنا كالوجهين.
стр. 2742
أصلهما إذا حمل السيل غرساً لرجل إلى أرض آخر فنبت فيها هل لصاحب الأرض قلعه مجاناً أو لا؟ على وجهين سبقا. وكذلك لو كان زرعاً هل له تبقيته بأجرة أو مجانا؟ على وجهين. فإذا قلنا: ليس له قلعه مجاناً في الغرس ولا له أجرة في الزرع فالأجرة هاهنا عليه، وعلى الوجه الآخر تكون على صاحبه. انتهى.
(وإن غصب) إنسان (خشباً، فرقَّع به سفينة) وأدركه ربه والسفينة في الساحل أو في لجة البحر ولا يخاف عليها من قلعه لكونه في أعلاها: (قلع) الخشب، ودفع لربه من غير إهمال لوجوبه فوراً. (ويمهل) القلع (مع خوف) على السفينة بقلعه، كما لو كان المغصوب في محل لو قلع منه دخل الماء إلى السفينة وهي في اللُّجة (جتى ترسى)؛ لأن في قلعه إذاً إفساداً للمال (١) الذي بالسفينة مع إمكان ذلك بعد زمن يسير.
(فإن تعذر) الإرسال لبُعْد البر (فلمالك) الخشب المغصوب (أخذ قيمته)؛ لوجود الضرر برد عينه والسفينة في اللجّة.
ومتى رست واسترجعه رد القيمة، كمن غصب عبداً فأبق وأخذت منه قيمته
ثم قدر عليه ورده. ولا فرق بين كون المال الذي بالسفينة حيواناً أو غيره ملكاً للغاصب أو لغيره.
وقيل: إن كان المال الذي بها ملكا للغاصب وليس بحيوان لزم قلعه، وإن أفضى إلى تلف مال الغاصب؛ كما لو بنى عليه.
ورد: بأن ما بني عليه لا يمكن رده بدون إتلاف. وهنا يمكن. فلا يجوز الإتلاف؛ كما لو كان المال لغير الغاصب.
(وعليه) أي: على الغاصب (أجرته) أي: الخشب المغصوب (إليه) أي: إلى وقت قلعه من السفينة؛ لأنه فوّت منافعه على مالكه إلى ذلك الوقت. (و) عليه أيضاً (نقصه)، لأنه ضرر حصل بتعديه على ملك غيره. فكان ضمانه عليه.
стр. 2743
(وإن غصب) إنسان (ما) أي: خيطاً أو سيراً أو غيرهما و (خاط به جرح) حيوان (محترم) من آدمي أو غيره، (وخيف بقلعه) أي: قلع ما خيط به الجرح (ضرر آدمي أو تلف) أي: موت حيوان (غيره) أي: غير الآدمي: (فقيمته) يعني: أنه لا يقلع ويدفع إلى مالكه قيمته.
أما كونه لا يقلع مع خوف ضرر الآدمي المحترم؛ فلتأكد حرمته. ولهذا جاز
له أخذ مال غيره لحفظ حياته.
وأما كونه لا يقلع مع خوف موت البهيمة المحترمة، كالحمار ونحوه؛ فلأن الحيوان آكد حرمة من بقية الأموال. ولهذا جاز إتلاف غيرها وهو ما يطعمه الحيوان من أجل تبقيته.
(وإن حلَّ) الحيوان المخيط جرحه (لغاصب)؛ كما لو غصب إنسان خيطاً
أو نحوه وخاط به جرح بقرته أو شاته أو جمله وخيف بقلعه موته: (أمر) الغاصب (بذبحه) أي: الحيوان، (ويرده) أي: الخيط المغصوب ولو كان في ذبحه نقص لقيمته؛ لأن ذلك ليس بمانع من وجوب رد المغصوب، كما يؤمر بهدم بناء بني على المغصوب.
وعلم مما تقدم أن المخيط جرحه لو كان غير محترم، كالمرتد والخنزير وجب
قلعه ورده في الحال، لأنه غير مضمون ولا محترم. أشبه ما لو خاط به ثوباً.
ودل كلام المتن أيضاً: أن الحيوان لو لم يحل للغاصب لكونه محرم الأكل؛ كالبغل والحمار، أو لكونه لا يملكه: لم يقلعه؛ لأن في موت غير المأكول بالقلع إتلافاً لحياته المطلوب بقاؤها شرعاً. بدليل " نهي النبي ﷺ عن ذبح الحيوان لغير مأكلة ".
ولأن في ذبح المأكول الذي ليس ملكاً للغاصب إضراراً بمالكه. ولا يزال الضرر بالضرر.
ولأنه لا يتلف مال من لم يتعد صيانة لمال غيره.
وقيل: لا يذبح المأكول ولو كان ملكاً للغاصب، لأن للحيوان حرمة في نفسه.
стр. 2744
وقيل: يذبح المعد للأكل، كالبقر والغنم والدجاج. دون غيره، كالخيل
وما يقصد صوته من الطير.
ومتى مات الحيوان المأكول أو غيره غير الادمي مع بقاء المخيط به المغصوب: وجب قلعه ورده وإلى ذلك أشير في المتن بقوله: (كبعد موت غير آدمي)، لأن الحيوان غير الآدمي لا حرمه له بعد الموت.
وإن مات الآدمي تعينت قيمة مغصوب خيط به.
(ومن غصب جوهرة) من غيره (فابتلعتها بهيمة) بتفريطه أو غيره: (فكذلك) أي: فكما لو غصب خيطاً فخاط به جرح بهيمة على ما تقدم.
قال في " الشرح ": وإن غصب جوهرة فابتلعتها بهيمة فقال أصحابنا: حكمها حكم الخيط الذي خاط به جرحها.
وقال الموفق بعد نقله ذلك عن الأصحاب: ويحتمل أن الجوهرة متى كانت أكثر قيمة من الحيوان ذبح الحيوان وردت إلى مالكها وضمان الحيوان على الغاصب. إلا أن يكون الحيوان آدميا. وتفارق الخيط فإنه في الغالب أقل قيمة من الحيوان، والجوهرة أكثر قيمة. ففي ذبح الحيوان رعاية حق المالك برد عين ماله إليه ورعاية حق الغاصب بتقليل الضمان عليه.
(ولو ابتلعت شاة (١) شخص) أو نحوها (جوهرة آخر غير مغصوبة، ولا تخرج) أي: وتعذر إخراج الجوهرة (إلا بذبحها. وهو) أي: ذبحها (أقل ضرر) من الضرر الحاصل بتركها: (ذُبحت، وعلى رب الجوهرة ما نقص به) أي: بالذبح، لأنه لتخليص متاعه.
ومحل ذلك: (إن لم يفرط رب الشاة بكون يده عليها) حين ابتلاعها الجوهرة. فإن كان التفريط من رب الشاة لم يكن على رب الجوهرة ضمان نقص الشاه بذبحها؛ لأن التفريط من غيره فكان الضرر على المفرط.
(وإن حصل رأسها) أي: رأس الشاة ونحوها (بإناء، ولم تخرج) أي:
стр. 2745
وتعذر إخراج رأسها (إلا بذبحها أو كسره) أي: الإناء (ولم يفرطا) أي: ولم يوجد تفريط من رب البهيمة ولا من رب الإناء: (كسر) الإناء، (وعلى مالكها أرشه) أي: أرش الكسر، لأنه كسر لتخليص ماله.
(ومع تفريطه) أي: تفريط رب الشاة: (تذبح بلا ضمان) على رب الإناء؛
لأنه لما كان التفريط من جهته كان أولى بحصول الضرر من الذي لم يفرط.
(ومع تفريط ربه) أي: الإناء: (يُكسر بلا ارش) على رب الشاة، لأن المفرط أولى بالضمان.
وهذا الذي ذكر في المتن هو الأصح والذي عليه الأكثر من الطريقين للأصحاب فيما إذا كانت البهيمة مأكولة.
والطريق الثانى فيها: انه يعتبر مع عدم التفريط منهما أقل الضررين من الكسر أو الذبح، فإن كان الكسر أقل ضرراً من الذبح كسر الإناء، وإن كان الذبح أقل ضرراً ذُبحت البهيمة.
(ويتعين في) بهيمة (غير مأكولة) حصل لها ذلك (كسره) أي: الإناء، وعلى رب البهيمة أرشه، لأنه كسر لتخليص ماله. ما لم يكن التفريط من رب الإناء.
وفي كل من المأكولة وغيرها وجه مثل حكم الأخرى.
وفي غير المأكولة وجه ثالث: أنها تقتل إن كانت الجناية من مالكها، أو
كان القتل أقل ضرراً من الكسر.
قال في " الإنصاف ": قلت: وهو الصواب.
وإذا قال من وجب عليه ضمان نقص مال صاحبه: أنا أتلف مالي ولا أغرم شيئاً: فله ذلك، لأن إتلاف مال صاحبه إنما كان لحقه وتخليص ماله. فإذا رضي بتلفه لم يجز إتلاف غيره.
(ويحرم ترك الحال على ما هو عليه) أي: يحرم ترك رأس اليهيمة في الإناء
بأن لا يُكسر ولا يُذبح، لما فى ذلك من تعذيب الحيوان. فلو لم يفرط رب الإناء
стр. 2746
وامتنع رب المأكولة من ذبحها أو ضمان أرش كسر الإناء أو رب غير المأكولة من ضمان أرش الكسر: أُجبر؛ لأن ذلك من ضرورة تخليصها من العذاب. فلزم ربها؛ كعلفها.
(ولو حصل مال شخص) من حيوان أو غيره (في دار) شخص (آخر، وتعذر إخراجه) من الدار (بدون نقض) لبعض الدار: (وجب) النقض وأخرج. (وعلى ربه) أي: رب المال المخرج (ضمانه) أي: ضمان ما نقص (١) (إن لم يفرط صاحب الدار)؛ لأنه نقص حصل في الدار من غير تفريط من صاحبها لأجل تخليص مال غيره. فكان ضمانه على رب المال.
وعلم من هذا انه إن كان بتفريط صاحب الدار لم يكن على رب المال ضمان
ما هدم من الدار؛ لأن المفرط أولى بحصول الضرر، وأنه إن كان بتعديه كان أولى بحصول الضرر من المفرط.
وذكر الموفق احتمالاً فيماءإذا كان الحصول من غير تفريط: أنه يعتبر أقل الضررين. فلو كان المال خشبة وكان كسرها أقل ضرراً كسرت، أو كان جملاً وكان ذبحه أقل ضرراً ذبح، وإن كان النقض أقل ضررا نقضت في المسألتين. قال الحارثي: وهذا أولى.
وعلى هذا إن كان الحيوان غير مأكول تعين النقض، وإن كان الحصول عن تفريط مالك الحيوان ذبح المأكول وإن زاد ضرر الذبح. حكاه في " المغني ". وذكر صاحب " التلخيص " وجوب النقض (٢) وغرم الأرش. وكلام ابن عقيل نحوه أو قريب منه. قاله الحارثي وقال: الأول الصحيح. نقل ذلك في (٣) " الإنصاف ". وقال: لو باع داراً وفيها (٤) ما يعسر إخراجه فقال القاضي وابن عقيل وصاحب " التلخيص " وغيرهم: ينقض الباب وعليه ضمان النقص.
стр. 2747
وقال المصنف- يعني: الموفق-: يُعتبر أقلّ الضررين: إن زاد بقاؤه في الدار، أو تفكيكه إن كان مركباً، أو ذبحه إن كان حيواناً على النقص: نقض مع الأرش، وإن كان بالعكس فلا نقض، لعدم فائدته، وقال: ويصطلحان إما بأن يشتريه مشتري الدار أو غير ذلك. انتهى.
(ومن غصب ديناراً أو نحوه)، كجوهرة ودرهم (فحصل) ذلك (في محبرة) إنسان (آخر أو نحوها) من كل إناء ضيق الرأس بفعل الغاصب أو بغير فعله، (وعسر إخراجه) منها بدون كسرها، (فإن زاد ضرر الكسر عليه) أي: على الدينار بأن كانت قيمتها صحيحة دينارين وقيمتها مكسورة نصف دينار (فعلى الغاصب بدله) أي: فعليه أن يعطي لرب الدينار الساقط في المحبرة بدله. ولم تكسر؛ لأن في كسرها إذاً إضاعة للمال وهي منهي عنها.
(وإلا) أي: وإن لم يزد ضرر كسرها على غرم الحاصل فيها بأن تساويا أو
كان ضرر الكسر أقل: (تعين الكسر) لرد عين المال المغصوب من غير إضاعة مال، (وعليه) أي: الغاصب (ضمانه) أي: الكسر، لأنه السبب فيه.
(وإن حصل) الدينار أو نحوه في المحبرة أو نحوها (بلا غصب ولا فعل أحد)، كما لو ألقت الريح أو نحوها دينار إنسان في محبرة غيره: (كسرت) المحبرة، (وعلى ربه) أي: الدينار (أرشها) أي: أرش نقص المحبرة بالكسر، لأن الكسر لتخليص ماله.
(إلا أن يمتنع) رب الدينار (منه) أي: من كسر المحبرة مع ضمان أرشه؛
(لكونها) أي: المحبرة (ثمينة) أو غير ذلك: فلا تكسر.
قال ابن عقيل: قياس قول أصحابنا: أن يقول لرب الدينار: إن شئت أن
تأخذ فاغرم، أو فاترك ولا شيء لك.
قال الحارثي: والأقرب إن شاء الله تعالى سقوط حقه من الكسر هنا ويصطلحان عليه.
(و) إن حصل فيها (بفعل مالكها): فإنها (تكسر مجاناً) أي:
стр. 2748
من (١) غير ضمان على رب الدينار؛ لأنه وجب على ربها إعادة الدينار إلى مالكه ولم يمكن ذلك بدون كسر المحبرة. فجاز كسرها لذلك. ولا يضمن نقصها أحد؛ لأن التفريط من مالكها.
(و) إن حصل فيها (بفعل رب الدينار): فإنه (يخير بين تركه) في المحبرة (و) بين (كسرها، و) أن يكون (عليه قيمتها) كاملة؛ لتعديه. وهذا قول القاضي وابن عقيل. ومعناه: أنه لا خيار لرب المحبرة في إبقائها مع اختيار رب الدينار كسرها مع ضمان قيمتها. واختار هذا القولى صاحب " التلخيص ". وقيل: لا يجبر ربها على كسرها؛ لأن الدينار لما كان حصوله بتعدي مالكه
على رب المحبرة لم يجبر على إتلاف ماله لإزالة ضرر عدوان رب الدينار عن نفسه.
وعلى هذا يكون على رب الدينار ما نقص من قيمة المحبرة؛ لوقوع الدينار
فيها إن نقصت (٢) .
(و) على الأول (يلزمه) أي: رب الدينار (قول مثله) أي: مثل ديناره: (إن بذله) له (ربها) أي: المحبرة لكيلا يكسرها؛ لأنه بذل له مالا يتفاوت به حقه دفعاً للضرر عنه. فلزمه قبوله؛ لما فيه من الجمع بين الحقين. واختار هذا القولى صاحب "التلخيص " فيه. وقدمه في " الرعايتين "
و" الحاوي الصغير ".
وقيل: لا يلزمه قبول مثله؛ لأن المثل ليس بعين ماله.
وسواء قلنا يجبر رب المحبرة على كسرها أو قلنا لا يجبر، لو بادر رب الدينار وكسرها: لم يلزمه أكثر من قيمتها، وجها واحداً. قاله في " الإنصاف ".
стр. 2749
] فصل: في زيادة المغصوب]
(فصل. ويلزم) غاصباً (ردُّ مغصوب زاد) بيد الغاصب أو بيد غيره (بزيادته المتصلة). وهي (كقصارة) في ثوب، (وسَمِن) في حيوان، (وتعلُّم صنعة) في آدمي.
(و) بزيادته (المنفصلة؛ كولد) لبهيمة وكذا لآدمية. ما لم يكن من جاهل بالحال، فإن لربها قيمته يوم وضعه.
(و) كـ (كسب) يكسبه الرقيق المغصوب؛ لأن ذلك ونحوه نماء المغصوب وهو لمالكه. فلزم رده، كالأصل.
(ولو غصب) إنسان (قناً أو شبكة أو شركاً فأمسك) القن أو الشبكة أو الشرك صيداً، (أو) غصب إنسان (جارحاً أو فرساً فصاد به) أي: بالجارحح (أو) صاد (عليه) أي: على الفرس صيداً، (أو) غزا على الفرس فـ (غنو: فلمالكه) فالصيد في الصور المذكورة والغنيمة لمالك المغصوب؛ لأن ذلك حصل بسبب المغصوب وكان لمالكه. أشبه ما لو وهب للرقيق المغصوب شيء فإنه يكون لمالكه.
قال في " الفروع ": وجزم به غير واحد في كتب الخلاف، قالوا على قياس قوله: ربح الدراهم لمالكه، ويسقط عمل الغاصب. انتهى.
وقيل: يكون للغاصب وعليه الأجرة.
وقال الشيخ تقي الدين: يتوجه فيما إذا غصب فرساً وكسب عليه مالاً: أن يجعل الكسب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفقتهما، بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الفرس ثم يقسم الصيد بينهما.
(لا أجرته زمن ذلك).
قال في " الإنصاف ": فعلى المذهب: هل يلزم الغاصب أجره مدة
стр. 2750
اصطياده أم لا؟ فيه وجهان. وأطلقهما في " المغني " و" الشرح " و" الرعاية "
و" الفر وع " ١٠ نتهى.
يعني: وهو كون الصيد للمالك في لزوم أجرة الصائد على الغاصب مع ذلك وجهان:
أحدهما: لا يلزمه. قدمه الحارثي، وقال: هو الصحيح.
قال في " تجريد الغاية ": ولا أجرة لربه مدة اصطياده في الأظهر. ووجهه:
أن منافع المغصوب في هذه المدة عادت إلى المالك. فلم يستحق عوضها على غيره؛ كما لو زرع الغاصب الأرض المغصوبة فأخذ المالك الزرع بنفقته.
والثانى: بلى.
قال في " التلخيص " في صيد العبد: ولا تدخل أجرته تحته إذا قلنا بضمان المنافع. ووجهه: أن منافعه تلفت تحت يده. أشبه ما لو لم يصد.
أما لو غصب إنسان منجلاً وفأساً فقطع بذلك حشيشاً أو خشبا فهو للغاصب؛ لحصول الفعل منه. أشبه ما لو غصب سيفاً فقاتل به وغنم.
(وإن أزال اسمه) أي: أزال الغاصب اسم المغصوب بعمله فيه؛ (كنسج غزل) فإنه كان يسمى غزلاً حين غصبه فصار بنسجه يسمى ثوباً.
(وطحن حب) غصبه فإنه صار يسمى دقيقاً، (أو طبخه) أي: الحب فإنه صاريسمى طبيخاً.
(ونجر خشب) باباً أو سريراً أو سرجاً أو غير ذلك فإنه صار يسمى باسم المعمول.
(وضرب حديد) سيفاً أو سكيناً وإبراً او غير ذلك. (و) ضرب (فضة) دراهم أو حلياً، (ونحوهما) أي: ضرب نحو الحديد والفضة؛ كضرب ذهب دنانير ونحاس أوانى ونحو ذلك.
(وجعل طين) غصبه (لبناً) جمع لبنة أو آجرا (أو فخاراً)؛ كالأباريق
стр. 2751
والأدنان ونحوهما: (رده) أي: لزم الغاصب (١) أن يرده معمولاً، (و) أن يرد (أرشه إن نقص).
أما كونه يلزمه رده؛ فلأن عين المغصوب فيه قائمة. فلزم ردها إلى مالكها؛ كما لو غصب شاة فذبحها.
وأما كونه عليه أرش نقصه؛ فلأنه حصل بفعله.
ولا فرق بين كون النقص في عينه أو قيمته أو هما.
(ولا شيء له) أي: للغاصب في زيادة قيمة المغصوب بعمله فيه؛ لأنه تبرع في ملك غيره. فلم يستحق لذلك عوضاً؛ كما لو غلا زيتاً فزادت قيمته. وعنه: يكون الغاصب شريكاً بالزيادة؛ لأنها حصلت بمنافعه، والمنافع أجريت مجرى الأعيان. أشبه ما لو غصب ثوبا فصبغه.
وفرق بينهما: بأن الصبغ عين مال لا يزول ملك مالكه عنه بجعله مع ملك غيره. وهذا حجة على القائل بأنه (٢) يكون شريكاً بالزيادة؛ لأن الغاصب إذا لم يزل ملكه عن صبغه بجعله فى ملك غيره وجعله كالصفة. فلأن لا يزول ملك غيره بعمله فيه أولى.
وعنه: أن الغاصب يملك المغصوب بعمله فيه ويكون عليه قيمته قبل عمله. ورد: بأن هذه الرواية قول قديم مرجوع عنه.
وعنه: يخير المالك بين العين والقيمة.
وقيل: للغاصب أجرة عمله فقط.
(و) على المذهب: (للمالك إجباره) أي: إجبار الغاصب (على رد ما أمكن رده) من مغصوب (إلى حالته) الأولى؛ كما لو غصب مسامير وضربها نعالاً فإن لمالكها إجبار الغاصب على ردها مسامير كما كانت؛ لأن عمل
стр. 2752
الغاصب في المغصرب محرم، فملك المالك إزالته مع الإمكان.
وإن استأجر الغاصب إنساناً على عمل شيء من هذا الذي ذكرناه فالأجر عليه. والحكم في زيادته ونقصه كما لو فعل ذلك بنفسه. وللمالك تضمين النقص
من شاءمنهما.
فإن جهل الأجير الحال وضمن الغاصب لم يرجع على أحد.
وإن ضمن الأجير رجع على الغاصب؛ لأنه غره.
وإن علم الأجير الحال وضمن لم يرجع على أحد؛ لأنه أتلف مال غيره بدون إذنه.
وإن ضمن الغاصب رجع على الأجير؛ لأن النقص حصل بفعله. فاستقر الضمان عليه.
وإن استعان (١) الغاصب بمن فعل ذلك فهو كالأجير.
(ومن حفر في) أرض (مغصوبة بئراً، أو شق) فيها (نهراً، ووضع التراب) الخارج بحفر البئر، أو شق النهر (بها) أي: بالأرض المغصوبة: (فله) أي: للغاصب (طمّها) أي: طم الأرض المحفورة بئراً أو المشقوقة نهراً (لغرض صحيع، ولو) أنه (أبرئ مما يتلف بها) أي: بالبئر؛ لأن الغرض في ذلك فد يكون خلاف خشية ضمان ما يتلف بها.
(وتصح البراءة منه)؛ لأن الضمان إنما يلزمه لوجود تعديه. فإذا رضي بفعله صاحب الأرض زال التعدي؛ لأن الرضى الطارئ كالرضى المقارن للفعل. وقيل: لا يملك طمها إلا بإذن مالك الأرض.
وقيل: لا يملكه إذا أبرأه المالك من ضمان ما يتلف بها.
وقيل: له طمها ولو لم يكن له في ذلك غرض صحيح.
وقيل: لاتصح البراءة من ضمان ما يتلف بها.
стр. 2753
(وإن أراده) أي: أراد طمها من الغاصب. (مالك: الزم) الغاصب (به) أي: بالطم؛ لوجود الحفر عدواناً.
ولأنه يضر بالأرض.
(وإن غصب) إنسان (حباً فزرعه) في أرضه أو أرض غيره، (أو) غصب (بيضاً) فعالجه بوضعه تحت طائر أو غير ذلك (فصار فراخاً، أو) غصب (نوى أو أغصاناً) فغرسه (فصارت شجراً: ردها) اي: رد الزرع والفراخ والشجر لمالكه؛ لأنه عين مال المغصوب منه. (ولا شيء له) أي: للغاصب في مقابلة عمله فيه؛ لأنه متبرع به.
ويتخرج في هذا من الخلاف ما تقدم، فيما إذا نسج الغاصب الغزل ونحوه.
стр. 2754
] فصل: في ضمان نقص المغصوب]
(فصل. ويضمن) غاصب (نقص مغصوب) حصل بعد الغصب قبل رده. (ولو) كان النقص (رائحة مسك، أو نحوه)؛ كعنبر.
قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم تضمن رائحة مسك ونحوه، خلافاً
للـ" انتصار ". ووجه ضمان ذلك ظاهر؛ لأن قيمة ما يشم إنما تختلف بالنظر إلى قوة الرائحة وضعفها.
(أو) كان النقص (بنبات لحية عبد)؛ لأنه نقص في القيمة بتغير صفة.
أشبه النقص بتغير باقي الصفات. وبهذا قال الشافعي. وخالف أبو حنيفة. ولو بقطع ذنب حمار.
قال (١) القاضي: بقيمته؛ لأنه ضمان مال من غير جناية على آدمي فكان الواجب على الغاصب ما نقص. إذ القصد بالضمان جبر حق المالك بإيجاب قدر ما فات عليه.
ولأنه لو فات الجميع لوجبت قيمته، فإذا فات شئ وجب قدره من القيمة كغير الحيوان. فلو غصب إنسان عبداً فعمي عنده فإنه يقوم صحيحاً ثم أعمى، ويؤخذ من الغاصب ما بين القيمتين.
وعنه: أن عين الدابة من الخيل والبغال والحمير تضمن بربع قيمتها.
وعنه: أن الرقيق يضمن بما يضمن به في الإتلاف.
قال الموفق في " المقنع ": ويتخرج أن يضمنه بأكثر الأمرين منهما.
وقال في " الشرح ": فأما إن كان النقص في الرقيق مما لا مقدر فيه؛ كنقصه لكبر أو مرض أو شجة دون الموضحة: فعليه ما نقص مع الرد لا غير.
стр. 2755
لا نعلم فيه خلافاً. انتهى.
(وإن) غصب إنسان عبداً و (خصاه، أو أزال) منه) ما تجب فيه دية من حر)؛ كما لو قطع يديه أو رجليه أو ذكره أو لسانه: (رده) على مالكه، (و) رد معه (قيمته) كلها. نص عليه، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة والثوري: يتخير المالك بين أن يأخذه ولا شيء له غيره،
وبين أن يأخذ قيمته ويملكه الجانى، لأنه ضمان مال. فلا يبقى ملك صاحبه عليه مع ضمانه؛ كسائر الأموال.
ولنا: أن المتلف البعض. فلا يقف ضمانه على زوال الملك، كقطع خصيتي ذكر المدبر.
ولأن المضمون هو المفوت. فلا يزول الملك عن عين بضمانه؛ كما لو قطع تسع أصابيع. وبهذا ينفصل عما ذكروه فإن الضمان في مقابلة التالف لا في مقابلة الجملة.
ووافق أبو حنيفة: أنه لو كانب الجناية من اثنين على طرفين: أن القيمة تلزمهما والعبد لسيده.
(وإن قطع) الغاصب من الرقيق المغصرب (ما) أي: شيئاً (فيه مقدر)
ولو شعراً من حر (دون ذلك) أي: دون ما تجب فيه الدية كامله مما تقدم ذكره ونحوه؛ كما الو قطع يداً واحدة أو رجلاً أو جفناً أو هدباً أو إصبعاً أو نحو ذلك: (فـ) إنه يلزمه في كلٍّ من ذلك (أكثر الأمرين) من أرش نقص قيمته أو دية ذلك المقطوع وهي بنسبتها من قيمته كنسبة ذلك من حر من ديته، لأن سبب كل واحد منهما وجد فوجب أكثرهما ودخل الاخر فيه، فإن الجناية واليد وجدا جميعا. فلو غصب عبداً قيمته ألف فزادت قيمته عنده إلى ألفين ثم قطع يده فصار يساوي ألفاً وخمسمائه كان عليه مع رده ألف، فلو كان القاطع ليده غير الغاصب وفد نقصت قيمته مائتين وصار بعد القطع يساوي أربعمائة كان على الجانى أربعمائة؛ لأن جنايته مضمونة بنصف القيمة وهي حين القطع ثمانمائة وعلى الغاصب مائتان، لأنها نقصت من قيمة العبد وهو في يده.
стр. 2756
وللمالك تضمين الغاصب ما عليه وعلى الجانى؛ لأن ما وجد في يده في حكم الموجود منه.
(ويرجع غاصب غرم) الجميع لمالك، (على جان، بأرش جناية)؛ لأن التلف حصل بفعله. فاستقر الضمان عليه (فقط) أي: دون النقص الحاصل في يده؟ لأنه لا يلزمه أكثر مما وجب عليه من أرش الجناية.
وعنه: أن الغاصب إذا جنى على المغصوب يضمنه بما نقص فقط.
(ولا يرد مالك) اي: وليس على مالك تعيب ماله عند غاصب أن يرد عليه (أرش معيب أخذ) ــه من الغاصب (معه) أي: مع المغصوب (بزواله) أي: العيب عند المالك؛ كما لو غصب إنسان عبداً فجرحه ثم رده إلى مالكه ورد معه ارش الجرح ثم برئ عند مالكه، وبحيث لم يصر به نقص بعد البرئ: فإن المالك لا يلزمه أرش الجرح؛ لأنه عوضٌ عن نقص حصل في يد الغاصب بتعديه. فلم يكن له استرجاعه.
ولأنه استقر ضمانه برد المغصوب ناقصاً عن حال غصبه نقصاً أثر في قيمته. فوجب أن يضمن نقصه.
وكذا إن أخذ المالك المغصوب دون أرشه ثم زال العيب قبل أخذ أرشه: لم يسقط ضمانه. بخلاف ما لو برئ في يد الغاصب.
قال الحارثي: وما يذكر من الاستقرار فغير مسلم والصواب إن شاء الله تعالى الوجوب بقدر النقص الحادث في المدة، ويجب رد ما زاد إن كان. انتهى. (ولا يضمن) غاصب رد المغصوب بحاله (نقص سعر) حصل المغصوب تحت يده؛ كما لو غصب ثوباً يساوي مائة فلم يرده حتى نقص سعره بأن صار يساوي ثمانين فإنه لا يلزمه مع رده بحاله شيء.
وذكر ابن أبي موسى رواية عن أحمد: أن نقص السعر مضمون على الغاصب، وقال به أبو ثور استدلالاً بأمرين:
أحدهما: أنه نقص يضمنه الغاصب مع تلف العين. فوجب أن يضمنه مع
стр. 2757
بقائها. قياساً على نقص الذات؛ كالسِّمَن.
والثانى: أنه عدوان يضمن به نقص الذات. فوجب أن يضمن به نقص الثمن؛ كما لو نقصت قيمة المغصوب لنسيان صنعة.
ولنا: أنه رد العين بحالها لم تنقص منها عين ولا صفة. فلم يلزمه شئ؛
كما لو لم تنقص.
ولا نسلم أنه يضمن نقص السعر مع تلف العين. وإن سلمناه؛ فلأنه وجب
عليه قيمه العين أكثر مما كانت قيمتها فدخلت في التقويم. بخلاف ما إذا ردها فإن القيمة لا تجب. ويخالف السمن فإنه من عين المغصوب، والعلم بالصناعة صفة فيها. وهاهنا لم تذهب عين ولا صفة؛ لأنه لا حق للمغصوب منه في القيمة مع بقاء العين وإنما حقه في العين وهي باقية كما كانت.
ولأن الغاصب إنما يضمن ما هو مغصوب، والقيمة لا تدخل في الغصب. بخلاف زيادة العين فإنها مضمونة (١) وقد ذهبت.
ولأن نقص الذات قد لا يكون مضموناً في بعض صور الغصب؛ (كهزال زاد
به) سعر الرقيق المغصوب. أو لم يزد به ولم ينقص؛ كما لو غصب عبداً مفرطا في السمن قيمته يوم الغصب ثمانون فهزل عند الغاصب فصار يساوي مائة. أو (٢) بقيت قيمته على حالها: فإن الغاصب لا يجب عليه مع رده شي؛ لأن الشرع إنما أوجب في مثل هذا ما نقص من قيمته ولم يقدر بدله ولم تنقص قيمته. فلم يجب عليه شيء غير رده، وكذا لو لم تنقص القيمة ولم تزد.
(ويضمن) الغاصب (زيادته) أي: زيادة المغصوب الحا صلة عنده؛ كما
لو سمن عنده الحيوان أو تعلم الرقيق صنعة فزادت قيمته بذلك ثم هزل أو نسي الصنعة: فإن عليه رده ورد ما نقص بعد الزيادة. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجب عليه عوض الزيادة، إلا أن يطالبه المالك
стр. 2758
بردها زائدة فلا يردها؛ لأنه رد العين كما أخذها. فلم يضمن قيمتها؛ كنقص سعرها.
وذكر ابن أبي موسى في " الإرشاد " رواية: أن المغصوب إذا زادت قيمته لسمن أو تعلم صنعة ثم نقصت بزوال ذلك: فلا ضمان عليه إذا رده بعينه.
ووجه المذهب: أنها زيادة في نفس المغصوب. فلزم الغاصب ضمانها؛
كما لو طالبه بردها فلم يفعل.
ولأنها زادت على ملك مالكها. فلزم الغاصب ضمانها؛ كما لو كانت موجودة حال الغصب.
وفارق زيادة السعر؛ لأنها لو كانت موجودة حال الغصب لم يضمنها. والصناعة إن لم تكن من عين المغصوب فهي صفه فيه. ولذلك يضمنها إذا طولب برد العين وهي موجودة فلم يردها. وأجريناها هي والتعليم مجرى السمن الذي هو عين.
ولأنها صفة تتبع العين. وأجرينا الزيادة الجارية في يد الغاصب مجرى الزيادة الموجودة حال الغصب؛ لأنها زيادة في العين المملوكة للمغصوب منه. فتكون مملوكة له؛ لأنها تابعة للعين.
(لا مرضا) أي: ولا يضمن الغاصب نقص مرض طرأ على المغصوب وهو
بيد الغاصب ثم (برئ منه في يده) أي: يد الغاصب؛ لأن العيب الذي أوجب الضمان زال في يده. ولذلك لو حملت فنقصت ثم وضعب في يد الغاصب فزال نقصها لم يضمن شيئاً.
وقال في " الفروع " في مسألة بعد أن قدم ما في المتن: ونصه يضمن. وقدمه في " الرعاية الكبرى "، وقال: نص عليه.
(ولا إن) زاد المغصوب بيد الغاصب زيادة زادت بها قيمته ثم زالت الزيادة
ثم (عاد مثلها) أي: قدر الزيادة الأولى (من جنسها) والعين بيد الغاصب؛ كما لو غصب إنسان أمة قيمتها مائة ثم سمنت عنده فصارت قيمتها ألفا ثم هزلت
стр. 2759
فعادت إلى مائة ثم سمنت فعادة إلى ألف وردها إلى مالكها وهي تساوي ألف: فإنه لا شيء عليه غير ذلك، لأن ما ذهب من الزيادة عاد وهي بيده. أشبه ما لو مرضت فنقصت قيمتها ثم برأت فعادت القيمة، أو نسيت صنعة ثم تعلمتها او أبق العبد ثم عاد.
وفارق ما إذا زادت من جهة أخرى، لأنه لم يعد ما ذهب. بخلاف ما هنا.
قال الحارثي: هذا المذهب لنصه في الخلخال يكسر، قال: يصلحه أحب
إليّ. وهو (١) أحد صور المسألة. انتهى.
وصححه في " التصحيح ".
وقال الموفق وابن أخيه: إنه أقيس، وجزم به في " الوجيز " (٢) .
وقيل: عليه نقص الزيادة الأولى كما لو كانت الزيادتان من جنسين؛ لأن
الزيادة الثانية غير الأولى.
وعلى الوجه الأول: لو سمنت بعد الهزال ولم تبلغ قيمتها إلى ما بلغت بالسمن الأول، أو زادت عليه: ضمن الغاصب أكثر الزيادتين تدخل فيها
الأخرى.
وعلم مما تقدم أنه لو عاد قدر الزيادة الأولى من غير جنسها: لم يسقط
ضمان الأولى، كما لو غصب أمة قيمتها مائة فسمنت فبلغت ألفا ثم تعلمت صنعة فبلغت ألفين ثم هزلت ونسيت الصنعة فعادت إلى مائة ثم ردها وهي كذلك: فإن عليه ضمان الزيادة وهي ألف وتسعمائة.
وإن بلغت بالسمن ألف ثم هزلت فعادت إلى مائة، ثم تعلمت صنعة فبلغت
ألف ثم نسيت فعادت إلى مائة: كان عليه مع ردها ألف وثمانمائة، لأنها نقصت بالهزال تسعمائة وبالنسيان تسعمائة.
وإن سمنت فبلغت ألفاً ثم هزلت فعادت إلى مائة ثم تعلمت صنعة فعادت
стр. 2760
إلى ألف ولم تنس الصنعة: كان عليه مع ردها تسعمائة.
ووجه ذلك: أن زوال الزيادة الأولى أوجب الضمان وقد حدثت الزيادة الثانية
على ملك مالك العين من (١) وجه آخر: فلا ينجبر ملك الإنسان بملك نفسه.
(ولا) يضمن غاصب سوى الرد (إن نقص) المغصوب في يده (فزاد مثله
من جنسه) أي: مثل النقص من جنسه؛ كما لو غصب عبداً نساجاً يساوي مائة فنسى الصنعة عنده فصار يساوي ثمانين ثم تعلم الصنعة التي نسيها فعاد إلى مائة فإنه لا ضمان عليه في نقصه. حتى (ولو) كان ما تعلمه (صنعة بدل صنعة
نسيها)؛ كما لو تعلم الخياطة بدل النساجة التى نسيها فعادت قيمته إلى مائة؛ لأن الصنائع كلها جنس من أجناس الزياده في الرقيق. أشبه ما لو نقصت قيمته بهزاله ثم عادت بسِمَنه. وفيه وجه.
(وإن نقص) المغصوب نقصاً (غير مستقر كحنطة ابتلّت وعفنت)،
وطلبها مالكها قبل بلوغها إلى حالة يعلم فيها قدر أرش نقصها: (خير) المالك (بين) أخذ (مثلها) من مال الغاصب، (أو تركها) بيد الغاصب (حتى يستقر فسادها، ويأخذها) مالكها (وأرش نقصها) أيضاً؛ لأنه لا يجب له المثل ابتداء لوجود عين ماله، ولا أرش العيب؛ لأنه لا يمكن معرفته ولا ضبطه إذاً. وحيث كان كذلك صارت الخيرة إلى المالك بين أخذ المثل لما في تأخير حقه بعد طلبه من الضرر وبين الصبر حتى يستقر الفساد؛ لأنه إذا رضي بالتأخير سقط حقه من التعجيل فيأخذ العين عند استقرار فسادها؛ لأنها ملكه. ويأخذ من الغاصب أرش نقصها؛ لأنه حصل بجنايته. أشبه تلف جزء من (٢) المغصوب.
وقيل: يجب له المثل ابتداء؛ لأنه لا يعلم قدر نقصه.
وقيل: يأخذه عند الطلب وأرش نقصه الحاصل إذاً.
وكلما حصل نقص زائد ضمنه الغاصب؛ لأنه مستند إلى السبب الموجود في
يده.
стр. 2761
وقيل: يخيّر بين أخذه مع أرش نقصه المتيقن إذاً، ولا شيء له غيره. وبين أخذ مثله.
(وعلى غاصب جناية) رقيق (مغصوب و) عليه أيضاً (إتلافه) أي: قيمة
ما يتلفه. حتى (ولو) كانت الجناية (على ربه) اي: مالكه، (أو) كان الإتلاف على (ماله) أي: مال المالك (بالأقل من أرش أو قيمته) أي: أرش الجناية أو قيمة العبد.
أما كون الغاصب يضمن جناية الرقيق المغصوب؛ فلأن جنايته نقص فيها لتعلقها برقبته. فكان مضموناً على الغاصب؛ كسائر نقصه. وسواء في ذلك ما يوجب القصاص أو ما يوجب المال.
وأما كونه يضمن قيمة ما أتلفه؛ فلأنها أيضاً تتعلق برقبته. أشبهت الجناية الموجبة للمال.
وأما كون الغاصب يضمن جناية الرقيق على مالكه وإتلافه لماله؛ فلأن ذلك
من جملة جناياته. فكان مضموناً على الغاصب؛ كما لو كان السيد أجنبياً. وفيه وجه.
قال الحارثي: إذا جنى على سيده فقال المصنف- يعني به: الموفق- وأبو الخطاب: يضمن الغاصب أيضاً. واستدل له بالقياس على الأجنبي. قال: وإنما يتمشى هذا حالة الاقتصاص؛ لوجود الفوات، أما حالة عدم الاقتصاص فلا؛ لأن الفوات منتف فالضمان منتف؛ لأن الغاية إذاً تعلق الأرش بالرقبة وهو غير ممكن؛ لأن ملك المجني عليه فيها حاصل، فلا يمكن تحصيله. فيكون حالة عدم القصاص هدر.
ثم قال بعد ذلك: وأما الجناية الموجبة للمال؛ كالخطأ وإتلاف المال فمتعلقة بالرقبة، وعلى الغاصب تخليصها بالفداء وبما يفدي. انتهى.
فعلى المذهب: إذا قتل المغصرب سيده أو غيره فاقتص منه ضمنه الغاصب بقيمته؛ لأن التلف في يده. فإن عفى عنه على مال تعلق برقبته وضمانه على
стр. 2762
الغاصب. ويضمنه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته كما يفديه سيده.
وإن جنى على ما دون النفس؛ مثل: إن قطع يداً فقطع يده قصاصاً: فعلى
الغاصب ما نقص بذلك دون أرش اليد؛ لأن اليد تلفت بسبب غير مضمون.
فأشبه ما لو سقطت.
وإن عفي عنه على مال تعلق أرش اليد برقبته، وعلى الغاصب قيمته يدفعها
إلى سيده. فإذا أخذها تعلق أرش الجناية بها؛ لأنها كانت متعلقة بالعبد فتعلقت
ببدله؛ كما أن الرهن إذا أتلفه متلف وجبت قيمته وتعلق الرهن بها. فإذا أخذ
ولي الجناية القيمة من المالك رجع المالك على الغاصب] بقيمته مرة أخرى؛
لأن القيمه التي أخذها استحقت بسبب كان في يد الغاصب [ (١) . فكانت من ضمانه.
ولو كان العبد وديعة فجنى جناية استغرقت قيمته ثم إن المودَع قتله بعدها:
فعليه قيمته، ويتعلق بها أرش الجناية. فإذا أخذها ولي الجنايه لم يرجع على المودَع؛ لأنه جنى وهو غير مضمون عليه.
ولو جنى عبد في يد سيده جناية تستغرق قيمته ثم غصب فجنى في يد
الغاصب جناية تستغرق قيمته: بيع في الجنايتين وقسم ثمنه بينهما، ورجع
صاحب العبد بما أخذه الثانى منهما على الغاصب؛ لأن الجناية كانت في يده
وكان للمجني عليه أولاً، وأن يأخذه دون الثانى، لأن الذي يأخذه المالك من الغاصب هو عوض ما أخذه المجني عليه ثانياً. فلا يتعلق به حقه ويتعلق به حق
الأول، لأنه بدل عن قيمة الجانى لا يزاحم فيه.
وإن مات هذا العبد في يد الغاصب فعليه قيمته تقسم بينهما، ويرجع المالك
على الغاصب بنصف القيمة، لأنه ضامن للجناية الثانية. ويكون للمجني عليه أن يأخذه.
(وهي) أي: جناية الرقيق المغصوب (على غاصب و) على (ماله
стр. 2763
هدر)؛ لأنها جناية لو كانت على غيره كانت مضمونة عليه. فإذا كانت على نفسه سقطت؛ لأنه لايجب لنفسه على نفسه شيء.
(إلا) إن كانت الجناية (في قود) فإنها لا تكون هدراً: (فيقتل بعبد
غاصب). يعني: فإنه لو قتل عبد الغاصب عمداً كان له أن يقتص منه؛ لأن القصاص حق تعلق بنفسه لا يمكن تضمينه لغيره فاستوفي منه. ويضمنه الغاصب بقيمته؛ لأنه تلف حصل في يده. فضمنه؛ كما لو اقتص منه غير الغاصب. وكذا إذا جنى على عبد لمالكه فإن له أن يقتص منه.
(ويرجع عليه) أي: على الغاصب (بقيمته)؛ لما تقدم.
(وزوائد مغصوب)؛ كولد الحيوان وثمر الشجر (إذا تلفت، أو نقصت)
في يد الغاصب، (أو جنت) على المالك أو على غيره: (كهو) أي: كالمغصوب بالأصالة. سواء تلفت منفردة أو مع أصلها؛ لأنها ملك لمالك الأصل وقد حصلت في يد الغاصب بغير اختيار المالك بسبب إثبات يده المتعدية على الأصل فتبعته في الحكم. فإذا غصب حاملاً أو حائلاً فحملت عنده وولدت: فالولد مضمون عليه إن ولدته حياً، وإن ولدت ميتاً وقد غصبها حاملاً فلاشيءعليه؛ لأنه لم تعلم حياته.
وإن كانت قد حملت به عنده وولدته ميتاً فكذلك عند القاضي وعند ولده
أبي الحسين يضمنه بقيمته لوكان حياً.
وقال الموفق ومن تبعه: والأولى أنه يضمنه بعشر قيمة أمه.
وإن ولدته حياً ومات فعليه قيمته يوم تلفه.
стр. 2764
] فصل: في حكم خلط المغصوب]
(فصل. وإن خلط) غاصبٌ (ما) أي: المغصوب الذي (لا يتميز) إذا خلط، (كزيت ونقد) غصبهما وخلطهما، (بمثلهما) بأن خلط الزيت بزيت والنقد بنقد لا يتميز منه: (لزمه) أي: لزم الغاصب (مثله) أي: مثل المغصوب في الكيل إن كان مكيلاً، وفي الوزن إن كان موزوناً (منه) أي: من المختلط الذي هو المغصوب وغيره في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه نص على أنه يكون شريكاً به إذا خلطه بغير جنسه. فيكون تنبيهاً على ما إذا خلطه بجنسه؛ لأنه قدر على دفع بعض ماله إليه مع رد المثل في الباقي. فلم ينتقل إلى بدله في الجميع؛ كما لوغصب صاعاً فتلف بعضه.
وقال القاضي: قياس المذهب: أنه يلزمه مثله من حيث شاء الغاصب.
وفي " الوسيلة " و" الموجز ": قسم ثمنها بقدر قيمتهما.
(و) إن خلط المغصوب الجيد (بدونه، أو) خلط المغصوب الرديء بـ (خير منه) من جنسه، (أو) خلط المغصوب بشيء لا يتميزمنه من (غير جنسه على وجه لا يتميز)، كما لو غصب زيتاً وخلطه بشيرج أو عكس، أو دقيق الحنطة بدقيق الشعير أو نحو ذلك (١) : (فـ) مالكاهما (شريكان) في المختلط (بقدر قيمتيهما، كاختلاطهما من غير غصب). نص عليه.
قال أحمد في رواية أبي الحارث: في رجل له رطل زيت وآخر له. رطل شيرج اختلطا: يباع الدهن كله ويعطى كل واحد منهما قدر حصته؛ لأن بهذا يصل كل واحد منهما إلى بدل عين ماله.
وإن نقص المغصوب عن قيمته منفرداً فعلى الغاصب ضمان نقصه؛ لأنه حصل بفعله.
стр. 2765
(وحرم تصرف غاصب في قدر ما) أي: الذي (له فيه) أي: في المختلط.
قال احمد في رواية أبي طالب: هذا قد اختلط أوله وآخره. أعجب إلي أن
يتنزه عنه كله، يتصدق به. وأنكر قول من قال: يخرج منه قدر ما خالطه. ومعنى النص- والله أعلم- انه قد استحال انفراد أحدهما عن الآخر.
ومحل التحريم: ما لم يأذن في ذلك مالك المغصوب؛ لأن الحق لا يعدوهما. ولأنهما قسمة فلا تجوز بغير رضى الشريكين.
وهذا كله بناء على أن الخلط اشتراك.
وعن أحمد أيضاً ما يحتمل أنه استهلاك. فإنه قال في رواية المروذي: يخرج العوض منه.
وهذا يحتمل: أنه أراد يخرج بدله عوضاً منه.
وكذا ساقه المروذي في " كتاب الورع " له: أن أحمد قال: يعطى العوض، ولم يقل منه.
وإن كان أراد أنه يخرج العوض من نفس المختلط فهو بناء على أنه شركة،
وأن له الاستبدال (١) بقسمة ذلك. قاله في " القواعد ".
وقال القاضي: قياس المذهب: أنه يلزم الغاصب مثله؛ لأنه صار بالخلط مستهلكاً.
وكذلك لو اشترى زيتاً فخلطه بزيته ثم أفلس صار البائع كبعض الغرماء؛ لأنه تعذر عليه الوصول إلى عين ماله. فكان له بدله؛ كما لو كان تالفاً.
ويحتمل أن يحمل كلام أحمد رحمه الله تعالى في رواية أبي طالب على ما إذا اختلطا من غير غصب. أما المغصوب فقد وجد من الغاصب ما منع المالك أخذ حقه من المثليات متميزاً. فلزمه مثله؛ كما لو أتلفه.
(ولو اختلط درهم) لإنسان (بدرهمين لآخر) من غير غصب (ولا تمييز)
стр. 2766
أي: وليس ثَم ما يتميز به أحد المالين عن الآخر (فتلف اثنان) أي: درهمان من الثلاثة: (فما بقي) بعد ذلك وهو درهم (فبينهما) أي: بين رب الدرهمين ورب الدرهم (نصفين).
قال في " الإنصاف ": قلت: الذي يظهر: أن (١) لصاحب الدرهمين نصف
الباقي لا غير؛ وذلك لأنه يحتمل (٢) أن يكون التالف ماله كاملاً. فيختص صاحب الدرهم به.، ويحتمل أن يكون التالف درهم لهذا ودرهم لهذا، فيختص صاحب الدرهمين بالباقي فتساويا. لا يحتمل غير ذلك، وما لكل واحد منهما متميز قطعاً. بخلاف المسائل المتقدمة. غايته: أنه أبهم علينا. انتهى.
(وإن غصب) إنسان (ثوباً فصبغه، أو) غصب (سويقاً فلتَّه بزيت فنقصت قيمتهما) أي: الثوب والصبغ أو السويق والزيت، (أو قيمة أحدهما: ضمن) الغاصب (النقص) الحاصل في مال المغصوب منه بسبب ذلك؛ لأنه بتعديه.
(وإن لم تنقص) القيمة (ولم تزد، أو زادت قيمتهما) معاً والصبغ والزيت
من مال الغاصب: (فـ) الغاصب ورب الثوب أو السويق (شريكان بقدر ماليهما) في الثوب المصبوغ أو السويق الملتوت؛ لأن اجتماع الملكين يقتضي الاشتراك. (وإن زادت قيمة أحدهما)؛ كما لو كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ خمسة وصار مصبوغاً يساوي عشرين: فإن كانت هذه الزيادة لغلو سعر الثوب أو لغلو سعر الصبغ (فلصاحبه) أي: فالزيادة لصاحب ما غلا سعره من الثوب أو الصبغ؛ لأن الزيادة تبع للأصل.
وإن زاد أحدهما أربعة والآخر واحداً فهي بينهما كذلك.
وإن كانت الزيادة إنما حصلت بالعمل فهي بينهما؛ لأن ما عمله الغاصب في
العين المغصوبة لمالكها حيث كان أثراً، وزيادة مال الغاصب له (٣) .
стр. 2767
(فإن طلب أحدهما) أي: مالك الثوب أو مالك الصبغ (قلع الصبغ) من الثوب: (لم يجب) أي: لم يلزم الآخر الإجابة. إلى ذلك، لأن فيه إتلافاً لملك الآخر.
والمذهب: (ولو ضمن) طالب القلع (النقص) الحاصل بذلك؛ لأن الصبغ يهلك بالقلع فتضيع ماليته، وذلك سفه.
وقيل: إن أراد الغاصب قلع الصبغ كان له ذلك، ويضمن نقص الثوب إن نقص.
وقيل: لا يملك القلع إن تضرر به الثوب.
وقيل: إن أراد رب الثوب قلع الصبغ أجبر الغاصب عليه وإن استضبر به؛
كما يملك قلع شجرة من الأرض المغصوبة.
ورد: بأن الصبغ يهلك بالقلع. بخلاف الشجر.
وبأنه هنا يمكن وصول الحق إلى مستحقه بدون قلع. فلم يجبر عليه؛ كقلع الزرع.
ولأن في إبقاء شجر الغاصب في الأرض المغصوبة تفويتاً لما يريده المالك
من الانتفاع بها بغرس أو زرع أو إجارة. بخلاف الثوب.
وإن بذل الغاصب لرب الثوب قيمته ليملكه: لم يجبر رب الثوب على ذلك؛ كما لو بذل رب الغراس قيمة الأرض لمالكها.
وإن بذل رب الثوب قيمة الصبغ للغاصب ليملكه: لم يجبر أيضاً؛ لأنه إجبار على بيع ماله، وإنما البيع عن تراض.
وقيل: بلى إن قيل إنه يملك إجباره على قلع الصبغ وامتنع منه؛ كتملك الشفيع ما غرسه المشتري في الأرض المشفوعة والمغصوبة على رواية فيها. (ويلزم المالك قبول صبغ) للغاصب صبغ به الثوب المغصوب، (وتزويق دار) غصبها، (ونحوه)؛ كما لو غصب غزلاً فنسجه، أو ثوباً فقصره، أو حديداً فضربه سيوفاً أو جعله إبراً، أو شاة فذبحها وشواها وزادت القيمة بالعمل
стр. 2768
(وُهب له) أي: لمالك ذلك.
وقيل: لا يلزمه قبول الصبغ والتزويق؛ لأنها أعيان متميزة. أشبهت الغراس. ورد: بأن ذلك صار من صفات العين فهو كزيادة الصفة في المسلم فيه.
قال في " الشرح ": وهذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه قال في الصداق: إذا
كان ثوباً فصبغه فبذلت له نصفه مصبوغاً لزمه قبوله.
(لا) قبول هبة (مسامير) للغاصب إذا (سمر بها) الباب أو غيره (المغصوب)؛ لأنها أعيان متميزة. فلم يجبر على قبولها؛ كغيرها من الأعيان. وقيل: بلى.
(وإن غصب) إنسان (صبغاً فصبغ به ثوباً) للغاصب، (أو) غصب (زيتاَ فلت به سويقاَ) له: (فـ) مالك الصبغ أو الزيت والغاصب (شريكان) في الثوب المصبوغ أو السويق الملتوت (بقدر حقيهما) في ذلك.
(ويضمن) الغاصب (النقص) إن وجد نقص بفعله؛ لأنه تعدى بخلط المغصوب بماله.
وقيل: إنما يلزمه بدل المغصوب؛ لأن الصبغ تفرق في الثوب، والزيت استهلك في السويق. أشبه ما لو أتلفهما.
(وإن غصب) إنسان (ثوباً وصبغاً) من (١) واحد (فصبغه به) أي: فصبغ الثوب بالصبغ ثم طالبه المالك بما غصبه: (رده) أي: رد الثوب مصبوغاً؛ لأنه عين ملك المغصوب منه، (و) رد معه (أرش نقصه) إن نقص بفعله، لأنه متعد به، (ولا شيء له) أي: للغاصب (إن زاد) بعلمه فيه، لأنه متبرع به. قال في " الشرح ": فإن غصب ثوب رجل وصبغ آخر فصبغه به: فإن كانت القيمتان بحالهما فهما شريكان بقدر ملكيهما، وإن زادت فالزيادة لهما، وإن نقصت للصبغ فالضمان على الغاصب. ويكون النقص من صاحب الصبغ؛ لأنه
стр. 2769
تبدد في الثوب ويرجع بها على الغاصب.
وإن نقص السعر لنقص سعر الثياب أو الصبغ أو لنقص سعرهما: لم يضمنه الغاصب، وكان نقص كل واحد منهما من صاحبه.
وإن أراد صاحب الصبغ قلعه أو أراد ذلك صاحب الثوب: فالحكم كما لو صبغه الغاصب بصبغ من عنده على ما مر بيانه.
والحكم فيما إذا غصب سويقاً فلته بزيت أو عسلاً ونشاء فعقده حلوى حكم
ما لو غصب ثوباً فصبغه. انتهى.
وفال في " المبدع " بعد ما ذكر عبارة الموفق الموافقة لعبارة المتن: وظاهره
لا فرق بين أن يكونا لاثنين أو لواحد.
وفي " الرعاية ": إذا كانا من واحد وزادا فزيادتهما لغو ويحتمل الشركة،
وإن كانا من اثنين اشتركا في الأصل والزيادة بالقيمة وما نقص من أحدهما غرمه الغاصب.
وقيل: زيادة أحدهما لربه. انتهى.
стр. 2770
] فصل: فيما يجب بوطء الغاصب]
(فصل. ويجب بوطء غاصب) الأمة المغصوبة، حال كون الغاصب (عالمًا تحريمه) أي: الوطء: (حد) لزناه بها، لأنها ليست بزوجة ولا ملك يمين، ولا شبهة تدرأ (١) الحد حيث كان عالماً بالتحريم.
(و) يجب بهذا الوطء أيضاً (مهر ولو) كانت الأمة (مطاوعة)؛ لأنه حق للسيد. فلم يسقط بمطاوعتها؛ كما لو أذنت في قطع يدها.
وعنه: لا مهر مع مطاوعتها. ذكره الآمدي.
قال الزركشي: وهو جيد " لأن النبي ﷺ نهى عن مهر البغي " (٢) .
وجوابه: بأنه محمول على الحرة، لأن حق السيد لا يسقط بطواعية الأمة؛
كما لو استخدمها إنسان طائعة فإن حق سيدها لا يسقط بطواعيتها، وله مطالبة المستخدم بأجرتها.
(و) يجب بوطئه أيضاً (أرش بكارة) أزالها، لأنه بدل جزء منها.
وقيل: لا يجب أرش البكارة (٣) ، لدخوله في مهر البكر. ولهذا يزيد على
مهر الثيب عادة لأجل ما يتضمنه (٤) من تفويت البكارة.
ووجه المذهب: أن كل واحد من المهر والأرش يضمن منفرداً. بدليل أنه
لو وطئها ثيباً وجب مهرها، وإذا افتضها بأصبعه وجب أرش بكارتها فلذلك وجب أن يضمنهما إذا اجتمعا.
وعنه: لا يجب بوطء الثيب مهر، لأنه لا ينقصها ولا يؤلمها. أشبه ما لو قبّلها.