ضمانه؛ لأن عتق نصيب الثالث عليهما إتلاف لرقه، وقد اشتركا فيه فيتساويان في ضمانه وولائه.
فلو كان اللذان أعتقا معاً صاحب النصف وصاحب السدس: كان ولاؤه بينهما أثلاثاً؛ لأنا إذا حكمنا بأن ثلث الشريك يعتق عليهما نصفين فنصفه سدس إذا ضممناه إلى النصف الذي لأحدهما صار ثلثين. وإذا ضممنا السدس الآخر إلى سدس المعتق صار ثلثاً.
ولو كان اللذان أعتقا معا صاحب النصف وصاحب الثلث (١) : صار لمن كان
له النصف ثلث الولاء وربعه ولمن كان له الثلث ربع الولاء وسدسه.
ولو كان اللذان أعتقا معاً صاحب الثلث وصاحب السدس (٢) : صار لمن كان
له الثلث ثلث الولاء وربعه، ولمن كان له السدس ربع الولاء وسدسه.
ولو كان أحد من أعتقا معاً موسراً دون الآخر: قُوّم عليه نصيب الثالث دون شريكه المعسر؛ لأن المعسر لا يسري عتقه. فيكون ضمان نصيب الشريك الثالث على الموسر خاصة وولاؤه له.
(و) من له شريك في رقيق فقال: (أعتقت نصيب شريكي): فإن قوله ذلك (لغو) يعني: أنه لا يعول عليه في الشرع، (كقوله لقن غيره: أنت حر من مالي، أو فيه) أي: في مالي. (فـ) إنها لا يعتق ولو رضي سيده)، لأنه لا ولاية له على قِنّ غيره.
(و) لو قال من له شريك في رقيق: (أعتقت النصيب ينصرف إلى ملكه،
ثم يسري) إلى نصيب شريكه إن كان القائل موسراً، لأن الظاهر أنه أراد نصيبه. ونقل ابن منصور عن أحمد: في دار بينهما قال: أحدهما بعتك نصف هذه الدار لا يجوز، إنما له الربع من النصف، حتى يقول: نصيبي.
(ولو) كان قِن بين اثنين نصفين فـ (وكل شريك شريكه) في عتق نصيبه،
стр. 3747
(فأعتق) الوكيل (نصفه) أي: نصف القن (ولا نية) أي: ولم ينو بقلبه أن الذي أعتقه نصفه أو نصف شريكه الذي وكل في عتقه: (انصرف) العتق (إلى نصيبه) أي: إلى نصيب المعتق دون نصيب شريكه الذي وكله، لأن الأصل في تصرف الإنسان أن يكون في ماله ما لم ينوه عن موكله.
قال في " الإنصاف ": ولو وكل أحدهما الآخر فأعتق نصيبه ولا نية: ففي صرفه إلى نصيب موكله، أم نصيبه، أم إليهما؛ احتمالات في " المغني ". واقتصر عليه في " الفروع ".
قلت: الصواب عتق نصيبه لا غير. انتهى.
(وأيهما) أي: أيّ الشريكين (سرى عليه) عتق حصة شريكه بعتقه النصف
عن نفسه أو عن شريكه موكله: (لم يضمنه) أي: لم يضمن نصيب شريكه؛ كما لو أعتقاه معاً.
(وإن ادعى كل من) شريكين (موسرين: أن شريكه أعتق نصيبه) من القن المشترك بينهما: (عتق المشترك؛ لاعتراف كل) من الشريكين (بحريته. وصار) كلٌ (مدعياً على شريكه بنصيبه من قيمته).
فإن كانت لأحدهما بينه حكم له بها، (و) إن لم يكن لواحد منهما بينة فإنه (يحلف كل) منهما للآخر (للسراية) أي: لأجل سراية عتقه إلى نصيب شريكه.
فإن نكل أحدهما: قضي عليه للآخر. وإن نكلا جميعاً تساقط حقاهما؛ لتماثلهما.
(و) لا ولاء عليه لواحد منهما، لأنه لا يدعيه. بل يكون (ولاؤه لبيت المال). أشبه المال الضائع. (ما لم يعترف أحدهما بعتق) لكله أو جزئه: (فيثبت له) ولاؤه، (ويضمن حق شريكه) أي: قيمة حصة شريكه لاعترافه. ولا فرق في هذه الحالة بين العدلين والفاسقين والمسلمين والكافرين؛ لتساوي العدل والفاسق والمسلم والكافر في الاعتراف والدعوى.
стр. 3748
(ويعتبر حق معسر فقط مع يُسرة الآخر). يعني: أنه متى ادعى كلٌ من شريكين أن شريكه أعتق نصيبه وكان أحدهما موسراً والآخر معسراً: عتق نصيب المعسر وحده؛ لاعترافه بأن نصيبه قد صار حراً بإعتاق شريكه الموسر الذي يسري عتقه إلى حصة المعسر.
وإنما لم يعتق إلا نصيب المعسر؛ لأن الموسر يدعي أن المعسر الذي لا يسري عتقه أعتق نصيبه فعتق وحده. ولا تقبل شهادة المعسر عليه؛ لأنه يجر إلى نفسه نفعاً؛ لكونه يوجب عليه بشهادته ديمة حصته له.
فعلى هذا إن لم يكن للعبد بينة سواه حلف الموسر وبرئ من القيمة والعتق جميعاً. ولا ولاء للمعسر في نصيبه؛ لأنه لا يدعيه ولا للموسر أيضاً.
فإن عاد المعسر (١) فاعترف بالعتق: ثبت له ولاء حصته. وإن عاد الموسر واعترف بإعتاق نصيبه وصدفه المعسر مع انكار المعسر لعتق نصيبه: عتق نصيب المعسر أيضاً، وعلى الموسر غرامة نصيب المعسر، ويثبت له الولاء على جميعه. (ومع عسرتهما) أي: عسرة الشريكين المتداعيين: (لا يعتق منه) أي:
من القن المشترك (شيء)؛ لأنه ليس في دعوى أحدهما على صاحبه: أنه أعتق نصيبه: اعتراف بحرية نصيبه، ولا ادعاء استحقاق قيمتهما على المعتق؛ لكون عتق المعسر لا يسري إلى غيره. فلم يكن في دعواه أثر من أنه شاهدٌ على شريكه بإعتاق نصيبه.
فإن كانا فاسقين فلا أثر لكلامهما في الحال ولا عبرة بقولهما؛ لأن الفاسق لا تقبل شهادته.
(وإن كانا عدلين فشهدا) أي: فشهد كل واحد منهما أن شريكه أعتق نصيبه، (فمن حلف معه) الرقيق (المشترك) بينهما: (عتق نصيب صاحبه)؛ لأنه لا مانع من قبول شهادة أحدهما على الآخر؛ لأنه لا يجر بشهادته إلى نفسه نفعاً. ولا يدفع عنها ضرراً.
стр. 3749
وإن لم يحلف مع شهادة واحد منهما: لم يعتق منه شيء؛ لأن العتق لم يحصل بشهادة واحد من غير يمين.
وإن كان أحدهما عدلاً دون الآخر: فله أن يحلف مع شهادة العدل ويصير نصفه حراً ويبقى الآخر رقيقاً.
(وأيهما) أي: وأي الشريكين المعسرين الذي ادعى كلٍّ منهما على شريكه
أنه أعتق نصيبه (ملك من نصيب شريكه المعسر شيئاً: عتق) عليه ما ملكه من نصيب شريكه، (ولم يَسْر) العتق (إلى نصيبه) في الأصح؛ لأن عتقه لما ملكه حصل باعترافه بحريته بإعتاق شريكه. ولا يثبت له عليه ولاء؛ لأنه لا يدعي إعتاقه بل يعترف بأن المعتق غيره وإنما هو مخلص له ممن يسترقه ظلماً فهو كمخلص الأسير من أيدي الكفار.
ولو ملك كل واحد منهما نصيب صاحبه: صار الرقيق المشترك كله حراً.
ولا ولاء عليه لواحد منهما.
ولو كان ملك كل واحد منهما بشراء من الآخر ثم أقر كل منهما بأنه كان أعتق نصيبه قبل بيعه وصدق الآخر في شهادته: بطل البيعان. ويثبت لكل واحد منهما الولاء على نصفه؛ لأن أحداً لا ينازعه فيه. وكل واحد منهما يصدق الآخر في استحقاق الولاء.
(ومن قال لشريكه الموسر: إن أعتقت نصيبك فنصيبي حر فأعتقه) أي: أعتق المقول له نصيبه: (عتق الباقي) بعد حصته عليه (بالسراية) في الأصح (مضموناً) عليه حصة شريكه بقيمتها، ولا يقع عتق شريكه المعلق على عتقه؛ لأن السراية سبقت فمنعت عتق الشريك. ويكون ولاؤه كله له.
(وإن كان) المقول له ذلك (معسراً) فأعتق نصيبه: (عتق على كل) منهما (نصيبه).
أما القائل؛ فبوجود الشرط المعلق عليه العتق.
وأما المقول له؛ فبتنجيز عتقه لنصيبه.
стр. 3750
(و) إن قال أحد الشريكين في رقيق لشريكه: (إن أعتقت نصيبك فنصيبي حر مع نصيبك فعل) أي: فأعتق نصيبه: (عتق) المشترك (عليهما مطلقاً) أي: سواء كانا موسرين أو معسرين، أو كان أحدهما موسراً والآخر معسراً.
ولم يلزم المعتق شيء؛ لأن العتق وجد منهما معاً. فهو كما لو وكل الشريكان غيرهما في إعتاقه فأعتقه بلفظ واحد.
وإن قال: إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر قبل إعتاقك فأعتق المقول له
نصيبه: وقع عتقهما معاً على الأصح.
وقيل: يعتق كله على المعتق. ولا يقع عتق القائل؛ لأنه إعتاق في زمن ماض.
وقيل: يعتق جميعه على القائل، ويضمن لشريكه قيمة نصيبه منه.
(ومن قال لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس فأنت حرة قبله فصلت كذلك)
أي: مكشوفة الرأس: (عتقت) في الأصح؛ لوجود الشرط وهو صلاتها الصحيحة.
وقيل: لا تعتق؛ لبطلان الصفة بتقديم المشروط.
(و) إن قال مالك قِنّ لقنه: (إن أقررتُ بك لزيد فأنت حر قبله. فأقر به له) أي: لزيد: (صح إقراره) له (فقط). أي: دون العتق. ذكره في " الإنصاف "، ولم يذكر فيه خلافاً.
(و) لو قال: (إن اقررتُ بك لزيد فأنت حر ساعة إقراري. ففعل) أي:
فأقر به لزيد: (لم يصحا) أي: لم يصح الإقرار ولا العتق. ذكره أيضاً في
" الإنصاف "، ولم يذكر فيه خلافاً.
(ويصح شراء شاهدين من) أي: عبداً شهدا على سيده أنه أعتقه،
و (ردت شهادتهما بعتقه، ويعتق) عليهما؛ (كانتقاله) أي: انتقال من ردت شهادتهما بعتقه (لهما بغير شراء)؛ كهبة. ولا ولاء لهما عليه؛ لأنهما يعترفان
أن المعتق غيرهما. وإنما هما مخلّصان له ممن يسترقه ظلماً. فهما كمخلص الأسير من أيدي الكفار.
стр. 3751
(ومتى رجع بائع) بأن أقر بعتقه الذي شهد به الشاهدان وردت شهادته
به: (رد ما أخذ) منهما على أنه ثمن وجوباً؛ لاعترافه بأنه قبضه بغير حق. (واختص بإرثه) بالولاء. هذا إذا رجع البائع عن إنكاره (١) العتق وبقيت الشهود على شهادتهم.
(ويوقف) إرثه: (إن رجع الكل) أي: إن رجع الشهود عن شهادتهم بعتقه، ورجع البائع عن إنكاره العتق بعد بيعه (حتى يصطلحوا) عليه.
(وإن لم يرجع أحد) منهم عما ذكره، بأن لم يرجع البائع عن إنكاره العتق، ولم يرجع الشهود عن شهادتهما عليه بالعتق: (فـ) إن إرثه يكون (لبيت المال)؛ لأن كلاَّّ منهم مقر بأنه لاحق له فيه. فيكون فيئا لبيت المال (٢) ؛ كسائر الأموال التي لا يعلم لها مالك.
***
стр. 3752
[فصل: في تعليق العتق بصفة]
(فصل. ويصح تعليق عتق بصفة؛ كـ) قوله: (إن أعطيتني ألفاً فأنت حر)؛ لأنه تعليق محض.
وكذا يصح تعليقه على دخول الدار ومجيء الأمطار وغير ذلك؛ لأنه عتق بصفة. فصح؛ كالتدبير.
وإذا علق عتقه على مجيء وقت؛ كقوله: أنت حر في رأس الحول لم يعتق حتى يجيء رأس الحول.
قال أحمد: إذا قال لغلامه: أنت حر إلى أن يقدم فلان ويجيء فلان: واحد. وإلى رأس السنة، وإلى رأس الشهر: إنما يريد إذا جاء رأس الشهر أو جاء رأس الهلال.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا قال لعبده: أنت حر في رأس الحول عتق في الحال.
ولنا: ما روي عن أبي ذر: " أنه قال لعبده: أنت عتيق إلى رأس الحول ". فلولا أن العتق يتعلق بالحول لم يعلقه عليه.
ولأنه علق العتق بصفة. فوجب أن يتعلق بها؛ كما لو قال: إذا أديت إلي
ألفا فأنت حر.
(ولا يملك) السيد (إبطاله) أي: إبطال التعليق (ما دام ملكُه) على من علق عتقه بصفة؛ لأنها صفة لازمة ألزمها نفسه. فلا يملك إبطالها بالقول، قياساً على النذر.
وكذا إن أتفق السيد والعبد على إبطالها لم تبطل كذلك.
(و) أما إذا قال لعبده: إن أعطيتني ألفاً، أو إن أديت إليَّ ألفا فأنت حر:
стр. 3753
فإنه (لا يعتق بإبراء) أي: بإبراء السيد له من الألف؛ لأنه لا حق له في ذمته يُبرئه منه، ولا يبطل التعليق بذلك.
(و) إذا أدى إليه ألفاً عتق و (ما فضل عنه) أي: عن الألف بيد العبد (فلسيد) (١) .
قال في " الإنصاف ": لو قال: إن أعطيتني ألفا فأنت حر فهو تعليق محض
لا يبطله ما دام ملكُه، ولا يعتق بالإبراء منها بل يدفعها. نص عليه، [وما فضل عنها لسيده] (٢) .
قال في " شرح المقنع ": وما يكسبه قبل وجود الشرط فلسيده؛ لأنه لم يوجد ما يمنعه. إلا أنه إذا علق عتقه على أداء مال معلوم فما أخذه السيد حسبه من المال. فإذا. كمل أداء المال عتق. انتهى.
قال في " الفروع ": ولا يكفيه أن يعطيه من ملكه إذ لا ملك له.
(وله) أي: وللسيد (أن يطأ) أمته التي علق عتقها بصفة قبل وجودها على الأصح؛ لأن استحقاقها العتق بوجود الصفة لا يمنع إباحة الوطء؛ كالاستيلاد. فأما المكاتبة فإنما لم يبح وطؤها؛ لأنها اشترت نفسها من سيدها بعوض وزال ملكه عن أكسابها. بخلاف مسألتنا.
(و) للسيد أيضاً أن (يقف) رقيقاً علق عتقه بصفة قبلها، (و) أن (ينقل ملك من علَّق عتقه) بصفة (قبلها) أي: قبل وجودها.
ثم إن وجدت وهو في ملك غير المعلِّق لم يعتق. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي؛ لقول النبي ﷺ : " لا طلاق ولا عتاق ولا بيع فيما لا يملك ابن ادم " (٣) . ولأنه لا ملك له عليه. فلم يقع طلاقه وعتاقه؛ كما لو لم يتقدم عليه ملك.
стр. 3754
(وإن عاد ملكُه) أي: ملك المعلق على من علق عتقه بصفة (ولو بعد وجودها) أي: وجود الصفة (حال زواله) أي: زوال ملك المعلق عنه (عادت) الصفة. فمتى وجدت وهو في ملكه عتق على الأصح، لأن التعليق والشرط وجدا في ملكه. فأشبه ما لو لم يتخللهما زوال ملك ولا وجود الصفة حال زواله.
ولا يعتق قبل وجود الصفة بكمالها، كالجُعل في الجعالة. فلو قال لعبده:
إذا أديت ألفاً فأنت حر لم يعتق حتى يؤدي جميعه.
قال في " شرح المقنع ": وذكر القاضي أن من أصلنا أن العتق المعلق بصفة يوجد بوجود بعضها، كما لو قال: أنت حر إن أكلت رغيفاً فأكل نصفه. ولا يصح ذلك لوجوه:
أحدها: أن أداء الألف شرط للعتق. وشروط (١) الأحكام يعتبر وجودها بكمالها لثبوت الأحكام. وتنتفي بانتفائها، كسائر شروط الأحكام.
الثانى: أنه إذا علقه على وصفِّ ذي عدد فالعدد وصف في الشرط، ومن
علق الحكم على شرط ذي وصف لم يثبت ما لم توجد الصفة؛ كقوله لعبده: إن خرجت عارياً فأنت حر فخرج لابساً لم يعتق. فكذلك العدد.
الثالث: أنه متى كان في اللفظ ما يدل على الكل لم يحنث حتى يفرغ مما يسمى صلاة ويصوم يوماً. ولو قال لامرأته: إن حضت حيضة فأنت طالق: لم تطلق حتى تطهر من الحيضة. وذِكْرُ الألف هاهنا يدل على أنه أراد ألفا كاملة.
الرابع: أن الأصل الذي ذكره فيما إذا قال: إذا أكلت رغيفاً فأنت حر: أنه يعتق بأكل بعضه: ممنوع.
وأما إذا حلف لا يفعل شيئاً ففعل بعضه يحنث في رواية في موضع يحتمل إرادة البعض، ويتناوله اللفظ، كمن حلف لا يصلي فشرع في الصلاة، أو لا يصوم فشرع في الصوم، أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه ونحو هذا،
стр. 3755
لأن الشارع في الصلاة والصيام قد صلى وصام ذلك الجزء الذي شرع فيه، والقدر الذي شربه من الإناء هو ماء الإناء. وقرينة حاله تقتضي المنع من الكل فيقتضي الامتناع من الكل، ومتى فعل البعض فما امتنع من الكل فحنث لذلك. ولو حلف على فعل شيء لم يبرأ إلا بفعل الجميع. وفي مسألتنا تعليق الحرية على أداء الألف يقتضى وجود أدائها. فلا يثبت الحكم المعلق عليها دون أدائها؛ كمن حلف ليؤدين ألفاً لا يبرأ حتى يؤديها.
الخامس: أن موضوع الشرط في الكتاب والسنة والأحكام الشرعية (١) على
أنه لا يثبت المشروط بدون شرطه. فقول النبي ﷺ : " من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة " (٢) . فلو قال بعضها لم يستحق إلا العقوبة.
وقوله: " من أحيا أرضاً ميتة فهي له " (٣) : لا تكون له بشروعه في الإحياء.
ولو قال في المسابقة: من سبق إلى خمسة إصابات فهو سابق لم يكن سابقاً
إذا سبق إلى أربع. ولو قال: من رد ضالتي فله عليَّ دينار لم يستحقه بالشروع في ردها. فكيف تخالف موضوعات الشرع واللغة بغير دليل؟ وإنما الرواية التي جاءت عن أحمد في الأيمان فيمن حلف أن لا يفعل شيئاً ففعل بعضه يحنث؛ لأن اليمين على الترك يُقصد بها المنع فنزلت منزلة النهى والنهي عن فعل شيء يقتضي المنع من بعضه. بخلاف تعليق المشروط على الشرط.
(ويبطل) التعليق (بموته) أي: موت المعلِّق؛ لزوال ملكه زوالاً غير قابل للعود. (فقوله) أي: قول السيد لعبده: (إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر لغو)؛ كقوله لعبد غيره: إن دخلت الدار فأنت حر.
ولأنه علق عتقه على صفة توجد بعد موته وزوال ملكه. فلم يصح؛ كما لو قال: إن دخلت الدار بعد بيعي لك فأنت حر.
стр. 3756
ولأنه إعماق له بعد استقرار ملك غيره عليه. فلم يعتق به؛ كالمنجّز.
(ويصح) من مالك قوله لعبده: (أنت حر بعد موتي بشهر) على الأصح
وفاقاً للشافعي. ذكره القاضى وابن أبي موسى؛ كما لو وصى بإعتاقه، وكما لو
وصى أن تباع سلعته ويتصدق بثمتها.
(فلا يملك وارث بيعه) أي: بيع العبد الذي قيل له ذلك (قبله) أي: قبل
مضي الشهر، (كـ) ما لا يملك وأرث بيع (موصى بعتقه قبله) أي: قبل
عتقه، (أو) موصى به (لمعين قبل قبوله) أي: قبول من أوصي له به.
(وكسبه) أي: كسب العبد (بعد الموت) أي: موت سيده (وقبل انقضاء
الشهر للورثة) في الأصح، ككسب أم الولد في حياة سيدها.
(وكذا) في الحكم قول السيد لعبده: (اخدم زيداً سنة بعد موتي، ثم أنت
حر). فإذا فعل ذلك وخرج من الثلث في هذه المسألة والتي قبلها: عتق.
(فلو أبراه زيد من الخدمة) وقد مات سيده: (عَتَق في الحال) أي: حال
إبراء زيد له؛ لأن الخدمة المستحقة عليه وهبت له فبرئ منها.
(وإن جعلها) أى: جعل السيد الخدمة (لكنيسة وهما) أي: السيد والعبد
(كافران فأسلم العبد قبلها) أي: قبل الخدمة وبعد موت سيده: (عتق مجاناً)
أي: من غير أن يلزمه شيء على الأصح؛ لأن الخدمة المشروطة عليه صار
لا يتمكن منها؛ لأن الإسلام يمنعه منها. فيبطل اشتراطها؛ كما لو شرط عليه
شرطاً باطلا فإنه يعتق ويبطل الشرط.
وأما كونه لا يلزمه شيء؛ لأن خدمة الكنيسة صارت بالنسبة إليه شرطاً
باطلاً. فلم يلزمه فعله؛ كسائر الشروط الباطلة.
(و) إن قال مالك قِنِّ له: (إن خدمت ابني حتى يستغني فأنت حر. فخدمه
حتى كبر واستغنى عن رضاع: عَتَق) في الأصح.
وقيل: لا يعتق حتى يستغنى عن إطعامه وتنجيته.
نقل مهنا: لا يعتق حتى يستغني. قلت: حتى يحتلم. قال: لا. دون الإحتلام.
стр. 3757
ولا يشترط كون قدر زمن الخدمة معلوماً. فلو قال: أعتقتك على أن تخدم زيداً مدة حياتك: صح؛ وذلك لما روي عن سفينة قال: " كنت مملوكاً لأم سلمة. فقالت: أعتقك وأشترط عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عشتَ. فقلت: إن لم تشترطي عليَّ ما فارقت رسول الله ﷺ ما عشت. فأعتقيني واشترطي عليَّ " (١) . رواه أحمد وأبو داود واللفظ له والنسائي والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.
ومعناه عن ابن مسعود.
ولأن العبد ومنافعه ملكّ للسيد. فإذا أعتقه وشرط استثناء منافعه فقد أخرج الرقبة، وبقي المنفعة على ما كانت عليه.
ولأن قاعدتنا صحةُ الوقف واستثناء منافعه وكذا البيع.
لكن يشترط تقدير زمن الاستثناء في البيع، لأنه عقد معاوضة فيشترط فيه
علم الثنيا وزمنها؛ لأن الثمن يختلف من حيث طولها وقصرها.
(و) لو قال مالك قِنْ له: (إن فعلتَ كذا فأنت حر بعد موتي. ففعله):
كما لو قال له: إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي فدخلها (في حياة سيده: صار مُدَبْراً)، لأنه وُجد شرط التدبير وهو دخول الدار. لا إن دخلها بعد موت سيده، لأنه جعل ما بعد الموت ظرفاً لوقوع الحرية، وذلك يقتضي سبق وجود شرط ذلك، لأن الشرط لا بد أن يسبق الجزاء.
(ويصح) على الأصح من حر (لا من رقيق تعليقُ عتق قِنّ غيره بملكه: نحو) أن يقول: (إن ملكتُ فلاناً) فهو حر، (أو) أن يقول: (كلُّ مملوك أملكه فهو حر) فإذا ملكه عتق، لأنه أضاف العتق إلى حال يملك عتقه فيه. فأشبه ما لوكان التعليق في ملكه.
стр. 3758
وروى أبو طالب عن أحمد أنه قال: إذا قال: إن اشتريتُ هذا الغلام فهو
حر فاشتراه عتق. بخلاف ما لو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق؛ لأن العتق مقصود من الملك، والنكاج لا يقصد به الطلاق. وفرق أحمد بأن الطلاق ليس لله ولا فيه قربة إلى الله تعالى.
وعلم مما تقدم أن العبد لو قال ذلك: لم يصح؛ لأنه لا يصح منه عتق حين التعليق؛ لكونه لا يملكه. ولو قيل بملكه فهو ملك ضعيف لا يتمكن من التصرف فيه، وللسيد انتزاعه منه. بخلاف الحر.
الا) تعليقُ عتق ما لا يملكه (بغيره) أي: بغير ملكه له: (نحو) أن يقول: (إن كلمت عبد زيد فهو حر. فلا يعتق إن ملكه ثم كلمه) رواية واحدة. وهو القياس، خولف في تعليقه بملكه؛ لأن العتق مقصود من الملك.
(و) إن قال مكلف حر: (أول) قِنَ أملكه، (أو) قال: (آخر قِنّ أملكه، أو) أول أو آخر من (يطلع من رقيقي حر. فلم يملك) إلا واحداً، (أو) لم (يطلع) من رقيقه (إلا واحد: عَتَقَ)؛ لأنه ليس من شرط الأول أن يأتي بعده ثان، ولا من شرط الآخر أن يأتي قبله أول.
(ولو ملك اثنين معاً أولاً أو آخراً، أو قال لأمته: أول ولد تلدينه حر. فولدت) ولدين (حيين معاً: عتق واحد) منهما (بقرعة). نص عليه أحمد. فإنه قال في رواية مهنا: إذا قال: أول من يطلع من عبيدي فهو حر فطلع اثنان أو جميعهم فإنه يقرع بينهم.
ووجه ذلك: أنه إذا لم يسبقهما غيرهما فقد ثبت وجود الصفة فيهما.
وإذا تقرر ذلك فإما أن يعتقا أو يعتق أحدهما وتعينه القرعة وهو المنصوص
فلا يعدل عنه.
ولأن صفة الأولية شاملة لكل واحد بانفراده، والمعلق إنما أراد عتق واحد فقط. فميزنا بالقرعة.
(و) لو قال لأمته: (آخر ولد تلدينه) فهو (حر. فولدت حياً ثم ميتاً: لم
يعتق الأول)؛ لأنه لم يوجد شرط عتقه.
стр. 3759
(وإن ولدت ميتاً ثم) ولدت (حياً: عتق الثاني)، لوجود شرطه.
(وإن ولدت توأمين فأشكل الآخر) منهما: (أخرج بقرعة)، لأن أحدهما استحق العتق ولم يعلم بعينه (١) . فوجب إخراجه بالقرعة.
(و) لو قال لأمته: (أول ولد تلدينه، أو) قال: (إن ولدت حياً فهو حر. فولدت) ولداً (ميتاً ثم) ولدت (حياً: لم يعتق الحي)، لأن شرط العتق إنما وجد في الميت وليس بمحل العتق فانحلت اليمين به. وإنما قلنا إن شرط العتق وجد فيه، لأنه أول ولد. بدليل أنه لو قال لأمته: إذا ولدت فأنت حرة فولدت ولداً عتقت.
(و) لو قال من له إماء وزوجات: (أول أمة) لي تطلع، (أو) قال: أول (امرأة لي تطلع). فا لأمة (حرة أو) فالمراة (طالق. فطلع الكل) أي: كل إمائه أو كل زوجاته معاً، (أو) طلع (ثنتان) من الإماء (معاً) أو ثنتان من الزوجات معاً: (عتق) من الإماء واحدة بقرعة، (وطلق) من الزوجات (واحدة بقرعة). قياساً على ما تقدم.
(و) لو قال من يصح عتقه: (آخر قِن أملكه) فهو (حر. فملك عبيداً ثم مات: فآخرهم حر من حين شرائه) له، لأن السيد ما دام حياً لم يحكم بعتق واحد من رقيقه، لأنه يحتمل أن يشتري عبداً بعد الذي في ملكه فيكون هو الأخير. فإذا مات علمنا أن آخر ما اشتراه هو الذي وقع عليه العتق، (و) كان (كسبه له) من حين شرائه.
(ويحرم) على من قال: آخر قن أملكه حر (وطء) كل (أمة) اشتراها بعد قوله ذلك (حتى يملك غيرها)، لاحتمال أن لا يملك بعدها قناً فتكون حرة من حين شرائها، ويكون وطؤه في حرة أجنبية. وإنما يزول هذا الاحتمال بشرائه غيرها. (ويتبع معتقة) أي: من عتقت (بصفة) علق عتقها عليها (ولا) أي: ولدها في عتقه بعتقها إن (كانت حاملاً به حال عتقها) بوجود الصفة المعلق
стр. 3760
عليها؛ لأن العتق وجد فيها وهي حامل به (١) فتبعها في العتق ولدها كالمنجز عتقها. (أو) كانت حاملاً به (حال تعليقه) أي: حال تعليق سيدها العتق على وجود تلك الصفة؛ لأنه كان حين التعليق كعضو من أعضائها فسرى التعليق إليه (٢) . فلو وضعته قبل وجود الصفة ثم وجدت الصفة: عتقت هي وولدها؛ لأنه تابع في الصفة. فأشبه ما لو عتقت وهي حامل به.
(لا ما) أي: لا حملاً (حملته ووضعته بينهما) أي: بين التعليق ووجود الصفة فإنه لا يعتق في الأصح؛ لأن الصفة لم تتعلق به حال التعليق، ولافي حال العتق. (و) من قال لرقيقه: (أنت حر وعليك ألف): فإنه (يعتق بلاشيء عليه) على الأصح؛ لأنه أعتقه بغير شرط، وجعل عليه عوضاً لم يقبله. فعتق ولم يلزمه شيء.
(و) إن قال: أنت حر (على ألف، أو) أنت حر (بألف، أو) أنت حر (على أن تعطيني ألفاً، أو) يقول له: (بعتك نفسك بألف): فإنه (لا يعتق حتى يقبل) على الأصح؛ لأنه أعتقه بعوض. فلم يعتق بدون قبوله.
ولأن " على " تستعمل للشرط والعوض، قال الله : ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، وقال: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤] وقال: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
(و) من قال لقنه: أنت حر (على أن تخدمني سنة) أو شهراً: فإنه
(يعتق) في الحال (بلا قول) من القن. (وتلزمه الخدمة) على الأصح.
(وكذا لو أستثنى خدمته مدة حياته، أو) استثنى (نفعه مدة معلومة.
وللسيد) فيما إذا استثنى خدمته أو نفعه مدة معلومة (بيعُها) أي: بيع مدة النفع المعلومة (من العبد و) من (غيره) على الأصح.
стр. 3761
نقل حرب: لا بأس ببيعها من العبد أو ممن شاء.
(وإن مات) السيد (في أثنائها) أي: أثناء مدة الخدمة المعينة: (رجع الورثة) أي: ورثة السيد (عليه) أي: على العبد المستثني سيده خدمته مدة معلومة (بقيمة ما بقي من) مدة (الخدمة)؛ لأن العتق عقد لا يلحقه الفسخ. فإذا تعذر فيه استيفاء العوض رجع إلى قيمته؛ كالنكاح والمُصالح به عن دم عمد. (ولو باعه) أي: باع السيد العبد (نفسه بمال في يده) أي: يد العبد: (صح) على الأصح، (وعتق).
قال في " الترغيب ": مأخذهما هل هو معاوضة أو تعليق؛
(وله) أي: وللسيد (ولاؤه)؛ لعموم قوله ﷺ : " الولاء لمن أعتق " (١) .
(و) من قال لقنه: (جعلتُ عتقك إليك، أو خيرتك) في عتقك (ونوى) بذلك (تفويضه إليه) أي: تفويض العتق إلى القن، (فأعتق) القن (نفسه في المجلس: عتق). وإلا فلا.
قال في " الفروع ": ويتوجه كطلاق.
(و) لو قال عبد لغير سيده: (اشترني من سيدي بهذا المال وأعتقني. فاشتراه بعينه) أي: بعين المال الذي اعطاه له العبد: (لم يصحا) أي: لم يصح الشراء ولا العتق إذا أعتقه؛ لأنه اشترى بعين مال غيره شيئاً بغير إذنه. فلم يصح الشراء ولم ينفذ العتق؛ لأنه أعتق مملوك غيره بغير إذنه. ويكون السيد قد اخذ ماله؛ لأن ما في يد العبد محكوم به لسيده.
(وإلا) أي: وإن لم يقع الشراء بعين المال واشتراه وأعتقه صح الشراء، و (عتق، ولزم مشتريه) الثمن (المسمى) في العقد. وما دفعه للسيد مما أخذه من العبد ملك للسيد لا يحتسب من الثمن. ويلزم المشتري أداء الثمن الذي اشتراه به في ذمته، ويكون ولاء المعتق له.
***
стр. 3762
[فصل: لو قال: كل مملوك حر]
(فصل. و) لو قال من يصح عتقه: (كل مملوك) لي حر، (أو) كل (عبد لي) حر، (أو) كل (مماليكي) حر، (أو) كل (رقيقي حر): فإنه (يعتق) عليه (مدبّروه ومكاتبوه، وأمهات أولاده، وشقص يملكه، وعبيد عبده التاجر). نص عليه. ولو استوعبهم دين عبده التاجر؛ لأن لفظه عام فيهم. فيعتقون؛ كما لو عينهم.
ونقل مهنا: لا يعتق شقص حتى ينويه. ذكره ابن عقيل وغيره؛ لأنه لا يملكه كله.
والأول المذهب.
(و) إن قال: (عبدي حر، أو) قال: (أمتي حرة، أو) قال: (زوجتي طالق ولم ينو معيناً) من عبيده أو إمائه أو زوجاته: (عَتَقَ) كل عبيده فيما إذا قال: عبدي حر، أو كل إمائه فيما إذا قال: أمتي حرة، (أو طلق الكل) من زوجاته فيما إذا قال: زوجتي طالق على الأصح. نص عليه. وهو من مفردات المذهب؛ (لأنه) أي: لأن لفظ عبدي أو أمتي أو زوجتي (مفرد مضاف. فيعم) العبيد والإماء والزوجات. وهذا منصوص أحمد.
قال في رواية حرب: لو كان له نسوة. فقال: امرأتي طالق، أذهب إلى قول ابن عباس، يقع عليهن الطلاق. وليس هذا مثل قوله: إحدى الزوجات طالق؛ وذلك لقوله : ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وهذا شامل لكل نعمة ولكل ليلة.
стр. 3763
ولقوله ﷺ : " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " (١) . وهي تعم كل صلاة جماعة.
وقيل: يعتق واحد بالقرعة، وتطلق واحدة وتخرج بالقرعة.
قال أبو محمد الجوزي بعد المسألة: وكذا إن قال: كل عبد أملكه قي المستقبل.
(و) إن قال: (أحد عبدي) حر، (أو) قال: أحد (عبيدي) حر،
(أو) قال: (بعضهم) أي: بعض عبيدي (حر، ولم ينوه) أي: ولم يعينه بالنية، (أو عينه ونسيه، أو أدَّى أحد مكاتبيه) ما عليه (وجُهل) المؤدي منهما، (ومات بعضُهم) أي: المبهمين أو المنسيين، (أو) مات (السيد أو لا) يعني: أو لم يمت: (أقرع) السيد بين المبهمين والمنسيين، (أو) أقرع (وارثه) أي: وارث السيد إن كان مات بين من تقدم ذكره. (فمن خرج) منهم بالقرعة (فـ) هو (حر من حين العتق) وكسبه له؛ لأن مستحق العتق في هذه المسائل واحد غير معين فيخرج بالقرعة. أشبه ما لو أعتق جميعهم في مرضه، ولم تجز الورثة فإنه يخرج بالقرعة منهم ما يقابل ثلث ماله.
(ومتى بان لناسٍ) أي: من أعتق معيّناً ونسيه، (أو) بان لـ (جاهل) فيما
إذا أدى أحد مكاتبيه، وجهل (أن عتيقه اخطأته القرعة: عتق) الذي أخطأته القرعة؛ لأنه قد تعين أنه المعتق، (وبطل عتق المخرج) في الأصح؛ لتبين أن المعتق غيره.
ومحل ذلك: (إذا لم يحكم بالقرعة)؛ لأنه إذا حكم بالقرعة حاكم كان في إبطال عتق المخرج نقض لحكم الحاكم بالقرعة.
(و) إن قال مالك رقيقين: (أعتقت هذا. لا بل هذا: عَتَقا) جميعاً.
стр. 3764
(وكذا إقرار وارث) يعني: أنه لو قال وارثُ ميت: مورثي أعتق هذا.
لا بل هذا. عتق الاثنان.
(وإن أعتق) مالك رقيقين (أحدهما بشرط. فمات أحدهما) قبل الشرط (أو باعه) أي: باع السيد أحدهما (قبله) أي: قبل الشرط: (عَتق الباقي) منهما بوجود الشرط؛ كما لو قال لهما: إن قدم زيد في هذا الشهر فأحدكما حر. فمات أحدهما أو باعه السيد قبل قدوم زيد، ثم قدم زيد في الشهر المعلق العتق على قدومه فيه: عتق؛ لمصادفة وجود الشرط لمن هو محل لوقوع العتق به. (كقوله) أي: قول مالك قِنّ (له ولأجنبي): أحدكما حر، (أو) قال
عن قنه و (بهيمة: أحدهما حر: فيعتق) قنه (وحده) دون الأجنبي. واختار الموفق: أنه يقرع بين الحي والميت، وبين الباقي والمبيع؛ لأنهما محل للعتق وقت قوله.
والأول المذهب.
(وكذا طلاق) فيما إذا كان له زوجتان وعلّق طلاق إحداهما مبهمة بشرط ثم ماتت إحداهما أو بانت (١) قبل وجود الشرط ثم وجد والأخرى في عصمته: فإنها تطلق. وكذا لو قال لها ولأجنبية: إحداكما طالق.
***
стр. 3765
[فصل: فيمن أعتق في مرضه]
(فصل. ومن أعتق في مرضه) أي: مرض موته المخوف (جزءاً من) رقيق (مختص به، أو) من رقيق (مشترك) بينه وبين غيره، (أو دبّره) أي: دبر جزءاً من مختص به أو مشترك أو كل ذلك. (ومات وثلثه) أي: ثلث المخلف عنه (يحتمله) أي: يحتمل من أعتق جزءاً منه أو دبر جزءاً منه (كله: عتق) كله على الأصح " لأن عتق الميت لجزءه أو تدبيره لجزءه يسري إلى باقيه من ثلث ماله؛ لأن ملك المعتِق لثلث ماله ملكٌ تام يملك التصرف فيه بالتبرع وغيره. فأشبه عتق الصحيح الموسر.
(ولشريك في) رقيق (مشترك) بينه وبين المريض: (ما يقابل حصته) أي: حصة الشريك (من قيمته) أي: قيمة المشترك يوم عتقه يعطى له من التركة، لقوله ﷺ : " وأعطى شركاؤه حصصهم " (١) .
(فلو مات) العبد الذي أعتق في مرضه جزءاً منه (قبل سيده: عتق بقدر ثلثه) منه.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
وقيل: يعتق كله؛ لأن رد الورثة هنا لا فائدة لهم فيه. انتهى.
(ومن أعتق في مرضه) أي: مرض موته المخوف (ستة) من عبيد أو إماء (قيمتهم سواء، وثلثه يحتملهم) في الظاهر، (ثم ظهر) على معتقِهم (دين يستغرقهم) أي: يستغرق الستة الذين (٢) أعتقهم وما معهم من ماله: (بيعوا) كلهم على الأصح (فيه) أي: في الدين؛ لتبين بطلان عتقهم بظهور الدين.
стр. 3766
ويكون عتقهم وصية، والدين مقدم على الوصية؛ لقول علي ﵁ " أن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية " (١) .
ولأن الدين يقدم على الميراث بالاتفاق، ولهذا تباع التركة في قضاء الدين. وذكر أبو الخطاب رواية: في الذي يعتق عبده في مرضه وعليه دين يستغرقه: أنه يعتق منه بقدر الثلث ويرد الباقي، لأن تصرف المريض في ئلثه كتصرف الصحيح في جميع ماله.
والأصح الأول، لأنه تبرع في مرض الموت بما يعتبر خروجه من الثلث. فقدم عليه الدين، كالهبة. وخفاء الدين لا يمنع ثبوت حكمه ولهذا يملك الغريم استيفاءه.
(وإن استغرق) الدين (بعضهم) أي: بعض الستة التي أعتقهم: (بيع) منهم (بقدره) أي: بقدر ما يستغرقه الدين منهم.
ومحل ذلك: (ما لم يلتزم وارثه) أي: وارث المعتق (بقضائه) أي: قضاء الدين (فيهما) أي: في صورة ما إذا استغرق الدين جميعهم، وفي صورة ما إذا استغرق الدّين بعضهم في الأصح، لأن المانع من نفوذ العتق إنما هو الدين. فإذا سقط بقضاء الوارث وجب نفوذ العتق، كما لو أسقط الورثة حقهم من ثلثي التركة بعد العتق الصادر من المريض فيما لا يملك غيره.
(وإن لم) يظهر عليه دين ولم (يعلم له مال غيرهم) أي: غير الستة الذين (٢) أعتقهم ولم تجز الورثة العتق في جميعهم: (عتق ثلثهم) فقط.
(فإن ظهر له) أي: للميت (مال) بعد ذلك (يخرجون) أي: الستة الذين (٣) أعتقهم الميت (من ثلثه) أي: ثلث مال الميت: (عتق من أرقَّ) منهم
стр. 3767
من حين عتق الميت لهم؛ لأن تصرف المريض في ثلثه نافذ، وقد بان أنهم ثلث ماله، وخفاء ما ظهر من المال علينا لا يمنع كون العتق موجوداً من حينه، ويكون
ما كسبوه بعد عتقهم لهم. وإن كان قد تصرف فيهم ببيع أو نحوه كان باطلاً. (وإلا) أي: وإن لم يظهر له شيء من المال غيرهم: (جزَّأناهم ثلاثة)
أي: ثلاثة أجزاء، (كل اتنين جزءاً، وأقرع نا بينهم بسهم حرية وسهمي رق.
فمن خرج له سهم الحرية) من الأجزاء الثلاثة: (عتق، ورقَّ الباقون).
وبهذا قال عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان ومالك والشافعى وإسحاق وداود وابن جرير. وقال أبو حنيفة: يعتق من كل واحد ثلثه ويستسعي في باقيه.
وروي نحو هذا عن سعيد بن المسيب وشريح والشعبي والنخعي وقتادة وحماد؛ لأنهم تساووا في سبب الاستحقاق. فيتساوون في الاستحقاق؛ كما لو كان يملك ثلثهم وحده وهو ثلث ماله، وكما لو وصى بكل واحد لرجل.
وأنكر أصحاب أبي حنيفة القرعة وقالوا: هي من القمار وحكم الجاهلية. ولعلهم يردون الخبر في هذه المسألة لمخالفة قياس الأصول. وذكر الحديث لحماد فقال: هذا قول الشيخ- يعني: إبليس-. فقال له محمد بن ذكوان: رفع القلم عن ثلاثة أحدهم المجنون حتى يُفيق- يعني: أنك مجنون. فقال له حماد: ما دعاك إلى هذا؟ فقال له محمد: وأنت وما دعاك إلى هذا؟
وهذا قليل في جواب حماد وكان حريّاً أن يستتاب عن هذا. فإن تاب وإلا
ضربت عنقه. ولنا: ما روى عمران بن حصين: " أن رجلاً من الأنصار أعتق ستة مملوكين (١) في مرضه لا مال له غيرهم. فجزأهم رسول الله ﷺ ستة أجزاء. فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة " (٢) .
стр. 3768
وهذا نص في محل النزاع وحجة لنا في الأم رين المختلف فيهما. وهو جمع الحرية واستعمال القرعة. وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داو د وساكر أصحاب السنن. ورواه عن عمران الحسن وابن سرين وأبو المهلب ثلاثة ائمة. ورواه الإمام أحمد عن إسحاق بن عيسى (١) عن هشيم عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي زيد الأنصاري، رجل من أصحاب النبي ﷺ (٢) .
وروي نحوه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٣) .
ولأن العتق حق في تفريقه ضرر. فوجب جمعه بالقرعة؛ كقسمة الإجبار إذا طلبها أحد الشركاء. ونظيره من القسمة: ما لو كانت دار بين اثنين لأحدهما ثلثها وللآخر ثلثاها، وفيها ثلاث (٤) مساكن متساوية، لا ضرر في قسمتها. فطلب أحدهما القسمة: فإنه يُجعل كل بيت سهما، ويقرع بينهما بثلاثة أسهم، لصاحب الثلث سهم، وللآخر سهمان.
وقولهم: أن الخبر يخالف قياس الأصول يمنع ذلك بل هو موافق لما ذكرناه. وقياسهم فاسد؛ لأنه إذا كان ملكه ثلثهم وحده لم يمكن جمع نصيبه. والوصية لا ضرر في تفريقها. بخلاف مسألتنا.
وإن سلمنا مخالفته قياس الأصول فنقول رسول الله ﷺ و (٣) الاتباع. سواء وافق القياس أو خالفه؛ لأنه قول المعصوم الذي جعل الله قوله حجة على الخلق أجمعين، وأمر باتباعه وطاعته، وحذر بالعقاب من
стр. 3769
مخالفة أمره، وجعل الفوز في طاعته والضلال في معصيته. وتطرق (١) الخطأ إلى القياس في قياسه أغلب من تطرق الخطأ إلى أصحاب رسول الله والأئمة بعدهم في روايتهم.
على أنهم قد خالفوا قياس الأصول بأحاديث ضعيفة: فأوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر، ونقضوا الوضوء بالقهقهة في الصلاة دون خارجها.
وقولهم في مسألتنا: يعتقون الثلث ويستسعون العبيد في الثلثين فلا يحصل للورثة شيء في الحال ويحيلونهم على السعاية. فربما لا يحصل منها شيء أصلاً، وربما لا يحصل منها في الشهر إلا اليسير، كالدرهم والدرهمين فيكون هذا كمن لم يحصل له شيء.
وفيه ضرر على العبيد، لأنهم يجبرون على التكسب والسعاية من غير اختيارهم. وربما كانوا إماء فيحملهن ذلك على البغاء، أو عبيداً فيسرقون أو يقطعون الطريق. وفيه ضرر على الميت حيث أفضوا بوصيته إلى الظلم والإضرار وتحقيق ما يوجب له العقاب من ربه والدعاء عليه من عبيده وورثته.
وأما إنكارهم القرعة فقد جاءت في الكتاب والسنة، قال الله : ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقال سبحانه وتعا لى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١].
وأما السنة. فقال أحمد: في القرعة خمس سنن:
" أقرع بين نسائه " (٢) .
و" أقرع في ستة مملوكين " (٣) .
стр. 3770
و" قال لرجلين: استهما " (١) .
وقال: " مثل القائم بحدود الله والمداهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة " (٢) .
وقال: " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه " (٣) .
وفي حديث ابن الزبير: " أن صفية جاءت بثوبين ليكفن فيهما حمزة. فوجدنا
إلى جنبه قتيلاً. فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب. فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر. فأقرعناعليهما. ثم كفنا كل واحد في الثوب الذي صار له ".
و" تشاحّ الناس يوم القادسية في الأذان فأقرع بينهم سعد " (٤) .
وأجمع العلماء على استعمالها في القسمة. ولا نعلم بينهم خلافاً في أن الرجل يقرع بين نسائه إذا أراد السفر بإحداهن، وإذا أراد البداءة بإحداهن بالقسمة بينهن، وبين الأولياء إذا تشاحوا فيمن يتولى التزويج أو من يتولى استيفاء القصاص ونحو ذلك.
(وإن كانوا) أي: الذين أعتقهم في مرضه (ثمانية) أي: ثمانية أعبد: (فإن شاء أقرع بينهم بسهمي حرية وخمسة رق، وسهم لمن ثلثاه حر)؛ لأن الغرض خروج الثلث بالقرعة كيف اتفق، (وإن شاء جزَّأهم أربعة) أي: أربعة
стр. 3771
أجزاء، (وأقرع) بينهم (بسهم حرية وثلاثة رق، ثم أعادها) أي: أعاد القرعة (لإخراج من ثلثاه حر)، ليظهر الفريق المعتق من غيره. (وكيف أقرع جاز). قال أحمد: بأي شيء خرجت القرعة مما يتفقان عليه: وقع الحكم به. سواء كان رقاعاً أو خواتيم.
وقال أصحابنا المتأخرون: الأولى أن يقطع رقاعاً صغاراً مستوية، ثم يجعل
فى بنادق شمع أو غيره متساوية القدر والوزن، ثم تلقى في حجر رجل لم يحضر، ويغطى عليها بثوب، ثم يقال له: أدخل يدك وأخرج بندقة فيفضها ويعلم ما فيها.
وفي كيفية القرعة بالعتق ست مسائل:
إحداها: أن يعتق عدداً من الرقيق له ثلث صحيح؛ كثلاثة أو ستة أو تسعة أو اثني عشر. وقيمتهم سواء، ولا مال له غيرهم. فيجزؤون ثلاثة أجزاء جزءاً للحرية، وجزئين للرق، ويكتب ثلاثة رقاع: في واحدة حرية، وفى اثنين رق، وتترك في ثلاثة بنادق، وتغطى بثوب، ويقال لرجل لم يحضر: اخرج على اسم هذا الجزء. فإن خرجت رقعة (١) الحرية عتق ورق الجزآن الآخران، وإن خرجت رقعة (٢) الرق رق. وأخرجت أخرى على جزء آخر. فإن خرجت رقعة الحرية عتق ورق الجزء الثالث، وإن خرجت رقعة الرق رق وعتق الجزء الثالث؛ لأن الحرية تعينت فيهم.
وإن شئت: كتبت اسم كل جزء في رقعة (٣) ، ثم أخرجت رقعة على الحرية فيعتق المسمون فيها ويرق الباقون، وإن أخرجت على الرق رق (٤) المسمون فيها. ثم تخرج أخرى على الرق فيرق المسمون فيها ويعتق الجزء الثالث، وإن أخرجت الثانية على الحرية عتق المسمون فيها ورق الثالث.
стр. 3772
المسألة الثاتية: أن تمكن قسمتهم أثلاثأ:، وقيمتهم مختلفة يمكن تعديلها بالقيمة (١) : كسته قيمة اثنين منهم ثلاثة آلاف، وقيمة اثنين ألفان ألفان، وقيمة اثنين ألف ألف. فتجعل للاثنين الأوسطين جزءاً، وتجعل اثنين قيمة أحدهما ثلاثة آلاف مع آخر قيمته ألف جزءاً. فيكونون ثلاثة أجزاء متساوية في العدد والقيمة على ما قدمناه في المسألة الأولى.
قيل لأحمد: لم يستووا (٢) في القيمة، قال: يقوّمون بالثمن.
المسألة الثالثة: أن يتساووا في العدد ويختلفوا في القيمة، ولا يمكن الجمع بين تعديلهم بالعدد والقيمة معاً، ولكن يمكن تعديلهم بكل واحد منهم منفرداً؛ كستة أعبد قيمة أحدهم ألف وقيمة اثنين ألف وقيمة ثلاثة ألف. فإنهم يعدلون بالقيمة دون العدد. نص عليه أحمد. فقال: إذا كانت قيمة واحد مثل اثنين قوم؛ لأنه لا يجوز أن يقع العتق حتى يكمل الثلث: فيُجعل الذي قيمته ألف جزءاً، والاثنين اللذين قيمتهما ألف جزءاً، والثلاثة الباقين جزءاً. ثم يقرع بينهم كما ذكرنا.
المسألة الرابعة: أن يمكن تعديلهم بالقيمة دون العدد؛ كسبعة قيمة واحد ألف، وقيمة اثنين ألف، وقيمة أربعة ألف. فيعدلون بالقيمة دون العدد.
المسألة الخامسة: أن يمكن تعديلهم بالعدد دون القيمة؛ كستة قيمة اثنين ألف، وقيمة اثنين سبعمائة، وقيمة اثنين خمسمائة. فتجزئهم بالعدد؛ لتعذر تجزئهم بالقيمة. فتجعل كل اثنين جزءاً، وتضم كل واحد ممن قيمته قليلة إلى واحد ممن قيمته كثيرة، وتجعل المتوسطين جزءاً، وتقرع بينهم فإن وقعت رقعة الحرية على من قيمته أكثر من الثلث أعيدت القرعة بينهما. فيعتق من تقع له رقعة الحرية ويعتق من الآخر تتمة الثلث ويرق باقيه والباقون، وإن وقعت الحرية على من أقل من الثمن عتقا جميعاً ثم يكمل الثلث من الباقى بالقرعة.
стр. 3773
المسألة السادسة: أن لا يمكن تعديلهم بالعدد ولا بالقيمة؛ كخمسة قيمة أحدهم ألف، واتنان ألف، واثنان ثلاثة آلاف. فيحتمل أن تجزئهم ثلاثة أجزاء والباقين جزءاً، ويقرع بينهم بسهم حرية وسهمي رق؛ لأن هذا أقرب إلى ما فعله النبي ﷺ ، ويعدل الثلث بالقيمة على ما تقدم.
ويحتمل أن لا تجزأهم بل تخرج القرعة على واحد واحد (١) حتى يستوفي الثلث. فتكتب خمس رقاع بأسمائهم، ثم تخرج رقعة على الحرية. فمن خرج اسمه فيها عتق، ثم تخرج الثانية فمن خرج اسمه فيها عتق منه تمام الثلث.
(وإن أعتق عبدين قيمة أحدهما مائتان، و) قيمة (الآخر ثلثمائة: جمعت الخمسمائة فجعلتها الثلث)، لئلا يكون فيه كسر فتعسر النسبة إليه، (ثم أقرعت) بينهما؛ ليتميز المعتق منهما.
(فإن وقعت) القرعة (على الذي قيمته مائتان، ضربتها في ثلاثة) كما يعمل في مجموع القيمة: (تكن ستمائة، ثم نسبت منه) أي: من المضروب (الخمسمائة)، لأنها الثلث تقديراً. (فيعتق خمسة أسداسه)؛ لأن الخمسمائة خمسة أسداس الستمائة.
(وإن وقعت) القرعة (على) العبد (الآخر: عتق) منه (خمسة أتساعه)؛ لأنك إذا ضربت قيمته وهي ثلاثمائة في ثلاثة كانت تسعمائة. فإذا نسبت (٢) منها الخمسمائة كانت خمسة أتساعها.
(وكل ما يأتي) من المسائل (من هذا) الباب (فسبيله) أي: فطريقه:
(أن يضرب في ثلاثة؛ ليخرج بلا كسر) أي: صحيحاً.
(وإن أعتق) المريض (مُبهماً) أي: عبداً غير معيّن (من) أعبد (ثلاثة)
لا يملك غيرها (٣) ، (فمات أحدهم) أي: أحد الثلاثة (في حياته) أي: حياة
стр. 3774
السيد: (أقرع بينه) أي: بين الميت (وبين الحيَّين) في الأصح؛ لأن الحرية إنما تنفذ في الثلث. أشبه ما لو أعتقت واحداً منهم معيناً. (فإن وقعت) القرعة (عليه) أي: على الميت: (رقَّا) أي: تبين رق الحيين؛ لأن الحرية إنما تقع على المعتق.
(و) إن وقعت القرعة (على أحدهما) أي: على أحد الحيين: (عتق إذا
خرج من الثلث)، ولم يشترط فيما إذا وقعت القرعة على الميت (١) خروجه من الثلث؛ لأن قيمة الميت إن كانت وفق الثلث فلا إشكال، وإن كانت أكثر فالزائد على الثلث هلك على ملك الميت، وإن كانت أقل فلا يعتق من الآخر شيء؛ لأنه لم يعتق إلا واحد.
وأما إذا وقعت على أحد الحيين فلا بد من اعتبار القيمة؛ لأن العبرة بالثلث
عند الموت، والعبد الميت هلك قبله من أصل المال.
(وإن أعتق) المريض عبيده (الثلاثة) التي لا يملك غيرهم (في مرضه:
فمات أحدهم في حياته، أو وصى بعتقهم) أي: بعتق الثلاثة التي لا يملك غيرهم، (فمات أحدهم بعده) أي: بعد موت الموصي (وقبل عتقهم، أو دبَّرهم) أي: دبّر الثلاثة (أو) دبّر (بعضهم ووصى بعتق الباقي) ولم تجز الورثة ذلك، (فمات أحدهم: أقرع بينهم) أي: بين الميت (وبين الحيين) في الأصح؛ لأن الحرية إنما تنفذ في الثلث. فأشبه ما لو أعتق واحداً منهم مبهماً، إلا إن الميت هنا لو كانت قيمته أقل من الثلث ووقعت القرعة عليه عتق من أحد الآخرين تكملة الثلث بالإقراع (٢) بينهما. والله أعلم.
***
стр. 3775
[باب: التدبير]
(باب) يذكر فيه مسائل من أحكام التدبير.
وسمي تدبيراً؛ لأن الموت (١) دبر الحياة. يقال: دابر الرجل يدابر مدابرة: إذا مات. فسمي العتق بعد الموت تدبيراً.
وقال ابن عقيل: هو مشتق من إدباره من الدنيا.
ولا يستعمل في شيء بعد الموت من وصية ووقف وغيرهما. فهو لفظ يختص به العتق بعد الموت.
ثم (التدبير) شرعاً: (تعليق العتق بالموت) أي: موت المعلِّق. (فلا تصح وصية به) أي: بالتدبير.
والأصل فيه السنة والإجماع.
أما السنة، فما روى جابر " أن رجلاً أعتق مملوكاً له عن دبر فاحتاج. فقال رسول الله ﷺ : من يشتريه مني؟ فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه، وقال: أنت أحوج منه " (٢) متفق عليه.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن من دبر عبده أو أمته ولم يرجع عن ذلك حتى مات، والمدبر يخرج من ثلث ماله بعد قضاء دين إن كان عليه، وإنفاذ وصاياه إن كان وصى، وكان السيد بالغاً جائز الأمر: أن الحرية تجب له أولها. انتهى.
يعني: للعبد أو للأمة.
стр. 3776
وقوله: ولم يرجع عن ذلك يعنى: عند من يرى صحة رجوعه.
وقوله: وكان السيد بالغاً جائز الأمر يعنى: عند من يرى اشتراط ذلك.
(و) لكن (يعتبر) لصحة التدبير (كونه ممن تصح وصيته). فيصح من محجور عليه لفلس وسفه، ومن مميز يعمله.
(و) يكون التدبير في الصحة أو المرض (من ثلثه) أي: ثلث مال السيد
يوم موته على الأصح. نص عليه في رواية المروذي وصالح وحرب وأبي طالب؛ لأنه تبرع بعد الموت. فاعتبر من ثلث ماله؛ كالوصية. ويفارق العتق (١) في الصحة فإنه لم يتعلق به حق الورثة. فنفذ في جميع المال؛ كالهبة المنجزة.
وأما الاستيلاد فإنه أقوى من التدبير؛ لأنه ينفذ من المجنون. بخلاف التدبير.
فإن اجتمع العتق في المرض والتدبير قدم العتق؛ لأنه أسبق.
وإن اجتمع التدبير والوصية بالعتق تساويا؛ لأنهما جميعاً عتق بعد الموت.
(وإن) كان عبد بين اثنين و (قالا لعبدهما: إن متنا فأنت حر. فمات أحدهما: عتق نصيبه، وباقيه بموت الآخر). قاله أحمد واختاره الموفق وغيره.
وقيل: هو تعليق للحرية بموتهما جميعاً. ذكره القاضى وجماعة. وقدمه
في " الفروع ".
ولا يعتق بموت أحدهما شيء من العبد (٢) ، ولا يبيع وارث (٣) حقه من العبد لتعلق العتق (٤) به تعليقاً لا ينفك. إلا أنه متوقف على موت السيد الثاني.
ومعنى قول أحمد: أنه قابل الجملة بالجملة (٥) فينصرف إلى مقابلة البعض
стр. 3777
بالبعض؛ كقوله: ركب الناس دوابهم ولبسوا ثيابهم وأخذوا (١) رماحهم. يعني: كل إنسان ركب دابته ولبس ثوبه وأخذ (٢) رمحه.
وقال القاضي: إنما قال أحمد: يعتق نصيبه بناء على أن وجود بعض الصفة
يقوم مقام جميعها.
قال الموفق: ولا يصح هذا؛ لأنه لو كانت العلة هذه لعتق العبد كله؛ لوجود بعض صفة كل واحد منهما.
وقا ل في " الإنصاف " عن قول أحمد: وهذا المذهب.
(وصريحُه) أي: صريح التدبير: (لفظ: عتقٍ، و) لفظ: (حريةٍ معلَّقين بموته) أي: بموت السيد، كقوله: أنت حر بعد موتي، أو عتيق بعد موتي، ونحو ذلك؛ كأنت بعد موتي معتق أو محرر. (ولفظ: تدبير)؛ كأنت مُدبّر، (وما تصرَّف منها) أي: من لفظ الحرية والعتق المعلقين (٣) بالموت، ولفظ التدبير: كدبرتك، (غير أمر)، كدَبِّرْ، (ومضارع)، كأُدَبِّرُ، (واسم فاعل)؛ كمُدبِّر. بكسر الباء.
(وتكون كناياتُ عتقٍ منجَّز، لتدبير: إن عُلِّقت بالموت)؛ كقوله: إن مت فأنت لله، أو فأنت مولاي، أو فأنت سائبة.
(ويصح) التدبير (مطلقاً) أي: غير مقيد ولا معلق " (كـ) قوله: (أنت مدبر.
و) يصح (مقيداً، كـ) قوله: (إن مت في عامي) هذا، (أو) في (مرضي هذا فأنت مدبر). فيكون ذلك جائز على ما قال: إن مات على الصفة التي قالها عتق، وإلا فلا.
(و) يصح التدبير أيضاً (معلقا، كـ) قوله: (إذا قدم زيد فأنت مدبر)،
стр. 3778
أو إن شفى (١) الله عليلي فأنت حر بعد موتي. فهذا لا يصير مدبراً حتى يوجد الشرط في حياة سيده، لأن إطلاق الشرط يقتضي وجوده في حياة المعلق. بدليل ما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر فدخلها بعد موت السيد لم يعتق. (و) يصح (مؤقتاً، كأنت مدبر اليوم، أو) أنت مدبر (سنة).
قال مهنا: سألت أحمد عمن قال لعبده: أنت مدبر اليوم؛ قال: يكون مدبراً ذلك اليوم. فإن مات السيد في ذلك اليوم صار حراً.
(و) من قال لقنه: (إن) شئت فأنت مدبر، (أو متى) شئت فأنت مدبر،
(أو إذا شئت فأنت مدبر. فشاء في حياة سيده: صار مدبراً. وإلا) أي: وإن لم يشأ ذلك في حياة سيده (فلا) يصير مدبراً؛ لأن المدبر من علق عتقه بالموت. فلو لم يشأ إلا بعد الموت لا يكون مدبراً، لأنه لا يمكن حدوث التدبير بعد الموت.
وقال ابو الخطاب: إن شاء في المجلس صار مدبراً، وإلا فلا " كما لو خيره في ذلك.
ولو قال لعبده: إذا قرأت القرآن فأنت حر بعد موتي (٢) . فقرأ القرآن جميعه: صار مدبراً. وإذا قرأ بعضه لم يصر مدبراً.
وإن قال: إذا قرأت قرآناً فأنت حر بعد موتي فقرأ بعض القرآن: صار مدبراً؛ لأنه في الأولى عرفه بالألف واللام المقتضية للاستغراق فعاد إلى جميعه، وهاهنا نكره فاقتضى بعضه.
فإن قيل: فقد قال الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]، ولم يرد القرآن جميعه.
قلنا: قضية اللفظ تتناول جميعه؛ لأن الألف واللام للاستغراق. وإنما
стр. 3779
حمل على بعضه. بدليل فلا يحمل على البعض في غير ذلك الموضع بغير دليل. ولأن قرينة الحال تقتضي قراءة جميعه، لأن الظاهر أنه أراد ترغيبه في قراءة القران. فتتعلق الحريه به. أو أن يجازيه على قراءته بالحرية. والظاهر: أنه لا يجازى بهذا الأمر الكبير الذي هو العتق إلا بما تشق قراءته. أما قراءة آية أو آيتين فلا. (وليس) التدبير (بوصية)، لأن الموصي (١) إذا أبطل الوصية أو رجع عنها. بطلت، وأما التدبير (فلا يبطل بإبطال و) لا (رجوع). فلو قال: قد رجعت في تدبيري، أو أبطلته: لم ييطل على الأصح، لأنه تعليق للعتق بصفة (٢) . فلا يبطل، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم قال. قد رجعت عن ذلك لم يبطل.
ولا يصح القول بأنه وصية به لنفسه، لأنه لا يملك نفسه، وإنما تحصل فيه الحرية ويسقط عنه الرق. ولهذا لا تقف الحرية على قبوله واختياره، ويتنجز عتقه عقيب الموت، كتنجزه عقيب سائر الشروط.
ولأنه غير ممتنع أن يجمع أمرين. فيثبت فيه حكم التعليق في امتناع الرجوع، ويجتمعان في حصول العتق بالموت.
(و) لا يمنع التدبير نفوذ تصرف سيده فيه. فـ (يصح وقف مدبر وهبته وبيعه، ولو) كان المدبر (أمة، أو) كان بيعه (في غير دين) على الأصح.
قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن بيع المدبر إذا كا ن بالرجل حاجة
إلى قنه. فقال: له أن يبيعه، محتاجاً كان أو غير محتاج.
وروي مثل هذا عن عائشة وعمر بن عبد العزيز وطاووس ومجاهد. وهو
قول الشافعي.
قال أبو إسحاق الجوزجانى: صحت أحاديث بيع المدبر باستقامة الطرق،
وإذا ثبت الخبر استغني به عن غيره من رأي الناس.
стр. 3780
ولأنه عتق بصفة ثبت (١) بقول المعتق. فلم يمنع البيع؛ كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر.
ولأنه تبرع بمال بعد الموت. فلم يمنع البيع في الحياة؛ كالوصية.
قال أحمد: هم يقولون: من قال: غلامي حر رأس الشهر فله بيعه قبل رأس الشهر، وإن قال: غدا فله بيعه اليوم، وإن قال: إذا مت قال: لا يبيعه. فالموت أكثر من الأجل. ليس هذا قياساً. إن جاز أن يبيعه قبل رأس الشهر فله أن يبيعه قبل مجيء الموت. وهم يقولون فيمن قال: إن مت من مرضي هذا فعبدي حر ثم لم يمت من مرضه ذلك فليس بشيء. فإن قال: إن (٢) مت فهو حر لا يباع، هذا متناقض (٣) . إنما أصله الوصية من الثلث فله أن يغير وصيته ما دأم حياً. فأما ما ذكر أن ابن عمر روى أن النبي ﷺ قال: " لا يباع المدبر ولا يشترى " (٤) : فلم يصح عن النبي ﷺ . ويحتمل أنه أراد بعد الموت أو على الاستحباب. ولا يصح قياسه على أم الولد؛ لأن عتقها ثبت بغير اختيار سيدها. وليس بتبرع، ويكون عن جميع المال. والوقف والهبة؛ كالبيع. وعنه: لا تباع الأنثى.
قال الموفق: لا نعلم التفريق بين المدبر والمدبرة من غير إمامنا. وإنما احتاط في إباحة فرجها وتسليط مششريها على وطئها مع الخلاف في بيعها وحلها. والظاهر: أن منعه منه على سبيل الورع. فإنه إنما (٥) قال: لا يعجبني بيعها. والصحيح جوازه. فـ " إن عائشه رضي الله تعالى عنها باعت مدبره لها سحرتها " (٦) .
(ومتى عاد) المدبر إلى ملك من دبره: (عاد التدبير)؛ لأنه علق عتقه
стр. 3781
بصفة. فإذا باعه ثم عاد إليه عادت الصفة؛ كما لو قال: أنت حر إن دخلت الدار ثم باعه (١) ثم اشتراه ودخلها. كذلك إذا مات السيد بعد أن باع المدبر ثم اشتراه ثم مات وهو في ملكه.
(وإن جنى) مدبر: (بيع) أي: جاز بيعه في الجناية.
(وإن فدى) أي: فدى المدبرَ سيدُه بدفع أرش جنايته من غير أن يبيعه:
(بقي تدبيره) بحاله وصار كأن لم يجن.
(وإن بيع بعضُه) أي: بعض المدبر في جنايته: (فباقيه) الذي لم يُبع (مدبر) بحاله.
(وإن مات) سيد المدبر (قبل بيعه) وقبل فدائه، (عتق: إن وفى ثلثه). أي: ثلث مخلف سيده (بها) أي: بالجناية.
وإن أوجبت الجناية قوداً، أو قلنا يملك الجاني ولي الجناية: لم يعتق.
(وما ولدت مدبرة بعده) أي: بعد تدبيرها: فولدها (بمنزلتها). سواء
كانت حاملاً به حين التدبير أو حملت به بعد التدبير، لما روي عن عمر وابنه وجابر أنهم قالوا: " ولد المدبرة بمنزلتها " (٢) . ولم يعلم لهم في الصحابة مخالف.
ولأن الأم استحقت الحرية بموت سيدها. فيتبعها ولدها؛ كأم الولد.
ويفارق التعليق بصفة في الحياة والوصية، لأن التدبير آكد من كل واحد منهما. (ويكون) ولدها (مدبراً بنفسه). فلو ماتت الأم أو زال (٣) ملك السيد عنها: لم يبطل التدبير في ولدها فيعتق بموت سيد أمه " كما لو كانت أمه باقية على التدبير.
ولا يتبع المدبرة ولدٌ ولدته قبل تدبيرها، لأنه لا يتبع في العتق المنجز ولا
стр. 3782
في حكم الاستيلاد ولا في الكتابة. فلأن لا يتبع في التدبير أولى. نص على ذلك. قال الميموني: قلت لأحمد: ما كان من ولد المدبرة [قبل أن تدبر] (١) . فيتبعها؟ قال: (٢) لا يتبعها من ولدها ما كان قبل ذلك. إنما يتبعها ما كان بعد ما دبرت.
(فلو قالت) المدبرة: (ولدت) ولدي (بعده) أي: بعد التدبير، (وأنكر سيدها) بأن قال: إنما ولدته قبله: (فقوله).
أو قالت ذلك بعد موت سيدها وأنكر ورثته: فالقول قول الورثة بأيمانهم؛
لأن الأصل بقاء رق الولد وانتفاء الحرية عنه.
فإذا لم يكن مع المدبرة بينة بأنها ولدته بعد التدبير: كان القول قول من يوافق قوله الأصل.
(وإن لم يف الثلث) أي: ثلث تركة السيد (بمدبرة وولدها) باًن لم يخرجا جميعاً من الثلث: (أُقرع) بينها وبين ولدها؛ كمدبرين لا قرابة بينهما إذا ضاق الثلث عنهما.
(وله) أي: ولسيد المدبرة (وطؤها وإن لم يشترطه) أي: يشترط وطأها حال تدبيرها، وسواء كان يطؤها قبل تدبيرها أو لا.
وقد روي عن ابن عمر: " أنه دبر أمتين له وكان يطؤهما " (٣) .
قال أحمد: لا أعلم أحداً كره ذلك غير الزهري.
ووجه جواز وطئها أنها مملوكته ولم تشتر نفسها منه. فحل له وطئها؛ لقول الله : ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦].
وقياساً على أم الولد.
(و) للسيد أيضاً (وطء بنتها) أي: بنت مدبرته التابعة لأمها في التدبير. ومحل جواز وطء بنت المدبرة: (إن لم يكن وطئ أمها).
стр. 3783
وعنه: ليس له وطؤها؛ كبنت المكاتبة.
ووجه المذهب: أن ملك سيدها تام فيها فحل له وطؤها للآية. واستحقاقها الحرية لا يزيد على استحقاق أمها ولم يمنع ذلك وطئها. وأما بنت المكاتبة فألحقت بأمها، وأمُّها يحرم وطؤها فكذلك بنتها.
(ويبطل تدبيرها بإيلادها) يعني: أن المدبرة متى ولدت من سيدها بطل تدبيرها وصارت أم ولد، لأن مقتضى التدبير العتق من الثلث، ومقتضى الاستيلاد العتق من رأس المال وإن لم يملك غيرها، ولا يمنع الدين عتقها. وحيث كان الاستيلاد أقوى وجب أن يبطل به الأضعف الذي هو التدبير؛ كملك الرقبة إذا طرأ على ملك النكاح فإنه يبطله.
(وولد مدبر من أمة نفسه كهو) أي: كأبيه. وهذا مبني على إباحة تسري العبد؛ لأن إباحة التسري تنبني على ثبوت الملك. وولد الحر من أمته يتبعه في الحرية دون أمه المملوكة كذلك ولد المدبر (١) من أمته يتبعه فى دون أمه.
ولأنه ولد من يستحق الحرية من أمته. فيتبعه في ذلك، كولد المكاتب من أمته. (و) ولده (من غيرها كأمه) يعني: أنه يكون حكم الولد حكم أمه حرية أو رقاً. (ومن كاتب مدبره أو) كاتب (أم ولده، أو دبَّر مكاتبه: صح) ذلك.
أما صحة كتابة المدبر فقد نص عليها أحمد. وهي قول ابن مسعود وأبي هريرة والحسن. ولفظ حديث قال: " دبرتِ امرأة من قريش خادماً لها ثم أرادت أن تكاتبه. فكتب الرسول إلى أبي هريرة فقال: كاتبيه. فإن أدى كتابته فذلك، وإن حدث بك حدث عتق. قال: وأراه قال: ما كان عليه له " (٢) .
ولأن التدبير إن كان عتقاً بصفة لم يمنع الكتابة، كالذي علق عتقه بدخول الدار. وإن كان وصية لم يمنعها، كما لو وصى بعتقه ثم كاتبه. وكذا لو كاتب أم الولد، لأن الاستيلاد والكتابة سببان للعتق. فلم يمنع أحدهما الآخر؛ كتدبير المكاتب واستيلاد المكاتبة.
стр. 3784
(و) حيث. أدى المدبر الذي كاتبه سيده ما كوتب عليه: (عتق بأداء) وبطل تدبيره.
(فإن مات سيده قبله) أي: قبل أدائه، (و) كان (ثلثه) أي: ثلث مخلف السيد (يحتمل ما عليه) أي: ما على المكاتب من ممال الكتابة: (عتق كله) وبطلت الكتابة.
(وإلا) أي: وإن لم يحتمل الثلث ما عليه كله (١) : (فـ) إنه يعتق منه (بقدر ما يحتمله) ثلثه، (وسقط عنه) من مال الكتابة (بقدر ما عتق) منه، (وهو على كتابته فيما بقي) عليه؛ لأن محلها لم يعارضه شيء.
فعلى هذا لو خرج نصفه من الثلث عتق نصفه وسقط نصف الكتابة وبقي نصفه.
والذي يحسب من الثلث إنما هو قيمة المدبر وقت موت سيده؛ لأن المدبر
لو لم يكن مكاتباً لاعتبرت قيمته.
(وكسبُه) أي: كسب المدبر الذي كاتبه سيده كله (إن عتق) كله بموت سيده، (أو) بعض كسبه الذي (بقدر عتقه- لا لِبْسُه- لسيده) فيكون تركة.
قال في " شرح المقنع الكبير ": ومتى عتق بالتدبير كان ما في يده لسيده؛
لأنه كان له قبل العتق. فيكون له بعد العتق؛ كما لو لم يكن مكاتباً وبطلت الكتابة. ذكره أصحابنا. انتهى.
لكن تعتق أم الولد بموته مطلقاً ويسقط ما عليها من مال الكتابة.
(ومن دبَّر شِقْصاً) له من رقيق: (لم يسر إلى نصيب شريكه)، معسراً كان المدبر أو موسراً في الأصح؛ لأن التدبير تعليق للعتق بصفة. فلم يسر؛ كتعليقه بدخول الدار.
ويفارق الاستيلاد فإنه آكد. ولهذا تعتق من جميع المال. ولو قتلت سيدها
لم يبطل حكم استيلادها، والمدبر بخلاف ذلك.
стр. 3785
فعلى هذا إن مات الذي دبر شقصه عتق نصيبه إن خرج من الثلث.
(فإن أعتقه) أي: أعتق المشترك الذي دبر الشريك بعضه (شريكه: سرى) عتقه إن كان موسراً (إلى) الشقص (المدبر، مضموناً) على الشريك المعتق قيمة الشقص مدبراً؛ لحديث ابن عمر المذكور في سراية العتق إلى نصيب الشريك إذا كان موسراً (١) .
(ولو أسلم مدبر) لكافر، (أو قِنّ) لكافر، (أو مكاتب لكافر: ألزم بإزالة ملكه) عنه؛ لئلا يبقى الكافر مالكاً للمسلم مع إمكان بيعه.
(فإن أبى) أن يزيل ملكه عنه: (بيع عليه) أي: باعه الحاكم على الكافر.
ولا يبقى في ملكه، لقوله : ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١].
(ومن أنكر التدبير فشهد به) رجلان (عدلان، أو) رجل (عدل وأمراتان،
أو) رجل عدل (وحلف معه المدبر: حكم به) أي: بالتدبير على الأصح؛ لأن البينة بالتدبير تتضمن إتلاف مال. والمال يقبل فيه ما ذكر.
(ويبطل) التدبير (بقتل مدبر سيده)؛ لأنه استعجل ما أجل له. فعوقب بنقيض قصده، كما حرم القاتل الميراث.
ولأن ذلك مما يتخذ وسيلة إلى القتل المحرم لأجل العتق. فمنع العتق سداً لذلك.
ولا يرد على هذا أم الولد، لأن إبطال الاستيلاد فيها يفضي (٢) إلى نقل الملك فيها، ولا سبيل إلى ذلك. والله أعلم.