ولأن الكتابة يستحق بها على العبد مع المعاوضة فكذلك يجب أن يستحق
المكاتب على السيد شيئاً.
وحمل الأمر على الندب مخالف لمقتضى الأمر فلا يصار إليه إلا بدليل.
ولأن المكاتب ولي جمع (١) هذا المال وتعب فيه. فاقتضى الحال مواساته
منه؛ كما " أمر النبي ﷺ بإطعام عبده من الطعام الذي ولي حره ودخانه " (٢) . واختص هذا بالعتق (٣) ؛ لأن فيه معونه على العتق، وإعانة لمن يحق على الله عونه. فإن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف " (٤) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(ولا يلزمه) أي يلزم المكاتب (قول بدله) أي: بدل ربع مال الكتابة إذا
دفعه له سيده (من غير الجنس) أي: جنس المال الذي وقعت الكتابة عليه؛
كما لو كاتبه على دراهم فأعطاه عن ربعها دنانير أو كاتبه على دنانير فأعطاه عن ربعها دراهم، أو أعطاه عن ذلك عروضاً؛ لأنه لم يؤته من مال الكتابة ولا من جنسه. لكن الأولى أن يؤتيه (٥) من عينه فإن لم يكن فمن جنسه؛ لأنه لا فرق في المعنى بين الإيتاء من عينه والإيتاء من غيره من جنسه. فوجب أن يتساويا في الإجزاء؛ كالزكاة، وغير المنصوص إذا كان في معناه ألحق به.
(فلو وضع) السيد عن المكاتب من مال الكتابة (٦) (بقدره) اي: بقدر ربعه
جاز؛ لأن الصحابة فسروا الآية بذلك.
стр. 3817
ولأنه ابلغ في النفع وأعون على حصول العتق. فيكون (١) أفضل من الإيتاء، وتدل الآيه عليه من طريق التنبيه.
(أو عجله) أى: عجل السيد إعطاء قدر ربع مال الكتابة للمكاتب: (جاز)، لقوله : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم﴾ [النور: ٣٣]. وذلك يحتاج إليه من حين العقد.
وكلما عجله كان أفضل، لأنه يكون أنفع؛ كالزكاة.
ووقت وجوب أداء السيد ربع مال الكتابة للمكاتب عند العتق، لأن الله أمر بإيتائه من المالالذي أتاه، وإذا أدى مال الكتابة عتق فيجب إيتاؤه حينئذ.
قال علي ﵁: " الكتابة على نجمين والإيتاء من الثانى ".
فإن مات السيد وقد استوفى مال الكتابة قبل إيتاء مكاتبه ربعه فهو دين في تركته " لأنه حق واجب. فهو كسائر ديونه. فإنه ضاقت التركة عنه وعن غيره من الديون تحاصوا في التركة بقدر حقوقهم.
(ولسيد الفسخ) أى: فسخ الكتابة (بعجز) أى: عجز المكاتب (عن ربعها) أى: ربع مال الكتابة على الأصح، لما روى الأثرم عن عمر وابنه وعائشة وزيد بن ثابت أنهم قالوا: " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (٢) . وروي ذلك أيضا عن أم سلمة. وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأى.
ولأن مال الكتابة عوض عن المكاتب فلا يعتق قبل أداء جميعه.
ولأنه لو عتق بعضه (٣) لسرى إلى باقيه، كما لو باشره بالعتق.
وما رواه ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا أصاب المكاتب حداً أو
стр. 3818
ميراثاً ورث بحساب ما عتق منه، ويؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقي دية (١) عبد " (٢) . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن: فمحمول على مكاتب لرجل مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بكتابته وأنكر الآخر، وأدى (٣) المقر. أو ما أشبههما (٤) من الصرر. جمعاً (٥) بين الأخبار، وتوفيقاً بينها وبين القياس. ويؤيد ما تقدم ما روى سعيد بإسناده عن أبي قلابة قال: " كن أزواج رسول الله ﷺ لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار " (٦) .
(وللمكاتب أن يصالح سيده عما في ذمته) من مال الكتابة، (بغير جنسه) أى: جنس مال الكتابة؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
(لا مؤجلا)؛ لأنه بيع دين بدين. ولا أن يتفرقا قبل القبض إذا كان الجنسان مما يجري فيهما (٧) ربا النسيئة.
(ومن أبرى) من المكاتبين (من) جميع (كتابته: عتق)؛ لأن مفهوم
قوله ﷺ : " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (٨) : أنه إن لم يبق عليه شيء لم يكن عبد اً، ومع البراءة لم يبق عليه شيء.
ولأن البراءة في معنى الأداء. بجامع سقوط حق السيد في الحالتين.
(وإن أبرئ) المكاتب (من بعضها) أى: بعض كتابته؛ كما لو كاتبه سيده على
مائة فأبرأه سيده من خمسين: (فهو على الكتابة فيما بقي) من المائة. وهو خمسون.
стр. 3819
[فصل: كتابة عدد من رقيقه بعوض واحد]
(فصل. وتصح كتابه عدد) من رقيقه (بعوض) واحد. مثل: أن يكاتب ثلاثة أعبد بألف، كما لو باعهم لواحد. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه.
(ويقسط) العوض بينهم (على القيم) أى: على قدر قيمة كل منهم (يوم العقد)، لأنه زمن المعاوضة وزمن زوال سلطان السيد عنهم. لا على عدد رؤوسهم على الأصح، لأن هذا عوض. فيتقسط على المعوض: كما لو اشترى شقصاً وسيفاً، وكما لو اشترى عبيداً فرد واحداً منهم بعيب، أو تلف أحدهم ورد الآخر.
(و) حيث تقرر ذلك فإنه (يكون كل) من الثلاثة (مكاتباً بقدر حصته) من الألف: (يعتق بأدائها، ويعجز بعجز عنها) أى: عن قدر حصته (وحده)، لأن الكتابة عقد معاوضه مع ثلاثة. فيبرأ كل واحد منهم بأداء حصته؛ كما لو اشتروا عبدا.
وشرط ضمان كل واحد منهم للباقين فاسد، ولا يؤثر في صحة العقد " لأن
مال الكتابة ليس بلازم ولا مآله إلى اللزوم. فلم يصح ضمانه.
ولأن الضامن (١) لا يلزمه أكثر مما يلزم المضمون عنه، ومال الكتابة لا يلزم المكاتب ولا الضامن.
ولأن الضمان تبرع، وليس للمكاتب أن يتبرع.
وأما العقد فصحيح؛ لأن الكتابة لا تفسد بفساد الشوط. بدليل خبر بريرة (٢) .
стр. 3820
ومتى مات (١) بعضهم سقط قدر حصته. نص عليه أحمد في رواية حنبل.
وكذا إن أعتق السيد بعضهم.
(وإن أدوا) جميع مال الكابة وعتقوا (واختلفوا) بعد الأداء (في قدر ما
أدى كل واحد) منهم، بأن قال أكثرهم قيمه: أدينا على قدر قيمتنا، وقال الأقل قيمة: بل أدينا على السواء فبقيت كذا على الأكثر قيمة بقية: (فـ) الأصح أن القول (قول مدع اداء الواجب) أى: قدر الواجب عليه؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يؤدي إلا ما عليه.
(ويصح ان يكاتب) السيد (بعض عبده) كنصفه؛ لأن الكتابة عقد معاوضة. فصحت في بعضه؛ كالبيع.
ويجب أن يؤدي إلى سيده مثلي (٢) كتابته؛ لأن نصف كسبه يستحقه سيده بما
فيه من الرق، ونصفه (٣) يؤدى في الكتابة. إلا أن يرضى سيده بتأدية الجميع في الكتابة فيصح.
(فإن أدى) ما عليه: (عتق كله)، نصفه بالكتابة وباقيه بالسراية؛ لأن العتق إذا سرى إلى ملك غير السيد. فبأن يسري إلى ملك السيد من باب أولى. ويصح أيضا أن يكاتب عبده على ألفين في رأس كل شهر ألف، وأن يكون العتق عند أداء الألف الأول. فإذا أدى الألف الأول عتق؛ لأن السيد لو أعتقه بغير أداء شيء صح. فكذلك إذا جعل عتقه عند أداء بعض الكتابة. ويبقى الألف الآخر ديناً عليه بعد عتقه؛ كما لو باعه نفسه به.
(و) يصح ايضا أن يكاتب (شقصاً) أى: جزءاً له (من مشترك) عبد أو
أمة (بغر إذن شريكه)، موسراً كان الشريك أو معسراًفي الأصح. وبه قال مالك.
стр. 3821
وقال الشافعي في أحد قوليه: إن كان باقيه حراً صحت كتابته، وإن كان ملكاً لم تصح. سواء أذن فيه الشريك أو لم يأذن؛ لأن كتابته تقتضي إطلاقه في الكسب والسفر، وملك بعضه يمنع ذلك، ويمنعه أخذ نصيبه من الصدقات؛ لئلا يصير كسباً فيستحق سيده حصته منه.
ولأن ذلك يفضي إلى أن يؤدي بعض الكتابة فيعتق جميعه.
ولنا على المخالف: أن الكتابة عقد معاوضة على نصيبه. فصح؛ كبيعه.
ولأنه ملك يصح بيعه وهبته. فصحت كتابته؛ كالعبد الكامل، وكما لو كان باقيه حراً عند الشافعي، أو أذن فيه الشريك عند (١) من يرى صحته بإذن الشريك.
وقول من قال: إن الكتابة تقتضي المسافرة.
فجوابه: أن المسافرة ليست من المقتضيات الأصلية في الكتابة. بدليل صحة شرط تركها في عقد الكتابة. فوجود مانع منها لا يمنع أصل العقد.
وأما الكسب وأخذ الصدقة: فإنه لا يمنع كسبه، وأخذه الصدقة بجزئه المكاتب. ولا يستحق الشريك شيئاً منه؛ لأنه إنما استحق ذلك بالجزء المكاتب. فكذلك فيما حصل به؛ كما لو ورث شيئاً بجزئه الحر.
ومتى هايأه (٢) مالك البقية فكسب في نوبته شيئاً اختص به. وإن لم يهايئه فكسب بجملته شيئاً كان لمن كاتبه بقدر ما فيه من الجزء المكاتب، ولسيده الذي لم يكاتبه الباقي؛ لأنه كسبه بجزئه المملوك. فأشبه ما لو كسب شيئاً قبل كتابته فقسم بين سيديه.
وقولهم: أن ذلك يفضي إلى عتق جميعه بأداء بعض الكتابة: لا يصح. فإنه
لا يعتق به حتى يؤدي جميع الكتابة. فإن جميع الكتابة هو الذي كاتبه عليه مالك ذلك البعض فلايعتق منه شيء حتى يؤدي جميعها.
стр. 3822
ولأنه لا يعتق جميعه بالأداء وإنما يعتق الجزء المكاتب لا غير، وأما باقيه
فإن كان المكاتب معسراً لم يعتق منه غير الجزء المكاتب، وإن كان موسراً عتق الباقي بالسراية لا بالكتابة. ولا يمتنع (١) هذا، كما لو أعتق بعضه فإنه يعتق جميعه، وإذا جاز عتق جميعه بعتق بعضه بطريق السراية جاز ذلك فيما يجري مجرى (٢) العتق.
(ويملك) المكاتب بعضه (من كسبه بقدره) أى: بقدر جزئه المكاتب،
لأن ذلك مقتضى الكتابه.
إذا تقرر هذا (فإذا أدى) المكاتب المشترك (ما كوتب عليه) لمن كاتبه، (و) أدى (للآخر) أي: للشريك الذي لم يكاتبه (ما يقابل حصته: عتق) كله (إن كان من كاتبه) أي: الشريك الذي كاتبه حصته منه (موسراً)؛ وذلك لأنه ليس للعبد المشترك الذي كوتب بعضه أن يؤدي إلى سيده الذي كاتبه شيئاً حتى يؤدي إلى (٣) الشريك الذي لم يكاتبه ما يقابل حصته منه. سواء أذن الشريك في كتابته أو لم يأذن؛ لأنه إذا أذن إنما ينصرف إذنه إلى كتابة نصيب شريكه وذلك يقتضي أن يكون نصيبه باقياً له. وذلك يقتضي أنه لو أدى الكتابة من جميع كسبه لم يعتق؛ لأن الكتابة الصحيحة تقتضي العتق ببراءته من العوض، وذلك لايحصل بدفع ما ليس له. وإذا أدى (٤) لكل واحد من الشريكين ما وجب عليه: عتق كله: الجزء المكاتب بالأداء، والجزء الذي لم يكاتب بالسراية على مكاتبه الموسر. (وعليه) بسبب (٥) سراية العتق إلى حصه شريكه (قيمة حصة شريكه)؛
لأن عتق حصته بسبب من جهة الشريك المكاتب. اشبه ما لو باشره بالعتق، أو علق عتق نصيبه بصفة فعتق بها.
стр. 3823
وعلم مما تقدم أنه لو كان الشريك المكاتب معسراً لم يعتق إلا نصيبه من المكاتب.
(وإن أعتقه) أى: أعتق (الشريك) الذي لم يكاتب العبد الذي كاتبه شريكه في حصته (قبل ادائه) مال الكتابة: (عتق عليه كله) بالسراية في الأصح: (إن كان موسراً)، كما لو لم يكن بعضه مكاتباً، (وعليه) أي: على الشريك المعتق (قيمة ما للشريك) اًي: قيمة حصة الشريك الذي كاتب حصته. مع ملاحظة كون المشترك (مكاتباً) " لنقص القيمة بكونه مكاتباً.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح. انتهى.
وقال أبو بكر والقاضي: لا يسري العتق إلى الجزء المكاتب " لأنه قد انعقد (١) لمكاتبه سبب الولاء. فلا يجوز إبطاله إلا أن يعجز فيقوم عليه حينئذ
والجواب عن ذلك: أنه حين كان العتق يؤثر في إبطال الملك الثابت الذي الولاء من بعض اثاره (٢) . فلأن يؤثر في نقل الولاء بمفرده من باب أولى.
ولأنه لو أعتق عبده ولعبده أولاد من معتقه قوم نقل ولاؤهم إليه. فإذا نقل العتق الولاء الثابت اعتاق غيره. فلأن ينقل الولاء الذي لم يثبت بعد إعتاق من عليه الولاء من باب أولى.
ولأن العتق نقل الولاء في هذه الصورة من غير عوض. فلأن ينقله بالعوض
في صورة المتن من باب أولى.
وعلم مما تقدم أن المعتق لو كان معسراً لم يسر عتقه وكان نصيب شريكه
باقياً على الكتابة. فإذا أداهما كملت حريته عليهما، وكان (٣) ولاؤه بينهما بقدر ما عتق على كل واحد منه.
стр. 3824
(ولهما) أى: وللشريكين (١) في قن (كتابة عبدهما). سواء تساوت حصتاهما فيه؛ كما لو كان بينهما نصفين. أو تفاضلتا؛ كما لو كان بينهما أثلاثاً (على تساو) في مال الكتابة؛ كما لو كاتباه على مائتين لكل واحد مائة، (و) على (تفاضل)؛ كما لو كاتباه على ثلاثمائة لواحد مائتان وللآخر مائة. وسواء كانت كتابتهما في عقد واحد أو عقدين. وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: لايصح أن يتفاضلا في المال مع التساوي في الملك، ولا التساوي في المال مع التفاضل في الملك؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن ينتفع أحدهما بمال الآخر؛ لأنه إذا دفع (٢) إلى أحدهما أكثر من قدر ملكه ثم عجز رجع عليه الآخر بذلك.
ولنا: أن كل واحد منهما يعقد على نصيبه عقد معاوضة. فجاز أن يختلفا
في العوض؛ كالبيع.
وما ذكره لا يلزم؛ لأن انتفاع أحدهما بمال الآخر إنما يكون عند العجز، وليس ذلك (٣) من مقتضيات العقد، وانما يكون عند زواله فلا يضر.
ولأنه إنما يؤدي إليهما على التساوي، وإذا عجز قسم ما كسبه بينهما على
قدر الملكين. فلم يكن أحدهما ينتفع إلا بما يقابل ملكه، وعاد الأمر بعد زوال الكتابه إلى حكم الرق كأ نه لم يزل.
(ولا يؤدي) المكاتب مال الكتابة (إليهما) أى: إلى (٤) الشريكين فيهما (إلا على قدر ملكيهما) منه. فلا يجوز أن يؤدي إلى أحدهما أكثر من الآخر، ولا يقدم أحدهما على الآخر. ذكره القاضي. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي.
قال الموفق: لا أعلم فيه خلافاً؛ لأنهما سواء فيه. فيتساويان في كسبه،
стр. 3825
وحقهما متعلق بما في يده تعلقاً واحداً. فلم يكن له ان يخص أحدهما بشيء منه دون الآخر.
ولأنه ربما عجز فيعود إلى الرق ويتساويان في كسبه. فيرجع أحدهما على
الآخر بما في يده من الفضل بعد انتفاعه به مدة.
فإن قبض أحدهما دون الآخر شيئاً لم يصح القبض. وللآخر أن يأخذ منه
حصته إذا لم يكن أذن في القبض.
إذا تقرر هذا فإن عجز مكاتبهما فلهما الفسخ والإمضاء. فإن فسخا (١) جميعاً
أو أمضيا الكتابة جاز ما اتفقا عليه. وإن فسخ أحدهما وأمضى الآخر جاز في. الأصح وعاد نصفه [رقيقا ونصفه] (٢) مكاتباً.
وقال القاضي: ينفسخ من جميعه وفاقاً للشافعي؛ لأن الكتابة لو بقيت في
نصفه لعاد ملك الذي فسخ الكتابة إليه ناقصاً.
وجوابه: أنها كتابة في ملك أحدهما. فلم ينفسخ بفسخ الآخر؛ كما لو
انفرد بكتابته.
ولأنهما عقدان. فلم ينفسخ أحدهما بفسخ الآخر؛ كالبيع. وما حصل من
النقص لايمنع؛ لأنه إنما حصل ضمناً؛ لتصرف الشريك في نصيبه. فلم يمنع؛ كإعتاق الشريك.
وأما ضرر الذي فسخ فلم يعتبره الشرع في موضع، ولا (٣) يعرف له نظير.
فيكون بمنزلة المصلحة المرسلة التي وقع الإجماع على اطراحها، وضرر شريكه بفسخ عقده (٤) معتبر في سائر عقوده من بيعه وهبته ورهنه وغير ذلك فيكون أولى.
стр. 3826
إذا تقرر هذا فلا يخلو إما ان يكاتباه مفردين في عقدين أو يكاتباه كتابة واحدة
في عقد واحد، بأن يوكلا من يكاتبه، أو يوكل أحدهما الآخر فيكاتبه صفقه واحدة.
(فإن كاتباه) أى: كاتب الشريكان عبدهما (منفردين) في صفقتين، (فوفى أحدهما) أى: أحد الشريكين ما كاتبه عليه، (أو أبرأه) منه: (عتق نصيبه خاصة إن كان) الذي استوفى كتابته أو الذي أبرأه (معسراً، أو لا) أى: وإن لم يكن معسراً: عتق عليه (كله) وعليه قيمة (١) حصة شريكه مكاتباً. ويكون ولاؤه كله لمن أعتق عليه.
(وإن كاتباه كتابة واحدة) في صفقه (٢) واحده، (فوفى أحدهما) أى:
أحد الشريكين ماعليه له (بغير إذن الآخر: لم يعتق منه شيء)، [لعدم صحة القبض، لتعلق حق الشريك بما في يد المكاتب (٣) تعلقاً واحد اً.
(وإن كان) وفاه أحدهما] (٤) (بإذنه) أى: إذن الشريك الآخر: صح القبض و (عتق نصيبه) في الأصح، لأن المنع من صحة القبض لحق الشريك الآخر. فإذا أذن فيه صح، كما لو أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه، أو أذن البائع للمشتري في قبض المبيع (٥) قبل توفيه ثمنه، أو أذن الشريكان للمكاتب في التبرع. ولأنهما لو أذنا له في الصدقة بشيء صح قبض المتصدق عليه له. كذلك هاهنا.
وحيث عتق (٦) نصيب المستوفي كتابته بإذن شريكه (سرى) العتق إلى باقيه
стр. 3827
(إن كان) المستوفي كتابته (موسراً، وضمن نصيب شريكه) في الحال في الأصح (بقيمته مكاتباً)؛ لعتقه عليه. مبقى على ما بقي (١) من كتابته. وولاؤه كله له. وما في يده من المال الذي (٢) لم يقبض منه شيئاً مع كونه بينهما نصفين بقدر ما قبضه صاحبه، والباقي بين العبد وبين سيده الذي عتق عليه؛ لأن نصفه؛ عتق بالكتابة ونصفه عتق بالسراية فحصة ما عتق بالكتابة للعبد وحصة ما عتق بالسراية للسيد.
وقال أبو بكر والقاضي: لا يسري العتق في الحال وإنما يسري عند عجزه.
(وإذا كاتب ثلاثة عبداً) بينهم، (فادعى الأداء إليهم) كلهم، (فأنكره)
أى: أنكر وفاء مال كتابته (أحدهم) أى: أحد الثلاثة وأقر الآخران: (شاركهما) أى: شارك المنكر المقرين (فيما أقرا بقبضه) من العبد. فلو كانت كتابته؛ أي ثلاثمائة واعترف اثنان منهم بقبض مائتين وأنكر الثالث قبض مائة فإنه (٣) يشاركهما في المائتين اللتين اعترفا بقبضهما؛ لأنهما اعترفا (٤) بأخذ مائتين من ثمن العبد، والعبد مشترك بينهم فثمنه (٥) يجب أن يكون بينهم.
ولأن ما في يد العبد لهم، والذي أخذه (٦) كان في يده. فيجب أن يشترك
فيه الجميع، ويكون بينهم بالسوية.
ولو شهدا على شريكهما الثالث بما ادعى المكاتب دفعه إليه وهو المائة الثالثة، (فنصه) أي: نص الامام أحمد: (تقبل شهادتهما عليه) أي: على المنكر (٧) بقبض المائة من العبد؛ لأنهما شهدا للعبد بأداء ما يعتق به. فقبلت
стр. 3828
شهادتهما؛ كالأجنبين، الا أن ذلك لا يمنع رجوع المشهود عليه (١) عليهما بحصته مما قبضاه.
وفي " المغني " و" شرح المقنع " و" المحرر ": قياس المذهب لا تقبل شهادتهما عليه. واختاره ابن أبي موسى وصاحب " الروضة ".
قال في " الإنصاف ": وهو الصواب، لأنهما يدفعان عن أنفسهما مغرماً.
ومن شهد بشهادة تجر إلى نفسه نفعاً بطلت شهادته في الكل. وإنما يقبل ذلك في الإقرار؛ لأن العدالة غير معتبرة فيه، والتهمة لا تمنع من صحته. بخلاف الشهاده.
فعلى هذا القياس يعتق نصيب الشاهدين بإقرارهما، ويبقى نصيب المشهود
عليه موقوفاً على القبض، وله مطالبته بنصيبه أو مشاركة صاحبيه بما أخذا. فإن شاركهما أخذ منهما ثلثي مائة ورجع على العبد بتمام المائة. ولا يرجع المأخوذ منه على الباقين بشيء؛ لأنه إن أخذ من العبد فهو يقول: ظلمني وأخذه مني مرتين، وإن أخذ من الشاهدين فهما يقولان: ظلمنا وأخذ منا ما لا يستحقه علينا. ولا يرجع المظلوم على غير من ظلمه. وإن كان الشريكان غير عدلين فكذلك. سواء قلنا أن شهادة العدل (٢) مقبولة أو لا؛ لأن غير العدل لا تقبل شهادته وإنما يؤاخذ بإقراره.
وإن أنكر الثالث الكتابة فنصيبه باق على الرق إذا حلف أنه ما كاتبه، إلا أن. يشهد عليه بالكتابة ويكونان عدلين. فتقبل شهادتهما؛ لأنهما لا يجران إلى أنفسهما بهذه الشهادة نفعاً.
ولو كان العبد بين شريكين فكاتباه بمائة فادعى دفعها إليهما فصدقاه:
عتق. وإن أنكراه ولم تقم بينة: فالقول قولهما مع أيمانهما. وإن أقر أحدهما وأنكر الآخر: عتق نصيب المقر.
وأما المنكر فعلى نص الإمام: تقبل شهادة شريكه عليه إذا كان عدلآ. فيحلف
стр. 3829
العبد مع شهادته ويصير حراً، ويرجع المنكر على الشاهد فيشاركه فيما أخذه.
وأما القياس فيقتضي أن لا تسمع شهادة شريكه عليه؛ لأنه يرفع بشهادته عن
نفسه مغرماً، والقول قول السيد مع يمينه. فإذا حلف فله مطالبة شريكه بنصف ما اعترف به وهو خمسة وعشرون؛ لأن ما قبضه كسب العبد وهو مشترك بينهما.
فإن قيل: فالمنكر ينكر قبض شريكه عن الكتابة فكيف يرجع عليه؟
قلنا: إنما ينكر قبض نفسه وشريكه مقر بالقبض، ويجوز ان يكون قبض ولم يعلم به.
ومن أقر بمتصور وقوعه: لزمه حكم إقراره. ومن حكمه (١) جواز رجوع شريكه عليه.
(ومن قبل) رقيق (كتابة) من سيده (عن نفسه و) عن رقيق لسيده (غائب)؛ كما لو قال السيد لبعض عبيده: كاتبتك وفلاناً الغائب على مائتين تؤديانهما على قسطين سلخ كل شهر النصف. فقال العبد: قبلت ذلك لنفسي ولفلان الغائب: (صح) ذلك؛ (كتدبير) أى: كما يصح التدبير مع غيبة المدبر. بجامع كون التدبير والكتابة سببين للعتق وإن انفردت الكتابة بشروط ليست للتدبير.
إذا تقرر هذا (فإن جاز الغائب) ما قبله له الحاضر من الكتابة انعقدت له
وصار المال عليهما على حكم ما قبل الحاضر.
(وإلا) أى: وإن لم يجز الغائب ما قبله (٢) الحاضر: (لزمه الكل) أى:
لزم الحاضر المائتان اللتان كاتبهما السيد عليهما؛ للقبول الحاصل من الحاضر. قال في " الفروع ": ذكره أبو الخطاب، ويتوجه: كفضولي وتفريق الصفقة. انتهى.
стр. 3830
] فصل: فيما إذا اختلفا في كتابة]
(فصل. وإن اختلفا) أى: السيد وعبده (في كتابة): كما لو ادعى العبد على سيده أنه كاتبه على كذا فأنكر أو ادعى ذلك السيد على عبده فأنكر: (فقول منكر) منهما بيمينه لأن الأصل معه.
(و) إن اتفقا على الكتابة واختلفا (في قدر عوضها) بأن قال السيد: كاتبتك على ألفين، وقال العبد: بل على ألف: فالقول قول السيد على الأصح. نص عليه أحمد في رواية الكوسج.
وعنه: يتحالفان؛ كالمتبايعين، وفاقاً للشافعي.
وعنه: القول قول العبد وفاقاً لأبي حنيفة؛ لأنه منكر للألف الزائدة، والقول قول المنكر.
ووجه المذهب: أنه اختلاف في الكتابة. فالقول قول السيد فيه؛ كما لو اختلفا في أصل الكتابة. وتفارق البيع من وجهين:
أحدهما: أن الأصل في البيع عدم ملك كل واحد منهما لما صار إليه، والأصل في المكاتب وكسبه أنه للسيد. فكان القول قوله فيه.
الثانى: أن التحالف في البيع مفيد ولا فائده في التحالف في الكتابة. فإن الحاصل منه يحصل بيمين السيد وحده.
وبيان ذلك: أن الحاصل بالتحالف فسخ الكتابه، ورد العبد إلى الرق إذا لم يرض بما حلف عليه السيد. وهذا يحصل عند من جعل القول قول السيد مع يمينه. فلا يشرع التحالف مع عدم فائدته.
وإنما قدم قول المنكر في سائر المواضع؛ لأن الأصل معه، والأصل هاهنا
مع السيد؛ لأن الأصل ملكه للعبد وكسبه.
стр. 3831
إذا ثبب هذا فمتى حلف السيد ثبتت (١) الكتابة بألفين؛ كما لو اتفقا عليهما. وسواء كان اختلافهما قبل العتق أو بعده: مثل: أن يدفع إلى سيده ألفين فيعتق ثم يدعي (٢) المكاتب أن أحدهما عن الكتابة والآخر وديعه، ويقول السيد: بل هما جميعاً مال الكتابة.
(أو) اختلف السيد والعبد في (جنسه) أى: جنس مال الكتابة، بأن قال السيد: كاتبتك على ألف درهم، وقال العبد: بل (٣) على عشرة دنانير.
(أو) اختلفا في (أجلها)، بأن قال السيد: كاتبتك على ألفين على شهرين
كل شهر ألف، وقال العبد: بل على سنتين كل سنة ألف. فقول سيده بيمينه؛ كما لو اختلفا في أصل الكتابة؛ للعلة المتقدمة.
(أو) اختلفا في (وفاء مالها) أى: وفاء مال الكتابة للسيد، بأن قال العبد: وفيتك مال الكتابة وعتقت وأنكر السيد: (فقول سيد) أى: بيمينه؛ لأن الكتابة عقد معاوضة.
وكذا لو ادعى العبد أن السيد أبرأه من مال الكتابه وأنكر السيد. فإن القول
قول السيد بيمينه؛ لقوله ﷺ : " ولكن اليمين على المدعى عليه " (٤) .
(وإن قال) السيد (قبضتها) أى: قبضت مال الكتابة (إن شاء الله، أو) قبضتها إن شاء (زيد: عتق) العبد، (ولم يؤثر) هذا الاستثناء. (ولو) كان (في مرضه)؛ لأنه لا مدخل له في الإقرار.
قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا قال له علىّ ألف إن شاء الله كان مقر اً بها.
стр. 3832
ولأن هذا الاستثناء تعليق شرط، والذي يتعلق بالشرط إنما هو المستقبل. وقوله: قبضتها ماض فلا يمكن تعليقه؛ لأنه قد وقع على صفه لا يتغير عنها بالشرط. وإنما يدل الشرط على الشك فيها فكأنه قال: قبضتها وأنا أشك في القبض فيلغو الشك ويثبت الإقرار.
وإن قال: استوفيت آخر كتابتي، وقال: إنما أردت أنى استوفيت النجم الآخر دون ما قبله وادعى العبد إقراراه باستيفاء الكل: فالقول قول السيد؛ لأنه اعترف بمراده.
(ويثبت الأداء) أى: أداء مال الكتابة (ويعتق) به المكاتب: (بشاهد) أى: برجل واحد (مع امرأتين، أو) برجل واحد مع (يمين) يحلفها العبد، لأن النزاع بينهما في أداء المال، والمال يقبل فيه الشاهد مع اليمين، والرجل مع المرأتين.
***
стр. 3833
[فصل: في الكتابة الفاسدة]
(فصل. و) الكتابة (الفاسدة: كـ) ما لو كاتبه (على خمر، أو) كاتبه (على خنزير، أو) كاتبه على شيء (مجهول): كما لو قال: كاتبتك على ثوب أو حمار أو نحوهما (يغلب فيها حكم الصفة: في أنه) أى: أن العبد (إذا أدى) ما سمي في الكتابة (عتق). سواء خرج بالصفة بأن يقول: إذا أديت إلي فأنت حر، أو لم يقل ذلك، لأن معنى الكتابة تقتضي هذا فيصير كالمصرح به. فيعتق بوجوده، كالكتابة الصحيحة.
وإذا عتق بالأداء لم يلزمه قيمة نفسه ولم يرجع على سيده بإعطائه.
ذكره أبو بكر، وهو ظاهر كلام أحمد، لأنه عقد كتابة حصل العتق فيه للأداء. فلم يجب فيه تراجع " كما لو كان صحيحاً.
ولأن ما يأخذه السيد فهو من كسب عبده الذي يملك كسبه. فلم يجب رده. والعبد عتق بالصفة. فلم يجب عليه قيمة نفسه، كما لو قال له: إذا دخلت الدار فأنت حر، ودخلها.
(لا إن أبرئ) العبد من العوض الفاسد. فإنه لا يعتق، لعدم صحة البراءة، لأنه غير ثابت في الذمة.
(ويتبع ولد) في الأصح في الكتابة الفاسدة، لأنها كتابة يعتق فيها بالأداء. فيعتق ولدها به، كالكتابة الصحيحة.
(لا كسب فيها) أى: في الكتابة الفاسدة. فما كان بيده حين العتق فهو لسيده، كما لو علق عتقه على دخول الدار فدخلها. فإن ما في يده يكون لسيده.
(ولكل) من السيد والعبد (فسخها)، لأنها عقد جائز. بدليل ما يأتي.
стр. 3834
وحاصل الكلام: أن الكتابة الفاسده تساوي الصحيحة في أربعة أحكام: أحدها: أنه يعتق بأداء ما كوتب عليه مطلقا.
الثانى: إذا عتق بالأداء لم يلزمه قيمة نفسه ولم يرجع على سيده بما أعطاه له. الثالث: أن المكاتب يملك التصرف في كسبه ويملك أخذ الصدقات
والزكوات.
الرابع: إذا كاتب جماعة كتابة فاسدة فأدى إلى أحدهم حصته عتق على قول
من قال: إنه يعتق في الكتابة الصحيحة بأداء حصته، ومن لا فلا.
وتفارق الصحيحة في ثلاثة أحكام:
أحدها: إذا أبرئ من العوض لم يصح الإبراء ولم يعتق.
الثانى: أن لكل واحد من السيد والعبد (١) فسخها. سواء كان ثم صفة أو لم تكن؛ لأن الفاسد لا يلزم حكمه والصفة هاهنا مبنية على المعاوضة وتابعة لها؛ لأن المعاوضة هي المقصود. فلما بطلت المعاوضة التي هي الأصل بطلت الصفة المبنية عليها. بخلاف الصفة المجردة.
ولأن السيد لم يرض بهذه الصفة إلا بأن يسلم له العوض المسمى. فإذا لم يسلم كان له إبطالها. بخلاف الصحيحة فإن العوض لازم له. فكان العقد لازما له. الثالث: انه لا يلزم السيد ان يؤدي إليه ربع الكتابة ولا شيئاً منها؛ لأن العتق هاهنا بالصفة. أشبه ما لو قال: إذا أديت إلي فأنت حر.
(وتنفسخ) الكتابة الفاسدة (بموت سيد وجنونه، وحجر عليه لسفه) في الأصح، وفاقاً للشافعي؛ لأنها عقد جائز من الطرفين لا يؤول إلى اللزوم. فبطل بالموت.
ولأن المغلب فيها حكم الصفة المجردة، والصفة تبطل بالموت، كذلك هذه الكتابة.
ويملك السيد اخذ ما في يد العبد في الكتابة الفاسدة.
стр. 3835
] باب: أحكام أم الولد]
هذا (باب أحكام الولد). وأصل الأم أمهة. ولذلك جمعب على أمهات باعتبار الأصل، وعلى أمات باعتبار اللفظ. والهاء في أمهة زائدة عند الجمهور. وقيل: أصلية.
والأصل في إباحة التسري ووطء الإماء قوله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾
] المؤ منون: ٥ - ٦].
(وهي) أى: وأم الولد (شرعاً: من ولدت ما فيه صورة، ولو خفيه، من مالك) لها، حتى (ولو) كان مالكاً (بعضها) ولو جزءاً يسيراً، (أو) كان مالكها كلها أو بعضها (مكاتباً)، حتى (ولو) كانت (محرمة عليه)؛ كما لو كانت الأمة أخت سيدها أو بنته أو عمته أو خالته من رضاع، أو كانت مجوسية أو وثنية، أو كان وطئها شريك فيها أو نحوه؛ كما لو كان وطئها في حيض أو نفاس أو إحرام، (أو) كان الوطء من (١) (أبي مالكها) وإنما (٢) تصير أم ولد لأبي مالكها: (إن لم يكن الابن وطئها) نصاً.
قال أحمد: فيمن وقع على جارية ابنه: إن كان الأب قابضاً (٣) لها ولم يكن الابن وطئها فهي أم ولده فليس للابن فيها شيء.
قال القاضي: فظاهر هذا أن الابن إن كان قد وطئها لم تصر أم ولد للأب
стр. 3836
باستيلادها؛ لأنها تحرم عليه تحريما مؤبداً بوطء ابنه لها ولا تحل له بحال. فأشبه وطء الأجنبي.
فعلى هذا القول لا يملكها ولا تعتق بموته. فأما ولدها فيعتق على أخيه (١) ؛
لأنه ذو رحمه؛ لأنه من وطء يدرأ فيه الحد لشبهة الملك فلحق فيه النسب.
(وتعتق بموته وإن لم يملك غيرها)؛ لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ قال:
" من وطئ أمته فولدت فهي معتقة عن دبر منه " (٢) . رواه أحمد وابن ماجه.
وفي لفظ: " أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه، أو قال:
من بعده " (٣) . رواه أحمد.
وعنه أيضا قال: " ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ﷺ ققال: أعتقها ولدها " (٤) . رواه ابن ماجه والدارقطني.
وأما كونها تعتق وإن لم يملك غيرها؛ فلظواهر الأحاديث.
ولأن الاستيلاد إتلاف حصل بسبب حاجة أصلية وهي الوطء. فكان من رأس المال؛ كالأكل ونحوه.
(وإن وضعت جسما لا تخطيط فيه؛ كالمضغة، ونحوها)؛ كالعلقة:
(لم تصر به) أى: بهذا الجسم الذي لا تخطيط فيه (أم ولد). هذا مفهوم قوله: من ولدت ما فيه صورة ولو خفية. وهذا على الأصح؛ لأنه إذا شهد ثقات من النساء بأن في هذا الجسم صورة خفية تعلقت بها الأحكام؛ لأنهن اطلعن على الصورة التي خفيت على غيرهن.
(وإن أصابها في ملك غيره) بنكاح أو شبهة، (لا بزناً، ثم ملكها حاملاً:
стр. 3837
عتق الحمل، ولم تصر أم ولد) على الأصح. نص عليه في روايه إسحاق بن منصرر. .
أما كون الحمل يعتق، فلأنه ولده.
وأما كونها لا تصير أم ولد، فلظاهر قوله ﷺ : " من وطئ أمته فولدت " (١) . وهذا الحمل لم يحصل من وطئه حال كونها أمته.
ولأن الأصل في ولد الأمة الرق، خولف فيما إذا حملت به في ملك سيدها. فيبقى فيما عداه على الأصل.
وقوله: " لا بزناً " قيد في عتق الحمل يعني: أنه لو زنى بأمة فحملت منه ثم اشتراها فولدت في ملكه لم يعتق هذا الحمل الذي حملت به من الزنا.
(ومن ملك حاملاً) من غيره، (فوطئها) قبل وضعها: (حرم) عليه (بيع الولد) ولم يصح، (ويعتقه) نصاً.
قال أحمد: فيمن اشترى جارية حاملا من غيره فوطئها قبل وضعها فإن الولد
لا يلحق بالمشتري ولا يبيعه لكن يعتقه؛ لأنه قد شرك فيه؛ لأن الماء يزيد في الولد. نقله صالح وغيره.
ونقل الأثرم ومحمد بن حبيب: يعتق عليه. وجزم به في " الروضة ".
قال في " الفروع ": وقال شيخنا: يستحب. وفي وجوبه خلاف في مذهب أحمد وغيره.
وقال أيضاً: يعتق وأنه يحكم بإسلامه وهو يسري كالعتق. انتهى.
وقوله: وأنه يحكم بإسلامه يعني: لو كانت الأمة كافرة.
وقوله: وهو يسري كالعتق يعني: الإسلام.
(ويصح قوله) أى: قول السيد (لأمته: يدك أم ولدي) ويكون ذلك في الحكم مثل قوله لها: أنت أم ولدي، لأنه إذا أقر أن جزءا منها مستولد سرى
стр. 3838
إقراره بالاستيلاد إلى جميعها؛ كما لو قال لعبده: يدك حرة فإن العتق يسري إلى جميعه.
(أو لابنها) أى: ابن أمته: (يدك ابني) يعني: وكذا لو قال لولد أمته:
يدك ابني في سراية ذلك إلى جميعه؛ كما لو قال له: أنت ابني. ذكر ذلك في
" الانتصار " في طلاق الزوجة بطلاق جزء منها. واقتصر عليه في " الفروع ". لكن لو قال لولدها: أنت ابني، أو قال: هو ابني ولم يقل (١) : ولدته في ملكي ومات لم تصر أم ولد له في الأصح. على ما يأتى في المتن في باب الإقرار. (وأحكام أم ولد؛ كأمة) أي: كأحكام أمة غير مستولدة: (في إجارة واستخدام ووطء)؛ لأنها مملوكة. أشبهت الأمة القن.
والدليل على أنها أمة قوله ﷺ : " فهي معتقة عن دبر منه، أو قال: معتقة
من بعده " (٢) . فدل على أنها قبل ذلك باقية على الرق.
ومعلوم أن رسول الله ﷺ كان يطأ مارية مع قوله: " اعتقها ولدها " (٣) . والوطء لا يباح إلا في عقد نكاح أو ملك يمين.
فعلى هذا تجوز إجارتها؛ كالأمة، وقياساً على المدبرة.
ويجوز استخد امها؛ كالأمة.
ولأنها إذا جازت إجارتها فاستخدامها أولى.
ويجوز وطؤها؛ كالأمة.
(و) كذا يكون الحكم في (سائر امورها) أى: باقي أمورها؛ كإعارتها
وإيداعها.
ويستثنى من إطلاق ذلك صور أشار (٤) إليها بقوله:
стр. 3839
(إلا في تدبير) فإنه لا يصح؛ لأنه لا فائدة فيه؛ لأن السبب الذي انعقد فيها أقوى من التدبير. ألا ترى أنه لو طرأ الاستيلاد على التدبير أبطله. قاله ابن حمدان.
(أو ما ينقل الملك) يعني: وإلا فيما ينقل الملك في رقبتها؛ (كبيع،
غير كتابة)؛ لما تقدم في باب التدبير في المتن: أنه يصح أن يكاتب أم ولده (١) . (وكهبة ووصية ووقف) على الأصح.؛ وذلك لما روى ابن عمر عن النبي
ﷺ " أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع منها السيد ما دام حياً. فإذا مات فهي حرة " (٢) . رواه الدارقطني. ورواه مالك في " الموطأ " والدارقطني من طريق اخر عن ابن عمر] عن عمر] (٣) من قوله (٤) .
وفي حديث أم سعيد وحديث ابن عباس: " أعتقها ولدها " (٥) : إشعار بذلك.
ويروى المنع من بيع أمهات الأولاد عن عمر وعثمان وعائشة وأكثر الفقهاء. وروي عن علي وابن عباس وابن الزبير إباحة بيعهن.
وروى صالح بن أحمد قال: قلت لأبي: إلى أى شيء تذهب في بيع أمهات الأولاد؟ قال: اكرهه، وقد (٦) باع علي بن أبي طالب.
وقال في رواية إسحاق بن منصور: لا يعجبني بيعهن.
стр. 3840
قال أبو الخطاب: وظاهر هذا أنه يبعهن مع الكراهة. فجعل هذا رواية ثانية
عن أحمد.
قال الموفق: والصحيح أن هذا ليس برواية مخالفة لقوله: إنهن لا يبعن؛
لأن السلف كانوا يطلقون الكراهة على التحريم. ومتى كان التحريم والمنع مصرحاً به في سائر الروايات عنه وجب حمل هذا اللفظ المحتمل على المصرح به، ولا يجعل ذلك اختلافاً (١) .
وحجة من أجاز بيع أمهات الأولاد ما روى جابر قال: " بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر. [فلما كان عمر نهانا فانتهينا " (٢) .
وما كان جائزا في عهد النبي ﷺ وأبي بكر] (٣) لم يجز نسخه بقول عمر ولا غيره.
ولأن نسخ الأحكام إنما يجوز في عصر النبي ﷺ ؛ لأن النص إنما ينسخ بنص.
وإنما تحمل مخالفة عمر لهذا النص على أنه لم يبلغه ولو بلغه لم يتعده.
ولأنها مملوكة لم يعتقها سيدها ولا شيئاً منها ولا قرابة بينه وبينها؛ كما لو ولدت منه بنكاح أو شبهته؛ لأن الأصل الرق ولم يرد بزواله نص ولا إجماع. ولأن ولادتها لو كانت موجبة لعتقها لثبت العتق بها حين وجودها؛ كسائر أسبابه.
والجواب عن ذلك ما روي عن علي وابن عباس وابن الزبير: أنهم رجعوا
عن مخالفته فيكون ذلك إجماعاً.
وأما قول جابر: " بعنا امهات الأولاد على عهد رسول الله (٤) وعهد
أبي بكر " (٥) . فليس فيه تصريح بأنه كان ذلك بعلم رسول الله ﷺ وعلم أبي
стр. 3841
بكر. فيكون ذلك واقعاً منهم (١) على انفرادهم فلا يكون فيه حجة.
ويتعين حمل قول جابر على هذا؛ لأنه لو كان واقعاً بعلم رسول الله ﷺ
وأبي بكر وأقرا عليه لم تجز مخالفته، ولم تجمع الصحابة بعد ذلك على مخالفتهما، ولم يخل إجماعهم من منكر عليهم، ولا احتج به علي حين رأى بيعهن، واحتج به كل من وافق على بيعهن. فيجب أن يحمل قول جابر على ما حملناه عليه.
(أو يراد له) أى: لنقل الملك؛ (كرهن)؛ لأن المقصود منه نقل الملك
ببيعه في الدين إن لم يكن له مال غيره، قياساً على البيع.
(وولدها) أى: وحكم ولدها (من غير سيدها) إذا أتت به (بعد إيلادها)
أى: بعد أن صارت أم ولد (كهي). سواء أتت به من نكاح أو شبهة أو زنا، وسواء عتقت بموت سيدها أو ماتت قبل سيدها. ويجوز فيه من التصرفات كل ما يجوز في أم الولد ويمتنع فيه من التصرفات كل ما يمتنع في أم الولد؛ وذلك لأن الولد يتبع أمه في الحرية والرق فكذلك في سبب الحرية.
قال أحمد: قال ابن عمر وابن عباس وغيرهما: " ولدها (٢) بمنزلتها ".
وأما كون حكم الولد كذلك سواء عتقت أو ماتت قبله؛ فلأن سبب الحرية
قد انعقد. وهو شبيه بنفس العتق. فكما لا يرتفع العتق بعد وقوعه كذلك سببه.
فإن قيل: ولد المكاتبة يتبعها في الكتابة فإذا بطلت الكتابة في الأم بطلت في الولد.
فجوابه: ان سبب العتق في الكتابة، إما الأداء في العقد أو وجود (٣) الصفة. وتبطل الكتابة بتعذر كل واحد منهما، والسبب في أم الولد موت السيد ولا يتعذر ذلك بموتها.
стр. 3842
ويستثنى من ذلك ما أشار (١) إليه بقوله:
(إلا انه لا يعتق) ولدها (بإعتاقها) يعني: أن السيد إذا أعتق أم ولده وكان
لها ولد أتت بعد استيلادها من غير سيدها لم يعتق بإعتاقها؛ لأنها عتقت بغير السبب الذي تبعها. ويبقى عتقه موقوفا على موت سيدها؛ كما لو أعتق ولدها فإنها لا تعتق بعتقه ويبقى عتقها موقوفاً على موت سيدها.
(أو بموتها قبل سيدها) يعني: أنه لو ماتت أم الولد قبل سيدها لم يعتق ولدها بموتها؛ كما لو عتقت قبله. ولا تبطل تبعية ولدها لها في الحكم ويبقى عتقه موقوفاً على موت سيدها.
(وإن مات سيدها وهي حامل) منه: (فنفقتها لمدة حملها من مال حملها) على الأصح؛ لأن الحمل له نصيب في الميراث فتجب نفقته في نصيبه.
ومحل ذلك: إن كان للحمل مال، (وإلا) أى: وإن لم يخلف السيد شيئاً يرث منه الحمل: (فـ) نفقة الحمل (على وارثه).
ويتعلق أرش جناية أم الولد برقبتها على الأصح.
(وكلما جنت أم ولد) على غير سيدها: (فداها سيدها بالأقل من الأرش) أى: أرش الجناية، (أو) بالأقل من (قيمتها) على الأصح أى: قيمتها (يوم الفداء)؛ لأنه الوقت الذي تعلق الأرش برقبتها فيه. فلو كانت يوم الفداء مريضة أو مزوجة أو نحو ذلك أخذت قيمتها معيبة بذلك العيب.
قال في " شرح المقنع ": وينبغي أن تجب قيمتها معيبة بعيب الاستيلاد؛
لأن ذلك ينقصها. فاعتبر؛ كالمرض وغيره من العيوب. انتهى.
أما كونه يلزمه فداؤها؛ فلأنها مملوكة له بملكه كسبها، وقد تعلق أرش جنايتها برقبتها. فلزمه فداؤها؛ كالقن.
وأما كونه يلزمه فداؤها كلما جنت، قال أبو بكر: ولو ألف مرة؛ فلأنها
стр. 3843
أم ولد جنت جناية. فلزمه فداؤها، كأول مرة.
وأما كونه لا يلزمه اكثر من قيمتها إذا كان أرش الجناية أكثر منها؛ لأنه لم يمتنع من تسليمها، وإنما الشرع منع من ذلك، لكونها لم تبق محلاً للبيع ولا لنقل الملك فيها. بخلاف القن.
(ولو اجتمعت أروش) بجنايات صدرت منها (قبل إعطاء شيء منها) أى:
من الأروش: (تعلق الجميع) أى: جميع الأروش (برقبتها، ولم يكن على السيد) فيها كلها (إلا الأقل من أرش الجميع) أى: جميع الجنايات، (أو) الأقل من (قيمتها) يشتركون فيه [جميع أرباب الجنايات. (فإن لم تف) الو (٣) (بأرباب الجنايات) أى: بأروشهم (تحاصٌوا) فيه] (١) (بقدر حقوقهم)، لأن السيد لا يلزمه أكثر من ذلك، كما لو كانت الجنايات على شخص واحد.
(وإن قتلت) أم الولد (سيدها عمداً. فلوليه) أى: ولي سيدها: (إن لم يرث ولد لها شيئاً (٢) من دمه) أى: دم سيدها (القصاص)، كما لو لم تكن أم ولده؛ لما في
القصا ص من مصلحة الزجر عن تعاطي القتل.
وأما كونها لا قصاص عليها إذا ورث ولدها شيئاً من دم سيدها، لأنه لو وجب القصاص لوجب لولدها منه شيء، ولا يجب لولد على أمه قصاص. وقد توقف أحمد عن هذه المسألة في رواية مهنا، وقال: دعنا من هذه المسائل. ونقل مهنا ايضا: أنه يقتلها أولاده من غيرها.
قال في " شرح المقنع الكبير ": وهذه الرواية تخالف أصول مذهبه. والصحيح: أنه لا قصاص عليها.
(فإن عفا على مال) أى: اختار ولي سيدها المال، (أو كان القتل) أى: قتلها سيدها (خطأ: لزمها الأقل من قيمتها، أو) الأقل من (ديته) أى: دية
стр. 3844
سيدها؛ لأنها جناية من أم ولد. فلم تجب بها أكثر مما ذكر؛ لأن اعتبار الجناية في حق الجانى بحال الجنايه. بدليل ما لو جنى عبد فأعتقه سيده. وهي في حال الجنايه أمه فإنها إنما عتقت بالموت الحاصل بالجناية. فيكون عليها فداء نفسها بالأقل من قيمتها، أو دية سيدها التي هي أرش جنايتها.
(وتعتق في الموضعين) وهما القتل عمداً والقتل خطأ؛ لأن المقتضي لعتقها زوال ملك سيدها عنها وقد زال.
فإن قيل: ينبغي أن لا تعتق كما منع القاتل الميراث؛ لاستعجالها ما أجل لها.
فالجواب: أنها لو لم تعتق بذلك لزم، جواز نقل الملك فيها ولا سبيل إلى ذلك.
وقيل: لأن (١) العتق لغيرها وهو الحرية فلهذا لم يسقط بفعلها.
وأورد عليه المدبرة.
وأجيب (٢) بضعف السبب في المدبرة.
(ولا حد بقذف أم ولد) على الأصح؛ لأنها أمة حكمها حكم غيرها من الإماء في أكثر الأحكام. ففي الحد أولى؛ لأنه يدرأ بالشبهات ويحتاط لإسقاطه.
ولأنها أمة تعتق بالموت. أشبهت المدبرة.
(وإن اسلمت أم ولد لكافر: منع من غشيانها) أى: من وطئها والتلذذ بها؛ لئلا (٣) يفعل الكافر ذلك بالمسلمة. (وحيل بينه وبينها)؛ لئلا يفضي عدم الحيلولة إلى الوطء المحرم، ولم تعتق بذلك بل يبقى ملكه عليها على ما كان عليه قبل إسلامها.
стр. 3845
(وأجبر) سيدها (على نفقتها: إن عدم كسبها) على الأصح.
أما وجوب نفقتها عليه إن لم يكن لها كسب؛ فلأنه مالك لها، ونفقة
المملوك على سيده.
وأما كون نفقتها في كسبها إذا كان لها كسب؛ فلئلا يبقى له ولايه عليها بأخذ
كسبها. وينفق عليها مما شاء.
ومتى فضل من كسبها شيءعن نفقتها كان لسيدها.
(فإن أسلم: حلت له) أى: حل له ما يحل للمسلم من أم ولده؛ لأن
المانع من ذلك بقاؤه على الكفر، وقد زال.
(وإن مات) حال كونه (كافراً: عتقت) على الأصح؛ لأنها أم ولده، وشأن أم الولد العتق بموت سيدها.
وعنه: أنها تستسعي في حياته فتعتق.
(وإن وطئ أحد اثنين أمتهما: أدب) على ذلك على كل حال؛ لأنه وطئ
وطئا محرما.
قال في " شرح المقنع ": بغير خلاف علمناه بين أهل العلم.
ولا حد فيه؛ لأنه وطء صادف ملكاً. فلم يجب به حد؛ كوطء أمته
الحائض أو زوجته الحائض.
ويفارق ما لا ملك له فيها فإنه لاشبهة له فيها.
ولهذا لو سرق عيناً له فيها شرك لم يقطع، ولو لم يكن له فيها ملك قطع.
(ويلزمه) أى: يلزم واطئ الأمة المشتركة (لشريكه من مهرها بقدر
حصته) منها؛ لأنه وطء سقط فيه الحد للشبهة. فأوجب مهر المثل؛ كما لو وطئها يظنها زوجته.
وسواء طاوعته أو أكرهها؛ لأن وطء جارية الغير يوجب المهر وإن طاوعت؛ لأن المهر لسيدها. فلا يسقط بمطاوعتها؛ كما لو أذنت في قطع بعض أعضائها.
стр. 3846
(فلو ولدت) من وطء الشريك (صارت أم ولده) أى: أم ولد الواطئ؛
كما لو كانت خالصة له. وتخرج من ملك الشريك كما تخرج بالإعتاق، موسراً كان الواطئ أو معسر اً؛ لأن الإيلاد أقوى من الإعتاق.
(وولده حر)، لأنه من وطء [في محل] (١) للواطئ فيه ملك. أشبه ما لو
وطئ زوجته في حيض أو حرام.
(وتستقر فى ذمته) أي: ذمة الواطئ (ولو) كان (معسراً). نص عليه (قيمة نصيب شريكه) من الموطوءة؛ لأنه أخرج نصيب شريكه من ملكه. فلزمه قيمته؛ كما لو أخرجه بالإعتاق أو الإتلاف.
وإنما سرى الإيلاد إلى نصيب الشريك مع عسرته. بخلاف الإعتاق مع العسرة؛ لأنه أقوى؛ لكون الإيلاد ليس من فعل الشريك وإن كان الوطء من فعله لوجود الوطء من غير إيلاد. فهو من الأسباب التي لا يمكن رفع مسبباتها؛ كزوال الشمس لوجوب الظهر، ووجوب الدية بتلف الآدمي المعصوم بالسبب. سواء وجبت على المتسبب أو على عاقلته. وهذا على المذهب.
وعند القاضي في " الجامع الصغير " وأبي الخطاب في " الهداية ": إن كان الواطئ معسراً لم يسر استيلاده فلا يقوم عليه نصيب شريكه، بل يصيرها أم ولد ونصفها قن باق على ملك الشريك.
(لا من مهر وولد) يعني: أنه لا يلزم الواطئ لشريكه شيء من مهر الموطوءة ولا من قيمة الولد على الأصح؛ لأن حصة (٢) الشريك انتقلت إلى ملك الشريك الواطئ بمجرد العلوق. فلا يلزمه شيء من مهر مملوكته. وأما الولد فقد انعقد حراً، والحر لا قيمة له.
(كما لو أتلفها) بأن ماتت من الوطئ (٣) فإنه لا يلزمه في هذه الصورة بالاتفاق إلا قيمة نصيب شريكه؛ كما لو قتلها.
стр. 3847
(فإن أولدها) الشريك (الثانى بعد) أى: بعد إيلاد الشريك الأول عالماً
به: (فعليه مهرها) كاملا؛ لأنه وطء صادف ملك الغير. فأشبه ما لو وطئ أمة أجنبية.
(وولده) منها (رقيق)؛ لأنه من وطء في أمة غيره فكان حكمه حكمها.
(وإن جهل) الواطئ الثانى (إيلاد شريكه) الأول، (أو) علمه وجهل (أنها صارت أم ولده) أى: جهل الثانى أن حصته انتقل ملكها للواطئ الأول بإيلادها وأنها صارت أم ولد للأول بذلك: (فولده حر)؛ لأنه من وطء شبهة. (وعليه) أى: على الواطئ الثانى (فداؤه) أى: فداء ولده الذي أتت به
من وطئه، مع جهله كونها صارت أم ولد للأول؛ لكونه فوت رقه على الأول. (يوم الولادة) أى: بقيمته يوم ولدته؛ لأنه قبل الولادة لا يمكن تقويمه.
ولا فرق في ذلك بين كون الأمة بينهما نصفين، أو بين (١) كون لأحدهما جزء
من ألف جزء وللآخر البقية.
والله أعلم (٢).
стр. 3848
كتاب النكاح
وهو لغه الوطء. قاله الأزهري.
وقيل: للتزويج نكاح؛ لأنه سبب الوطء.
قال أبو عمرو غلام ثعلب: الهذي حصّلناه عن ثعلب عن الكوفيين، والمبرد
عن البصريين: أن النكاح في أصل اللغة هو: اسم للجمع بين الشيئين.
قال الشاعر:
أيها المنكح الثريا سهيلاً … عمرك الله كيف يجتمعان
هي شامية إذا ما استقلت … وسهيل إذا استقل يمان (١)
وقال الجوهري: [النكاح الوطء وقد يكون العقد، ونكحتها ونكحت هي،
أي: تزوجت.
وعن الزجاج] (٢): النكاح في كلام العرب. بمعنى الوطء والعقد معاً،
وموضع نكح (٣) في كلامهم: لزوم الشيء الشيء راكباً عليه.
قال ابن جني: ممالت أبا علي الفارسي عن قولهم. نكحها، قال: فرق (٤) العرب فرقاً لطيفاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانه أو بنت فلان ارأدوا تزويجها والعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته لم يريدوا إلا المجامعة؛ [لأن بذكر امرأته وزوجته يستغنى عن العقد] (٥).
стр. 3849
(وهو) أي: النكاح في الشرع: [عقد يعتبر فيه لفظ إنكاح أو تزويج.
وهو] (١) (حقيقة في عقد التزويج) في الأصح؛ لصحة نفيه عن الوطء، فيقال: هذا سفاح وليس بنكاح. وصحة النفي دليل المجاز.
ولأنه عند الإطلاق يصرف إليه ولا يتبادر إلى الذهن غيره فهو مما نقله العرف. وذلك؟ لأنه أشهر في الكتاب والسنة. وليس في الكتاب لفظ: النكاح بمعنى الوطء، إلا في (٢) قوله : (حتى تنكح زوجا غيره) [البقرة: " ٢٣] على المشهور.
وحيث تقرر أنه حقيقة في العقد فهو (مجاز في الوطء).
قال القاضي في " التعليق " في كون المحرم لا ينكح: لما قيل له: إن النكاح حقيقة في الوطء، فقال: إن كان في اللغة حقيقة في الوطء فهو في عرف الشرع للعقد.
وقال الحلواني أيضا: وهو (٣) في الشريعة عبارة عن العقد باً وصافه. وفي اللغة: عبارة عن الجمع وهو الوطء.
وقال ابن عقيل أيضا: الصحيح أنه موضوع للجمع وهو في الشريعة في العقد أظهر. انتهى.
وقيل: إن النكاح حقيقه في الوطء مجاز في العقد عكس ما تقدم. اختاره القاضي في " شرح الخرقي " و" أحكام القرآن " و" عيون المسائل " و" الانتصار " وأبو يعلى الصغير وابن خطيب السلامية؛ لما تقدم عن الأزهري وغلام ثعلب. والأصل عدم النقل.
قال أبوالخطاب: وتحريم من عقد عليها الأب استفدناه من الإجماع والسنة. وقيل: إنه حقيقه في مجموعهما فهو من الألفاظ المتواطئة.
стр. 3850
قال ابن رزين: والأشبه أنه حقيقة في كل واحد باعتبار مطلق الضم " لأن القول بالتواطئ خير من الاشتراك والمجاز، لأنهما على خلاف الأصل.
) والأشهر) أن لفظ النكاح) مشترك) بين العقد والوطء. يعني: أنه حقيقة
فى كل واحد منهما على انفراده.
قال في " الإنصاف ": وعليه الأكثر.
قال في " الفروع ": والأشهر أنه مشترك. انتهى.
قال القاضي في " المجرد ": الأشبه بأصلنا أنه حقيقة في العقد والوطء يعني: في كل واحد منهما بانفراده. وهو ظاهر كلامه في " التعليقة "؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب من غير تزويج، لدخولها في قوله : (ولا ننكحوا ما نكحءابآؤكم من النساء … ) الآية [النساء: ٢٢]، وذلك لورودها في الكتاب العزيز. والأصل في الإطلاق الحقيقة.
قال ابن خطيب السلامية: قال أبو الحسين: النكاح عند أحمد حقيقة في الوطء والعقد جميعا. وقاله أبوحكيم وجزم به ناظم " المفردات ". وهو منها. والفرق بين الاشتراك والتواطئ: أن الاشتراك يقال على كل واحد منهما بانفراده حقيقة. بخلاف التواطئ (١) فإنه لا يقال حقيقة إلا عليهما مجتمعين لا غير. والله أعلم.
(والمعقود عليه) أي: والذي يتناوله عقد النكاح ويقع عليه: (المنفعة).
قال في " الفروع ": كالإجارة، لا في حكم العين خلافا لأبي حنيفة، وفيها قال أبو الوفاء: ما ذكروه من مالية الأعيان ودعواهم أن الأعيان مملوكة لأجلها يحتمل المنع؛ لأن الأعيان لله، وإنما تملك التصرفات، ولو سلم في الأطعمة والأشربة فلملكه إتلافها ولا ضمان. بخلاف ملك النكاح. انتهى.
стр. 3851
قال القاضى أبو الحسين في " فروعه ": والذي يقتضيه مذهبنا أن المعقود
عليه (١) منفعة الاستمتاع، وأنه في حكم منفعة الاستخدام.
قال صاحب " الوسيلة ": المعقود عليه في النكاح منفعة الاستمتاع.
وقال القاضي في " أحكام القرآن ": المعقود عليه الحل لا ملك المنفعة.
وقال في القاعدة السادسة والثمانين: ترددت عبارات الأصحاب في مورد
عقد النكاح [هل هو الملك أو الاستباحة؟ فمن قائل هو الملك، ثم ترددوا] (٢)
هل هو ملك منفعة البضع أو ملك الانتفاع بها؟
وقيل: بل هو الحل لا الملك. ولهذا يقع الاستمتاع من جهة الزوجة مع أنه لاملك لها.
وقيل: بل المعقود كليه الازدواج كالمشاركة. ولهذا فرق الله بين الأزواج (٣) وملك اليمين.
ومشروعية النكاح ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله : (فآنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) [النساء: ٣].
وقوله : (وأنكحوا آلأيمى منكم والصالحين من عبادكم وإماءكم)
[النور: ٣٢].
وأما السنة؛ فمنها ما روى أنس قال: " كان النبي ﷺ يأمر بالباءة وينهى عن
التبتل نهيا شديدا " (٤) .
ويقول: " تزوجوا الودود الولود إنى مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة " (٥) .
رواه أحمد وابن حبان.
стр. 3852
وعن قتادة عن الحسن عن سمرة " أن النبي ﷺ نهى عن التبتل. وقرأ قتادة: (ولقذ أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزوجا وذرية) [الرعد: ٣٨] " (١) . رواه الترمذي وابن ماجه فى آي وأخبار غير ذلك كثيرة.
وأجمع المسلمون على جوازه.
(وسن) النكاح (لذي شهوة لا يخاف زنا) من الرجال والنساء على الأصح.
ثم اعلم أن للأصحاب في عدد أقسام الثكاج طرقا، أشهرها وأصحها: أن الناس في النكاح على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما تقدم ذكره في المتن. ووجه كونه مسنونا في الحالة المذكورة:
ما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " (٢) . رواه الجماعة. فعلل أمره به باً نه أغض للبصر وأحصن للفرج. وخاطب الشباب؛ لأنهم أغلب شهوة.
وذكره بأفعل التفضيل فدل على أن ذلك أولى- للأمن من الوقوع في محظور النظر والزنا- من تركه.
стр. 3853
(واشتغاله به) أي: واشتغال ذي الشهوة بالنكاح (أفضل) له (من التخلي لنوافل العبادة)؛ لظاهر قول الصحابة وفعلهم.
قال ابن مسعود: " لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام وأعلم أنى أموت في آخرها يوما لي فيهن طول النكاح لتزوجت مخافة الفتنة " (١) .
وقال ابن عباس لسعيد بن جبير: " تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء" (٢) .
وقال أحمد في رواية المروذي: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء.
ومن دعاك إلى غير التزويج فقد دعاك إلى غير الإسلام. ولو تزوج بشر كان قد تم أمره.
ولأن مصالح النكاح أكثر من مصالح التخلي لنوافل العبادة؛ لاشتماله على تحصين نفسه وزوجته، وحفظها والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نفل العبا دة.
القسم الثانى: ما أشير إليه بقوله: (ويباح) النكاح في الأصح (لمن
لا شهوة له) أصلا كالعنين، أو كانت له شهوة وذهبت لعارض؛ كالمرض والكبر، لأن العلة التي يجب لها النكاح أو يستحب وهي خوف الزنا، أو وجود الشهوة غير موجودة فيه.
ولأن المقصود من النكاح الولد وتكثير النسل وذلك فيمن لا شهوة له غير موجود، فلا ينصرف إليه الخطاب به، إلا أنه يكون مباحا في حقه كسائر المباحات؛ لعدم منع الشرع منه.
стр. 3854
وعلى هذا يكون تخليه لنوافل العبادة في حقه أفضل من النكاح؛ لمنع من يتزوجها من التحصين بغيره ويضرها بحبسها على نفسه.
ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يقوم بها.
ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه.
القسم الثالث: ما أشير إليه بقوله: (ويجب على من يخاف) بترك النكاح (١) (زنا ولو) كان خوفه من الزنا (ظنا من رجل وامرأة).
قال في " الإنصاف ": قولا واحدا، إلا أن ابن عقيل ذكر رواية: أنه غير
وا جب انتهى.
وعلة الوجوب: أنه يلزمه إعفاف نفسه وصرفها عن الحرام وطريقه النكاح. وظاهر كلام أحمد: أنه لا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه.
واحتج بأن النبي ﷺ " كان يصبح وما عندهم شيء ويمسي وما عندهم شيء" (٢) .
ولأن النبي ﷺ " زوج رجلا لم يقدر على خاتم من حديد ولا وجد إلا إزاره
ولم يكن له رداء " (٣) . أخرجه البخاري.
وقد قال أحمد في رجل قليل الكسب يضعف قلبه عن التزويج: الله يرزقهم، التزويج أحصن له.
قال (٤) في " شرح المقنع ": وهذا في حق من يمكنه التزويج، فأما من
стр. 3855
لا يمكنه فقد قال الله : (وليستعفف الذين لايجدون نكاحاحتى يغنيهم الله من فضله) [النور: ٣٣]. انتهى.
ونقل صالح: يقترض ويتزوج.
(ويقدم) النكاح (حينئذ) أي: حين إذ كان بحالة يجب عليه النكاح فيها (على حج واجب) زاحمه؛ لخشية الوقوع في المحذور بتاً خره. بخلاف الحج. (ولا يكتفى) في الامتثال (بمرة) أي: بأن يتزوج مرة، (بل يكون) التزوج (في مجموع العمر) في الأصح.
قال ابن خطيب السلامية فى " النكت ": جمهور الأصحاب أنه لا يكتفى بمرة واحدة، بل يكون النكاح في مجموع العمر. انتهى.
وفي " المذهب " وغيره: بلى لرجل وامرأة.
نقل ابن الحكم: المتبتل الذي لم يتزوج قط.
(ويجوز) النكاح (بدار حرب لضرورة لغير أسير).
قال في " الإنصاف ": يجوز له النكاح بدار الحرب للضروة، على الصحيح من المذهب.
ونقل ابن هانئ: لا يتزوج وإن خاف ولم يكن به ضرورة للنكاح، فليس له ذلك على الصحيح.
وقال ابن خطيب السلامية في " نكته ": ليس له النكاح، سواء كان به ضرورة أو لا.
قال الزركشي: فعلى تعليل أحمد لا يتزوج ولو (١) مسلمة. [نص عليه في رواية حنبل. ولا يطاً زوجته إن كانت معه] (٢) . ونص عليه في رواية الأثرم وغيره. وعلى مقتضى تعليله: له أن يتزوج آيسة أو صغيرة فإنه علل وقال: من أجل الولد؛ لئلا يستعبد.