وحرمهما القاضي.
ونقل حنبل: لا يفعل.
(و) كره (نفخ لحم يباع).
نقل ابن منصور: أكره نفخ اللحم.
قال في " المغني ": الذي للبيع؛ لأنه غش.
(وسنَُّ توجيهه) أي: أن يوجه المذكى بأن يجعل وجهه (للقبلة).ويجوز لغيرها ولو تعمده على الأصح.
ونقل محمد الكحال عن أحمد: يجوز لغيرها إذا لم يتعمده.
وسن كونه (على شقه الأيسر، ورفق به وحمل على الآلة بقوة، وإسراع بالشحط).
قال في " الفروع ": وسبق ما يقتضي الوجوب.
(وما ذبح فغرق) عقب ذبحه، (أو تردى من علو) أي: من محل عال يقتل التردي من مثله، (أو وطئ عليه شيء يقتله مثله: لم يحل) على الأصح؛ لأن ذلك سبب يعني: على زهوق الروح. فيحصل الزهوق من سبب مبيح وسبب محرم فغلب التحريم.
(وإن ذبح كتابي ما يحرم عليه يقيناً كذي الظفر) وهو: ما ليس بمنفرج الأصابع؛ كالإبل ونحوها من الأنعام؛ كالنعامة والبط وما ليس بمشقوق الأصابع لم يحرم علينا على الأصح؛ لأن قصده لحله غير معتبر، (أو) ذبح ما يحرم عليه (ظناً فكان) كما ظن (أو لا) يعني: أو لم يكن كما ظن (كحال الرئة).
ومعنى ذلك: أن اليهود إذا وجدوا رئة المذبوح لاصقة بالأضلاع امتنعوا من أكله زاعمين تحريم الذبيحة إذا وجدت الرئة كما ذكرنا ويسمونها اللازقة، وإن وجدوا الرئة غير لاصقة بالأضلاع أكلوها.
(ونحوها) أي: ونحو ما تقدم مما يرى الكتابي تحريمه لم يحرم علينا،
стр. 4937
(أو) ذبح كتابي (لعيده، أو ليتقرَّب به إلى شيء يعظمه لم يحرم علينا) ما ذبحه: (إذا ذكر اسم الله تعالى فقط عليه) نص عليه؛ لأنه من جملة طعامهم فدخل في عموم الآية.
ولأنه قصد الذكاة وهو ممن تحل ذبيحته.
وعنه: يحرم.
قال في " الفروع ": اختاره شيخنا.
قال في " الفروع " أيضا: ويحرم على الأصح أن يذكر عليه اسم غير الله.
ونقل عبد الله: لا يعجبني ما ذبح للزَهرة والكواكب والكنيسة وكل شيء ذبح لغير الله. وذكر الآية. انتهى.
(وإن ذبح) كتابي (ما يحل له) من الحيوان: (لم تحرُم علينا الشحوم المحرَّمة عليهم. وهي: شحم الثرب) على وزن فلس. وهو الشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء، (و) شحم (الكليتين)،وإحدهما كلية وكلوة بضم الكاف فيهما والجميع كليات وكلى؛ وذلك لقوله : ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦].وإنما يبقى بعد ذلك هذان الشحمان.
وعنه: تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم مما يذبحونه؛ لقوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهذا ليس من طعامهم.
ولأن ذلك (١) جزء من البهيمة لم يبح لذابحها. فلم يبح لغيره؛ كدمها.
وجوابه: أن الآية حجة لنا، وأن طعامهم ذبائحهم.
فعلى هذا يجوز تملكها منهم.
وأن هذا (كذبح حنفي حيواناً) مأكولا (فيبين حاملا) يعني: فيحل لنا الحمل بغير ذكاة مع اعتقاد الحنفي تحريمه، (ونحوه)؛ [كذبح المالكي فرساً
стр. 4938
مسميا عليها فإنها تحل لنا وإن اعتقد تحريمها] (١) . ذكره ابن عقيل.
(ويحرُم علينا إطعامُهم) أي: إطعام أهل الذمة (شحماً) محرما عليهم (من ذبيحتنا؛ لبقاء تحريمه) عليهم على الأصح. نص على ذلك أحمد (٢) ؛لأن تحريم الشحم عليهم ثبت بنص كتابنا فيكون حملا لهم على المعصية؛ كما لا يجوز أن تطعم مسلماً ما يحرم عليه.
(وتحل ذبيحتنا لهم مع اعتقادهم تحريمها) عليهم؛ لأن الحكم لإعتقادنا.
(ويحل) حيوان (مذبوح منبوذ بمحل يحلُّ ذبح أكثر أهله ولو جُهلت تسمية ذابح)؛ لأنه يتعذر الوقوف على كل ذابح ليعلم هل سمى أو لا؟ وقد تقدم حديث عائشة الذي رواه البخاري في معنى ذلك (٣) .
(ويحل) على الأصح (ما وُجِد ببطن سمك، أو) ببطن حيوان (مأكول مذكى، أو بِحَوْصَلته) يعني: حوصلة حيوان مأكول مذكى، (أو في رَوثِه) أي: روث الحيوان المأكول: (من سمك، وجراد) ببطنه، (وحب) بحوصلته أو روثه.
أما حل ما وجد ببطن ما ذكر من سمك وجراد؛ فلقوله ﷺ : " أحلت لنا ميتتان … " الخبر (٤) .
ولأنه لا تشترط له ذكاة. فأبيح؛ كالسمك الطافي، والجراد الموجود ميتاً.
وأما الحب الموجود في الحوصلة وروث المأكول؛ فلأنه طعام طاهر وجد في محل طاهر فلم يحرم بذلك.
ولأنه لم يتغير أشبه ما لو وجده ملقى.
(ويحرم بول) حيوان (طاهر) مأكول، (كروث) يعني: كما يحرم روثه؛ لأنه رجيع فيكون مستخبثاً. والله أعلم.
* * *
стр. 4939
[كتاب الصيد]
هذا (كتاب الصيد. وهو) إن أريد به الفعل: (اقتناصُ حيوان حلال، مستوحش طبعاً، غيرُ مقدور عليه.
(والمراد به) أي: بلفظ الصيد (هنا: المصيود. وهو: حيوان مقتنص) بفتح النون (حلال إلى آخر الحد) يعني: متوحَش طبعاً غير مقدور عليه.
والأصل في إباحته الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ) [المائدة: ٩٦]،
وقوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
وأما السنة؛ فروى أبو ثعلبة الخشني قال: " أتيت رسول الله ﷺ فقلت:
يا رسول الله! إنا بأرض صيد: أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم فأخبرنى ماذا يصلح لي قال: أما ما ذكرت أنك بأرض صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل " (١). متفق عليه.
وأجمع المسلمون على إباحة الإصطياد والأكل من الصيد ولهذا قلت:
стр. 4940
(ويباح) الصيد (لقاصده) في الأصح. واستحبه ابن أبي موسى.
(ويكره) حال كونه (لهواً). وفي كلام ابن عقيل ما يدل على أنه محرم؛ لأنه قال في " فنونه ": إن بعض المالكية قال له: الصيد فرجة ونزهة ميتة؛ لعدم قصد الأكل. قال ابن عقيل: وما أحسن ما قاله؛ لأنه عبث محرم ولا أحد أحق بهذا من مذهب أحمد حيث جعل في أحد الروايتين كل حظر في مقصود شرعي يمنع صحته.
(وهو) أي: الحيوان المصيود (أفضل مأكول) قاله في "التبصرة" واقتصر
عليه في " الفروع ". ولعل ذلك؛ لأنه من اكتساب المباح الذي لا شبهة فيه. (والزراعة أفضل مكتسَب). قاله الأزجي في " نهايته ". وعبارته: الزراعة أفضل المكاسب.
(وأفضل التجارة: في بَزٍ وعِطرٍ، وزرع وغرس، وماشية وأبغضها: في
رقيق وصَرْف).
قال في "الرعايه الكبرى": أفضل المعاش التجارة. وأفضلها في البز والعطر
والزرع والغرس والماشية. وأبغضها التجارة في الرقيق والصرف. انتهى.
قال في " الوجيز": ويتوجه قول: الصناعة باليد أفضل.
قال المروذي: سمعت. أحمد وذكر المطاعم يفضل عمل اليد.
(وأفضل الصناعة: خياطة. ونصَّ: أن كل ما نُصِح فيه فهو حسن).
نقل ابن هانئ عن أحمد أنه سئل عن الخياطة وعمل الخوص أيهما أفضل؟
قال: كلما نُصح فيه فهو حسن.
قال المروذي: حثني أبو عبد الله على لزوم الصنعة؛ للخبر.
(وأدناها) أي: أدنى الصناعة: (حِيَاكة وحِجَامة، ونحوهما)؛ كالقَّمام
والزبَال والدبَّاغ.
(وأشدَّها) أي: أشد الصنائع (كراهة: صبغ وصياغة وحدادة، ونحوها)؛كجزارة.
стр. 4941
قال في " الرعاية الكبرى " أيضاً: أفضل الصنائع: الخِياطة، وأدناها: الحياكة والحجامة ونحوهما، وأشدها كراهة: الصبغ والصياغة والحدادة ونحوها. انتهى.
(ومن أدرك) صيداً (مجروحاً متحرّكاً فوق حركة مذبوح، واتسع الوقت لتذكيته: لم يبح إلا بها) أي: بتذكيته على الأصح؛ لأنه مقدور عليه. أشبه سائر ما قدر على ذكاته.
ولأن ما كان كذلك فهو في حكم الحي.
حتى (ولو خشي موته، ولم يجد ما يذكيه به) على الأصح؛ لأنه حيوان لا يباح بغير التذكية إذا كان معه آلة الذكاة. فلم يبح بغير التذكية إذا لم تكن معه آلة؛ كسائر المقدور على تذكيته.
وعنه: يحل بموته قريباً.
وعنه: دون معظم يوم.
وفي " التبصرة ": دون نصفه، وبإرسال الصائد عليه ليقتله، لعدم آلة ذكاته.
وعنه: بالإرسال لا بموته.
وعنه: عكسه.
قال في " الفروع ": وأباحه القاضي وعامة أصحابنا بالإرسال. قاله في" التبصرة ".
(وإن امتنع) الصيد المجروح (بعَدْوه فلم يتمكن من ذبحه حتى مات تعباً: فحلال) في الأصح. ذكره القاضي؛ لأنه بامتناعه بالعَدو صار غير مقدور على تذكيته. أشبه ما لو وجده ميتاً.
واختار ابن عقيل: لا يحل؛ لأن الإتعاب يعينه على الموت. فصار كما لو وقع في ماء.
(وإن لم يتسع) الوقت (لها) أي: لتذكيته، (فكميّت) أي: فكما لو أدركه ميتاً.
стр. 4942
وإذا أدركه ميتاً فإنه (يحل بأربعة شروط:
أحدها: كون صائد أهلا لذكاة) أي: تحل ذبيحته؛ لقوله ﷺ : " فإن أخذ الكلب ذكاة " (١) . متفق عليه.
والصائد بمنزلة المذكي تشترط فيه الأهلية.
(ولو) كان الصائد (أعمى) في الأصح.
ومرادهم باشتراط كون الصائد أهلاً للذكاة إذا كان الصيد لا يحل إلا بالذكاة. أما صيد ما لا يفتقر إلى ذكاة؛ كالسمك إذا صاده من لا تباح ذبيحته فإنه يباح؛ لأنه لا ذكاة له. أشبه ما لو وجده ميتاً.
إذا تقرر هذا (فلا يحلُّ صيد) يفتقر إلى ذكاة (شارك في قتله من لا تحل ذبيحته؛ كمجوسي، ومتولد بينه) أي: بين مجوسي (وبين كتابي)،حتى (ولو) كان قتله (بجارحه). وفي الأصح: (حتى ولو أسلم) المجوسي (بعد إرساله) أي: إرسال الجارح؛ لأن الإعتبار بحالة الإرسال؛ كما لو استمر على مجوسيته، وإنما أرسله وهو مجوسي.
ولأنه اشترك في قتله سبب الإباحة وسبب التحريم فغُلّب التحريم.
(وإن لم يصب مقتله) أي: مقتل الصيد (إلا أحدهما) أي: أحد جارحي المسلم والمجوسي: (عُمل به) أي: كان الحكم لمن أصاب جارحه المقتل.
(ولو أثخنه) أي: أثخن الصيد (كلب مسلم، ثم قتله كلب مجوسي وفيه حياة مستقرة: حُرم، ويضمنه له) يعني: ويضمنه المجوسي للمسلم بقيمته مجروحاً.
(وإن أرسل مسلم كلبه) لصيد، (فزَجره) أي: زجر كلب المسلم (مجوسي فزاد عَدْوه) بزجر المجوسي فقَتل صيداً: حلَّ؛ لأن الصائد هو المسلم.
стр. 4943
(أو ردَّ عليه) أي: على كلب المسلم (كلبُ مجوسي الصيد فقتله) كلب مسلم: حل؛ لأن جارح المسلم انفرد بقتل الصيد. فأبيح؛ كما لو أمسك المجوسي شاة فذبحها مسلم.
(أو ذبح) المسلم (ما) أي: صيداً (أمسكه له مجوسي بكلبه، وقد جرحه) كلب المجوسي جرحاً (غير مُوح): حلَّ؛ لأن الذكاة المعتبرة حصلت من جانب المسلم.
(أو ارتد) المسلم بين رميه وإصابة سهمه، (أو مات) المسلم (بين رميه وإصابته: حلَّ) الصيد؛ لأن المعتبر حال الإرسال والرمي. وإنما رمى وهو مسلم حي. فكان حلالاً؛ كما لو استمر على إسلامه وحياته.
(وإن رمى) مسلمٌ (صيداً فأثبته، ثم رماه) ثانياً (أو) رماه (آخر فقتله، أو أوحاه) الثانى (بعد إيحاء الأول: لم يحِّل)؛ لأنه صار مقدوراً عليه بإثباته فلم يبح إلا بذبحه. (ولمثبته قيمته مجروحاً) على الرامي الثانى؛ لأنه أتلفه عليه، (حتى ولو أدرك الأول ذكاته فلم يذكه.
(إلا أن يصيب) الرامي (الأول مقتله) فيحل، (أو) يصيب الرامي (الثانى مذبحه: فيحل)؛لأنه مذكى، (وعلى الثاني أرش خرق جلده)؛لأنه لم يتلف سوى ذلك المحل (١) . وإن وجداه ميتاً حل؛ لأن الأصل بقاء امتناعه.
(فلو كان المرمي قِناً أو شاةً للغير) أي: غير الراميين، (ولم يوحِياه وسَرَيا) الجرحان إلى النفس: (فعلى الثاني نصف قيمته مجروحاً بالجرج الأول ويكملُها) أي: يكمل القيمة مع كون المرمي (سليماً) الرامي (الأول) في الأصح.
(وصيد قتل بإصابتهما) أي: إصابة اثنين تحل تذكيتهما (معاً) أي: في آن واحد: (حلال بينهما) نصفين؛ لاستوائهما في الإصابة؛ (كذبحه مشتركين) يعني: كما لو اشترك اثنان في ذبح حيوان بأن تحركت أيديهما في
стр. 4944
ذبحه في آن واحد فإنه يكون حلالاً؛ لأن التشبيه في حله، لا أنه يكون بينهما نصفين إن لم يكن مشتركاً بينهما.
(وكذا) لو أصابه (واحد بعد واحد، ووجداه ميتاً، وجُهل قاتله) منهما؛ لأن تخصيص أحدهما به ترجيح من غير مرجح؛ لأن الأصل بقاء امتناعه بعد إصابة الأول.
(فإن قال) الرامي الأول: أنا أَثبته ثم قتلته أنت، فتضمنَه، فقال الآخر مثله لم يحلَّ، ويتحالفان ولا ضمان)؛ لأن الأصل براءة ذمة كل منهما.
(وإن قال: أنا قتلته، ولم تثبْته أنت صُدّق بيمينه، وهو له) وحده؛ لأن الأصل بقاء امتناعه ويحرم على مدعي إثباته؛ لاعترافه بتحريمه.
* * *
стр. 4945
[فصل: في آلة الصيد]
(فصل) الشرط (الثاني) لحل ما وجد من الصيود ميتا: (الآلة. وهي نوعان):
أحد النوعين: (محدد، فهو كآلة ذبح) يعني: أنه يشترط في المحدد من آلة الصيد ما يشترط في المحدد من آلة الذبح.
(وشرط جَرحَه به) أي: جرح الصيد بالمحدد؛ لقوله ﷺ : " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " (١) . مفهومه: إن لم ينهر الدم لا يحل.
وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا رميت فسميت فخزقت فكل وإن لم تخزق فلا تأكل [ولا تأكل] من المعراض إلا ما ذكيت، ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت " (٢) . رواه أحمد.
وفي لفظ له " قلت: يا رسول الله لِلَّهِ إنا قوم نرمي فما يحلّ لنا؟ قال: يحل لكم ما ذكرتم اسم الله عليه وخزقتم فكلوا منه " (٣) . فاشترط الخزق فإن قتله بثقله لم يبح لذلك.
وإذا صاد بالمعراض وهو خشبة محدده وربما جعل في رأسها حديدة فإذا أصاب بحده حل أكله؛ لما روى عدي بن حاتم قال: " قلت يا رسول الله: إنى أرمي بالمعراض الصيد فأصيب. فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله " (٤) . متفق عليه
стр. 4946
إذا تقرر هذا (فإن قتله) أي: قتل الصيد شيء (بثِقَلِه؛ كشبَكة؛ وفخٍ وعصاً؛ وبُندُقة، ولو مع شَدْحٍ أو قطع حُلقومٍ ومريءٍ، أو بعْرض معراض - وهو: خشبة محدَّدة الطرف - ولم يجرحه: لم يبح) أكله لما تقدم من الأحاديث.
(ومن نَصَب مِنْجِلاً أو سِكيناً، أو نحوهما)؛كسيفٍ (مُسمِياً: حلَّ ما قتله) شيء من ذلك (بٍجُرحٍ، ولو بعد موت ناصبٍ أو ردَّتِه).
قال في " الفروع ": فظاهره يحل ولو ارتد أو مات، وهو كقولهم: إذا ارتد أو مات بين رميه وإصابته حل.
(وإلا) أي: وإن لم يقتله بشيء من ذلك بجرحه: (فلا) يحلُّ؛ لأنه وقيذ.
(والحجر: إن كان له حدٌ فكمعراضٌ) يعني: إن جرح حل ما جرحه.
(وإلا) أي: وإن لم يجرح: (فكبندُقة ولو خرق)؛ لأنه وقيذ.
(ولم يبح ما قتل بمحدَّد فيه سمٌ، مع احتمال إعانته) أى: إعانة السم (على قتله) أي: قتل الصيد؛ لأن المقتول بالسم كالمقتول بلا آلة، والمقتول بالمحدد مباح فقد اشترك سببان: مباح ومحرم في قتله فغلب التحريم.
(وما رُمي) من صيد (فوقع في ماء، أو تردَّى من عُلو، أو وَطئ عليه شئ، وكلٌّ من ذلك) أي: من الوقوع من الماء، والتردي من العلو، والوطء عليه (يقتل مثله: لم يحل)؛لما روى عدي بن حاتم قال: " سألت رسول الله ﷺ عن الصيد. فقال: إذا رميت سهمك (١) فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل فَكل، إلا أن تجده وقع في ماء فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك " (٢) . متفق عليه
стр. 4947
والمتردي من جبل والموطوء عليه مثله في عدم العلم بالقاتل من الشيئين.
ولأنه اشترك فيه سببان: مبيح ومحرم فغلب المحرم.
(ولو) كان ذلك (مع إيحاء جرح) على الأصح؛ لأن الإحتمال قائم فيجب تغليب حكمه.
(وإن رماه) أي: رمى إنسان صيداً (بالهواء، أو على شجرة، أو) على (حائطٍ، فسقط فمات): حلَّ؛ لأن الموت إنما كان بإصابة الجارح له. فلا يعتبر ما حصل بعد ذلك؛ لأن وقوعه إلى الأرض لا بد منه. فلو حرم به لأدى إلى أن لا يحل طير أبداً.
(أو) رمى إنسان صيداً ثم (غاب ما عُقر) برميه يقيناً، (أو) غاب ما (أصيب) برميه (يقيناً- ولو) أنه كان رميه الصيد (ليلاً- ثم وُجد) الصيد. وعلى الأصح: (ولو بعد يومه) الذي رماه فيه (ميتاً: حل)؛ لما روى عدي بن حاتم قال: " سألت رسول الله ﷺ فقلت: أرضنا أرض صيد فيرمي أحدنا الصيد فيغيب عنه ليلة أو ليلتين فيجد فيه سهمه. فقال: إذا وجدت سهمك ولم تجد فيه أثر غيره وعلمت أن سهمك قتله فكله " (١) . رواه أحمد والنسائي.
وفي رواية قال: " قلت: يا رسول الله أرمي الصيد فأجد فيه سهمي من الغد. قال: إذا علمت أن سهمك قتله ولم تجد فيه أثر سبع فكل " (٢) . رواه الترمذي وصححه.
стр. 4948
(كما لو وجده) أي: وجد الصيد (بفمِ جارحه، أو وهو يعبث به، أو فيه سهمه)؛ لأن وجوده بهذه الحالة وعدم أثر غير ذلك فيه يغلب على الظن أن الموت حصل بجارحة أو بسهمه. فيحل أكله؛ كما لو لم يغب عنه.
(ولا يحل ما وجد به) أي: بالصيد (اثر آخر) أى: غير جارحه أو سهمه، (يحتمل إعانته في قتله)؛ لما روى عُدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس له إلا أثر سهمك فكل. وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل " (١) . متفق عليه.
(وما غاب) من الصيد (قبل عقرِه، ثم وجده وفيه سهمُه، أو عليه جارحُه: حلَّ) على الأصح.
قال في " المبدع ": إذا غاب قبل عقره ثم وجد سهمه أو كلبه عليه ففي " المنتخب " و " المغنى ": أنه حلال.
وعنه: يحرم؛ كما لو وجد سهمه أو كلبه ناحية. وظاهر رواية الأثرم وحنبل: حله. جزم به في " الروضة ".
وعبارته في " الفروع ": وإن غاب قبل عقره ثم وجد سهمه أو كلبه عليه ففي
" المنتخب ": أنها كذلك، وهو معنى " المغني " وغيره.
قال في " المنتخب ": وعنه: يحرم. وذكرها في " الفصول "؛كما لو وجد سهمه أو كلبه ناحية كذا. قال: وتبعه في "المحرر". وفيه نظر على ما ذكر هو وغيره من التسوية بينهما وبين التي قبلها على الخلاف. وظاهر رواية الأثرم وحنبل حله، وهو معنى ما جزم به في " الروضة ". انتهى.
(فلو وجد مع جارحه) جارحٌ (آخر، وجهل: هل سُمِّي عليه) أو لا؟ لم
стр. 4949
يحل؛ لقوله ﷺ : " إذا أرسلت كلبك وسميت فكل. قلت: أُرسل كلبي فأجد معه كلباً آخر. قال: لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر " (١) . متفق عليه.
(أو) جهل هل (استرسل) الجارح (بنفسه أو لا؟) لم يبح؛ لقول النبي ﷺ : " إذا أرسلت كلبك وسميت فكل ".
ولأن إرسال الجارحة جُعل بمنزلة الذبح. ولهذا اعتبرت التسمية عند إرسالها. فإذا لم يعلم هل استرسلت بنفسها أو لا؟ لم يبح؛ لأن الأصل في الصيد الحظر؛ فلا يحل إلا مع تحقق المبيح.
(أو جُهل حال مرسِله) أي: مرسل الجارح الذي وجده مع جارحه: (هل هو من أهل الصيد، أو لا؟ ولم يعلم أى) من الجارحين (قتله) أي: قتل الصيد: لم يبح، (أو عُلم أنهما قتلاه معاً، أو أن من جهل حاله هو القاتل: لم يبح) في جميع هذه الصور؛ لقوله ﷺ : " وإن وجدت معه غيره فلا تأكل " (٢) . ولأن الأصل الحظر وإذا شككنا في المبيح رد إلى أصله.
(وإن عُلم وجود الشرائط المعتبرة) في إباحه قتل الجارح الذي وَجَده مع جارحه، بأن تبين أن إنساناً من أهل الصيد أرسله مسمِّيا عليه: (حلَّ. ثم إن كانا) الجارحان (قتلاه معاً) أي: في آنٍ واحد: (فـ) الصيد (بين صاحبيهما) أي: صاحبي الجارحين؛ كذبيحة مشتركين، (وإن قتله أحدهما) أي: أحد الجارحين وحده: (فـ) الصيد (لصاحبه) أي: لصاحب الجارح الذي قتل وحده.
стр. 4950
(وإن جُهل الحال) بأن لم يعلم هل قتلاه الجارحان معاً أو أحدهما دون الآخر؟ وجهل قاتله منهما، (فإن وجدا متعلقين به) أي: بالصيد: (فـ) هو (بينهما) أي: بين صاحب الجارحين؛ لأن الظاهر أن جارحيهما قتلاه، (وإن وُجد أحدهما) أي: أحد الجارحين (متعلقاً به) أي: بالصيد: (فـ) هو (لصاحبه) أي: صاحب الجارح الذي وجده متعلقاً به وحده؛ لأن الظاهر أنه هو الذي قتله. (ويحلف من حُكم له) من صاحبى الجارحين (١) (به) أي: بالصيد لاحتمال أن يكون لصاحب الجارح الآخر، أو يكون له فيه شركة إن طلب يمينه.
(وإن وجدا) أي: (٢) الجارحان (ناحية) من الصيد المقتول: (وقف الأمر حتى يصطلحا)؛ لأنه ليس أحدهما أحق به من الآخر. (فإن خيف فساده) أي: فساد الصيد ببقائه على حاله لتأخر صلحهما: (بِيع) بالبناء للمفعول، (واصطلحا على ثمنه)؛ لتعذر القضاء لواحدٍ منهما.
(ويحرم) على الأصح (عضوٌ أبانه صائد) من صيد (بمحدَّد، مما به) أي: بالمبان منه (حياة معتبرة)؛لقوله ﷺ : " ما أبين من حي فهو ميت " (٣) .
وعنه: إن ذكى حل البائن.
وعلم من قوله: (لا إن مات في الحال) ومما تقدم: أن الصيد الذي أبان منه عضواً ولم تبق به (٤) حياة مستقرة أنه يحل هو وما بان منه على الأصح.
стр. 4951
قال أحمد: إنما حديث النبي ﷺ : " ما قطع من الحي ميتة " (١) إذا قطعت وهي حيةٌ تمشي وتذهب. أما إذا كانت البينونة والموت جميعاً أو بعده بقليل إذا كان في علاج الموت فلا بأس به. ألا ترى الذي يذبح ربما مكث ساعة وربما مشى حتى يموت.
ولأن ما كان ذكاة لبعض الحيوان كان ذكاة لجميعه؛ كما لو قد الصائد الصيد نصفين. والخبر يقتضي أن يكون الباقي حياً حتى يكون المنفصل منه ميتاً.
(أو كان) المبان (من حُوت ونحوه) مما تحل ميتته؛ لأن أقصى ما فيه أن المبان ميتة وميتة الحوت ونحوه مباحة.
(وإن بقي) المقطوع من غير الحوت ونحوه (معلَّقا ًبجلده: حلَّ بحله) أي: بحل ما لم يقطع من الأعضاء الباقية رواية واحدة لأنه لم يبن.
(النوع الثانى) من آلة الصيد: (جارح. فيباح ما قتل) كل جارح (معلَّم)، سواء كان مما يصيد بمخلبه من الطير، أو بنابه من الفهود والكلاب؛ لقول الله (٢) : ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤].
قال ابن عباس في قوله : ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] هي الكلاب المعلمة وكل طير تعلم الصيد، والفهود والصقور وأشباهها.
وأما الجارح (٣) لغة: فهو الكاسب. قال الله (٤) : ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: كسبتم. ويقال: فلان جارحة أهله: كاسبهم.
وقوله ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، من التكليب وهو الإغراء.
стр. 4952
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله: (غير كلبٍ أسودٍ بَهيم. وهو)
أي: والأسود البهيم: (ما لا بياض فيه) نص عليه.
وذكر السامري والموفق: هو الذي لا يخالطه لونه لون سواه.
وقال ثعلب وإبراهيم الحربي: كل لون لم يخالطه لون آخر فهو بهيم. قيل لهما: من كل لون؟ قالا: نعم.
(فيحرُم صيدُه) نص عليه؛"لأنه ﷺ : أَمر بقتله. وقال: إنه شيطان " (١) . رواه مسلم.
فكونه شيطاناً هو علة قتله. والسواد علامة عليه؛ كما يقال: إذا رأيت صاحب السلاح فاقتله فإنه مرتد فالعلة: الردة.
(و) يحرم أيضاً (اقتناؤه)؛ لأمر النبي ﷺ بقتله، وإذا لم يجَز اقتناؤه لم يجز تعليمه؛ لأن التعليم إنما يكون مع جواز الإمساك. فيكون التعليم حراماً، والحل لا يستفاد من المحرم.
ولأنه علل بكونه شيطاناً، وما قتله الشيطان لا يباح أكله؛ كالمنخنقة.
(و) ذكر الأكثر: (يباح قتله).
قال في " الفروع ": ويحرم اقتناؤه. وذكر جماعة الأمر بقتله، فدل على وجوبه. ذكره الشيخ هنا يعني: الموفق. وذكر الأكثر إباحته.
ونقل موسى بن سعيد: لا بأس به. وقد قال الأصحاب: يحرم اقتناء الخنزير والانتفاع به ولم أجد أحداً صرح بوجوب قتله. بل نقل أبو طالب: لا بأس، واحتج القاضي بأن الأمر بالقتل يمنع ثبوت اليد ويبطل حكم الفعل. انتهى كلامه في " الفروع ".
(ويجب قتل) كلب (عَقور).
قال في " الغنية ": يحرم تركه قولاً واحداً، ويجب قتله؛ ليدفع شره عن
стр. 4953
الناس. ودعوى نسخ القتل مطلقاً، إلا المؤذي كقول الشافعية دعوى بلا برهان. ويقابله قتلُ الكل كما قاله مالك.
(لا: إن عقرَت كلبة من قَرُب من ولدها، أو خرَقت ثوبه) فإنه لا يباح قتلها من أجل ذلك؛ لأن عقرها ليس بعادة لها، (بل تُنقل) مع أولادها إلى محل على انفرادها.
(ولا يُباح قتل غيرهما) أي: غير الكلب الأسود البهيم والعقور.
(ثم تعليم ما يصيد بنابه؛ كفهدٍ وكلب) يكون بثلاثة أشياء:
(بأن يسترسل إذا أرسل، ويَنزجر إذا زُجر).
قال في " المغني ": لا في وقت رؤية الصيد.
وقال في " الوجيز ": لا في حال مشاهدته للصيد.
(وإذا أمسك) صيداً (لم يأكل) منه؛ لقوله ﷺ : " فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه " (١) . متفق عليه.
ولأن العادة في المعلم ترك الأكل؛ لأن عادة المعلم أن ينتظر صاحبه ليطعمه. فكان شرطاً؛ كالإنزجار إذا زُجر.
(لا تكرُّرُ ذلك) في الأصح؛ لأن ذلك تعلم صنعة. فلا يعتبر فيه التكرار؛ كسائر الصنائع. ولا توقيف في ذلك فيتبع.
(فلو أكل بعد) أي: بعد أن صاد صيداً ولم يأكل منه: (لم يخرج) بذلك (عن كونه معلَّما)؛لأن أكله في هذه الحالة قد يكون لجوع أو توحش فيكون الحكم مختصاً بهذه الحالة دون ما تقدم عليها، (ولم يحرم ما تقدم من صيده) على الأصح؛ لأن الصيود المتقدمة صاده في حال كونه معلماً والأصل فيها
стр. 4954
الحل، ولم يوجد فيها ما يمنع حلها. والأكل من الصيد بعد ذلك لا يكون مؤثراً فيها.
(ولم يبح ما) أي: ذلك الصيد الذي (أكل منه) على الأصح؛ لقول الله : ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وهذا إنما أمسكه على نفسه. فلا يباح أكله؛ كغير المعلم. ثم إن صاد بعد ذلك ولم يأكل منه أبيح على ظاهر كلام أحمد؛ لأنا تحققنا بذلك أنه لم يأكل مما أكل منه لعدم تعليمه بل لجوع ونحوه.
(ولو شرب) الصائد (دمه) أي: دم المصيد: (لم يحرم) بذلك. نص عليه؛ لأنه لم يأكل منه.
(ويجب غسل ما أصابه فمُ كلب) في الأصح؛ لأنه موضع أصابته نجاسة الكلب. فوجب غسله؛ كما لو أصابت غيره من ثوب أو إناء أو غيرهما.
(وتعليم ما يصيد بمخلبه؛ كباز وصقر وعُقاب) يكون: (بأن يسترسل إذا أرسل، ويرجع إذا دُعي. لا بترك الأكل)؛لقول ابن عباس: " إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإن أكل الصقر فكل " (١) . رواه الخلال.
ولأن تعليمه بالأكل ويتعذر تعليمه بدونه فلم يقدح في تعليمه. بخلاف ما يصيد بنابه.
(ويعتبر) كل ما يصيده ذو الناب أو ذو المخلب إذا قتله (جَرحه)؛لأنه آلة القتل. (فلو قتله) أي: قتل الجارح الصيد (بصدمٍ أو خَنقٍ: لم يُبح) على الأصح؛ لأن قتله بغير جرح. أشبه ما لو قتله بحجر، أو بندق، أو ضرب شاة بعصا حتى ماتت. وكل هذا وقيذ.
* * *
стр. 4955
[فصل: في اشتراط قصد الصيد]
(فصل) الشرط (الثالث) لحل ما وجد من الصيود ميتاً: (قَصد الفعل).
وهو: رمي السهم قاصداً للصيد، أو بنصب ما ينصبه من منجل أو سكين قاصداً للصيد؛ لأن قتل الصيد أمر يعتبر له الدين. فاعتبر له القصد؛ كالطهارة من الحدث.
(وهو: إرسال الآلة لقصد صيد)؛ لقوله ﷺ : " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل " (١) . متفق عليه.
ولأن إرسال الجارح جُعل بمنزلة الذبح ولهذا اعتبرت التسمية معه.
إذا تقرر هذا (فلو احتك صيد بمحدد) بلا قصد الصائد، (أو سقط) محدد على صيد (فعقره بلا قصد) فمات في الصورتين: لم يحل، (أو استرسل جارح بنفسه فقتل صيداً: لم يحِّل ولو زجره) أي: زجر الجارح ربه؛ لأن من لا يقصد الصيد لا يسمى صائداً، لأن الاعتبار بفعل الآدمي المضاف إلى فعل البهيمة؛ كما لو عدا الجارح على آدمي فأغراه ربه فأصاب منه شيئاً ضمنه.
(ما لم يزد) الجارح (في طلبه) أي: طلب الصيد (بزجره) أي: بأن يزجره ربه، ويسمي عند زجره، فيقتل الصيد، فإنه يحل على الأصح.
قال في " المغني ": وإن استرسل بنفسه فسمى صاحبه وزجره فزاد في عدوه
أبيح صيده. وبه قال أبو حنيفة.
стр. 4956
وقال الشافعي: لا يباح. وعن مالك كالمذهبين.
ولنا: أن زجره أثر في عدوه. فصار؛ كما لو أرسله.
ومما يتبين على ذلك أيضاً ما أشير إليه بقوله: (ومن رمى هدفاً) وهو: كل مرتفع من بناء أو كثيب رمل أو جبل، (أو رائداً صيداً ولم يره، أو) رمى (حجراً يظنه صيداً) فقتل صيداً: لم يحل؛ لأنه لم يقصد صيدا على الحقيقة.
(أو) رمى (ما علمه أو) رمى ما (ظنَّه غير صيد- فقتل صيداً-: لم يحل)؛لأن قصد الصيد شرط ولم يوجد.
(وإن رمى. صيداً فأصاب غيره، أو) قصد برميه (واحداً) من صيود (فأصاب عدداً: حلَّ الكل، وكذا جارح) أرسل على صيد فقتل غيره، أو أرسل على واحد فقتل عدداً فإنه يحل الجميع. نص على ذلك؛ لعموم الآية والخبر.
ولأنه أرسله على صيد. فحل ما صاده؛ كما لو (١) أرسلها على كبار فتفرقت عن صغارٍ، أوكما لو أخذ صيداً في طريقه.
(ومن أعانت ريحٌ ما رمى به) صائداً (فقتل ولولاها) أي: ولولا الريح (ما وصل): لم يحرم؛ لأن رمي السهم له حكم الحل والريح لا يمكن الاحتراز عنها فسقط اعتبارها.
(أو رده) أي: رد ما رمى به الصائد من سهم أو نحوه (حجر أو غيره) على الصيد (فقتل: لم يحرم) ما قتله؛ لأن ذلك لا يمكن التحزر منه.
(وتحلُّ طريدة. وهي: الصيد بين قوم يأخذونه قطعاً).
قال أحمد: حدَّثنا هشام عن منصور عن الحسن " أنه كان لا يرى بالطريدة بأسا ". كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم وما زال الناس يفعلونه في مغازيهم. واستحسنه أبو عبد الله. قال: والطريدة صيد يقع بين القوم فيقطع
стр. 4957
ذا منه بسيفه ويقطع الآخر أيضاً حتى يؤتى عليه وهو حي. قال: وليس هو عندي إلا أن الصيد يقع بينهم لا يقدرون على ذكاته فياخذونه قطعاً. انتهى كلام الإمام أحمد.
(وكذا النادُّ) نص عليه. قاله في " الإنصاف ".
(ومن أثبت صيداً ملَكه).
قال فى " الإنصاف ": بلا نزاع أعلمه. انتهى.
وذلك لأنه أزال امتناعه بإثباته. أشبه ما لو قتله. فإن تحامل حتى أخذه غيره لم يملكه، (ويرده آخذه) إلى من أثبته؛ لأنه ملكه.
(وإن لم يثبته فدخل محل غيره) أي: غير راميه الذي لم يثبته (فأخذه ربُّ المحل): ملكه بأخذه؛ لأن الأول لم يملكه.
(أو وثب حوت فوقع بحَجْر شخص ولو بسفينة) ملكه (١) بذلك في الأصح، لأن السمك من الصيد المباح. فملك بالسبق إليه؛ كما لو فتح حجره لأخذه.
(أو دخل ظبي داره فأغلق بابها وجهله، أو لم يقصد تملكه): ملكه؛ لأن ذلك من الصيد المباح فملكه بحيازته.
(أو فرخ في برجه طائر غير مملوك) ملكه من البرج بيده بحق. (وفرخ مملوكة لمالكها).
قال في " الإنصاف ": ما يبنيه الناس من الأبرجة فتعشش فيها الطيور يملكون الفراخ، إلا أن تكون الأمهات مملوكة فهي لأربابها. نص عليه. انتهى.
قال في " المبدع ": ولو تحول طير من برج زيد إلى برج. عمرو لزم عمراً
رده، وإن اختلط ولم يتميز منع عمرو من التصرف على وجه ينقل الملك حتى يصطلحا، ولو باع أحدهما الآخر حقه أو وهبه صح في الأقيس. انتهى.
стр. 4958
(أو أحيا أرضاً بها كنز: مَلكه) بإحيائه الأرض التي بها الكنز في الأصح؛ (كنصب خيْمته) لذلك، (وفتح حجره لذلك، وكعمل بركةٍ لـ) صيد (سمك، و) كنصب (شبكة وشَرك وفخ) نص عليهما، (ومِنْجل) لصيد، (و) كـ (حبس جارح لصيد، وبإلجائه) أي: إلجاء الصائد الصيد (لمضيق لا يفلت منه) فإن الصيد يملك بذلك في جميع هذه الصور في الأصح.
وقيل: لا يملك إلا بأخذه، وقبله هو مباح لمن أخذه.
(ومن وقع بشبكته صيد فذهب بها، فصاده آخر) أي: غير صاحب الشبكة: (فـ) الصيد (للثاني)؛لأن الأول لم يملكه لبقاء امتناعه. وما معه مما ذهب به من شبكة أو شرك أو فخ لقطة. لكن إن كان يمشي بالشبكة على وجه لا يقدر معه على الامتناع ممن يقصده فهو لصاحب الشبكة؛ لأنه لم يبق على امتناعه. وإن أمسكه الصائد من الشبكة أو من نحوها وثبتت يده عليه ثم انفلت منه لم يزل ملكه عنه بأخذ غيره؛ كما لو شردت دابة إنسان فأخذها غيره.
(وإن وقعت سمكة بسفينة- لا بحجر أحدٍ) فيها-: (فـ) هي (لربها) أي: لرب السفينة؛ لأن السفينة ملكه ويده عليها. لكن إن كانت السمكة وثبت بفعل إنسان لقصد الصيد فهي له دون صاحب السفينة، ودون من وقعت في حجره فيها؛ لأن الصائد أثبتها بذلك.
(ومن حصل) بملكه صيد، (أوعشش بملكه صيد أو طائر) غير صيد مما يباح اقتناؤه؛ كالبازي والعقاب: (لم يملكه) بذلك، ولغيره أخذه؛ لأن الأرض والدار ونحوها لم تعد لذلك. أشبه البركة التي لم يقصد بها الإصطياد. نقل صالح وحنبل فيمن صاد من نخلة بدار قوم: فهو له.
(وإن سقط برمي) ما عشَّش بملكه (به: فله) أي: فهو لرب الملك، سواء كان الرامي من أهل الدار أو غيرهم لأن دارهم حريمهم.
(ويحرم صيد سمك وغيره بنجاسة) على الأصح؛ لما فيه من أكل السمك للنجاسة. فيصير كالجلالة.
وكره أحمد الصيد ببنات وردان وقال: ماؤها الحشوش وكذا بالضفادع. وقال: الضفدع نهي عن قتله.
стр. 4959
(ويكره) صيد الطير (بشباش وهو: طير تُخيَّطُ عيناه ويربط)؛ لأن في ذلك تعذيباً للحيوان.
(و) يكره أيضاً أن يصاد صيد (من وكره) على الأصح.
(لا الفرخ) من وَكْره، (ولا الصيد ليلاً، أو بما يُسكر) الصيد. نص على ذلك.
(ويباح) الصيد (بشبكةٍ وفخٍ ودِبْق).
قال الإمام أحمد: (وكل حيلة).
وذكر جماعة: يكره بمثقل؛ كبندق. وكذا كره الشيخ تقي الدين الرمي بالبندق مطلقاً؛ لنهي عثمان.
ونقل ابن منصور وغيره: لا بأس ببيع البندق، ويرمى بها الصيد لا للعبث. وأطلق ابن هبيرة: أنه معصية.
(لا بمنع ماء) يعني: لا أن يصيده بمنع الماء عنه. وإذا صاده بذلك حل أكله على الأصح.
ونقل حنبل: لا يصاد الحمام يعني: بمنع الماء إلا أن يكون وحشياً.
(ومن أرسل صيداً وقال: أعتقتك، أو لم يقل) عند إرساله: أعتقتك: (لم يزل ملكه عنه). وذكره ابن حزم إجماعاً؛ كما لو فعل ذلك ببهيمة الأنعام؛ (كانفلاته) بدون إرساله.
قال ابن عقيل: ولا يجوز: أعتقتك في حيوان مأكول؛ لأنه فعل الجاهلية. انتهى.
وإذا لم يزل ملكه عنه فلم يبق إلا إعراضه عنه بإرساله فلا يملكه من أخذه بمقتضى إعراضه عنه.
(بخلاف نحو كِسرة أعرض عنها: فـ) إنه (يملكها آخذها)؛لأن ذلك مما لا تتبعه الهمة، وعادة الناس الإعراض عن مثل ذلك.
قال في " الفروع ": قال بعض أصحابنا في طريقته: العتق إحداث قوة
стр. 4960
تصادف الرق وهو ضعف (١) شرعي يقوم بالمحل فيمنعه عن دفع يد الاستيلاء عنه، والرق غير المالية. ولهذا قال الحنفية: الحربي رقيق بالنسبة إلينا، والرق سابق على المالية فهو متعلقها. انتهى.
(ومن وجد فيما صاده علامة ملك؛ كقلادة برقبته، و) كـ (حلقة بأذنه، و) كـ (ـقص جناج طائر: فـ) هو (لُقَطة)؛لأن الذي صاده أولاً ملكه باصطياده.
* * *
стр. 4961
[فصل: في اشتراط التسمية]
(فصل) الشرط (الرابع) لحل ما وجد من الصيود ميتاً: (قول: " بسم الله " عند إرسال جارحة، أو) عند (رميٍ) بسهم أو معراض؛ لأن ذلك هو الفعل الموجود من المرسِل أو الرامي فاعتبرت التسمية عنده؛ (كما) تعتبر (في ذكاةٍ) عند الذبح، (إلا أنها لا تسقط هنا) أي: في الصيد (سهواً) على الأصح لأن في الصيد نصوصاً خاصة.
ولأن الذبيحة تكثر فيكثر السهو فيها.
ويفرق بين الذبيحة والصيد: بأن الذبح يقع في محله فجاز أن يسامح فيه. بخلاف الصيد.
وعنه: إن نسي التسمية على السهم أُبيح، وإن نسيها على الجارحة لم يبح. والفرق بينهما: أن السهم آلة حقيقة (١) وليس له إختيار. بخلاف الحيوان فإن له اختياراً يفعل به ما يختار.
(ولا يَضُّر تقدُّم يسير) أي: أن تتقدم التسمية على الرمي أو على إرسال الجارحة بزمن يسير عرفاً، (وكذا تأخُّر كثير في جارح: إذا زجره فانزجر).
قال في " الإنصاف ": ولا يضر التقدم اليسير كالتقدم في العبادات وكذا التأخر الكثير، بشرط أن يزجره فينزجر كما دل عليه كلام أحمد. وقاله المصنف والشارح والشيرازي وغيرهم. انتهى.
ويعني بقوله المصنف: الشيخ موفق الدين.
(ولو سمى على صيد فأصاب غيره: حلَّ. لا إن سمَّى على سهم، ثم ألقاه
стр. 4962
ورمى بغيره) فقَتل به فإنه لا يحل ما قتله؛ لأنه لما لم يمكن اعتبار التسمية على صيد بعينه اعتبرت على الآلة التي يصيد بها.
(بخلاف ما لو سمَّى على سكين ثم ألقاها وذبح بغيرها)؛لوجود التسمية على ذبيحة بعينها. بخلاف ما لو سمى على شاة ثم ذبح غيرها بتلك التسمية فإنها لا تحل، سواء أرسل الأولى أو ذبحها لأنه لم يقصد الثانية بتلك التسمية.
وإن رأى قطيعا من غنم فقال: بسم الله، ثم أخذ شاة فذبحها بغير تسمية: لم تحل.
وإن جهل كون ذلك لا يجزئ لم يجر مجرى النسيان؛ لأن النسيان تسقط المؤاخذة به والجاهل مؤاخذ. والله أعلم.
* * *
стр. 4963
[كتاب الأيمان]
هذا (كتاب الأيمان. واحدها يمين، وهي القسَم) بفتح السين المهملة، (و) هي أيضاً (الإيلاء، والحلف بألفاظ مخصوصة) تأتي أمثلتها.
وأصل اليمين يمين اليد. سمي بذلك الحلف؛ لأن الحالف يعطي يمينه فيه كما في العهد والمعاقدة.
(فاليمين) التي هي الحلف: (توكيد حُكم بذِكر معظَّم على وجه مخصوص).
وقيل: هي جمله خبرية تؤكد بها أخرى؛ لأن وضعها في الأصل؛ لتأكيد المحلوف عليه. قال الله : ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣].
وقال : ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
(وهي وجوابها كشرط وجزاء).
والأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
وأما السنة؛ فمنها ما روى عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ :
" إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" (١) متفق عليه.
стр. 4964
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين أن يمين المكلف على مستقبل ممكن تجب الكفارة بالحنث فيها.
ثم لما كان الحلف تارة يقع على مستقبل وتارة يقع على ماض أشير إلى ذلك بقوله:
(والحلف على مستقبل: إرادة تحقيق خبر فيه) أي: في المستقبل (ممكن، بقول يقصد به الحث على فعل الممكن، أو) الحث على (تركه) فالحث على الفعل نحو قوله: والله لأعتكفن (١) غداً، والحث على الترك نحو قوله: والله لا زنيت أبداً.
(والحلف على) أمر (ماض: إما بَرٌ وهو: الصادق، أو غموس وهو: الكاذب، أو لَغوٌ. وهو: ما) أي: حلف (لا أجر فيه ولا إثم، ولا كفارة)؛لأن اللغو لا يترتب عليه حكم.
(واليمين الموجبة للكفارة بشرط الحنث هي): اليمين (التي) يحلف فيها (باسم الله تعالى الذي لا يسمَّى به غيره؛ كالله) يعني: كقوله: والله، (والقديم الأزلي، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، وخالق الخلق، ورازق) العالمين، (أو) و (رب العالمين والعالم بكل شيء)، ومالك يوم الدين، ورب السموات والأرضين. وفي الأصح: (والرحمن).
قال في " الإنصاف ": قال في " الفروع ": والرحمن يمين مطلقاً على الأصح.
قال الزركشي: هذا الصحيح وجزم به في " البلغة " و " المحرر"و" النظم"
و"الوجيز". انتهى كلامه في " الإنصاف ".
ووجه ذلك: قوله : ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ
стр. 4965
الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. فجعل لفظة: "الله" ولفظة: "الرحمن"سواء في الدعاء. فيكونان سواء في الحلف.
(أو) باسم الله الذي (يسمِّى به غيره - ولم ينو) الحالف (الغير- كالرحيم). قال الله : ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
(والعظيم) قال الله : ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣].
(والقادر) لقولهم: فلان قادر على التكسب.
(والرب) قال الله : ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢].
(والمولى)؛ لقولهم: المولى المعتق.
(والرازق) قال الله : ﴿فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: ٨].
(والخالق) قال الله : ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠].
(ونحوه) أي: ونحو ما تقدم؛ كقوله: والسيد. قال الله سبحانه وتعا لى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥].
وكقوله: والقوي. قال الله : ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩].
(أو) اليمين (بصفة له) سبحانه (كـ) قوله: و (وجه الله). نص عليه أحمد. قال الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧].
(وعظمته، وكبريائه، وجلاله، وعزته، وعهده، وميثاقه، وحقه، وأمانته، وإرادته، وقدرته، وعلمه) يعنى: كقوله (١) : وعظمة الله، وكبرياء الله، وجلال الله، وعزة الله، وعهد الله، وميثاق الله، وحق الله، وأمانة الله، وقدرة الله، وعلم الله، فإن كلاً من ذلك يمين.
стр. 4966
قال في " الفروع ": والمنصوص ولو نوى مقدوره ومعلومه وكذا نية مراده.
ولهذا قلت: (ولو نوى: مراده، أو مقدوره، أو معلومه)؛لأن ذلك بإضافته إلى الله صار يميناً بذكر اسمه معه.
(و) لهذا (إن لم يضفها) إلى اسم الله : (لم يكن يمينا، إلا أن ينوي بها صفته تعالى) وتقدَّس فيكون يمينا؛ لأن نية الإضافة كوجودها.
(وأما ما لا يُعد من أسمائه تعالى؛ كالشيء والموجود، أو) الذي (لا ينصرف إطلاقه إليه ويحتمله؛ كالحي والواحد والكريم، فإن نوى به الله) سبحانه و (تعالى: فـ) هو (يمين) في الأصح؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله.
فكان يميناً؛ كقوله: والرحيم والقادر. (وإلا) أي: وإن لم ينو به الله : (فلا) يكون يميناً؛ لأنه لم ينوه ولم ينصرف اللفظ إليه عند الإطلاق.
وقال القاضي: ليس ذلك بيمين بحال؛ لأن اليمين إنما تنعقد لحرمة الاسم ومع الاشتراك لا يكون له حرمة. فلا يبقى إلا مجرد النية، ومجرد النية لا ينعقد بها يمين.
والأول أصح؛ لأنه يصح أن يقسم الإنسان بشيء يصح أن يراد به الله قاصداً به الحلف. فكان يميناً مكفرة، كقوله: والمالك (١) .
(وقوله) أي: قول الحالف: (وايم الله) يمين، (أو) قوله: (لعمر الله يمين).
أما قوله: وايم الله فهي كقوله: وايمن الله. وهمزته همزة وصل عند البصريين وقالوا: ايمن الله بضم الميم والنون مع كسر الهمزة وفتحها. وقال الكوفيون: ألفها ألف القطع وهي جمع يمين فكانوا يحلفون باليمين فيقولون: ويمين الله قاله أبو عبيد. وهو مشتق من اليمين بمعنى البركة.
وأما قوله: لعمر الله فهو كالحلف ببقاء الله ؛ لقوله سبحانه
стр. 4967
وتعالى] (١) : ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢].
وقال الشاعر:
إذا رضيت كرام بني قشير لعَمر الله أعجبني رضاها
إذ العَمر بفتح العين وضمها الحياة، واستعمل في القسم المفتوح خاصة، واللام للإبتداء وهو مرفوع بالابتداء والخبر محذوف وجوباً تقديره: قسمي.
(لا هاء الله) يعني: أن هاء الله لايكون يميناً (إلا بنية).
قال في "الفروع": وهاء الله يمين بالنية وهي في "المستوعب " حرف قسم. (وأقسمت) بالله (أو أقسم) بالله، (وشهدت) بالله (أو أشهد) بالله، (وحلفت) بالله (أو أحلف) بالله، (وعزمت) بالله (أو أعزمُ) بالله، (وآليت) بالله (أو آلي) بالله، (وقسماً) بالله، (وحلفاً) با لله، (وأليَّة) بالله، (وشهادة) بالله، (وعزيمة بالله: يمين)، سواء نوى بذلك اليمين أو أطلق في الأصح. ويشهد لذلك قوله : ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ) [فاطر: ٤٢]، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٦].
ولأنه لو قال: بالله لأفعلن ولم يذكر الفعل الذي هو: " أقسم " ونحوه كان يميناً. فإذا ضم إليه ما يؤكده كان أولى وآكد.
(وإن نوى) بذلك (خبراً فيما يحتمله) الخبر؛ كما لو قال: نويت بأقسمت بالله ونحوه الخبر عن قسم ماض، أو قال: نويت بأقسم بالله ونحوه الخبر عن قسم يأتي: دين وقبل ذلك منه في الحكم في الأصح. فلا يكون يميناً.
(أو لم يذكر اسم الله تعالى عليه فيها كلها ولم ينو يميناً: فلا) يكون يميناً في الأصح؛ لأن قوله: أقسمت أو أقسم يحتمل القسم بالله والقسم بغيره. فلم يكن يميناً بغير نية تصرفه إلى القسم بالله .
стр. 4968
(والحلف بكلام الله تعالى) سبحانه، (أو) بـ (المصحف، أو) بـ (القرآن، أو بسورة) منه، (أو) بـ (آية منه: يمين) لأن من حلف بكلام الله أو بالقرآن أو بآية منه كان حالفاً بصفة الله . والحلف بصفة الله تعالى يمين، وكذا من حلف بالمصحف؛ لتضمنه القرآن الذي هو صفة الله . ولذلك أطلق النبي ﷺ على المصحف لفظة القرآن في قوله: " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو " (١) .
(فيها كفارة واحدة) على الأصح؛ لأنه لو تكررت اليمين بصفة من صفات الله وجبت كفارة واحدة، ولم تتكرر الكفارة بتكرار اليمين. فإذا كانت اليمين واحدة كان أولى أن لا تتكرر الكفارة.
وعنه: إن حلف بأكثر من آية فعليه بكل آية كفارة.
(وكذا) الحلف (بالتوراة ونحوها: من كتب الله تعالى)؛كالإنجيل والزبور.
قال ابن نصر الله في " حواشيه ": لو حلف بالتوراة أو الإنجيل ونحوهما من كتب الله (٢) فلا نقل فيها والظاهر أنها يمين. انتهى.
وهو كما قال؛ لأن إطلاق اليمين إنما تنصرف للتوراة والإنجيل والزبور المنزل من عند الله دون المبدل، ولا تسقط حرمة شيء من ذلك كونه منسوخ الحكم بالقرآن. فغاية ذلك: أن يكون كالآية المنسوخ حكمها من القرآن، ولا تخرج بذلك عن كونها كلام الله. وإذا كانت كلامه فهي صفه من صفاته؛ كالقرآن.
* * *
стр. 4969
[فصل: في حروف القسم]
(فصل. وحروف القسم) ثلاثة: (باء) وهي الأصل؛ لأنها الحرف التي تصل بها الأفعال القاصرة عن التعدي إلى مفعولاتها. و (يليها) اسم (مظهر) نحو قوله: أقسم بالله لأفعلن، (و) اسم (مضمر) نحو قوله: الله أقسم به لأفعلن.
(و) الحرف الثانى (واو) وهي بدل من الباء. و (يليها) أي: يلي الواو (مظهر) أي: اسم ظاهر فقط نحو قوله: والله لأفعلن، وقوله: ورب الكعبة لأفعلن، وقوله: وعزة الله لأفعلن. وهي أكثر استعمالا من الباء.
(و) الحرف الثالث (تاء) وهي بدل من الواو (يليها اسم الله خاصة) فتقول: تالله لأفعلن، ولا تقول: تالرحمن ولا تالقران ولا نحو ذلك.
وقد جاء مما ذكرنا في كتاب الله . قال الله :
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [فاطر: ٤٢]،وقال : ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢]،وقال ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم﴾ [يوسف: ٧٣].
إذا تقرر هذا فمن أقسم بأحد هذه الحروف في موضعه المستعمل فيه كانقسماً منعقداً؛ لأنه موضوع له. فإن ادعى أنه لم يرد القسم بذلك لم يُقبل منه في الأصح، وذلك لمجيء ذلك في كتاب الله العزيز وكلام العرب.
فمن قال: (بالله لأفعلن، يمين) يعني: أن من قال: بالله لأقومن، وقال: أردت أن قيامي بمعونة الله ولم أُرد عقد اليمين لم يقبل منه ذلك وكان قوله ذلك يميناً.
وفي " الترغيب ": إن نوى بالله أثق ثم ابتدأ لأفعلن احتمل وجهين باطنا. انتهى.
стр. 4970
(و) قول الإنسان لغيره: (أسألك بالله لتفعلنَّ، نيته) يعني: إن نوى بذلك اليمين انعقدت؛ كما لو لم يقل أسألك. (فإن أطلق) بأن لم ينو شيئا: (لم تنعقد)؛ كما لو نوى غير اليمين.
(ويصح قسم بغير حروفه) أي: بدون ذكر حرف القسم؛ (كـ) قوله (الله لأفعلن جرًا) أي: بجر الاسم الكريم (ونصباً) أي: بنصب الاسم الكريم؛ لأن كلا من الجر والنصب بدون حرف القسم لغة صحيحة، وقد ورد به عرف الإستعمال في الشرع، فروى ابن مسعود: " أنه لما أخبر النبي ﷺ أنه قتل أبو جهل قال له النبي ﷺ : " إنك قتلته؟ قال: الله إني قتلته " (١)
وقال النبي ﷺ لأسامة لما طلق إمرأته: " ألله ما أردت إلا واحدة " (٢)
(فإن نصبه) أي: نصب الاسم الكريم (بواو) أي: مع الواو، (أو رفعه معها) أي: مع الواو (أو دونها: فيمين) أي: فذلك يمين منعقدة إذا لم يكن الحالف من أهل العربية؛ لأن من لا يحسن العربية لا يفرق بين الرفع والجر والنصب. فالظاهر مع اقتران الجواب به إرادة اليمين.
(إلا أن لا ينويها) أي: ينوي اليمين (عربي) أي: حالف من أهل العربية فلا تكون يميناً؛ لأنه إذا قاله مرفوعاً لم ينصرف إلى اليمين؛ لأن المقسم به لا يكون مرفوعاً وإنما هو مبتدأ أو عطف على شيء تقدم، وكذلك النصب مع الواو، فإن الواو هنا لا تكون إلا عاطفة، إذ لو كانت واو القسم لجرت. فإذا كان من أهل العربية لم يكن ذلك يميناً في حقه؛ لأن عدوله إلى الإعراب الذي يُعدل به اللفظ عن القسم دليل على أنه لم يرد اليمين. إلا إذا نوى اليمين فتنعقد اليمين؛ لأن اقتران الجواب به يدل على إرادة اليمين. وإنما لم يكن يميناً منه إذا لم ينوه؛ لأن ظاهر حاله إرادة غيره. فإذا نوى اليمين فهو لاحن واللحن لا يقاوم النية فلا يرفعها؛ كما إذا لحن في القرآن فإن لحنه لا يخرجه عن كونه قرآنا.
стр. 4971
(ويُجاب قسم في إيجاب بإن) بكسر الهمزة (خفيفة)؛ كقوله : ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤].
(وثقيلة)؛ كقوله : ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤].
(ولام).ومن أمثلة ذلك قوله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
ولام (١) (ونونَي توكيد) أي: في الفعل المضارع المبتدأ باللام مقروناً بنونى التوكيد. فمثال اللام مع نون التوكيد الثقيلة: قوله : ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
ومثال اللام مع نون التوكيد الخفيفة: والله لأقومًا.
وقد يتعاقب اللام ونون التوكيد.
(وقد) أي: ويجاب قسم في إيجاب بقد. ومن ذلك قوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] فإنه جواب لقوله : (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) [الشمس: ١].
(و) يجاب القسم أيضاً في إيجاب (ببل عند الكوفيين) ومن وافقهم دون بقية النحاة. ومن أمثلة ذلك قوله : ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (٢) [ص: ١ - ٢]،وقوله : ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١ - ٢] وعند البصريين أن جواب القسم فى المثالين محذوف وبينهم في تقديره خلاف.
(و) يجاب قسم (في نفي بما).قال الله : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]. (وإنْ بمعناها) يعني: أنه يجاب القسم في النفي بإن بمعنى ما. قال الله : ﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى﴾ [التوبه: ١٠٧]،وكقولك: والله إنْ أنا إلا شجاع.
стр. 4972
(و) يُجاب أيضاً (بلا). ومنه قول الشاعر:
وآليت لا أرثي لها من كلالة ولامن جفى حتى تلاقي محمداً
(وتحذف لا لفظا نحو: والله أفعل). ومن ذلك قوله : ﴿تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥].
(ويُكره حلفٌ بالأمانة)؛لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من حلف بالأمانة فليس منا " (١) . رواه أبو داود.
و (كـ) الحلف بـ (عتق وطلاق). قيل لأحمد: يكره الحلف بعتق أو طلاق أو شيء؟ قال: سبحان الله! لمَ لا يُكره لا يُحلف إلا بالله.
(ويُحرم بذات غير الله تعالى و) غير (صفته) على الأصح؛ لما روى ابن عمر " أن النبي ﷺ سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " (٢) . متفق عليه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا
إلا وأنتم صادقون " (٣) . رواه النسائي.
فنهى عن الحلف بغير الله . ومخالفة النهي حرام فيكون محرماً لذلك.
وقد روي أن ابن عمر سمع رجلاً يقول: " لا والكعبة ". فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " (٤) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن.
стр. 4973
قال: وفسر أهل العلم هذا الحديث أن قوله: " كفر أو أشرك " على التغليظ.
(سواء) في الحكم بين ما إذا (أضافه) أي: أضاف الحالف المحلوف به (إليه) أي: إلى الله سبحانه (وتعالى؛ كقوله: ومخلوق الله، ومقدوره، ومعلومه، وكعبته، ورسوله، أوْ لا) يعني: أو لم يضفه؛ (كقوله: والكعبة)، وكقوله: (وأبي)؛ لاشتراكهما في الحلف بغير الله .
قال ابن مسعود وغيره: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً.
قال الشيخ تقي الدين: لأن حسنة التوحيد من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك، يشير إلى حديث ابن عمر المتقدم وهو قوله ﷺ : " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " (١) .
فعلى هذا اختار الشيخ تقي الدين: أنه يعزر لتحريمه. واختاره فيمن حلف بعتق أو طلاق، وحيث يخير بين أن يوقعه أو يكفر؛ كحلفه بالله ليوقعنه.
وذكر: أن الطلاق يلزمني ونحوه، يمين بالاتفاق. وخرجه على نصوص أحمد وهو خلاف صريحهما.
(ولا كفارة) في الحلف بغير الله إذا حنث؛ لأن الكفارة وجبت في الحلف بالله وصفاته؛ صيانة لاسمه الأعظم. وغيره لا يساويه في ذلك.
قال ابن حزم: اتفقوا أن من حلف بحق زيد أو عمرو أو بحق أبيه: أنه آثم ولا كفارة عليه. انتهى.
(وعند الأكثر) من أصحاب أحمد، ونص عليه فى رواية أبي طالب: أنه لا تجب كفارة في حلف بغير الله ، (إلا) في حلفٍ (بـ) نبينا
стр. 4974
(محمد ﷺ ؛لأنه أحد شرطي إحدى الشهادتين اللتين يصير بهما الكافر مسلماً. أشبه الحلف باسم الله .
والتزم ابن عقيل: أن الحلف بغيره من الأنبياء كهو.
والأشهر: أنها لا تجب به وهو قول أكثر الفقهاء؛ لدخوله في عموم الأحاديث.
وينقسم حكم اليمين إلى واجب ومندوب ومباح ومكروه وحرام أشير إلى الأول منها بقوله:
(ويجب الحلف لإنجاء معصومٍ من هلكة ولو نفسه) مثل: أن تتوجه أيمان القسامة عليه في دعوى القتل وهو بريء منه.
وأشير إلى الثاني منها بقوله:
(ويندب (١) لمصلحة)؛كحلفٍ يحصل به إصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم، أو دفع شر وهو صادق فيه.
وأشير إلى الثالث منها بقوله:
(ويباح على فعل مباح أو تركه)؛كمن حلف لايأكل سمكا مثلاً أو ليأكلنه، وكالحلف على الخبر بشئ وهو صادق فيه، أو يظن أنه صادق.
وأشير إلى الرابع بقوله:
(ويكره على فعل مكروه)؛كمن حلف ليصلين وهو حاقِن؛ (أو ترك مندوب)؛كمن حلف لا يزيد على قراءة الفاتحة في الصلاة.
وأشير إلى الخامس بقوله:
(ويحرم على فعل محرَّم)؛كمن حلف ليشربن خمراً مثلا، (أو ترك واجب)؛كمن حلف لا يصوم رمضان مثلاً، (أو) يحلف (كاذباً عالماً) بكذبه.
стр. 4975
(ومن حلف على فعل مكروه، أو) حلف على (ترك مندوب: سُن حنثه، وكره بره)؛ لما يترتب على بَرُّه من ترك المندوب دائماً.
(و) من حلف (على فعل مندوب، أو ترك مكروه: كره حنثه، وسن بره)؛ لما يترتب على بره من الثواب الحاصل بفعل المندوب وتركه المكروه.
(و) من حلف (على فعل واجب، أو) حلف على (ترك محرم: حُرم حنثه)؛لما في حنثه من ترك الواجب أو فعل المحرم، (ووجب بَرُّه)؛لما تقدم.
(و) من حلف (على فعل محرم، أو) حلف على (ترك واجبٍ: وجب حنثه)؛لما في بره من الإثم بفعل المحرم أو ترك الواجب، (وحرم بَرُّه)؛لما تقدم.
(ويخيَّر) من كان حلفه (في مباح)، سواء حلف على فعله أو على تركه بين حِنثه وبرُّه، (وحفظها فيه) أي: وحفظ اليمين فيما إذا حلف على فعل مباح أو على تركه (أولى) من حنثه. قاله في " الرعاية "؛ (كافتداء محِقٍّ) في دعوى عليه (لـ) يمين (واجبة عليه عند حاكم) يعني: فإن افتداء يمينه يكون أولى من حلفه؛ وذلك لما روي "أن عثمان بن عفان والمقداد تحاكما إلى عمر في مال استقرضه المقداد فجعل عمر اليمين على المقداد فردَّها المقداد على عثمان. فقال عمر: لقد أنصفك. فأخذ عثمان ما أعطاه المقداد ولم يحلف. فقيل له في ذلك. فقال: خفت أن يوافق قدر بلاء. فيقال: يمين عثمان ".
وقيل: يكره حلفه عند الحاكم.
(ويباح) الحلف (عند غيره) أي: غير الحاكم.
قال في " الفروع ": وقيل يباح الحلف عند الحاكم. ونقله حنبل كعند غير الحاكم. ويتوجه فيه: يستحب لمصلحة؛ كزيادة طمأنينة وتوكيد الأمر وغيره.
ومنه: " قوله ﷺ لعمر عن صلاة العصر: والله ما صليتها " (١) ؛تطييباً منه لقلبه.