← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

ولأنه حيوان طاهر مستطاب ليس بذى نابٍ ولا مخلب. فتحل؛ كبهيمة الأنعام. ولأنه داخل في عموم الآيات والأخبار المبيحة. وأما الآية فإنهم إنما يتعلقون بدليل خطابها. وهم لا يقولون به. وحديث خالد ليس له إسناد جيد. قاله أحمد. قال: وفيه رجلان لا يُعرفان. فلا نترك أحاديثنا المتفقُ عليها لمثل هذا الحديث المنكر. (وباقي الوحشُ؛ كزرافة) وهي: دابة تشبه البعير، إلا أن عنقها أطول من عنقه، وجسمها ألطف من جسمه، ويداها أطول من رجليها. سُئل أحمد عنها هل تؤكل؟ قال: نعم. وهي مباحة لعموم النصوص المبيحة. ولأنها مستطابة. أشبهت الإبل. (وأرنبٌ). قال في "المُغني": أكلها سعد ابن أبى وقاص. ورخص فيها أبو سعيد وعطاءُ وابن المُسيب والليث ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذِر. ولا نعلم قائلاً بتحريمها إلا شيئاً رُوي عن عمرو بن العاص. وقد صح عن أنس أنه قال: " أنفجنا أرنباً. فسعى القوم فلغبوا. فأخذتها فجئت بها إلى أبي طلحة. فذبحها وبعث بوركها أو قال فخذها إلى النبي ﷺ فقبله ") (١) . متفقٌ عليه. انتهى. (ووبرٌ) على الأصح. وبحله قال عطاء وطاووس ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي وابن المنذر وأبو يوسف. وحرمه أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف. ولنا: أنه يُفدى في الإحرام والحَرم. ولأنه طيب يعتلف النبات والبقول. فكان مباحا؛ كالأرنب.

стр. 4902

ولأن الأصل الإباحة وعموم النصوص تقتضيها ولم يَرد فيه تحريم. (ويربوعٌ) على الأصح. نُصَ عليه. وبِحله قال عُروة وعطاء والشافعي وأبو ثور وابن المنذر. وحرمه أبو حنيفة؛ لأنه يشبه الفأر. ولنا: " أن عمر رضى الله تعالى عنه حكم فيه بجُفرة لها أربعة أشهر " (١) . ولأن الأصل الإباحة ما لم يرد فيه تحريم. (وبقرُ وحشٍ) على إختلاف أنواعها من الإبل والتيتل والوعل والمَها. وحُمره) أي: حُمر الوحش. (وضَبٌ) في قول أكثر أهل العلم. يروى حله عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأبي سعيد الخدرى رضي الله تعالى عنهم. قال أبو سعيد: " كنا معشر أصحاب محمد ﷺ لأن يُهدى إلى أحدنا ضبٌ أحب إليه من دجاجة ٌ". وبحله قال مالك والشافعي. وحرمه أبو حنيفة؛ لما روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن أكل الضب" (٢) . ورُوى نحوه عن علي رضى الله تعالى عنه. ولنا: ما روى ابن عباس قال: " دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت مَيمونة. فأتي بضبٍ محنوذ. فقيل: هو ضب يا رسول الله! فرفع يده. فقلت: أحرامٌ هو يا رسول الله؟ قال: لا. ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدنى أعافه. قال خالد: فاجتررته" (٣) فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر" (٤) .متفق عليه.

стр. 4903

قال عمر: " إن النبي ﷺ لم يُحرِم الضب ولكن قذره. ولو كان عندي لأكلته " (١) . ولأن الأصل الحل ولم يوجد المحرم، فبقىَ على الإباحة. (وظِباء) وهي الغُزلان على إختلاف أنواعها؛ لأنها كلها تُفدى في الإحرام والحَرم. (وباقي الطير كنعامٍ، ودجاجٍ، وطاووسٍ، وببغاءٍ) بتشديد الباء الموحدة (وهي الدُرة، وزاغٍ) وهو طائرٌ صغير أغبر، (وغرابُ زرعٍ) وهو أسود كبير يأكل الزرع، يطير مع الزاغ، لأن مرعاهما الزرع والحبوب. أشبها الحِجل. وقيل: هما واحد، وكالحمام بأنواعه من الفواخت، والقَمارى، والجَوازل، والرَقطي، والدَياسي، والحِجل، والقَطا، والحَباري؛ لما روى سفينة قال: " أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حَباري " (٢) . رواه أبو داود. والعَصافيرُ والقنابرُ وكالكركَى والبَط والإوَز وما أشبه ذلك مما يلتقط الحب أو يُفدى في الإحرام لأن ذلك مستطاب؛ فيحل لأنه من الطيبات فيدخل في عموم قوله : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. (ويَحِل كل حيوانٌ بحري)؛ لقوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]. ولقوله ﷺ لما سُئل عن ماء البحر فقال: " هو الطهور ماؤه، الحِلُ ميتتُه " (٣) . رواه مالك. (غير ضُفدعٍ). نُص على ذلك. واحتج بالنهي عن قتله. ولأنها مستخبثة فتدخل في عموم قوله ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].

стр. 4904

(و) غير (حَيةٌ)؛ لأنها من المستخبثات. (و) غير (تِمساح). نُص عليه؛ لأن له ناب يغرس به. وقال ابن حامد والقاضي: وغير الكُوسج. وهو سمكة لها خرطوم كالمِنشار، وتسمى القرش. والأشهر أن الكوسج مباح؛ كخنزير الماء وإنسانه وكلبه. وبهذا قال مالك والشافعي لعموم الآية والأخبار. ولما روى البخاري: " أن الحسن بن علي رضى الله تعالى عنهما ركب على سرج عليه جلد من جلود كلاب الماء " (١) (وتُحرم الجلالة التي أكثر علفها) أي: غذاءها (نجاسة، و) يحرم (ألبانها وبيضها) أيضاً على الأصح؛ لما روى ابن عمر قال: " نهى النبي ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها " (٢) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن غريب. وفي رواية أبي داود: " نهى عن ركوب جلالة الإبل " (٣) . ولما روى ابن عباس قال: " نهى النبي ﷺ عن شرب لبن الجلالة " (٤) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.

стр. 4905

وأما بيضها فهو متولد منها؛ كاللبن. والجلالة: قال القاضي: هي تأكل القذرة. فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها، وإن كان أكثر علفها الطاهر لم تحرم. قال الموفق: وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحد ولا هو ظاهر كلامه، لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرا في مأكولها ويعفى عن اليسير. (حتى تُحبس ثلاثا) أي: ثلاث ليال بأيامهن. نص على ذلك؛ " لأن ابن عمر كان إذا أراد أكلها يحبسها ثلاثاً ". (وتُطعم الطاهر فقط)،إذ المانع من حلها يزول بذلك. ولا فرق في ذلك بين الطائر والبهيمة على الأصح. وعنه: يحبس الطائر ثلاثاً والشاة سبعاً، وما عدا ذلك أربعين يوما. والأول أصح؛ لأن ما طهر حيواناً طهرغيره؛ كما لو كانت النجاسة بظاهره. (ويُكره ركوبها)؛لما تقدم من الحديث الوارد في ذلك. (ويباح أن يعلف النجاسة ما) أي: حيواناً (لا يُذبح) قريبا؛ (أو) لا يُحلب قريباً. قال في " الإنصاف ": نقله عبد الله بن الحكم. (١) قال في " المحرر": ويجوز أن تعلف الإبل والبقر التى لا يراد ذبحها بالقرب الأطعمة النجسة أحياناً. قال شارحه: لأنه يجوز تركها في الرعي على إختيارها، ومعلوم أنها تعلف النجاسة. انتهى. (وما سُقي) بماء نجس من زرع وثمر (أو سمد) أي: جعل فيه السماد أي: السرقين برماد (بنجس من زرع وثمر محرم). نص عليه؛ لما روى ابن عباس قال: " كنا نكرى أراضي رسول الله ﷺ ونشترط عليهم أن لا يُدمِلوها بعذرة

стр. 4906

الناس " (١) . ولولا أن ما يزرع فيها يحرم بذلك لم يكن في إشتراط ذلك فائدة. ولأنه يتربى بالنجاسة أجزاؤه والإستحالة لا تطهر عندنا. وقوله: "أن لا يدملوها " أي: يسرقنوها. قال في " القاموس ": ودَمَل الأرض دملا ودملاناً أصلحها، أو سَرْقنها فتدَّملت: صلحت به. انتهى. (حتى يسقى بعده) أي: بعد سقيه أو بعد تسميده بالنجس (بـ) ماء (طاهر) أي: طهور (يستهلك عين النجاسة) فيطهر ويحل؛ لأن الماء الطهور معد لتطهير النجاسات. وكالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات. (ويكره أكل تراب وفحم). قال في "الإنصاف": جزم به في " الرعايتين " و " الحاوي " وغيرهم. (و) يكره أيضاً أكل (طين) لضرورة نصا، ونقل جعفر كأنه لم يكرهه. وذكر بعضهم أن أكله عيب في المبيع. نقله ابن عقيل؛ لأنه لا يطلبه إلا من به مرض. (و) يكره أيضاً أكل (غُدَّة وأذُنُ قلب) على الأصح. نص عليه. وقال أبو بكر وأبو الفرج: يحرم. ونقل أبو طالب: " نهى النبي ﷺ عن أذن القلب ". وقال في رواية عبد الله: " كره النبي ﷺ أكل الغدة ". (و) يكره أيضاً أكل (بصل وثوم ونحوهما)؛كالكراث والفجل (٢) (ما لم ينضج بطبخ). قال أحمد: لا يعجبني. وصرح بأنه كرهه لمكان (٣) الصلاة في وقت الصلاة.

стр. 4907

(و) يكره أيضاً أكل (حبٍ ديس بحمر) أهلية (١) . نُص على ذلك. وقال: لا ينبغي أن يدوسوه بها. وقال حرب: كرهه كراهة شديدة. وهذا الحب كطعام الكافر ومتاعه على ما ذكره المجد. ونقل أبو طالب: لا يباع ولا يشترى ولا يؤكل حتى يغسل. (و) يكره أيضاً (مداومة أكل لحم). قال في " الإنصاف ": قاله الأصحاب. (و) يكره أيضاً (ماء بئر بين قبور، وشَوْكها وبقلها). قال ابن عقيل: كما سمد بنجس والجلالة. (لا لحم نيء و) ولحم (مُنتن) يعني: فلا يكره أكلها على الأصح. قال في "الفروع": ولا بأس بلحم نئ. نقله مهنا، ولحم منتن. نقله أبو الحارث. وذكر جماعة فيهما: يكره. وجعله في " الانتصار " في الثانية اتفاقاً. ويَحرم الترياق وهو: دواء يعالج به من السموم يجعل فيه لحوم الحَيات؛ لأن لحم الحية حرام على ما ذكرنا. ويحرم أيضاً التداوي بألبان الأتن وكل محرم. وسُئل أحمد عن الجبن. فقال: يؤكل من كل أحد. فقيل له عن الجبن التى تصنعه المجوس. فقال: ما أدري. وذكر أن أصح حديث فيه حديث عمر " أنه سئل عن الجبن. وقيل له: يعمل فيه الأنفحة الميتة. فقال: سموا اسم الله تعالى وكلوا " (٢) . * * *

стр. 4908

[فصل: في حكم المضطر] (فصل. ومن اضطر: بأن خاف التلف) إن لم يأكل. نقل حنبل: إذا علم أن النفس تكاد تتلف. وقيل: إن خاف ضرراً. وفي " المنتخب ": أو مرضاً أو انقطاعاً عن الرُفقة. ومراده ينقطع فيهلك كما ذكره في " الرعاية ". (أكل وجوباً) نص عليه. قال في " الفروع ": وذكره شيخنا وفاقاً. قال الأثرم: سُئل أبو عبد الله عن المُضطر يجد المَيتة ولم يَأكل. فذكر قول مسروق: من اضُطر فلم يأكل ولم يشرب فمات دخل النار. وذلك لقوله : ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وترك الأكل مع إمكانه في هذه الحالة إلقاء بيده إلى التهلكة. وقيل: ندباً. (من غير سُمٍ ونحوه) مما يضر (من محرم) أكله مع عدم الاضطرار (ما يسد رَمقه)؛لقول الله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقوله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] (فقط) على الأصح لأن الآية دلت على تحريم الميتة، واستثنى ما اضُطر إليه. فإذا اندفعت الضروره لم يحل له الأكل؛ كحالة الابتداء.

стр. 4909

ومحلُ إباحة الأكل من المحرم على الاضطرار: (إن لم يكن في سفرٍ مُحَرم. فإن كان فيه) أي: في السفر المُحَرم (ولم يتب: فلا) يحل له أن يأكل من الميتة ولا من نحوها لأنه رخصة، والعاصي ليس له أن يترخص. (وله) أي: ولمن جاز له الأكل من الميتة: (التزود إن خاف) الحاجة إن لم يتزود؛ كما يجوز له التيمم مع وجود الماء إن خاف العطش باستعماله في الطهارة. (ويجب) على المضطر (تقديم السؤال على أكله) من المحرم. نص عليه. وقال لسائل: قم قائما؛ ليكون لك عذر عند الله. قال القاضي: يأثم إذا لم يسأل. ونقل الأثرم: إن اضطر إلى المسألة فهي مباحة. قيل: فإن توقف؟ قال: ما أظن أحداً يموت من الجوع. الله يأتيه برزقه. (وإن وجد) المضطر (ميتة وطعاماً يجهل مالكه أو) وجد (ميتة وصيداً حياً) وهو مُحْرِم، (أو) وجد ميتةٌ و (بيض صيد) حال كون البيض (سليما وهو محرم: قدم الميتة) قاله الأصحاب؛ لأن كلاً من ذبح الصيد وكسر البيض جناية لا تجوز له حال الإحرام. ولأن أكل الميتة منصوص عليه وغيره مختلف فيه. فكان العدول إلى المنصوص عليه أولى. (ويقدم عليها) أي: على الميتة (لحم صيدٍ ذبحه محْرم) في الأصح. قال في " التنقيح ": قاله القاضي وهو أظهر. قال أبو الخطاب: يأكل من الميتة. انتهى. لأن كلا منهما فيه جناية واحدة. ويتميز الصيد الذى ذبحه محرم بالإختلاف في كونه مذكى. (ويقدم) المضطر (على صيد حي) مع الإحرام (طعاماً يجهل مالكه) في

стр. 4910

الأصح. يعني: أنه إذا لم يجد المحرم ميتة ووجد صيدا حياً وطعاماً يجهل مالكه أكل الطعام الذى يجهل مالكه لأنه أكل مال غيره للضرورة. فجاز بشرط الضمان؛ كما لو لم يجد غيره. ولا يأكل الصيد لأنه لا يباح له بحال بخلاف طعام الغير فإنه يباح له في حال بيع مالكه له وهبته فكان أخف حكماً لذلك. (ويقدم مضطر مطلقاً) أي: سواء كان محرماً أو غير محرمٍ (ميتة مختلفاً فيها على) ميتة (مجمع عليها)؛لأن الميتة المختلف فيها مباحة على قول بعض المسلمين، فإذا وجدها كان واجدا للمباح على ذلك القول (١) ،فتحَرم عليه الأخرى، وعلى قول من يرى أنها محرمه هي كالأخرى. فما اتفق على إباحته في هذه الحال أولى مما اختلف فيه. (ويتحرى) المضطر (في مُذكاة اشتبهت بميتة) في الأصح؛ لأن ذلك غاية ما يقدرعليه لكونه لا يجد غيرهما. (ومن لم يجد) ما يسد رمقه (إلا طعام غيره) وكان رب الطعام مضطراً أو خائفاً أن يضطر إن (٢) بذله (فربه - المضطر، أو الخائف أن يضطر) في الأصح- (أحق به) من غيره؛ لأنه ساواه في الإضطرار وانفرد عنه بالملك. أشبه غير حاله الإضطرار. (وليس له) أي: لرب الطعام (إيثاره) أي: إيثار غيره به في الأصح؛ لأنه إذا آثر غيره به فهلك جوعاً كان كالملقي بيده إلى التهلكة. قال فى " الفروع ": وهل له إيثاره؟ كلامهم يدل على أنه لا يجوز. وذكر صاحب " الهدي " في غزوة الطائف. أنه يجوز، وأنه غاية الجود لقوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر: ٩]. ولفعل جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في فتوح الشام. وعُد ذلك في مناقبهم. انتهى كلامه في " الفروع ". ولعل ذلك لعلمهم من نفسهم حُسْن التوكل والصبر.

стр. 4911

(وإلا) أي: وإن لم يكن رب الطعام مضطراً ولا خائفاً أن يضطر: (لزمه) أي: لزم رب الطعام (ما يسد رَمقه) أي: رمق المضطر (فقط) على الأصح؛ لأنه يتعلق بذلك إحياء نفس آدمي معصوم. فلزمه بذله؛ كما يلزمه بذل منافعه في تخليصه من الرق. ولا يلزم رب. الطعام بذل ذلك مجاناً بل (بقيمته) نص عليه، (ولو فى ذمة معسر)؛ لوجود الضرورة. (فإن أبى) رب الطعام بذل ما وجب عليه دفعه بقيمته (أخذه) منه المضطر (بالأسهل) فالأسهل، (ثم) إن امتنع من بذله بالأسهل أخذه منه (قهرا)؛لأنه أحق به من مالكه لإضطراره، (ويعطيه عوضه) من مثل مثلى أو قيمة متقوم لئلا يجتمع على رب الطعام، فوات العين والمالية. ويعتبر كون عوضه (يوم أخذه)، لأنه يوم تلفه. (فإن منعه) من أخذه بعوضه (فله قتاله عليه) في الأصح؛ لأن للمضطر حق فيه، لإضطراره إليه وهو يمنعه منه. فجاز له قتاله، لمنعه حقه. (فإن قتل المضطز: ضمنه رب الطعام) لأنه قتله بغير حق. (بخلاف عكسه) يعني: بخلاف ما إذا كان المقتول رب الطعام فإن المضطر لا يضمنه ويذهب دمه هدراً لأنه ظالم بقتاله للمضطر. أشبه الصائل. (وإن منعه) أي: منع الطعام ربه (إلا بما فوق القيمة)؛ بأن قال للمضطر: لا أبيعك طعامي إلا بكذا وكان ذلك فوق قيمته (فاشتراه منه بذلك ثم أي: بما قاله لإضطراره إليه، (كراهة أن يجري بينهما دم أو عجزاً عن قتاله: لم يلزمه إلا القيمة)؛لأنه وجب عليه بذله بقيمته، فإذا أخذ أكثر منها فقد أخذ ما لا يستحقه. فيجب عليه رده إن كان أخذه، وإلا سقط. (وكان للنبي ﷺ أخذ الماء من العطشان) وكان (على كل أحد أن يقيه بنفسه وماله) وكان له طلب ذلك لقول الله (١) :

стр. 4912

﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وقد عُلم مما تقدم أن المضطر إذا وجد من يطعمه ويسقيه لم يحل له الإمتناع من الأكل والشرب ولا العدول إلى الميتة، إلا إن خاف أن يسمه فيه، أو يكون الطعام الذي يأكله مما يضره. وعلم منه أيضا: أنه إذا اشتدت المخمصة في سنة المجاعة وكان عند بعض الناس قدر كفايته وكفاية عياله فقط لم يلزمه بذل شيء للمضطرين، وليس لهم أخذه منه كرهاً؛ لأن ذلك يُفضي إلى وقوع الضرورة به من غير أن تندفع عن المضطرين. وكذلك إن كان في سفر ومعه قدر كفايته من غير فضلة، فإنه لا يلزمه دفع ما معه للمضطرين. قال في "شرح المقنع": ولم يفرق أصحابنا بين هذه الحال وبين كونه لا يتضرر بدفع ما معه إليهم في أن ذلك واجب عليه لكونه غير مضطر في الحال والآخر مضطر. فوجب تقديم حاجة المضطر. ولنا: أن هذا مفض إلى هلاك نفسه وعياله. فلم يلزمه؛ كما لو أمكنه إنجاء الغريق بتغريق نفسه. ولأن في بذله إلقاء بيده إلى التهلكة. وقد نهى الله عن ذلك. انتهى. (ومن اضطر إلى نفع مال الغير، مع بقاء عينه) إما لدفع برد كالثياب، وكل ما يتدثر به، والمقدحة ونحوها، أو استقاء ماء؛ كالدلو والحبل ونحو ذلك: (وجب بذله) لمن اضطر إليه (مجاناً) في الأصح أي: من غير عوض عن انتفاع المضطر في الأصح؛ لأن الله ذم على منعه مطلقا بقوله : ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] وما لا يجب بذله لا يذم على منعه، وما وجب فعله لا يتوقف على بذل العوض بخلاف الأعيان، فإنه لما كان لربها منعها بدون بذل العوض لم يكن مذموماً على منعها. ومحل وجوب بذل المَاعون على ربه: (مع عدم حاجته) أي: حاجة رب الماعون (إليه) لأنه مع حاجته إلى ماعونه أحق به من غيره.

стр. 4913

(ومن لم يجد) من المضطرين (إلا آدمياً مباح الدم؛ كحربي، وزان محصن: فله قتله وأكله) في الأصح؛ لأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع. وكهذا إن وجده ميتاً فإنه يجوز له أكله؛ لأن أكله بعد قتله كأكله بعد موته. (لا أكل معصوم ميت) في الأصح. يعني: أن المضطر إذا لم يجد إلا آدمياً معصوماً ميتاً لم يجز له أكله؛ لأن الحي والميت المعصومين يشتركان في الحرمة، بدليل قول النبى ﷺ : " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي " (١) وعلم مما تقدم أن [الآدمي المعصوم لا يحل للمضطر قتله ولا أكله ولا إتلاف عضو منه، سواء كان مسلماً أو ذمياً او مستأمناً وجهاً واحداً؛ لأن المعصوم (٢) ] الحي مثل المضطر. فلا يجوز له إبقاء نفسه بإتلاف مِثله. (أو) أكل (عضوٌ من أعضاء نفسه) يعني: أنه ليس للمضطر أن يأكل عضواً من أعضاء نفسه لأنه لا يجوز إتلاف شيء موجود لتحصيل شيء موهوم. * * *

стр. 4914

[فصل فى أحكام الضيافة] (فصل. ومن مر بثمرة بستانٍ لا حائط عليه ولا ناظر) له: (فله الأكل) منها. سواء كانت في شجرها أو متساقطة على الأصح، (ولو بلا حاجة) إلى الأكل، (مجاناً) أي: من غير لزوم عوض عما يأكله. والأصل في ذلك ما روي عن أبي زينب التيمي قال: " سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي برزة رضي الله تعالى عنهم فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون في أفواههم " (١) . وهو قول عمر وابن عباس. قال عمر: " يأكل ولا يتخذ خبنة " (٢) . فيكون إجماعا؛ لأنه قول من سمينا من الصحابة من غير مخالف لهم. والخبنة: بضم الخاء المعجمة ما يحمله في حضنه. فإن قيل: فقد أبى سعد أن يأكل. قلنا: امتناع سعد من أكله ليس مخالفا لمن تقدم ذكرهم، فإن الإنسان قد يترك المباح غنى عنه، أو تورعاً، أو تعذراً؛ كترك النبى ﷺ أكل الضب مع حله (٣) وعلم مما تقدم أن الثمرة. إن كانت محوطة لم يجز الدخول إليها لقول ابن

стр. 4915

عباس: " إن كان عليها حائط فهو حريم. فلا تأكل وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس" (١) . ولأن إحراز الثمرة بالحائط يدل على شح صاحبه به وعدم المسامحة. ولأنها إذا كان لها حائط لم يجز الدخول إليها من غير إذن ربها؛ لقوله : ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] وإذا لم يجز الدخول لم يجز الأكل؛ لأن السبب إذا حرم حرم المسبب. وعلم أيضاً مما تقدم أنها إذا كان لها ناظر لم يجز الأكل؛ لأن الناظر إنما جعل لمنع الأكل منه فهو كالحائط. (لا صعود شجره) يعني: أن من مر بثمر على شجر لا حائط عليه ولا ناظر ليس له صعود الشجر لأخذ الثمر. (ولا ضربه أو رميه بشيء). نص عليه؛ لأن كلا من الضرب والرمي يفسد الثمر. وقد روي عن رافع بن عمرو قال: " كنت أرمي نخل الأنصار. فأخذونى فذهبوا بي إلى النبي ﷺ . فقال: " يا رافع لم ترمي نخلهم؟ قلت: يا رسول الله الجوع. قال: لا ترم، وكل مما وقع. أشبعك الله وأرواك " (٢) .أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. (ولا يحمل) شيئا من الثمر لقول عمر: " ولا تتخذ خبنة " (٣) . (ولا يأكل) المار (من) ثمر (مجني مجموع، إلا لضرورة)؛ كما لو كان مضطرا.

стр. 4916

(وكذا) أي: وكثمر الشجر (زرع قائم، وشرب لبن ماشية) على الأصح. أما الزرع؛ فلأن العادة جارية بأكل الفريك. أشبه الثمر. وأما شرب لبن الماشية؛ فلما روى الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: " إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه. وإن لم يجبه أحدا فليحتلب (١) وليشرب ولا يحمل " (٢) . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والعمل عليه عند بعض أهل العلم وهو قول إسحاق. (وألحق جماعة بذلك) أي: بالزرع القائم (باقلا وحمصاً أخضرين). قال (المنقح: وهو قوي). انتهى. قال في " الإنصاف ": قال المصنف يعني: الموفق ومن تابعه: يلحق بالزرع الباقلاء والحمص وشبههما مما يؤكل رطبا. بخلاف الشعير ونحوه مما لم تجر العادة بأكله. قال الزركشي: وهو حسن. انتهى. (ويلزم مسلماً ضيافة مسلم) لا ذمي على الأصح، (مسافر) في الأصح، (في قرية) متعلق بيلزم- (لا) إذا كان في (مصر) على الأصح (يوما وليلة، قدر كفايته مع أُدْم). والأصل في ذلك ما روى أبو شريح الخزاعي عن رسول الله ﷺ قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه جائزته. قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومُه وليلتًه. والضيافة ثلاثة أيام. وما زاد على ذلك فهو صدقة. لا يحل له أن يثوي عنده حتى يُخرجه " (٣) .

стр. 4917

وعن عقبة بن عامر قال: قلت للنبي ﷺ : " إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى؟ فقال: إن نزلتم بقومٍ فأمُروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغي لهم " (١) . متفق عليهما. فأمر في الأول بإكرام الضيف جائزته، وفي الثانى أباح لهم الأخذ إذا لم يفعلوا. ولو لم يجب لهم شيء لم يأمرهم بالأخذ؛ لأنه أمرهم بالأخذ مع منعهم لذلك. وإنما وجب ذلك في القرى دون الأمصار؛ لما روى المقدام بن أبي كريمة أنه سمع النبي ﷺ يقول: " من نزل بقوم فعليهم أن يُقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه " (٢) . رواه أحمد وأبو داود. ولحديث عقبة: " إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا " فظاهر هذا أنه للمسافر المجتاز لقوله: " من نزل بقوم " ويختص بأهل القرى؛ لأن القوم إنما ينصرف إلى الجماعات دون أهل الأمصار. ولأن القرى مظنة الحاجة إلى الضيافة والإيواء، فإن القرية يبعد فيها البيع والشراء. فوجب ضيافة المجتاز إذا نزل بها، وإيواؤه؛ لوجوب حفظ الناس. فأما المصر فإنه يكون فيه السوق والمساجد فلا يحتاج مع ذلك الى الضيافة. (و) يجب عليه أيضاً (إنزاله) أي: إنزال الضيف (ببيته) أي: بيت المضيف (مع عدم مسجد وغيره)؛كخان ورباط ينزل فيه. (فإن أبى) من نزل به الضيف أن يضيفه: (فللضيف طلبه به) أي: بقدر ما وجب له بنزوله عنده (عند حاكم). قال أحمد: له أن يطالبه بحقه الذي جعله له النبي ﷺ .

стр. 4918

(فإن تعذر) على الضيف طلبه بذلك عند حاكم: (جاز له الأخذ من ماله) أي: مال من نزل به بقدر ما وجب له؛ لقول النبي ﷺ لعقبة بن عامر: " وإن لم يفعلوا فخذ منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم " (١) . (وتستحب) الضيافة (ثلاثاً) أي: ثلاث ليالٍ بأيامهن، (وما زاد) على ذلك: (فصدقة) لما ذكرنا من حديث أبي شريح (٢) . (وليس لضيفان قسمة طعام قدم لهم). قال في " الفروع ": ومن قدم لضيفانه طعاما لم يجز لهم قسمه؛ لأنه أباحه. ذكره في " الإنتصار " وغيره. (ومن امتنع من الطيبات- بلا سبب شرعي- فمبتدع) مذموم. (وما نقل عن أحمد) رضي الله تعالى عنه: (أنه امتنع من البطيخ لعدم علمه بكيفية أكل النبي ﷺ البطيخ (فكذب) على الإمام أحمد. قاله الشيخ تقي الدين. والله أعلم (٣) . * * *

стр. 4919

[باب: الذكاة] هذا (باب الذكاة). قال الزجاج: أصل الذكاة تمام الشيء، فمنه الذكاء في السن وهو تمام السن. وسمي الذبح ذكاة؛ لأنه إتمام الزهوق (١) . وأصل ذلك قوله : ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] يعني: ما أدركتموه وفيه حياة فأتممتموه. ثم استعمل في الذبح، سواء كان بعد جرح سابق أو ابتداء. يقال: ذكى الشاة ونحوها تذكية أي: ذبحها، والإسم الذكاة والمذبوح ذكي، فعيل بمعنى مفعول. (وهي) أي: والذكاة شرعاً: (ذبح) حيوان (أو نحر حيوان مقدور عليه، مباح أكله، يعيش في البر- لا جراد، ونحوه)؛كالدباء- (بقطع حلقوم ومريء، أو عقر ممتنع)؛ وذلك لأن الله حرم الميتة. وهي: ما زهقت نفسه بسبب غير مباح أو ليس بمقصود. وما لم يذك فهو ميتة فيحرم لذلك. (ويباح جراد ونحوه) مما يشبهه، (وسمك و) سائر (ما لا يعيش إلا في الماء بدونها) أي: بدون الذكاة؛ لحل ميتتهما؛ لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " أحل لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال (٢) ". رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني.

стр. 4920

وسواءٌ مات بسبب أو بغير سبب على الأصح. وعنه: في الجراد لا يؤكل، إلا أن يموت بسبب؛ ككبسه وتغريقه. ولا فرق بين أن يصيده ما تباح ذبيحته أو لا على الأصح. وعنه: يحرم سمك وجراد صاده مجوسي ونحوه. ولا فرق في ذلك بين الطافي من السمك وغير الطافي على الأصح. وعنه: يحرم السمك الطافي. (لا ما يعيش فيه) أي: في بحر (وفي بر)؛ كالسلحفاة وكلب الماء، (إلا بها) أي: بالذكاة على الأصح. قال أحمد: كلب الماء تذبحه، ولا أرى بأساً بالسلحفاء إذا ذبح. ولأنه لما كان يعيش في البر ألحق بحيوان البر إحتياطاً. وعنه: في السرطان وسائر البحري أنه يحل بلا ذكاة. (ويحرم بلع سمك) حال كونه (حياً). قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب، وقدمه في " الفروع "، وذكره ابن حزم إجماعاً. (وكره شيه) أي: شي السمك (حياً؛ لا) شي (جراد) حيا. قال في " شرح المقنع ": وسئل أحمد عن السمك يلقى في النار. فقال: ما يعجبني، والجراد أسهل فإن هذا له دم. ولم يكره أكل السمك إذا ألقي في النار إنما كره تعذيبه بالنار، وأما الجراد فيسهل (١) في إلقائه؛ لأنه لا دم له. ولأن السمك لا حاجة إلى إلقائه في النار؛ لإمكان تركه حتى يموت بسرعة، والجراد لا يموت في الحال، بل يبقى مدة طويلة. وفي " مسند الشافعي " أن كعباً كان محرماً فمرت به رجل جراد فنسي

стр. 4921

وأخذ جرادتين فألقاهما في النار فشواهما. وذكر ذلك لعمر فلم ينكر عمر تركهما في النار " (١) .انتهى. (وشروط) صحة (ذكاة) سواء كانت ذبحاً أو نحراً (أربعة: أحدها: كون فاعل) للذكاة وهو الذابح أو الناحر (٢) (عاقلا؛ ليصح) منه (قصد التذكية). فلا يباح ما ذكاه مجنون أو سكران أو طفل لم يميز لأنه لا يصح منه قصد التذكية. أشبه ما لو ضرب إنسان إنساناً بالسيف فقطع عنق شاة. ولأن الذكاة أمر يعتبر له الدين. فاعتبر (٣) له العقل؛ كالغسل. فتصح ذكاة العاقل (ولو) كان (متعدياً). قال في " الإنصاف ": يباح المغصوب لربه وغيره إذا ذكاه غاصبه أو غيره، سهوا أو عمدا، طوعا أو كرها، بغير إذن ربه على الصحيح من المذهب. نص عليه وعليه أكثر الأصحاب. وعنه: يحرم عليه. فغيره أولى؛ كغاصبه. انتهى. (أو) كان العاقل المذكي (مكرهاً). وللمكره صورتان: إحداهما: أن يكره الأجنبي مالكا على ذكاة ملكه فيذكيه مكرهاً. الثانية: أن يكره رب الحيوانات إنساناً على ذبح ملكه، فيباح ما أكره على ذبحه في الصورتين. (أو) كان المذكي العاقل (مميزاً) فتحل ذبيحته في الأصح. وفى " الموجز " و" التبصرة ": لا دون عشر. (أو) كان العاقل المذكي (قناً) فتحل ذبيحته، (أو) كان (أنثى) ولو حائضاً؛ لعدم اشتراط الحرية والذكورية والطهارة من الحيض.

стр. 4922

(أو) كان (جنباً) على الأصح. ونقل حنبل: لا يذبح الجنب. أو كان أقلف لا يخاف بختانه تلفاً أو فاسقاً (أو كتابياً ولو) كان (حربياً). قال في " شرح المقنع ": أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب؛ لقول الله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥] يعني: ذبائحهم. قال البخاري: قال ابن عباس: " طعامهم ذبائحهم " (١) . وكذلك قال مجاهد وقتادة. وروي معناه عن ابن مسعود. وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. ولا فرق بين العادل والفاسق من المسلمين وأهل الكتاب. انتهى. وسئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب. فقال: لا بأس بها. (أو) كان الكتابي (من نصارى بني تغلب) على الأصح؛ لعموم الآية. (لا) ذبيحة (من أحد أبويه غير كتابي) فإنها لا تحل؛ تغليباً للتحريم. (ولا وثني، ولا مجوسي، ولا زنديق، ولا مرتد)؛لأن الله قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار. وإنما أخذت من المجوس الجزية لأن شبهة الكتاب تقتضى التحريم لدمائهم. فلما غلب التحريم في دمائهم وجب أن يغلب عدم الكتاب في تحريم ذبائحهم ونسائهم احتياطاً للتحريم في الموضعين. (ولا) تحل ذبيحة (سكران) في حال سكره؛ لعدم صحة قصده. (فلو احتك) حيوان (مأكول بمحدد بيده) أي: بيد إنسان لم يقصد

стр. 4923

ذبحه، فانقطع بانحكاكه حلقومه ومريئه: (لم يحل)؛لعدم قصده [التذكية. (و) لكن (لا يعتبر) في التذكية (قصد الأكل). قال في " الفروع ": وظاهر كلامهم هنا لا يعتبر قصد] (١) الأكل. وفي " التعليق ": لو تلاعب بسكين على حلق شاه فصار ذبحاً ولم يقصد حل أكلها لم تبح. وعلل ابن عقيل تحريم ما قتله محرم لصوله بأنه لم يقصد أكله؛ كما لو وطئه آدمي إذا قتل. وفي " المستوعب ": كذبحه. وذكر الأزجي عن أصحابنا: إذا ذبحه ليخلص مال غيره منه يقصد الأكل لا التخليص؛ للنهي عن ذبحه لغير مأكله. وذكر شيخنا في بطلان التحليل: لو لم يقصد الأكل أو قصد مجرد حل يمينه لم يبح. ونقل صالح وجماعة: اعتبار إرادة التذكية فظاهره تكفي. انتهى كلامه في "الفروع". الشرط (الثاني) لصحة الذكاة: (الآلة). وهي: أن يذبح بمحدد يقطع بأن ينهر الدم بحده. إذا تقرر هذا (فتحل) الذكاة (بكل محدد حتى حجر وقصَب وخشب). وعلى الأصح: (وذهب وفضة، وعظم غير سن و) غير (ظُفر).نص على ذلك؛ لقول النبي ﷺ : " ما أنهر الدم فكل، ليس السن والظفر " (٢) . متفق عليه من حديث رافع بن خديج. قال: " قلت: يا رسول الله! إنا نلقى العدو غداً وليس معنا مدى. فقال النبي ﷺ : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً. وسأحدثكم

стр. 4924

عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة " (١) . وأما العظم غير السن فمقتضى إطلاق قول أحمد والشافعي وأبي ثور إباحة الذبح به. وهو قول مالك وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي؛ لأن العظم دخل في عموم اللفظ المبيح، ثم استثنى السن والظفر خاصة فتبقى سائر العظام داخلة فيما يباح الذبح به. والمنطوق مقدم على التعليل. ولهذا علل الظفر بكونه مدى الحبشة، ولا يحرم الذبح بالسكين وإن كانت مدية لهم. ولأن العظام تناولها سائر الأحاديث العامة ويحصل بها المقصود. فأشبهت باقي الآلات. وعن كعب بن مالك عن أبيه: " أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع. فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمها موتاً. فكسرت حجرا فذبحتها به. فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل رسول الله ﷺ أو أرسل (٢) إليه. فأمر من يسأله، وأنه سأل النبي ﷺ عن ذلك أو أرسل إليه فأمره بأكلها " (٣) . رواه أحمد والبخاري. وقال: قال عبد الله: يعجبني أنها أمة وأنها ذبحت. قال في " شرح المقنع ": وفي هذا الحديث فوائد سبع: إحداها: إباحة (٤) ذبيحة المرأة. والثانية: إباحة ذبيحة الأمة. والثالثة: إباحة ذبيحة الحائض، لأن النبي ﷺ لم يستفصل. والرابعة: إباحة الذبح بالحجر. والخامسة: إباحة ذبح ما خيف عليه الموت.

стр. 4925

والسادسة: حل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه. والسابعة: إباحة ذبحه لغير مالكه بغير إذنه عند الخوف عليه. وقد دل ما ذكر على أن المقصود من الآلة إنهار الدم بكل محدد غير السن والظفر، (ولو) كان المحدد (مغصوباً) على الأصح. نص عليه؛ لعموم قوله ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا" (١) . وهذا منهر للدم فيباح ما ذبح به. الشرط (الثالث) لصحة الذكاة: (قطع حلقوم) وهو: مجرى النفس (ومريء) بالمد. وهو: مجرى الطعام والشراب، (لا شيء غيرهما) على الأصح؛ لأنه قطع في محل الذبح ما لا يعيش الحيوان مع قطعه. فحل؛ كما لو قطعهما من الودجين وهما: عرقان محيطان بالحلقوم. (ولا إبانتهما) يعني: أنه لا يشترط لصحة الذكاة إبانة الحلقوم والمريء بالقطع. قال في " الفروع ": وكلامهم أي: كلام الأصحاب في اعتبار إبانة ذلك بالقطع محتمل، ويقوى عدمه. انتهى. (ولا يضر رفع يده) أي: يد الذابح: (إن أتم الذكاة على الفور). قال في " الفروع ": وظاهره لا يضر رفع يده إن أتم الذكاة على الفور. واعتبر في " الترغيب " قطعاً تاماً، فلو بقي من الحلقوم جلدة ولم ينفذ القطع وانتهى الحيوان إلى حركة مذبوح ثم قطع الجلدة لم يحل. وفي " الكافي " و" الرعاية ": يكفي قطع الأوداج، فقطع أحدهما مع الحلقوم أو المريء أولى بالحل. قاله شيخنا وذكره رواية في الأولة، وذكر وجهاً: يكفي قطع ثلاث من الأربعة. انتهى كلامه في " الفروع ". (والسنة: نحر إبل بطعن بمحدد في لبتها، و) السنة (ذبح غيرها) أي:

стр. 4926

غير الإبل. قال الله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:] وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. قال مجاهد: أمرنا بالنحر وأمر بنو إسرائيل بالذبح، فإن النبي ﷺ بعث في قوم ماشيتهم الإبل فسن النحر، وكانت بنو إسرائيل ماشيتهم البقر فأمروا بالذبح. وثبت " أن النبي ﷺ نحر بدنه " (١) . و" ضحى بكبشين أقرنين ذبحهما بيده " (٢) متفقٌ عليه. والنحر: أن يطعن الإبل بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر. (ومن عكس) ذلك بأن ذبح الإبل ونحر ما سواها: (أجزأ) ـه ذلك. وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي. وحكى ابن أبي موسى عن أحمد: أنه توقف عن أكل البعير إذا ذبح ولم ينحر. قال ابن المنذر: إنما كرهه ولم يحرمه. وحكي عن مالك رواية أخرى: أنه لا يجزئ في الإبل إلا النحر؛ لأن أعناقها طويلة، فإذا ذبح البعير تعذب بخروج روحه. ولنا: قول النبي ﷺ : " أنهر الدم بما شئت " (٣) . وقالت أسماء: "نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه ونحن بالمدينة " (٤) .

стр. 4927

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " نحر رسول الله ﷺ في حجة الوداع بقرة واحدة " (١) . ولأنه ذكاة في محل الذكاة. فجاز أكله؛ كالحيوان الآخر. (وذكاة ما عجز؛ عنه كواقع في بئر، ومتوحش: بجرحه حيث كان) أي: في أي موضع أمكنه جرحه فيه من بدنه. وهذا قول أكثر الفقهاء. روي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهم. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: لا يجوز أكله إلا أن يذكى. قال أحمد: لعل مالك لم يسمع حديث رافع بن خديج (٢) . واحتج مالك بأن الحيوان الإنسي إذا توحش لم يثبت له حكم الوحشي، بدليل أنه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله، ولا يصير الحمار الأهلي مباحاً إذا توحش. ولنا: ما روى رافع بن خديج قال: " كنا مع النبي ﷺ فند بعير وكان في القوم خيل يسيرة. فطلبوه فأعياهم. فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله. فقال النبى ﷺ : إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش. فما غلبكم منها فاصنعوا به كذا" (٣) . وفي لفظ: " فما ندَّ عليكم منها شيءٌ فاصنعوا به هكذا " (٤) . متفقٌ عليه.

стр. 4928

ولأن الإعتبار في الذكاة بحال الحيوان وقت ذبحه لا بأصله بدليل الوحشي إذا قدر عليه وجبت ذكاته في الحلق واللبة، فكذلك الأهلي إذا توحش اعتبر. بحاله. وبهذا فارق ما ذكروه فماذا تردى فلم يقدر على تذكيته فهو معجوز عن تذكيته. فأشبه الوحشى. (فإن أعانه) أي: أعان الجارح على قتله (غيره؛ ككون رأسه) أي: رأس الواقع في بئر ونحوها (بماء ونحوه) مما يقتله لو انفرد: (لم يحل)؛لحصول قتله بمبيح وحاظر فإنه يغلب جانب الحظر؛ كما لو اشترك في قتله مسلمٌ ومجوسي. (وما ذبح) من حيوان مأكول (من قفاه - ولو عمدا) في الأصح - (إن أتت الآلة) التي ذبح بها من سكين أو غيرها (على محل ذبحه، وفيه حياة مستقرة) أي: قبل قطع الحلقوم والمريء: (حلَّ) بذلك. ولأن الجرح في القفا وإن كان غائرا تبقى الحياة معه ما لم يقطع الحلقوم والمريء. فإنا رأينا جماعة ضربت أعناقهم فلم تصل الضربة إلى ذلك فلم يموتوا وبقوا سنين بعد ذلك. وهذا يدل على أنه غير موح، والذبح إذا أتى على محله وفي الحيوان حياة مستقرة حل أكله، ولم يعتبر ما تقدم ذلك مما يحصل به الموت. ألا ترى أن أكيلة السبع إذا أدركت وفيها حياة مستقرة فذبحت حل أكلها وإن كانت لا تعيش مع ذلك غالباً. (وإلا) أي: وإن لم تأت الآلة على محل الذبح وفيه حياة مستقرة: (فلا) تحل. وتعتبر الحياة المستقرة بالحركة القوية. (ولو أبان رأسه) أي: رأس الحيوان يريد بذلك ذبحه: (حلَّ مطلقاً) أي: سواء أتت الآلة على محل الذبح وفيه حياة مستقرة أو لا على الأصح؛ لأن علياً قال فيمن ضرب رأس ثورٍ بالسيف: " تلك ذكاة وحية " (١) .

стр. 4929

وأفتى بأكلها عمران بن حصين ولا مخالف لهما. ولأن ذلك قطع ما لا يعيش معه في محل الذبح فحلَّ بذلك. قال أبو بكر لأبي عبد الله: فيها قولان. والصحيح أنها مباحة؛ لأنه اجتمع قطع ما لا تبقى الحياة معه مع الذبح فأبيح. (و) حيوان (ملتو عنقه؛ كمعجوز عنه) في الأصح. وهو قول القاضي، لأنها مع إلتواء عنقها معجوز عن ذبحها في محل الذبح فسقط إعتبار المحل؛ كالمتردية في بئر. (وما أصابه سبب الموت) من الحيوان المأكول (من مُنخنقة) وهي: التي تخنق في حلقها، (وموقُوذة) وهي: التي تضرب حتى تُشرف على الموت، (ومُتردية) وهي: الواقعة من عُلوٍ؛ كجبلٍ وحائطٍ والساقطة في بئرٍ ونحوها، (ونطيحةٌ) وهي: التي تنطحها بقرة أو نحوها، (وأكيلة سبع) وهي: ما أكل منها ذئبٍ أو نمرٍ أو سبعٍ، (ومريضة، وما صيد بشبكة أو شَرَكٍ او أُحبُولة أو فَخٍ) فأصابها شيء من ذلك ولم تصل إلى حد لا تعيش معه، (أو أنقذه) أي: أنقذ إنسان حيواناً (من مُهلكة) ولم يصل إلى حد لا تبقى الحياة معه (فذكَّاه وحياته تمكن زيادتها على حركة مذبوحٍ: حلَّ) أكله ولو مع عدم تحركه بيَدٍ أو رجلٍ، أو طرف عينٍ، أو مصْع ذنب ونحو ذلك في الأصح؛ لقوله : ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].ومعلوم أن ما تقدم ذكره أسباب للموت وقد أباحها بالذكاة من غير اعتبار الأسباب الموجودة فيها. (والإحتياط): أن لا يؤكل إلا (مع تحركه ولو بيدٍ أو رجلٍ، أو طرف عينٍ، أو مصْع ذنب) بأن حركه وضرب به الأرض، (ونحوه)؛ كما لو حرك أذنه. (وما وجد (١) منه ما يقارب الحركة المعهودة في الذبح المعتاد - بعد ذبحه دل على إمكان الزيادة قبله) فيحل في المنصوص.

стр. 4930

قال في " الفروع ": ونقل الأثرم وجماعة: ما علم موته بالسبب. وعنه: لدون أكثر يوم لم يحل. وعنه: حل مذكى قبل موته. ذكره أبو الحسين، واختاره شيخنا. وفي كتاب الآدمي البغدادي: يشترط حياة يذهبها الذبح. اختاره أبو محمد الجوزي. وعنه: إن تحرك. ذكره في " المبهج ". ونقله عبد الله والمروذي وأبو طالب. وفي " الترغيب ": لو ذبح وشك في الحياة المستقرة [ووجد ما يقارب الحركة المعهودة في التذكية المعتادة حلَّ في المنصوص. قال وأصحابنا قالوا: الحياة المستقرة (١) ] ما جاز بقاؤها أكثر اليوم. وقالوا: إذا لم يبق فيه إلا حركة المذبوح لم يحل، فإن كان التقييد بأكثر اليوم صحيحاً فلا معنى للتقييد بحركة المذبوح للحظر، وكذا بعكسه فإن بينهما أمرا بعيدا. قال: وعندي أن الحياة المستقرة ما ظن بقاؤها زيادة على أمد حركة المذبوح لمثله سوى أمد الذبح. انتهى كلامه في " الفروع ". (وما قطع حلقومه، أو أُبينت حشوته ونحوه) مما لا تبقى معه حياة: (فوجود حياته كعدمها) على الأصح. الشرط (الرابع) لصحة الذكاة: (قول: " بسم الله " عند حركة يده) أي: يد الذابح (بذبح) في الأصح، وذكر جماعة: أو قبل الذبح قريباً منه. وإنما اعتبر لفظ باسم الله لأن إطلاق التسمية ينصرف إليها. والأصل في اعتبار التسمية قوله ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. والفسق الحرام. (ويُجزى) أن يُسمِّى (بغير عربية ولو أحسنها) أي: أحسن العربية في

стр. 4931

الأصح؛ لأن المقصود ذكر اسم الله تعالى، وقد حصل. بخلاف التكبير في الصلاة والسلام فإن المقصود لفظه. (وأن يشير أخرس) إلى السماء برأسه؛ لأن إشارة الأخرس تقوم مقام نطق الناطق. ولو أنه أشار إشارة تدل على التسمية. وعلم ذلك منه كان كافياً. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة الأخرس. (ويسنُ معه) أي: مع قول: بسم الله (التكبير)؛لما ثبت " أن رسول الله ﷺ كان إذا ذبح قال: بسم الله والله أكبر " (١) . وكان ابن عمر يقوله. ولا خلاف أن قول: بسم الله يجزئه، (لا الصلاة على النبي ﷺ فإنها لا يسنُ قولها عند الذبح في المنصوص. وفي " المنتخب ": لا يجوز ذكر الذابح مع التسمية شيئاً. (ومن بدا له) أي: للذابح (ذبح غير ما سمّى عليه)؛بأن سمى على شاة مثلا ثم أخذ غيرها: (أعاد التسمية). فلو ذبح الثانية بتلك التسمية لم تحل، سواء أرسل الأولى أو ذبحها؛ لأنه لم يقصد الثانية بتلك التسمية. (وتسقط) التسمية (بسهوٍ، لا جهلٍ) ولذلك يفطر الجاهل بالأكل فى الصوم دون الساهي وهو الناسي. وهذا على الأصح. ووجهه ما روى شداد بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : " ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد ". أخرجه سعيد. وأما الآية فمحمول على ما إذا ترك التسمية عامداً؛ بدليل قوله : ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].والأكل مما نسيت التسمية عليه ليس

стр. 4932

بفسق؛ لقول النبي ﷺ : " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان " (١) . إذا ثبت هذا فالتسمية مع عدم السهو شرط لحل الذبيحة، سواء كان الذابح مسلماً أو كتابيا. ومتى لم يعلم هل سمى الذابح على الذبيحة أو لا؟ فالذبيحة حلال؛ لأن الله أحل لنا أكل ما ذبحه المسلم والكتابي. وقد علم أننا لا نقف على كل ذابح. وقد روي عن عائشة أنهم قالوا: "يا رسول الله! إن قوماً حديثوا عهد بشرك يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أو لم يذكروا؟ قال: سموا أنتم وكلوا" (٢) . أخرجه البخاري. (ويَضمن أجير تركها) أي: ترك التسمية على الذبيحة: (إن حرمت) بأن تركها عمداً. واختار في " النوادر " لغير شافعي يعني: حلها (٣) له. قال في " الفروع ": ويتوجه تضمينه النقص إن حلت. انتهى. (ومن ذكر) عند الذبح (مع اسم الله تعالى اسم غيره: حرم) عليه ذلك؛ لأنه شرك، (ولم تحل) الذبيحة. روي ذلك عن علي. * * *

стр. 4933

[فصل: في ذكاة الجنين] (فصل. وذكاة جنين مباح) ليخرج جنين الفرس من الحمار وجنين الضبع من الذئب (خرج) من بطن أمه المذكاة حال كونه (ميتاً أو متحركاً؛ كـ) تحرك (مذبوح أشَعَر، أو لا) أي: سواء نبت شعر أو لم ينبت (بتذكية أمه). روي ذلك عن علي وابن عمر رضي الله تعالى عنهما لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه " (١) . رواه أبو داود بإسناد جيد. ورواه الدارقطني من حديث ابن عمر وأبي هريرة (٢) . ولأن الجنين متصل بأمه اتصال خلقة يتغذى بغذائها. فيكون ذكاته بذكاتها؛ كأعضائها. ولأن الذكاة في الحيوان تختلف على حسب الإمكان والقدرة ولا يمكن ذبح الجنين قبل إنفصاله إلا بأن تجعل ذكاه أمه ذكاته. (واستحب أحمد) رضي الله تعالى عنه (ذبحه)؛ ليخرج دمه. وعنه لا بأس بذبحه. (ولم يبح) جنين خرج (مع حياة) فيه (مستقرة إلا بذبحه).نقله الجماعة عن أحمد لأنه؛ نفس أخرى وهو مستقل بحياته. وعنه: هو كالمنخنقة؛ لأن الجنين بالمنخنقة. أشبه بغيرها من ذوات الأسباب. وعنه: يحل بموته قريبا.

стр. 4934

وفي قياس " الواضح " لابن عقيل ما قاله أبو حنيفة لا يحل جنين بتذكية أمه أشبه؛ لأن الأصل الحظر. ولهذا قال النبي ﷺ في صيد عقر ووقع في ماء: " لا تأكله لعل الماء أعان على قتله " (١) . فهذا تنبيه. انتهى. وقوله ﷺ : " ذكاة الجنين ذكاة أمه "،من رفع جعله خبر مبتدأ محذوف تقديره هو ذكاة أمه. فلا يحتاج الجنين إلى تذكية. هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. ومن نصب قدره كذكاة الجنين فلما حذف الجار نصب. فعلى هذا يفتقر الجنين إلى ذبح مستأنف. لكن قدره ابن مالك في رواية النصب على أن المعنى ذكاة الجنين في ذكاة أمه فيكون موافقاً لرواية الرفع المشهورة. (ولا يؤثر محرَّم) أي: كون الجنين محرم الأكل؛ (كسِمع في ذكاة أمه) المباحة التي هي الضبع؛ لأن الجنين تبع فلا يؤثر في حل متبوعه. (ومن وجأ بطن أم جنين) بمحدد حال كونه (مسمّيا، فأصاب مذبحه) أي: مذبح الجنين: (فهو مذكى، والأم ميتة)؛لفوات شرط حلها وهو قطع الحلقوم والمريء مع القدرة على قطعهما. قال في " الفروع ": ذكره أصحابنا. ذكره في " الإنتصار ". انتهى. * * *

стр. 4935

[فصل: في آداب الذبح] (فصل. ويكره الذبح بآلة كالة)؛لما روى شداد بن أوس عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح. وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته " (١) . رواه أحمد والنسائي وابن ماجه. ولأن الحيوان يحصل له (٢) تعذيب بذبحه بالآلة الكالة فكرهت لذلك. (و) كره أيضاً (حدها) أي: حد الكالة وهو سَنها (والحيوان يراه)؛لما روى ابن عمر: " أن رسول الله ﷺ أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم " (٣) . رواه أحمد وابن ماجه. (و) كره أيضاً (سلخه) أي: سلخ ما ذبح (أو كسر عنقه قبل زهوق نفسه)؛لما روى أبو هريرة قال: " بعث رسول الله ﷺ بدليل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى بكلمات. منها: لا تعجلوا الأنفس أن تزهق، وأيام منى أيام أكل وشرب وبعال " (٤) . رواه الدارقطني. وكسر العنق: إعجال لزهوق الروح والسلخ بمعناه ولا يؤثر ذلك في حلها؛ لأن الذكاة تمت بالذبح فما كان بعدها فهو غير معتبر في الأصح.

стр. 4936

وحرمهما القاضي. ونقل حنبل: لا يفعل. (و) كره (نفخ لحم يباع). نقل ابن منصور: أكره نفخ اللحم. قال في " المغني ": الذي للبيع؛ لأنه غش. (وسنَُّ توجيهه) أي: أن يوجه المذكى بأن يجعل وجهه (للقبلة).ويجوز لغيرها ولو تعمده على الأصح. ونقل محمد الكحال عن أحمد: يجوز لغيرها إذا لم يتعمده. وسن كونه (على شقه الأيسر، ورفق به وحمل على الآلة بقوة، وإسراع بالشحط). قال في " الفروع ": وسبق ما يقتضي الوجوب. (وما ذبح فغرق) عقب ذبحه، (أو تردى من علو) أي: من محل عال يقتل التردي من مثله، (أو وطئ عليه شيء يقتله مثله: لم يحل) على الأصح؛ لأن ذلك سبب يعني: على زهوق الروح. فيحصل الزهوق من سبب مبيح وسبب محرم فغلب التحريم. (وإن ذبح كتابي ما يحرم عليه يقيناً كذي الظفر) وهو: ما ليس بمنفرج الأصابع؛ كالإبل ونحوها من الأنعام؛ كالنعامة والبط وما ليس بمشقوق الأصابع لم يحرم علينا على الأصح؛ لأن قصده لحله غير معتبر، (أو) ذبح ما يحرم عليه (ظناً فكان) كما ظن (أو لا) يعني: أو لم يكن كما ظن (كحال الرئة). ومعنى ذلك: أن اليهود إذا وجدوا رئة المذبوح لاصقة بالأضلاع امتنعوا من أكله زاعمين تحريم الذبيحة إذا وجدت الرئة كما ذكرنا ويسمونها اللازقة، وإن وجدوا الرئة غير لاصقة بالأضلاع أكلوها. (ونحوها) أي: ونحو ما تقدم مما يرى الكتابي تحريمه لم يحرم علينا،

стр. 4937

(أو) ذبح كتابي (لعيده، أو ليتقرَّب به إلى شيء يعظمه لم يحرم علينا) ما ذبحه: (إذا ذكر اسم الله تعالى فقط عليه) نص عليه؛ لأنه من جملة طعامهم فدخل في عموم الآية. ولأنه قصد الذكاة وهو ممن تحل ذبيحته. وعنه: يحرم. قال في " الفروع ": اختاره شيخنا. قال في " الفروع " أيضا: ويحرم على الأصح أن يذكر عليه اسم غير الله. ونقل عبد الله: لا يعجبني ما ذبح للزَهرة والكواكب والكنيسة وكل شيء ذبح لغير الله. وذكر الآية. انتهى. (وإن ذبح) كتابي (ما يحل له) من الحيوان: (لم تحرُم علينا الشحوم المحرَّمة عليهم. وهي: شحم الثرب) على وزن فلس. وهو الشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء، (و) شحم (الكليتين)،وإحدهما كلية وكلوة بضم الكاف فيهما والجميع كليات وكلى؛ وذلك لقوله : ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦].وإنما يبقى بعد ذلك هذان الشحمان. وعنه: تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم مما يذبحونه؛ لقوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهذا ليس من طعامهم. ولأن ذلك (١) جزء من البهيمة لم يبح لذابحها. فلم يبح لغيره؛ كدمها. وجوابه: أن الآية حجة لنا، وأن طعامهم ذبائحهم. فعلى هذا يجوز تملكها منهم. وأن هذا (كذبح حنفي حيواناً) مأكولا (فيبين حاملا) يعني: فيحل لنا الحمل بغير ذكاة مع اعتقاد الحنفي تحريمه، (ونحوه)؛ [كذبح المالكي فرساً

стр. 4938

مسميا عليها فإنها تحل لنا وإن اعتقد تحريمها] (١) . ذكره ابن عقيل. (ويحرُم علينا إطعامُهم) أي: إطعام أهل الذمة (شحماً) محرما عليهم (من ذبيحتنا؛ لبقاء تحريمه) عليهم على الأصح. نص على ذلك أحمد (٢) ؛لأن تحريم الشحم عليهم ثبت بنص كتابنا فيكون حملا لهم على المعصية؛ كما لا يجوز أن تطعم مسلماً ما يحرم عليه. (وتحل ذبيحتنا لهم مع اعتقادهم تحريمها) عليهم؛ لأن الحكم لإعتقادنا. (ويحل) حيوان (مذبوح منبوذ بمحل يحلُّ ذبح أكثر أهله ولو جُهلت تسمية ذابح)؛ لأنه يتعذر الوقوف على كل ذابح ليعلم هل سمى أو لا؟ وقد تقدم حديث عائشة الذي رواه البخاري في معنى ذلك (٣) . (ويحل) على الأصح (ما وُجِد ببطن سمك، أو) ببطن حيوان (مأكول مذكى، أو بِحَوْصَلته) يعني: حوصلة حيوان مأكول مذكى، (أو في رَوثِه) أي: روث الحيوان المأكول: (من سمك، وجراد) ببطنه، (وحب) بحوصلته أو روثه. أما حل ما وجد ببطن ما ذكر من سمك وجراد؛ فلقوله ﷺ : " أحلت لنا ميتتان … " الخبر (٤) . ولأنه لا تشترط له ذكاة. فأبيح؛ كالسمك الطافي، والجراد الموجود ميتاً. وأما الحب الموجود في الحوصلة وروث المأكول؛ فلأنه طعام طاهر وجد في محل طاهر فلم يحرم بذلك. ولأنه لم يتغير أشبه ما لو وجده ملقى. (ويحرم بول) حيوان (طاهر) مأكول، (كروث) يعني: كما يحرم روثه؛ لأنه رجيع فيكون مستخبثاً. والله أعلم. * * *

стр. 4939

[كتاب الصيد] هذا (كتاب الصيد. وهو) إن أريد به الفعل: (اقتناصُ حيوان حلال، مستوحش طبعاً، غيرُ مقدور عليه. (والمراد به) أي: بلفظ الصيد (هنا: المصيود. وهو: حيوان مقتنص) بفتح النون (حلال إلى آخر الحد) يعني: متوحَش طبعاً غير مقدور عليه. والأصل في إباحته الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب؛ فقوله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ) [المائدة: ٩٦]، وقوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]. وأما السنة؛ فروى أبو ثعلبة الخشني قال: " أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إنا بأرض صيد: أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلم فأخبرنى ماذا يصلح لي قال: أما ما ذكرت أنك بأرض صيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل " (١). متفق عليه. وأجمع المسلمون على إباحة الإصطياد والأكل من الصيد ولهذا قلت:

стр. 4940

(ويباح) الصيد (لقاصده) في الأصح. واستحبه ابن أبي موسى. (ويكره) حال كونه (لهواً). وفي كلام ابن عقيل ما يدل على أنه محرم؛ لأنه قال في " فنونه ": إن بعض المالكية قال له: الصيد فرجة ونزهة ميتة؛ لعدم قصد الأكل. قال ابن عقيل: وما أحسن ما قاله؛ لأنه عبث محرم ولا أحد أحق بهذا من مذهب أحمد حيث جعل في أحد الروايتين كل حظر في مقصود شرعي يمنع صحته. (وهو) أي: الحيوان المصيود (أفضل مأكول) قاله في "التبصرة" واقتصر عليه في " الفروع ". ولعل ذلك؛ لأنه من اكتساب المباح الذي لا شبهة فيه. (والزراعة أفضل مكتسَب). قاله الأزجي في " نهايته ". وعبارته: الزراعة أفضل المكاسب. (وأفضل التجارة: في بَزٍ وعِطرٍ، وزرع وغرس، وماشية وأبغضها: في رقيق وصَرْف). قال في "الرعايه الكبرى": أفضل المعاش التجارة. وأفضلها في البز والعطر والزرع والغرس والماشية. وأبغضها التجارة في الرقيق والصرف. انتهى. قال في " الوجيز": ويتوجه قول: الصناعة باليد أفضل. قال المروذي: سمعت. أحمد وذكر المطاعم يفضل عمل اليد. (وأفضل الصناعة: خياطة. ونصَّ: أن كل ما نُصِح فيه فهو حسن). نقل ابن هانئ عن أحمد أنه سئل عن الخياطة وعمل الخوص أيهما أفضل؟ قال: كلما نُصح فيه فهو حسن. قال المروذي: حثني أبو عبد الله على لزوم الصنعة؛ للخبر. (وأدناها) أي: أدنى الصناعة: (حِيَاكة وحِجَامة، ونحوهما)؛ كالقَّمام والزبَال والدبَّاغ. (وأشدَّها) أي: أشد الصنائع (كراهة: صبغ وصياغة وحدادة، ونحوها)؛كجزارة.
следующие страницы →