[فصل: إذا عدمت النية والسبب]
(فصل. فإن عُدم ذلك) وهو ما تقدم ذكره من النية والسبب: (رجع إلى التعيين)؛ لأنه متى اجتمع التعيين مع غيره مما يعرف به كان الحكم للتعيين؛ كما لو اجتمع مع الإضافة.
ولأن التعيين أبلغ من دلالة الاسم على المسمّى؛ لأنه ينفي الإبهام بالكلية. بخلاف الاسم.
إذا تقرر هذا: (فمن حلف. لا يدخل دار فلان هذه فدخلها: وقد باعها،
أو) دخلها (وهي فضاء، أو) دخلها وهي (مسجد، أو) دخلها وهي (حمَّام.
أو) حلف: (لا لبست هذا القميص فلبسه: وهو رداء، أو) لبسه وهو (عمامة، أو) لبسه وهو (سراويل.
أو) حلف: (لاكلمت هذا الصبي فصار شيخًا.
أو) حلف: لا كلمت (امرأة فلان هذه، أو) حلف لا كلمت (عبده)
أي: عبد فلان هذا، (أو) حلف: لا كلمت (صديقه) أي: صديق فلان (هذا فزال ذلك) بأن بانت الزوجة، وزال ملكه عن العبد، وزالت الصداقة (ثم كلَّمهم.
أو) حلف: (لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشًا.
أو) حلف: لا أكلت (هذا الرُّطب فصار تمرًا، أو) صار (دِبْسًا، أو)
صار (خلاً.
أو) حلف: لا أكلت (هذا اللبن فصار جبناً، ونحوه)؛ كما لو صار أقطًا، (ثم أكله ولا نية) له (ولا سبب) هيّج يمينه يختص الحال الأولى:
стр. 5007
(حنث)؛ لأن عين المحلوف عليه باقية؛ كحلفه: لا لبست هذا الغزل فصار ثوبًا، و (كقوله): والله لا دخلت (دار فلان فقط) أي: من غير أن يقول: هذه، (أو) حلف: لا أكلت هذا (التمر الحديث فعَتُق، أو): لا كلمت هذا (الرجل الصحيح فمرض. وكالسفينة) إذا حلف لا يدخلها ف (تُنقَض ثم تعاد) ويدخلها، (و) ك (البيضة) إذا حلف لا يأكلها ف (تصير فرخًا) ثم يأكله، وكما لو حلف: لا كلمت صاحب هذا الطيلسان فكلمه بعد بيعه.
وحيث تقرر أن التعيين أبلغ من دلالة الاسم على المسمى (فلو حلف ليأكلن
من هذه البيضة أو التُفاحة، فعمل منها) أي: من التفاحة (شرابًا، أو) عمل من البيضة (ناطفًا، فأكله: برَّ. وكهاتين) أي: البيضة والتفاحة (نحوهما). فمن حلف ليدخلن دار فلان هذه فدخلها وقد صارت مسجدًا أو حمامًا بَرَّ.
стр. 5008
[فصل: إذا عدمت النية والسبب والتعيين]
(فصل. فإن عُدم ذلك) أي: عدمت النية والسبب والتعيين: (رَجع) في اليمين (إلى ما يتناوله الاسم).
وتنقسم الأسماء إلى ما له مسمى واحد في الشرع والعرف واللغة؛ كالأرض والسماء، والشمس والقمر، والذكر والأنثى، والرجل والمرأة، والإنسان والحيوان. فهذا ومثله ينصرف يمين الحالف إلى ما سماه بغير خلاف. وإلى ما له مسميات مختلفة من حيث الشرع والعرف واللغة.
(ويقدَّم) منها مع الإطلاق: (شرعيٌ فعُرفىٌ فلُغوفيٌ.
ثم) الاسم (الشرعيُّ: ما له موضوعٌ شرعًا) أي: في الشرع، (وموضوعٌ لغة) أي: في اللغة. وذلك؛ (كالصلاة والزكاة والصوم والحج، ونحو ذلك)؛ كالوضوء.
(فاليمين المطلقة) على فعل شيء من ذلك أو على تركة (تنصرف إلى الموضوع الشرعي)؛ لأن ذلك هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق؛ لأن الشارع إذا قال: صل تعَّين عليه فعل الصلاة المشتملة على الأفعال المعلومة. إلا أن يقترن ذلك بكلام يدل على إرادة الموضوع اللغوي فكذا يمين الحالف.
(وتتناول الصحيح منه) أي: من الموضوع الشرعي؛ لأنه ممنوع من الفاسد بأصل الشرع. فلا حاجة إلى المنع من فعله باليمين.
(فمن حلف: لاينكح، أو) حلف لا (يبيع، أو) حلف لا (يشتري والتَّشْركة) شراء، (والتَّولية) شراء، (والسَّلَم) شراء، (والصلح على مال شراء). فمن حلف لا ينكح أو لا يبيع أو لا يشتري (فعقَد عقدًا فاسدًا) من نكاح أو بيع أو شراء: (لم يحنث) على الأصح؛ لأن البيع إذا أطلق لا يتناول
стр. 5009
الفاسد بدليل قوله : (وأحل الله البيع) [البقرة: ٢٧٥]، وإنما أحل الصحيح من البيع. ويقاس عليه ما سواه من العقود وكذا العبادات.
(إلا إن حلف: لا يحج فحجَّ حجًا فاسدًا) يعني: فإنه يحنث وفارق سائر العبادات؛ لوجوب المضي في فاسده.
ولأنه كالصحيح فيما يحرم ويحل.
ولأنه يلزم (١) فيه الفدية بما يفعله من محظور كما في " الصحيح ".
ومقتضى ما تقدم: أن من حلف لا يبيع أو لا يشتري فباع أو اشترى بشرط
خيار: أنه يحنث؛ لأنه بيع صحيح. فيحنث به؛ كاللازم.
(ولو قيَّد) الحالف (يمينه بممتنع الصحة؛ ك) من حلف: (لا يبيع الخمر، أو) حلف لا يبيع (الحرَّ، أو قال لامرأته: إن سرقتِ مني شيئًا وبعتنيه) فأنت طالق، (أو) قال لها: إن (طلقت فلانة الأجنبيه فأنت طالق ففعلت) أي: فسرقت منه شيئًا وباعته إياه، (أو فعل) هو ما حلف على صورته بأن قال: فلانة الأجنبية طالق: (حنث بصورة ذلك) في الأصح؛ لتعذر حمل يمينه على عقدٍ صحيح أو طلاق واقع. فتعين كون صورة ذلك محلاً لها. والحلف على الماضي والمستقبل في جميع ذلك سواء؛ لأن ما لا يتناوله الاسم في المستقبل لا يتناوله في الماضي.
(ومن حلف: لايحج، أو) حلف (لايعتمر، حنث) من حلف لا يحج (بإحرام به) أي: بالحج، (أو) حنث من حلف أن لا يعتمر بإحرام (بها) أي: بالعمرة في الأصح.
وقيل: لا يحنث إلا بفراغ أركانه، أو بفراغ أركانها.
(و) من حلف: (لا يصوم)، حنث (بشروع صحيح) في الصوم؛ لأنه
بالشروع في الصوم يسمى صائمًا؛ كما أنه بالشروع في الصلاة يسمى مصليًا. فإذا صام يومًا تبيّنا حنثه حين شروعه. فلو كان حلفه بطلاق وولدت في أثناء ذلك
стр. 5010
اليوم انقضت عدتها. وإن كان حلفه بالطلاق الثلاث وماتت في أثناء ذلك اليوم لم يرثها.
(و) من حلف: (لا يصلي) حنث (بالتكبير) أي: تكبيرة (١) الإحرام (ولو على جنازة) في الأصح؛ لأنه يقال صلاة الجنازة فتدخل في العموم.
و (لا) يحنث (من حلف: لا يصوم صومًا حتى يصوم يومًا، أو) من حلف: (لا يصلي صلاة حتى يفرُغ مما يقع عليه اسمها) أى. اسم الصلاة؛ لأنه لما قال: صومًا وصلاة اعتبر فعل صوم شرعي، وأقله يوم. وفعل صلاة شرعية، وأقلها ركعة؛ (كليفعلن) يعني: كما لو حلف ليصومن وليصلين، فإنه لا يَبر إلا بصوم يوم أو بصلاة ركعة.
(و) من حلف: (ليبيعنَّ كذا فباعه يعرْض أونسيئة: بَرَّ) في الأ صح.
وقيل: لا يبر إلا بقبض ثمنه.
(و) من حلف: (لا يَهَبُ، أو) حلف لا (يُهدي، أو) حلف
لا (يُوصي، أو) حلف لا (يتصدق، أو) حلف لا (يُعير: حنث بفعله)؛ لأن هذه الأشياء لا عوض فيها فكان مسماها الإيجاب فقط. وأما القبول فشرط لنقل الملك وليس هو من السبب فيحنث بمجود الإيجاب. ويشهد للوصية قوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ) [البقرة: ١٨٠] فإنه إنما أراد الإيجاب دون القبول، وبقية هذه الأشياء
في معنى الوصية؛ لأن كلاً منها لا عوض فيه.
و (لا) يحنث (إن حلف: لا يبيع) فلانًا، (أو) لا (يؤجّر) فلانًا، (أو) لا (يزوّج فلانًا، حتى يقبل) فلان؛ لأنه لا يكون بيعًا ولا إجارة ولا تزويجًا إلا بعد القبول.
(و) من حلف: (لايَهَبُ زيدًا) شيئًا، (فأهدى إليه) شيئًا، (أو باعه) شيئًا (وحاباه) فيه، (أو وقف) عليه (أو تصدَّق عليه صدقة تطوع: حنث)؛ لأن ذلك كله من أنواع الهبة.
стр. 5011
(لا إن كانت) الصدقة التي تصدق بها عليه (واجبة)؛ كما لو كانت من زكاة (أو من نذر أو كفارة، أو ضيَّفَهُ) الشيء (الواجب) عليه من ضيافته، (أو أبرأه) من دين له عليه، (أو أعاره، أو وصّى له، أو حلف: لا يتصدَّق عليه فوهبه، أو: لا تصدَّق) عليه (فأطعم عيالَه) فإنه لا يحنث في جمييع ذلك.
أما عدم حنثه بالصدقة الواجبة؛ فلأن ذلك حق لله يجب عليه إخراجه. فلم يكن هبة منه، وكذا حكم ما وجب عليه من ضيافته.
وأما عدم حنثه بإبرائه من دينه؛ لأن الهبة تمليك عين [وليس له إلا دين في ذمته.
وأما عدم حنثه بإعارته؛ لأن الهبة تمليك عين] (١) والعارية إباحة انتفاع. فلا يملك المستعير بالعارية عينًا ولا منفعة.
وأما عدم حنثه بالوصية له؛ لأن الهبة تمليك في الحياة، والوصية إنما يحصل الملك فيها بالقبول بعد الموت.
وأما عدم حنث من حلف: لا يتصدق على فلان فوهبه؛ لأن الصدقة نوع من الهبة. ولا يحنث الحالف على نوع بفعل نوع آخر، ولا يثبت للجنس حكم النوع. ولهذا حرمت الصدقة على النبي ﷺ ولم تحرم الهبة ولا الهدية، بدليل قول النبي ﷺ في اللحم الذي تصدق به على بريرة: " هو عليها صدقة ولنا هدية " (٢) .
وأما عدم حنث من حلف لا يتصدق على فلان بإطعام عياله؛ لأنه (٣) لم يتصدق عليه.
ولا يذكر في ذلك في " الفروع " خلافًا.
(وإن نذر أن يهب له) أي: لفلان شيئًا: (بَزَّ بالإيجاب) يعني: ولو رد فلان ما وهبه الحالف؛ (كيمينه) أي: كما لو حلف على ذلك.
стр. 5012
[فصل: في الاسم العرفي]
(فصل. و) أما الاسم (العُرفيُّ) فهو: (ما اشتهَر مجازُه حتى غلَب على حقيقته؛ كالرَّاوية) فإنها في العُرف: للمزادة، وفي الحقيقة: للجمل الذي يُستقى عليه. (والظَّعينة) أي: وكالظعينة فإنها في العُرف: للمراة، وفي الحقيقة: للناقة التي يظعن عليها.
(والدابة) أي: وكالدابة فإنها في العرف لذوات الأربع، وفي الحقيقة:
اسم لكل ما دَبّ ودرج.
(والغائط) أي. وكالغائط فإنه في العرف: للخارج المستقذر، وفي الحقيقة: المكان المطمئن من الأرض.
(والعَذِرَة) أي: وكالعذرة فإنها في العرف للخارج المستقذر، وفي الحقيقة: لفناء الدار.
(ونحوه) أي: ونحو ماذكر مما اشتهر مجازه حتى غلب على حقيقته.
(ف) الحالف على شيء من ذلك (تتعلَّق اليمين) فيه (بالعرف، دون الحقيقة)؛ لأن الحقيقة في نحو ما ذكر صارت مهجورة ولا يعرفها أكثر الناس. فتعلقت اليمين بما يُعلم أن الحالف لا يريد غيره. فصار كالمصرّح به.
إذا تقرر هذا (فمن حلف: لا يأكل عيشًا، حنث بأكل خبز).
قال في " الفروع ": والعيش يتوجه فيه عرفًا: الخبز، وفي اللغة: العيش الحياة فيتوجه ما يعيش به. فيكون كالطعام. انتهى.
(و) من حلف: (لا يطأ امرأته، أو) حلف لايطأ (أمته، حنث.
стр. 5013
بجماعها) أي: بجماع من حلف على وطئها؛ لأن هذا هو المعنى الذي ينصرف إليه اللفظ في العرف. ولذلك إذا حلف على ترك وطء زوجته صار موليًا.
(و) من حلف: (لايتسرَّى، حنث بوطء أمته) مطلقًا على الأصح؛ لأن التسري مأخوذ من السّر الذي هو الوطء قال الله : (ولكن لا تواعدوهن سرا) [البقرة: ٢٣٥].
وقال الشاعر:
ألا زعمت بسباسه القوم أنني كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي
ولأن كل حكم تعلق بالوطء لم يعتبر فيه الإنزال؛ كسائر الأحكام.
(و) من حلف: (لا يطأ) دارًا، (أو لايضع قدمه في دار، حنث بدخولها راكبًا وماشيًا وحافيًا ومُنتعلاً)؛ لأن ظاهر حلفه إرادة الامتناع من دخولها. فهو كما لو قال: لا أدخلها فإذا دخلها [على أيّ صفة كانت حنث؛ لأن المقصود من اليمين الامتناع من دخولها فإذا دخلها] (١) حنث.
(لا بدخول مقبرة)؛ لأنها لا تسمى دارًا في عرف الناس.
(و) من حلف: (لا يركب، أو) حلف: لا (يدخل بيتًا، حنث) من حلف لا يركب (بركوب سفينة)؛ لأنه ركوب؛ لقوله : (وقال اركبوا فيها) [هود: ٤١]، وقال : (فإذا ركبوا فى الفلك) [العنكبوت: ٦٥].
(و) حنث من حلف لا يدخل بيتًا ب (دخول مسجد، و) دخول (حمام،
و) دخول (ييت شعر، و) بيت (٢) (أدم وخَيْمَة).
أما حنثه بدخول مسجد؛ فلقول الله : (فى بيوت أذن الله أن ترفع) [النور: ٣٦]، وقوله : (إن أول بيت وضع للناس) [ال عمر ان: ٩٦].
стр. 5014
وأما حنثه بدخول الحمام؛ فلقوله ﷺ " بئسَ البيتُ الحمام " (١) . رواه
أبو داود وغيره.
وإذا كان في الحقيقة بيتًا وفي عرف الشارع حنث بدخوله؛ كبيت الأنسان.
وأما بيت الشعر والأَدم؛ فلأن اسم البيت يقع عليه حقيقة وعرفًا؛ لقوله : (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا ٠٠٠) الآيه [النحل: ٨٠].
وأما الخيمة؛ فلأنها في معنى بيت الشعر. وقدم الحنث بها في " الرعايه " واقتصر عليه السامري. وحكاه في " الفروع " منصوصًا عليه.
وقيل: لا يحنث بدخول الخيمة.
وعلم مما تقدم أنه (لا) يحنث بدخول (صُفَّةٍ) أي: صفة الدار (ودِهْليزٍ) أي: دهليز دار؛ لأن ذلك لا يسمى بيتًا.
(و) من حلف: (لا يضرب فلانة، فخنقها، أو نتَف شعرَها، أو عضَّها: حنث)؛ لأن قصده بذلك ترك تأليمها وقد ألمها. لكن لو عضها للتلذذ ولم يقصد تأليمها لم يحنث. ولهذا لو حلف: ليضربنها ففعل ذلك بَرَّ؛ لوجود المقصود بالضرب، وإن ضوبها بعد موتها لم يبر.
(و) من حلف: (لا يَشممُّ الريحان فَشَمَّ وردًا أو بنَفْسَجًا أو ياسمينًا) ولو
كان يابسًا أو زنبقًا أو نسرينًا أو نرجسًا أو غير ذلك من زهر طيب الرائحة: حنث.
(أو) حلف: (لا يَشُمُّ وردًا أو بنفسجًا فشَمَّ دُهنَهما أو ماء الورد): حنث
في الأصح؛ لأن الشم إنما هو للرائحة دون الذات. ورائحة الورد والبنفسج موجودة في دهنهما ورائحة الورد موجودة في ماء الورد.
(أو) حلف: (لا يشُمُّ طيبًا فشمَّ نبتًا ريحه طيّب)؛ كالخزامى ونحوها:
стр. 5015
حنث لطيب رائحته، (أو لا يَذوق شيئًا فازْدَرَدَهُ ولم يُدرك مَذاقَه: حنث)؛ لأن الذوق (١) في العرف للأكل. يقال: ما ذقب لزيد طعامًا أي: ما أكلت.
وا لازدراد أكل.
قال في " الفروع ": وظاهر " المغني " لا. انتهى.
стр. 5016
[فصل: في الاسم اللغوي]
(فصل. و) أما الاسم (اللغويُّ) هنا فهو: (ما لم يَغلِب مَجازُه) على حقيقته.
إذا تقرر هذا (فمن حلف: لا يأكل لحمًا، حنث ب) أكل لحم (سمك،
و) أكل (لحم يحرم)؛ كلحم غير المأكول في الأصح؛ لأنه داخل في مسمّى اللحم. (لابمرَق لحم)؛ لأن المرق ليس بلحم.
(ولا) بأكل (مُخٍّ وكَبدٍ وكُلْيةٍ وشحمِها وشحم ثَرْبٍ وكَوشٍ ومُصْران وطِحال وقلب وألْيَةٍ ودماغ وقانصةٍ وشحم وكارع ولحم رأس ولسان)؛ لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناول شيئًا من ذلك. وقد دل على أن الكبد والطحال ليسا بلحم؛ لقول (١) النبي ﷺ : " أحلت لنا ميتتان ودمان: أما الدمان فالكبد والطحال " (٢) .
ولأن الإنسان لو وكّل غيره في شراء لحم. فاشترى له رأسًا أو كارعًا لم يلزم الموكّل قبوله.
ولأن بائع الرؤوس يسمى رواسًا لا لحامًا.
ولأن كلاً مما ذكرنا منفرد عن اللحم بالاسم والصفة.
ولنا وجه: يحنث بأكل لحم الرأس وأكل الكارع وأكل اللسان.
والمذهب: لا يحنث بشيء من ذلك.
(إلا بنية اجتناب الدَّسم)؛ لأن كلاً مما ذكرنا به دسم.
стр. 5017
ومن حلف: لا يشتري لحمًا فقد نقل صالح وابن هانئ عن أحمد: إن حلف
لا يشتري لحمًا فاشترى رأسًا أو كارعًا إن كان لشيء تأذى به من اللحم، فالرأس مخالف للبدن، وإن كان عقده لا يشتري لجميعه فلا يعجبني يشتري شيئًا من الشاة. (و) من حلف: (لا يأكل شَحْمًا فأكل شحم الظهر أو الجنب، أو
سمينَها، أو الأَلية أو السَّناَمَ: حنث)؛ لأن كل ما يذوب بالنار مما في الحيوان يسمى شحمًا. وقد سمى الله ما على الظهر من ذلك شحمًا بقوله : (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) [الأنعام: ١٤٦]. فاستثناه من الشحم، ولولا دخوله في مفهوم
الشحم لم يصح استثناؤه.
(لا إن أكل) من حلف: لا يأكل شحمًا (لحمًا أحمر) فإنه لا يحنث. وكذا لا يحنث من حلف: لا يأكل شحمًا بأكل لحم أبيض، ولا كبد، ولا طحال، ولا كارع، ولا رأس، ولا لسان، ولا قلب، ولا قانصة ونحو ذلك مما ليس بشحم.
(و) من حلف: (لا يأكل لبنًا، فأكله ولو من صيد، أو) من (آدمية: حنث)؛ لأن الاسم يتناوله حقيقة وعرفًا، وسواء كان حليبًا أو رائبًا أو مائعًا أو مجمدًا؛ لأن الجميع لبن.
و (لا) يحنث من حلف: لا يأكل لبنًا (إن أكل زُبْدًا أو سَمْنًا أو كَشْكًا أو مَصْلاً).
قال في " القاموس ": المَصْل والمصالةُ: ما سال من الأقِطِ إذا طبخ ثم عُصر انتهى.
(أو) أكل (جُبنًا أو أَقِطًا) بكسر القاف وهو اللبن المجفف، (أو نحوه)
مما يصنع من اللبن ويختص باسم.
وعنه: إن أكل الجبن أو الأقِط أو الزُّبد حنث.
والأول المذ هب.
(أو) من حلف: (لا يأكل زُبْدًا، أو) حلف لا يأكل: (سمنًا فأكل الآخر)
стр. 5018
يعني: أن من حلف لا يأكل زبدًا فأكل سمنًا أو حلف لا يأكل سمنًا فأكل زبدًا (ولم يظهر فيه طعمه) أي: فيما أكله منهما طعم الآخر: لم يحنث؛ لأن لكل واحد منهما اسم يختص به ولم يظهرطعم واحد مما حلف عليه.
(أو) من حلف: (لا يأكلُهما) أي: يأكل الزبد والسمن (فأكل لبنًا) يعني: أنه لا يحنث؛ لأن يمينه إنما تنصرف إلى المسمى.
(و) من حلف: (لا يأكل رأسًا ولا بيضًا حنث بأكل رأس طير، و) رأس (سمك، و) رأس (جراد، وبيضِ ذلك) في الأصح؛ لأن ذلك يدخل تحت مسمى الرأس والبيض فيحنث به.
(و) من حلف: (لا يأكل من هذه البقرة، لا يعمُّ ولدًا، و) لا (لبنًا)؛ لأنهما ليسا من أجزائها.
(و) من حلف: (لا يأكل من هذا الدَّقيق، فاستفَّه، أو خبَزَه وأكله: حنث)؛ لأنه أكل منه.
(و) من حلف: (لا يأكل فاكلهة، حنث بأكل بِطيخ) في الأصح؛ لأنه ينضج ويحلو ويُتفكه به. فكان داخلاً في مسمى الفاكهة، (و) بأكل (كلّ تمر شجر غير بَري)؛ كبلح وعنب ورمان وسفرجل وتفاح وكمثرىوخوخ ومشمش وأترج وتوت وتين وموز وجمينر.
وقال أبو حنيفة وأبو ثور: لا يحنث بأكل تمر النخل والرمان؛ لقوله :
(فيهما فاكهة ونخل ورمان) [الرحمن: ٦٨] والمعطوف يغاير المعطوف عليه.
ولنا: أنهما ثمرتان يُتفكه بهما فكانا (١) من الفاكهه التي في عرف الناس. ويسمى بائعها فاكهانيًا، وموضع بيعها دار الفاكهة، والأصل في العرف الحقيقة، وعطفهما على الفاكهة؛ لتشريفهما؛ كقوله : (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) [أببقرة: ٩٨] هما من الملائكة.
(ولو) كان ثمر الشجر غير البري (يابسًا، كصَنُوبَر وعُنَّابٍ، وجَوْز
стр. 5019
ولَوْز، وبُندق وفُستُق، وتمرٍ وتُوت، وزَبيب وتين، ومِشْمِش وإجاص ونحوها)؛ لأن يبس ذلك لا يخرجه عن اسم الفاكهة.
(لا) بأكل (قَثَّاء وخيار)؛ لأن ذلك من الخضر. فلا يحنث بهما من حلف: لا يأكل فاكهه.
(و) لا بأكل (زيتون)؛ لأنه لا يُتفكه بأكله، وإنما المقصود زيته.
(و) لا بأكل (بَلُّوط)؛ لأنه لا يتفكه به (١) وإنما يؤكل عند المجاعة أو
للتداوي.
(و) لا بأكل (بُطْم)؛ لأنه في معنى الزيتون؛ لأن المقصود زيته.
(و) لا بأكل (زُعْرُور أحمر وآسٍ، وسائر ثمر شجر بري لا يُستطاب)؛ كثمر القيقب والعفص.
(ولا) بأكل (قرع وباذنجان) وكرنب؛ لأن ذلك من الخضر.
(ولا) بأكل (ما يكون بالأرض؛ كجزر ولِفْت وفُجْل وقُلقاس، ونحوه)؛ ككماً ة وسوطل؛ لأن ذلك كله ليس من الفاكهة. وإنما الفاكهة لما تحمل الشجر.
(و) من حلف: (لا يأكل رُطُبًا، أو) حلف: لا يأكل (بُسْرًا فأكل مُذَنَّبًا) وهو: ما بدا فيه الأرطاب من ذنبه: (حنث) في الأصح؛ لأن المذنب يجميع بين البسر والرطب.
(لا إن أكل تمرًا)؛ لأنه لم يأكل رطبًا. ولا بسرًا.
(أو حلف) إنسان: لا (يأكل رُطبًا أو بُسرًا فأكل الآخر) أي: بأن حلف:
لا يأكل رطبًا فأكل البسر، أو حلف لا يأكل بسرًا فأكل الرطب، فإنه لا يحنث بواحد منهما؛ لأنه لم يأكل ما حلف على تركه.
[(و) لا من حلف: (لا يأكل تمرًا فأكل رُطبًا أو بُسرًا أو دِبْسًا أو ناطِفًا)
стр. 5020
مصنوعان (١) من تمر النخل؛ لأنه لم يأكل تمراً (٢) ] (٣) .
(و) من حلف: (لا يأكل أُدْمًا، حنث بأكل بيض، و) أكل (شِواء (٤) ،
و) أكل (جبن، و) أكل (ملح، و) أكل (تمر) في الأصح فيه؛ لما روى يوسف بن عبد الله بن سلام قال: " رأيت رسول الله ﷺ وضع تمرة على كسرة، وقال: هذه أدام " (٥) . رواه أبو دا ود. وذكره الإمام أحمد.
(و) أكل (زيتون، و) أكل البن، و) أكل (خل، و) أكل (كل مُصْطبِغ به) أي: ما جرت العادة بأكل الخبز به؛ كالزيت والعسل والسمن واللحم؛ لأن هذا معنى التأدّم. قال النبي ﷺ : " ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " (٦) . رواه ابن ماجه.
وعنه ﷺ أنه قال: " سيد الإدام اللحم " (٧) .
وقال: " سيد إدامكم اللحم " (٨) . رواه ابن ماجه.
(و) من حلف: (لا يأكل قوتًا، حنث بأكل خبز وتمر وزبيب وتين ولحم ولبن، وكلّ ما تبْقَى معه البنية)؛ لأن كل واحدة من هذه المذكورات يقتات به في بعض البلدان. وكذا يحنث إن أكل سويقًا أو سَفّ دقيقًا؛ لأنه يقتات بذلك. ولهذا قال بعض اللصوص:
لاتخبزَا خبزًا وبُسّا بسّا ولا تطْيلَا بمُقام حبسا
стр. 5021
وكذا يحنث إن حلف: لا يأكل قوتًا بأكل حب يُقتات خبزه؛ لما روي " أن
النبي ﷺ كان يدخر قوت عياله سنة " (١) . وإنما كان يدخر الحب.
(و) من حلف: (لا يأكل طعامًا ما حنث، ب) استعمال (كلّ ما يُؤكل ويُشرب) من قوت وأدَم وحلوى وفاكهة وجامد ومائع. قال الله : (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ) [آل عمران: ٩٣]
وقال أيضا : (ويطعمون الطعام على حبه) [الإنسان: ٨] أي:
على محبة الطعام وحاجتهم إليه.
وقيل: على حب الله .
وقال أيضًا : (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ) [الأنعام: ١٤٥].
وسمى النبي ﷺ اللبن طعامًا، فقال: " لا أعلم ما يجزئ عن الطعام. والشراب إلا اللبن " (٢) . رواه ابن ماجه.
(لا) بشرب (ماء ودواء، و) لا بأكل (ورق شجر وتراب، ونحوها)؛ كنشارة خشب.
(و) من حلف: (لايشرب ماء، حنث بماء ملح و) ماء (نجس)؛ لأنه
ماء. (لاب) شرب (جُلاّب) (٣) ؛ لأنه لا يسمى ماء.
(و) من حلف: (لا يتغدَّى فأكل بعد الزوال، أو) حلف (لا يتعَّشى فأكل
بعد نصف الليل، أو) حلف: (لا يتسحَّر فأكل قبله) أي: قبل النصف من الليل: (لم يحنث) ما لم تكن له نية؛ لأن الغداء مأخوذ من الغدوة وهي:
стр. 5022
من (١) طلوع الفجر إلى الزوال. والعشاء مأخوذ من العشي وهو: من زوال الشمس إلى مضي نصف الليل الأول. والسحور مأخوذ من السحر وهو: من نصف الليل إلى طلوع الفجر.
(ومن أكل ما حلف لا يأكله) حال كون ما حلف لا يأكله (مستهلَكًا في غيره؛ كسمن) أي: كمن حلف: لا يأكل سمنًا (فأكله في خَبيص، أو) من حلف: (لا يأكل بيضًا فأكل ناطفًا، أو) من حلف: (لا يأكل شعيرًا فأكل حنطة فيها حبات شعير: لم يحنث)؛ لأن ما أكله لا يسمى سمنًا ولا بيضًا ولا يطلق على حنطة فيهاحبات شعير اسم شعير.
(إلا إذاظهرطعم شيء من محلوف عليه)؛ كما لو ظهرطعم السمن في الخبيص، أوطعم الشعير فيما صنع من تلك الحنطة فإنه يحنث.
(و) من حلف: (لا يأكل سويقًا، أو) حلف: لا يأكل (هذا السَّويق فشربه، أو) حلف: (لا يشربه فأكله: حنث) على الأصح؛ لأن اليمين على ترك أكل شيء أو شربه يقصد بها في العرف اجتناب ذلك الشيء فحُملت اليمين عليه. ألا ترى أن قوله : (ولا تأكلوا أموالهم) [النساء: ٢]،
و (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) [النساء: ١٠] لم يرد به الأكل على الخصوص. ولو قال طبيب لمريض: لا تأكل العسل كان نهيًا له عن شربه.
(و) من حلف عن شيء: (لا يطعمه، حنث بأكله ومصّه)؛ لأن الطعم
كما يتناول الأكل يتناول الشرب بدليل قوله : (فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى) [البقرة: ٢٤٩]، ولو لم يكن الشارب طاعمًا لكان الشارب من النهر من قائل: فمن شرب منه فليس مني؛ لأنه لم يطعمه. وأما المص فلا يخرج (٢) عن كونه أكلاً أو شربًا.
(لا بذَوْقِه)؛ لأن الذوق لا يجاوز اللسان فلا يكون طاعمًا. بخلاف الأكل والشرب فإن كلاً منهما يجاوز الحلق.
стр. 5023
(و) من حلف: (لا يأكل، أو) حلف (لا يشرب، أو) حلف
(لا يفعلُهما) أي: لايأكل ولا يشرب: (لم يحنث بمصّ قصب سكر، و) مصّ (رمان) على الأصح؛ لأن ذلك لا يسمى في العرف أكلاً ولا شربًا.
(ولا) يحنث (ببلع ذَوْب سكر في فيه بحلفه: لايأكل سُكرًا) على الأصح؛ لأن الأصحاب خرجوه على الروايتين في مص القصب السكر والصحيح
فيه عدم الحنث فكذا هذا (١) .
(و) من حلف: (لا يأكل مائعًا فأكله بخبز) حنث؛ لأن ذلك يسمى
أكلاً. ولهذا قال النبي ﷺ : " كلوا الزيت وادهنوا به " (٢) .
(أو) حلف: (لا يشرب من النهر، أو) حلف: لا يشرب من (البئر
فاغترف بإناء) من النهر أو البئر (وشرب) منه: (حنث)؛ لأن النهر والبئر ليسا بآلة للشرب، والشرب منهما في العادة إنما يكون بالاغتراف، إما بيده أو بإناء غيرها (٣) . فيحمل على ما جرت به العادة في الشرب فيحنث بوجوده.
(لا إن حلف: لايشرب من الكوز فصبَّ منه في إناء وشربه) فإنه.
لا يحنث؛ لأن الكوز آلة للشرب. فحقيقة الشرب منه أن يكون فيه، وإذا صبّ
منه في إناء وشرب منه لم يكن شاربًا منه.
(و) من حلف: (لا يأكل من هذه الشجرة، حنث بثمرتِها) أي: بأكله من
ثمرتها (فقط). يعني: فلا يحنث بأكل ورقها ونحوه؛ لأن الثمرة هي المتبادرة إلى الذهن فيحنث بأكلها (ولو لقَطها من تحتها) أي: تحت الشجره أو أكلها في إناء؛ لأنها من الشجرة.
стр. 5024
[فصل: في مسائل من الحلف]
(فصل. ومن حلف: لا يلبس شيئًا، فلبس ثوبًا أو دِرْعًا أو جَوْشَنًا) أو عمامة أو قلنسوة (أو خُفًا أو نَعلاً: حنث)؛ لأن الخف والنعل ملبوس حقيقة وعرفًا فحنث بذلك كالثياب. لكن لو أدخل يده في الخف أو في النعل لم يحنث؛ لأنهما لا يُلبسان في اليد.
وقيل لابن عمر: " إنك تلبس هذه النعال. قال: إنى رأيت رسول الله ﷺ يلبسهما" (١) .
(و) من حلف: (لا يلبس ثوبًا، حنث كيف لبسَه، ولو تعمَّم به أو ارتدَى بسراويل) حلف لا يلبسها، (أو اتَّزر بقميص) حلف لا يلبسه؛ لأن ذلك لبس.
(لا بطيّه وتركه على رأسه) مطويًا، (ولا بنومه عليه أو تدثُّره به) بأن جعله مكان اللحاف من النائم في الأصح؛ لأن ذلك ليس بلبس.
(و) من حلف: (لا يلبس قميصًا فارتَدى به) بأن جعله مكان الرداء: (حنث) في الأصح؛ لأن المرتدي لابس.
(لا إذا اتَّزر به) بأن جعله مكان الإزار فإنه لا يحنث.
(و) من حلف: (لا يلبس حُلِياً فلبس حِلْية ذهب أو فضة أو جوهر، أو) لبس (مِنطقة محلاَّة) بذهب أو فضة، (أو) لبس (خاتمًا) من ذهب أو فضة (ولو في غير خنصر، أو) لبس (دراهم أو دنانير في مرسلة) أو مخنقة من لؤلؤ
стр. 5025
أو جوهر وحده: - (حنث)؛ لقول الله : (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) [فاطر: ١٢].
وقال تعالى وتبارك: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا) [فاطر: ٣٣].
ولأن الفضة حليًا [إذا كان سوارًا أو خلخالاً، فكانت حليًا إذا كانت خاتمًا.
ولأن اللؤلؤ والجوهر حلي مع غيره. فكان حليًا] (١) وحده؛ كالذهب.
و (لا) يحنث من حلف: لايلبس حليًا إن لبس (عقيقًا أو سَبَجًا أو حريرًا)؛ لأن ذلك لا يسمى حليًا. أشبه ما لو لبس خرز الزجاج. (ولا إن حلف: لا يلبس قلنسوة فلبسها في رجله)، لأن ذلك ليس بلبس لها.
(و) من حلف: (لا يدخل دار فلان، أو) حلف (لا يركب دابته، أو) حلف (لا يلبس ثوبه، حنث بما جعله) فلان (لعبده) من دار ودابة وثوب؛ لأن دار العبد ودابته وثوبه ملك لسيده، (أو) بما (آجره) فلان، (أو استأجره) فلان؛ لأن الدار تضاف إلى ساكنها كما تضاف إلى مالكها؛ لقول الله : (لا تخرجوهن من بيوتهن) [الطلاق: ١]، وقول الله : (وقرن فى بيوتكن) [لأحزاب: ٣٣].
ولأن الإضافة للاختصاص وساكن الدار يختص بها. فكانت إضافتها إليه صحيحة، وهي مستعملة في العرف.
و (لا) يحنث (بما استعاره) أي: لا يحنث بدخول دار استعارها فلان على الأصح، أو بركوب دابة استعارها فلان، أو لبس ثوبًا استعاره فلان؛ لأن فلانًا لا يملك منافع ما استعاره.
وعنه: إن دخل دارًا استعارها فلان، فإن كان فلان ساكنًا بها فدخلها الحالف: حنث؛ لأن الدار تضاف إلى ساكنها، وإن لم يكن ساكنًا بها حال دخول الحالف: لم يحنث؛ لأنها حينئذ لم تضف إلى فلان ولا يملك فلان منافعها.
стр. 5026
(و) من حلف: (لا يدخل مسكنَه) أي: مسكن فلان (حنث بمستأجَر ومستعار) يسكنه (١) . وفي (٢) الأصح (ومغصوب يسكنه) فلان؛ لأئه مسكنه،
و (لا) يحنث (بملكه) أي: بدخول ملكه (الذي لا يسكنه) في الأصح؛ لأن الحلف على مسكنه وهذا ليس بمسكنه.
(وإن قال: مِلكَه) يعني: وإن كان حلفه على أن لا يدخل ملك فلان (لم
يحنث بمستأجر) أي: بدخول ما استأجره فلان في الأصح؛ لأنه ليس ملكه.
(و) من حلف: (لا يركب دابة عبد فلان، حنث بما جُعل) من الدواب (برَسْمه) أي: برسم عبد فلان؛ لأنه مختص به؛ (ك) ما يحنث ب (حلفه:
لا يركب رَحْل هذه الدابة) أي: المختص بها، (أو لا يبيعه) إذا ركب عليه أو باعه.
(و) من حلف: (لا يدخل) دارًا (معيَّنة فدخل سطحها) حنث؛ لأن
الهواء تابع للقوار. فدخول السطح كدخول قراوه، ولذلك تمنع الحائض من اللُّبث بسطح المسجد، ويصح الاعتكاف فيه؛ لأنه من المسجد.
(أو) حلف: (لا يدخل بابها فحُوّل (٣) ودخله: حنث)؛ لأن الباب المحدث هو بابها وقد حلف عليه فيحنث بدخوله.
(لا إن دخل طاقَ الباب) فإنه لا يحنث في الأصح؛ لأن الدار في العرف
عبارة عما يغلق عليه الباب منها، وما هو خارج عنها كطاق الباب فليس منها. (أو) إن (وقف على حائطها) فإنه لا يحنث في الأصح؛ لأنه لا يسمى داخلاً، كما لو تعلق بغصن شجرة خارج الدار وأصلها في الدار.
(و) من حلف: (لا يكلّم إنسانًا حنث بكلام كل إنسان)؛ لأن ذلك نكرة
في سياق النفي فتعم. ولفعله المحلوف عليه، (حتى ب) قوله له. (تَنَحَّ أو
стр. 5027
اسكُت) وبزجره بكل لفظ في الأصح؛ لأن ذلك كلام فيدخل فيما حلف على عدمه.
(لا بسلام من صلاة صلاها إماماً) نص عليه؛ لأن السلام قول مشروع في الصلاة. فلم يحنث به؛ كالتكبيرات.
(و) من حلف: (لا كلمت زيدًا، فكاتبه أو راسله: حنث) على الأصح، (ما لم ينو مشافهتَه) يعني: إلا أن ينوي بحلفه أنه لا يشافهه فلا يحنث حينئذ بمكاتبته ولا مراسلته؛ لأنه لم يشافهه، (إلا إذا أُرتج عليه في صلاة) كان فيها إمامًا للحالف، (فَفَتح عليه) الحالف فإنه لا يحنث، لأن ذلك كلام الله وليس بكلام الآدميين.
(و) إن حلف: (لا بدأْتُه بكلام فتكَّلما معًا: لم يحنث)؛ لأن مقتضى يمينه أن لا يوجد كلامه لفلان قبل كلام فلان. فإذا تكلما معًا لم يوجد كلامه قبله فلايحنث.
(و) إن حلف: (لا كلمته) أي: لا كلمت فلانًا (حتى يكلمني أو) حتى (يبدأني بكلام، فتكلَّما معًا: حنث)؛ لأن يمينه هذه تقتضي ترتيب كلامه على كلام فلان. فإذا تكلما معًا لم يوجد الترتيب فيحنث لذلك.
(. و) إن حلف: (لا كلمته) أي: لاكلمت فلان (حِينًا، أو) حلف
لا كلمته (الزمان ولا نيَّة) للحالف على زمن معين: (فستة أشهر).
أما كون المدة سته أشهر فيما إذا حلف: لا كلمته حينًا فهو المنصوص عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه؛ لأن الحين المطلق في كلام الله أقله ستة أشهر.
قال عكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيد في قوله : (تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها) [إبراهيم: ٢٥] إن الحين ستة أشهر. وهو قول ابن عباس ولا مخالف له من الصحابة. فيكون إجماعًا أوحجة.
وأما كون الزمان معرفًا كالحين في الأصح؛ فلقوله في " الإنصاف ":
стр. 5028
الزمان كحين على الصحيح من المذهب. اختاره القاضي وأبو الخطاب. وقدمه في " النظم " و" الفروع " و" الرعايتين ".
(و) من حلف: لا كلمت زيدًا (زمنًا، أو أمَدًا، أو دهرًا، أو بعيدًا، أو مَليًا، أو عمرًا، أو طويلاً، أو حُقبًا، أو وقتًا: فأقلُّ زمان) في الأصح؛ لأن هذه الأشياء لاحد لها في اللغة، وتقع على القليل والكثير. فوجب حمله على أقل ما يتناوله الاسم، وقد يكون القريب بعيدًا بالنسبة إلى ما هو أقرب منه، وقد يكون البعيد قريبا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه، ولا يجوز التحديد بالتحكم وإنما يُصار إليه بالتوقيف ولا توقيف هاهنا فيجب حمله على اليقين وهو أقل ما تناوله (١) الاسم.
(و) إن حلف: لا كلمته (العمر) معرفًا، (أو) حلف لا كلمته (الأبد) معرفًا، (أو) حلف: لا كلمته (الدهر) معرفًا: (ف) ذلك (كلُّ الزمان) " لأن الألف واللام هاهنا للاستغراق، وذلك يوجب دخول الزمان.
(و) إن حلف: لا كلمته (أشهرًا، أو) حلف: لا كلمته (شهورًا، أو) حلف: لا كلمته (ايامًا: ف) ذلك (ثلاثة) اي: ثلاثة أشهر إذا قال: لا كلمته أشهرًا أو شهورًا أو ثلاثة أيام إذا حلف: لا كلمته أيامًا. وهذا في الأصح في الشهور؛ لأن الثلاثة أقل الجمع والزائد مشكوك فيه فيحمل على اليقين.
ومن عين حلفه أيامًا تبعتها الليالي.
(و) من حلف: لا كلمت زيدًا (إلى الحصاد، أو) لا كلمته (إلى الجُذاذ، ف) إنه لم تدخل مدة الحصاد ولا الجذاذ في الحلف على الأصح، بل تنتهي مدة الحلف (إلى أول مدته) أي: أول مدة الحصاد أو الجذاذ؛ لأن " إلى " لانتهاء الغاية فقد جعل غاية امتناعه من تكليمه للحصاد والحصاد وُجد بأوله فتنحل يمينه بذلك، ولا يدخل زمان الحصاد كله في يمينه؛ كما لو قال: سرت من الكوفة إلى البصرة فإنه لا يلزم من ذلك دخول البصرة، وكذا القول فيما إذا حلف: لا يكلمه إلى الجذاذ.
стр. 5029
(و) من حلف: لا كلمت زيدًا (الحوْل: ف) مدة الحلف (حول كامل)
من زمن الممين، (لاتتمته) إن حلف في اثناء حول.
قال في " الفروع ": أومأ إليه أحمد. ذكره في " الانتصار ". انتهى.
(و) من خلف: (لا يتكلم فقرأ، أو سبَّح، أو ذكر الله تعالى، أو قال لمن
دقَّ عليه: (١) ادخلوها بسلام آمنين، يقصد القران وتنبيهه: لم يحنث).
أما كونه لا يحنث إذا قرأ أو سبح أو ذكر الله ؛ فلأن الكلام
في العرف لا يطلق إلا على كلام الآدميين. ولهذا لما قال النبي ﷺ " إن الله يحدث من أمره ما شاء وقد أحدث لا تتكلموا في الصلاة " (٢) .
وقال زيد بن أرقم: " كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل: (وقوموا لله قا نتين) [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام " (٣) .
وقال الله سبحانه ولعالى: (آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ) [آل عمران: ٤١] فأمره بالتسبيح مع قطع الكلام عنه. ولأن ما لا يحنث به في الصلاة لا يحنث به خارجًا عنها؛ كالإشارة.
وأما كونه لا يحنث بقوله لمن دق عليه: (ادخلوها بسلام آمنين) يقصد القرآن والتنبيه؛ لأن ذلك مع قصده القرآن من المقرآن. (و) لهذا (إن لم يقصد به القرآن: حنث)؛ لأنه لا يكون من كلام الادميين.
(وحقيقة الذّكْر: ما نْطق به)؛ لأن مالا ينطق به من حديث النفس.
(و) من حلف: (لا مِلك له: لم يحنث بدَين) له؛ لأن الملك يختص
الأعيان (٤) من الأموال فلا يعم الدَّين؛ لأن الدين إنما يتعين الملك فيما يقبضه (٥) منه.
стр. 5030
(و) من حلف: (لا مال له، أو) حلف أنه (لايملك مالاً، حنث ب) مال (غير زكويٍّ، وبدين) له، (وضائع لم ييأْس من عَوْدِه، و) ب (مغصوب) منه؛ لأن المال ما تناوله الناس عادة لطلب الربح، مأخوذ من الميل من يد إلى يد، ومن جانب إلى جانب، فيشمل ذلك غير ما تجب فيه الزكاة من النقود (١) وغيرها؛ لأن غير النقود (٢) أموال.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: " أصبت أرضًا بخيبر لم أُصِب مالاً قط هو أنفس عندي منه " (٣)
وقال أبو طلحه للنبي ﷺ : " إن أحب أموالي إليّ بِيَرْحِاء يريد حديقة " (٤) .
وقال أبو قتادة: " اشتريت مخرفًا فكان أول مال تأثَّلته " (٥) .
وفي الحديث: " خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة " (٦) .
والسكة: الطريقة المصطفة من النخل.
وقوله: مأبورة، أي: ملحقة من قولهم: أبرت النخلة، أي: لحقتها،
فهي مأبورة، والاسم الإبار.
وقيل: المراد بالسكة: سكه الحرث.
وبقوله: مأبورة أي: مصلحة له أراد خير المال نتاج أو زرع.
стр. 5031
وأما حنثه بالدَّين؛ فلأنه مال ينعقد عليه حول الزكاة ويصح إخراجها عنه ويصح التصرف فيه بالإبراء والحوالة والمعاوضة عنه لمن هو في ذمته والتوكيل في استيفائه.
وأما حنثه بالضائع الذي لم ييأس من عوده وبالمغصوب منه في الأ صح فيهما؛ لأن الأصل بقائه في ملكه فحنث به.
(لا بمستأجر) يعني: انه من حلف أنه لا يملك مالا وبيده عين مستأجرة لم يحنث بذلك؛ لأن ذلك لا يسمى مالاً في العرف.
ولأن المستأجر لا يملك سوى منفعة العين.
(و) من حلف على إنسان: (ليضربنَّه بمائة فجمعها وضربه بها ضربة) واحدة: (بَرَّ) في يمينه؛ لأنه ضربه بالمائة كما حلف، (لا إن حلف: ليضربنَّه مائة) فجمعها وضربه بها ضربة واحدة (ولو آلمه) بها في الأصح؛ لأن الظاهر من هذا (١) اليمين أنه يريد ضربه بالسوط مائة ضربة ليتكرر ألمه بتكرر الضرب بدليل أنه لو ضربه مائة ضربة بسوط واحد بر، ولو كان المقصود تعدد السوط لم يبر؛ لأن السوط لم يتعدد.
ولأن السوط هاهنا آلة أقيمت مقام المصدر وانتصب انتصابه فتعدد الضرب بتعدده. هذا هو المفهوم من يمينه والذي تقتضيه اللغة فلا يبرّ بدونه.
стр. 5032
[فصل: إذا حلف على شيء وهو ملابس له]
(فصل. وإن حلف) إنسان على امرأة: (لا يلبس من غزلها وعليه منه) واستدام ذلك حنث. نص عليه؛ لأنه باستدامته يسمى لابسًا له. وقد اعتبر الشرع هذا في الإحرام، حيث حرّم لبس المخيط وأوجب الكفارة في استدامته كما أوجبها في ابتدائه.
(أو) حلف: (لا يركب، أو لا يلبس، أو لا يقوم، أو لا يعقد، أو.
لا يسافر) واستدام ذلك حنث؛ لأنه يصح أن يقول: ركبت يومًا، ولبست يومًا، وقمت يومًا، وقعدت يومًا، وسافرت شهرًا.
(أو) حلف: (لا يَطأ) فاستدام ذلك حنث. ذكره في " الانتصار "؛ لأنه
يصح أن يقول: وطئت يومًا.
(أو) حلف: (لا يُمسك) شيئًا فاستدام مسكه حنث. ذكره القاضي في
" الخلاف " في إمساك المحرم الصيد.
(أو) حلف: (لا يُشارك) زيدًا وهو مشاركه واستدام ذلك حنث. ذكره
في " الروضة "؛ لأنه يصح أن يقول: شاركته شهرًا.
(أو) حلف: (لا يصوم) واستدام ذلك حنث؛ لأنه يسمى صائمًا.
(أو) حلف: (لا يحجُّ أو لا يطوف وهو كذلك) أي: وهو محرم بالحج
أي: وهو طائف، أي: مستديم الطواف حنث.
(أو) حلف: (لا يدخُل دارًا وهو داخلَها) ودام فيها حنث في الأصح؛
لأن استدامة المقام في ملك الغير كابتدائه في التحريم.
قال أحمد في رجل حلف على امرأته: لا دخلت أنا وأنت هذه الدار وهما
فيها قال: أخاف أن يكون قد حنث.
стр. 5033
(أو) حلف على امرأة: (لا يُضاجعُها على فراش فضاجعَتْه ودام) حنث؛
لأن المضاجعة تقع على الاستدامة. ولهذا يقال: اضطجع على الفراش ليلة، فإذا ضاجعته ودأم حنث.
(أو) حلف إنسان: (لا يدخل على فلانٍ بيتًا فدخل فلانٌ عليه، فأقام معه: حنث) في الأصح قياسًا على حلفه: لا يضاجعها فضاجعته ودام.
وهكذا كل فعل ينقضي ويتجدد بتجدد الزمان؛ كمن حلف لا يكتب، أو
لا يخيط، أو لا يبني، واستدام ذلك فإنه يحنث بالاستدامة، وكذا بقية الصناعات.
ومحل الحنث في جميع ما تقدم: (ما لم تكن) للحالف (نية). فلو نوى
لا يلبس من غزلها غير هذا الثوب، أو لا يركب غير هذا اليوم، أو لا يسافر أو لا يطأ غير هذه المرة، وهكذا في بقية الأمثلة، فإنه يرجع في ذلك إلى نيته، وإن لم تكن له نيه رُجع إلى سبب اليمين وما هيّجها.
(لا إن حلف: لا يتزوَّج، أو) لا (يتطهَّر، أو) لا (يتطئَّب فاستدام ذلك) فإنه لا يحنث؛ لأنه لا يُطلق اسم الفعل على مستديم هذه الثلاتة. فلا يقال: تزوجت شهرًا، ولا تطهرت شهرًا، ولا تطيبب شهرًا. وإنما يقال: منذ شهر، ولم ينزل الشارع استدامة التزويج والطيب منزلة ابتدائهما في الإحرام.
(و) من حلف: (لا يسكُن) مع فلان، (أو لا يُساكِن فلانًا وهو ساكن)
معه (أو مساكن) له، (فأقام فوق زمنٍ يمكنُه الخروج فيه عادة نهارًا، بنفسه وأهله ومتاعه المقصود) حنث، (ولو بنى بينه وبين فلانٍ حاجزًا، وهما مُتساكنان: حنث) أيضًا في الأصح؛ لأنهما قد تساكنا قبل بناء الحاجز بينهما فيحنث بذلك.
(لا إن أودَع متاعه أو أعاره أو ملّكه) لغيره، (أو لم يجد مسكنًا) ينتقل إليه، (أو) لم يجد (ما ينقُلُه) أي: ما ينقل متاعه (به، أو أبتْ زوجته الخروج معه ولا يمكنُه إجبارها ولا النُّقْلة. بدونها، مع نية النقلة اذا قَدَر) عليها، (أو أمكنَتْه بدونها) أي: بدون زوجته (فخرج وحده) فإنه لا يحنث، (او كان
стр. 5034
بالدار حُجْرتان. لكلّ حجرة) منهما (باب ومرْفق) مختص بها (فسكن كلُّ واحد (١) حجرة، ولا نية) للحالف تمنع من ذلك (ولا سبب) ليمينه يقتضي عدم ذلك: لم يحنث.
(ولا إن حلف على) دا ر (معيَّنة: لا ساكنْتُه) أي: لا ساكن فلانًا (بها وهما) أي: والحالف وفلان (غير مُتساكنين) حال الحلف (فبنَيا بينهما) أي: بين الموضعين اللذين عزما أن يسكن كل واحد واحدًا منهما (حائطًا، وفتح كلٌّ) منهما (لنفسه بابًا، وسكنَاها) فإنه لا يحنث حيث لا نية ولا سبب.
(و) من حلف: (ليخرُجنَّ) من هذه البلدة، (أو) حلف (ليرحلنَّ من)
هذه (الدار، أو) حلف (لا يأوي) في هذه الدار (أو لا ينزل فيها؛ ك) حلفه (لا يسكنُها) فيما تقدم. (وكذا) حكم (البلد إلا أنه يبرُّ بخروجه) من البلد (وحده إذا حلف: ليخرجَنَّ منه)؛ لأنه إذا حلف ليخرجنّ من هذه البلدة تناولت يمينه الخروج بنفسه؛ لأن الدار يخرج منها صاحبها في اليوم مرات في العادة، فظاهر حاله أنه لم يرد الخروج المعتاد. وإنما أراد الخروج الذي هو النقلة والخروج من البلد. بخلاف ذلك، (ولا يحنث بعَوْد) (٢) [يعني: إلى الدار أو البلد] (٣) (إذا حلف: ليخرجَنَّ أو ليرحلنَّ من الدار، أو) من (البلد وخرج) على الأصح؛ لأن يمينه على الخروج وقد خرج فانحلت يمينه بفعل ما حلف على فعله.
ومحل ذلك: (ما لم تكن) له (نية أو) يكن هناك (سبب) يقتضي هجران
ما حلف على الرحيل منه فيحنث بعوده.
ومن حلف على الرحيل من بلد لم يبرَّ في يمينه إلا بالرحيل بأهله، إلا إذا
أبت زوجته الخروج معه ولم يمكنه إخراجها.
(والسفر القصير: سفر يَبَرُّ به من حلف: ليُسافرن، ويحنث بهء من حلف: لايسافر).
стр. 5035
قال في " الفروع ": والسفر القصير سفر. ويتوجه بَرُّ حالف ليسافرن به. ولهذا نقل الأثرم: أقل من يوم يكون سفرًا، إلا أنه لا تقصر فيه الصلاة.
وفي " الإرشاد ": إن بقية أحكام السفر غير القصر تجوز فيها.
(وكذا النوم اليسير) يعني: أنه يبرّ به من حلف: لينامن، ويحنث به من حلف: لاينام.
(و) من حلف: (لا يسكُن الدار، فدخلها أو كان فيها غير ساكن، فدام جلوسه: لم يحنث) في الأصح.
وقال القاضى: ولو بات ليلتين لم يحنث.
وإن دخلها زائرًا فقال في " الفروع ": قال شيخنا: والزيارة ليست سكنى اتفاقًا ولو طالت مدتها. انتهى.
(و) من حلف: (لا يدخل دارًا، فحُمل فأُدخلها، وأمكنه الامتناع فلم يمتنع) حنث " لأنه دخلها غير مكره. فأشبه ما لو حُمل بأمره.
وعلم مما تقدم أنه إذا لم يمكنه الامتناع لم يحنث. نص عليه أحمد في روايه
أبي طالب؛ لأن الفعل غير موجود منه ولا منسوب إليه.
(أو) حلف إنسان: (لا يَستخدِمُ رجلاً) أو امرأة، عبدًا كان أو حرًا (فخدمه) الذي حلف أنه لا يستخدمه (وهو) أي: والحالف (ساكت: حنث) في الأصح؛ لأن إقراره على خدمته استخدام له. ولهذا يقال: فلان يستخدم عبده إذا خدمه وإن لم يأمره.
ولأن ما حنث به في عبد نفسه حنث به في عبد غيره؛ كسائر الأشياء.
стр. 5036
[فصل: إذا حلف على مستقبل]
(فصل. ومن حلف ليشربنَّ هذا الماء) غدًا أو في غد، (أو) حلف
(ليضربنَّ غلامه غدًا، أو في غد، أو أطلق) بأن لم يقل: غدًا أو في غد، (فتلف المحلوف عليه) بأن أريق الماء، أو مات الغلام فيما إذا قال: غدًا أو في غد (قبل الغد، أو فيه) أي: في الغد (قبل الشرب أو) قبل (الضرب: حنث حال تلفه) في الأصح؛ لأنه لم يفعل ما حلف على فعله في وقته من غير إكراه ولا نسيان وهو من أهل الحنث. فحنث؛ كما لو أتلفه باختياره، وكما لو حلف: ليحجن العام فلم يقدر على الحج لمرض أو عدم نفقه.
(لا إن جُنَّ حالف) فيما إذا فال: غدًا أو في غد (قبل الغد حتى خرج الغد)
فإنه لا يحنث؛ لعدم صدق الحنث عليه في حال جنونه؛ لأنه لا ينسب إليه فعل ولا ترك يعتد به.
(وإن أفاق قبل خروجه) أي: خروج الغد: (حنث)، سواء (أمكنه فعلُه
أوْ لا)؛ لأنه ادرك جزءًا يصح أن ينسب فيه إلى الحنث. إلا أنه يحكم عليه بالحنث (من اول الغد)؛ كما لو افاق جزءًا (١) لا يمكنه الفعل فيه من أول الغد، ثم لم يفق حتى مضى الغد.
(لا إن مات) الحالف (قبل الغد، أو أُكره) على ترك ما حلف على فعله حتى خرج الغد.
(وإن قال: اليوم) أي: وإن حلف ليشربنَّ هذا الماء اليوم، أو حلف: ليضرينَّ غلامه اليوم، (فأمكنه) الفعل في اليوم، (فتلف) قبله: (حنث عقبَه)؛ لليأس من فعله بتلفه في بقية اليوم.
стр. 5037
(ولا يَبَرُّ) حالف (بضربه) مَن حلف أن يضربه (قبل وقتٍ عيَّنه) بحلفه؛
لأنه لم يفعل المحلوف عليه في وقته الذي عيّنه؛ كما لو حلف ليصومن يوم الجمعة فصام يوم الخميس، (ولا) بضربه (ميتًا)؛ لأنه لم يفعل ما حلف على فعله لمعنى في المحل. فأشبه ما لوترك ضربه لصعوبته.
ولأن اليمين إنما تنصرف إلى ضربه حيًا ضربًا يتألم به. ولهذا قلت:
(ولا) يَبَرّ أيضًا (بضربٍ لا يُؤلم) المضروب؛ لأن اليمين إنما تنصرف إلى ضرب يتألم به.
(ويبرُّ) الحالف (بضربه مجنونًا) أي: في حالة جنون المضروب؛ لأنه
حيٌ يتألم بالضرب. أشبه ما لو ضربه وهو عاقل.
(و) من حلف عن إنسان: (ليقضينَّه حقَّه غدًا، فأبرأه) رب الحق (اليوم) لم يحنث في الأصح؛ لأنه مُنع من أن يقضيه بإبراءه. فأشبه المكره على فعل ماحلف على ترك فعله.
ولأنه لم يكن. عليه حق حين مجيء الغد. والظاهر أن المقصود من هذه اليمين البراءة إليه في الغد، وقدحصلب فلا يحنث.
(أو أخذ عنه) أي: أخذ رب الحق عن حقه (عَرْضًا) لم يحنث أيضًا؛ لأن
المقصود من هذه اليمين الإيفاء وهو حاصل بأخذ العرض؛ كحصوله بجنس الحق، (أومُنع) الحالف (منه) أي: من قضاء الحق (كَرهًا) بأن أكره على عدم القضاء إلى أن فات الغد فإنه لا يحنث؛ كما لو حلف على ترك فعل فأكره على فعله، (أو مات) رب الحق (فقضاه لورثته: لم يحنث) في الأصح؛ لأنه قضى الحق إلى من يقوم مقام ربه فَبَرّ؛ كما لو قضاه لوكيله.
(و) من حلف لإنسان: (ليقضينَّه) حقَّه (عند رأس الهلال، أو مع) رأسه، (أو إلى رأسه، أو) إلى (استهلاله، أو عند) رأس الشهر، (أو مع رأس الشهرفمحَلُه) في هذه الصور: (عند غروب الشمس من آخر الشهر) فيبَر بقضائه قبل غروب الشمس من آخر الشهر، (ويحنث) إن قضاه (بعده) أي:
стр. 5038
بعد غروب الشمس من آخر الشهر، (ولا يضُرُّ تأخُّرُ فراغ كيلِه ووزِنه وعدّه وذَرْعِه وأكلِه) إن حلف: ليأكلنه عند رأس الهلال ونحوه؛ (لكثرته) إن كان ابتداء ذلك قبل غروب الشمس من آخر الشهر.
(و) من حلف على غريمه: (لا أخذتَ حقَّك مني فأُكره على دفعه) فأخذه غريمه، (أو أخذه حاكم فدفعه إلى غريمه فأخذه) غريمه: (حنث). نص عليه؛ (ك) حلفه: (لا تأخذْ حقَّك عليَّ) فأخذه؛ لوجود ما حلف على تركه.،
(لا إن أُكره) على أخذه (قابضٌ) أي: رب الحق؛ لأنه لا يُنسب له فعل الأخذ؛ لأنه مكره عليه، (ولا إن وضعه) الحالف (بين يديه) أي: يدي من قال الحالف [في يمينه: لا أخذت حقك مني ولم يأخذه، (أو) وضعه الحالف (في حجْره) - بفتح الحاء وكسرها- أي: حِجر غريمه ولم يأخذه؛ لأنه لم يوجد منه ما حلف] (١) غريمه على تركه. (إلا إن كانت يمينه: لا أُعطيكَه) فيحنث بوضعه بين يديه أو في حجْره؛
لأن ذلك إعطاء؛ (لبراءته) أي: براءة من عليه حق (بمثل هذا) أي: بوضع الحق بين يدي مستحقه أو في حجره، (من ثمن، ومُثْمَن، وأجرة، وزكاة) ونحو ذلك.
(و) من حلف على غريمه: (لا فارقتني حتى أستوفيَ حقّي منك، ففارق أحدهما الآخر)، طوعًا (لا كَرهًا، قبل استيفاءٍ) أي: استيفاء حق الحالف: (حنث)؛ لأن معنى اليمين لا حصل منا فرقه وقد حصلت من غير إكراه عليها فحنث.
(و) إن حلف: (لا افترقنا- أو لا فارقتك- حتى استوفيَ حقّي منك فهرب) منه حنث. نص عليه على الأصح؛ لأن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين فتكون على الفرقة من الجهتين وقد حصلت فيحنث، (أو فلسه حاكم وحكم
стр. 5039
عليه بفراقه) حنث، لما تقدم، (أوْ لا) يعني: أو لم يحكم عليه الحاكم بفراقه، (ففارقه لعلمه بوجوب مفارقته: حنث)؛ لما تقدم.
(وكذا) يكون الحكم (إن أبرأه) أي: أبرأ الحالف غريمه من حقه، (أو
أذن له أن يفارقَه، أو فارقَه من غير إذن) فإنه يحنث؛ لحصول المفارقة طوعًا.
(لا إذا أُكرها) على المفارقة؛ لأن فعلها لا ينسب إلى واحد منهما، (أو قضاه بحقّه عرْضًا)؛ لأن المقصود من هذه اليمين عدم مفارقته قبل استيفاء حقه وهو حاصل بأخذ العرض؛ كحصوله بجنس الحق.
(وفعلُ وكيله) في جميع ما تقدم (كهو) أي: كفعل نفس الحالف. فمن حلف لا يفعل شيئًا فوكل فيه من فعله حنث؛ لأن الفعل يضاف إلى من فُعل عنه، ولهذا قال الله : (محلقين رءوسكم) [الفتح: ٢٧]، وقال : (ولا تحلقوا رءوسكم) [البقرة: ١٩٦] وإنما الحالق غيرهم. وإذا أضيف فعل الوكيل إلى الموكل حنث بوجود المحلوف عليه. وكذا إذا حلف: لا يضرب عبده فضُرِب بأمره فإنه يحنث لما سيق من أن الفعل يضاف إلى الموكّّل، وكذا من أمر به فيقال: قتل السلطان فلانًا وإنما قتله القائم في خدمة السلطان لمثل ذلك.
(وكذا لو حلف) إنسان: (لا يبيع زيدًا) شيئًا (فباع) ذلك (ممن يعلم أنه يشتريه له) أي: لزيد يعني: فإنه يحنث؛ لأن المشتري لزيد وكيل زيد، وإذا باعه لوكيل زيد فكأنه باعه لزيد؛ لأن الفعل يضاف إلى من اشتري له.
(و) لهذا (لو توكَّل حالف: لا يبيع، ونحوه)؛ كحالف لا يستأجر (في بيع) أو في إجارة وباع أو استأجر بطريق التوكيل عن غيره (لم يحنث)؛ لأن فعله مضاف إلى موكله دونه. ولا فرق في ذلك: بين ما إذا (أضافه لموكّله) بأن قال للمشتري: بعتك هذا عن موكلي فلان، أو قال للمؤجر: استأجرت منك هذا لموكلي فلان (أو لا) يعني: أو لم يقل ذلك؛ لأن العقد في نفس الأمر مضاف لموكله دونه.
(و) من حلف لمن له عليه حق بأن قال: والله (لا فارقتك حتى أُوَفّيك
стр. 5040
حقَّك، فأُبْرئ منه) لم يحنث إذا فارقه في الأصح؛ لأنه لم يبق له حق يوفيه له، (أو أكره على فراقه) ففارفه: (لم يحنث) أيضًا؛ لأن المكرَه على فعل
لا ينسب إليه لإكراهه عليه.
(وإن كان الحق عينًا)؛ كوديعة وغصب، (فوُهبت له) أي: وهبها له الغريم، (وقَبِل) منه الهبة ثم فارقه: (حنث)؛ لأنه ترك إيفاءها له باختياره.
(لا إن أقبضها) الحالف لغريمه (قَبلُ) أي: قبل أن يهبها له ثم وهبها إياه ثم فارقه فإنه لا يحنث؛ لأنه لم يبق له حق يوفيه إياه.
(وإن كان حلف: لا أُفارقُك ولك في قِبَلي حق فأُبرئ) منه، (أو وُهب
له: لم يحنث مطلقًا) أي: سواء كان الحق دينًا أو عينًا، وسواء أقبضه العين. قبل أن يهبها له أو لا.
(وقَدْرُ الفِراق) الذي يحنث به من حلف: أن لا يفارق: (ما عُدَّ عُرفًا)
أي: ما عُد في العرف (فراقًا كبيع) يعني: وذلك كفرقة المتبايعين التي يسقط بها خيار المجلس؛ لأن الشرع رتّب على الفرقة أحكامًا ولم يبين مقدارها. فوجب الرجوع فيها إلى العادة؛ كالقبض والحرز.
(و) من حلف: (لا يكْفُلُ مالاً فكَفَل بَدَنًا وشرط البراءة) من المال إن
عجز عبن إحضاره: (لم يحنث)؛ لأنه لم يكفل مالاً.
وعُلم من هذا صحة الكفالة بشرط البراءة من المال.
والله أعلم.
стр. 5041
[باب: النذر]
هذا (باب النذر). وهو لغة: الإيجاب. يقال: نذر فلان دم فلان أي: أوجب قتله. ومنه قول جميل:
فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي وهموا بقتلي يا بثين لقوني
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله : (يوفون بالنذر) [الإنسان: ٧]، وقوله : (وليوفوا نذورهم) [الحح: ٢٩].
واما السنة؛ فما روت عائشة رضى الله تعالى عنها عن النبي ﷺ أنه قال:
" من نذرأن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه " (١) . رواه الجماعة إلامسلمًا.
وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ولزوم الوفاء به.
(وهو) أي: والنذر في الشرع: (إلزام مكلَّف مختار ولو) كان المكلف المختار (كافرًا بعبادة) على الأصح. نص عليه؛ لأن نذره للعبادة ليس بعبادة،
стр. 5042
ويدل لصحه نذره بالعبادة حديث عمر: " إنى كنت نذرت فى الجاهلية أن أعتكف ليلة، فقال له النبي ﷺ : أوف بنذرك " (١) .
(نفسه) مفعول إلزام، (لله) متعلق بإلزم (تعالى)؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى " (٢) . رواه أحمد وأبو داود.
(بكل قول يدلُّ عليه) أي: على الإلزام؛ لما تقدم من أن النذر لغة: الإيجاب، فلا بد من لفظه أوما يدل عليه.
ولأنه التزام. فلم ينعقد بغير المول؛ كالنكاح والطلاق.
(شيئًا غيرلازم بأصل الشرع)؛ كنذر صوم الدهر، (ولا مُحالٍ) معطوف
على لازم. فلوقال: لله عليّ أن أجمع بين النقيضين لم ينعقد.
وحيث تقرر أنه لا بد فيه من القول (فلا تكفي نيته) أي: نية إلزام نفسه كاليمين.
(وهو) أي: والنذر (مكروه) وفاقًا لأبي حنيفة.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب؛ لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " النذر لا يأتى بخير " (٣) . انتهى.
(لايأتي بخير) وإنما يستخرج من البخيل.
(و) قال ابن حامد: (لا يَرُدّ قضاء) ولا يملك به شيئًا محدثًا،
قال في " "الفروع ": وتوقف شيخنا في تحريمه. ونقل عبد الله: نهى عنه رسول الله ﷺ .
стр. 5043
وقال ابن حامد: المذهب: مباح، وحرّمه طائفة من أهل الحديث.
وظاهر ما سبق يصلي النفل كما هو، لا بنذره ثم يصليه، خلافًا للأرجح للحنفية. انتهى.
(وينعقد في واجب؛ كلله عليَّ صوم رمضان، ونحوه)؛ كلله عليَّ فطر
يوم العيد. (فيكفّر إن لم يَصُمه) أي: إن لم يصم رمضان المنذور صومه؛ (كحلفه عليه) يعني: كقوله: والله لأصومن رمضان فتلزمه كفارة إن لم يصمه. (وعند الأكثر، لا؛ ك) قوله: (لله عليّ صوم أمس، ونحوه من المحال) ولا يوجب شيئًا؛ لأنه لا يتصور انعقاده ولا الوفاء به.
ولأنه لو حلف على فعله لم تلزمه كفارة فالنذر أولى.
ولأن موجَب النذر موجَب اليمين إلا في لزوم الوفاء به إذا كان قربة وأمكنه فعله؛ لما روى عقبة أن النبي ﷺ قال: " كفارة النذر كفارة اليمين " (١) . أخرجه مسلم.
ولأنه قد ثبت أن حكم النذر حكم اليمين في أحد أقسامه وهو نذر اللجاج فكذلك في سائره سوى ما استثناه الشرع.
(وأنواع) نذرٍ (منعقدٍ ستةٌ:
أحدها): النذر (المطلق؛ ك قول من يصح منه عقد اليمين: (لله عليّ نذر، أو) يقول: (إن فعلت كذا) فلله علي نذر، (ولا نية) له بشيء علمه، (وفعله) أي: فعل ما علق نذره عليه: (ف) عليه (كفارة يمين). وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : " كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين " (٢) . رواه ابن ماجه والترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
стр. 5044
وهذا نص في المسألة فلا يعدل عنه.
النوع (الثاني) من أنواع النذر الستة: (نذر لَجَاج وغضب. وهو: تعليقه) أي: تعليق النذر (بشرطٍ يَقصدُ المنع من شيء، أو الحملَ عليه) أي: على شيء. وصورة المنع: (ك) قوله: (إن كلمتُك) فعليَّ الحج أو العتق أو صوم سنة، أو مالي صدقة.
وصورة الحمل ما أشير إليه بقوله: (أو إن لم أُخبرْك) بكذا (فعليَّ الحج أو
العتق أو صوم سنة، أو مالي صدقة. فيخيَّر) على الأصح من صدر منه ذلك (بين فعلٍ وكفارة يمين) أي: بين أن لا يكلمه في صورة المنع، أو يكلمه ويكفر كفارة يمين، وبين أن يخيره في صورة الحمل أو لا يخيره ويكفر كفارة يمين؛ وذلك لما روى عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين " (١) . رواه سعيد في " سننه ".
ولأنها يمين. فيتخير فيها بين الأمرين؛ كاليمين بالله .
ولأن هذا جمع للصفتين فيخرج عن العهدة بكل واحدة منهما.
وعنه: تتعين الكفارة فلا يجزئه غيرها.
(ولا يضرُّ قولُه: على مذهب من يُلزم بذلك، أو) قوله: (لا أُقلّد من يرى الكفارة، ونحوه). ذكره الشيخ تقي الدين؛ لأن الشرع لا يتغير بتوكيد.
(ومن عَّلق صدقةَ شيء. يبيعه، وآخرُ بشرائه فاشتراه: كفَّر كلُّ واحدٍ كفارةَ يمين) نصًا. ذكر ذلك السامري وابن حمدان.
النوع (الثالث) من أنواع النذر الستة: (نذر) فعل (مباح؛ ك) قوله:
(لله عليّ أن ألبس ثوبي، أو) لله عليّ أن (أركب دابتي. فيُخيَّر أيضًا) على الأصح: بين أن يلبس ثوبه، أو يركب دابته ولا يكفر، وبين أن لا يفعل شيئًا من ذلك ويكفر كفارة يمين؛ لما روي أن امرأه أتت النبي ﷺ فقالت: " إنى نذرت
стр. 5045
أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها رسول الله ﷺ : أوف بنذرك " (١) . رواه أبو داود.
ولأنه لو حلف على فعلٍ مباح برَ بفعله فكذلك إذا نذره؛ لأن النذر كاليمين.
وإن شاء تركه وعليه كفارة يمين؛ كما لو حلف ليفعلنه ولم يفعله.
النوع (الرابع) من أنواع النذر الستة: (نذر) شيء (مكروه؛ كطلاق، ونحوه)؛ كمنع زوجته من خروجها إلى المسجد إذا استأذنته إليه. (فيُسن أن يُكفّر ولا يفعله) أي: يفعل المكروه؛ لأن ترك المكروه أولى من فعله، وإن فعله فلا كفارة.
النوع (الخامس) من أنواع النذر الستة: (نذر) فعل (معصية) وينعقد على الأصح. نص عليه وهو من مفردات المذهب. ومثّل المعصية بقوله: (كشرب خمر، وصوم يوم عيد، أو) صوم يوم (حيض، أو) صوم (أيام التشريق فيحرُم الوفاء به) أي: بهذا النذر؛ لأن النبي ﷺ قال: " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه " (٢) .
ولأن معصية الله لا تباح بحال من الأحوال.
(ويُكفّر من لم يفعله) على الأصح كفارة يمين. روي نحو هذا عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهم. وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
(ويقضي) من نذر صومًا محرّمًا (غير) صوم (يوم حيض). فمن نذر صوم يوم عيد قضى يومًا، ومن نذر صوم أيام التشريق قضى ثلاثه أيام ولا يصوم يوم العيد ولا أيام التشريق؛ لانعقاد نذره. فعتصح منه القربة ويلغو تعيينه؛ لكونه