← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 776

شرح منتهى الإرادات لابن النجار = معونة أولي النهى

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

[باب: النذر] هذا (باب النذر). وهو لغة: الإيجاب. يقال: نذر فلان دم فلان أي: أوجب قتله. ومنه قول جميل: فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي وهموا بقتلي يا بثين لقوني والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب؛ فقوله : (يوفون بالنذر) [الإنسان: ٧]، وقوله : (وليوفوا نذورهم) [الحح: ٢٩]. واما السنة؛ فما روت عائشة رضى الله تعالى عنها عن النبي ﷺ أنه قال: " من نذرأن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه " (١) . رواه الجماعة إلامسلمًا. وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ولزوم الوفاء به. (وهو) أي: والنذر في الشرع: (إلزام مكلَّف مختار ولو) كان المكلف المختار (كافرًا بعبادة) على الأصح. نص عليه؛ لأن نذره للعبادة ليس بعبادة،

стр. 5042

ويدل لصحه نذره بالعبادة حديث عمر: " إنى كنت نذرت فى الجاهلية أن أعتكف ليلة، فقال له النبي ﷺ : أوف بنذرك " (١) . (نفسه) مفعول إلزام، (لله) متعلق بإلزم (تعالى)؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله تعالى " (٢) . رواه أحمد وأبو داود. (بكل قول يدلُّ عليه) أي: على الإلزام؛ لما تقدم من أن النذر لغة: الإيجاب، فلا بد من لفظه أوما يدل عليه. ولأنه التزام. فلم ينعقد بغير المول؛ كالنكاح والطلاق. (شيئًا غيرلازم بأصل الشرع)؛ كنذر صوم الدهر، (ولا مُحالٍ) معطوف على لازم. فلوقال: لله عليّ أن أجمع بين النقيضين لم ينعقد. وحيث تقرر أنه لا بد فيه من القول (فلا تكفي نيته) أي: نية إلزام نفسه كاليمين. (وهو) أي: والنذر (مكروه) وفاقًا لأبي حنيفة. قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب؛ لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " النذر لا يأتى بخير " (٣) . انتهى. (لايأتي بخير) وإنما يستخرج من البخيل. (و) قال ابن حامد: (لا يَرُدّ قضاء) ولا يملك به شيئًا محدثًا، قال في " "الفروع ": وتوقف شيخنا في تحريمه. ونقل عبد الله: نهى عنه رسول الله ﷺ .

стр. 5043

وقال ابن حامد: المذهب: مباح، وحرّمه طائفة من أهل الحديث. وظاهر ما سبق يصلي النفل كما هو، لا بنذره ثم يصليه، خلافًا للأرجح للحنفية. انتهى. (وينعقد في واجب؛ كلله عليَّ صوم رمضان، ونحوه)؛ كلله عليَّ فطر يوم العيد. (فيكفّر إن لم يَصُمه) أي: إن لم يصم رمضان المنذور صومه؛ (كحلفه عليه) يعني: كقوله: والله لأصومن رمضان فتلزمه كفارة إن لم يصمه. (وعند الأكثر، لا؛ ك) قوله: (لله عليّ صوم أمس، ونحوه من المحال) ولا يوجب شيئًا؛ لأنه لا يتصور انعقاده ولا الوفاء به. ولأنه لو حلف على فعله لم تلزمه كفارة فالنذر أولى. ولأن موجَب النذر موجَب اليمين إلا في لزوم الوفاء به إذا كان قربة وأمكنه فعله؛ لما روى عقبة أن النبي ﷺ قال: " كفارة النذر كفارة اليمين " (١) . أخرجه مسلم. ولأنه قد ثبت أن حكم النذر حكم اليمين في أحد أقسامه وهو نذر اللجاج فكذلك في سائره سوى ما استثناه الشرع. (وأنواع) نذرٍ (منعقدٍ ستةٌ: أحدها): النذر (المطلق؛ ك قول من يصح منه عقد اليمين: (لله عليّ نذر، أو) يقول: (إن فعلت كذا) فلله علي نذر، (ولا نية) له بشيء علمه، (وفعله) أي: فعل ما علق نذره عليه: (ف) عليه (كفارة يمين). وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : " كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين " (٢) . رواه ابن ماجه والترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.

стр. 5044

وهذا نص في المسألة فلا يعدل عنه. النوع (الثاني) من أنواع النذر الستة: (نذر لَجَاج وغضب. وهو: تعليقه) أي: تعليق النذر (بشرطٍ يَقصدُ المنع من شيء، أو الحملَ عليه) أي: على شيء. وصورة المنع: (ك) قوله: (إن كلمتُك) فعليَّ الحج أو العتق أو صوم سنة، أو مالي صدقة. وصورة الحمل ما أشير إليه بقوله: (أو إن لم أُخبرْك) بكذا (فعليَّ الحج أو العتق أو صوم سنة، أو مالي صدقة. فيخيَّر) على الأصح من صدر منه ذلك (بين فعلٍ وكفارة يمين) أي: بين أن لا يكلمه في صورة المنع، أو يكلمه ويكفر كفارة يمين، وبين أن يخيره في صورة الحمل أو لا يخيره ويكفر كفارة يمين؛ وذلك لما روى عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين " (١) . رواه سعيد في " سننه ". ولأنها يمين. فيتخير فيها بين الأمرين؛ كاليمين بالله . ولأن هذا جمع للصفتين فيخرج عن العهدة بكل واحدة منهما. وعنه: تتعين الكفارة فلا يجزئه غيرها. (ولا يضرُّ قولُه: على مذهب من يُلزم بذلك، أو) قوله: (لا أُقلّد من يرى الكفارة، ونحوه). ذكره الشيخ تقي الدين؛ لأن الشرع لا يتغير بتوكيد. (ومن عَّلق صدقةَ شيء. يبيعه، وآخرُ بشرائه فاشتراه: كفَّر كلُّ واحدٍ كفارةَ يمين) نصًا. ذكر ذلك السامري وابن حمدان. النوع (الثالث) من أنواع النذر الستة: (نذر) فعل (مباح؛ ك) قوله: (لله عليّ أن ألبس ثوبي، أو) لله عليّ أن (أركب دابتي. فيُخيَّر أيضًا) على الأصح: بين أن يلبس ثوبه، أو يركب دابته ولا يكفر، وبين أن لا يفعل شيئًا من ذلك ويكفر كفارة يمين؛ لما روي أن امرأه أتت النبي ﷺ فقالت: " إنى نذرت

стр. 5045

أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها رسول الله ﷺ : أوف بنذرك " (١) . رواه أبو داود. ولأنه لو حلف على فعلٍ مباح برَ بفعله فكذلك إذا نذره؛ لأن النذر كاليمين. وإن شاء تركه وعليه كفارة يمين؛ كما لو حلف ليفعلنه ولم يفعله. النوع (الرابع) من أنواع النذر الستة: (نذر) شيء (مكروه؛ كطلاق، ونحوه)؛ كمنع زوجته من خروجها إلى المسجد إذا استأذنته إليه. (فيُسن أن يُكفّر ولا يفعله) أي: يفعل المكروه؛ لأن ترك المكروه أولى من فعله، وإن فعله فلا كفارة. النوع (الخامس) من أنواع النذر الستة: (نذر) فعل (معصية) وينعقد على الأصح. نص عليه وهو من مفردات المذهب. ومثّل المعصية بقوله: (كشرب خمر، وصوم يوم عيد، أو) صوم يوم (حيض، أو) صوم (أيام التشريق فيحرُم الوفاء به) أي: بهذا النذر؛ لأن النبي ﷺ قال: " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه " (٢) . ولأن معصية الله لا تباح بحال من الأحوال. (ويُكفّر من لم يفعله) على الأصح كفارة يمين. روي نحو هذا عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهم. وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه. (ويقضي) من نذر صومًا محرّمًا (غير) صوم (يوم حيض). فمن نذر صوم يوم عيد قضى يومًا، ومن نذر صوم أيام التشريق قضى ثلاثه أيام ولا يصوم يوم العيد ولا أيام التشريق؛ لانعقاد نذره. فعتصح منه القربة ويلغو تعيينه؛ لكونه

стр. 5046

معصية؛ كنذر مريض صوم يوم يخاف عليه فيه ينعقد نذره ويحرم صومه، وكذا الصلاة في ثوب حرير، والطلاق زمن الحيض صادف التحريم ينعقد على قول الأصحاب، ونذر صوم ليلة لا ينعقد ولا كفارة؛ لأنها ليس بزمن صوم. (ومن نذر ذبْح معصوم- حى نفسِه-: فكفارة) يعني: فعليه كفارة لاغير. قال في " الإنصاف ": وهذا المذهب. انتهى. ووجه ذلك: كونه نذر معصية. وقد قال رسول الله ﷺ : " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين " (١) . رواه سعيد في " سننه ". ولأن النذر حكمه حكم اليمين بدليل قوله ﷺ : " النذر حلفة وكفارته كفارة يمين " (٢) . وعنه: يلزمه ذبح كبش ويطعمه للمساكين. وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن ابن عباس. (وتتعدَّد) الكفارة على من نذر ذبح ولده (بتعدُّد ولد، ما لم ينو) ذبح واحد من أولاده (معيَّنًا). قال في " الرعاية ": إذا كان بَنوه ثلاثة ولم يعين أحدهم لزمه ثلاثة كباش أو ثلاث كفارات يعني: على الخلاف فيما أوجبه النذر. قال في " الشرح ": لأن لفظ الواحد إذا أضيف اقتضى العموم. النوع (السادس) من أنواع النذر الستة: (نذر تَبَرُّرٍّ؛ كصلاة وصيام واعتكاف وصدقة وحج وعمرة) وعيادة مريض وشهود جنازة، (بقصد التقرُّب مطلقًا) أي: من غير أن يعلق بشرط، (أوعلَّق بشرط) وجود (نعمةٍ)

стр. 5047

يرجوها، (أو دفع نقمةٍ) يخافها؛ (ك) قوله: (إن شفى الله مريضي، أو سَلِمَ مالي) لأتصدقن بكذا، (أو حلف بقصد التقرُّب؛ ك) قوله: (والله لئن سَلِمَ مالي لأتصدقنَّ بكذا فوُجد شرطه: لزمه) الوفاء بما نذره. نص عليه. وعلم مما تقدم أن نذر التبرر يتنوع ثلاثة أنواع: أحدها: إذا كان في مقابلة نعمة استجلبها أو نقمة استدفعها؛ كقوله: إن شفاني الله فلله عليّ صوم شمهر. قال في " المبدع ": وكذا إن لم يكن كذلك؛ كطلوع الشمس وقدوم الحاج. قاله في " المستوعب ". أو فعلت كذا لدلالة الحال. ذكره ابن عقيل. ونص أحمد في: إن قدم فلان تصدقت بكذا. وكذا قال الشيخ تقي الدين فيمن قال: إن قدم فلان أصوم كذا، هذا نذر يجب الوفاء به مع القدرة ولا أعلم فيه نزاعًا. انتهى كلامه في " المبدع ". وتكون الطاعة الملتزمة بما له أصل في الشرع؛ كالصوم والصلاة والصدقة والحج فهذا إذا كان في مقابلة نعمة استجلبها أو نقمة استدفعها يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم. النوع الثانى: التزام طاعة من غير شرط؛ كقوله ابتداء: لله عليّ صوم شهر. فيلزم الوفاء به في قول أكثر أهل العلم. وهو قول أهل العراق، وظاهر مذهب الشافعي. وقال بعض أصحابه: لا يلزم الوفاء به؛ لأن أبا عمرو غلام ثعلب قال: النذر عند العرب وعْدٌ بشرط. ولأن ما التزمه الآدمي بعوض يلزمه؛ كالبيع والإجارة، وما التزمه بغير عوض لا يلزمه بمجرد العقد؛ كالهبة. النوع الثالث: نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب؛ كالاعتكاف وعيادة المريض فيلزم الوفاء به عند عامة أهل العلم. وحكي عن أبي حنيفة: أنه لايلزمه الوفاء به؛ لأن النذر فرع على

стр. 5048

المشروع. فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع. ولنا: قول النبي ﷺ : " من نذر أن يطيع الله فليطعه " (١) . رواه البخاري. و" ذمَّ ﷺ الذين ينذرون ولا يوفون " (٢) . وقال الله : (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ ٠٠٠) الآيات- إلى قوله : (بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [التوبة: ٧٥ - ٧٧]. ولأنه التزام على وجه القربة. فلزمه؛ كموضع الإجماع، وكالعمرة فإنهم سلموها وهي غير واجبة عندهم، وما حكوه عن أبي عمرو لا يصح، فإن العرب تسمى الملتزم نذرًا وإن لم يكن بشرط، والجعالة وعد بشرط وليست بنذر. ومن نذر فعل طاعة وما ليس بطاعة لزمه فعل الطاعة دون ما عداها؛ لما روى ابن عباس قال: " بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه. فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي ﷺ : مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه " (٣) . رواه البخاري. فأمره بإتمام الصوم وترك ما سواه؛ لكونه ليس بطاعة. ويكفّر لما تركه كفارة واحدة ولو كان المتروك خصالاً كثيرة؛ لأنه نذر واحد. فتكون كفارته واحدة. (ويجوز إخراجُه) أي: إخراج ما نذره من الصدقة وفعل ما نذره من الطاعة (قبله) أي: قبل وجود شرطه المعلق عليه؛ لوجود سببه وهو النذر؛ كإخراج كفارة اليمين قبل الحنث.

стр. 5049

(ولو نذر الصدقة من تُسنُّ له) الصدقة (بكل ماله أو بألف ونحوه) من العدد، (وهو) أي: والألف أو نحوه من العدد الذي ذكره (كلّ ماله بقصد القُربة: أجزأَ ثلثه) أي: أن يتصدق بثلثه على الأصح ولا كفارة عليه. نص على ذلك؛ لما روى الحسين بن السائب " أن أبا لبابه بن عبد المنذر لما تاب الله تعالى عليه قال: يا رسول الله لِلَّهِ إن من توبتي أن أهجر دارقومي وأساكنك، وأن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله. فقال رسول الله ﷺ : يجزئ عنك الثلث " (١) . رواه أحمد. فقوله ﷺ لأبي لبابة: " يجزئك الثلث " دليل على أن أبا لبابة أتى بلفظ يقتضي إيجاب الصدقة على نفسه؛ لأن الإجزاء إنما يستعمل غالبًا في الواجبات، ولو كان مخيرًا بإرادة الصدقة كما يقوله المخالف لما لزمه شيء يجزئ عنه بعضه. (و) إن نذر الصدقة (ببعضٍ) من ماله (مسمٍّى) بأن لم يكن ما سماه من العدد كل ماله: (لزمه) ما سماه من العدد؛ لأنه التزم مالاً يمنع منه شيء. فلزمه الوفاء به؛ كسائر النذور. (وإن نوى) بنذره شيئًا (ثمينًا) من ماله، (أو) نوى (مالاً دون مال: اخذ بنبته) على الأصح؛ كما لو حلف عليه. (وإن نذرها) أي: نذر الصدقة (بمالي- ونيته الف (٢) -: يُخرج ما شاء) من ماله. (ويصرفه (٣) للمساكين كصدقة مطلقة)؛ وذلك لأن اسم المال يقع على القليل، وما نواه زيادة على ما تناوله الاسم، والنذر لا يلزم بالنية. (ولا يُجزئه إسقاط دَينٍ) يعني: إذا نذر الصدقة بقدر من المال فأبرأ غريمه

стр. 5050

من قدره يقصد به وفاء النذر لم يجزئه وإن كان الغريم من أهل الصدقة. قال أحمد: لا يجزئه حتى يقبضه؛ وذلك لأن الصدقة تمليك وهذا إسقاط. فلم يجزئه؛ كما في الزكاه. (ومن حلف أو نذر: لا ردَدتُ سائلاً)، قال في " الفروع ": (ف) قياس قولنا أنه (كمن حلف أو نذر الصدقة بماله) يعني: فتجزئه الصدقة بثلثه، (فإن لم يتحصَّل له) أي: للحالف والناذر من كسبه أو نحوه (إلا. ما يحتاجه) في أكل وشرب وكسوة ونحو ذلك (فكفارة يمين) يعني: كان عليه كفارة يمين لترك نذره، (وإلا) بأن كان يحصل له قدر زائد على ما يحتاجه (تصدَّق بثلث الزائد) على ما يحتاجه فيما ذكرنا. (وحبَّة بُرٍّ ونحوُها)؛ كحبة فول أو شعير (ليست سؤالَ السائل)؛ لأن المقاصد معتبرة. ويحتمل خروجه من نذره بحبة بُرٍّ؛ لتعليق حكم الربا عليها. ذكره في " الفنون ". (و) من قال: (إن ملكت مالَ فلان فعليَّ الصدقة به فملَكَه: فكمالِه) يعني: فيكون ذلك كمال القائل فيلزمه الصدقة بثلثه. (ومن حلف فقال: عليَّ عتقُ رقبة فحنث: فكفارة يمين). ومن نذر الصدقة بماله أو ببعضه وعليه دين أكثر مما يملكه أجزأه إخراج ثلثه؛ لانه ﷺ أمر أبا لبابة بالثلث (١) . فإن نفذ هذا المال وأنشأ غيره وقضى دينه فإنما يجب إخراج ثلث ماله يوم حنثه. قال في " الهدي ": يريد بيوم حنثه يوم نذره، وهذا صحيح. فال: فينظر قدر الثلث ذلك اليوم فيخرجه بعد قضاء دينه. قال في " الفروع ": كذا قال، وإنما نصه أنه يخرج قدر الثلث يوم نذره، ولا يسقط عنه قدر دينه، وهذا على أصل أحمد صحيح في صحة تصرف المدين.

стр. 5051

[فصل: فيمن نذرصوم سنة معينة] (فصل. ومن نذر صوم سنة معيَّنة: لم يدخل في نذره رمضان، ويوما العيدين، وأيام التشريق) على الأصح؛ لأن رمضان لا يُقبل صوم غيره، وأيام النهي لا يقبل صوم النذر فيها. أشبه ما لو نذر صوم الليل. فلا كفارة بفطر يومي العيدين وأيام التشريق ولا قضاء؛ لأنها لم تدخل في نذره. (وإن نذر صوم شهر معيَّن فلم يَصُمْه لعذر أو غيره) أي: غير عذر: (فالقضاء) أي: فعليه القضاء؛ لأنه ترك الصوم الواجب عليه. فكان عليه. قضاؤه؛ كما لو ترك صيام رمضان، (متتابعًا) على الأصح؛ لأنه بتعبيره بالشهر أوجبه عليه متتابعًا. فيجب قضاؤه متتابعًا؛ لأنه لما لم يأت به في الشهر المعين لزمه في وقت آخر كما نذره. (و) عليه (كفارة يمين) على الأصح؛ لتأخر صوم النذر عن وقته. (وإن صام قبلَه) أي: قبل مجيء الشهر المعين: (لم يجزئه)؛ كما لو صام شعبان عن رمضان الذي يعده. (وإن أفطر منه) يومًا أو أكثر (لغير عذر استأنف شهرًا) على الأصح؛ لأنه يجب عليه الإتيان بصوم شهر متتابع. فلو جاز له البناء على ما مضى لبطل التتابع؛ لتخلل الفطر فيه. ويكون استئنافه (من يوم فطره)؛ لأن باقي الشهر منذور فلا يجوز ترك الصوم فيه، (وكفَّر) يعني: وتلزمه كفارة أيضًا؛ لإخلاله بصوم الأيام التي أفطرها. (و) إن أفطر منه يومًا فأكثر (لعذر: بنى) على ما مضى من صيامه، (وقضى ما أفطره) قضاء (متتابعًا متصلاً بتمامه، وكفَّر) أيضًا؛ لأنه فات ما نذره. فلزمته كفارة؛ لقول النبي ﷺ لأخت عقبة بن عامر: " ولتكفّر عن يمينها " (١) .

стр. 5052

(وإن جُنَّهُ) أي: جن الناذر الشهر الذي نذر صومه (كَلَّه: لم يقضه) ولا كفارة عليه؛ لأنه ليس من أهل التكليف في وقت الوجوب. فلم يلزمه قضاء ولا كفارة؛ كما لو كان شهر رمضان. (وإن نذر صوم شهر، وأطلق) يعني: ولم يقل شهر كذا: (لزمه التَّتابع) في الأصح؛ لأن إطلاق الشهر يقتضي التتابع، سواء صام شهرًا بالهلال أو ثلاثين يومًا بالعدد. (فإن قطعه بلا عذر: استأنفه)؛ لأنه لو جاز له البناء لبطل التتابع؛ لتخلل الفطر فيه. (و) إن قطعه (لعذر: يُخيَّر بينه) أي: بين الاستئناف (بلا كفارة)؛ لأنه فعل المنذور (وبين البناء) على ما مضى (ويُتم ثلاثين ويكفّر) كفارة يمين؛ لأنه لم يأت بالمنذور على وجهه. أشبه ما لو حلف عليه. (وكذا سنة) لو نذر صوم سنة (في) وجوب (تتابع) في الأصح. (ويصوم) من نذر صوم سنة (اثني عشر شهرًا، سوى) أي: غير (رمضان وأيام النهي) وهو يوما العيدين وأيام التشريق؛ لأن نذره انصرف إلى صوم سنة كاملة بالنذر وهي اثني عشر شهرًا فلزمه ذلك. (ولو شرط التتابع) في الأصح (فيقضي)؛ لأن نذره انصرف إلى صوم سنه كاملة بالنذر وهي اثني عشر شهرًا كاملة فلزمه قضاء رمضان وأيام النهي كذلك. (و) من نذر صوم (سنة من الآن، أو) نذر صوم سنة (من وقت كذا: فكمعيَّنة) يعني: فكمن نذر صوم سنه معينة على الأصح؛ لأن تعيين أولها تعيين لها، إذ السنة عبارة عن اثني عشر شهرًا، فإذا عين أولها تعين أن يكون آخرها انقضاء الثانى عشر. وتقدم: أنه لا يدخل في نذره رمضان ولا أيام النهي. (وإن نذر) مكلف (١) (صوم الدهر: لزمه) كبقية النذور، (فإن أفطر: كفَّر فقط) أي: من غير قضاء (بغير صوم)؛ لأن الزمن مستغرق بالصوم

стр. 5053

المنذور ويكفر لترك المنذور، (ولا يدخل) في نذره (رمضان، و) لا (يوم نهيٍ)؛ لما تقدم من أن رمضان لا يقبل صوم غيره ويوم النهي لا يقبل صوم النذر فيه، (ويقضي فطَره به) أي: برمضان لعذر أو غيره؛ لأنه واجب بأصل الشرع فيقدم على ما أوجبه على نفسه؛ كتقديم حَجة الإسلام على الحجة المنذورة، ويكفر بفطره رمضان لغير عذر؛ لأنه سببه. (ويُصام لظهار، ونحوه)؛ ككفارة الوطء في نهار رمضان (منه) أي: من صوم الدهر المنذور، (ويكفّر مع صوم ظِهار ونحوه)؛ لأنه سببه. وإن لزمت من نذر صوم الدهر كفارة لتركه صوم يوم أو أكثر وكانت كفارته الصيام احتمل أن لا يجب؛ لأنه لا يمكن التكفير إلا بترك الصوم المنذور وتركه يوجب كفارة، فيفضي ذلك إلى التسلسل وترك المنذور بالكلية، ويحتمل أن تجب الكفارة ولا يجب بفعلها كفارة؛ لأن ترك المنذور لعذر لا يوجب كفارة فلا يفضي إلى التسلسل. قاله في " شرح المقنع ". (وإن نذر صوم يوم الخميس، ونحوه)؛ كبقية أيام الأسبوع، (فوافق) ما نذر صومه (عيدًا، أو) وافق (حيضًا) فيما إذا كان الناذر امرأة، (أو) وافق (أيام تشريق أفطر)؛ لأن الشرع حرم الصوم في يوم من هذه الأيام، (وقضى وكفَّر)؛ لأنه نذر نذرًا منعقدًا وقد فاته الصيام فيه. فلزمه القضاء والكفارة على الأصح؛ كما لو فاته لمرض. (وإن نذر صوم يوم يَقدُم فلان، فقدم) فلان (ليلاً: فلا شيء عليه) أي: على الناذر؛ لأنه لم يقدم في يوم من الأيام. (و) إن قدم (نهارًا وهو) أي: والناذر (صائم، وقد بَيَّتَ النية بخبر سمعه: صح) صومه، (وأجزأَه) ذلك وفاء بنذ ره. (وإلا) أي: وإن لم يكن بَيَّت النية لخبر سمعه، (أو كان مفطرًا، أو وافق قدومه يومًا من رمضان، أو) وافق قدومه (يوم عيد، أو) وافق (حيض) فيما إذا كان الناذر امرأة: (قضى وكفَّر) على الأصح؛ لأنه نذر صومًا نذرًا صحيحًا ولم يف به. فلزمه القضاء والكفارة؛ كسائر المنذورات.

стр. 5054

(وإن وافق قدومه) أي: قدوم فلان (وهو) أي: والناذر (صائم عن نذرٍ معيَّن: أتمَّه، ولا يُستحبُّ قضاؤه، ويقضي نذر القدوم؛ كصائم في قضاء رمضان، أو كفارة أو نذر مطلق). قال في " الفروع ": وإن قدم وهو صائم عن نذر معين فعنه يكفيه لهما وفاقًا لأبي حنيفة. والأصح: يتمه. ولا يستحب قضاؤه، بل يقضى نذر القدوم؛ كصومه في قضاء رمضان وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، أو كفارة وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، أو نذر مطلق وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي. (وإن وافق يوم نذره) وهو الذي قدم فيه فلان (وهو) أي. والناذر (مجنون، فلا قضاء) عليه (ولا كفارة)؛ لأنه خرج عن أهلية الكليف قبل وقت النذر. أشبه ما لو فاته. قال في " الفروع " لمن نذر صو شهر بعينه وجنَّ كل الشهر: لم يقض على الأصح. انتهى. (ونذْرُ اعتكافه) فيما تقدم (ك) نذر (صومه) فيه. (وإن نذر صوم أيام معدودة- ولو) كانت الأيام المنذورة (ثلاثين-: لم يلزمه تتابع) فيها. نص عليه؛ لأن الأيام لا دلاله لها عل التتابع بدليل قوله : (فعدة من أيام أخر) [البقرة: ١٨٤]. (إلا بشرط) بأن يقول: متتابعات، فيلزمه التتابع؛ لاشتراطه لوفاء نذره، (أو) إلا ب (نية)؛ لأن نية التتابع تقوم مقام التلفظ به. (ومن نذر صومًا متتابعًا غير معيَّن، فأفطر) فيه (لمرض يجب معه الفطر، أو) كان الناذر امرأة فأفطرت فيه (لحيض خُيّر) الناذر (بين استئنافه) أي: استئناف الصوم بأن يبتدئه من أوله (ولا شيء عليه)؛ لأنه أتى بالمنذور على وجهه، (وبين البناء) على ما مضى من صيامه (ويكفّر) كفارة يمين على الأصح. ذكره الخرقي وقدمه في " المحرر " و " الرعاية " و " الفروع "؛ لأن الكفارة تلزم لترك المنذور وإن كان تركه لعجز، بدليل أن النبي ﷺ أمر أخت

стр. 5055

عقبة بن عامر بالكفارة لعجزها عن المشي (١) . (و) إن أفطر (لسفر أو ما) يعني: أو لشيء (يُبيح الفطر مع القدرة على الصوم)؛ كالمرض الذي يجوز معه الفطر: (لم ينقطع التتابُع). قال في "الإنصاف ": وهو الصحيح من المذهب صححه في "التصحيح "، وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب، والوجه الثانى: ينقطع التتابع بذلك. قال ابن منجا: ويجيء على قول الخرقي: يخير بين الاستئناف وبين البناء والقضاء والكفارة كما تقدم. قلت: وهو ظاهر كلام الخرقي والأصحاب؛ لعدم تفريقهم في ذلك. انتهى كلامه في " الإنصاف ". وما قاله في " الإنصاف " آخرًا لا يعدل عنه فإنه لا وجه؛ لكون المرض الذي يجب معه الفطر يقطع التتابع، والفطر في السفر لا يقطعه. والله أعلم. (و) إن أفطر في الصوم المنذور المتتابع غير المعين (لغير عذر: يلزمه أن يستأنفـ) ـه (بلا كفارة)؛ لأنه ترك التتابع المنذور لغير عذر مع إمكان الإتيان به. فلزمه فعله؛ كما لو نذر صومًا معينًا فصام قبله. (ومن نذر صومًا، فعجز عنه لكبر أو مرض لا يُرجَى برؤه) أطعم لكل يوم مسكينًا وكفّر كفارة يمين؛ لأن المنذور يحمل على المشروع، ولو عجز عن الصوم لكبرأو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا وكفر كفارة يمين فكذلك هاهنا (٢) . والمنصوص عن أحمد وجوبهما- يعني: الإطعام مع الكفارة- وهو اختيار الخرقي والقاضي؛ لأن سبب الكفارة عدم الوفاء بالنذر وسبب الإطعام العجز عن واجب الصوم فقد اختلف السببان واجتمعا. فلم يسقط واحد منهما؛ لعدم ما يسقطه.

стр. 5056

(أو نذره) أي: نذر صومًا (حال عجزه) عنه: (أطعم لكل يوم مسكينًا، وكفَّر كفارة يمين). وظاهر هذا انعقاد نذره وإن لم يطق ما نذره وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : " من نذر نذرًا لم يطقه فكفارته كفارة يمين " (١) ، ولولا انعقاد نذره لم تجب فيه كفارة، ومع الانعقاد يجب أن يكون حكمه حكم ما لو عجز عنه بعد عقده؛ لأن العجز إنما هو عن فعل المنذور. فلا فرق بين أن يكون العجز حاصلاً عند عقد النذر ويستمر، وبين أن يطرأ عليه. (وإن نذر صلاة، ونحوها)؛ كجهاد (وعجز) [عن ذلك] (٢) : (فعليه الكفارة فقط)؛ لترك نذره. وإن عجز أو كان عاجزًا لعارض يُرجى زواله من مرض أو نحوه: انتظر زواله، ولا يلزمه كفارة ولا غيرها؛ لأنه لم يفت الوقت فيشبه المريض في شهر رمضان. فإن استمرَّ عجزه إلى أن صار غير مرجو الزوال صار كالعاجز ابتداءً عجزًا غير مرجو الزوال. وتقدم حكمه مفصلاً. (و) إن نذر (حجًا: لزمه) مع قدرته عليه؛ كبقية العبادات. (فإن لم يُطقْه ولا شيئًا منه: حُجَّ عنه. وإلا) بأن أطاق بعض ما نذره من الحج؛ كما لو نذر مائة حجة أو نحو ذلك: (أتى بما يُطيقه، وكفَّر للباقي) الذي لا يطيقه. (ومع عجزه عن زادٍ وراحلة حال نذره، لا يلزمه) شيء؛ كالحج الواجب بأصل الشرع. (ثم إن وجدهما) أي: وجد الزاد والراحله: (لزمه) بالنذر السابق. (وإن نذر) مكلف (صومًا) وأطلق، (أو) نذر (صوم بعض يوم) بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أصوم، أو فلله عليَّ صوم ولم ينو عددًا، أو فلله عليَّ صوم نصف يوم، أو فلله عليَّ صوم نصفي يوم: (لزمه يوم) أي:

стр. 5057

أن يصوم يومًا كاملاً (بنيته من الليل)؛ لأنه ليس في الشرع صوم مفرد أقل من يوم فلزمه؛ لأنه اليقين. (ونذر صوم ليلة لا ينعقد) نذره بذلك، (ولا كفَّارة) عليه؛ لأنه نذر ما لا يمكنه فعله. فلم ينعقد نذره؛ كما لو نذر فعلاً مستحيلاً. (وكذا نذر صوم يوم أتى فيه بمنافٍ)؛ لعجزه عن ذلك شرعًا. (وإن نذر صلاه) وأطلق (فـ) الواجب عليه بذلك (ركعتان قائمًا لقادر؛ لأن الركعة) الواحدة (لا تجزئ في فرض). أما إن (١) حلف ليوترن الليلة أجزأته ركعة يصليها في وقت الوتر. (و) إن نذر (أربعًا) أي: أن يصلي أربع ركعات (بتسليمتين، أو أطلق) بأن لم يقل بتسليمتين: (يُجزئ) أن يصلي الأربع ركعات (بتسليمة) واحدة (كعكسه) يعني: كما لو نذر أن يصلي أربع ركعاب بتسليمة واحدة فصلاها بتسليمتين. (ولمن نذر صلاة جالسًا أن يصليها قائمًا)؛ لأنه أتى بأفضل مما نذره. (وإن نذر المشى إلى بيت الله الحرام، أو) إلى (موضعٍ من مكة)؛ كالصفا والمروة وثنية كداء وجبل أبي قبيس، (أو) إلى (حرَمِها وأطلق) بأن لم يقل: في حج ولم يقل في عمرة، (أو قال: غير حاجٍ ولا مُعتمرٍ لزمه المشي في حج أو) في (عمرة)؛ لأن المشي إليه في الشرع هو المشي في حج أو عمرة. فإن أطلق الناذر ذلك أو أراد غيره لم يتلفت إليه وحمل على المعهود الشرعى. ويكون ذلك (من مكانه) الذي وقع النذر فيه يعني: من دُوَيرة أهله؛ لأن النذر محمول على أصله في الفرض، والحج المفروض بأصل الشرع يجب كذلك، (لا إحرام) يعني: أنه لا يلزمه إحرام (قبل ميقاته)؛ لأن النذر المطلق محمول على المعهود فى الشرع، والإحرام الواجب إنما هو من الميقات. ومحل وجوب المشي من مكانه والإحرام من ميقاته: (ما لم ينو مكانًا

стр. 5058

بعينه) للمشى منه أو لإحرامه. فيلزمه أن يمشي أو يُحرم من ذلك الموضع الذي عينه؛ لأن ذلك طاعة. وقد قال رسول الله ﷺ : " من نذر أن يطيع الله فليطعه " (١) . (أو) ينوي بنذر المشى (إتيانه) أي: إتيان بيت الله الحرام (لا حقيقة المشي). فلا يلزمه المشي، ويكون مخيرًا بين المشى والركوب. وكذلك أذا نذر أن يحج البيت أو يزوره؛ لأن الحج والزياره يحصلان بكلٍّ من المشي والركوب. فلم يتعين واحد منهما. وعلم مما تقدم أنه لو نذر المشي إلى موضع خارج عن الحرم؛ كعرفة ومواقيت الإحرام لم يزمه. وكذا لو نذر إتيان مسجد سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، ويكون ذلك كنذر المباح يخيّر بين فعله والتكفير. (وإن ركب لعجزٍ أو غيره) مَن نذر المشي في حج أو عمرة أو غيرهما مما ينعقد نذره به، (أو نذر الركوب فمشى: فـ) عليه (كفارة يمين) في الأصح؛ لقول النبي ﷺ : " كفارة النذر كفارة اليمين " (٢) . ولأن المشى مما لايوجبه الإحرام. فملا يجب به في حج أو عمرة دم. (وإن نذر المشي إلى مسجد المدينة أو) إلى المسجد (الأقصى لزمه ذلك): أي: المشي إليه، (والصلاة فيه)؛ لقول النبي ﷺ : " لا تشد الرحال إلاإلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (٣) . ويلزمه بهذا النذر: أن يصلي في المسجد الذي يأتيه من ذلك ركعتين؛ لأن القصد بالنذر القربة والطاعة، وإنما يحصل ذلك بالصلاة. فتضمن ذلك نذره؛

стр. 5059

كما يلزم ناذر المشي إلى بيت الله الحرام أحد النسكين؛ لأن الصلاة في ذلك أفضل من غيرها بدليل قول النبي ﷺ : " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام " (١) . متفق عليه. وإذا كانت الصلاة في غير فريضة وقربة لزمت بالنذر؛ كما لو طوّل القراءة في الصلاة. ولهذا إذا نذر الصلاة في المسجد الحرام لم تجزئه الصلاة في غيره؛ لأنه أفضل المساجد وأكثرها ثوابًا للمصلي فيها. وإن نذر الصلاة في الأقصى أجزأته الصلاة في المسجد الحرام؛ لما روى جابر " أن رجلاً قام يوم الفتح. فقال: يا رسول الله! إنى نذرت إن فتح الله عليك أن أصلي في بيت المقدس ركعتين. قال: صل هاهنا. ثم أعاد عليه. قال: صل هاهنا. ثم أعاد عليه. قال: صل هاهنا. ثم أعاد عليه. قال: شأنك " (٢) . رواه الإمام أحمد. ولفظه: " والذي نفسي بيده لو صليتَ هاهنا لأجزأ عنك كل صلاة في بيت المقدس " (٣) . (وإن عيَّن) بنذره أن يأتي (مسجدًا في غير حرَم: لزمه عند وصوله ركعتان) يصليهما فيه؛ لأن القصد بالنذر القربة ولا تحصل إلا بالصلاة. فتضمن ذلك نذره. (وإن نذر) أن يعتق (رقبة: فـ) عليه عتق (ما يُجزئ عن واجب) في ظهار أو نحوه على ما بيناه في باب الظهار، وهي المسلمة السليمة من العيوب المضرة بالعمل ضررًا بينًا؛ لأن النذر المطلق يحمل على المعهود في الشرع والواجب

стр. 5060

بأصل الشرع، (إلا أن يُعيّنها) بنذره بأن يقول: لله علي أن أعتق هذا العبد أو هذه الأمة (فيجزئه ما عيَّنه)؛ لأن المطلق يتقيد بالنية؛ كالقرنية اللفظية. (لكن: لو مات المنذور) المعَّين، (أو أتلفه ناذر قبل عتقه: لزمه كفارة يمين بلا عتق) على الأصح. نص عليه؛ لفوات نذره. وقيل: بل تصرف قيمته في الرقاب. (وعلى متلف) للمنذور عتُقه قبل عتقه (غيره) أي: إذا كان غير ناذره، (قيمته له) أي: للناذر. (و) من قال: (إن ملكت عبدَ زيد فلله عليَّ أن أعتقه يقصد القربة) بذلك (أُلزم بعتقه إذا ملكه)؛ لوجوب الوفاء بنذر التبرر. (ومن نذر طوافًا أو) نذر (سعيًا، فأقلُّه) أي: أقل ما يحصل به وفاء النذر (أسبوع) واحد. (و) من نذر الطواف على أربع أو نذر السعي (على أربع فـ) أقل ما يجزئه (طوافان أوسعيان). والأصل في ذلك ما روى معاوية بن خديج الكندي: " أنه قدم على رسول الله ﷺ ومعه أمه كبشة بنت معد يكرب عمة الأشعب بن قيس. فقالت: يا رسول الله لِلَّهِ آليت أن أطوف بالبيت حبوًا. فقال لها رسول الله ﷺ : طوفي على رجليك سبعْين: سبعًا عن يديك وسبعًا عن رجليك " (١) . أخرجه الدارقطني. وهذا قول ابن عباس في الطواف. رواه سعيد. ونص عليه أحمد. قال الشيخ تقي الدين: لأنه بدل واجب. ولأن في الطواف على أربع مثله. وقيس عليه السعي. (ومن نذر طاعة على وجه منهيٍّ عنه؛ كالصلاة عُريانًا، أو الحج حافيًا حاسِرًا، ونحوه)؛ كالصلاة بثوب نجس: (وفَّى بها) أي: بالطاعة المنذورة

стр. 5061

(على الوجه المشروع، وتُلغَى تلك الصفة)؛ لما روى عكرمه " أن النبي ﷺ كان فى سفر فحانت منه نظرة. فإذا امرأة ناشرة شعرها. [فقال: ما هذه؟ قالوا: يا رسول الله لِلَّهِ نذرت أن تحج ماشية ناشرة شعرها. فقال رسول الله ﷺ : مروها فلتغطي رأسها ولتركب] " (١) . و" مرّ برجلين مقرونين. فقال: أطلقا قرانكما (٢) ". (ويُكفّر) في الأصح؛ لإخلاله بصفة نذره وإن كان غير مشروع؛ كما لو كان أصل النذر غير مشروع. وإن أفسد الحج المنذور ماشيًا وجب القضاء ماشيًا؛ لأن القضاء يكون على صفة الأداء، وكذلك إن فاته الحج، لكن إن فاته الحج سقط توابع الوقوف من المبيت بمزدلفه ومنى والرمي وتحلَّلَ بعمرة، ويمضي في الحج الفاسد ماشيًا حتى يحل منه. (ولا يلزم الوفاء بوعد). نص عليه وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه يحرم بلا استثناء؛ لقوله : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (??) إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. قال القرافي في " قواعده ": اتفق العلماء على الاستدلال بقوله : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (??) إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣]. ووجه الدليل منه في غاية الإشكال؛ فإن " إلا " ليست للتعليق، و " أن " المفتوحة ليست للتعليق، فما بقي في الآية شيء يدل على التعليق ولا الالتزام. فكيف يصح الاستدلال بشيء لايدل على ذلك؟ وطول الأيام يحاولون الاستدلال بهذه الآية ولا يكاد يُتفطن لوجه الدليل منها وليس فيها إلا الاستثناء، و " أن " الناصبة لا الشرطية، ولا يفطنون لهذا الاستثناء من أي شيء هو وما هو

стр. 5062

المستثنى منه؟ فتأمله فهو في غاية الإشكال وهو أصل في اشتراط المشيئة عند النطق بالأفعال. والجواب أنا نقول: هذا أستثناء من الأحوال والمستثنى حالة من الأحوال وهي محذوفة قبل " أن " الناصبة، وعامله فيها - أعني الحال - عامله في " أن " الناصبة، وتقديره: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا) في حالة من الأحوال إلا معلقًا بـ (إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣] ثم حذفت معلقًا، والباء من " أن " فيكون النهي المتقدم مع " إلا " المتأخرة قد حصرت القول في هذه الحال دون سائر الأحوال فتختص هذه الحالة بالإباحة وغيرها بالتحريم، وترك المحرم واجب وليس شيء هناك يُترك به الحرام إلا هذه فتكون واجبة. فهذا مدرك الوجوب، وأما مدرك التعليق فهو كقولنا معلقًا فإنه يدل على أنه تعلق في تلك الحالة كما إذا قال: لا تخرج إلا ضاحكًا فإنه يفيد الأمر بالضحك للخروج، وانتظم معلقًا مع " أن " بالباء المحذوفه واتجه الأمر بالتعليق على المشيئة من هذه الصيغة عند الوعد بالأفعال. انتهى. وأما العهد فهو غير الوعد ويكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفظ والرعاية والوصية وغير ذلك. وفي سيد الاستغفار: " وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت " (١) . قال ابن الجوزي: قال المفسرون: العهد الذي يجب الوفاء به الذي يحسن فعله، والوعد من العهد، وقال في: (وأوفوا بالعهد) [الإسراء: ٣٤]: عام فيما بينه وبين ربه وبين الناس. ثم قال: قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد. نقله عنه في " الفروع ". والله أعلم.

стр. 5063

[كتاب القضاء] هذا (كتاب القضاء والفُتْيا. وهي) أي: والفتيا: (تبيين الحكم الشرعي) لمن يسأل عنه. وينبغي للمستفتي: أن يحفظ الأدب مع المفتي ويجلّه ويعظمه، ولا يفعل ما جرت عادة العوام به؛ كإيماء بيده في وجهه، ولا يقول له: ما مذهب إمامك في كذا، أو ما تحفظ في كذا، أو أفتانى غيرك بكذا، [أو أفتانى فلان بكذا] (١)، أو كذا قلت أنا، أو إن كان جوابك موافقًا فاكتب وإلا فلا تكتب. لكن إن علم المفتى غرض السائل في شيء لم يجز أن يكتب بغيره. ولا يسأله عن ضجرٍ أو همٍ أو قيامٍ ونحوه ولا يطالبه بالحجة. (ولا يلزم) المفتي (جوابُ ما لم يقع، ولا ما لا يحتمله سائل، ولا ما لانفع فيه). وقد سئل الإمام أحمد عن يأجوج ومأجوج أمسلمون هم؟ فقال للسائل: أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا؟. وسئل عن مسألة في اللعان. فقال: سل رحمك الله عما ابتليت به. وسأل مهنا عن مسألةٍ فغضب. وقال: خذ ويحك فيما تنتفع به، وإياك وهذه المسائل المحدثة، وخذ فيما (٢) فيه حديث. وسئل عن مسألةٍ. فقال: ليت أنّا نحسن ما جاء فيه الأثر. ولأحمد عن ابن عمر: " لاتسألوا عما لم يكن، فإن عمر نهى [عن ذلك] (٣) ".

стр. 5064

ولأحمد أيضًا عن ابن عباس أنه قال عن الصحابة: " ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم ". واحتج الشافعي على كراهة السؤال عن الشيء قبل وقوعه بقوله سبحانه وتعالى: (لا تسئلوا عن أشياء ٠٠٠) الآية [المائده: ١٠١]. و" كان ﷺ ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال " (١) . وفى لفظ: " إن الله كره لكم ذلك " (٢) . متفق عليهما. وقال ابن عباس لعكرمة: " من سألك عما لا يعنيه فلا تُفته ". وسأل المروذي أحمد عن شيء من أمر العدل. فقال: لا تسأل عن هذا فإنك (٣) لا تدركه. وذكر ابن عقيل: أنه يحرم إلقاء علم لا يحتمله السامع؛ لاحتمال أن يفتنه. وقال البخاري: قال علي: " حدثوا الناس بما يعرفون. أتريدون أن يُكَذَّبَ الله ورسوله " (٤) . وفي " مقدمة مسلم " عن ابن مسمعود: " ما أنت بمُحدّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم " (٥) .

стр. 5065

(ومن عَدِمَ مُفتيًا في بلده وغيرِه، فحكمه: حكمُ ما قبلَ الشرع) من إباحة أو حظر أو وقف. قال في " آداب المفتي ": فإن لم يجد العامي من يسأله عنها في بلده ولا غيره، فقيل: له حكم ما قبل الشرع على الخلاف في الحظر والإباحة والوقف. وهو أقيس. انتهى. وقطع به ابن مفلح في " أصوله ". (ويحرُم تساهلُ مفتٍ) فيصا يفتي به. (و) يحرم أيضًا (تقليد معروفٍ به) أي: بالتساهل؛ لأن أمر الفتيا خطر. فينبغي أن يتبع السلف الصالح في ذلك، فقد كانوا يهابون الفتيا كثيرًا، ويشددون فيها، ويتدافعونها حتى ترجع إلى الأول؛ لا فيها من المخاطرة. وقد أنكر الإمام أحمد وغيره من المعلماء الأعيان على من يهجم على الجواب. وقال: لا ينبغي أن يجيب في كل ما يُستفتى فيه. وقال: إذا هاب الرجل شيئًا لا ينبغي أن يُحمل على أن يقوله (١) . (ويقلَّدُ العدل ولو) كان (ميتًا)؛ لأن قوله باقٍ فى الإجماع. وهذا قول جمهور العلماء. وفي هذا يقول الإمام الشافعي: المذاهب لا تموت بموت أربابها. انتهى. وكالحاكم والشاهد لا يبطل حكمه بموته ولا شهادته بموته. وهذا الأصح من الأقوال. وقيل: ليس له تقليد مجتهد ميت إن وجد مجتهدًا حيًا، وإلا جاز. (ويُفتي مجتهدٌ فاسقٌ نفسَه) فقط في الأصح؛ لأنه ليس بأمين على ما يقول. وقال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": قلت: الصواب جواز استفتاء

стр. 5066

الفاسق، إلا أن يكون معلنًا بفسقه داعيًا إلى بدعته، فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته. انتهى. (ويقلّدُ) يعني: يجوز (١) أن يقلّد (عامّي من ظنَّه عالماً) ولو عبدًا أو أنثى، أو أخرس بإشارة مفهومة أو كتابة، (لا إن جهل عدالته)، وكذا من رآه منتصبًا للإفتاء والتدريس معظَّمًا؛ لأنه إذا كان كذلك، كان ذلك دليلاً على علمه؛ لأن المقصود من الاستفتاء سؤال العالم العدل. ولا يجوز الاستفتاء في ضد ذلك عند العلماء. وذكره الآمدي اتفاقًا. (ولمفتٍ ردُّ الفتيا إن كان بالبلد عالم قائم مقامه) في الأصح؛ لأن الافتاء في حقه مع كون في البلد من يقوم مقامه سنة. (وإلا) أي: وإن لم يكن في البلد عالم يقوم مقامه: (لم يجز) له رد الفتيا؛ لأن الفتيا تتعين عليه مع عدم غيره؛ (كـ) عدم جواز (قول حاكم لمن ارتَفَع إليه) ليقضي بينه وبين خصمه: (امضِ إلى غيري) ولو كان في البلد من يقوم مقامه؛ لما يلزم على جواز تدافع الحكام الحكومات من ضياع الحقوق. (ويحرُم) على المفتي (إطلاق الفُتيا في اسم مشتَرَك). قال ابن عقيل: إجماعًا. (فمن سُئل: أيُؤكل في رمضان بعد الفجر؟ لا بدَّ أن يقول): الفجر (الأول، أو) الفجر (الثانى). قال ابن عقيل: ومن هنا إرسال أبي حنيفة من سأل أبا يوسف: عمن دفع ثوبًا إلى قصار فقصره وجحده هل له أجره إن عاد سلمه لربه؟ وقال: إن قال: نعم أو لا فقد أخطأ. فجاء إليه فقال: إن كان قصره قبل جحوده فله الأجرة؛ وإن كان بعد جحوده فلا أجرة له؛ لأنه قصره لنفسه. واختبر أبو الطيب الطبري أصحابًا له في بيع رطل تمر برطل تمر، فأجازوا فخطّأهم فمنعوا فخطأهم. فخجلوا. فقال: إن تساويا مكيلاً يجوز.

стр. 5067

فهذا يوضح خطأ المطلق في كل ما احتمل التفصيل. قال ابن مفلح عن قول ابن عقيل: كذا قال. ويتوجه عمل بعض أصحابنا بظاهر. انتهى كلام ابن مفلح. (وله) أي: وللمفتي (تخيير من استفتاه بين قوله وقول مخالفه. و) ذلك لأن المستفتي يجوز له أنه (يتخيَّر وإن لم يُخيّره) المفتي على الأصح. اختاره القاضي والمجد وأبو الخطاب، وذكره ظاهر كلام أحمد فإنه سئل عن مسألة في الطلاق فقال (١) : إن فعل حنث. فقال السائل: إن أفتانى إنسان لا أحنث. قال: تعرف حلقة المدنيين (٢) ؟ قلت: فإن أفتونى حل؟ قال: نعم. (لا لمن انتسب لمذهب (٣) إمام أن يتخيَّر في مسألةٍ ذاتِ قولين) لإمامه، فيفتي أو يحكم بحسب ما يختار من القولين، بل عليه أن ينظر أيهما أقرب من الأدلة أو من قواعد مذهبه فيعمل به. (ومن لم يجد إلا مفتيًا) واحدًا: (لزمه أخذه بقوله). قال ابن مفلح: فإن لم يجد مفتيًا آخر لزمه؛ كما لو حكم عليه به حاكم، وقطع به ولم يحك فيه خلافًا. قال ابن الصلاح: والذي تقتضيه القواعد أنه إن لم يجد سواه تعين عليه الأخذ بفتياه، ولا يتوقف ذلك على التزامه ولا سكون نفسه إلى صحته. (وكذا ملتزمٌ قولَ مفتٍ وثَمَّ غيرُه). قال في " شرح التحرير": لو أفتى المقلد مفتٍ واحد وعمل به المقلد لزمه قطعًا، وليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها إجماعًا. نقله ابن الحاجب والهندي وغيرهما. وإن لم يعمل به فالصحيح من المذهب: أنه يلزمه بالتزامه.

стр. 5068

قال ابن مفلح في " أصوله ": هذا الأشهر. انتهى. (ويجوز تقليد مفضول من المجتهدين) مع وجود أفضل منه على الأصح؛ لأن المفضول من الصحابة والسلف كان يفتي مع وجود الفاضل مع الاشتهار والتكرار، ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعًا على جواز استفتائه، مع القدرة على استفتاء الفاضل. قال الله : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣]. وقال ﷺ : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " (١) . وفيهم الأفضل من غيره. وأيضًا العامي لا يمكنه الترجيح؛ لقصوره عنه، ولو كلف بذلك لكان تكليفًا بضرب من الاجتهاد. فائدة: لا يجوز التقليد في معرفة الله والتوحيد والرسالة. ذكره القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب وذكره عن عامة العلماء. وذكر غيره أنه قول جمهور العلماء، واستدل بذلك بأمر الله بالتدبر والتفكر والنظر. وفي " صحيح ابن حبان ": " لما نزل في آل عمران: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ) [آل عمران: ١٩٠] قال: ويل لمن قرأهن ولم يتدبرهن، ويل له ويل له " (٢) . والإجماع على وجوب معرفة الله ، ولا تحصل بتقليدٍ؛ لجواز كذب المخبر، واستحالة حصوله؛ كمن قلد في حدوث العالم، وكمن قلد في قدمه.

стр. 5069

ولأن التقليد لو أفاد (١) علمًا فإما بالضرورة وهو باطل، وأما بالنظر فيستلزم الدليل، والأصل عدمه، والعلم يحصل بالنظر واحتمال الخطأ؛ لعدم تمام مراعاة القانون الصحيح. ولأن الله سيحانه وتعالى ذم التقليد بقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) [الزخرف: ٢٢] وهي فيما يُطلب للعلم فلا يلزم الفروع. (و) أما (القضاء) فهو في الأصل أحكام الشيء والفراغ منه؛ كقوله : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ١٢]. ويكون بمعنى إمضاء الحكم، ومنه قوله : (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ) [الإسراء: ٤] أي: أمضينا وأنهينا. وسمي الحاكم قاضيًا؛ لأنه يمضي الأحكام ويحكمها. ويكون بمعنى أوجب فيجوز أن يكون سمي يه؛ لإيجابه الحكم على من يجب عليه. والقضاء اصطلاحًا: (تبيينُه) أي: تبيين الحكم الشرعي، (والإلزام به، وفصل الحكومات). والأصل فيه قوله سبحانه ولعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى) [ص: ٢٦]. وقوله : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) [النساء: ٦٥]. وقوله ﷺ " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر " (٢) . متفق عليه من حديث عمرو بن العا ص.

стр. 5070

وأجمع المسلمون على نصب القضاة؛ [للفصل بين الناس] (١) . (وهو: فرض كفاية) على الأصح؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه. فكان واجبًا؛ (كالإمامة) والجهاد. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا بد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس؟. وقال الشيخ تقي الدين: قد أوجب النبي ﷺ تأمير الواحد في الاجتماعٍ القليل العارض في السفر وهو تنبيه على أنواع الاجتماع، والواجب اتخاذها دينا وقربه، فإنها من أفضل القربات. وإنما فسد حال بعضهم؛ لطلب الرئاسة والمال بها، ومن فعل ما يمكنه لم يلزمه ما يعجزعنه. وعنه: هو سنة. وعنه: لا يسن دخوله فيه. نقل عبد الله: لا يعجبني هو أسلم. وذلك الخلاف لأن فيه فضلاً عظيمًا لمن قوي عليه وأراد الحق فيه، وفيه خطر عظيم لمن لم يُرد الحق فيه. (فعلى) المذهب: يجب على (الإمام أن ينصب بكل إقليم) هو بكسر الهمزة أحد الأقاليم السبعة (قاضيًا)؛ لأن الإمام لا يمكنه أن يتولى الخصومات والنظر فيها في جميع البلدان، والخصومات بين الناس تكثر. فوجب أن يرتب في كل إقليم من يتولى فصل الخصومات؛ لئلا يتوقف ذلك على السفر إلى الإمام. فتضيع الحقوق في السفر إلى الإمام من المشقة، وكلفة النفقة. ولأن الإمام هو القائم بأمر الرعية المتكلم بمصلحتهم المسؤول عنهم فيبعث القضاة إلى الأمصار؛ كفعل النبي ﷺ وأصحابه، وللحاجة إلى ذلك؛ " لأن النبي ﷺ بعث عليًا إلى اليمن قاضيًا " (٢) .

стр. 5071

وبعث معاذًا قاضيًا أيضًا وقال له: " بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. قال: الحمد الله الذي وفّق رسول الله ﷺ لما يرضي رسولَ الله ﷺ " (١) . وعن عقبة بن عامر قال: " جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله ﷺ فقال لي: اقض بينهما. قلت: أنت أولى بذلك. قال: وإن كان. قال: على ما أقضي؟ قال: اقض فإن أصبت فلك عشر أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد " (٢) . رواه سعيد في " سننه ". و" ولّى عمر شريحًا قضاء الكوفة، وولّى كعبَ بن سور قضاء البصرة " (٣) . و" كتب إلى أبي عبيدة ومعاذ يأمرهما بتولية القضاة في الشام ". ولأن أهل كل بلد يحتاجون إلى القاضى ولا يمكنهم المصير في كل قضية إلى بلد الإمام. فوجب إغناوهم عن ذلك. (و) على الإمام أيضًا أن (يختار لذلك) أي: لنصب القضاء (أفضلَ من يجد علمًا وورعًا) أي: في العلم والورع؛ لأن الإمام ناظر للمسلمين فيجب عليه اختيار الأصلح لهم، فيختار أفضلهم علمًا؛ لأنه إنما يمكنه القضاء بين المترافعين مع العلم؛ لأن القضاء بالشيء فرع عن العلم به، والأفضل أولى من المفضول؛ لأنه أثبت وأمكن، وكذا كل ما كان ورعه أكثر كان سكون النفس فيما يحكم به أعظم، وكان من ترك التحري والميل في جانب أبعد. (ويأمره) عند ولايته (بالتقوى)؛ لأن التقوى رأس الدين. (و) يأمره أيضًا بـ (تحرّي العدل)، والعدل: إعطاء الحق لمستحقه من غير ميل. وهذا هو المقصرد من القضاء.

стр. 5072

(و) يأمره (أن يستخلف في كل صُقْعٍ) أي: في كل ناحية من نواحي عمله (أفضلَ من يجد لهم)؛ لأن القاضي إذا كان في إقليم لم يمكنه أن يتولى الخصومات في جميع بلدانه. فلو وقف ذلك عليه يشق على الناس. فوجب أن يستخلف لهم في كل ناحية أفضل من يجد لذلك كما ذكرنا في الإمام؛ لأنه إنما يفعل ذلك لمصلحتهم .. فيجب عليه النصح لهم. وإنما يتحقق نصحه باختيار الأصلح لهم. (ويجب على من يصلُح) للقضاء- (إذا طُلب) له (ولم يوجد غيره ممن يوثق به - أن يدخُل فيه) على الأصح؛ لأن القضاء فرض كفاية ولا يقدرعلى القيام به غيره. فيتعين عليه؛ كغسل الميت وتكفينه. ولأن في ترك قبوله ضياع حقوق الناس وتلف أموالهم. فوجب عليه القبول؛ كمانقاذ الهلكى وإنجاء الغرقى. وقد روى عبد الله بن عمرو قال رسول الله ﷺ : " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا " (١) . رواه أحمد ومسلم والنسائي. ومحل وجوب الدخول في القضاء عليه: (إن لم يُشغله عما هو أهمُّ منه) أي: من القضاء؛ لما في الاشتغال بما هو أهم من القضاء من النفع مع الأمن من الغرر. وعنه: لا يجب نصبه القضاء ولا الإجابه إليه؛ لما في ذلك من الخطر وقد روى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من حكمٍ يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقفه على جهنم، ثم يرفع رأسه إلى الله

стр. 5073

عزوجل. فإن قال: ألقه ألقاه في مهوًى فهوى اربعين خريفًا " (١) .رواه أحمد وابن ماجه. (و) من طلب ليولى القضاء (مع وجود) صالح للقضاء (غير)، فـ (الأفضل) في حقه: (أن لايُجيب) في الأصح؛ لما في الأجابة من الخطر والغرر، ولما في ترك الإجابة من السلامة، ولما ورد في القضاء من التشديد والذم. ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي. (وكره له طلبه إذًا) أي: مع وجود صالح للقضاء غيره؛ لما روى أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن جبر عليه نزل ملك يسدده " (٢) . رواه الخمسة إلا النسائي. وفى رواية أخرى: " من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعًا وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل عليه ملكًا ليها يسدده " (٣) . قال الترمزي: هذا حديث حسن عريب. قال في " الفروع ": وظاهر تخصيصهم الكراهة بالطلب؛ لأنه لا يكره توليه الحريص ولا ينفي أن غيره أولى. ويتوجه وجه: يكره. وفي " الصحيحين " عن أبي موسى مرفوعًا: " إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله ولا أحدً حريصًا عليه " (٤) . انتهى.

стр. 5074

(ويحرُم بذل مالٍ فيه) أي: في القضاء. (و) يحرم على من بُذل له مال في القضاء (أخذه. و) يحرم أيضا (طلبه) أي: طلب القضاء (وفيه مباشِر أهل) للقضاء، حتى ولو كان الطالب أهلاً للقضاء في هذه الصورة؛ لما في ذلك من التعرض لمن هو قائم بمنصب القضاء مع أهليته من غير موجب يقتضي عزله. كما يحرم الدخول في القضاء على من لا يحسنه ولم تجتمع فيه شروطه. (وتصحُ تولية مفضول) مع وجود من هو أفضل منه؛ لأن المفضول من الصحابة كان يولى مع وجود الفاضل مع الاشتهار والتكرار ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعاً. (و) يصح أيضًا تولية (حريص عليها) أي: على توليه القضاء [بلا كراهة في الأصح؛ لأن الحرص (١) على تولية القضاء] (٢) ليس بقادج في صحة الولاية. ولافي أهليه المولى. (و) يصح أيضًا (تعليق ولاية قضاء، و) تعليق ولاية (إمارة بشرطٍ). فإذا قال الإمام: إن مات فلان القاضي فقد وليت فلاناً عوضه، أو إن مات أمير جيش كذا ففلان عوضه [فمات صحت ولاية فلان] (٣) ؛ لتعيين الموَلّى باسمه. بخلاف ما لو قال الإمام: من نظر في الحكم في البلد (٤) الفلانى من فلان وفلان فقد وليته؛ لأنه لم يعين الولاية لأحد منهما. (وشُرط لصحتها) أي: صحة الولاية) (٥) : (كونها من إمام أو نائبه فيه) اي: في القضاء؛ لأن ولاية القضاء من المصالح العامة. فلم يجز إلا من جهة الإمام؛ كعقد الذمة. ولأن الإمام صاحب الأمر والنهي وهو واجب الطاعة، مسموع الكلمة، مالك لجميع الولايات، حسًا وشرعًا.

стр. 5075

(وأن يَعرِف) الإمام أو نائبه في القضاء (أن المولَّى) بفتح اللام (صالح للقضاء)؛ لأن جهالة حاله في الصلاحية كالعلم بعدمها؛ لأن الأصل العدم. فلا تجوز توليته مع عدم العلم بذلك؛ كما لا تجوز توليته مع العلم بعدم صلاحيته. وحاصله: انه إن كان يَعرف صلاحيته ولّاه، وإلا سأل أهل المعرفة به. (و) يشترط لصحة تولية القضاء أيضًا (تعيين ما يولّيه) الإمام أو نائبه في القضاء (الحكمَ فيه: من عمل) وهو ما يجمع بلداناً أو قرى متفرقة؛ كالعراق ونواحيه، (وبلد)؛ كمكة والقاهرة؛ ليعلم محل ولايته فيحكم فيه ولا يحكم في غيره. وقد " ولى النبي ﷺ عليًا قضاء اليمن " (١) . و" ولى عمرُ شريحًا قضاء الكوفة وولى كعبَ بن سور قضاء البصرة " (٢) . و" بعب في كل مصرٍ قاضيًا وواليًا ". (ومشافَهتُه بها) أي: بالولاية إن كان حاضرًا بالمجلس (أو مكاتبتُه) بالولاية إن كان غائبًا؛ لأن التولية تحصل بالمشافهة في الحضرة وبالمكاتبة في الغيبة كالتوكيل. وحينئذ يكتب له الإمام عهدًا بما ولاه " لأن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن " (٣) . و" كتب عمر إلى أهل الكوفة، اما بعد: فإنى قد بعثت إليكم عمّارًا أميرًا وعبدالله قاضيًا فاسمعوا لهما وأطيعوا ". (وإشهاد عدلين عليها) أي: على توليته إن كان العمل أو البلد الذي ولي قضاءه بعيدًا لا يستفيض فيه أخبار ما يكون ببلد الإمام. وهو ما زاد على خمسة أيام. وذلك باًن يكتب العهد ويُقرأ على العدلين بحضرة المولى (٤) وهو الإمام أو

стр. 5076

نائبه في ذلك. ويقول لهما: اشهدوا عليَّ أنى قد وليت قضاء العمل الفلانى أو قضاء البلد الفلاني، وتقدمت إليه بما يشتمل عليه هذا العهد. ليمضيا إلى محل ولايته) (١) فيقيما له الشهادة هناك. (أو استفاضتُها) أي: استفاضة الولاية: (إذا كان بلد الإمام) من البلد الذي ولي فيه (خمسة أيام فما دون) على الأصح؛ لأن الاستفاضة آكد من الشهادة ولهذا يثبت بها النسب والموت والأملاك المطلقة فلا ضرورة إلى الشهادة مع الاستفاضة. (لا عدالة المولّى بكسر اللام) على الأصح؛ لأن ولاية الإمام الكبرى تصح من كل بر وفاجر. فلو اعتبرت في المولّي العداله أفضى إلى تعذر التولية بالكلية فيما إذا كان الإمام غير عدل. (وألفاظها) أي: ألفاظ التولية (الصريحةُ سبعةٌ): الأول: (ولّيتُك الحكم. و) الثانى: (قلَّدتُك الحكم. و) الثالث: (فوَّضتُ) إليك الحكم. و) الرابع: (رددتُ) إليك الحكم. و) الخامس: (جعلتُ إليك الحكم. و) السادس: (استخلفتُك) في الحكم. و) السابع: (استنبتُك في الحكم. فإذا وُجد أحدُها) أي: أحد هذه الألفاظ السبعة، (وقَبِل مُؤَلَّى) بفتح اللام (حاضرٌ في المجلس) انعقدت الولاية؛ كالبيع والنكاج، (أو) قبِل التولية (غائب) عن المجلس (بعده، أو شرَع الغائب في العمل: انعقدت) أيضًا في الأصح.

стр. 5077

(والكناية) من ألفاظ التولية (فحو: اعتمدت) عليك، (أو عوَّلت عليك، ووكلت) إليك، (أو أسنَدت إليك لا تنعقد) الولاية (بها) أي: بألفاظ الكناية، (إلا بقرينة نحو: فاحكم) ما وكلت إليك فيه، (أو فَتوَلَّ ما عوَّلتُ عليك فيه)، لأن هذه الألفاظ تحتمل التولية وغيرها من كونه يأخذ برأيه وغير ذلك. فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرنية تنفي الاحتمال. (وإن قال) الإمام أو من له أن يُولي بالنيابة عن الإمام: (من نظر في الحكم في بلد كذا، من فلان وفلان، فقد ولَّيته: لم تنعقد) الولاية (لمن نظر؛ لجهالته)، لأنه لم يعين بالولاية أحدًا منهم، فهو كما لو قال: بعتك أحد هذين الثوبين. (وإن قال: ولَّيتُ فلاناً وفلاناً، فمن نَظر منهم) في الحكم (فهو خليفتي: انعقدت) الولاية الهما) جميعًا بقوله: وليت فلانًا وفلاناً، (ويتعيَّن) منهما (من سبَق) بالنظر بقوله: فمن نظر منهما فهو خليفتي.

стр. 5078

[فصل: فيما تفيده ولايةُ حكمٍ عامة] (فصل. وتُفيد ولاية حكمٍ عامَّة) وهي: التي لم تخص بحالة دون حالة (النظرَ في أشياء، والإلزامَ بها) وهي: (فصلُ الحكومة، وأخذُ الحق) ممن يجب عليه، (ودفعه لربّه. والنظرُ في مال يتيم، و) مال (مجنون، و) مال (سفيه، و) مال (غائب، والحجرُ لسفه وفَلَس. والنظرُ في وقوفِ عملِه، لتجريَ على شرطها، و) النظر (في مصالح طرقِ عمله وأفْنِيَته. وتنفيذُ الوصايا، وتزويج من لا وليَّ لها) من النساء. (وتصفُحُ) حال (شهودِه وأُمَنائه، ليستبدل بمن ثبت جَرحُه. وإقامة حدٍ، و) إقامة (إمامةِ جمعةٍ وعيدٍ: ما لم يُخَصَّا بإمام)؛ لأن العادة من القضاة تولي ذلك. فعند إطلاق تولية القضاء تنصرف إلى ولاية ما جرت العادة بولايته للقاضي. (وجِبايةُ خَراجٍ وزكاةٍ ما لم يُخَصَّا) أي: جباية الخراج والزكاة (بعامل. لا الاحتساب على الباعةِ والمشترين، وإلزامَهم بالشرع)؛ لأن العادة لم تثبت بتولي القضاة لذلك. (وله) أي: للقاضي (طلبُ رزقٍ من بيت المال لنفسه وأُمنائه وخلفائه). رخص في ذلك شريح وابن سيرين والشافعي وأكثر أهل العلم. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه " أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقاً ". و" رزق شريحًا في كل شهر مائة درهم " (١) .

стр. 5079

و" بعث إلى الكوفة عمارًا وابن مسعود وعئمان بن حنيف ورزقهم كل يوم شاة: نصفها لعمار ونصفها لابن مسعود وعثمان. وكان ابن مسعود قاضيهم ومعلمهم " (١) . و " كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام: أن انظرا رجالاً من صالحي مَن قبلكم فاستعملوهم على القضاء، وأوسعوا إليهم، وارزقوهم، واكفوهم من مال الله تعالى ". (حتى مع عدم حاجة) في الأصح؛ " لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما ولي الخلافة فرضوا له رزقًا كل يوم درهمين ". ولما ذكرناه من أن عمر رَزق زيدًا وشريحًا وابن مسعود، وأمر بفرض الرزق لمن يولى من القضاه. ولأن بالناس حاجة إلى القضاء ولو لم يجز فرض الرزق لتعطل القضاء وضاعت الحقوق. فأما الاستئجار عليه فلا يجوز، قال عمر رضي الله تعالى عنه: " لا ينبغي لقاضي المسلمين ان يأخذ على القضاء أجرًا "؛ لأنه قربة يختص فاعله أن يكون من أهل القربة. فأشبه الصلاة. (فإن لم يُجعل له) أي: للقاضي (شيءٌ) من بيت المال (وليس له ما يكفيه) له ولعائلته، (وقال للخصمَيْن: لا أقضي بينكما إلا بجُعل، جاز) في الأصح. قاله في " المغني " و " الشرح ". (لا من تعين أن يفتي وله كفاية. ومن يأخذ من بيت المال: لم يأخذ أجرة لفُتياه، ولا لخطّه) في الأصح. فال في " إعلام الموقعين ": ومن أخذ رزقًا من بيت المال لم يأخذ أجرة لفتياه، وفي أجرة خطّه وجهان. انتهى.

стр. 5080

[فصل: في أنو اع الولاية] (فصل. ويجوزُ أن يولّيه) أي: أن يولي الإمام القاضي (عمومَ النظر في عموم العمل) وذلك بأن يوليه سائر الأحكام في سائر البلدان. (و) يجوز (أن يولّيه خاصًا في أحدهما أو) خاصًا (فيهما: فيوليه عموم النظر) في محلة خاصة، (أو) يوليه شيئًا (خاصًا)؛ كعقود الأنكحة مَثلاً (بِمحَلّةٍ خاصَّةٍ، فَينفُذُ حكمه في مقيمٍ بها) أي: بتلك المحلة، (و) في (طارئ إليها) من غير أهلها (فقط)؛ لأن الطارئ على البلد يعطى حكم أهله في كثير من الأحكام، بدليل أن الدماء الواجبة لأهل مكة يجوز تفريقها في الطارئ إليها كأهلها. (لكنْ: لو أذنت له) امرأة (في تزويجها) وهي في عمله، (فلم يزوّجها حتى خرجت من عمله: لم يصح) تزويجها، لأنها (١) حالةَ التزويج لم تكن في عمله. فلم يكن له عليها ولاية، (كما لو أذنت له) في تزويجها (وهي في غير عمله، ثم) زوجها بعد أن (دخلت إلى عمله)، لأن إذن المراة في تزويجها لحاكم (٢) ليست في عمله لا عبرة به. فلم يصح التزويج، كما لو لم تدخل إلى عمله بعد إذنها. (و) كما (لا) يصح منه أنه (يسمع بينة في غير عمله. وهو) أي: وعمله (محلُّ) نفوذ (حكمه). أما لو قالت امرأة في غير عمل القاضي: إذا دخلت في عمله فقد أذنت له في
следующие страницы →