مسائل خاصة بالمرأة
- حكم الصفرة والكدرة في زمن الحيض وفي غيره
- بم تطهر المرأة؟
- حكم الرطوبة في غير أيام الحيض
- الشك في الطهارة وكيف تفرق المرأة بين الحيض والاستحاضة وتتخلص من الوسوسة
تأليف
د. رقية بنت محمد المحارب
الأستاذ المساعد بكلية التربية بالرياض
١٤٢٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي من علينا بنعمه التي لا تحصى، وأسبغ علينا آلاءه التي لا تجزى، وجعل لنا دينا قويما وشرع لنا صراطا مستقيما، وبعث فينا نبيا فكان بنا رحيما، وصلى الله على خير خلقه، صفيه وخليله محمد بن عبد الله وسلم تسليما كثيرا، أما بعد ...
فقد كنت كتبت كتابا في حكم الرطوبة، تفضلت بطباعته ونشره دار الوطن مشكورة، وقد لقي إقبالا كبيرا لأنه لامس حاجة ملحة، فطبعت الطبعة الأولى ونفدت في شهرين، ثم طبع ضعف العدد طبعة ثانية فنفدت، وأمسكت عن إعادة الطباعة إلى حين الانتهاء من إجراء التعديلات التي كنت أود تعديلها سواء بما استفدت من ملاحظات بعض طلبة العلم، أو مما ظهر لي من أسئلة القراء أو مما تبين لي أثناء القراءة والاطلاع والبحث، فرأيت تغيير الكتاب كلية فحذفت منه وأضفت إليه بما أظن أنه أنسب وأفضل، وأضفت مباحث رأيت مسألة النساء تكثر عنها، ومع تأخري في إعداده بهذه الصورة ظل يتابعني هاجس الخطأ، ولكن كثرة إلحاح النساء علي وعلى دار الوطن جعلني أقدم على نشره مرة أخرى، ومع أني تحريت وجه الحق قدر استطاعتي إلا أنه لا يزال النقص والعور يعتري أعمال البشر، فالله أسأل أن يجزي خيرا كل من أفادني وعلى رأسهم شيخنا الفاضل العلامة الذي أعطانا الكثير محمد بن صالح العثيمين ﵀ وأسكنه فسيح جنانه وجعله من الأبرار.
ثم أشكر تلميذه الشيخ الكريم علي بن محمد نور الذي أمدني بملحوظاته فاستفدت منها وعدلت ما اقتنعت به ووافقته عليه.
стр. 2
وأسأل الله الكريم أن يتغمد بواسع رحمته أخانا الدكتور عبد الرحمن الجمهور على ترجمته للكتاب باللغة الإنكليزية، وأثني على مؤسسة سليمان الراجحي التي تولت طباعة الكتاب باللغة الإنكليزية ونشره وتوزيعه بارك الله في جهود الجميع وتقبلها منهم أجمعين.
مقدمة كتاب حكم الرطوبة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ... أما بعد:
فإن مما يشكل على النساء مسائل الطهارة، ويحترن فيها ويقعن كثيراً في الوساوس أو الأخطاء، إما بسبب الجهل أو بسبب عدم الاهتمام.
وإن كانت مسائل الحيض والاستحاضة والنفاس جل استفتاء النساء ومدار اهتمامهن الفقهي؛ فهو بلا ريب مدعاة للبحث والاستقصاء، بيد أن أكثر هذه المسائل مبسوط في الكتب القديمة والحديثة، وفي المسائل من الأدلة ما يجليها فلا يجعل في النفس شك ما دامت مستندة إلى دليل شرعي صحيح.
والذي تجدر الإشارة إليه أن أكثر أسئلة النساء في هذا العصر عن الرطوبة التي تخرج من القبل فالسؤال عن نجاستها، وعن نقضها للوضوء، وهي مسألة قد بحثت فيه منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة، وكنت قد اكتفيت بما توصلت إليه لنفسي رجاء أن يكفيني أحد العلماء أو طلبة العلم تجلية هذه المسألة بما يشفي، استقصاء للأدلة ولآراء أهل العلم ولكن لم أطلع إلى هذه الساعة في هذه المسألة على شيء عدا فتاوى لبعض العلماء - حفظهم الله- (١) وهم سماحة الشيخ /عبد العزيز بن باز، وفضيلة الشيخ / محمد بن صالح بن عثيمين، وفضيلة الشيخ / صالح الفوزان.
والفتاوى المذكورة لم يستند فيها على دليل من الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة أو التابعين.
стр. 3
وبعد تردد طال، ألح علي بعض الأخوات بنشر هذا البحث وكنت أتوانى وأستحيي من التقدم في مسألة كهذه لم تطرق من قبل إلا لماما، وطال التواني سنوات حتى شرح الله صدري للكتابة في الموضوع، سيما وقد كنت عرضت المسألة على فضيلة الشيخ / محمد ناصر الدين الألباني قبل أكثر من عشر سنوات، فوافقني وأيد ما اخترته من رأي.
على أي حال رأيت أن أنشر هذا الموضوع بعد عرضه على عدد من العلماء؛ لئلا أستأثر به بنفسي وأتحمل تبعته وحدي، وإن كنت مؤمنة بما سلكته من منهج، وهو منهج أئمتنا وفقهائنا الأقدمين والمحدثين من السلف والصالحين.
فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمن نفسي والشيطان، والله المستعان وأستغفر الله عما كان. (١)
أهمية الموضوع
لا تخلو مسلمة من الحاجة لمعرفة هذه المسألة؛ لأنه أمر يصيب الجميع من النساء، وهو خلقة فطر الله النساء عليها، وليست مرضاً ولا عيباً ولا نادراً يقول ماكسين ديفز: "والإفراز إذا كانت كميته معينة فإنه يعتبر طبيعياً؛ لأن سطح المهبل كأي سطح مخاطي آخر بالجسم، يجب أن يظل رطباً، وتختلف كمية الإفراز باختلاف أفراد النساء، ولكل امرأة نظرتها الخاصة بالنسبة له، فالبعض يشتد فزعهن عندما يلاحظن إفرازاً خفيفا ًيؤكد الطبيب لهن أنه طبيعي، بينما تتجاهل نساء أخريات إفرازاً ينظر الطبيب إليه بعين الارتياب على أنه شاذ ".
فقول: إن بعض النساء يصيبهن وبعضهن لا يصيبهن غير صحيح، فالذي يصيب بعضا ًدون بعض هو السيلان المرضي المسمى بالسيلان الأبيض، وهذا النوع من السيلان يصحبه حكة ورائحة كريهة، وأحياناً يختلط بصديد أو يكون دامياً أو مصفر اللون.
стр. 4
ولأن المرأة يجب أن تكون طاهرة لتؤدي الصلاة فلا بد من معرفة حكم هذا السائل، فهي إذا كانت تجهل حكمه ربما أعادت وضوءها مراراً، وربما أصابها الوسواس، وربما أعادت الصلاة؛ فلذا ينبغي أن يعلم حكم هذه الرطوبة بالدليل الشرعي على أصول سلفنا الصالح.
ولعدم وجود بحث خاص بهذه الرطوبة (١) ، بل ولا فتاوى واضحة من أئمة الفقه الأربعة، ولا من سبقهم من أهل العلم، ولا من تبعهم ممن عرف ببحثه عن الدليل كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لزم البحث في هذا الموضوع بحثاً جاداً.
السبب الباعث على البحث:
بالإضافة إلى أهميته فإن بعض النساء أصابهن وسواس عظيم وأخريات ألزمن بما يشق وكلفن عسيراً والله تعالى يقول: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (٢)
ثم إنه اتصلت بي إحدى الشابات وهي تسأل:
ماذا على من لم تطهر من الحيض منذ سنتين ونصف؟ فعجبت من هذا السؤال وقلت: وهي في هذه البلاد، وتدرس، ولها والدة مسلمة! هذا أمر يستغرب الجهل به! ويستبعد! وأدركت هذا ثم قالت: هي تتطهر من الحيض ولكنها لا تتطهر من شيء آخر، فقلت من الجنابة؟ ! قالت مثل ذلك، ثم علمت أنها غير متزوجة، فعزمت عليها بالإيضاح، فقالت من تحتلم ولم تغتسل؟ فعجبت كيف تحتلم ولم تغتسل منذ سنتين ونصف باستمرار، ففطنت إلى أن الشابة لم تكن تعرف الاحتلام، فوضحته لها، وقلت هل ترين هذا؟ قالت: لا! قلت إذن تعنين الرطوبة التي ترين، قالت نعم! فاسترجعت وعزمت على تبييض هذا البحث؛ لأن السائلة هذه نموذج من نماذج كثيرة ربما تدع الصلاة بهذا السبب، ولست مبالغة في هذا فقد صارحتني به غير واحدة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 5
تمهيد
في السوائل الخارجة من المرأة
لأجل أن نقف على ماهية هذه الرطوبة ينبغي أن نذكر السوائل التي تخرج من المرأة، ونبين حكمها باختصار؛ لأن الأشياء تتميز بضدها، وتلحق في الأحكام بما اتصف بصفتها.
يخرج من المرأة سوائل من غير السبيلين: كالمخاط واللعاب والدمع والعرق والرطوبة، ويخرج منها سوائل من السبيلين، وهي نجسة، ناقضة للوضوء.
أنواع السوائل:
(١) البول: وهو ما يخرج من المثانة، وحكمه نجس، ناقض للوضوء بالنص والإجماع، قال تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط) (١)
والغائط هو المكان المطمئن من الأرض، كني بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر.
قال ابن المنذر: " وحكي لي عن بعض أهل العلم أنه قال: البول والغائط داخلان في قوله: (أو جاء أحد منكم من الغائط) ؛ لأن ذهاب القوم إلى تلك المذاهب كان ذهاباً واحداً.
стр. 6
قال أبو بكر: وجوب الوضوء من البول مأخوذ من أخبار الرسول ﷺ -قولاً وفعلاً، وذكر حديث ذر بن حبيش قال: لقيت صفوان بن عسال أسأله عن المسح فقال: " كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم " (١) .
وكل ما خرج من مخرج البول من المرأة أو الرجل فهو ناقض للوضوء لما ذكرنا، وإن كان طاهراً.
стр. 7
(٢) المذي: وهو سائل غليظ أبيض قليل يخرج من ذكر الرجل أو قبل المرأة - من طريق الرحم من مخرج الولد - عند الشهوة الخفيفة وهو موجب للوضوء لما جاء عن على رضى الله عنه قال: " كنت رجلاً مذاء فأمرت رجلاً أن يسأل النبى ﷺ ، لمكان ابنته فسأل، فقال: " توضأ واغسل ذكرك " رواه البخارى. وعن سهل بن حنيف رضى الله عنه قال: " كنت ألقى من المذى شدة وعناء، وكنت أكثر منه الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: إنما يجزيك من ذلك الوضوء فقلت: يا رسول الله، كيف بما يصيب ثوبى منه؟ قال: " يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه قد أصاب منه " رواه أبو داود وابن ماجه والترمذى
(٣) المني: وهو سائل غليظ أبيض يخرج بدفق وهو كثير يخرج مع اشتداد الشهوة
حال الجماع أو الاحتلام، وهو من المرأة رقيق أصفر.
وهو موجب للغسل؛ لقوله تعالى: (ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (١) ، ولقوله تعالى: (وإن كنتم جنباً فاطهروا) (٢) ، وسيأتي ذكر حكم المني من حيث الطهارة في فصل مستقل؛ لمساسه بالموضوع.
(٤) الودي: وهو سائل يخرج من مخرج البول بعد انتهائه قال ابن حجر: " الودي بالمهملة وهو ماء أبيض شخين يخرج عقيب البول أو عند حمل شيء ثقيل" (٣)(٥) الحيض: وهو دم أحمر ضارب للسواد، له ريح يخرج من رحم المرأة في وقت مخصوص، وهو موجب للغسل عند انقطاعه وبرء الرحم منه،؛لقوله تعالى: (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (٤) .
ويلحق بالحيض النفاس، وهو دم يخرج مع الولادة ويستمر مدة طويلة، هي عند أكثر النساء أربعين يوماً، وقد تقصر عن ذلك.
стр. 8
والمرأة تدع الصلاة والصوم ومس المصحف لهذين الحدثين حتى تطهر.
(٦) الاستحاضة: وهو دم أحمر يخرج من المرأة في وقت غير معتاد من مخرج الحيض، ويختلف في كثرته، وهو نجس موجب للوضوء عند كل صلاة على الراجح، وفيه خلاف مفصل في كتاب الأوسط لابن المنذر فلينظر هناك. (١)(٧) السوائل الخارجة من سائر الجسد: كاللبن من الثدي والبزاق والمخاط والدمع وغيره، وهذه طاهرة لا توجب شيئاً.
قال ابن المنذر: " أجمع أهل العلم على أن خروج اللبن من ثدي المرأة لا ينقض الوضوء، وكذلك المخاط والبزاق والدمع الذي يسيل من العين والعرق الذي يخرج من سائر الجسد، والجشاء المتغير الذي يخرج من الفم، والنفس الخارج من الأنف، والدود الساقط من القرح، كل هذا لا ينقض طهارة، ولا يوجب وضوءاً" (٢) .
(٨) رطوبة فرج المرأة: وهي إفراز طبيعي عديم اللون عادة، ولزج بدرجة خفيفة، ويشبه بياض البيض غير المطبوخ عندما يزداد نشاط غدد عنق الرحم (٣) .
وقد سألت عدداً من الطبيبات المتخصصات في أمراض النساء والولادة عن هذه الإفرازات، وهل هي طبيعية أم لا؟ فأفدنني بالإجماع بأنها طبيعية في كل امرأة.
стр. 9
وكتبت لي دكتورة صفاء عثمان أخصائية النساء والولادة في مستشفى الرياض المركزي: " الإفرازات الطبيعية موجودة عند كل الإناث، ولكن الشكوى منها تعتمد على علم المرأة بطبيعتها أو تخوفها من تلك الإفرازات، وغالباً ما تكون الإفرازات الطبيعية لها قوام مخاطي وذات لون أبيض أو أصفر داكن أو شفاف، وقد تتغير رائحته بسبب تفاعله مع البكتريا الطبيعية، أما الإفرازات غير الطبيعية فهي مصاحبة بأعراض أخرى فتكون ذات لون أخضر أو متغير بألوان الدم القاتمة وقد تسبب حكة أو حرقة، أو تكون ذات رائحة كريهة بفعل بعض أنواع الجراثيم (١)
* ... * ... *
وسأذكر هنا مسائل تحتاج إليها المرأة وتسأل عنها باستمرار وتبالغ في السؤال، وهي:
- حكم الصفرة والكدرة في زمن الحيض وفي غيره
- بم تطهر المرأة؟
- حكم الرطوبة في غير أيام الحيض
- الشك في الطهارة وكيف تفرق المرأة بين الحيض والاستحاضة وتتخلص من الوسوسة
وسأورد كل مسألة منها بالتفصيل:
حكم الصفرة والكدرة في زمن الحيض
اتفق العلماء على أن الصفرة في أيام الحيض حيض. (٢)
стр. 10
وخالف في ذلك ابن حزم فذهب إلى أن الحيض هو الأسود، قال:" فإذا رأت أحمر أو كغسالة اللحم أو صفرة أو كدرة أو بياضا أو جفوفا فقد طهرت " (١) ونقل الكاساني في بدائع الصنائع الإجماع خلافا لأبي منصور حيث قال:" إذا رأت في أول أيام الحيض ابتداء كان حيضا، أما إذا رأت في آخر أيام الطهر، واتصل به أيام الحيض لا يكون حيضا. والعامة على أنها حيض كيفما كانت." (٢)
أما الكدرة في أيام الحيض فالجمهور على أنها من الحيض منهم أبو حنيفة (٣) ، ومالك (٤) ، والشافعي (٥) ، وأحمد (٦) ، وإسحاق (٧) ، وبه قال يحي الأنصاري (٨) ، وربيعة (٩) ، والثوري (١٠) ، والأوزاعي (١١) ، وعبد الرحمن بن مهدي (١٢) ،وخالفهم أبو يوسف (١٣) ، وأبو ثور (١٤) فقالا: لا يكون حيضا إلا أن يتقدمه دم أسود (١٥) .
стр. 11
واستدل الجمهور بحديث أم عطية المتقدم، ومقتضاه أن الكدرة والصفرة بعد الطهر لا تعد من الحيض، وهو يقتضي أن الصفرة والكدرة قبل الطهر تعد من الحيض،وروي معنى حديث أم عطية عن علي بن أبي طالب (١) ،وثوبان (٢) ،وإبراهيم (٣) ،وابن سيرين (٤) .
واستدل المخالفون بحديث عائشة ﵂:
(وكن نساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة فتقول لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة وبلغ ابنة زيد بن ثابت (٥)
стр. 12
أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الطهر فقالت ما كان النساء يصنعن هذا وعابت عليهن.) (١)
وروى عبد الرزاق (٢) وابن أبي شيبة عنها مثله (٣)
стр. 13
ومقتضاه أن الصفرة والكدرة داخلة في الحيض ولو رأت الجفاف واغتسلت، بل روي ذلك عن غير واحد من الصحابيات والصحابة والتابعين منهم أسماء بنت أبي بكر ﵂ (١) وعمرة (٢) وعطاء (٣) ومكحول (٤) والزهري (٥) .
وهذا سبب الاختلاف في هذه المسألة، فظاهر حديث أم عطية يخالف حديث عائشة ﵄
стр. 14
ومن رأى الجمع بين الأحاديث قال: إن حديث أم عطية هو بعد انقطاع الدم، وحديث عائشة في أثر انقطاعه، أو إن حديث عائشة هو في أيام الحيض، وحديث أم عطية في غير أيام الحيض. (١)
والذي أراه أن الحائض تكون في حدث متيقن فلا تنتقل منه إلى الطهر إلا بيقين، والصفرة والكدرة ليست يقينا بالطهر؛ لأن المرأة تراها ثم ترى الدم بعدها أحيانا مما يدل على عدم براءة الرحم منه؛ لذا كانت عائشة ﵂ تنهى عن الاستعجال بالغسل قبل التأكد من الطهر، أما إذا رأت الطهر وتيقنت منه ثم اغتسلت وصلت فإن عاودها الدم أو الكدرة لم تدع الصلاة لذلك؛ لأنه حينها صار حدثا غير متيقن فلا تترك الصلاة الواجبة للظن، ولهذا قالت أم عطية ﵂ (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا) .فإذا كان الدم بعد الطهر من الحيض لا يعد حيضا فلأن لا تعد الكدرة والصفرة بعد الطهر حيضا من باب أولى على ما روي عن عائشة ﵂: (أن رسول اللَّه ﵌ قال في المرأة التي ترى ما يريبها بعد الطهر إنما هو عرق أو قال عروق) . (٢)
стр. 15
وإلى الجمع ذهب البخاري ﵀ لذا ترجم لحديث أم عطية بقوله: (باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض) قال ابن حجر: يشير بذلك إلى الجمع بين حديث عائشة المتقدم في قولها " حتى ترين القصة البيضاء " وبين حديث أم عطية المذكور في هذا الباب بان ذلك محمول على ما إذا رأت الصفرة أو الكدرة في أيام الحيض، وأما في غيرها فعلى ما قالته أم عطية. (١)
ورجح شيخ الإسلام مذهب الجمهور، قال: ـ وهو الصحيح ـ: إنها إن كانت في العادة مع الدم الأسود والأحمر فهي حيض، وإلا فلا؛ لأن النساء كن يرسلن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. وكذلك غيرها، فكن يجعلن ما قبل القصة البيضاء حيضا. وقالت أم عطية: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا. (٢)
بم تطهر الحائض ؟
حدثت أم عطية في ذلك حديثا قالت: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئا) (٣)
стр. 16
وروي بزيادة (بعد الطهر) وهي زيادة صحيحة.
واختلف الفقهاء في علامة الطهر، فرأى قوم أن علامة الطهر رؤية القصة البيضاء (١) وقال أخرون علامة الطهر الجفاف. قال ابن رشد:"وسبب اختلافهم أن منهم من راعى العادة ومنهم من راعى انقطاع الدم فقط، وقد قيل: إن التي عادتها الجفوف تطهر بالقصة البيضاء ولا تطهر التي عادتها القصة البيضاء بالجفوف، وقد قيل بعكس هذا وكله لأصحاب مالك" (٢)
стр. 17
واحتج من ذهب إلى أن الطهر لا يثبت حتى ترى الحائض القصة البيضاء بما روي عن عائشة ﵂" أن النساء كن يبعثن إليها بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة فتقول لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة وبلغ ابنة زيد بن ثابت أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الطهر فقالت ما كان النساء يصنعن هذا وعابت عليهن" (١)
وممن رأى أن الطهر لا يكون إلا بالبياض: أسماء بنت أبي بكر (٢) ، وعمرة (٣) ، وعطاء (٤) ، ومكحول (٥) ، والزهري (٦) ، وعبد الرحمن بن مهدي (٧) ،
وبه قال أبو حنيفة (٨) ، ومالك (٩) ،والشافعي (١٠) ،وأحمد (١١)
وممن قال تطهر بالجفاف: ابن حبيب من المالكية، حكى عنه ابن عبد البر قال:" تطهر بالجفوف وإن كانت ممن ترى القصة البيضاء.
стр. 18
قال والجفوف أبرأ للرحم من القصة البيضاء فمن كان طهرها القصة البيضاء فرأت الجفوف فقد طهرت، قال ولا تطهر التي طهرها الجفوف برؤيتها القصة البيضاء حتى ترى الجفوف
قال: وذلك أن أول الحيض دم ثم صفرة ثم كدرة ثم يكون نقاء كالقصة ثم ينقطع فإذا انقطع قبل هذه المنازل فقد برئت الرحم من الحيض.
قال والجفوف أبرأ وأوعب وليس بعد الجفوف انتظار شيء" (١)
وهذا خلاف الصواب فإن المرأة تجف أحيانا قرب انقطاع الحيض الفرض والفرضين والثلاثة ثم يعاودها الدم والكدرة والصفرة وهي ما تزال في مدة الحيض، أما إذا رأت القصة البيضاء فقط طهرت وأصبح الرحم نقيا ومن النادر أن تعاود الحيضة المرأة بعد رؤيتها، والقصة البيضاء معروفة عند النساء وهي الرطوبة السائلة اللزجة عديمة اللون التي تراها المرأة سائر الشهر.
قال ابن حجر:
"وفيه أن القصة البيضاء علامة لانتهاء الحيض ويتبين بها ابتداء الطهر، واعترض على من ذهب إلى أنه يعرف بالجفوف بأن القطنة قد تخرج جافة في أثناء الأمر فلا يدل ذلك على انقطاع الحيض، بخلاف القصة وهي ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض.
قال مالك: سألت النساء عنه فإذا هو أمر معلوم عندهن يعرفنه عند الطهر." (٢)
стр. 19
فجعل الإمام مالك معرفة النساء حدا يرجع إليه، ونحن النساء نعرف ذلك، ولا عبرة بالمعتلة بمرض كالتي ترى الصفرة والخضرة سائر شهرها، ولا المصابة بوسوسة، فإنها تقلق إذا دخل وقت الصلاة وهي جافة خشية أن يكون عليها صلاة، فتبادر بالغسل والصلاة ثم يعاودها الكدرة والصفرة فتحتار، والسبب أنها استعجلت وتطهرت قبل أن تطهر طهرا صحيحا بينا، والذي يمكن أن يزيل القلق سؤال المرأة نفسها: هل استيقنت من الطهر؟ فإن كان الجواب: نعم، اغتسلت، وإن كان الجواب: لا. لم يكن لها أن تصلي إذا رأت الكدرة؛ لأنها حينئذ انتقلت من حكم الحيض المستيقن إلى حكم الطهر بغير يقين، فلابد أن تكون مستيقنة من الطهر حتى تنتقل إلى حاله ولوازمه. والله أعلم.
حكم الرطوبة في غير أيام الحيض
الرطوبة: هي إفراز طبيعي عديم اللون عادة ولزج بدرجة خفيفة، ويشبه بياض البيض غير المطبوخ عندما يزداد نشاط غدد الرحم. (١)
والكلام على الرطوبة ينقسم إلى قسمين: من حيث الطهارة، ومن حيث نقض الوضوء. ولأهمية هاتين المسألتين للنساء خاصة؛ فإني أفصل في كل منهما.
١ـ طهارة الرطوبة
اختلف العلماء في الرطوبة في غير أيام الحيض، فذهب المالكية وأبو إسحاق بن شاقلا وابن رزين من الحنابلة إلى نجاسة الرطوبة مطلقا، قالوا لأنها رطوبة متولدة من الباطن. وذهب محمد بن الحسن وأبو يوسف من الأحناف، والشافعية إلى نجاسة الرطوبة الباطنة واتفقوا على طهارة الرطوبة الظاهرة. والمشهور من مذهب الإمام أحمد طهارتها دون تفصيل. وزاد الشافعية قسما ثالثا وهو الرطوبة المتولدة في الداخل وليست من الرحم، وهي المتكونة في قناة المهبل، وهي عندهم طاهرة على الصحيح، وهذا القسم هو الذي تسأل عنه النساء وهو ما نبحثه هنا إذ الرطوبة الباطنة التي تخرج مع الولد ليست متكررة ولا تعاني منها النساء.
ولما كانت هذه المسألة مهمة جدا لنا أردت أن أذكر أقوال الفقهاء بالتفصيل وبالله التوفيق
стр. 20
القائلون بنجاسة الرطوبة مطلقا:
قال خليل بن إسحاق المالكي: " والنجس ما استثني وميت غير ما ذكر ولو قملة أو آدميا....ومني ومذي وودي وقيح وصديد ورطوبة فرج" (١) وعلق الشراح من المالكية على هذا القول بقول عياض: ماء الفرج ورطوبته عندنا نجسان قالوا: وهو المعتمد من المذهب (٢)
وقال ابن قدامة من الحنابلة: " وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ احْتِمَالَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ فِي الْفَرْجِ لَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، أَشْبَهَ الْمَذْيَ. (٣)
قال المرداوي في الإنصاف: " الرواية الثانية هي نجسة، اختارها أبو إسحاق بن شاقلا وجزم به في الإفادات، وقدمه ابن رزين في شرحه" (٤)
стр. 21
ورجحه شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ (١) ، وشيخنا الشيخ صالح بن فوزان حفظه الله (٢)
القائلون بنجاسة الرطوبة الباطنة:
ذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن للقول بنجاسة الرطوبة الباطنة خلافا لأبي حنيفة، قال أبو بكر الحدادي العبادي: " وأما رطوبة الفرج فهي طاهرة عند أبي حنيفة كسائر رطوبات البدن وعندهما نجسة؛ لأنها متولدة في محل النجاسة" (٣) . قال ابن عابدين: "مطلب في رطوبة الفرج (قوله: الفرج) أي الداخل، أما الخارج فرطوبته طاهرة باتفاق بدليل جعلهم غسله سنة في الوضوء، ولو كانت نجسة عندهما لفرض غسله" (٤)
وذهب الشافعية للقول بنجاسة الرطوبة الباطنة باتفاق، قال الهيتمي: (وَرُطُوبَةُ الْفَرْجِ) أَيْ الْقُبُلِ وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمَذْيِ وَالْعَرَقِ يَخْرُجُ مِنْ بَاطِنِ الْفَرْجِ الَّذِي لَا يَجِبُ غَسْلُهُ بِخِلَافِ مَا يَخْرُجُ مِمَّا يَجِبُ غَسْلُهُ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ قَطْعًا وَمِنْ وَرَاءِ بَاطِنِ الْفَرْجِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ قَطْعًا كَكُلِّ خَارِجٍ مِنْ الْبَاطِنِ كَالْمَاءِ الْخَارِجِ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ قُبَيْلَهُ (٥)
وَأَمَّا الْأَمْرُ بِغَسْلِ الذَّكَرِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْهَا فَثَابِتٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ، وَالْقَائِلُ الْآخَرُ بِحَمْلِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَكِنْ مُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ" (١)
وقال في شرح مسلم: "وأجاب القائلون بنجاسة رطوبة فرج المرأة بجوابين:
أحدهما: جواب بعضهم أنه يمتنع استحالة الاحتلام منه ﷺ وكونها من تلاعب الشيطان بل الاحتلام منه جائز ﷺ وليس هو من تلاعب الشيطان بل هو فيض زيادة المنى يخرج في وقت.
والثاني أنه يجوز أن يكون ذلك المنى حصل بمقدمات جماع فسقط منه شيء على الثوب وأما المتلطخ بالرطوبة فلم يكن على الثوب " (٢)
стр. 24
القائلون بطهارة الرطوبة:
ذهب إلى القول بطهارة الرطوبةـ التي سبق تعريفهاـ الأحناف، قال أبو بكر الحدادي العبادي: ... " وأما رطوبة الفرج فهي طاهرة عند أبي حنيفة كسائر رطوبات البدن " (١) ورجحه المحققون من الشافعية، قال النووي: " وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: الْأَصَحُّ: الطَّهَارَةُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ عَلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ، وَحُكِيَ التَّنْجِيسُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ لِلشَّافِعِيِّ، أَحَدُهُمَا مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْآخَرُ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي، وَالْأَصَحُّ طَهَارَتُهُمَا" (٢) .
стр. 25
وقال:" وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على طهارة رطوبة فرج المرأة وفيها خلاف مشهور عندنا وعند غيرنا والأظهر طهارتها وتعلق المحتجون بهذا الحديث بأن قالوا الاحتلام مستحيل في حق النبي ﷺ ؛ لأنه من تلاعب الشيطان بالنائم فلا يكون المنى الذي على ثوبه ﷺ إلا من الجماع ويلزم من ذلك مرور المنى على موضع أصاب رطوبة الفرج فلو كانت الرطوبة نجسة لتنجس بها المنى ولما تركه في ثوبه ولما اكتفى بالفرك " (١)
стр. 26
وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، قال ابن قدامة:" وَالثَّانِي: طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مِنْ جِمَاعٍ، فَإِنَّهُ مَا احْتَلَمَ نَبِيٌّ قَطُّ، وَهُوَ يُلَاقِي رُطُوبَةَ الْفَرْجِ، وَلِأَنَّنَا لَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، لَحَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ مَنِيِّهَا؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِهَا، فَيَتَنَجَّسُ بِرُطُوبَتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: مَا أَصَابَ مِنْهُ فِي حَالِ الْجِمَاعِ فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْمَذْيِ، وَهُوَ نَجِسٌ. وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ، فَإِنَّ الشَّهْوَةَ إذَا اشْتَدَّتْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دُونَ الْمَذْيِ، كَحَالِ الِاحْتِلَامِ" (١)
وذهب لطهارة الرطوبة ابن حزم (٢) ورجحه شيخنا محمد بن عثيمين ﵀ (٣) وشيخنا محمد ناصر الدين الألباني (٤)
стр. 27
والذي يترجح عندي بعد عرض مذاهب الفقهاء وأدلتهم أن الرطوبة التي تكون مع الجماع نجسة لأنها مذي جاء النص على نجاسته كما مضى من حديث عثمان وأبي بن كعب ﵄ (١) أما ما لا يكون بشهوة فهو طاهر لما ذكر، ولأن الله تعالى سمى الحيض أذى وحرم إتيان الحائض لما يلازمها من الأذى وهو الدم النجس فلو كانت الرطوبة نجسة أيضا لما زال عنها الأذى ولما سميت طاهرة، والله تعالى سماها طاهرة حيث قال سبحانة: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " (٢)
٢ـ هل تنقض الرطوبة الوضوء:
اختلف الفقهاء في الرطوبة هل تنقض الوضوء أم لا؟
فذهب ابن حزم إلى أن الرطوبة لا تنقض الوضوء قال: " لا ينقض الوضوء شيء غير ما ذكرنا، لا رعاف ولا دم سائل......ولا شيء يخرج من فرج المرأة من قصة بيضاء أو صفرة أو كدرة أو كغسالة اللحم...." وهو مذهب الشافعية في الرطوبة الظاهرة دون الباطنة، قال في تحفة المحتاج في شرح المنهاج في بيان أسباب الحدث الأصغر: " أو خرجت رطوبة فرجها إذا كانت من وراء ما يجب غسله يقينا وإلا فلا" (٣) أي فلا تنقض وأشار إلى عدم نقضها للوضوء أيضا إذا قلنا يعفى عنها (٤)
قال ابن نجيم: "وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ الرِّيحُ الْخَارِجَةُ مِنْ الذَّكَرِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ , فَإِنَّهَا لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْهُمَا اخْتِلَاجٌ , وَلَيْسَ بِرِيحٍ خَارِجَةٍ , وَلَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَتْ بِمُنْبَعِثَةٍ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ وَالرِّيحُ لَا يَنْقُضُ إلَّا لِذَلِكَ لَا ; لِأَنَّ عَيْنَهَا نَجِسَةٌ ; لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ عَيْنَهَا طَاهِرَةٌ" (١)
أما المالكية فاعتبروا نقض الوضوء بالحدث وهو الخارج المعتاد في الصحة قال خليل:"نقض الوضوء بحدث، وهو الخارج المعتاد في الصحة لا حصى ودود ولو ببلة، وبسلس فارق أكثر، كسلس مذي قدر على رفعه" (٢) قال الخرشي:" وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ: الْمُعْتَادُ مِنْ بَوْلٍ وَوَدْيٍ وَرِيحٍ مَا لَيْسَ مُعْتَادًا كَالْحَصَى وَالدُّودِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِمَا أَذًى وَالرِّيحَ مِنْ قُبُلٍ وَلَوْ قُبُلَ امْرَأَةٍ لِأَنَّهُ كَالْجُشَاء" (٣)
стр. 30
ومع أن المالكية يرون نجاسة رطوبة المرأة إلا أنهم لايرون مثل ذلك من نواقض الوضوء حيث لم يعتبروا المذي من غير شهوة ناقضا مع أنهم يرون نجاسة المذي قال مالك في المدونة:" إذا كان ذلك منه من سلس من برد أو ما أشبه ذلك قد استنكحه ودام به فلا أرى عليه الوضوء" (١)
وقال القرافي:" والقياس على الأحداث بجامع النجاسة ممنوع؛ فإنه تعبد؛ لإيجاب الغسل من هذه الأشياء لغير المتنجس، والقياس في التعبد متعذر؛ لعدم العلة الجامعة". (٢) ولم يذكروا الرطوبة من نواقض الوضوء والقياس في النواقض عندهم ممتنع فدل أنهم لا يرونها ناقضة ولذا صوب ابن حزم رأيهم كما قال في المحلى:" أما المالكيون فلم يقيسوا ههنا، ولا عللوا بخارج ولا مخرج، ولا بنجاسة فأصابوا" (٣)
ومع أن الشافعية اعتبروا النقض بخروج الخارج من أحد السبيلين ريحا كان أوعينا نادرا كان أو معتادا طاهرا كان او نجسا (٤) وهو مذهب الحنابلة أيضا
َإلا أن الشافعية والحنابلة لم يعدو االرطوبة من النواقض ولا ذكروها عند ذكرهم الخارج من السبيل رغم توسعهم في ذكر الحالات النادرة وعدم إغفالهم لما يعرض كالريح تخرج من القبل، فلعلهم يرونها من الخارج الدائم الذي لا يمكن الاحتراز منه أو لا يكون عندهم من مخرج البول والغائط الذي هو مخرج النجاسة المنصوص عليها كما قال البهوتي:" (لَا) يَنْقُضُ الْخَارِجُ إنْ كَانَ (دَائِمًا) كَدَمِ مُسْتَحَاضَةٍ وَسَلَسِ بَوْلٍ وَنَحْوِهِ , لِلضَّرُورَةِ (مِنْ سَبِيلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالْخَارِجِ. وَهُوَ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ. فَيَنْقُضُ مَا خَرَجَ مِنْهُ." (١)
فلعل من رأى أن الرطوبة عندهم من النواقض أخذ ذلك من إيجابهم الوضوء من كل خارج من السبيل طاهرا كان أم نجسا، وقد بحثت في كتبهم فلم أجد أحدا نص على أن الرطوبة من النواقض صراحة (٢)
стр. 33
وذهب داود وابن حزم من الظاهرية إلى أن الرطوبة لا تنقض الوضوء ورد قول من قال بأنها ناقضة بأنه لم يرد بذلك نص فقال: " بُرْهَانُ إسْقَاطِنَا الْوُضُوءَ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا , هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ بِإِيجَابِ وُضُوءٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَلَا شَرَّعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إلَّا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ , وَمَا عَدَاهَا فَبَاطِلٌ , وَلَا شَرْعَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ ﵎ وَأَتَانَا بِهِ رَسُولُهُ ﷺ " (١) والمتأمل لرد ابن حزم يدرك أنه لم رد على الحنفية والشافعية لذكرهم الرطوبة من النواقض ولكن لذكرهم انتقاض الوضوء من الخارج من السبيل سوى ما جاء به النص، قال ابن حزم: " وأما الشافعي فإنه جعل العلة في نقض الوضوء للمخرج وجعله أبو حنيفة للخارج وعظم تناقضه في ذلك كما ذكرنا، وتعليل كلا الرجلين مضاد لتعليل الآخر ومعارض له ... " (٢)
وبعد هذا البحث في أقوال الفقهاء يترجح لدي أن الرطوبة لا تنقض الوضوء لأمور:
أولاً: إنه لم يرد فيها نص واحد لا صحيح ولا حسن بل ولا ضعيف، ولا قول صحابي، ولم يُلزم أحداً من النساء بالوضوء لكل صلاة كحال المستحاضة أحد من العلماء.
ولو علمت النساء في عهد رسول الله ﷺ أنه يلزمهن الوضوء لكل صلاة بسبب الرطوبة لما كان لسؤالهن عن الاستحاضة معنى، فإنهن لم يسألن عن الاستحاضة إلا لأنهن لم يكنَّ يرين الرطوبة شيئاً ولم يكن يتوضأن منها لكل صلاة.
стр. 34
والذي يفهم من ترك العلماء لذكر الرطوبة من نواقض الوضوء، أنهم لا يرونها ناقضاً، وليس العكس، فلو كانوا يرونها ناقضاً لذكروها من النواقض، ولو كان العلم بها مشتهراً، كما صنعوا في البول والغائط وغيرهما ولذا فإن ابن المنذر لم يذكر الرطوبة في النواقض المتفق عليها ولا المختلف فيها، (١) وليس صحيحا أن الفقهاء قعدوا القواعد ومناط الأحكام دون سائر المسائل؛ لأن ذلك كان من فقهاء الأمة الأوائل أما من جاء بعدهم فقد ذكروا من المسائل مالا يحدث إلا نادرا بل ربما ذكروا منها مالا يتصور حدوثه ومن يقرأ كتب فروع المذاهب خاصة الأحناف يدرك ذلك. (٢)
ثانياً: إن نساء الصحابة كسائر النساء في الفطرة والخلقة، وليس كما يظن أن الرطوبة شيء حادث في هذا الزمان أو أنه يصيب نسبة من النساء، ولا يصيب الجميع، بل هو شيء لازم لصحة المرأة ولسلامة رحمها كحال الدمع في العين والمخاط في الأنف واللعاب في الفم، ولو قيل: إن هذه الأمور حادثة، وليس منها شيء فيما سبق لم يوافق على ذلك أحد. والنساء أعرف بهذا، غير أن نسبة الرطوبة تتفاوت في كميتها تبعاً للطبيعة كالعرق والدمع، فبعض الناس يعرق كثيراً وآخر يعرق قليلاً وليس من أحد لا يعرق بتة، ولو كان ذلك لصار مرضاً.
ولو افُترض أن هذه الرطوبة لا تصيب كل امرأة بل تصيب نسبة منهن، فما مقدار هذه النسبة أهي أقل من المستحاضات! فما بال رسول الله ﷺ يبين أحكامها حتى جعل المحدثون والفقهاء للمستحاضة كتباً وأبواباً في مصنفاتهم، وهن أربع عشرة امرأة كما عدهن ابن حجر –﵀.
стр. 35
فلا يصح أن يقال: إن رسول الله ﷺ ترك بيان هذا الأمر؛ لأنه لا يصيب كل امرأة، والأحكام تنزل في الواحد والاثنين، والحادثة وإن خصَّت فحكمها عام.
ثالثاً: كانت الصحابيات يصلين مع رسول الله ﷺ وربما كنَّ صفًّا أو أكثر، وربما صلَّى بالأعراف أو الأنفال أو الصافات أو المؤمنون، ويطيل الركوع والسجود، ولم يُروَ أن بعضهن انفتلت عن الصلاة وذهبت لتعيد وضوءها، فالأيام كثيرة، والفروض أكثر وحرصهن على الصلاة خلف رسول الله ﷺ مستمر، فلا بد أن تنزل هذه الرطوبة من واحدة أو أكثر أثناء الصلاة كما يصيبنا نحن في صلاة التراويح أو غيرها، ولم يستفسرن عن هذا ولو كان الوضوء واجباً وقد تركن السؤال ظنًّا منهن بالطهارة فمستحيل أن لا ينزل الوحي في شأنهن.
стр. 36
رابعاً: إن تكليف المرأة بالوضوء لكل صلاة لأجل الرطوبة إن كانت مستمرة أو إعادتها للوضوء إذا كانت متقطعة شاق، وأية مشقة، وهو أكثر مشقة من الاحتراز من سؤر الهرة الطوافة بالبيوت حتى جعل سؤرها طاهراً، وهي من السباع، ورسول الله ﷺ يعلل طهارة الهرة بمشقة الاحتراز حيث يقول: "إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات". (١)
стр. 37
خامساً: إن الله تعالى سمّى الحيض أذى وما سواه فهو طهر فقال: " وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " (١)
فما كان طاهراً فكيف يُنجَس، وما كان طهراً فكيف يوجب وضوءاً؟.
فإن قيل: هذا المني طاهر ويوجب غسلاً؟
رد بأن خروج المني ليس هو سبب الغسل بل السبب في ذلك الشهوة البالغة المنتهى، ألا ترى أنه إذا ضعفت الشهوة لم توجب غسلاً وأوجبت وضوءاً بنزول المذي، ثم ألا ترى أن الإيلاج يوجب غسلاً ولا إنزال، فليست العبرة بنزول المني. ثم ألا ترى أن المرأة إذا رأت ما يرى الرجل ولم تر ماء لم يلزمها غسل فلابد من توفر الأمرين لقوله ﷺ : "نعم إذا رأت الماء" كما أخرج ذلك البخاري في كتاب الغسل/ باب إذا احتلمت المرأة عن أم سلمة ﵂ قال: "جاءت أم سليم امرأة طلحة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال: نعم إذا رأت الماء".
سادساً: حديث أم عطية "كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئاً"يشهد لهذا المعنى فإذا
كن لا يعددن الصفرة والكدرة شيئاً فلأن لا يعددن الرطوبة شيئاً من باب أولى.
وقولها: لا نعد الكدرة والصفرة شيئاً من الحيض، ولا تعد الصفرة والكدرة موجبة لشيء من غسل أو وضوء ولو كانت توجب وضوءاً لبينَّت ذلك.
سابعاً: إن جعل الرطوبة من نواقض الوضوء مع خلوه من الدليل يحرج النساء " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " (٢)
стр. 38
ومن تأخذ بهذه الفتوى وتلتزم بالوضوء من الرطوبة لو تمكنت من العمل بمقتضاها في بيتها وعملها فإنها لا تتمكن منها في العمرة والحج سيما المواسم والزحام، فهل ستعمل به تارة وتتركه أخرى، وهل يصح أن يكون ذلك حدثاً أحياناً ولا يكون حدثا أحياناً أخرى، ثم إن كثيرات ممن عملت بهذه الفتوى وألزمت نفسها بها أصابهن الوسواس الكثير، فصار شغلها الشاغل، هل نزل منها رطوبة أم لا؟
ثم إذا توضأت وصلَّت ووجدت شيئاً من ذلك ولم يكن مستمراً اضطرت لقطع صلاتها وإعادة الوضوء على الفتوى بأنه إذا كان متقطعاً لزمها إعادة الوضوء.
وهذا عسير جداً، ولا طاقة للمرأة به، والله تعالى لم يكلف عباده إلا بما يطيقون.
ثامنا: إن الأصل في النواقض الدليل الشرعي من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ لقوله ﷺ " لا وضوء إلا من حدث. قيل وما الحدث قال: صوت أو ريح (١)
ولأجل عدم وجود الدليل على انتقاض الوضوء بالرطوبة رجع العلامة فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن القول بانتقاض الوضوء بالرطوبة وكتب لي على بحث بعثت به إليه (راجعته فرأيت أقوى دليل على أن الرطوبة لا ينتقض بها الوضوء أن الأصل عدم النقض إلا بدليل) (١)
وبه احتج الشافعي ﵀ كما نقله عنه السرخسي قال: "وهذا إشارة إلى موضع الحدث لا عينه فدلَّ أن الحدث ما يكون من السبيل المعتاد، والمعنى فيه أن قليل الخارج من غير السبيل ليس بحدث بالاتفاق، وما يكون حدثاً، فالقليل منه والكثير سواء كالخارج من السبيل، والدليل عليه الريح إذا خرج من الجرح لم يكن حدثاً بخلاف ما إذا خرج من السبيل، وهذا لأن الشرع أقام المخرج مقام الخارج في ثبوت حكم الحدث فما لا يخرج منه إلا النجاسة جعل الخارج منه حدثاً ونجساً، وما يختلف الخارج منه لم يكن حدثاً وإن خرج منه ما هو بنجس، تيسيراً للأمور. (٢)