← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكُنْ لهما ذليلًا، رحمةً منك بهما، تُطليعُهما فيما أمَراك به ما (١) لم يكنْ للَّهِ معصيةٌ، ولا تُخالفْهما فيما أحبَّا. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: لا تمَتنعْ مِن شيءٍ يُحِبَّانه (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا الأشْجَعِيُّ، قال: سمِعتُ هشامَ بنَ عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: [هو أن] (٣) بَليَن لهما حتى لا يَمتَنِعَ مِن شيءٍ أَحبَّاه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيدٍ، قال: ثنا الثَّوريُّ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ

стр. 10012

الرَّحْمَةِ﴾. قال: لا تَمتنعْ مِن شيءٍ أحَبَّاه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن المُختارِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: هو أن لا تَمتنعَ مِن شيءٍ يُريدانِه. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُقرئُ أبو عبدِ الرحمنِ، عن حَرملةَ بن عِمرانَ، عن أبي الهدَّاجِ (١)، قال: قلتُ لسعيدِ بن المُسيَّبِ: ما قولُه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾؟ قال: ألمْ ترَ إلى قولِ العبدِ المُذنِبِ للسيدِ الفظِّ الغليظِ (٢). والذُّلُّ - بضمِّ الذالِ - والذِّلَّةُ (٣) مصدران مِن الذليلِ، وذلك أن يَتذلَّلَ (٤) وليس بذليلٍ في الخِلقةِ، مِن قولِ القائلِ: قد ذَلَلتُ لك (٥) أَذِلُّ ذِلَّةً وذِلًّا. وذلك نظيرُ القُلِّ والقِلَّةِ، إذا أُسقِطت الهاءُ ضُمت الذالُ من الذُّلِّ، والقافُ من القُلِّ، وإذا أُثْبِتت الهاءُ كُسِرت الذالُ من الذِّلةِ، والقافُ من القِلَّةِ، كما قال الأعشى (٦): * وَمَا كُنْتُ قُلًّا قبلَ ذلكَ أَزْيَبَا* يريد: القُلَّةَ. وأما الذِّلُّ بكسرِ الذالِ وإسقاطِ الهاءِ فإنه مصدرٌ من الذَّلولِ مِن قولِهم: دابةٌ ذَلُولٌ: بَيِّنَةُ الذِّلِّ، وذلك إذا كانت لينةً غيرَ صعبةٍ (٧). ومنه قولُ اللَّهِ جلَّ

стр. 10013

ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]. يُجمعُ ذلك ذُلُلًا، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ [النحل: ٦٩]. وكان مجاهدٌ يتأوَّلُ ذلك أنه لا يَتوعَّرُ (١) عليها مكانٌ سلَكتْه. واختَلفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ والشامِ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ بضمِّ الذالِ على أنه مصدرٌ من الذَّليلِ. وقرَأ ذلك سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعاصمٌ الجَحْدَرِيُّ: (جَناحَ الذُّلِّ) بكسرِ الذالِ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا بَهْزُ بنُ أسدٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أنه قرَأ: (وَاخْفِضْ لَهُما جُناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ). [قال: كُنْ لهما ذَليلًا، ولا تَكنْ لهما ذَلولًا] (٣). حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: أخبرَنى عمرُ بنُ شَقِيقٍ (٤)، قال: سمعتُ عاصمًا الجَحْدَرِيَّ يَقْرَأُ: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ). قال: كُنْ لهما ذليلًا، ولا تكنْ لهما ذَلولًا (٥). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ شَقِيقٍ (٤)، عن عاصمٍ مثلَه. قال أبو جعفرٍ: وعلى هذا التأويلِ الذي تأوَّله عاصمٌ كان يَنبغى أن تكونَ قراءتُه بضمِّ الذالِ لا بكسرِها. وبكسرِها حدَّثنا نصرٌ وابنُ بشارٍ. وحُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، قال: ثنى هشيمٌ، عن أبي بِشرٍ جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ

стр. 10014

ابن جبيرٍ أنه قرَأ: (وَاخفِضْ لَهُما جنَاحَ الذِّلِّ). قال الفرَّاءُ: وحدَّثنى (١) الحكمُ بنُ ظُهَيْرٍ، عن عاصمِ بن أبى النَّجودِ، أنه قرَأها: (الذِّلِّ) أيضًا، قال (٢): فسألتُ أبا بكرٍ فقال: ﴿الذُّلِّ﴾ قرَأها عاصمٌ (٣). وأما قولُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. فإنه يقولُ: ادعُ اللَّهَ لوالديك بالرحمةِ، وقل: ربِّ ارحمْهما، وتَعَطَّفْ عليهما بمغفرتِك ورحمتِك، كما تَعَطَّفا عليَّ في صِغَري، فرحِماني وربَّياني صغيرًا، حتى اسْتَقْلَلَتُ بنفسي، واسْتَغْنيتُ عنهما. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ هكذا عُلِّمتُم، وبهذا أُمِرْتُم، خذوا تعليمَ اللهِ وأدبَه، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ خرَج [ذاتَ يومٍ] (٤) وهو مادٌّ يدَيْه رافعٌ صوتَه يقولُ: "مَن أَدْرَك والدَيْه أو أحدَهما ثمَّ دخَل النَّارَ بعدَ ذلكَ فَأَبْعَده اللهُ وأَسْحَقَه". ولكن كانوا يرَوْن أنه من بَرَّ والديْه، وكان فيه أدنى تُقًى، فإن ذلك مُبْلِغُه جَسيمَ الخيرِ (٥). وقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: إِنَّ قولَ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. منسوخٌ بقولِه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ

стр. 10015

الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. ثم أنزَل اللهُ ﵎ بعدَ هذا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ [والحسنِ قالا] (٢): في سورةِ بني إسرائيلَ: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ (٣) عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، فنسَختْها الآيةُ التي في براءةَ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ، قال: ابن عباسٍ: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ الآية. قال: نسخَتْها الآيةُ التي في براءةَ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية (٤). وقد تَحتمِلُ هذه الآيةُ أن تكونَ - وإن كان ظاهرُها عامًّا في كلِّ الآباءِ (٥) -

стр. 10016

غيرَ (١) معنى النسخِ، بأن يكونَ تأويلُها على الخُصوصِ، فيكونَ معنى الكلامِ: وقل ربِّ ارحَمْهما [إذا كانا مؤمنَينِ] (٢)، كما رَبَّياني صغيرًا، فيكونَ مرادًا بها الخُصوصُ على ما قلنا غيرُ منسوخٍ منها شيءٌ. وعَنَى بقولِه: ﴿رَبَّيَانِي﴾ نَمَّياني (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ مِن تعظيمِكم أمرَ آبائِكم وأمهاتِكم، وتَكرِمَتِهم، والبرِّ بهم، وما فيها من اعتقادِ الاستخفافِ بحقوقِهم، والعقوقِ لهم، وغيرِ ذلك مِن ضمائرِ صدورِكم، لا يخفى عليه شيءٌ مِن ذلك، وهو مُجازيكم على حَسَنِ ذلك وسيِّئِه، فاحذروا أن تُضمِروا لهم سوءًا، [وتعقِدوا] (٤) لهم عقوقًا. وقولُه: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾. يقولُ: إن أنتم أصلحْتُم نيَّاتِكم فيهم، وأطعْتُم الله فيما أمَركم من البرِّ بهم، والقيامِ بحقوقِهم عليكم، بعد هفوةٍ كانت منكم، أو [زَلَّةٍ في] (٥) واجبٍ لهم عليكم مع القيامِ بما ألزَمكم في غيرِ ذلك مِن فرائضِه، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ بعدَ الزَّلةِ، والتائبين بعدَ الهَفْوةِ غفورًا لهم.

стр. 10017

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ (١) ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ أبي وعمِّى، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾. قال: البادِرَةُ تكونُ مِن الرجلِ إلى أبويْه لا يريدُ بذلك إلا الخيرَ، فقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ (٢). حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرَني أبي، عن حبيبِ بن أبي ثابت، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحَكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ في قولِه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: هو الرجلُ تكونُ منه البادرةُ إلى أبَويه وفي نيتِه وقلبِه أنه لا يؤاخَذُ به. واختلف أهل التأويلِ في تأويل قولِه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، فقال بعضُهم: هم المُسبِّحون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال (٣): ثنا أبو

стр. 10018

كُدَيْنَةَ، وحدَّثنى ابن سِنان القَزَّازُ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَيْنَةً، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: المُسَبِّحين (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا أبو خَيْثَمَةَ زهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عن عمرِو بن شُرحْبيلَ، قال: الأَوَّابُ: المسبِّحُ (٢). وقال آخرون: هم المُطيعون المحسنون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني على بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. يقولُ: للمُطِيعين المُحسنين (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: هم المُطيعون وأهلُ الصلاةِ (٤): حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: للمُطِيعين المُصلين (٥). وقال آخرون: بل هم الذين يُصلُّون بين المغرب والعشاءِ.

стр. 10019

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهْبٍ، عن أبي صَخْرٍ حميدِ بن زيادٍ، عن ابن المُنكدرِ، يرفعُه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: "الصلاةُ بينَ المغربِ والعشاء" (١). وقال آخرون: هم الذين يُصلُّون الضُّحَى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرو بنُ عليٍّ، قال: ثنا رباح أبو سليمانَ الرَّقاءُ، قال: سمِعتُ عَونًا العُقيْليَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الذين يُصلون صلاةَ الضُّحَى (٢). وقال آخرون: بل هو الراجِعُ من ذنبِه، التائبُ منه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمد بن الوليدِ القُرَشِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (٣)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الذي يُصيبُ الذنْبَ ثم يتوبُ، ثم يُصِيبُ الذنبَ ثم يَتوبُ (٤).

стр. 10020

حدَّثنا ابن المثَّنى، قال: ثنا سليمانُ بنُ داودَ، عن شعبةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، [عن سعيدِ] (١) بن المُسَيَّبِ، قال: هو الذي يُذنِبُ ثم يتوبُ، ثم يُذنبُ ثم يتوبُ، في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيَّبِ يُسألُ عن هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: هو الذي يُذنبُ ثم يتوبُ، ثم يُذنِبُ ثم يتوبُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني جريرُ بنُ حازمٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ بنحوِه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن سعيد بن المُسيَّبِ بنحوِه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: ثني مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: هو العبدُ يُذنِبُ ثم يَتوبُ، ثم يُذنبُ ثم يَتوبُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني الليثُ بنُ سعدٍ، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعْتُ سعيدَ بنَ المُسيَّبِ يَقولُ، فذكَرَ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا الثَّوريُّ ومَعمرٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ، قال: الأَوَّابُ: الذي يُذنِبُ ثم يَتوبُ، ثم يُذنِبُ ثم يَتوبُ، ثم يُذنِبُ ثم يتوبُ (٣).

стр. 10021

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبير في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الراجعين إلى الخيرِ (١). حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ وأبو داودَ وهشامٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، جميعًا عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بن عُمَير: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الذي يَذكُرُ ذنوبه في الخلاء، فيستغفرُ الله منها (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن (٣). الثوريِّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأوَّابُ: الذي يَذكرُ ذنوبَه في الخلاءِ فيستغفرُ اللَّهَ منها (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بن عُمَيرٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الذي يذكرُ ذنبَه ثم يتوبُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 10022

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الأوَّابون: الراجِعون التَّائبون (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال ابن جريج، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ: الرجلُ يذنِبُ ثم يتوبُ ثلاثًا (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عُبيدِ بن عُمَيرٍ قولَه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: الذي (٣) يتذكر ذنوبَه، فيستغفرُ الله لها (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني حَيْوَةُ (٥) بنُ شُريحٍ، عن عقبةَ بن مسلمٍ، عن عطاءِ بن يسارٍ، أنه قال في قولِه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾: يُذنبُ العبدُ ثم يتوبُ، فيتوبُ اللهُ عليه، ثم يُذنبُ فيتوبُ، فيتوبُ اللهُ عليه، ثم يُذنبُ الثالثةَ، فإن تاب تاب اللهُ عليه توبةً لا تُمْحَى (٦). وقد رُوى عن عُبيدِ بن عُمَيرٍ غيرُ القولِ الذي ذكَرنا عن مجاهدٍ (٧)، وهو ما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاق، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ مُسلمٍ،

стр. 10023

عن عمرِو بن دينارٍ، عن عُبيدِ بن عُمَيرٍ في قولِه: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. قال: كنا نَعُدُّ الأَوَّابَ الحفيظَ، أن يقولَ: اللهمَّ اغفرْ لي ما أَصَبْتُ في مجلِسى هذا (١). وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الأَوَّابُ هو التائبُ مِن الذَّنْبِ، الراجِعُ مِن مَعصية اللهِ إلى طاعتِه، ومما يكرَهُه إلى ما يرضاه؛ لأنَّ الأوّابَ إنما هو فعَّالٌ، من قولِ القائلِ: آبَ فلانٌ مِن كذا. إِمَّا مِن سَفَرِه إلى منزلِه، أو مِن حالٍ إلى حالٍ، كما قال عَبيدُ بنُ الأبرصِ (٢): وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَئُوبُ … وغائِبُ المَوْتِ لا يَئُوبُ فهو يئوبُ أوْبًا، وهو رجلٌ آئِبٌ مِن سَفرِه، وأَوَّابٌ مِن ذنوبِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى به قرابةَ المُؤمنِ (٣) قِبَلَ أبيه وأمِّه، أمَر الله جلَّ ثناؤُه عبادَه بصلتِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عِمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا حَبيبٌ المُعلِّمُ، قال: سأَل رجلٌ الحسنَ، قال: أُعْطِي قَرَابتي زكاةَ مالي؟ قال: إنَّ لهم

стр. 10024

في [مالِك حقًّا] (١) سوى الزكاةِ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريْجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾. قال: صلتَه التي تريدُ أن تَصِلَه بها، ما كنتَ تريد أن تَفعلَ إليه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. قال: هو أن تَصِلَ ذا القرابةِ والمسكينَ وتُحسِنَ إلى ابن السبيلِ. وقال آخرون: بل عنَى بذلك (٢) قرابةَ رسولِ اللهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: ثنا الصبَّاحُ بنُ يَحيى المُزَنيُّ (٣)، عن السديِّ، عن أبي الديلمِ، قال: قال عليُّ بنُ الحسينِ لرجلٍ مِن أهلِ الشامِ: أقَرأتَ القرآنَ؟ قال: نعم. قال: أفما قرَأت في "بني إسرائيلَ": ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾؟ قال: وإنكم للقَرَابَةُ الذي (٤) أمَر اللهُ أن يُؤتَى حقَّه؟ قال: نعم (٥). وأولى التأويلَين عندى بالصوابِ تأويلُ مَن تأوَّل ذلك أنه (٦) بمعنى وصيةِ اللهِ

стр. 10025

عبادَه بصلةِ قراباتِ أنفسِهم وأرحامِهم من قِبَلِ آبائِهم وأمهاتِهم؛ وذلك أن اللَّهَ عَقَّب ذلك عَقيبَ حَضَّه عبادَه على بِرِّ الآباءِ والأمَّهات، فالواجبُ أن يكونَ ذلك حَضًّا على صلةِ أنسابِهم دونَ أنسابِ غيرهم التي لم يجرِ لها ذِكرٌ. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: وأعطِ يا محمدُ ذا قرابتِك حقَّه من صلتِك إياه، وبرِّك به، والعطفِ عليه. وخرَج ذلك مخرج الخطابِ لنبيِّ اللهِ ﷺ ، والمراد بحُكمِه جميعُ مَن لزِمَتْه فرائضُ اللهِ، يدلُ على ذلك ابتداؤُه الوصيةَ بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾. فوجَّه (١) الخطابَ بقولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾. إلى نبيِّ اللهِ ﷺ ، ثم قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. فرجَع بالخطابِ (٢) به إلى الجميعِ، ثم صرَف الخطابَ بقولِه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ (٣) عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾. إلى إفرادِه به، والمعنى بكلِّ ذلك جميعُ مَن لزِمَتْه فرائضُ الله ؛ أفرِد بالخطابِ رسولَ اللهِ وحدَه، أو عُمَّ به هو وجميعُ أمتِه. وقولُه: ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾. وهو ذو (٤) الذلَّةِ مِن أهلِ الحاجةِ - وقد دَلَّلنا فيما مضَى على معنى "المسكينِ" بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضِعِ (٥) - ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: يعنى المسافرَ المُنقطَعَ به. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: وصِلْ قرابتَك، وأعطِه حقَّه من صلتِك إياه، [والمسكينَ] (٦) ذا الحاجةِ، والمجتازَ بك المُنقَطَعَ به، فأَعِنْه، وقوِّه

стр. 10026

على قَطْعِ سفرِه. وقيل: إنما عنَى بالأمرِ بإيتاءِ (١) ابن (٢) السبيل حقَّه أن يُضافَ ثلاثةَ أيامٍ. والقولُ الأوَّل عندى أولَى بالصوابِ؛ لأنَّ الله تعالى لم يَخْصُصْ من حقوقِه شيئًا دونَ شيءٍ في كتابِه، ولا على لسانِ رسولِه، فذلك عامٌّ في كلِّ حقٍّ له أن يُعطاه؛ من [ضيافتِه أو حملِه أو معونتِه] (٣) على سَفرِه. وقولُه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. يقولُ: ولا تفرِّقْ يا محمدُ ما أعطاك اللهُ مِن مالٍ في معصيتِه تفريقًا. وأصلُ التبذيرِ التفريقُ في السَّرَفِ. ومنه قولُ الشاعرِ (٤): أُناسٌ أجارُونا فَكانَ جِوَارُهُمْ … أعاصِيرَ مِنْ فَسْوِ (٥) العِرَاقِ المُبَذَّرِ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربي، قال: ثنا أبو الأخوص، عن أبي إسحاقَ، عن أبي العُبَيْدَينِ، قال: قال عبدُ اللهِ في قولِه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. قال: التبذيرُ في غيرِ الحقِّ، وهو الإسرافُ (٦). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ، عن

стр. 10027

مسلمٍ البَطِينِ، عن أبي العُبَيْدَينِ، قال: سُئل عبدُ اللهِ عن [المُبذرين، فقال] (١): الإنفاقُ في غيرِ حقٍّ (٢). حدَّثنا محمدُ بن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ الجزارِ، يحدِّثُ عن أبي العُبَيْدَينِ - ضريرِ البَصَرِ - أنه سأَل عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. قال: إنفاقُ المالِ في غيرِ حقِّه (٣). حدَّثني زكريا بنُ يَحيى بن أبي زائِدةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعمشِ، عن الحكمِ، عن يَحيى بن الجزَّارِ، عن أبي العُبَيْدَينِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه (٤). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن الحكمِ بن عُتَيْبَةَ، عن يَحيى بن الجزَّارِ، أنّ أبا العُبَيْدَينِ - كان ضريرَ البصرِ - سأَل ابنَ مسعودٍ قال: ما التبذيرُ؟ فقال: إنفاقُ المالِ في غيرِ حقِّه. [حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: أنبأنا الحكَمُ، عن يَحيى بن الجَزَّارِ، عن أبي العُبَيْدَين، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا المُحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن أبي العُبَيْدَينِ، أنه سأَل ابنَ مسعودٍ، فقال: ما التبذيرُ؟ قال: إنفاقُ المالِ في غيرِ حقِّه (٥)] (٦).

стр. 10028

حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلَمَ، قال: أخبَرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيلٍ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ، قال: أخبَرنا سلمةُ بن كُهَيْلٍ، عن أبي العُبَيْدَينِ - وكانت به زَمَانةٌ، وكان عبدُ اللَّهِ يعرِفُ له ذلك - فقال: يا أبا عبد الرحمنِ، ما التبذيرُ؟ فذكَر مثلَه. حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو الحَوْأبِ، عن عمارِ بن زُرَيقٍ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، عن أبي العُبَيْدَينِ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: كنا أصحابَ محمدٍ ﷺ ما نتحدَّثُ أن التَّبذيرَ النفقةُ في غيرِ حقِّه (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ العَنْبرِيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: كنتُ أمشى مع أبي إسحاقَ في طريقِ الكوفةِ، فأتَى على دارٍ تُبْنَى بجِصٍّ وآجُرٍّ، فقال: هذا التبذيرُ في قولِ عبدِ اللَّهِ؛ إنفاقُ المالِ في غيرِ حقِّه (٢). حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. قال: المبذِّرُ المُنْفِقُ في غيرِ حقٍّ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبَّادٌ، عن حُصَيْنٍ، عن عكرمةً، عن ابن عباسٍ، قال: المبذِّرُ المنفقُ في غيرِ حقِّه (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: لا تُنْفِقْ في الباطلِ، فإِنَّ المُبَذِّرَ هو المسرفُ في غيرِ حقٍّ (٥). قال ابن جُريجٍ: قال مجاهدٌ: لو أنفَق إنسانٌ مالَه كلَّه فِي الحَقِّ ما كان تبذيرًا،

стр. 10029

ولو أنفَق مُدًّا في باطلٍ كان تَبذيرًا (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: و (٢) التبذيرُ النفقةُ في معصيةِ اللهِ، وفى غيرِ الحقِّ، وفي الفسادِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. قال: بدَأ بالوالدين قبلَ هذا، فلما فرَغ من الوالدين وحقِّهما، ذكر هؤلاء، وقال: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: لا تُعطِ في معاصى اللهِ. وأما قولُه: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾. فإنه يعنى: إِنَّ المفرِّقين أموالَهم في معاصى اللهِ، المُنفقيها في غيرِ طاعتِه، أولياءُ الشياطين. وكذلك تقولُ العربُ لكلِّ مُلازمٍ سنةَ قومٍ وتابعٍ أمْرَهم (٥): هو أخوهم. ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. يقولُ: وكان الشيطانُ لنعمةِ ربِّه التي أنعمها عليه جَحُودًا لا يشكرُه عليها، [ولكنه] (٦) يكفرُها بتَرْكِه طاعةَ اللَّهِ، وركوبِه معصيتَه، وكذلك إخوانُه من بنى آدم المبذِّرون (٧) أموالَهم في معاصِى اللهِ، لا يشكُرون الله على نِعَمِه عليهم، ولكنهم يُخالفون أمره ويعصُونه، ويستَنَّون فيما أنعم اللهُ عليهم به مِن الأموالِ التي خوَّلَهموها - سنةَ مَن تَرَكَ الشكرَ عليها

стр. 10030

وتلقّاها بالكُفران. كالذى حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ﴾: إن المُنْفقِين في معاصى اللهِ ﴿كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تُعرِضْ يا محمدُ عن هؤلاء الذين أمَرْتُك أن تُؤتيَهم حقوقَهم إذا وجَدْتَ إليها السبيلَ، بوجهِكَ عندَ مسألتِهم إياك ما لا تجدُ إليه سبيلًا: حياءً منهم ورحمةً لهم (١)، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ: انتظارَ رزقٍ (٢) تنتظِرُه من عندِ ربِّك، وترجو تَيسيرَ اللَّهِ إياه لك، فلا تُؤَيِّسْهم، ولكن ﴿قُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. يقولُ: ولكن عِدْهم وَعْدًا جميلًا، بأن تقولَ: سيرزُقُ اللهُ فأُعطِيكم (٣). وما أشبهَ ذلك مِن القولِ الليِّنِ غيرِ الغليظِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠]. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: انتظارَ

стр. 10031

الرزقِ، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. قال: ليِّنًا، تَعِدُهم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: رزقٍ، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢) [الزخرف: ٣٢]. حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عُمارةُ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: انتظارَ رزقٍ من اللَّهِ يأتِيك. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: إن سَأَلوك فلم يَجِدُوا عندك ما تُعطيهم، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾. قال: رزقٍ تَنْتَظِرُه، تَرْجُوه، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. قال: عِدهم عِدَةً حسنةً: إذا كان ذلك، إذا جاءنا ذلك فعَلنا، أعطَيْناكم. فهو القولُ الميسورُ (٣). قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: إن سألوك فلم يكنْ عندَك ما تُعطِيهم، فأعرَضتَ عنهم ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾. قال: رزقٍ تَنتَظِرُهُ (٤)، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 10032

في قولِ اللَّهِ : ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: انتظارَ رزق الله (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن عبيدة في قوله: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. قال: ابتغاءَ الرزقِ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ قال (٢): رزقٍ تَنتَظِرُه، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. قال (٣): معروفًا. حدَّثنا محمدُ بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. قال: عِدْهم خيرًا. وقال الحسنُ: قُل لهم قولًا (٤) ليِّنًا سهلًا (٥). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾. يقولُ: لا تَجِدُ شيئًا تُعْطِيهم، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ: انتظارَ الرزقِ من ربِّك. نزَلتْ في مَن كان يَسأَلُ النبيَّ ﷺ من المساكينِ (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثني عُمارةُ، عن عكرمةَ في قولِ اللهِ: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. قال: الرفقُ.

стр. 10033

وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾: عن هؤلاء الذين أَوْصَيْنَاك بهم، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾: إذا خشِيتَ إن أعطَيتَهم أن يَتَقوَّوا بها على معاصى اللهِ، ويَسْتَعِينوا بها عليها، فرأيتَ أن تَمْنَعَهم خيرًا، فإذا سألوك ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾: قولًا جميلًا: رزَقك اللهُ، بارَك اللهُ فيك (١). وهذا القولُ الذي ذكَرنا عن ابن زيدٍ - مع خِلافِه أقوالَ أهلِ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ - بعيدٌ بالمعنى (٢) مما يدُلُّ عليه ظاهرُها؛ وذلك أن الله تعالى قال لنبيِّه ﷺ : ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾. أمَره أن يقولَ إذا كان إعراضُه عن القومِ الذين ذكَرهم انتظارَ رحمةٍ منه يَرجُوها من ربِّه ﴿قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. وذلك الإعراضُ ابتغاءَ الرحمةِ لن يَخْلُوَ من أحدِ أمرين: إما أن يكونَ إعراضًا منه ابتغاءَ رحمةٍ من اللهِ يَرجُوها لنفسِه، فيكونَ معنى الكلامِ كما قلناه، وقاله أهلُ التأويلِ الذين ذكَرنا قولَهم وخلافَ قولِه. أو (٣) يكونَ إعراضًا منه ابتغاءَ رحمةٍ من اللهِ يرجُوها للسائلين الذين أُمِر نبيُّ اللهِ ﷺ بزعمِه أن يَمنَعَهم ما سألوه خشيةً عليهم من أن يُنْفِقوه في معاصى اللهِ، فمعلومٌ أن سَخَطَ اللَّهِ على مَن كان غيرَ مأمونٍ منه (٤) صَرْفُ ما أُعْطِى من نفقةٍ ليتقوَّى (٥) بها على طاعةِ اللهِ في معاصيه، أخوفُ من رجاءِ رحمتِه له، وذلك أن رحمةَ اللهِ إنما تُرْجَى لأهلِ طاعتِه، لا لأهلِ معاصيه، إلا أن

стр. 10034

يكونَ أراد توجيهَ ذلك إلى أن نبيَّ اللهِ ما أُمر بمنعِهم ما سألوه، ليُنِيبُوا من معاصى الله، ويتوبوا بمنعه إياهم ما سألوه، فيكون ذلك وجها يَحْتَمِلُه (٦) تأويلُ الآيةِ، وإن كان لقولِ أهلِ التأويلِ مُخالِفًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾. وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى للمُمتنعِ من الإنفاقِ في الحقوقِ التي أوجَبها اللهُ في أموالِ ذوى الأموالِ، فجعَله [كالمَشدودةِ يدُه] (١) إلى عنقِه، الذي لا يَقْدِرُ على الأخذِ بها والإعطاءِ. وإنما معنى الكلامِ: ولا تُمْسِك يا محمدُ يدَك بُخْلًا عن النفقةِ في حقوقِ اللَّهِ، فلا تُنْفِقُ فيها شيئًا إمساكَ المغلولةِ يدُه إلى عنقِه الذي لا يَستطِيعُ بسطَها، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. يقولُ: ولا تَبْسُطْها بالعطيةِ كلَّ البسطِ، فتَبقَى لا شيءَ عندَك، ولا تَجِدُ، إذا سُئلت، شيئًا تُعْطِيه سائلَك، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. يقولُ: فتَقْعُدَ يلومُك (٢) سائلوك إذا لم تُعْطِهم حينَ سأَلوك، وتلومُك نفسُك على الإسراعِ في مالكِ وذَهابِه، ﴿مَحْسُورًا﴾. يقولُ: مُعْيًى (٣)، قد انقُطِع بك، لا شيءَ عندَك لنفقةٍ. وأصلُه - يُرى (٤) - من قولهم للدابةِ التي قد سِير عليها حتى انقَطَع سيرُها وكلَّتْ ورَزَحتْ من السيرِ -: دابةٌ (٥) حَسيرٌ. يقالُ منه: حسَرْتُ الدابةَ، فأنا

стр. 10035

أَحْسِرُها [وأَحْسُرُها] (١) حَسْرًا. وذلك إذا أَنْضَيْتَه (٢) بالسيرِ. وحَسَرْتُه بالمسألةِ؛ إذا سألتَه فألحفتَ. وحَسَرَ البصرُ فهو يَحْسِرُ، وذلك إذا بلَغ أقصى المَنظرِ فكَلَّ. ومنه [قولُه ] (١): ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]. وكذلك ذلك في كلِّ شيءٍ كَلَّ وأَزْحَف (٣) حتى يُنْقَى (٤) وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. قال: لا تجعَلْها مغلولةً عن النفقةِ، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا﴾: تُبَذِّرُ، تُسْرِفْ (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ بَهْزٍ، قال: ثنا حَوشبٌ، قال: كان الحسنُ إذا تلا هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. يقولُ: لا تُطَفِّف (٦) برزقي عن غيرِ رِضاى، ولا تضعْه في سُخْطى فأسلُبَك ما في يديك، فتكونَ حسيرًا ليس في يديك منه شيءٌ. حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ

стр. 10036

الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. يقولُ: هذا في النفقةِ، يقولُ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. يقولُ: لا تبسُطْها بخيرٍ (١)، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾: يعنى التبذيرَ، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾. يقولُ: يلومُ نفسَه على ما فات من مالِه، ﴿مَحْسُورًا﴾. يعني: ذهَب مالُه كلُّه فهو محسورٌ (٢). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: يعنى بذلك البخلَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. أي: لا تُمْسِكْها عن طاعةِ اللهِ، ولا عن حقِّه، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. يقولُ: لا تُنْفِقْها في معصيةِ اللهِ، و (٤) فيما لا (٥) يَصْلُحُ (٦)، ولا يَنْبَغِى لك، وهو الإسرافُ. قولَه: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. قال: ملومًا (٧) في عبادِ اللهِ، محسورًا على ما سلَف من دهرِه وفرَط. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. قال: في النفقةِ. يقولُ: لا تُمْسِكْ عن النفقةِ (٨)، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. يقولُ: لا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾

стр. 10037

في عبادِ اللهِ ﴿مَحْسُورًا﴾. يقولُ: نادِمًا على ما فرَط منك (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لا تُمْسِكْ عن النفقةِ فيما أمرتُك به من الحقِّ، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فيما نهيتُك، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾. قال: مُذنِبًا (٢)، ﴿مَحْسُورًا﴾. قال: مُنْقَطَعًا بك. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. قال: مغلولةً لا تَبْسُطُها بخيرٍ ولا بعطيةٍ (٣)، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾: في الحقِّ والباطلِ، فينفَدَ ما (٤) في يديك، فيأتيك مَن يُرِيدُ أن تُعْطِيَه كما أعْطَيْتَ هؤلاء، فلا تجد ما تُعْطيه، فيَحْسِرُك (٥)، فيلومُك حينَ أعطيتَ هؤلاء ولم تُعْطِهم. القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : إن ربَّك يا محمدُ يَبْسُطُ رزقَهُ لَمَن يَشَاءُ من عبادِه، فيُوسِّعُ عليه، ويقدرُ على من يشاءُ. يقولُ: ويُقَتِّرُ على مَن يَشَاءُ منهم، فيُضَيِّقُ عليه، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾. يقولُ: إن ربَّك ذو خبرةٍ بعبادِه، ومَن الذي تُصْلِحُه السَّعَةُ في الرزقِ وتُفْسِدُه، ومَن الذي يُصْلِحُه الإقتارُ والضَّيقُ ويُهْلِكُه، ﴿بَصِيرًا﴾. يقولُ: هو ذو بَصَرٍ بتدبيرِهم وسياستِهم. يقولُ: فانتهِ

стр. 10038

يا محمدُ إلى أمرِنا فيما أمَرناك ونهيناك، من بسطِ يدِك فيما تَبْسُطُها فيه، وفي مَن تَبْسُطُها له، وفى (١) كفِّها عمَّن تَكُفُّها عنه، وتَكُفُّها فيه، فنحن أعلمُ بمصالح العبادِ منك ومن جميعِ الخلقِ، وأبصرُ بتدبيرِهم. كالذي حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ثم أخبَرنا ﵎ كيفَ يصْنَعُ، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾. قال: يَقْدِرْ: يُقلُّ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ "يَقْدِرُ" كذلك. قال: ثم أخبرَ عبادَه أنه لا يرزَؤُه ولا يئُوده أن لو بَسَط عليهم، ولكن نظرًا لهم منه، فقال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]. قال: والعربُ إذا كان الخِصْبُ وبُسِط عليهم أَشِروا (٢)، وقتَل بعضُهم بعضًا، وجاء الفسادُ، فإذا كان السَّنَةُ (٣) شُغِلوا عن ذلك (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقَضَى ربُّك يا محمدُ ألَّا تعبُدوا إلا إياه، وبالوالِدَين إحسانًا، فموضعُ ﴿تَقْتُلُوا﴾ نَصْبٌ (٥) عطفًا على ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾. ويعنى بقولِه: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: خوفَ [افتِقارٍ ونقْصٍ] (٦).

стр. 10039

وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى، وذكَرنا الروايةَ فيه (١). وإنما قال جلَّ ثناؤُه ذلك للعربِ؛ لأنهم كانوا يقتُلون الإناثُ من أولادِهم خوفَ العَيْلةِ على أنفسِهم بالإنفاقِ عليهن. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. أي: خشيةَ الفاقةِ، و (٢) كان أهلُ الجاهليةِ يقتُلون أولادَهم خشيةَ الفاقةِ، فوعَظهم اللهُ في ذلك، وأخبَرهم أن رزقَهم ورزقَ أولادِهم على اللهِ، فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٣). حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. قال: كانوا يقتُلون البناتِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. قال: الفاقةُ والفقرُ (٥). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾. يقولُ: الفقرُ (٦). وأما قولُه: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. فإن القَرأةَ اختلَفت في قراءتِه؛ فقرَأتْه عامةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾

стр. 10040

بكسر الخاءِ من الخَطْأِ وسكونِ الطاءِ (١). وإذا قُرِئ ذلك كذلك، كان له وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يكونَ اسمًا من قول القائلِ: خَطِئتُ فأنا فأنا أَخْطَأُ خَطْأً (٢)، بمعنى: أذنبتُ وأثِمْتُ، ويُحكى عن العرب: خَطِئتُ: إذا أذنبتَ عمدًا، وأخطأتُ: إذا وقَع منك الذنب (٣) على غيرِ عمدٍ منك له. والثاني: أن يكونَ بمعنى "خَطَأ" بفتحِ الخاءِ والطاءِ، ثم كُسِرت الخاء وسُكِّنت الطاءُ، كما قيل: قِتْبٌ وقَتَبٌ، وحِذْرٌ وحَذَرٌ، ونِجْسٌ ونَجَسٌ (٤). والخِطْءُ بالكسرِ اسمٌ، والخَطَأُ بفتح الخاءِ والطاءِ مصدرٌ من قولِهم: خَطِئ الرجلُ. وقد يكونُ اسمًا من قولِهم: أَخْطَأَ. فأما المصدرُ منه فالإخطاءُ. وقد قيل: خَطِئ. بمعنى أخطَأ، كما قال الشاعرُ (٥): يا لَهْفَ هِنْدٍ إِذْ خَطِئْنَ كاهِلا (٦) بمعنى: أخطَأنَ. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهل المدينة: (إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خَطَأً) بفتح الحَاءِ والطاءِ مقصورًا (٧) على توجيهِه إلى أنه اسمٌ، من قولِهم: أخطَأ فلانٌ خَطَأً. وقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ: (إنَّ قَتَلَهُمْ كان خَطَاءً) بفتحِ الخاءِ والطاءِ ومدِّ الخَطَاءِ، بنحوِ معنى مَن قرَأه خَطَأً بفتحِ الخاءِ والطاءِ، غيرَ أنه يُخالِفُه في مدِّ

стр. 10041

الحرفِ (١). وكان عامةُ (٢) أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ الكوفة وبعضِ البصريين منهم يرَوْن أن الخِطْءَ والخَطَأَ بمعنًى واحدٍ، إلا أن بعضَهم زعَم أن الخِطْءَ بكسرِ الخاءِ وسكونِ الطاءِ في القراءةِ أكثرُ، وأن الخَطَأَ بفتحِ الخاءِ والطاءِ في كلامِ الناسِ أفشَى (٣)، وأنه لم يُسْمَعِ الخِطْءُ بكسرِ الخاءِ وسكونِ الطاءِ في شيءٍ من كلامِهم وأشعارِهم، إلا في بيتٍ أنشَده لبعضِ الشعراءِ (٤): الخطْءُ فاحِشَةٌ والبِرُّ نافِلَةٌ (٥) … كعَجْوَةٍ غُرِسَتْ فِي الْأَرْضِ تُؤْتَبَرُ (٦) وقد ذكَرتُ الفرقَ بيَن الخِطْءِ بكسرِ الخاءِ وسكون الطاءِ وفتحِهما. وأولى القراءاتِ في ذلك عندَنا بالصوابِ القراءةُ التي عليها قرَأةُ أهل العراقِ وعامةُ أهلِ الحجازِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليها، وشذوذِ ما عداها (٧). وإن معنى ذلك: كان إثمًا وخطيئةً، لا خَطَأً من الفعلِ؛ لأنهم إنما كانوا يقتلونهم عمدًا لا خطَأً، وعلى عمدِهم ذلك عاتَبهم ربُّهم، وتقدَّم إليهم بالنهى عنه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.

стр. 10042

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿خِطْئًا كَبِيرًا﴾. قال (١): خطيئةً (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. قال: خطيئةً. قال ابن جريجٍ: وقال ابن عباسٍ: ﴿خِطْئًا﴾: خطيئةً (٣). القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقضَى أيضًا ألَّا تَقْرَبُوا أيها الناسُ الزنى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. [يقولُ: إن الزِّنى كان فاحشةً] (٤)، ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. يقولُ: وساءَ طريقُ الزِّنى طريقًا؛ لأنه طريق أهلِ معصيةِ اللهِ، [والمخالفينِ] (٥) أمرَه، فأَسْوِئ به طريقًا يُورِدُ صاحبَه نارَ جَهَنَّمَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾.

стр. 10043

يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقضَى أيضًا ألَّا تقتُلوا، أيُّها الناسُ، النفسَ التي حرَّم اللهُ قتلَها إلا بالحقِّ. وحقُّها أن لا تُقتَلَ إلا بكفرٍ بعد إسلامٍ، أو زنًى بعد إحصانٍ، أو قودٍ بنفس؛ وإن كانت كافرةً لم يتقدَّمْ كفرَها إسلامٌ، فأن لا يكونَ تقدَّم قَتْلَها لها عهدٌ وأمانٌ. كما حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: وإنا والله ما نعلَمُ يَحِلُّ (١) دمُ امرِئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ؛ إلا رجلًا قتل متعمِّدًا فعليه القَوَدُ، أو زَنَى بعد إحصانِه فعليه الرجمُ، أو كفَر بعد إسلامِه فعليه القتلُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ - [أو غيره] (٢) قال: قيل لأبي بكرٍ: أتَقتُلُ مَن يرَى ألَّا يُؤَدَّيَ الزكاةَ؟! قال: لو منَعونى شيئًا مما أَقَرُّوا به لرسولِ اللهِ ﷺ لقاتَلْتُم. فقيل لأبي بكرٍ: أليس قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرتُ أن أُقاتِل الناسَ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ. فإذا قالوها عصَموا منى دماءَهم [وأموالهم] (٣) إلا بحقِّها، وحسابُهم على اللَّهِ"؟ فقال أبو بكرٍ: هذا من حقِّها (٤). حدَّثني موسى بنُ سهلٍ، قال: ثنا عمرُو بن هاشمٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حيانَ عن حميدٍ الطويلِ، عن أنسِ بن مالكٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أُمرتُ أن أُقاتِل الناسَ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ. فإذا قالوها عصَموا منى دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحسابُهم على اللهِ". قيل: وما حقُّها؟ قال: "زنًى بعد إحصانٍ، وكفْرٌ

стр. 10044

بعدَ إيمانٍ، وقتْلُ نفس فيُقْتَلُ بها" (١). وقولُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾. يقولُ: ومَن قُتِل بغيرِ المعاني التي ذكَرنا أنه إذا قُتِل بها كان قَتْلًا بحقٍّ، ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. يقولُ: فقد جعَلنا لوليِّ المقتولِ ظُلْمًا سلطانًا على قاتلِ وليِّه، فإن شاء استَقاد منه فقَتَله بوليِّه، وإن شاء عفَا عنه، وإن شاء أخَذ الدِّيَةَ. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى السلطانِ الذي جُعِل لوليِّ المقتولِ؛ فقال بعضُهم في ذلك نحوَ الذي قُلْنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. قال: بيِّنةً من اللهِ أَنزَلها، يَطْلُبُها وليُّ المقتولِ؛ العَقْلَ (٢) أو القَوَدَ، وذلك السلطانُ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ بن مُزاحِمٍ في قولِه: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. قال: إن شاء عفَا، وإن شاء أخَذ الدِّية (٤).

стр. 10045

وقال آخرون: بل ذلك السلطانُ هو القتلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾: وهو القَوَدُ الذي جعَله اللهُ تعالى (١). وأولى التأويلين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن تأوَّل ذلك: أن السلطانَ الذي ذكَر اللهُ تعالى في هذا الموضعِ ما قاله ابن عباسٍ، من أن لوليِّ القتيلِ القتلَ إن شاء، وإن شاء أخَذ الديةَ، وإن شاء العفوَ؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال يومَ فتحِ مكةَ: "ألا ومَن قُتِل له قتيلٌ فهو بخيرِ النَّظَرَيْن؛ بين أن يَقتُلَ أو يَأخُذَ الدية" (٢). وقد بيَّنا الحكمَ في ذلك في كتابِنا "كتابِ الجِراحِ". وقولُه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. اختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (فَلا تُسْرِفْ) بمعنى الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ (٣)، والمرادُ به هو والأئمةُ مِن بعدِه. يقولُ: فلا تَقْتُلْ بالمقتولِ ظُلْمًا غيرَ قاتلِه، وذلك أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يفعَلون ذلك؛ إذا قتَل رجلٌ رجلًا عمَد وليُّ القتيلِ إلى الشَّريفِ من قبيلةِ القاتلِ فقتَله بوليِّه وترَك القاتلِ، فنهَى اللهُ عن ذلك عبادَه، وقال لرسولِه ﵊: قتلُ غيرِ القاتلِ بالمقتولِ معصيةٌ وسَرَفٌ، فلا تَقْتُلْ به غيرَ قاتلِه، وإن قتَلتَ القاتلَ بالمقتولِ فلا تُمَثِّلْ به. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿فَلَا

стр. 10046

يُسْرِفْ﴾ بالياءِ (١)، بمعنى: فلا يُسْرِفْ وليُّ المقتولِ فيَقْتُلَ غيرَ قاتلِ وليِّه. وقد كم قيل: عنَى به: فلا يُسْرِفِ القاتلُ الأولُ، لا وليُّ المقتولِ. والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى؛ وذلك أن خطابَ اللهِ ﵎ نبيِّه ﷺ بأمرٍ أو نهيٍ في أحكامِ الدينِ، قضاءٌ منه بذلك على جميعِ عبادِه، وكذلك أمرُه ونهيُه بعضَهم أمرٌ منه ونهيُ جميعِهم، إلا فيما دلَّ فيه على أنه مخصوصٌ به بعضٌ دونَ بعضٍ، فإذا كان ذلك كذلك بما قد بيَّنا في كتابِنا كتابِ "البيانِ عن أصولِ الأحكامِ"، فمعلومٌ أن خطابَه تعالى بقولِه: (فَلا تُسْرِف (٢) في القَتْلِ) نبيِّه ﷺ ، وإن كان موجَّهًا إليه أنه معنيٌّ به جميعُ عبادِه، فكذلك نهيُه وليَّ المقتولِ أو القاتلَ عن الإسرافِ في القتلِ والتعدِّى فيه، نهىٌ لجميعِهم. فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ صوابَ القراءةِ في ذلك. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِهم ذلك نحوَ اختلافِ القرَأةِ في قراءتِهم إيَّاه. ذكرُ مَن تأوَّل (٣) ذلك بمعنى الخطابِ لرسول اللهِ ﷺ - حدَّثنا ابن بشار (٤)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن طَلْقٍ بن حَبيبٍ في قولِه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ (٥) فِي الْقَتْلِ﴾. قال: لا تَقْتلْ (٦) غيرَ قاتلِهِ، ولا

стр. 10047

تُمثِّلْ (١) به (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن طَلْقٍ بن حَبيبٍ بنحوِه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن حُصَيْفٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. قال: لا تَقْتلِ اثنيْن بواحدٍ (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ قال (٤): كان هذا بمكةَ ونبيُّ اللهِ ﷺ ، وهو أولُ شيءٍ نزَل من القرآنِ في شأنِ القتلِ. كان المشركون [من أهلِ مكةِ] (٥) يَغتالون أصحابَ النبيِّ ﷺ ، فقال اللهُ ﵎: مَن قتَلكم من المشركين، فلا يَحْمِلنَّكم قَتْلُه إياكم على أن تَقْتُلوا له أبًا أو أخًا أو أحدًا من عشيرتِه وإن كانوا مشركين، فلا تَقْتُلوا إلا قاتِلكم. وهذا قبلَ أن تَنزِل "براءةُ"، وقبلَ أن يُؤمَروا بقتالِ المشركين، فذلك قولُه: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. يقولُ: لا تَقتُلْ غير قاتلِك، وهى اليومَ على ذلك الموضعِ من المسلمين، لا يَحِلُّ لهم أن يَقتُلوا إلا قاتلَهم (٦).

стр. 10048

ذكرُ مَن قال: عُنى به وليُّ المقتولِ حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. قال: كان الرجلُ يُقتل فيقولُ وليُّه: لا أرضَى حتى أقتُلَ به فلانًا وفلانًا من أشرافِ قبيلتِه (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. قال: لا تَقتُلْ غيرَ قاتلِك، ولا تُمثِّلْ به (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. [قال: لا] (٣) يَقتُلْ غيرَ قاتلِه؛ مَن قَتَل بحديدةٍ قُتل بحديدةٍ، ومَن قَتَل بخَشَبةٍ قُتِل بخشبةٍ، ومن قتَل بحَجَرٍ قُتِل بحجرٍ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "إن من أعتَى الناسِ على اللهِ جلَّ ثناؤُه ثلاثةً؛ رجلٌ قتَل غيرَ قاتلِه، أو قتَل بذَحْلِ (٤) الجاهليةِ، أو قتَل في حرمِ الله" (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال (٦): سمِعتُه - يعنى ابنَ زيدٍ - يقولُ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. قال: إن

стр. 10049

العربَ كانت إذا قُتِل منهم قتيلٌ، لم يَرْضَوْا أن يَقتُلوا قاتلَ صاحبِهم حتى يَقتُلوا أشرفَ مِن الذي قتَله، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾. يَنصُرُه ويَنْتَصِفُ مِن حقِّه، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾: يَقْتُلْ بريئًا (١). ذكرُ مَن قال: عُنِي به القاتل حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللهِ [بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ] (٢): ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. قال: لا يُسْرِفِ القاتلُ في القتلِ (٣). وقد ذكَرنا الصوابَ من القراءةِ في ذلك عندَنا، وإنْ (٤) كان كِلَا وَجْهى القراءةِ عندَنا صوابًا، فكذلك جميعُ أوجهِ تأويلِه التي ذكَرناها غيرُ خارجٍ وجهٌ منها من الصوابِ؛ لاحتمالِ الكلامِ ذلك، وإِنَّ في نهيِ اللهِ جلَّ ثناؤُه بعضَ خلقِه عن الإسرافِ في القتلِ، نهيًا منه جميعَهم عنه. وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في مَن عُنى بالهاءِ التي في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾. وعلامَ هي عائدةٌ، فقال بعضُهم: هي عائدةٌ على وليِّ المقتولِ، وهو المعنيُّ بها، وهو المنصورُ على القاتلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ

стр. 10050

كَانَ مَنْصُورًا﴾. قال: هو دفعُ الإمامِ إليه - يعنى إلى الوليِّ - فإن شاء قتَل، وإن شاء عفا. وقال آخرون: بل عُنى بها المقتولُ. فعلى هذا القولِ هي عائدةٌ على "مَن" في قوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾: إن المقتولَ كان منصورًا (١). وقال آخرون: عُنى بها دمُ المقتولِ. وقالوا: معنى الكلامِ: إن دمَ القتيلِ كان منصورًا على القاتل. وأشبهُ ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: عُنِى بها (٢) الوليُّ وعليه عادَتْ؛ لأنه هو المظلومُ ووليُّه المقتولِ، وهى إلى ذكرِه أقربُ (٣) من ذكرِ المقتولِ، وهو المنصورُ أيضًا؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قضَى في كتابه المنَزَّلِ، أن سلَّطه على قاتلِ وليِّه، وحكَّمَه فيه؛ بأن جعَل إليه قتلَه إن شاء، واستبقاءَه على الديةِ إن أحبَّ، والعفوَ عنه إن رأَى، وكفَى بذلك نُصرةً [له من اللهِ] (٤)، فلذلك قلنا: هو المعنيُّ بالهاءِ التي في قولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.
следующие страницы →