← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ومِن نعمِه (١) عليكم أيُّها الناسُ، مخالفتُه بيَن علامةِ الليلِ وعلامةِ النهارِ، بإظلامِه علامةَ الليلِ (٢)، وإضاءتِه علامةَ النهارِ؛ لتسكُنوا في هذا، وتتصرَّفوا في ابتغاءِ رزقِ اللَّهِ الذي قدَّره لكم بفضلِه في هذا، ولتعلموا باختلافِهما عددَ السنيَن وانقضاءَها، وابتداءَ دخولِها، وحسابَ ساعاتِ النهارِ والليلِ وأوقاتَها. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. يقولُ: وكلَّ شيءٍ بيَّناه بيانًا شافيًا لكم أيُّها الناسُ؛ لتشكروا اللَّهَ على ما أنعَم به عليكم من نعمِه، وتُخلِصوا له العبادةَ دونَ الآلهةِ والأوثانِ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفيعٍ، عن أبي الطُفيلِ قال: قال ابن الكَوَّاءِ لعليٍّ: يا أميرَ المؤمنين، ما هذه اللَّطْخةُ التي في القمرِ؟ فقال: ويْحَك! أما تقرأُ القرآن؟ ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، فهذه محوُه (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طلْقٌ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن عليّ بن ربيعةَ، قال: سأل ابن الكوّاءِ عليًّا فقال: ما هذا السوادُ في القمرِ؟ فقال عليٌّ: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ هو المحوُ (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ،

стр. 9977

عن عبيدِ بن عُميرٍ (١)، قال: كنتُ عندَ عليٍّ، فسأله ابن الكَوّاءِ عن السوادِ الذي في القمرِ، فقال: ذاك آيةُ الليلِ مُحِيتْ (٢). حدَّثنا ابن أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ حُديرٍ، عن رُفيعٍ أبى كثيرةَ (٣)، قال: قال عليٌّ بنُ أبى طالبٍ، رضوانُ اللَّهِ عليه: سَلُوا عما شِئتم. فقام ابن الكوّاءِ فقال: ما السوادُ الذي في القمرِ؟ فقال: قاتلكَ اللَّهُ، هلا سألتَ عن أمرِ دينِك وآخرتِك؟ قال: ذلك مَحْوُ الليلِ (٤). حدَّثني زكريَّا بنُ يحيى بنُ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا ابن عُفَيرٍ، قال: ثنا ابن لَهيعةَ، عن حُيَيِّ بن عبدِ اللَّهِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ الحُبليِّ (٥)، عن عبدِ اللَّهِ بن عمروِ بن العاصِ، أن رجلًا قال لعليٍّ: ما السوادُ الذي في القمرِ؟ قال: إِنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (٦). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: هو السوادُ بالليلِ (٧). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال

стр. 9978

ابن عباسٍ: كان القمرُ يضئُ كما تُضئُ الشمسُ، والقمرُ آيةُ الليلِ، والشمسُ آيةُ النهارِ، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾: السوادُ الذي في القمرِ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، قال: ذكَر ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾. قال: الشمسُ آيةُ النهارِ، والقمرُ آيةُ الليلِ، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾. قال: السوادُ الذي في القمرِ، وكذلك خلَقه اللَّهُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾. قال: ليلًا ونهارًا، كذلك خلَقَهما اللَّهُ. قال ابن جريجٍ: وأخبَرنا عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. قال: ظلمةُ الليلِ وسَدْفَةُ (٣) النهارِ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. أي منيرةً، وخلَق الشمسَ أنورَ من القمرِ وأعظمَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنا عيسى] (٥)، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:

стр. 9979

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾. قال: ليلًا ونهارًا، كذلك جعَلهما اللَّهُ (١). واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. فقال: بعضُ نحْويِّى الكوفةِ معناها: مضيئةً، وكذلك قولُه: لو ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]. معناه: مضيئًا. كأنه ذهَبَ إلى أنَّه قيل: مُبصِرًا. لإضاءتِه للناسِ البصرَ. وقال آخرون: بل هو مِن: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. إذا صارَ الناسُ يُبصِرونَ فيه، فهو مبصرٌ، كقولِهم: رجلٌ مُجبِنٌ. إذا كان أهلُه وأصحابُه جبناءَ، و: رجلٌ مضعِفٌ. إذا كانت رُواتُه ضعفاءَ، فكذلك ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ إذا كان أهلُه بصراءَ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: جعَل لكم سبحًا طويلًا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾: أي بيَّناه تبيينًا. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وكلَّ إنسانٍ ألزمناه ما قُضِى له أنَّه عامِلُه وما (٢) هو صائرٌ إليه، من شقاءٍ أو سعادةٍ بعملِه في عُنقِه لا يفارقُه. وإنما قولُه: في ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾. مَثَلٌ لما كانتِ العربُ تتفاءلُ به أو تتشاءمُ من سوانحِ الطيرِ (٣) وبوارِحِها (٤)، فأعلَمهم

стр. 9980

جلَّ ثناؤه أن كلَّ إنسانٍ منهم قد ألزمَه ربُّه طائرَه في عُنُقِه، نحسًا كان ذلك الذي ألزَمه من الطائرِ، وشقاءً يُورِدُه سعيرًا، أو كان سعْدًا يُورِدُه جناتِ عَدْنٍ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: "لا عَدوَى ولا طيرةَ، ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ " (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: الطائرُ: عملُه. قال: والطائرُ في أشياءَ كثيرةٍ، فمنه التشاؤمُ الذي يَتشاءمُ به الناسُ بعضُهم من بعضٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ الخراسانيُّ عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: عملُه وما قُدِّر عليه، فهو ملازِمُه أينَما كان، [وزائلٌ] (٣) معَه أينما زالَ، قال ابن جريجٍ: وقال: طائرُه: عملُه. قال ابن جريجٍ: وأخبرنى عبدُ اللَّهِ بنُ

стр. 9981

كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: عملُه وما كتَب اللَّهُ له (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: طائرُه: عملُه (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، جميعًا عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: عملَه (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن الحسنِ بن عمرٍو الفُقيمِيِّ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: ما من مولودٍ يولدُ إلا و (٤) في عُنُقِه ورقةٌ مكتوبٌ فيها شقيُّ أو سعيدٌ. قال: وسمعتُه يقولُ: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧]، قال: هو ما سبَق (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: إى واللَّهِ بسعادتِه وشقائِه بعملِه. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:

стр. 9982

﴿طَائِرَهُ﴾: عملَه (١). فإن قال قائلٌ: وكيفَ قال: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. إن كان الأمرُ على ما وصفْتَ، ولم يقُلْ: الزمناه في يديهِ ورجليهِ أو غيرِ ذلك من أعضاءِ الجسدِ؟ قيل: لأنَّ العُنُقَ هو موضعُ السِّماتِ، وموضعُ القلائدِ والأطوِقَةِ، وغيرِ ذلك مما يَزينُ أو يَشينُ، فجرى كلامُ العربِ بنسبةِ الأشياءِ اللازمةِ بنى آدمَ وغيرَهم من ذلك إلى أعناقِهم وكثُر استعمالُهم ذلك حتى أضافُوا الأشياءَ اللازمةَ سائرَ الأبدانِ إلى الأعناقِ، كما أضافوا جناياتِ أعضاءِ الأبدانِ إلى اليدِ، فقالُوا: ذلك بما كسبتْ يداه. وإن كان الذي جرَّ عليه لسانُه أو فرجُه، فكذلك قولُه: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. واختلفتْ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾؛ فقرَأه بعضُ أهلِ المدينةِ ومكةَ، وهو نافعٌ وابنُ كثيرٍ وعامةُ قرأةِ العراقِ (٢): ﴿وَنُخْرِجُ﴾ بالنونِ ﴿لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ بفتحِ الياءِ من ﴿يَلْقَاهُ﴾ وتخفيفِ القافِ منه، بمعنى: ونُخرِجُ له نحنُ يومَ القيامةِ. ردًّا على قولِه: ﴿أَلْزَمْنَاهُ﴾: ونحنُ نُخرِجُ له يومَ القيامةِ كتابَ عملِه منشورًا. وكان بعضُ قرَأَةِ أهلِ الشامِ (٣) يوافقُ هؤلاءِ على قراءةِ قولِه: ﴿وَنُخْرِجُ﴾. ويخالِفُهم في قولِه: ﴿يَلْقَاهُ﴾. فيقرؤه (يُلَقَّاهُ) بضَمِّ الياءِ وتشديدِ القافِ، بمعنى: ونُخرج له نحنُ يومَ القيامة كتابًا يلقاهُ. ثم بردِّه إلى ما لمْ يُسمَّ فاعلُه، فيقولُ: يلقى الإنسانُ ذلك الكتابَ منشورًا.

стр. 9983

وذُكِر عن مجاهدٍ ما حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن حُميدٍ، عن مجاهدٍ أنَّه قرأها: (ويَخرُجُ لهُ يومَ القيامةِ كتابًا). قال يزيدُ: يعنى: يخرجُ الطائرُ كتابًا (١). هكذا أحسَبُه قرَأها بفتحِ الياءِ، وهى قراءةُ الحسنِ البصريِّ وابنِ مُحيصنٍ (٢)؛ وكأنَّ من قرَأ هذه القراءةَ وجَّه تأويلَ الكلامِ إلى: ويَخرُجُ له الطائرُ الذي ألزمناه عُنُقَ الإنسانِ يومَ القيامةِ، فيصيرُ كتابًا يقرؤه منشورًا. وقرأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ (٣): (ويُخرَجُ لَهُ). بضمِّ الياءِ على مذهبِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، وكأنَّه وجَّه معنى الكلام إلى: ويُخرَجُ له الطائرُ يومَ القيامةِ كتابًا. يريدُ: ويُخرِجُ اللَّهُ له ذلك الطائرَ قد صيَّره كتابًا، غير أنَّه قال: (يُخرجُ) (٤). لأنَّه (٥) نحَّاه نحوَ ما لم يُسمَّ فاعلُه. وأولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ، قراءةُ من قرأَه: ﴿وَنُخْرِجُ﴾. بالنونِ وضمِّها، ﴿لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾، بفتحِ الياءِ وتخفيفِ القافِ؛ لأنَّ الخبرَ جرَى قبلَ ذلك عن اللَّهِ تعالى ذِكرُه أنَّه الذي ألزَم خلقَه ما ألزَم من ذلك؛ فالصوابُ أن يكونَ الذي يليه خبرًا عنه أنَّه هو الذي يُخرِجُه لهم يومَ القيامةِ، و (٦) أن يكونَ بالنونِ كما كان الخبرُ الذي قبلَه بالنونِ. وأما قولُه: ﴿يَلْقَاه﴾. فإنَّ في إجماعِ الحجةِ من القرأةِ على تصويبِ ما اخترنا من القراءةِ في ذلك، وشذوذِ ما خالفه، الحجةَ الكافيةَ لنا على تقاربِ معنى القراءتين، أعنى ضمَّ الياءِ وفتحَها في

стр. 9984

ذلك، وتشديدَ القافِ وتخفيفَها فيه؛ فإذا كان الصوابُ في القراءةِ هو ما اخترنا بالذي عليه دَلَّلْنا، فتأويلُ الكلام: وكلَّ إنسانٍ منكم يا معشرَ بني آدمَ، ألزمناه نحسَه وسعدَه، وشقاءَه وسعادتَه، بما سبَق له في علمِنا أنه صائرٌ إليه، وعاملٌ من الخيرِ والشرِّ - في عُنُقِه، فلا يجاوِزُ في شيءٍ من أعمالِه ما قضَينا عليه أنه عاملُه، وما كتَبنا له أنَّه صائرٌ إليه، ونحنُ نُخرجُ له إذا وافانا كتابًا يُصادِفُه منشورًا بأعمالِه التي عملَها في الدنيا، وبطائرِه الذي كتَبنا له، وألزَمناه إيَّاه في عُنُقِه، قد أحصَى عليه ربُّه فيه كلَّ ما سلَف في الدنيا. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾. قال: هو عملُه الذي عمِل، أُحصىَ عليه، فأُخرج له يومَ القيامةِ ما كُتب (١) عليه من العملِ يقرؤه (٢) منشورًا (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ له. أي: عملُه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. قال: عمله. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾. قال: يَخرُجُ ذلك

стр. 9985

العملُ ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾. قال معمرٌ: وتلا الحسنُ ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. يا ابن آدمَ بُسِطَتْ لك صحيفتُك، ووكِّل بك ملَكانِ كريمانِ؛ أحدُهما عن يمينِك، والآخرُ عن يسارِك. فأمَّا الذي عن يمينِك فيحفَظُ حسناتِك وأما الذي عن شِمالكِ فيحفظُ سيِّئاتِك، فأمْلِلْ (١) ما شئتَ، أَقْلِلْ أو أَكثِرْ، حتى إذا متَّ طُويَتْ صحيفتُك، فجُعلت في عنقِك معك في قبرِك (٢)، حتى تخرُجَ يومَ القيامةِ كتابًا تلقاه منشورًا، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾، قد عدل واللَّهِ عليك مَن جعَلك حسيبَ نفسِك (٣). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿طَائِرَهُ﴾: عمله، [ويَخرُج له ذلك] (٤) العملُ كتابًا يلقاه منشورًا. وقد كان بعضُ أهل العربية يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: حظَّه (٥). من قولهم: طارَ سَهَمُ فلانٍ بكذا. إذا خرَج سهمُه على نصيبٍ من الأنصِباءِ، وذلك وإن كان قولًا له وجهٌ، فإنَّ تأويلَ أهلِ التأويلِ على ما قد بيَّنتُ، وغير جائزٍ أن يُتجاوزَ في تأويلِ القرآنِ ما قالوه إلى غيرِه، على (٦) أنَّ ما قاله هذا القائلُ، إن كان عنَى بقولِه حظَّه من العملِ والشقاءِ والسعادةِ فلم يُبعِدْ، فمعنى (٧) قولِه من معنى قولِهم.

стр. 9986

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذِكره: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ فنقولُ (١) له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فترَك ذكرَ قولِه: فنقولُ له. اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه. وعنَى بقولِه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾: اقرأ كتابَ عملِك الذي عمِلْتَه في الدنيا، الذي كان كاتبانا (٢) يكتُبانِه، ونُحصيه عليكم، ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. يقولُ: حسبُك اليومَ بنفسِك عليك حاسبًا يحسِبُ عليك أعمالَك، فيُحصيها عليك، لا نبتغى عليك شاهدًا غيرَها، ولا نطلبُ عليك محصيًا سواها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾: سيقرأُ يومئذٍ من لم يكن قارئًا في الدنيا (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: من استقامَ على طريقِ الحقِّ فاتَّبَعَه، وذلك دينُ اللَّهِ الذي ابتعَث بهِ نبيَّه محمدًا ﷺ ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: فليس ينفَعُ بلزومِه الاستقامةَ، وإيمانِه باللَّهِ ورسولِه غيرَ نفسِه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾. يقولُ: ومن جار عن قصدِ السبيلِ، فأخَذ على غيرِ هدًى، وكفَر باللَّهِ وبمحمدٍ ﷺ وبما جاءَ بهِ من عندِ اللَّهِ منَ الحقِّ - فليس يضُرُّ بضلالِه وجَوْره عن الهُدَى غير نفسِه؛ لأنَّه يُوجِبُ لها بذلك غضَب اللَّهِ وأليمَ عذابِه. وإنما عنَى بقولِه: هو ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: فإنَّما

стр. 9987

يكسِبُ إثمَ ضلالِه عليها لا على غيرِها. وقولُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. يعنى تعالى ذِكرُه: ولا تحمِلُ حاملةٌ حِملَ أخرى غيرِها من الآثامِ. وقال: ﴿وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. لأنَّ معناه: ولا تزِرُ نفسٌ وازرةٌ وزِرَ نفسٍ أُخرى. يُقالُ منه: وزِرْتُ كذا أَزِرُه وِزْرًا. والوِزرُ هو الإثمُ، يُجمعُ أوزارًا، كما قال تعالى ذِكرُه: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]. وكأنَّ معنى الكلامِ: ولا تأثَمُ آثمةٌ إثمَ أخرى، ولكن على كلِّ نفسٍ إثمُها دونَ إثمِ غيرِها مِن الأنفسِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: واللَّهِ ما يحمِلُ اللَّهُ على عبدٍ ذنبَ غيرِه، ولا يُؤاخَذُ إلا بعملِه (١). وقولُه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وما كنا مُهلِكى قومٍ إلا بعدَ الإعذارِ إليهم بالرسلِ، وإقامةِ الحجةِ عليهم (٢) بالآياتِ التي تقطَعُ عُذرَهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: إنَّ اللَّهَ ﵎ ليس يُعذِّبُ أحدًا حتى يسبِقَ إليه من اللَّهِ خبرٌ (٣)، أو يأتيَه من اللَّهِ بيِّنةٌ، وليس معذِّبًا أحدًا إلا بذنبِه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، [عن قتادةَ] (٤)، عن أبي هريرةَ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ، جمَع اللَّهُ ﵎ النسَمَ (٥)

стр. 9988

الذين ماتُوا في الفَتْرةِ والمعتوهَ والأصمَّ والأبكمَ، والشيوخَ الذين جاء الإسلامُ وقد خرِفوا، ثم أرسَل رسولًا أن ادخُلوا النارَ، فيقولون: كيف ولم يأتِنا رسولٌ! وايمُ اللَّهِ لو دخلُوها لكانتْ عليهم بردًا وسلامًا، ثم يُرسلُ (١) إليهم، فيُطيعُه من كان يريدُ أن يُطيعَه قبلُ. قال أبو هريرةَ: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن همامٍ، عن أبي هريرةَ نحوَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾. فقرأَت ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿أَمَرْنَا﴾. بقصرِ الألفِ غيرِ (٣) مدِّها وتخفيفِ الميمِ وفتحِها. وإذا قُرئ ذلك كذلك، فإنَّ الأغلبَ من تأويلِه: أمَرْنا مُترفيها بالطاعةِ، ففسقوا فيها بمعصيتِهم اللَّهَ، وخلافِهم أمرَه. كذلك تأوَّله كثيرٌ ممن قرَأه كذلك. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾. قال: بطاعةِ اللَّهِ، فعصَوا (٤).

стр. 9989

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا شَريكٌ، عن سلَمةَ أو غيرِه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أَمَرْنا بالطاعةِ فعصَوا (١). وقد يَحتمِلُ أيضًا إذا قُرئ كذلك أن يكونَ معناه: جعلناهم أمراءَ ففسقوا فيها؛ لأنَّ العربَ تقولُ: هو أميرٌ غيرُ مأمورٍ. وقد كان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ (٢) يقولُ: قد يتوجَّه معناه إذا قُرئ كذلك إلى معنى أكثرْنا مُترفيها، ويحتجُّ لتصحيحِ قولِه ذلك بالخبرِ الذي رُوى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: "خَيْرُ المَالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ (٣) " (٤). ويقولُ: معنى قولِه: مأمورةٌ: كثيرةُ النسلِ. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من الكوفيينِ (٥) يُنكرُ ذلك من قِيلِه، ولا يُجيزُ (أَمِرْنا) (٦)، بمعنى أكثَرْنا إلا بمَدِّ الألفِ من (آمَرْنا). ويقولُ في قولِه: "مُهرةٌ مأمورةٌ": إنما قيلَ ذلك على الإتباعِ لمجيء "مأبورةٍ" بعدها، كما قيل: "ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غيرَ مَأْجُورَاتٍ" (٧). فهَمَزَ مأزوراتٍ لهمزِ مأجوراتٍ، وهى من وَزَرْتُ إتباعًا لبعضِ الكلامِ بعضًا. وقرَأ ذلك أبو عثمانَ (٨): (أمَّرْنا)، بتشديدِ الميمِ، بمعنى: الإمارةِ. حدَّثنا

стр. 9990

أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، أنه قرَأ: (أَمَّرْنَا)، مشددةً من الإمارةِ (١). وقد تأوَّل هذا الكلامَ على هذا التأويلِ جماعةٌ من أهلِ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (أَمَّرْنا مُتَرَفِيها). يقولُ: سلَّطنا أشرارَها فعصَوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتُهم بالعذابِ، وهو قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ (٢) [الأنعام: ١٢٣]. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: سمعتُ الكسائيَّ يُحدِّث عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، أنَّه قَرَأها: (أَمَّرْنا). وقال: سلَّطنا (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ (٤)، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: (أَمَّرْنا) مُثقَّلةً: جعَلنا عليها و ﴿مُتْرَفِيهَا﴾: مستكبرِيها (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في

стр. 9991

قولِ اللَّهِ ﵎: (أمَّرْنا مُترَفيها) قال: بعَثْنا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ ذلك: (آمَرْنا) (٢) بمَدِّ الألفِ من "أمرنا"، بمعنى: أكثرنا فَسَقَتَها. وقد وجَّه تأويلَ هذا الحرفِ إلى هذا التأويلِ جماعةٌ من أهلِ التأويلِ، إلا أنَّ الذين حدَّثونا لم يميِّزوا لنا اختلافَ القراءاتِ في ذلك، وكيف قَرَأ ذلك المتأوِّلون، إلا القليلُ منهم. ذكرُ مَن تأوَّل ذلك كذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: (وإذا أَرَدنا أن نُّهْلِكَ قَريةً آمَرنا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها). يقولُ: أكثَرنا عددَهم (٣). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ قولَه: (آمَرنا مُتْرفيهَا). قال: أكثَرناهم (٤). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: (آمَرنا مُتْرفِيهَا). قال: أكثَرناهم (٥).

стр. 9992

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (آمَرنا مُتَرفِيهَا). يقولُ: أكثَرنا مترفيها؛ أي: كبراءَها (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (وإذا أَرَدنَا أن نُّهلِكَ قَريةً آمَرنا مُترفِيهَا فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْها القَولُ). يقولُ: أكثَرنا مترفيها؛ أي: جبابرتَها، ففسَقُوا فيها وعمِلوا بمعصيةِ اللَّهِ، ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. وكان يُقالُ: إذا أراد اللَّهُ بقومٍ صلاحًا بعَث عليهم مُصْلِحًا، وإذا أراد بهم فسادًا بعَث عليهم مُفْسِدًا، وإذا أراد أن يُهلِكَها أكثَر مترفيها (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: (آمَرْنا مُتْرَفِيها). قال: أكثَرناهم (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: دخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ يومًا على زينبَ وهو يقولُ: "لا إلهَ إلا اللَّهُ! ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقترَب. فُتِح اليومَ (٣) من رَدْمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذا". وحلَّق بيَن إبهامِه والتي تليها، قالت: يا رسولَ اللَّهِ أَنهِلكُ وفينا الصالحون؟ قال: " نعم إذا كثُر الخَبَثُ" (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وإذا أَرَدنا أن نُّهْلِكَ قَريةً آمَرنا مُترَفِيهَا فَفَسَقُوا فيها). قال: ذكَر بعضُ أهلِ العلمِ أن "آمرنا":

стр. 9993

أكثَرنا. قال: والعربُ تقولُ للشئِ الكثيرِ: أَمِرَ؛ لكثرتِه. فأما إذا وُصِف القومُ بأنهم كثُروا، فإنه يُقالُ: أَمِرَ بنو فلانٍ، وأَمِرَ القومُ يَأْمَرُون أَمْرًا، وذلك إذا كَثرُوا وعظُم أمرُهم، كما قال لبيدٌ (١): إِنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وَإِنْ أَمِرُوا … يَوْما يَصِيرُوا للقُلِّ والنَّفَدِ والأَمْرُ المصدرُ، والاسمُ الإمرُ، كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾ [الكهف: ٧١]. قال: عظيمًا، وحُكى في مَثَلٍ: شرٌّ إمْرٌ، أي: كثيرٌ. وأولَى القراءاتِ في ذلك عندِى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: هو ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ بقصرِ الألفِ من ﴿أَمَرْنَا﴾. وتخفيفِ الميمِ منها؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ على تصويبِها دونَ غيرِها. وإذا كان ذلك هو الأولى بالصوابِ بالقراءةِ، فأولى التأويلاتِ به تأويلُ مَن تأوَّله: أَمَرْنا أهلَها بالطاعةِ فعصَوْا وفَسَقُوا فيها، فحقَّ عليهم القولُ؛ لأن الأغلبَ من معنى ﴿أَمَرْنَا﴾: الأَمْرُ، الذي هو خلافُ النهى دونَ غيرِه. وتوجيهُ معاني كلامِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه إلى الأشهرِ الأعرفِ من معانيه أولى، ما وُجِد إليه سبيلٌ من غيرِه. ومعنى قولِه: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾: فخالفوا أمرَ اللَّهِ فيها، وخرَجُوا عن طاعتِه. ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾: يقولُ: فوجَب عليها بمعصيتِهم اللَّهَ وفسوقِهم فيها، وعيدُ اللَّهِ الذي أوعَد مَن كفَر به وخالَف رسلَه، من الهلاكِ بعدَ الإعذارِ والإنذارِ بالرسلِ والحُججِ. ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾: يقولُ: فخرَّبناها عندَ ذلك تخريبًا، وأهلَكنا مَن (٢)

стр. 9994

فيها من أهلِها إهلاكًا، كما قال الفرزدقُ (١): وكانَ لَهُمْ كِبَكْرِ ثَمُودَ لَمَّا … رَغَا ظُهْرًا فَدمَّرَهُمْ دَمارا القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾. وهذا وعيدٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه مكذِّبي رسولِه محمدٍ ﷺ من مشركى قريشٍ، وتهديدٌ لهم بالعقابِ، وإعلامٌ منه لهم أنهم إن لم يَنتَهُوا عما هم عليه مقيمون من تكذيبِهم رسولَه ﵊ أنه مُحِلٌّ بهم سُخْطَه، ومنزِّلٌ بهم من عقابِه ما أنزَل بمَن قبلَهم من الأممِ الذين سلَكوا في الكفرِ باللَّهِ، وتكذيبِ رُسلِه سبيلَهم. يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: وقد أهلَكنا أيها القومُ من قبلِكم من بعدِ نوحٍ إلى زمانِكم قرونًا كثيرةً كانوا من جحودِ آياتِ اللَّهِ والكفرِ به وتكذيبِ رسلِه، على مثلِ الذي أنتم عليه؛ ولستمُ بأكرمَ على اللَّهِ تعالى منهم؛ لأنه لا مناسبةَ بيَن أحدٍ وبينَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه، فيُعذِّبُ قومًا بما لا يُعذِّبُ به آخرين، أو يَعفُو عن ذنوبِ ناسٍ فيعاقبُ عليها آخرين. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فأَنِيبُوا إلى طاعةِ اللَّهِ ربَّكم، فقد بعَثنا إليكم رسولًا يُنَبِّهُكم على حُجَجِنا عليكم ويُوقِظُكم من غفلتِكم، ولم نَكُنْ لنعذِّبَ قومًا حتى نبعَثَ إليهم رسولًا مُنَبِّهًا لهم على حججِ اللَّهِ، وأنتم على فُسُوقِكم مقيمون. ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ يا محمدُ ﴿بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾. يقولُ: وحَسْبُك يا محمدُ باللَّهِ خابرًا بذنوبِ خلقِه عالمًا، فإنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أفعالِ مشركى قومِك هؤلاء ولا أفعالِ غيرِهم من خلقِه، هو بجميعِ ذلك عالمٌ خابرٌ. ﴿بَصِيرًا﴾. يقولُ: يُبصِرُ ذلك كلَّه فلا يَغِيبُ عنه منه شيءٌ، ولا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذرَّةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ.

стр. 9995

وقد اختُلِف في مبلغِ مدةِ القَرْنِ، فحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا: حمادُ بنُ سلمةَ، عن أبي محمدٍ عن (١) [زرارةَ بن أوفى] (٢)، قال: القَرْنُ عشرون ومائة سنةٍ، فبُعِث رسولُ اللَّهِ ﷺ في أولِ قرنٍ كان، وآخرُهم يزيدُ بنُ معاويةَ (٣). وقال آخرون: بل هو مائةُ سنةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حسانُ بنُ محمدِ بن عبدِ الرحمنِ الحِمْصِيُّ أبو الصَّلْتِ الطائيُّ، قال: ثنا سلامةُ بنُ جَوَّاسٍ (٤)، عن محمدِ بن القاسمِ، عن عبدِ اللَّهِ بن بُسْرِ المازنيِّ، قال: وضَع النبيُّ ﷺ يدَه على رأسِه وقال: "سيعيشُ هذا الغلامُ قَرْنًا". قلتُ: كم القرنُ؟ قال: "مائةُ سنةٍ" (٥). حدَّثنا حسانُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سلامةُ بنُ جَوَّاسٍ، عن محمدِ بن القاسمِ، قال: ما زِلْنا نَعُدُّ له حتى، تمَّت مائةُ سنةٍ ثم مات. قال أبو الصلتِ: أخبرَني سلامةُ

стр. 9996

أنَّ محمدَ بنَ القاسمِ هذا كان ختَنَ عبدِ اللَّهِ بن بُسرٍ (١). وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزَارِيُّ، قال: أخبرَنا عمرُ بن شاكرٍ، عن ابن سيرينَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "القرنُ أربعونَ سنَةً" (٢). وقولُه: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾. أُدْخِلت الباءُ في قولِه: ﴿بِرَبِّكَ﴾. وهو في محلِّ رفعٍ؛ لأن معنى الكلامِ: وكفاك ربُّك، وحَسْبُك ربُّك، بذنوبِ عبادِه خبيرًا. دَلالةً على المدحِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ كلامٍ كان بمعنى المدحِ أو الذمِّ، تُدْخِلُ في الاسمِ الباءَ، والاسمُ المُدْخَلَةُ عليه الباءُ في موضعِ رفعٍ، لتَدلَّ بدخولِها على المدحِ أو الذمِّ، كقولِهم: أكرِمْ به رجلًا، وناهيك به، رجلًا، وجاد بثوبِك ثوبًا، وطاب بطعامِكم طعامًا. وما أشبَه ذلك من الكلامِ، ولو أُسْقِطَت الباءُ مما دخَلَت فيه من هذه الأسماءِ رُفِعَتْ؛ لأنها في محلِّ رفعٍ، كما قال الشاعرُ (٣): ويُخْبرُنِى عَن غائبِ المَرْءِ هَدْيُهُ … كَفَى الهَدَىُ عَمَّا غَيَّبَ المَرَّءُ مُخْبِرًا فأما إذا لم يَكُنْ في الكلامِ مدحٌ أو ذمٌّ فلا يُدْخِلُون في الاسمِ الباءَ، لا يجوزُ أن يُقالَ: قام بأخيك. وأنت تُرِيدُ: قام أخوك. إلا أن تُرِيدَ: قام رجلٌ آخرُ به. وذلك معنًى غيرُ المعنى الأوّل. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَن كان طلُبه الدنيا العاجلةَ، ولها يَعمَلُ ويَسْعَى، وإِيَّاها

стр. 9997

يَبْتَغِى، لا يُوقِنُ بمعادٍ، ولا يَرْجُو ثوابًا ولا عقابًا من ربِّه على عملِه، ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾. يقولُ: يُعَجِّلُ اللَّهُ له في الدنيا ما يشاءُ؛ من بسطِ الدنيا عليه أو تقتيرِها لمن أراد اللَّهُ أن يَفْعَلَ ذلك به، أو إهلاكِه بما يشاءُ من عقوباتِه، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾. يقولُ: ثم أصلَيْناه عندَ مَقْدِمِه علينا في الآخرةِ جهَنَّمَ، ﴿مَذْمُومًا﴾ على قلةِ شكرِه إيانا، و (١) سوءِ صنيعِه فيما سلَف من أيادينا عندَه في الدنيا، ﴿مَدْحُورًا﴾. يقولُ: مُبْعَدًا مُقْصًى في النارِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾. يقولُ: مَن كانتِ الدنيا همَّه وسَدَمَه (٢) طَلِبتَه ونيَّتَه، عجَّل اللَّهُ له فيها ما يشاءُ، ثم اضْطَرَّه إلى جهنمَ، قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾: مذمومًا في نعمةِ اللَّهِ، مدحورًا في نقمةِ (٣) اللَّهِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى أبو طَيبةَ، شيخٌ من أهلِ المِصِّيصَةِ، أنه سمِع أبا إسحاقَ الفَزَاريَّ يقولُ: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾. قال: لمَن نُرِيدُ هلَكتَه. حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَذْمُومًا﴾. يقولُ: ملومًا.

стр. 9998

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾. قال: العاجلةُ الدنيا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَن أراد الآخرةَ، وإيَّاها طلَب، ولها عمِلَ عملَها، الذي هو طاعةُ اللَّهِ وما يُرْضِيه عنه. وأضاف "السعىَ" إلى الهاءِ والألفِ، وهى كنايةٌ عن "الآخرةِ"، فقال: وسعَى للآخرةِ سعىَ الآخرةِ. ومعناه: وعمِل لها عملَها؛ لمعرفةِ السامعين بمعنى ذلك، وأن معناه: وسعَى لها سعيَه لها. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: هو مؤمنٌ مُصَدِّقٌ بثوابِ اللَّهِ وعظيمِ جزائِه على سعيِه لها، غيرُ مكذِّبٍ به تكذيبَ مَن أراد العاجلةَ. يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ﴾. يعنى: فمَن فعَل ذلك، ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ﴾. يعنى: عملُهم بطاعةِ اللَّهِ، ﴿مَشْكُورًا﴾. وشكرُ اللَّهِ إيَّاهم على سعيِهم ذلك حُسْنُ جزائِه لهم على أعمالِهم الصالحةِ، وتجاوزُه لهم عن سيئِها برحمتِه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾: شَكَرَ اللَّهُ لهم حسناتِهم، وتجاوَز عن سيئاتِهم (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُمدُّ يا محمدُ ربُّك كلا الفريقين من مُريدِ [العاجلةِ، ومريدِ] (٢)

стр. 9999

الآخرةِ الساعى لها سعيَها وهو مؤمنٌ، في هذه الدنيا من عطائِه، فيرزُقُهما جميعًا من رزقِه إلى بلوغِهما الأَمَدَ، واستيفائِهما الأجلَ ما كتَب لهما، ثم تختلِفُ بهما الأحوالُ بعدَ المماتِ، وتَفترِقُ بهما بعدَ الوُرودِ المصادرُ، ففريقُ مريدى العاجلةِ إلى جهَنَّمَ مَصْدَرُهم، وفريقُ مريدى الآخرةِ إلى الجنةِ مآبُهم، ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. يقولُ: وما كان عطاءُ ربِّك الذي يُؤْتِيه مَن يشاءُ من خلقِه في الدنيا ممنوعًا عمَّن بسَطه عليه، لا يَقْدِرُ أَحدٌ من خلقِه منعَه (١) ذلك وقد آتاه اللَّهُ إياه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. أي: منقوصًا، وإن اللَّهَ تباركَ اسمُه قَسَم الدنيا بينَ البَرِّ والفاجرِ، والآخرةُ خصوصًا عندَ ربِّك للمتقين (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. قال: منقوصًا (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّميُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سهلُ بنُ أبي الصلتِ السَّرَّاجُ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾. قال: [كُلًّا نُعطِى] (٤) من الدنيا البَرَّ والفاجرَ (٥).

стр. 10000

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ الآية، ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ (١). ثم قال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾. قال ابن عباسٍ: فيَرْزُقُ مَن أراد الدنيا، ويَرْزُقُ مَن أراد الآخرة. قال ابن جريجٍ: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. قال: ممنوعًا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾: أهلَ الدنيا وأهلَ الآخرةِ، ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. قال: ممنوعًا (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ أهلَ الدنيا وأهلَ الآخرةِ (٤) من بَرٍّ و (٥) فاجرٍ. قال: والمحظورُ الممنوعُ. وقرَأ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿انْظُرْ﴾ يا محمدُ بعينِ قلبِك إلى هذين

стр. 10001

الفريقَين اللذَين همُّ أحدِهما الدارُ العاجلةُ، وإياها يَطلُبُ، ولها يَعمَلُ، والآخرِ الذي يُرِيدُ الدارَ الآخرةَ، ولها يَسْعَى، مُوقِنًا بثوابِ اللَّهِ على سعيِه، ﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١): كيف فضَّلنا أحدَ الفريقين على الآخرِ، بأنْ بَصَّرنا هذا رُشْدَه، وهَدَيْناه للسبيلِ التي هي أقومُ، وهديناه (٢) للذى هو أهدَى وأرشدُ، وخذَلْنا هذا الآخرَ، فأَضْلَلناه عن طريقِ الحقِّ، وأَغْشَيْنَا بصرَه عن سبيلِ الرشدِ، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾. يقولُ: وفريقُ مريدِى الآخرةِ أكبرُ في الدارِ (٣) الآخرةِ درجاتٍ، بعضُهم على بعضٍ؛ لتفاوتِ منازِلهم بأعمالِهم في الجنةِ، ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ بتفضيلِ اللَّهِ بعضَهم على بعضٍ من هؤلاء الفريقِ الآخرين في الدنيا فيما بَسَطنا لهم فيها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. أي: في الدنيا، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ وإن للمؤمنين في الجنةِ منازلَ، وإن لهم فضائلَ بأعمالِهم، وذكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: "إن بيَن أعلَى أهلِ الجنِة وأسفلِهم درجةً كالنَّجْمِ يُرَى في مَشارِقِ الأرضِ ومغاربِها" (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا

стр. 10002

مَخْذُولًا (٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿لَا تَجْعَلْ﴾ يا محمدُ مع اللَّهِ شريكًا في أُلوهيِه وعبادتِه، ولكن أخْلِصْ له العبادةَ، وأَفْرِدْ له الأُلوهةَ، فإنه لا إلهَ غيرُه، فإنك إنْ تَجْعَلْ معه إلهًا غيرَه، وتعبُدْ معه سواه، ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾. يقولُ: تَصِيرَ ملومًا على ما ضَيَّعْتَ من شكرِ اللَّهِ على ما أنعَم به عليك من نِعَمِه، وتصييرِك الشكرَ لغيرِ مَن أولاك المعروفَ، وفى إشراكِك في الحمدِ مَن لم يَشْرَكْه في النعمةِ عليك غيرُه، ﴿مَخْذُولًا﴾ قد أسلَمك ربُّك لمَن بغاك سوءًا، فإذا أسلَمك ربُّك الذي هو ناصرُ أوليائِه، لم يكن لك من دونِه وليٌّ يَنْصُرُك ويَدْفَعُ عنك. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾. يقولُ: مذمومًا في نعمةِ اللَّهِ (١). وهذا الكلامُ وإن كان خرَج على وجهِ الخطابِ لنبيِّ اللَّهِ ﷺ (٢) فإنَّه معنيٌّ به جميعُ مَن لَزِمه التكليفُ من عبادِ اللَّهِ جلَّ وعزَّ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: حكَم ربُّك يا محمدُ بأمرِه إياكم ألا تعبُدُوا إلا اللَّهَ، فإنه لا يَنْبَغِى أن يُعْبَدَ غيرُه. وقد اختلَفت ألفاظُ أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾. وإن كان

стр. 10003

معنى جميعِهم في ذلك واحدًا. ذكرُ ما قالوا في ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. يقولُ: أَمَر (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا زكريا بنُ سلّامٍ، قال: جاء رجلٌ إلى الحسنِ، فقال: إنه طلَّق امرأتَه ثلاثًا. فقال: إنك عَصَيْتَ ربَّك، وبانت منك امرأتُك. فقال الرجلُ: قضَى اللَّهُ ذلك عليَّ. فقال الحسنُ - وكان فصيحًا -: ما قضَى اللَّهُ. أي: ما أمَر اللَّهُ. وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. فقال الناسُ: تكلَّم الحسنُ في القدرِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. أي: أَمَرَ رَبُّك في ألا تَعْبُدُوا إلا إياه، فهذا قضاءُ اللَّهِ العاجلُ. وكان يُقالُ في بعضِ الحكمةِ: مَن أرْضَى والديه أرضَى خالقَه، ومن أسخَط والديه فقد أسخَط ربَّه. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. قال: أمَر ألا تعبُدُوا إلا إياه. وفي حرفِ ابن مسعودٍ: (ووَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه) (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، قال: ثنا نُصَيْرُ بنُ أَبى الأَشعَثِ،

стр. 10004

قال: ثنى ابن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبيه، قال: أعطانى ابن عباسٍ مصحفًا، فقال: هذا على قراءةِ أُبيِّ بنِ كعبٍ. قال أبو كريبٍ: قال يحيى: رأيتُ المصحفَ عندَ نُصيرٍ فيه: (وَوَصَّى رَبُّكَ). يعني: وقضَى رَبُّكَ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: وأوصَى ربُّك (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. قال: أمَر ألا تعبُدُوا إلا إياه (٣). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، الضحاكِ بن مُزاحِمٍ أنه قرَأها: (ووَصَّى رَبُّك). وقال: إنهم ألصَقُوا الواوَ بالصادِ فصارت قافًا (٤). وقولُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. يقولُ: وأمَركم بالوالدين إحسانًا أن تُحْسِنُوا إليهما وتَبَرُّوهما. ومعنى الكلامِ: وأمَركم أن تُحْسِنُوا إلى الوالدين. فلمّا حُذِفت "أن" تعلَّق القضاءُ بالإحسانِ، كما يقالُ في الكلامِ: آمُرُك به خيرًا، وأُوصِيك به خيرًا. بمعنى: آمُرُك أن تَفْعَلَ به خيرًا. ثم تُحْذَفُ "أن" فيتعلَّقُ الأمرُ والوصيةُ بالخيرِ، كما قال الشاعرُ (٥):

стр. 10005

عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إِذْ تَشْكُونا … ومن أبى دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينا خَيْرًا بها كأنَّنا جافُونا فأعمَلَ "يوصِينا" في الخيرِ. واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ (١) عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ الكوفيين: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ على التوحيدِ (٢)، على توجيهِ ذلك إلى "أحدِهما"؛ لأن "أحدَهما" واحدٌ، فوحَّدُوا ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ لتوحيدِه، وجعَلوا قولَه: ﴿أَوْ كِلَاهُمَا﴾ معطوفًا على "الأحدِ". وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (إما يَبْلُغَانِّ). على التثنيةِ، وكسرِ النونِ وتشديدِها (٣). وقالوا: قد ذُكِر الوالدان قَبْلُ، وقولُه: (يَبْلُغانِّ) خبرٌ عنهما بعد ما قد تقدَّم أسماؤُهما. قالوا: والفعلُ إذا جاء بعدَ الاسمِ كان الكلامُ أن يكونَ فيه دليل على أنه خبرٌ عن اثنين أو جماعةٍ. قالوا: والدليلُ على أنه خبرٌ عن اثنين في الفعلِ المُستقبَلِ الألفُ والنونُ. قالوا: وقولُه: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾. كلامٌ مُستأنَفٌ، كما قيل: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]. وكقولِه: (﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾. ثم ابتدَأ فقال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].

стр. 10006

وأولى القراءتين بالصوابِ عندى في ذلك قراءةُ مَن قرَأه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾. على التوحيدِ على أنه خبرٌ عن ""أحدهما"؛ لأن الخبرَ عن الأمرِ بالإحسانِ إلى الوالدين قد تناهى عندَ قولِه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ثم ابتدَأ قولَه: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾. وقولُه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾. يقولُ: فلا تأفَّفُ من شيءٍ (١) تراه من أحدِهما أو منهما مما يتأذَّى به الناسُ، ولكنِ اصبِرْ على ذلك منهما، واحتسِبِ الأجرَ في صبرِك عليه منهما، كما صبَرَا عليك في صغَرِك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. قال: إن بلَغا عندَك من الكبرِ ما يَبُولان ويَخْرَأان، فلا تَقُلْ لهما: أُفٍّ؛ تُقَذِّرُهما (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه (٣): (إما يَبْلُغَانِّ عِنْدَك الكبرَ): فلا تَقُلْ لهما: أُفٍّ. حيَن تَرَى الْأَذَى، وتُمِيطُ عنهما الأذى (٤) والبولَ، كما كانا يُمِيطَانِه عنك صغيرًا، ولا تُؤْذِهما (٥).

стр. 10007

وقد اختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى ﴿أُفٍّ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كلُّ ما غلَظ من الكلامِ وقبُح. وقال آخرون: الأُفُّ وسخُ الأظفارِ، والتَّفُّ كلُّ ما رفَعْتَ بيدِك من الأرضِ من شيءٍ حقيرٍ. وللعربِ في "أُفٍّ" لغاتٌ ستٌّ؛ رفعُها بالتنوينِ، وغيرِ التنوينِ، وخفضُها كذلك، ونصبُها. فَمَن حَفَض ذلك بالتنوينِ، وهى قراءةُ عامةِ أهلِ المدينةِ (١)، شبَّهها بالأصواتِ التي لا معنى لها، كقولِهم في حكايةِ الصوتِ: غاقٍ غاقٍ. فخفَضوا القافَ ونوَّنُوها، وكان حكمُها السكونَ، فإنه لا شيءَ يُعْرِبُها من أجلِ مجيئِها بعدَ حرفٍ ساكنٍ، وهو الألفُ، فكَرِهوا أن يجمَعوا بيَن ساكنين، فحرَّكوا إلى أقربِ الحركاتِ من السكونِ، وذلك الكسرُ؛ لأن المجزومَ إذا حُرِّك فإنما يُحرَّكُ إلى الكسرِ. وأما الذين خفَضوا بغيرِ تنوينٍ، وهى قراءةُ عامةِ قرأةِ الكوفيين والبصريين (٢)، فإنهم قالوا: إنما يُدْخِلُون التنوين فيما جاء من الأصواتِ ناقصًا، كالذى يأتى على حرفين مثلِ: "مهٍ"و "صهٍ" و "بخ"، فيُتَمَّمُ بالنونِ (٣) لنقصانِه عن أبنيةِ الأسماءِ. قالوا: و "أُفٍّ" تامٌّ لا حاجةَ بنا إلى تتمتِه بغيرِه؛ لأنَّه قد جاء على ثلاثةِ أحرفٍ. قالوا: وإنما كسَرنا الفاءَ الثانيةَ لئلا نَجْمَعَ بيَن ساكنين. وأما مَن ضَمَّ ونَوَّن، فإنه قال: هو اسمٌ كسائرِ الأسماءِ التي تُعْرَبُ، وليس

стр. 10008

بصوتٍ، وعُدِل به عن الأصواتِ. وأما مَن ضَمَّ ذلك بغيرِ تنوينٍ، فإنه قال: ليس هو باسمٍ متمكنٍ فيُعْرَبَ بإعرابِ الأسماءِ المَتمكِّنةِ. وقالوا: نَضُمُّه كما نَضُمُّ قولَه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]. وكما نَضُمُّ الاسمَ في النداءِ المفردِ فنقولُ: يا زيدُ. ومَن نَصَبه بغيرِ تنوينٍ، وهى قراءةُ بعضِ المكيِّين وأهلِ الشامِ (١)، فإنّه شبَّهه بقولِهم: مُدَّ يا هذا ورُدُّ. ومَن نصَب بالتنوينِ (٢)، فإنه أعمَل الفعلَ فيه، وجعَله اسمًا صحيحًا، فيقول: ما قلتُ له أفًّا ولا تُفًّا. و كان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: قُرِئت: (أُفَّ)، و (أفًّا). لغةٌ، فجعَلوها مثلَ نعتِها. وقرَأ بعضُهم (٣): (أُفٌّ). وذلك أن بعضَ العرب يقولُ: أُفٍّ لك. على الحكايةِ؛ أي: لا تَقُلْ لهما هذا القولَ. قال: والرفعُ قبيحٌ، لأنه لم يَجِئْ بعدَه بلامٍ. والذين قالوا: أُفِّ. فكسَروا كثيرٌ، وهو أجودُ، وكسَر بعضُهم ونوَّن. وقال بعضُهم: أُفِّى. كأنه أضَاف هذا القولَ إلى نفسِه، فقال: أُفِّى هذا لكما، والمكسورُ من هذا منوَّنٌ وغيرُ منوَّنٍ على أنه اسمٌ غيرُ متمكِّنٍ، نحوَ "أمس" وما أشبَهه، والمفتوحُ بغيرِ تنوينٍ كذلك. وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: كلُّ هذه الحركاتِ الستِّ تَدْخُلُ في "أف" حكايةً، تُشَبَّهُ بالاسمِ مرةً وبالصوتِ أُخْرَى. قال: وأكثرُ ما تُكْسَرُ الأصواتُ بالتنوينِ إذا

стр. 10009

كانت على حرفين مثلَ: "صهٍ" و "مهٍ" و "بخٍ"، وإذا كانت على ثلاثةِ أحرفٍ شُبِّهت بالأدواتِ "أفَّ" مثلُ: ليتَ ومَدَّ، و "أُفِّ" مثلُ: مُدَّ، يُشبَّه بالأدواتِ، وإذا قال أُفٍ مثلُ صهٍ. وقالوا سمِعتُ: مِضِّ يا هذا ومِضُّ. وحُكِى عن الكسائيِّ أنه قال: سمِعتُ. ما علَّمَك أهلُك إلا مِضِّ ومِضُّ. وهذا كأَفَّ وأفُّ. ومن قال: أُفًّا جعَله مثلَ "سُحْقًا وبُعدًا". والذي هو أولَى بالصحةِ عندى في قراءةِ ذلك قراءةُ مَن قرَأه: (فلا تَقُلْ لَهُما أُفِّ). بكسرِ الفاءِ بغيرِ تنوينٍ؛ لعلَّتين: إحداهما، أنها أشهرُ اللغاتِ فيها وأفصحُها عندَ العربِ (١). والثانيةُ، أن حظَّ كلِّ ما لم يَكُنْ له معربٌ من الكلامِ السكونُ، فلما كان ذلك كذلك وكانت الفاءُ في "أف" حظُّها الوقوفُ، ثم لم يكنْ إلى ذلك سبيلٌ لاجتماعِ الساكنين فيه، وكان حكمُ الساكنِ إذا حُرِّك أن يحرَّكَ إلى الكسرِ، حُرِّكت إلى الكسرِ، كما قيل: مُدِّ وشُدِّ ورُدِّ البابَ. وقولُه: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا تَزْجُرْهما. كما حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا واصلٌ الرَّقَاشيُّ، عن عطاءِ بن أبى رَباحٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. قال: لا تَنْفُضْ يدَك على والديك (٢). يقالُ منه: نَهَرَه يَنْهَرُه نَهْرًا، وانتَهَرَه ينتهِرُه انتهارًا. وأما قولُه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. فإنه يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقُلْ لهما قولًا جميلًا حسنًا.

стр. 10010

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. قال: أحسنَ ما تَجِدُ مِن القولِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن المختارِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطابِ: ﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾. يقولُ: لا تَمْتَنِعْ من شيءٍ يُرِيدانه (١). قال أبو جعفرٍ: وهذا الحديثُ خطأٌ، أعنى حديثَ هشامِ بن عُروةَ، إنما هو: (٢) هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه. ليس فيه عمرُ. كذلك (٣) حُدِّث عن ابن عُليةَ وغيرِه، عن عبدِ اللَّهِ بن المختارِ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. أي: قولًا ليِّنًا سهلًا (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنى حَرْملةُ بنُ عمرانَ، عن أبي الهَدَّاجِ التُّجِيبيِّ، قال: قلتُ لسعيدِ بن المسيَّبِ: كلُّ ما ذكَر اللَّهُ في القرآنِ من برِّ الوالدين، فقد عرَفتُه، فقد عرَفتُه، إلا قولَه: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. ما هذا القولُ الكريمُ؟ فقال ابن المسيَّبِ: قولُ العبدِ المذنبِ للسيِّد الفظِّ (٥).

стр. 10011

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكُنْ لهما ذليلًا، رحمةً منك بهما، تُطليعُهما فيما أمَراك به ما (١) لم يكنْ للَّهِ معصيةٌ، ولا تُخالفْهما فيما أحبَّا. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: لا تمَتنعْ مِن شيءٍ يُحِبَّانه (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا الأشْجَعِيُّ، قال: سمِعتُ هشامَ بنَ عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: [هو أن] (٣) بَليَن لهما حتى لا يَمتَنِعَ مِن شيءٍ أَحبَّاه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيدٍ، قال: ثنا الثَّوريُّ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ

стр. 10012

الرَّحْمَةِ﴾. قال: لا تَمتنعْ مِن شيءٍ أحَبَّاه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن المُختارِ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. قال: هو أن لا تَمتنعَ مِن شيءٍ يُريدانِه. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُقرئُ أبو عبدِ الرحمنِ، عن حَرملةَ بن عِمرانَ، عن أبي الهدَّاجِ (١)، قال: قلتُ لسعيدِ بن المُسيَّبِ: ما قولُه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾؟ قال: ألمْ ترَ إلى قولِ العبدِ المُذنِبِ للسيدِ الفظِّ الغليظِ (٢). والذُّلُّ - بضمِّ الذالِ - والذِّلَّةُ (٣) مصدران مِن الذليلِ، وذلك أن يَتذلَّلَ (٤) وليس بذليلٍ في الخِلقةِ، مِن قولِ القائلِ: قد ذَلَلتُ لك (٥) أَذِلُّ ذِلَّةً وذِلًّا. وذلك نظيرُ القُلِّ والقِلَّةِ، إذا أُسقِطت الهاءُ ضُمت الذالُ من الذُّلِّ، والقافُ من القُلِّ، وإذا أُثْبِتت الهاءُ كُسِرت الذالُ من الذِّلةِ، والقافُ من القِلَّةِ، كما قال الأعشى (٦): * وَمَا كُنْتُ قُلًّا قبلَ ذلكَ أَزْيَبَا* يريد: القُلَّةَ. وأما الذِّلُّ بكسرِ الذالِ وإسقاطِ الهاءِ فإنه مصدرٌ من الذَّلولِ مِن قولِهم: دابةٌ ذَلُولٌ: بَيِّنَةُ الذِّلِّ، وذلك إذا كانت لينةً غيرَ صعبةٍ (٧). ومنه قولُ اللَّهِ جلَّ

стр. 10013

ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]. يُجمعُ ذلك ذُلُلًا، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ [النحل: ٦٩]. وكان مجاهدٌ يتأوَّلُ ذلك أنه لا يَتوعَّرُ (١) عليها مكانٌ سلَكتْه. واختَلفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ والعراقِ والشامِ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ بضمِّ الذالِ على أنه مصدرٌ من الذَّليلِ. وقرَأ ذلك سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعاصمٌ الجَحْدَرِيُّ: (جَناحَ الذُّلِّ) بكسرِ الذالِ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا بَهْزُ بنُ أسدٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أنه قرَأ: (وَاخْفِضْ لَهُما جُناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ). [قال: كُنْ لهما ذَليلًا، ولا تَكنْ لهما ذَلولًا] (٣). حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: أخبرَنى عمرُ بنُ شَقِيقٍ (٤)، قال: سمعتُ عاصمًا الجَحْدَرِيَّ يَقْرَأُ: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذِّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ). قال: كُنْ لهما ذليلًا، ولا تكنْ لهما ذَلولًا (٥). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ شَقِيقٍ (٤)، عن عاصمٍ مثلَه. قال أبو جعفرٍ: وعلى هذا التأويلِ الذي تأوَّله عاصمٌ كان يَنبغى أن تكونَ قراءتُه بضمِّ الذالِ لا بكسرِها. وبكسرِها حدَّثنا نصرٌ وابنُ بشارٍ. وحُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، قال: ثنى هشيمٌ، عن أبي بِشرٍ جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ

стр. 10014

ابن جبيرٍ أنه قرَأ: (وَاخفِضْ لَهُما جنَاحَ الذِّلِّ). قال الفرَّاءُ: وحدَّثنى (١) الحكمُ بنُ ظُهَيْرٍ، عن عاصمِ بن أبى النَّجودِ، أنه قرَأها: (الذِّلِّ) أيضًا، قال (٢): فسألتُ أبا بكرٍ فقال: ﴿الذُّلِّ﴾ قرَأها عاصمٌ (٣). وأما قولُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. فإنه يقولُ: ادعُ اللَّهَ لوالديك بالرحمةِ، وقل: ربِّ ارحمْهما، وتَعَطَّفْ عليهما بمغفرتِك ورحمتِك، كما تَعَطَّفا عليَّ في صِغَري، فرحِماني وربَّياني صغيرًا، حتى اسْتَقْلَلَتُ بنفسي، واسْتَغْنيتُ عنهما. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ هكذا عُلِّمتُم، وبهذا أُمِرْتُم، خذوا تعليمَ اللهِ وأدبَه، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ خرَج [ذاتَ يومٍ] (٤) وهو مادٌّ يدَيْه رافعٌ صوتَه يقولُ: "مَن أَدْرَك والدَيْه أو أحدَهما ثمَّ دخَل النَّارَ بعدَ ذلكَ فَأَبْعَده اللهُ وأَسْحَقَه". ولكن كانوا يرَوْن أنه من بَرَّ والديْه، وكان فيه أدنى تُقًى، فإن ذلك مُبْلِغُه جَسيمَ الخيرِ (٥). وقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: إِنَّ قولَ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. منسوخٌ بقولِه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ

стр. 10015

الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. ثم أنزَل اللهُ ﵎ بعدَ هذا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ [والحسنِ قالا] (٢): في سورةِ بني إسرائيلَ: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ (٣) عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، فنسَختْها الآيةُ التي في براءةَ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ، قال: ابن عباسٍ: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ الآية. قال: نسخَتْها الآيةُ التي في براءةَ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية (٤). وقد تَحتمِلُ هذه الآيةُ أن تكونَ - وإن كان ظاهرُها عامًّا في كلِّ الآباءِ (٥) -
следующие страницы →