← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. أى: مُسلَّمةٌ مِن العيوبِ (١). حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يقولُ: لا عيبَ فيها (٢). حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يعنى: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ (٣). حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه (٤). حَدَّثَنَا القاسِمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنَي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: قولُه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: لا عَوارَ فيها (٥). والذي قاله ابنُ عباسٍ وأبو العاليةِ ومن قال بمثلِ قولِهما في تأويلِ ذلك، أوْلَى بتأويلِ الآيةِ مما قاله مجاهدٌ؛ لأنَّ سَلامَتَها لو كانت مِن سائرِ أنواعِ الألوانِ سِوَى لونِ جلدِها، لكان في قولِه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. مُكْتَفًى عن قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. وفى قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾، ما يُوَضِّحُ عن أن معنى قولِه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. غيرُ معنى

стр. 1017

قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ أنه يقولُ: إنها بقرةٌ لَمْ تُذَلِّلْها إثارةُ الأرضِ وقَلْبُها للحِراثةِ ولا السُّنُوُّ عليها للمزَارعِ، وهى مع ذلك صحيحةٌ مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يعنى بقولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا لونَ فيها يُخالِفُ لونَ جلدِها. وأصلُه مِن: وَشْىِ الثوبِ. وهو تحسينُ عُيوبِهِ التى تَكونُ فيه بضُروبٍ مختلفةٍ مِن ألوانِ سَدَاه ولُحْمتُه، يقالُ منه: وَشَيْتُ الثوبَ فأنا أَشِيه شِيَةً ووَشْيًا. ومنه قيل للساعى بالرجلِ إلى السلطانِ أو غيرِه: واشٍ. لكذبِه عليه عندَه وتحسينِه كذبَه بالأباطيلِ، يقالُ منه: وشَيْتُ به إلى السلطانِ وِشايةً. ومنه قولُ كعبِ بنِ زُهَيْرٍ (١): تَسْعَى الوُشَاةُ بجنْبَيها (٢) وقولُهمُ … إنك يا بنَ أبى سُلْمَى لَمَقْتولُ والوُشاةُ جمع واشٍ، يعنى أنهم يَتقوَّلون بالأباطيلِ، ويُخبِرُونه أنه إن لحِق بالنبيِّ ﷺ قتَلَه. وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن الوَشْىَ العلامةُ. وذلك لا معنى له، إلَّا أن يكونَ أراد بذلك تحسينَ الثوبِ بالأعْلامِ؛ لأنه معلومٌ أن القائلَ: وشَيْتُ بفلانٍ إلى فلانٍ. غيرُ جائزٍ أن يُتوهَّمَ عليه أنه أراد: جعَلْتُ له عندَه علامةً. وإنما قيل: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. وهى مِن: وَشَيْتُ؛ لأنَّ الواوَ لما أُسقِطَت مِن أولِها أُبدِلَتْ مكانَها الهاءُ في آخرِها، كما قيل: وزَنْتُه زِنةً و [وَسَيْتُه سِيَةً] (٣)،

стр. 1018

ووَعَدْتُه عِدَةً، وودَيْته دِيَةً. وبمثلِ الذى قلنا في معنى قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ. حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. أى: لا بياضَ فيها (١). حَدَّثَنَا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، مثلَه (٢). حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يقولُ: لا بَياضَ فيها (٣). حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. أى: لا بياضَ فيها ولا سَوادَ (٤). حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه. حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. قال: لونُها واحدٌ، ليس فيها لونٌ سِوَى لونِها (٥).

стр. 1019

حَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: مِن بياضٍ ولا سوادٍ ولا حُمرةٍ (١). حَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلَي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: هى صفراءُ ليس فيها بياضٌ ولا سوادٌ. حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يقولُ: لا بياضَ فيها (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. اختَلف أهلُ التَّأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. فقال بعضُهم: معنى ذلك: الآن بيَّنْتَ لنا الحقَّ فتبَيَّنَّاه، [وعرَفْنا أيَّةَ بقرةٍ عَنيتَ] (٣). وممَّن قال ذلك قتادةُ: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. أى: الآن بيَّنتَ لنا (٤). وقال بعضُهم: ذلك خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن القومِ أنهم نسَبوا نبيَّ اللهِ موسى صلواتُ اللهِ عليه إلى أنه لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهم بالحقِّ في أمرِ البقرةِ قبلَ ذلك. وممَّن رُوِى عنه معنى هذا القولِ عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ:

стр. 1020

حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: اضطُرُّوا إلى بقرةٍ لا يَعْلَمون على صفتِها غيرَها، وهى صفراءُ ليس فيها سَوادٌ ولا بياضٌ، فقالوا: هذه بقرةُ فلانٍ، ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. وقبلَ ذلك واللهِ قد جاءَهم بالحقِّ (١). وأولى التأويلين عندَنا بقولِه: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. قولُ قتادةَ، وهو أن تأويلَه: الآن بيَّنتَ لنا الحقَّ في أمرِ البقرِ (٢)، فعرَفْنا أيُّها (٣) الواجبُ علينا ذبحُها منها؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قد أخبَر عنهم أنهم قد أطاعوه، فذبَحوها بعد قِيلِهم هذا مع غِلَظِ مؤنةِ ذبحِها عليهم وثِقَلِ أمْرِها، فقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. وإن كانوا قد قالوا -بقولِهم: الآن بيَّنْتَ لنا الحقَّ- هُراءً (٤) مِن القولِ، وأتَوْا خطأً وجهلًا مِن الأمرِ، وذلك أن نبيَّ اللهِ موسى ﷺ كان مُبَيِّنًا لهم -في كلِّ مسألةٍ سأَلوها إياه، وردٍّ (٥) رادُّوه في أمرِ البقرةِ- الحقَّ، وإنما يُقالُ: الآن بَيَّنْتَ لنا الحقَّ لمن لَمْ يَكُنْ مُبَيِّنًا قبلَ ذلك، فأما مَن كان كلُّ قِيلِه -فيما أبان عن اللهِ تعالى ذكْرُه- حقًّا وبيانًا، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ له في بعضِ ما أبان عن اللهِ في أمرِه ونهيِه، وأدَّى عنه إلى عبادِه مِن فرائضِه التى أوجَبها عليهم: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. كأنَّه لم يَكُنْ جاءهم بالحقِّ قبلَ ذلك. وقد كان بعضُ مَن سلَف يَزعُمُ أن القومَ ارْتَدُّوا عن دينِهم، وكفَروا بقولِهم لموسى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. ويَزعُمُ أنهم نفَوْا أن يكونَ موسى أتاهم بالحقِّ في أمْرِ البقرةِ قبلَ ذلك، وأن ذلك مِن فعْلِهم وقِيلِهم كفرٌ.

стр. 1021

وليس الذى قال مِن ذلك عندَنا كما قال؛ لأنهم أذْعَنوا بالطاعةِ بذبحِها، وإن كان قيلُهم الذى قالوه لموسى جَهْلةً منهم وهَفْوَةً مِن هَفَواتِهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾. يعنى بقولِه: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾: فذبَح قومُ موسى البقرةَ التى وصَفها اللهُ لهم، وأمَرهم بذبحِها. ويعنى بقولِه: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. أى: قارَبوا أن يَدَعوا ذبْحَها، ويترُكوا فرْضَ اللهِ عليهم في ذلك. ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذى مِن أجلِه كادوا أن يُضِيعوا فرْضَ اللهِ عليهم في ذبحِ ما أمَرهم بذبحِه مِن ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك السببُ كان غلاءَ ثمنِ البقرةِ التى أُمِروا بذبحِها، وبُيِّنَت لهم صفتُها. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا أبو معشرٍ المدنيُّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ في قولِه: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: لغلاءِ ثمنِها (١). حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُبيدٍ الهِلاليُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ الخطابِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرظيُّ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: مِن كثرةِ قيمتِها.

стр. 1022

حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: أخبَرنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ -في حديثٍ فيه طُولٌ، ذكَر أن حديثَ بعضِهم دخَل في حديثِ بعضٍ- قولَه: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾: لكثرةِ الثمنِ، أخَذوها بمِلْءِ مَسْكِها ذهبًا مِن مالِ المقتولِ، فكان سَواءً، لَمْ يَكُنْ فيه فَضْلٌ فذبَحوها (١). حُدِّثتُ عن المنجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: كادوا لا يَفعَلون، ولم يَكُنِ الذى أرادوا؛ لأنهم أرادوا أَلَّا يَذْبَحُوها، وكلُّ شيءٍ في القرآن "أَكادُ (٢) " و (٣) "كادوا" و (٣) "لو"، فإنه لا يكونُ، وهو مثلُ قولِه: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (٤) [طه: ١٥]. وقال آخَرون: لَمْ يكادوا أن يفعَلوا ذلك، خوفَ الفضيحةِ إن أطْلَع اللهُ على قاتلِ القتيلِ الذى اختَصَموا فيه إلى موسى. والصوابُ مِن التَّأْويلِ عندَنا أن القومَ لَمْ يكادوا يفعَلون ما أمَرهم اللهُ به مِن ذبحِ البقرةِ للخَلَّتين كلتيهما؛ إحداهما: غَلاءُ ثَمنِها مع ما ذُكِر لنا من صِغَرِ خطَرِها وقلةِ قيمتِها. والأخرى: خوفُ عظيمِ الفضيحةِ على أنفسِهم بإظهارِ اللهِ نبيَّه موسى صلواتُ اللهِ عليه وأتباعَه على قاتلِه (٥).

стр. 1023

فأما غلاءُ ثَمنِها فإنه قد رُوِى لنا فيه ضُروبٌ مِن الرِّواياتِ. فحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: اشترَوْها بوزنِها عشْرَ مراتٍ ذهبًا، فباعَهم صاحبُها (١) إياها وأخَذ ثَمنَها (٢). حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَي، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أيوبَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: اشترَوْها بمِلْءِ جلدِها دنانيرَ. حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهِدٍ، قال: كانت البقرةُ لرجلٍ يَبَرُّ أُمَّه، فرزَقه اللهُ أن جعَل تلك البقرةَ له، فباعَها بمِلْءِ جلدِها ذهبًا (٣). حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: حَدَّثَنِي خالدُ بنُ يزيدَ، عن مجاهِدٍ، قال: أعْطَوْا صاحبَها مِلْءَ مَسْكِها ذهبًا، فباعَها منهم. حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ (٤) عبدِ الكريمِ، قال: حَدَّثَني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبًا يقولُ: اشترَوْها منه على أن يَمْلَئوا له جلدَها دنانيرَ، ثم ذبَحوها فعمَدوا إلى جلدِ البقرةِ فملئوه دنانيرَ، ثم دفَعوها إليه. حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ (٥)، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّى (٦)، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: وجَدوها عندَ رجلٍ يزعُمُ أنه ليس بائعَها

стр. 1024

بمالٍ أبدًا، فلم يَزالوا به حتى جعَلوا له أن يَسْلُخوا له مَسْكَها، فيملئوه له دنانيرَ، فرضِى به فأعْطاهم إياها (١). حَدَّثَنِي المُثَّني، قال: ثنا آدمُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: لَمْ يجِدُوها إلَّا عندَ عَجوزٍ، وإنها سألتْهم أضعافَ ثمنِها، فقال لهم موسى: أعْطُوها رِضاها وحُكْمَها. ففعَلوا، واشترَوْها فذبَحوها (٢). حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال أيوبُ، عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: لَمْ يَجِدوا هذه البقرةَ إلَّا عندَ رجلٍ واحدٍ، فباعَها بوزنِها ذهبًا -أو مِلْءِ مَسْكِها ذهبًا- فذبَحوها (٣). حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانِيِّ، قال: وجَدوا البقرةَ عندَ رجلٍ، فقال: إنى لا أَبِيعُها إلَّا بمِلءِ جلدِها ذهبًا. فاشتَرَوْها بمِلءِ جلدِها ذهبًا. حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: جعَلوا يَزِيدون صاحبَها حتى ملئوا له مَسْكَها -وهو جلدُها- ذهبًا. وأما صِغَرُ خَطَرِها وقلةُ قيمتِها، فإن الحسنَ بنَ يحيى حَدَّثَنَا، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَيْنَةَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سُوقةَ، عن عكرمةَ، قال: ما كان ثمنُها إلَّا ثلاثةَ دنانيرَ (٤).

стр. 1025

وأما ما قلْنا مِن خوفِهم الفضيحةَ على أنفسِهم، فإن وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ كان يقولُ: إن القومَ إذ أُمِروا بذبحِ البقرةِ إنما قالوا لموسى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. لعِلْمِهم بأنهم سيَفتضِحون إذا ذُبِحَت، فحادُوا عن ذبحِها. حُدِّثْتُ بذلك عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريمِ، عن عبدِ الصمدِ بنِ مَعْقِلٍ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن القومَ بعدَ أن أحْيَا اللهُ الميتَ فأخبَرهم بقاتلِه، أنْكَرَت قَتَلَتُه قَتْلَه، فقالوا: واللهِ ما قتَلْناه. بعدَ أن رَأَوُا الآيةَ والحقَّ. حَدَّثَنِي بذلك محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾: واذْكُروا يا بنى إسرائيلَ إذ قتَلْتُم نفسًا. والنفسُ التى قتَلوها هى النفسُ التى ذكَرْنا قصتَها في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. وقولُه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. يعنى: فاختَلَفْتُم وتنازَعْتُم. وإنما هو: فتَدارَأتُم فيها. على مثالِ "تَفاعَلْتُم"، مِن الدَّرْءِ، والدَّرْءُ العِوَجُ. ومنه قولُ أبى (٢) النَّجْمِ العِجْليِّ: خَشْيةَ طغّامٍ إذا هَمَّ جَسَرْ يَأْكُلُ ذا الدَّرْءِ ويُقْصِى مَن حَقرْ يعنى ذا العِوَجِ والعُسْرِ، ومنه قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجّاجِ (٣):

стр. 1026

أدْرَكْتُها قُدّامَ كلِّ مِدْرَهِ (١) بالدَّفْعِ عنى دَرْءَ كلِّ عُنْجُهِ (٢) ومنه الخبرُ الذى حَدَّثَنَا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقدامِ، عن إسرائيلَ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن مجاهدٍ، عن السائبِ، قال: جاءنِي عثمانُ وزهيرٌ ابنا أميةَ (٣)، فاسْتَأْذَنا لى على رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أنا أعْلَمُ به منكما، ألم تَكُنْ شَرِيكى في الجاهليةِ؟ " قلتُ: نعم، بأبى أنت وأمي، فنِعْم الشَّريكُ، كنتَ لا تُمارِى ولا تُدارِى (٤). يعنى بقولِه: لا تُدارِى. لا تخالِفُ رفيقَك وشريكَك ولا تُنازِعُه ولا تُشارُّه (٥). وإنما أصلُ ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾: فتدَارَأْتُمْ. ولكنَّ التاءَ قريبةٌ (٦) مِن مَخرجِ الدالِ -

стр. 1027

وذلك أن مَخرجَ التاءِ مِن طرفِ اللسانِ وأصولِ الثَّنيَّتَيْنِ (١)، ومَخرجَ الدالِ مِن طرفِ اللسانِ وأطرافِ الثَّنيَّتَيْنِ - فأُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، فجُعِلَت دالًا مُشدَّدةً، كما قال الشاعرُ (٢): تُولِى الضَّجِيعَ إذا ما اسْتافَها (٣) خَصِرًا (٤) … عَذْبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ يُرِيدُ: إذا ما تَتَابَعَ القُبَلُ. فأدْغَم إحدى التاءَيْن في الأخرى. فلما أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، فجُعِلَت دالًا مثلَها سكَنَت، فجلَبوا (٥) ألفًا ليَصِلوا إلى الكلامِ بها، وذلك إذا كان قبلَه شيءٌ؛ لأنَّ الإدْغامَ لا يَكونُ إلَّا وقبلَه شيءٌ، ومنه قولُ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨]. إنما هو: تَدَارَكوا. ولكنَّ التاءَ منها أُدْغِمَت في الدالِ، فصارَت دالًا مُشَدَّدةً، وجُعِلَت فيها ألفٌ -إذا وُصِلَت بكلامٍ- قبلَها ليَسْلَمَ الإدغامُ. وإذا لَمْ يَكُنْ قبلَ ذلك ما يُواصِلُه، وابْتُدِئَ به، قيل: تَدَاركوا وتَثاقَلوا. فأظهَروا الإدغامَ. وقد قيل: يقالُ: ادَّارَكوا وادَّارَأوا. وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾: فتدافَعْتُم فيها. مِن قولِ القائلِ: درَأْتُ هذا الأمرَ عنى. ومِن قولِ اللهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]. بمعنى: يَدفَعُ عنها العذابَ. وهذا قولٌ قريبُ المعنى مِن القولِ الأولِ؛ لأنَّ القومَ إنما تَدافَعوا قَتْلَ قَتيلٍ،

стр. 1028

فانْتَفَى كلُّ فريقٍ منهم أن يكونَ قاتِلَه، كما قد بيَّنَّا قبلُ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا (١). وبنحوِ الذى قلنا في معنى قولِه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. قال أهلُ التأويلِ. حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال. حَدَّثَنِي عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. قال: اختَلَفتُم فيها. حَدَّثَنَا المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. قال بعضُهم: أنتم قتَلتُموه. وقال الآخَرون: أنتم قتَلتُموه (٣). حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. قال: اختَلفتُم، وهو التنازُعُ؛ تَنَازَعوا فيه. قال: قال هؤلاء: أنتم قتلتموه. وقال هؤلاء: لا (٣). وكان تدارُؤُهم في النفسِ التى قتَلُوها كما حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: صاحبُ البقرةِ رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ، قتَله رجلٌ، فألْقاه على بابِ ناسٍ آخَرِين، فجاء أوْلياءُ المقتولِ فادَّعَوْا دمَه عندَهم، [فانتفَوْا - أو انتَفَلوا] (٤) - منه (٥). شكَّ أبو عاصمٍ. حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن

стр. 1029

مجاهدٍ بمثلِه سواءً، إلا أنه قال: فادَّعَوْا دمَه عندَهم فانتَفَوْا. ولم يَشُكَّ فيه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قَتيلٌ كان في بنى إسرائيلَ، فقذَف كلُّ سِبْطٍ منهم، حتى تَفاقَم بينَهم الشرُّ، حتى تَرافَعوا في ذلك إلى نبىِّ اللهِ ﷺ ، فأوحَى اللهُ إلى موسى أن اذْبَحْ بقرةً، فاضْرِبْه ببعضِها، فذُكر لنا أن وليَّه الذى كان يَطلُبُ بدمِه هو الذى قتَله مِن أجلِ ميراثٍ كان بينَهم (٢). حدَّثنى ابنُ سعدٍ، [قال: حدثنى أبى] (٣)، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (٤) في شأنِ البقرةِ: وذلك أن شيخًا مِن بنى إسرائيلَ على عهدِ موسى كان مُكْثِرًا مِن المالِ، وكان بنو أخيه فُقراءَ لا مالَ لهم، وكان الشيخُ لا ولدَ له، وكان (٥) بنو أخيه ورَثَتَه، فقالوا: ليت عمَّنا قد مات فورِثْنا مالَه. وإنه لما تَطاوَل عليهم ألا يموتَ عمُّهم أتاهم الشيطانُ، فقال: هل لكم إلى أن تَقتُلوا عمَّكم فتَرِثوا مالَه، وتُغرِموا أهلَ المدينةِ التى لسْتُم بها دِيَتَه؟ -وذلك أنهما كانتا مدينتَيْن كانوا في إحداهما، فكان القتيلُ إذا قُتِل وطُرِح (٦) بينَ المدينتَيْن، قِيس ما بينَ القَتيلِ وما بينَ المدينتَيْن، فأيُّهما كانت أقربَ إليه غَرِمَتِ الديةَ- وأنهم لما سوَّل لهم الشيطانُ ذلك، وتطاوَلَ عليهم ألا يموتَ عمُّهم، عَمَدوا إليه فقتَلوه، ثم عمَدوا فطرَحوه على بابِ المدينةِ التى ليسوا فيها، فلمّا أصبَح أهلُ المدينةِ جاء بنو أخى الشيخِ، فقالوا: عمُّنا قُتِل على بابِ مدينتِكم (٧)، فواللهِ لَتَغْرَمُنَّ لنا دِيَةَ عمِّنا. فقال أهلُ المدينةِ: نُقسِمُ باللهِ ما

стр. 1030

قتَلْنا، ولا علِمْنا قاتلًا، ولا فتَحْنا بابَ مدينتِنا منذُ أغلِقَ حتى أصبَحْنا. وإنهم عمَدوا إلى موسى، فلمّا أَتَوْا قال بنو أخى الشيخ: عمُّنا وجَدناه مقتولًا على بابِ مدينتِهم. وقال أهلُ المدينةِ: نُقسِمُ باللهِ ما قتَلْناه، [ولا علِمنا قاتلًا] (١)، ولا فتَحْنا بابَ المدينةِ مِن حينَ أغلَقْناه حتى أصبَحْنا. وأن جبريلَ جاء بأمرِ ربِّنا السميعِ العليمِ إلى موسى، فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فتَضْرِبوه ببعضِها (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا حسينٌ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ -دخَل حديثُ بعضِهم في حديثِ بعضٍ- قالوا: إن سِبْطًا مِن بنى إسرائيل لمَّا رَأَوْا كثرةَ شُرورِ الناسِ بَنَوْا مدينةً فاعتزَلوا شُرُورَ الناسِ، فكانوا إذا أمسَوْا لم يترُكوا أحدًا منهم خارجًا إلّا أدخَلوه، وإذا أصبَحوا قام رئيسُهم فنظَر وتشرَّف (٣)، فإذا لم يَرَ شيئًا فتَح المدينةَ فكانوا مع الناسِ حتى يُمْسوا، وكان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ له مالٌ كثيرٌ، ولم يكن له وارثٌ غيرُ ابنِ (٤) أخيه، فطال عليه حياتُه، فقتَله ليَرِثَه، ثم حمَله فوضَعه على بابِ المدينةِ، ثم كَمَن في مكانٍ هو وأصحابُه، قال: فتشرَّف رئيسُ المدينةِ على بابِ المدينةِ فنظَر فلم يَرَ شيئًا، ففتَح البابَ، فلمَّا رأى القتيلَ رَدَّ البابَ فناداه [ابنُ أخى] (٥) المقتولِ وأصحابُه: هيهاتَ! قتلتُموه ثم تَرُدُّون البابَ. وكان موسى لمَّا رأى القَتْلَ كثيرًا في أصحابِه بنى إسرائيلَ، كان إذا رأى القتيلَ بين ظَهْرَىِ القومِ أخذَهم.

стр. 1031

فكاد يكونُ بينَ أخى المقتولِ وبين أهلِ المدينةِ قتالٌ، حتى لبِس الفريقان السلاحَ، ثم كفَّ بعضُهم عن بعضٍ، فأتَوْا موسى فذكَروا له شأنَهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إن هؤلاء قتَلوا قتيلًا ثم ردُّوا البابَ. وقال أهلُ المدينةِ: يا رسولَ اللهِ، قد عرَفْتَ اعتزالَنا الشرورَ، وبنَيْنا مدينةً -كما رأيتَ- نعتزِلُ شرورَ الناسِ، ما قتَلْنا ولا عَلِمْنا قاتلًا، فأوحَى اللهُ تعالى ذِكْرُه إليه أن يذبَحوا بقرةً، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: كان في بنى إسرائيل رجلٌ عقيمٌ وله مالٌ كثيرٌ، فقتَله ابنُ أخٍ له، فجرَّه فألقاه على بابِ ناسٍ آخَرِين (٢)، ثم أصبَحوا فادَّعاه عليهم حتى تسلَّح هؤلاء وهؤلاء، فأرادوا أن يَقتَتِلوا، فقال ذَوُو النُّهَى منهم: أتقتَتلون وفيكم نبىُّ اللهِ؟ فأمسَكوا حتى أَتَوْا موسى، فقصُّوا عليه القصةَ، فأمرَهم أن يَذبَحوا بقرةً فَيَضْرِبوه ببعضِها، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٣). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قتيلٌ مِن بنى إسرائيلَ طُرِح في سِبْطٍ مِن الأسباطِ فأتَى أهلُ ذلك السِّبْطِ إلى ذلك السبطِ، فقالوا: أنتم واللهِ قتلتُم صاحبَنا. فقالوا: لا واللهِ. فأتَوْا إلى موسى فقالوا: هذا قَتيلُنا بين أظهُرِهم، وهم واللهِ قتَلوه. فقالوا: لا واللهِ يا نبيَّ اللهِ، طُرِح علينا. فقال لهم موسى ﷺ : ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١). قال أبو جعفرٍ: فكان اختلافُهم وتنازعُهم وخصامُهم بينَهم في أمرِ القتيلِ

стр. 1032

الذى ذكرْنا أمْرَه على ما رَوَيْنا عن علمائِنا مِن أهلِ التأويلِ، هو الدَّرْءُ الذى قال اللهُ جلَّ ثناؤه لذُرِّيَّتِهم وبقايا أولادِهم: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾. ويعنى بقولِه: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: واللهُ مُعْلِنٌ ما كنتم تُسِرُّونه مِن قَتْلِ القتيلِ الذى قتَلتم ثم ادَّارَأْتُم فيه. ومعنى "الإخراجِ" في هذا الموضعِ: الإظهارُ والإعلانُ لمن خفِى ذلك عنه، وإطْلاعُهم عليه، كما قال اللهُ تعالى ذكره: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥]. يعنى بذلك: يُظْهِرُه ويُطْلِعُه مِن مَخْبَئِه بعدَ خَفائِه. والذى كانوا يَكْتُمونه فأخرَجه، هو قَتْلُ القاتلِ القتيلَ، كما كتَم ذلك القاتلُ ومَن علِمه ممَّن شايَعه على ذلك حتى أظهرَه اللهُ وأخرَجه، فأعَلن أمْرَه لمَن لا يَعلمُ أمْرَه. وعنَى جلَّ ذكرُه بقوله: ﴿تَكْتُمُونَ﴾: تُسِرُّون وتُغَيِّبون. كما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: تُغَيِّبون (١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: ما كنتم تُغَيِّبون. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. يعنى جلَّ ذكرُه بقولهِ: ﴿فَقُلْنَا﴾: لقومِ موسى الذين ادَّارَءوا في القتيلِ -

стр. 1033

الذى قد تقدَّم وَصْفُنا أمْرَه-: اضرِبوا القتيلَ. والهاءُ التى في قوله: ﴿اضْرِبُوهُ﴾ مِن ذِكْرِ القتيلِ، ﴿بِبَعْضِهَا﴾ أى: ببعضِ البقرةِ التى أمرَهم اللهُ بذبْحِها فذبَحوها. ثم اختَلف العلماءُ في البعض الذى ضُرِب به القتيلُ مِن البقرةِ، وأىِّ عُضْوٍ كان ذلك منها؛ فقال بعضُهم: ضُرِب بفَخِذِ البقرةِ القتيلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، في مجاهدٍ، قال: ضُرِب بفخِذِ البقرةِ فقام حيًّا، فقال: قتلنى فلانٌ. ثم عاد في مِيتَتِه (١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ضُرِب بفَخِذِ البقرةِ. ثم ذكَر مثلَه. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن النَّضْرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن عكرمةَ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. قال: [بفخِذِها، فلمَّا ضُرِب بها] (٢) عاش وقال: قتلنى فلانٌ. ثم عاد إلى حالِه (٣). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن مجاهدٍ، قال: ضُرب بفخِذِها الرجلُ فقام حيًّا، فقال: قتَلنى فلانٌ. ثم عاد في مِيتَتِه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال:

стр. 1034

قال أيوبُ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ: ضرَبوا المقتولَ ببعضِ لحمِها. وقال معمرٌ: قال قتادةُ: ضرَبوه بلحمِ الفخِذِ فعاش، فقال: قتَلنى فلانٌ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أنهم ضرَبوه بفخِذِها فأحياه اللهُ، فأنبأ بقاتلِه الذى قتَله وتكلَّم، ثم مات (٢). وقال آخَرون: الذى ضُرب به منها هو البَضْعةُ (٣) التى بين الكَتِفَيْنِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾: فضرَبوه بالبَضْعةِ التى بين الكتفينِ فعاش، فسألوه: مَن قتَلك؟ فقال لهم: ابنُ أخى (٤). وقال آخَرون: الذى أُمِرُوا أن يَضرِبوه به منها عظمٌ مِن عظامِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: أمرَهم موسى أن يأخذوا عظمًا منها فيَضْرِبوا به القتيلَ، ففعَلوا، فرجَع إليه رُوحُه، فسمَّى لهم قاتلَه ثم عاد ميتًا كما كان، فأُخذ قاتلُه -وهو الذى أتَى موسى فشكا إليه- فقتَله اللهُ على أسْوأِ عَمَلِه (٥).

стр. 1035

وقال آخَرون بما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ضرَبوا الميتَ ببعضِ آرابِها (١)، فإذا هو قاعدٌ، قالوا: مَن قتَلك؟ قال: ابنُ (٢) أخى. قال: وكان قتَله وطرَحه (٣) على ذلك السِّبْطِ، أراد أن يَأخُذَ دِيَتَه (٤). والصوابُ مِن القولِ في تأويلِ قولِه عندنا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. أن يقالَ: أمرَهم اللهُ جلَّ ثناؤه أن يَضرِبوا القتيلَ ببعضِ البقرةِ لِيَحْيا المضروبُ. ولا دَلالةَ في الآيةِ، ولا خبرَ تقومُ به حُجَّةٌ، على أيِّ أبعاضِها التى أُمر القومُ أن يَضرِبوا القتيلَ به. وجائزٌ أن يكونَ الذى أُمروا أن يَضرِبوه به هو الفَخِذَ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك الذَّنَبَ وغُضْروفَ الكَتِفِ وغيرَ ذلك مِن أبعاضِها. ولا يَضُرُّ الجهلُ بأىِّ ذلك ضرَبوا القتيلَ، ولا ينفَعُ العلمُ به، مع الإقرارِ بأن القومَ قد ضرَبوا القتيلَ ببعضِ البقرةِ بعدَ ذَبْحِها، فأحياه اللهُ. فإن قال قائلٌ: وما كان معنى الأمرِ بضرْبِ القتيلِ ببعضِها؟ قيل: لِيَحْيا فَيُنْبِئَ نبيَّ اللهِ موسى ﷺ والذين ادَّارءوا فيه مَن قاتِلُه. فإن قال قائلٌ: وأين الخبرُ عن أن (٢) اللهَ جلَّ ثناؤه أمرَهم بذلك لذلك؟ قيل: تُرك ذلك اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكر مِن الكلامِ الدالِّ عليه، نحوَ الذى ذكَرْنا مِن نظائرِ ذلك فيما مضَى.

стр. 1036

ومعنى الكلامِ: فقُلْنا: اضْرِبوه ببعضِها لِيَحْيا. فضرَبوه فحَيى -كما قال جل ثناؤه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]. والمعنى: فضُرب فانفَلَق- يدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى﴾. وقولُه: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى﴾. مُخاطبةٌ مِن اللهِ عبادَه المؤمنين، واحتجاجٌ منه على المشركين المكذِّبين بالبعثِ، [وأمرُهم بالاعتبارِ] (١) بما كان منه جل ثناؤه مِن إحياءِ قتيلِ بني إسرائيلَ بعد مَماتِه في الدنيا، فقال لهم تعالى ذكرُه: أيُّها المكذِّبون بالبعثِ بعد المماتِ، اعتَبِروا بإحيائى هذا القتيلَ بعد مَماتِه، فإنى كما أحييتُه في الدنيا فكذلك أُحْيِى الموتى بعد مماتِهم، فأبعثُهم يومَ البعثِ. فإنما احتجَّ جل ذكرُه بذلك على مُشْرِكى العربِ وهم قومٌ أُمِّيُّون لا كتابَ لهم؛ لأن الذين كانوا يعلَمون علْمَ ذلك مِن بني إسرائيلَ كانوا بين أظهُرِهم وفيهم نزلتْ هذه الآياتُ، فأخبَرهم جل ذكرُه بذلك ليتعرَّفوا عِلْمَ مَن قِبَلَهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾. يعنى جلَّ ذِكْرُه: ويُرِيكم اللهُ أيُّها الكافرون المُكذِّبون بمحمدٍ ﷺ ، وبما جاء به مِن عندِ اللهِ مِن آياتِه -وآياتُه: أعلامُه وحُجَجُه الدالَّةُ على نُبُوتِه- لِتَعْقِلوا وتَفْهَموا أنه مُحِقٌّ صادقٌ فتؤمنوا به وتتَّبِعوه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.

стр. 1037

يعنى بذلك كُفَّارَ بني إسرائيلَ، وهم -فيما ذُكر- بنو أخى المقتولِ، فقال لهم: ثم قسَتْ قلوبُكم. أي: جَفَتْ وغلُظتْ وعَسَتْ، كما قال الراجزُ (١): وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسا لُدَّتى (٢) يُقالُ: قسا وعسا وعتا، بمعنًى واحدٍ، وذلك إذا جفا وغلُظ وصلُب. يُقالُ منه: قسا قلبُه يَقسُو قَسْوًا وقَسوةً وقَساوةً وقَساءً. ويعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: مِن بعدِ أن أحيا المقتولَ لهم الذى ادَّارءوا في قتْلِه، فأخبرَهم بقاتلِه، وما السببُ الذى مِن أجْلِه قتَله. كما قد وصَفْنا قبلُ على ما جاءت به (٣) الآثارُ والأخبارُ، وفصَل اللهُ تعالى ذكرُه بخبرِه بين المُحِقِّ منهم والمُبْطِلِ. وكانت قساوةُ قلوبِهم التى وصَفهم اللهُ بها أنهم -فيما بلَغَنا- أنكَروا أن يَكُونوا هم قتَلوا القتيلَ الذى أحياه اللهُ، فأخبَر بني إسرائيلَ بأنهم كانوا قَتَلَتَه بعدَ إخبارِه إيّاهم بذلك، وبعدَ مِيتَتِه الثانيةِ. كما حدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمِّى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا ضُرِب المقتولُ ببعضِها -يعنى ببعضِ البقرةِ- جلَس حيًّا (٤)، فقِيل له: مَن قتَلك؟ فقال: بنو أخى قتَلونى. ثم قُبِض، فقال بنو أخيه حينَ قُبِض: واللهِ ما قتَلْناه. فكذَّبوا بالحقِّ بعدَ إذ رأَوْه، فقال اللهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: يعنى بني أخى الشيخِ، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (٥).

стр. 1038

حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما أراهم اللهُ مِن إحياءِ الموتى، وبعدَ ما أراهم مِن أمْرِ القَتيلِ ما أراهم، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (١). [حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: من بعدِ هذه الآيةِ، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾] (٢). [حدَّثنى المثنَّى، قال: حدثنا آدمُ، قال: حدثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾] (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. يعنى بقولِه: ﴿فَهِىَ﴾. قلوبَكم، يقولُ: ثم صلُبتْ قلوبُكم -بعدَ إذ رأيتُم الحقَّ فتبيَّنْتُموه وعَرَفْتُموه- عن الخُضوعِ له والإذعانِ لواجبِ حقِّ اللهِ عليكم، فقلوبُكم كالحجارةِ صلابةً ويُبْسًا، وغِلَظًا وشِدَّةً، أو أشدُّ صلابةً -يعنى قلوبَكم- عن الإذعانِ لواجبِ حقِّ اللهِ عليهم، والإقرارِ له باللازمِ مِن حقوقِه لهم من الحجارةِ. فإن سأل سائلٌ فقال: وما وجهُ قولِه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ و"أوْ" عند أهلِ العربيةِ إنما تأتى في الكلامِ لمعنى الشكِّ، واللهُ تعالى جل ذكرُه غيرُ جائزٍ في خبرِه الشكُّ؟ قيل: إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذى توهَّمْتَه مِن أنه شكٌّ مِن اللهِ جل ذكرُه فيما

стр. 1039

أَخبَر عنه، ولكنه خبرٌ منه عن قلوبهم القاسيةِ أنها -عند عبادِه الذين هم أصحابُها الذين كذَّبوا بالحقِّ بعد ما رأوُا العظيمَ مِن آياتِ اللهِ- كالحجارةِ قسوةً أو أشدُّ مِن الحجارةِ عندهم وعند مَن عرَف شأنَهم، وقد قال في ذلك جماعةٌ من أهلِ العربيةِ أقوالًا؛ فقال بعضُهم: إنما أراد اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. وما أشبهَ ذلك من الأخبارِ التى تأتى بـ "أو" كقولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. وكقولِ اللهِ جلَّ ذكرُه: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. فهو عالمٌ أىُّ ذلك كان. قالوا: ونظيرُ ذلك قولُ القائلِ: أكلتُ بُسْرَةً أوْ رُطَبَةً. وهو عالمٌ أىَّ ذلك أكَل، ولكنَّه أبْهَم على المخاطَبِ، كما قال أبو الأسودِ الدِّيلىُّ (١): أُحِبُّ مُحَمّدَا حُبًّا شَدِيدًا … وعَبَّاسًا وحَمْزَةَ وَالوَصِيّا فإنْ يَكُ حُبُّهُمْ رَشَدًا أُصِبْه … وَلَسْتُ بِمُخْطئٍ إنْ كانَ غَيّا قالوا: ولا شكَّ أن أبا الأسودِ لم يكن شاكًّا في أن حُبَّ مَن سمَّى رَشَدٌ، ولكنه أَبْهَم على مَن خاطَبه به. وقد ذُكِرَ عن أبي الأسودِ أنه لما قال هذه الأبياتَ قيل له: شكَكتَ؟ فقال: كلَّا واللهِ. ثم انتزَع (٢) بقولِ اللهِ : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فقال: أوَ كان شاكًّا مَن أخبَر بهذا في الهادى من الضلالِ؟! وقال بعضُهم: ذلك كقولِ القائلِ: ما أطعمتُك إلَّا حُلْوًا أوْ حامضًا. وقد أطعَمه النوعين جميعًا. فقالوا: فقائلُ ذلك لم يكنْ شاكًّا أنه قد أطعَم صاحبَه الحُلْوَ والحامضَ كليهما، ولكنه أراد الخبرَ عمَّا أطعَمه إيَّاه أنه لم يَخرُجْ عن هذين النوعين.

стр. 1040

قالوا: فكذلك قولُه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. إنما معناه: فقلوبُهم لا تَخرُجُ من أحدِ هذين المَثَليْنِ؛ إمّا أن تكونَ مَثلًا للحجارةِ في القسوةِ، وأما أن تكونَ أشدَّ منها قسوةً. ومعنى ذلك على هذا التأويلِ: فبعضُها كالحجارةِ قسوةً، وبعضُها أشدُّ قسوةً من الحجارةِ. وقال بعضُهم: "أو" في قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. بمعنى: وأشدُّ قسوةً. كما قال ﵎: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. بمعنى: وكفورًا. وكما قال جريرُ بنُ عطيةَ (١)؛ نال الخلافةَ أوْ كانَتْ له قَدَرًا … كمَا أتَى رَبَّهُ موسى على قَدَرِ يعنى: نال الخلافةَ وكانت له قَدَرًا. وكما قال النابغةُ (٢): قالَتْ [ألا لَيْتَما] (٣) هَذَا الحَمامُ لَنا … إلى حَمامَتِنا أوْ (٤) نِصْفُهُ فَقَدِ (٥) يريدُ: ونصفُه. وقال آخَرون: "أو" في هذا الموضعِ بمعنى "بل". فكان تأويلُه عندَهم: فهى كالحجارةِ بل أشدُّ قسوةً. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾. بمعنى: بل يزيدون (٦).

стр. 1041

وقال آخَرون: معنى ذلك: فهى كالحجارةِ أو أشدُّ قسوةً عندَكم. قال أبو جعفرٍ: ولكلٍّ ممَّا قيل مِن هذه الأقوالِ التى حكَيْنا وجهٌ ومَخرَجٌ في كلامِ العربِ، غيرَ أن أعجبَ الأقوالِ إلىَّ (١) في ذلك ما قلْناه أوَّلا، ثم القولُ الذى ذكرْناه عمَّن وجَّه ذلك إلى أنه بمعنى: فهى أوْجُهٌ في القسوةِ من أن تكونَ كالحجارةِ أو أشدَّ. على تأويلِ أن منها كالحجارةِ، ومنها أشدَّ قسوةً؛ لأن "أو" وإن استُعمِلتْ في أماكنَ مِن أماكنِ "الواوِ" حتى يَلتبِسَ معناها ومعنى "الواوِ" -لتقارُبِ معنيَيْهما في بعضِ تلك الأماكنِ- فإن أصلَها أن تأتىَ بمعنى أحدِ الاثنينِ، فتوجيهُها إلى أصلِها -[مَن وجَد] (٢) إلى ذلك سبيلًا- أعجبُ إلىَّ مِن إخراجِها عن أصلِها ومعناها المعروفِ لها. قال: وأمّا الرفعُ في قولِه: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. فمِن وجهينِ؛ أحدُهما: أن يكونَ عطفًا على معنى الكافِ التى في قوله: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾. لأن معناها الرفعُ؛ وذلك أن معناها معنى "مِثْل": فهى مثلُ الحجارةِ أو أشدُّ قسوةً من الحجارةِ. والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ مرفوعًا على معنى تكريرِ "هى" عليه، فيكونَ تأويلُ ذلك: فهى كالحجارةِ أو هى أشدُّ قسوةً مِن الحجارةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾. يعنى بقولِه جلَّ ذكرُه: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾: وإن

стр. 1042

مِن الحجارةِ لحجارةً (١) يتَفجَّرُ منها الماءُ الذى تكونُ منه الأنهارُ. فاسْتُغْنى [بذكْرِ الأنهارِ عن ذكْرِ الماءِ] (٢)، وإنما ذُكِّر فقيل: ﴿مِنْهُ﴾ للفظِ "ما". والتفجُّرُ التفعُّلُ مِن: تفجَّر (٣) الماءُ، وذلك إذا تنزَّل خارجًا مِن منبعِه، وكلُّ سائلٍ شخَص خارجًا من موضِعِه ومكانِه فقد انفجَر، ماءً كان ذلك أو دمًا أو صديدًا أو غيرَ ذلك، ومنه قولُ عُمرَ بنِ لَجَأٍ (٤): وَلمَّا أنْ قُرِنْتُ (٥) إلى جَرِيرٍ … أَبَى ذُو بَطْنِهِ [إلَّا انْفِجارَا] (٦) يعنى: إلَّا خُروجًا وسَيَلانًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: وإن مِن الحجارةِ لَحِجارةً تَشَّقَّقُ. وتَشَقُّقُها تَصَدُّعُها، وإنما هى: لَما يَتَشَقَّقُ، ولكنَّ التاءَ أُدْغِمَتْ في الشِّين فصارتْ شِينًا مُشَدَّدةً. وقولُه: ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾. [يقولُ: فيخرُجُ منه الماءُ] (٧) فيكونُ عينًا نابعةً [وأنهارًا] (٨) جاريةً. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾.

стр. 1043

قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وإن مِن الحجارةِ لَمَا (١) يَهْبِطُ -أى: يَتَرَدَّى- مِن رأسِ الجبلِ إلى الأرضِ والسَّفْحِ مِن خوفِ اللهِ وخشيتِه. وقد دلَّلْنا على معنى الهبوطِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). وأُدْخِلَتْ هذه اللَّاماتُ اللواتى في "ما" توكيدًا للخَبرِ. وإنما وصَف اللهُ تعالى ذكرُه الحجارةَ بما وصفَها به -مِن أن منها (٣) المتفجِّرَ منه (٤) الأنهارُ، وأن منها المتشقِّقَ بالماءِ، وأن منها الهابطَ مِن خشيةِ اللهِ، بعدَ الذى جعَل منها لقلوبِ الذين أَخبَر عن قسوةِ قلوبهم مِن بنى إسرائيل مَثَلًا- معذرةً منه جلَّ ثناؤه لها دونَ الذين أخبَر عن قسوةِ قلوبهم من بنى إسرائيل؛ إذ كانوا بالصفةِ التى وصفَهم اللهُ بها من التكذيبِ برُسُلِه والجُحودِ لآياتِه بعد الذى أراهم من الآياتِ والعِبَرِ، وعايَنوا مِن عجائبِ الأدلةِ والحُجَجِ، مع ما أعطاهم تعالى ذكرُه مِن صحةِ العقولِ، ومَنَّ به عليهم من سلامةِ النفوسِ التى لم يُعْطِها الحَجَرَ والمَدَرَ، ثم هو مع ذلك منه ما يَتفجَّرُ بالأنهارِ، ومنه ما يتَشَقَّقُ بالماءِ، ومنه ما يَهبِطُ مِن خشيةِ اللهِ، فأخبَر تعالى ذِكْرُه أن مِن الحجارةِ ما هو أَلْيَنُ من قلوبِهم لِمَا (٥) يُدْعَوْن إليه مِن الحقِّ. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ (٦). وبنحوِ الذى قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 1044

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾. قال: كلُّ حجَرٍ يتفجَّرُ منه الماءُ، أو يَتَشَقَّقُ عن ماءٍ، أو يَتَرَدَّى مِن رأسِ جبَلٍ، فهو مِن خشيةِ اللهِ ، نزَل بذلك القرآنُ (١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنى بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. ثم عذَر الحجارةَ ولم يَعْذِرْ شَقىَّ ابنِ آدمَ، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَه. حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ثم عذَر اللهُ الحجارةَ فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ (٣).

стр. 1045

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ أنه قال فيها: كلُّ حجرٍ انفجَر منه ماءٌ، أو تشقَّقَ عن ماءٍ، أو تردَّى من جبلٍ، فمن خشيةِ الله، نزَل به القرآنُ. ثم اختَلف أهلُ النحوِ في معنى هُبُوطِ ما هبَط مِن الحجارةِ مِن خَشيةِ اللهِ. فقال بعضُهم: إن هبوطَ ما هبَط منها من خشيةِ اللهِ: تَفَيُّؤُ ظلالِه (١). وقال آخَرون: ذلك الجبلُ الذى صار دكًّا إذ تجلَّى له ربُّه (٢). وقال بعضُهم: ذلك كان منه، ويكونُ بأن اللهَ جلَّ ذكرُه أعطَى بعضَ الحجارةِ المعرِفةَ والفَهمَ، فعقَل طاعةَ اللهِ فأطاعه، كالذى رُوِى عن الجِذْعِ الذى كان يَسْتَنِدُ إليه رسولُ الله ﷺ إذا خطَب، فلمَّا تحوَّل عنه حَنَّ (٣). وكالذى رُوِى عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ في الجاهلِيَّةِ، إنِّى لَأَعْرِفُهُ الآنَ" (٤). وقال آخَرون: بل قولُه: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾. كقولِه: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]. ولا إرادةَ له. قالوا: وإنما أُرِيدَ بذلك أنه مِن عِظَمِ أمْرِ اللهِ يُرَى كأنه هابطٌ خاشِعٌ مِن ذُلِّ خشيةِ اللهِ، كما قال زيدُ الخَيْلِ (٥): بِجَمْعٍ تضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِهِ … ترَىَ الأُكْمَ فِيها سُجَّدًا للحَوَافِرِ

стр. 1046

وكما قال سُوَيْدُ بنُ أبى كاهِلٍ يَصِفُ عَدُوًّا له يُرِيدُ أنه ذَلِيلٌ (١): ساجِدَ المَنْخَرِ إذْ يَرْفَعُهُ … خاشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ (٢) المُسْتَمَعْ وكما قال جريرُ بنُ عطيةَ (٣): لَمَّا أتى خَبَرُ الرَّسُولِ تَضَعْضَعَتْ … سُورُ المَدِينَةِ والجبالُ الخُشَّعُ وقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾. أى: يُوجبُ الخشيةَ لغيرِه بدلالتِه على صانعِه، كما قيل: ناقةٌ تاجرةٌ: إذا كانت مِن نَجابتِها وفراهتِها تدعو الناسَ إلى الرغبةِ فيها، كما قال جريرُ بنُ عطيةَ (٤): وأَعوَرَ مِن نَبْهانَ أمّا نَهارُه … فأعْمَى وأمّا لَيْلُه فبَصِيرُ فجعَل الصفةَ لليلِ والنهارِ، وهو يُرِيدُ بذلك صاحبَه النَّبْهانىَّ الذى يَهْجُوه مِن أجْلِ أنه فيهما كان ما وصَفه به. وهذه الأقوالُ وإن كانت غيرَ بعيداتِ المعنى ممَّا تَحْتَمِلُه الآيةُ من التأويلِ، فإن تأويلَ أهلِ التأويلِ مِن علماءِ سلَفِ الأمةِ بخلافِها، فلذلك لم نَسْتَجِزْ صرْفَ تأويلِ الآيةِ إلى معنًى منها. وقد دلَّلْنا فيما مضَى على معنى الخشيةِ، وأَنها الرهبةُ والمخافةُ، فكرِهْنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ (٥). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.

стр. 1047

يعنى بقولِه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وما اللهُ بغافلٍ -يا معشرَ المكذِّبينَ بآياتِه، والجاحدينَ نبوّةَ رسولِه محمدٍ ﷺ ، والمتقوِّلِين عليه الأباطيلَ من بنى إسرائيلَ وأحبارِ اليهودِ- عما تعمَلون من أعمالِكم الخبيثةِ، وأفعالِكم الرديئةِ، ولكنه يُحصِيها عليكم، فيجازِيكم بها في الآخرةِ أو يعاقِبُكم بها في الدنيا. وأصلُ الغَفْلةِ عن الشئِ تَرْكُه على وجهِ السهوِ عنه والنسيانِ له. فأخبَرهم تعالى ذكرُه أنه غيرُ غافلٍ عن أفعالِهم الخبيثةِ ولا ساهٍ عنها، بل هو لها مُحْصٍ، ولها حافظٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾. يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾. أصحابَ (١) محمدٍ. [يقولُ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾] (٢) أى: أفتَرْجُونَ يا معشرَ المؤمنين بمحمدٍ ﷺ ، والمُصَدِّقِين ما جاءكم به مِن عندِ اللهِ، أن يُؤْمِنَ لكم يهودُ بنى إسرائيلَ. ويعنى بقولِه: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾: أن يُصَدِّقوكم بما جاءكم به نبيُّكم ﷺ محمدٌ مِن عندِ ربِّكم. كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾: يعنى أصحابَ محمدٍ ﷺ أن يُؤْمِنوا لكم، يقولُ: أفتَطْمَعونَ أن يُؤْمِنَ لكم اليهودُ (٣)؟ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الآية. قال: هم اليهودُ (٤).

стр. 1048

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ: أما "الفريقُ" فَجَمْعٌ، كالطائفةِ، لا واحدَ له مِن لفظِه، وهو "فَعيلٌ" مِن "التَّفَرُّقِ"، سُمِّىَ به الجِماعُ كما سُمِّيَت الجماعةُ بـ "الحِزْبِ" مِن "التَّحزُّبِ"، وما أشْبَهَ ذلك، ومنه قولُ أعْشَى بنى ثَعْلبةَ (١): أجَدُّوا (٢) فلمَّا خِفْتُ أنْ يَتَفَرَّقُوا … فَرِيقَيْن مِنْهُمْ مُصْعِدٌ وَمُصَوِّبُ (٣) يعنى بقولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾: مِن بنى إسرائيلَ. وإنما جعَل اللهُ الذين كانوا على عهدِ موسى ومَن بعدَهم مِن بنى إسرائيلَ، مِن اليهودِ الذين قال اللهُ لأصحابِ محمدٍ ﷺ : ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾. لأنهم كانوا آباءَهم وأسْلافَهم، فجعَلهم منهم إذ كانوا عَشائرَهم وفَرَطَهم وأسْلافَهم، كما يَذْكُرُ الرجلُ اليومَ الرجلَ، وقد مضَى على مِنهاجِ الذاكرِ وطريقتِه، وكان مِن قومِه وعَشيرتِه، فيقولُ: كان منا فلانٌ. يعنى أنه كان مِن أهلِ طريقتِه ومذهبِه، أو مِن قومِه وعَشيرتِه، فكذلك قولُه ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى

стр. 1049

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: فالذين يُحَرِّفونَه والذين يَكْتُمونَه هم العلماءُ منهم (١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾. قال: هى التوراةُ حرَّفوها (٢). حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾. قال: التوراةُ التى أنْزَلها عليهم يُحَرِّفونها، يَجْعَلون الحلالَ فيها حرامًا، والحرامَ فيها حلالًا، والحقَّ فيها باطلًا، والباطلَ فيها حقًّا؛ إذا جاءَهم المُحِقُّ برِشْوةٍ أخْرَجوا له كتابَ اللهِ، وإذا جاءَهم المُبْطِلُ برِشْوةٍ أخرجوا له ذلك الكتابَ فهو فيه مُحِقٌّ، وإن جاء أحدٌ يَسْأَلُهم شيئًا ليس فيه حقٌّ ولا رِشوةٌ ولا شيءٌ أَمَروه بالحقِّ، فقال لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣). وقال آخرون في ذلك بما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ

стр. 1050

كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: فكانوا يَسْمَعون مِن ذلك كما يَسْمَعُ أهلُ النُّبوةِ، ثم يُحَرِّفونه مِن بعدِ ما عقَلوه وهم يَعْلَمون (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ في قولِه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾ الآية. قال: ليس قولُه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾: يَسْمَعون التوراةَ، كلُّهم قد سمِعها، ولكنَّهم الذين سألوا موسى رؤيةَ ربِّهم فأخَذَتْهم الصاعقةُ فيها (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: بلَغنى عن بعضِ أهلِ العلمِ أنهم قالوا لموسى: يا موسى، قد حِيلَ بيننا وبينَ رؤيةِ اللهِ ، فأَسْمِعْنا كلامَه حين يُكَلِّمُك. فطلَب ذلك موسى إلى ربِّه، فقال: نعم، فَمُرْهم فليتَطَهَّروا، ولْيُطَهِّروا ثيابَهم، ويَصُوموا. ففعَلوا، ثم خرَج بهم حتى أتَى الطُّورَ، فلما غَشِيهم الغَمامُ أمرَهم موسى ﵇ فوقَعوا سجودًا، وكلَّمه ربُّه، فسمِعوا كلامَه يَأْمُرُهم ويَنْهاهم، حتى عَقَلوا ما سمِعوا، ثم انْصَرف بهم إلى بنى إسرائيلَ، فلما جاءوهم حرَّف فريقٌ منهم ما أمَرهم به، وقالوا حين قال موسى لبنى إسرائيلَ: إن اللهَ قد أمرَكم بكذا وكذا. قال ذلك الفريقُ الذى ذكَرهم اللهُ: إنما قال كذا وكذا. خلافًا لِما قال اللهُ لهم، فهم الذين عَنَى اللهُ لرسولِه محمدٍ ﷺ (٣). وأَوْلى التأويلين اللذين ذكرتُ بالآيةِ وأَشْبَهُهما بما دلَّ عليه ظاهرُ التلاوةِ، ما قاله الربيعُ بنُ أنسٍ، والذى حكاه ابنُ إسحاقَ عن بعضِ أهلِ العلمِ، مِن أن اللهَ تعالى

стр. 1051

ذِكْرُه إنما عَنَى بذلك مَن سمِع كلامَه مِن بنى إسرائيلَ سماعَ موسى إياه منه، ثم حرَّف ذلك وبدَّل مِن بعدِ سماعِه وعلمِه به وفهمِه إياه. وذلك أن اللهَ جل ثناؤُه إنما أخْبَر أن التحريفَ كان مِن فريقٍ منهم كانوا يَسْمَعون كلامَ اللهِ ، اسْتِعْظامًا مِن اللهِ لِما كانوا يَأْتون مِن البهتانِ بعد توكيدِ الحجةِ عليهم والبرهانِ، وإيذانًا منه تعالى ذِكْرُه عبادَه المؤمنين، وقطَع أطماعَهم مِن إيمانِ بقايا نسلِهم بما أتاهم به محمدٌ مِن الحقِّ والنورِ والهُدَى، فقال لهم: كيف تَطْمَعون في تصديقِ هؤلاء اليهودِ إياكم، وإنما تُخْبِرونهم -بالذى تُخْبِرونهم مِن الأنْباءِ عن اللهِ عن غيبٍ لم يُشاهِدوه ولم يُعاينِوه، وقد كان بعضُهم يَسْمَعُ مِن اللهِ كلامَه وأمْرَه ونهيَه، ثم يُبَدِّلُه ويُحَرِّفُه ويَجْحَدُه، فهؤلاء الذين بينَ أَظْهُرِكم مِن بقايا نسلِهم أحْرَى أن يَجْحَدوا ما أَتَيْتُموهم به مِن الحقِّ وهم لا يَسْمَعونه مِن اللهِ، وإنما يَسْمَعونه منكم -وأقربُ إلى أن يُحَرِّفوا ما في كُتُبِهم مِن صفةِ نبيِّكم محمدٍ ﷺ ونعتِه، ويُبَدِّلوه وهم به عالمون، فيَجْحَدوه ويُكَذِّبوا- مِن أوائلِهم الذين باشَروا كلامَ اللهِ مِن اللهِ جل ثناؤُه ثم حرَّفوه مِن بعدِ ما عقَلوه وعلِموه، مُتَعمِّدين التحريفَ. ولو كان تأويلُ الآيةِ على ما قاله الذين زعَموا أنه عَنَى بقولِه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾: يَسْمَعون التوراةَ. لم يَكُنْ لِذِكْرِ قولِه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾. مَعْنًى مَفْهومٌ؛ لأن ذلك قد سمِعه المُحرِّفُ منهم وغيرُ المُحرِّفِ، فخصوصُ المحرِّفِ منهم بأنه كان يَسْمَعُ كلامَ اللهِ -إن كان التأويلُ على ما قاله الذين ذكَرنا قولَهم دونَ غيرِهم ممن كان يَسْمَعُ ذلك سماعَهم- لا مَعْنَى له. فإن ظنَّ ظانٌّ إنما صَلَح أن يُقالَ ذلك لقولِه: ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾. فقد أغْفَل وجهَ الصوابِ في ذلك، وذلك أن ذلك لو كان كذلك لقِيلَ: أفتَطْمَعون أن يُؤْمِنوا لكم

стр. 1052

وقد كان فريقٌ منهم يُحَرِّفون كلامَ اللهِ مِن بعدِ ما عقَلوه وهم يَعْلَمون. ولكنه جل ثناؤُه أخْبَر عن خاصٍّ من اليهودِ كانوا أُعْطوا، مِن مُباشَرَتِهم سَماعَ كلامِ اللهِ تعالى، ما لم يُعْطَه أحدٌ غيرُ الأنبياءِ والرُّسُلِ، ثم بدَّلوا وحرَّفوا ما سمِعوا مِن ذلك، فلذلك وصَفهم بما وصَفهم به للخصوصِ الذى كان خَصَّ به هؤلاء الفريقَ الذى ذكَرهم في كتابِه تعالى ذِكْرُه. ويعنى بقولِه: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾: ثم يُبَدِّلون مَعْناه وتأويلَه ويُغَيرونه. وأصلُه مِن انحرافِ الشئِ عن جهتِه، وهو ميلُه عنها إلى غيرِها، فكذلك قولُه: ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾. أى: يُمِيلونه عن وجهِه ومَعْناه الذى هو مَعْناه إلى غيرِه. فأخْبَر اللهُ جل ثناؤُه أنهم فعَلوا ما فعَلوا مِن ذلك على علمٍ منهم بتأويلِ ما حرَّفوا، وأنه بخلافِ ما حرَّفوه إليه، فقال: ﴿يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾. يعنى: مِن بعدِ ما عقَلوا تأويلَه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أى: يَعْلَمون أنهم في تحرِيفِهم ما حرَّفوا مِن ذلك مُبْطِلون كاذِبون. وذلك إخْبارٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن إقدامِهم على البُهتِ، ومُناصَبتِهم العداوةَ له ولرسولِه موسى ﷺ ، وأن بقاياهم -مِن مُناصَبتِهم العداوةَ للهِ ولرسولِه محمدٍ ﷺ بغيًا وحسدًا- على مثلِ الذى كان عليه أوائلُهم مِن ذلك فى عصرِ موسى ﵊. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ أما قولُه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. فإنه خبرٌ مِن اللهِ جل ذِكْرُه عن الذين أيْأَس أصحابَ محمدٍ ﷺ مِن إيمانهم -مِن يهودِ بنى إسرائيلَ الذين كان فريقٌ منهم يَسْمَعون كلامَ اللهِ ثم يُحرِّفونه مِن بعدِ ما عَقَلوه وهم يَعْلَمون- وهم الذين إذا لقُوا الذين آمنوا باللهِ ورسولِه محمدٍ ﷺ قالوا: آمنّا. يعنى

стр. 1053

بذلك أنهم إذا لقُوا الذين صَدَّقوا باللهِ وبمحمدٍ ﷺ رسولِه (١)، وبما جاء به مِن عندِ اللهِ قالوا: آمنا. أى: صدَّقنا بمحمدٍ وبما صَدَّقتُم به، وأقْرَرنا بذلك. أَخْبر اللهُ عنهم أنهم تَخَلقوا بأخلاق المنافقين وسلَكوا مِنهاجَهم. كما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عَمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾: وذلك أن نفرًا مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا محمدًا ﷺ قالوا: آمنا. وإذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ قالوا: أتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾: يعنى المنافقين مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا أصحابَ محمدٍ ﷺ قالوا: آمنا (٢). وقد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفَضْلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. أى: بصاحبِكم (٣) رسولِ اللهِ ﷺ ، ولكنه إليكم خاصةً (٤). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدَّىَّ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ الآية. قال: هؤلاء ناسٌ مِن اليهودِ آمنوا ثم نافقوا (٥).

стр. 1054

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. يعنى بقولِه: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. أى: إذا خلا بعضُ هؤلاء اليهودِ الذين وصَف اللهُ صفتَهم - إلى بعضٍ منهم، فصاروا في خَلاءٍ مِن الناسِ غيرِهم، وذلك هو الموضعُ الذى ليس فيه غيرُهم، ﴿قَالُوا﴾ يعنى قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾. يعنى: بما أمَركم اللهُ به. فيقولُ الآخَرون: إنما نَسْتَهْزِئُ بهم ونَضْحَكُ. وقال آخَرون بما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. أى: بصاحبِكم (١) رسولِ اللهِ، ولكنَّه إليكم خاصَّةً. وإذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ قالوا: لا تُحَدِّثوا العربَ بهذا، فإنكم قد كنتُم تَسْتَفْتِحون به عليهم فكان منهم. فأنْزَل اللهُ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. أى: تُقِرُّون بأنه نبىٌّ، وقد علِمْتُم أنه قد أُخِذ له الميثاقُ عليكم باتِّباعِه، وهو يُخْبِرُهم أنه النبىُّ (٢) الذى كُنَّا نَنْتَظِرُ ونَجِدُه في كتابِنا، اجْحَدُوه ولا تُقِرُّوا لهم به. يقولُ اللهُ:

стр. 1055

﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾. أى: بما أنْزَل اللهُ عليكم في كتابِكم، مِن نَعْتِ (٢) محمدٍ ﷺ (٣). حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾. أى: بما مَنَّ اللهُ عليكم في كتابِكم من نَعْتِ (٤) محمدٍ ﷺ ، فإنكم إذا فَعَلْتُم ذلك احْتَجُّوا به عليكم، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ لِيَحْتَجُّوا به عليكم (٦). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، قال: قال قتادةُ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾. يعنى: بما أَنْزَلَ اللهُ عليكم من أمرِ محمدٍ ﷺ ونَعْتِه (٧). وقال آخَرون في ذلك بما حدثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ
следующие страницы →