← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

يدى الحِيتانِ مِن ذنوبِ القومِ وما بعدَها مِن ذنوبهم. فإنه أبْعَدَ في الانْتِزاعِ؛ وذلك أن الحِيتانَ لم يَجْرِ لها ذكرٌ فيُقالَ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾. فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك جائزٌ وإن لم يكنْ جرَى للحيتانِ ذكرٌ؛ لأن العربَ قد تَكْنِى عن الاسمِ ولم يَجْرِ له ذكرٌ، فإن ذلك وإن كان كذلك، فغيرُ جائزٍ أن يُتْرَكَ المفهومُ مِن ظاهرِ الكتابِ -والمعقولُ به ظاهرٌ في الخطابِ والتنزيلِ- إلى باطنٍ لا دلالةَ عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرٍ عن الرسولِ ﷺ منقولٍ، ولا فيه مِن الحجةِ إجماعٌ مُسْتَفِيضٌ. وأما تأويلُ مَن تأوَّل ذلك: لما بينَ يديها مِن القُرَى، وما خلفَها. فَيُنْظَرُ إلى تأويلِ مَن تأوَّل ذلك: بما بينَ يدى الحِيتانِ وما خلفَها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾. والموعظةُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: وعَظْتُ الرجلَ أَعِظُه وَعْظًا ومَوْعِظةً. إذا ذكَّرْتَه. فتأويلُ الآيةِ: فجعَلْناها نَكالًا لمَا بينَ يديها وما خلفَها وتَذْكِرةً للمتقين، لِيَتَّعِظوا بها ويَعْتَبِرُوا ويَتَذَكَّروا بها. كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾. يقولُ: وتذكرةَ وعِبْرةً للمتقين (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾. وأما المُتَّقُون فهم الذين اتَّقَوْا بأداءِ فرائضِه واجْتِنابِ مَعاصِيه.

стр. 982

كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: للمؤمنين الذين يَتَّقُون الشِّركَ، ويَعْمَلون بطاعتى (١). فجعَل تعالى ذكرُه ما أحَلَّ بالذين اعْتَدَوْا في السبتِ مِن عقوبتِه مَوْعِظةً للمتقين خاصَّةً، وعِبْرةً للمؤمنين دون الكافرين به إلى يومِ القيامةِ. كالذى حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحصينِ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: إلى يومِ القيامةِ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. أى: بعدَهم (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٤). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: أما ﴿مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: فهم أمةُ محمدٍ ﷺ (٥). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال: فكانت موعظةً للمتقين خاصَّةً (٦).

стр. 983

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. أى: لمَن بعدَهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾. وهذه الآيةُ مما وبَّخ اللهُ بها المخاطَبِين مِن بنى إسرائيلَ في نَقْضِ أوائلِهم الميثاقَ الذى أخَذه اللهُ عليهم بالطاعةِ لأنْبيائِه، فقال لهم: واذْكُروا أيضًا مِن نَكْثِكم مِيثاقى، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ -وقومُه بنو إسرائيلَ، إذ ادَّارَءُوا في القَتيلِ الذى قُتِل فيهم إليه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. والهُزُؤُ: اللَّعِبُ والسُّخْريةُ، كما قال الراجزُ (١): قد هزِئَتْ منى أُمُّ طَيْسَلَهْ قالَتْ أَرَاهُ مُعْدِمًا لا شيءَ لَهْ يعنى بقولِه: قد هَزِئَت: قد سخِرَت ولعِبَت. ولا يَنْبَغِى أن يَكونَ مِن أنْبياءِ اللهِ -فيما أخْبَرَتْ عن اللهِ مِن أمرٍ أو نهيٍ- هُزُؤٌ أو لعبٌ، فظنُّوا بموسى أنه في أمرِه إياهم -عن أمرِ اللهِ تعالى ذكرُه بذبحِ البقرةِ عندَ تَدَارُئِهم في القتيلِ إليه (٢) - هازئٌ لاعبٌ، ولم يَكُنْ لهم أن يَظُنُّوا ذلك بنبىِّ اللهِ، وهو يُخْبِرُهم أن اللهَ هو الذى أمَرَهم بذبحِ البقرةِ.

стр. 984

وحُذِفَت الفاءُ مِن قولِه: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. وهو جوابٌ، لاسْتِغْناءِ ما قبلَه مِن الكلامِ عنه، وحُسْنِ السكوتِ على قولِه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فجاز لذلك إسقاطُ الفاءِ مِن قولِه: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. كما جاز وحَسُن إسقاطُها مِن قولِه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨، والذاريات: ٣١، ٣٢]. ولم يَقُلْ: "فقالوا: إنا أُرْسِلْنا". ولو قيل: "فقالوا". كان حسنًا أيضًا جائزًا. ولو كان ذلك على كلمةٍ واحدةٍ لم تُسْقَطْ منه الفاءُ، وذلك أنك إذا قلتَ: قمتُ وفعَلتُ كذا وكذا. لم (١) تَقُلْ: قمتُ فعلتُ كذا وكذا؛ لأنها عطفٌ لا استفهامٌ يُوقَفُ عليه. فأخْبَرَهم موسى -إذ قالوا له ما قالوا- أن المُخْبِرَ عن اللهِ جل ثناؤُه بالهُزْءِ والسخريةِ مِن الجاهِلِين، وبرَّأ نفسَه مما ظنُّوا به مِن ذلك، فقال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. يعنى: مِن السفهاءِ الذين يَرْوُون عن اللهِ الكذبَ والباطلَ. وكان سببَ قيلِ موسى لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ أيوبَ، عن محمد بنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: كان في بنى إسرائيلَ رجلٌ عَقيمٌ -أو عاقرٌ- قال: فقتَله وليُّه، ثم احْتَمَله، فألْقاه في سِبْطٍ غيرِ سِبْطِه. قال: فوقَع بينَهم فيه الشرُّ، حتى أخَذوا السلاحَ، قال: فقال أولو النُّهَى: أتَقْتَتِلون وفيكم رسولُ اللهِ؟ قال: فأتَوا نبىَّ اللهِ، فقال: اذْبَحوا بقرةً. فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ﴾. إلى قولِه: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: فضُرِب، فأخْبَرَهم بقاتلِه. قال: ولم تُؤْخَذِ البقرةُ إلا بوزنِها ذهبًا. قال: ولو أنهم

стр. 985

أخَذُوا أدْنى بقرةٍ لَأَجْزَأَت عنهم. فلم يُوَرَّثْ قاتلٌ بعدَ ذلك (١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: حدَّثنى أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: كان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ، وكان غَنِيًّا، ولم يَكُنْ له ولدٌ، وكان له قريبٌ، وكان وارثَه، فقتَله ليَرِثَه، ثم ألْقاه على مَجْمَعِ الطريقِ، وأتَى موسى، فقال له: إن قريبى قُتِل، وأُتِى (٢) إلىَّ أمرٌ عظيمٌ، وإنى لا أَجِدُ أحدًا يُبَيِّنُ لى مَن (٣) قتَله غيرَك يا نبىَّ اللهِ. قال: فنادَى موسى في الناسِ: أَنْشُدُ اللهَ مَن كان عندَه مِن هذا علمٌ إلا بيَّنه لنا. فلم يَكُنْ عندَهم علمُه، فأقْبَل القاتلُ على موسى، فقال: أنت نبىُّ اللهِ، فاسْأَلْ لنا ربَّك أن يُبَيِّن لنا. فسأَل ربَّه، فأوْحَى اللهُ إليه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فعجِبوا وقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ -يعنى: لا هَرِمةٌ- ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ -يعنى: ولا صغيرةٌ- ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ -أى: نَصَفٌ بينَ البِكْرِ والهَرِمةِ- قالوا ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ -أى: صافٍ لونُها- ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ -أى: تُعْجِبُ الناظِرِين- قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ -أى: لم يُذَلِّلْها العملُ- ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ -يعنى: ليستْ بذَلولٍ فتُثِيرَ الأرضَ- ﴿وَلَا تَسْقِي

стр. 986

الْحَرْثَ﴾ -يقولُ: ولا تَعْمَلُ في الحَرْثِ- ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ -يعنى: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ- ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ -يقولُ: لا بَياضَ فيها- قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: ولو أن القومَ حينَ أُمِرُوا أن يَذْبَحوا بقرةً اسْتَعْرَضوا بقرةً مِن البقرِ فذبَحوها، لَكانت إياها، ولكنَّهم شدَّدوا على أنفسِهم فشدَّد اللهُ عليهم، ولولا أن القومَ اسْتَثْنَوْا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. لما هُدُوا إليها أبدًا، فبلَغَنا أنهم لم يَجِدوا البقرةَ التى نُعِتَت لهم إلا عندَ عَجوزٍ عندَها يَتامَى، وهى القَيِّمةُ عليهم، فلما علِمَت أنهم لا يَزْكو (١) لهم غيرُها أضْعَفَت عليهم الثمنَ، فأتَوْا موسى فأخْبَروه أنهم لم يَجِدوا هذا النعتَ إلا عندَ فلانةَ، وأنها سأَلَتْهم أضعافَ ثمنِها، فقال لهم موسى: إن اللهَ قد كان خفَّف عليكم فشدَّدتُم على أنفسِكم، فأعْطُوها رِضاها وحُكْمَها. ففعَلوا واشْتَرَوْها، فذبَحوها، فأمَرَهم موسى أن يَأْخُذوا عَظْمًا منها فيَضْرِبوا به القَتيلَ، ففعَلوا، فرجَع إليه رُوحُه، فسمَّى لهم قاتلَه، ثم عاد ميتًا كما كان، فأخَذوا قاتلَه -وهو الذى كان أتَى موسى فشكَا إليه- فقتَله اللهُ على أسوأِ عملِه (٢). حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قال: كان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ مُكْثِرًا مِن المالِ، وكانت له ابنةٌ، وكان له ابنُ أخٍ محتاجٌ، فخطَب إليه ابنُ أخيه ابنتَه، فأبَى أن يُزَوِّجَه إياها، فغضِب الفتى، وقال: واللهِ لَأَقْتُلَنَّ عمِّى، ولآخُذَنَّ

стр. 987

مالَه، ولأَنْكِحَنَّ ابنتَه، ولَآكُلَنَّ دِيتَه. فأتاه الفتى، وقد قَدِم تجارٌ في بعضِ أسْباطِ بنى إسرائيلَ، فقال: يا عمِّ، انْطَلِقْ معى، فخُذْ لى مِن تجارةِ هؤلاء القومِ لعلى أُصِيبُ فيها (١)، فإنهم إذا رأَوْك معى أعْطَوْنى. فخرَج العمُّ مع الفتى ليلًا، فلمَّا بلَغ الشيخُ ذلك السِّبطَ قتَله الفتى، ثم رجَع إلى أهلِه، فلما أصْبَح جاء كأنه يَطْلُبُ عمَّه، كأنه لا يَدْرِى أين هو، فلم يَجِدْه، فانْطَلَق نحوَه، فإذا هو بذلك السِّبطِ مُجْتَمِعِين عليه، فأخَذَهم وقال: قتَلْتُم عمِّى، فأدُّوا إليَّ دِيَتَه. وجعَل يَبْكِى، ويَحْثُو الترابَ على رأسِه، ويُنادِى: واعمَّاه! فرفَعَهم إلى موسى، فقضَى عليهم بالديةِ، فقالوا له: يا رسول اللهِ، ادْعُ لنا حتى يَتَبَيَّنَ له مَن صاحبُه، فيُؤْخَذَ صاحبُ الجَريمةِ (٢)، فواللهِ إن ديتَه علينا لَهَيِّنةٌ، ولكنا نَسْتَحِى أن نُعَيَّرَ به. فذلك حينَ يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قالوا: نَسْأَلُك عن القَتيلِ، وعمَّن قتَله، وتَقولُ: اذْبَحوا بقرةً! أتَهْزَأُ بنا؟ قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: فلو اعْتَرَضوا بقرةً فذبَحوها لَأَجْزَأَت عنهم، ولكنهم شدَّدُوا وتعَنَّتُوا موسى، فشدَّد اللهُ عليهم، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ -والفارِضُ: الهَرِمةُ التى لا تَلِدُ، والبِكْرُ: التى لم تَلِدْ إلا ولدًا واحدًا، والعَوانُ: النَّصَفُ التى بينَ ذلك، التى قد وَلَدَت وولَد ولدُها- ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾. قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ -قال: تُعْجِبُ الناظرين- قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا

стр. 988

ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ -مِن بَياضٍ، ولا سَوادٍ، ولا حُمْرةٍ- قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. فطلَبوها فلم يَقْدِروا عليها. وكان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ مِن أبَرِّ الناسِ بأبيه، وأن رجلًا مرَّ به معه لؤْلُؤٌ يَبِيعُه، فكان أبوه نائمًا تحتَ رأسِه المِفْتاحُ، فقال له الرجلُ: تَشْتَرِى منى هذا اللؤلؤَ بسبعين ألفًا؟ فقال له الفتى: كما أنت حتى يَسْتَيْقِظَ أبي، فآخُذَه بثمانين ألفًا. فقال له الآخرُ: أيْقِظْ أباك، وهو لك بستين ألفًا. فجعَل التاجرُ يَحُطُّ له حتى بلَغ ثلاثين ألفًا، وزاد الآخرُ على أن يَنْتَظِرَ حتى يَسْتَيْقِظَ أبوه، حتى بلَغ مائةَ ألفٍ، فلما أكْثَر عليه قال: لا واللهِ، لا أَشْتَرِيه منك بشيءٍ أبدًا. وأبَى أن يُوقِظَ أباه، فعوَّضه اللهُ مِن ذلك اللؤلؤِ أن جعَل له تلك البقرةَ، فمرَّت به بنو إسرائيلَ يَطْلُبون البقرةَ، فأبْصَروا البقرة عندَه، فسأَلوه أن يَبِيعَهم إياها بقرةً ببقرةٍ، فأبَى. فأعْطَوْه ثنْتَيْن فأبَى، فزادُوه حتى بلَغوا عشرًا فأبَى، فقالوا: واللهِ لا نَتْرُكُك حتى نَأْخُذَها منك. فانْطَلَقوا به إلى موسى، فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، إنا وجَدْنا البقرةَ عندَ هذا، فأبَى أن يُعْطِينَاها، وقد أَعْطَيْناه ثمنًا. فقال له موسى: أَعْطِهم بقرتَك. فقال: يا رسولَ اللهِ، أنا أحَقُّ بمالى. فقال: صدَقْتَ. وقال للقومِ، أرْضُوا صاحبَكم. فأعْطَوْه وزنَها ذهبًا فأبَى، فأضْعَفوا له مثلَ ما أعْطَوْه وزنَها، حتى أعْطَوْه وزنَها عشْرَ مراتٍ، فباعَهم إياها، وأخَذ ثمنَها، فقال: اذْبَحوها. فذبَحوها، فقال: اضْرِبوه ببعضِها، فضرَبوه بالبَضْعةِ التى بينَ الكَتِفَيْن فعاش، فسأَلوه: مَن قتَلك؟ فقال لهم: ابنُ أخى، قال: أَقْتُلُه، وآخُذُ مالَه، وأَنْكِحُ ابنتَه. فأخَذوا الغلامَ، فقتَلوه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال. ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، وحدَّثني يونُسُ، قال:

стр. 989

أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، عن ابنِ زيدٍ، [وحدَّثني عن مُجاهِدٍ] (١)، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: حدَّثني خالدُ بنُ يزيدَ، عن مُجاهِدٍ، وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ (٢) عبدِ الكَريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبًا يَذْكُرُ، وحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ، وحَجَّاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ، وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمى، قال: أخْبَرَني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ. فذكَر جميعُهم أن السببَ الذى مِن أجلِه قال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ نحوُ السببِ الذى ذكَره عَبيدةُ وأبو العاليةِ والسُّدىُّ، غيرَ أن بعضَهم ذكَر أن الذى قتَل القَتيلَ الذى اخْتُصِم في أمرِه إلى موسى كان أخا المقتولِ، وذكَر بعضُهم أنه كان ابنَ أخيه. وقال بعضُهم: بل كانوا جَماعةً وَرَثةً اسْتَبْطئوا حياتَه. إلا أنهم جميعًا مُجْمِعون على أن موسى إنما أمَرهم بذبحِ البقرةِ مِن أجلِ القَتيلِ إذ احْتَكموا إليه -عن أمرِ اللهِ إياهم بذلك- فقالوا له: وما ذَبْحُ البقرةِ يُبيِّنُ لنا خُصومَتَنا التى اخْتَصَمْنا فيها إليك في قتلِ مَن قُتِل، فادُّعِى على بعضِنا أنه القاتل، أتَهْزَأُ بنا؟ كما حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قُتِل قَتيلٌ مِن بنى إسرائيلَ، فطُرِح في سِبْطٍ مِن الأسْباطِ، فأتَى أهلُ ذلك القَتيلِ إلى ذلك السِّبْطِ، فقالوا: أنتم واللهِ قتَلْتُم صاحبَنا؟ قالوا: لا واللهِ. فأتَوْا موسى، فقالوا: هذا قَتيلُنا بينَ أظْهُرِهم، وهم واللهِ قتَلوه. فقالوا: لا واللهِ يا نبيَّ اللهِ، طُرِح علينا. فقال لهم

стр. 990

موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فقالوا: أتَسْتَهْزِئُ بنا؟ وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. قالوا: نَأْتِيك فنَذْكُرُ قَتيلَنا والذى نحن فيه، فتَسْتَهْزِئُ بنا؟ فقال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ: لمَّا أتَى أولياءُ القَتيلِ والذين ادَّعَوا عليهم قتلَ صاحبِهم، موسى، وقصُّوا قصتَهم عليه، أوْحَى اللهُ إليه أن يَذْبَحوا بقرةً، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قالوا: وما البقرةُ والقَتيلُ؟ قال: أقولُ لكم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. وتقولون: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ (١). قال أبو جعفرٍ: فقال الذين قيل لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ -بعد أن عَلِموا واسْتَقَرَّ عندَهم أن الذى أمَرَهم به موسى ﵇ مِن ذلك عن أمرِ اللهِ مِن ذَبْحِ بقرةٍ، جِدٌّ وحقٌّ-: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. فسأَلوا موسى أن يَسْأَلَ ربَّه لهم ما كان اللهُ قد كفاهم بقولِه لهم: اذبَحوا بقرةً. لأنه جلَّ ثناؤُه إنما أمَرهم بذبحِ بقرةٍ مِن البقرِ -أيُّ بقرةٍ شاءوا ذبْحَها، مِن غيرِ أن يَحْصُرَ لهم ذلك على نوعٍ منها دونَ نوعٍ، أو صِنفٍ دونَ صنفٍ- فقالوا بجَفاءِ أخْلاقِهم وغِلَظِ طَبائِعهم وسُوءِ أفهامِهم، وتكلُّفِ ما قد وضَع اللهُ عنهم مَئُونتَه؛ تَعنُّتًا منهم لرسولِ اللهِ ﷺ ، كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثني عمى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، مال: لما قال لهم موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ

стр. 991

الْجَاهِلِينَ﴾. قالوا له يَتَعَنَّتونه: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾. فلمَّا تكَلَّفوا جهلًا منهم ما تكَلَّفوا -مِن البحثِ عما كانوا قد كُفُوه مِن صفةِ البقرةِ التى أُمِروا بذبحِها؛ تَعَنُّتًا منهم بنبيِّهم موسى، صلواتُ اللهِ عليه، بعدَ الذى كانوا أظْهَروا له مِن سُوءِ الظنِّ به فيما أخْبَرَهم عن اللهِ. جلَّ ثناؤُه بقولِهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ - عاقَبهم بأن خصَّ بذبحِ ما كان أمَرهم بذبحِه مِن البقرِ، على نوعٍ منها دونَ نوعٍ، فقال لهم جلَّ ثناؤُه -إذ سأَلوه، فقالوا: ما هى، ما صفتُها، وما حِلْيتُها (١)؟ حَلِّها لنا لنَعْرِفَها.- قال: ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا فَارِضٌ﴾: لا مُسِنَّةٌ هَرِمةٌ. يقالُ منه: فَرَضَت البقرةُ تَفْرِضُ فُروضًا، [وفرُضت] (٢). يعنى بذلك: أسَنَّتْ. ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (٣): يا رُبَّ ذى ضِغْنٍ علىَّ فارِضِ له قُروءٌ كقُروءِ الحائِضِ (٤) يعنى بقولِه: "فارض". قديمٌ: يَصِفُ ضِغْنًا قديمًا. ومنه قولُ الآخَرِ (٥) لها (٦) زِجاجٌ (٧) ولَهاةٌ فارِضُ (٨)

стр. 992

حَدْلاءُ كالوَطْبِ نَحَاهُ الماخِضُ (١) وبمثلِ الذى قلنا في تأويلِ ﴿فَارِضٌ﴾ قال المُتَأوِّلون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾. قال: لا كبيرةٌ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ عَطِيَّةَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أو عن عِكْرمةَ -شكَّ شَريكٌ-: ﴿لَا فَارِضٌ﴾. قال: الكبيرةُ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: حدَّثني عمى، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا فَارِضٌ﴾. الفارضُ الهَرِمةُ. حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾. يقولُ: ليست بكبيرةٍ هَرِمةٍ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾: الهَرِمةُ (٤).

стр. 993

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: الفارضُ الكبيرةُ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿لَا فَارِضٌ﴾ قال: الكبيرةُ. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾: يعنى: لا هَرِمةٌ (٢). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: الفارضُ الهَرِمةُ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال مَعْمَرٌ: قال قَتادةُ: الفارضُ الهَرِمةُ. يقولُ: ليست بالهَرِمةِ ولا البِكرِ، عَوانٌ بينَ ذلك (٥). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: الفارضُ الهَرِمةُ التى لا تَلِدُ (٦).

стр. 994

وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: الفارضُ الكبيرةُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾. و"البِكْرُ" مِن إناثِ البَهائمِ وبنى آدمَ ما لم يَفْتَحِلْه الفَحْلُ، وهي مَكْسورةُ الباءِ، لم يُسْمَعْ منه "فَعَل" ولا "يَفْعَل". وأما "البَكْرُ" بفتحِ الباءِ فهو الفَتِىُّ مِن الإبلِ. وإنما عنَى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: ولا صَغيرةٌ لم تَلِدْ. كما حدَّثنى علىُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدىُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: صغيرةٌ (١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: البِكْرُ الصغيرةُ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عَطِيَّةَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، أو عكرمةَ -شكَّ (٣) -: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾. قال: الصغيرةُ (٤). حدثَّنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ الخُراسانىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: الصغيرةُ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن

стр. 995

قَتادةَ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: ولا صَغيرةٌ (١). حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: ولا صغيرةٌ ضَعيفةٌ (٢). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: يعني: ولا صغيرةٌ (٣). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، مثلَه. وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ في "البكرِ": لم تَلِدْ إلا ولدًا واحدًا (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَوَانٌ﴾. قال أبو جعفرٍ: العَوانُ النَّصَفُ التي قد ولَدَت بَطْنًا بعدَ بطنٍ، وليست بنعتٍ للبِكْرِ. يقالُ منه: قد عوَّنَتْ. إذا صارت كذلك. وإنما معنى الكلامِ: قال: إنه يَقولُ: إنها بقرةٌ لا فارضٌ ولا بكرٌ (٥)، عَوانٌ بينَ ذلك. ولا بَجوزُ أن يَكونَ ﴿عَوَانٌ﴾ إلا مبتدأً؛ لأنَّ قولَه: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ كِنايةٌ عن الفارِضِ والبِكْرِ، فلا يجوزُ أن يَكونَ مُتَقَدِّمًا عليهما. ومنه قولُ الأخْطَلِ (٦):

стр. 996

وما بمكةَ (١) مِن شُمْطٍ مُحَفِّلةٍ … وما بيَثْرِبَ مِن عُونٍ وأبْكارِ (٢) وجمعُها عُونٌ، يُقالُ: امرأةٌ عَوانٌ مِن نِسوةٍ عُونٍ، ومنه قولُ تَمِيمِ بنِ مُقْبِلٍ (٣): ومَأْتَمٍ (٤) كالدُّمَى حُورٍ مَدامِعُها … لم تَيْأَسِ (٥) العَيْشَ أبْكارًا ولا عُونَا و"بقرةٌ عَوانٌ"، و"بقرٌ عُونٌ". قال: وربما قالت العربُ: "بقرٌ عُونٌ"، مثلَ "رُسُلٍ"؛ يَطْلُبون بذلك الفرقَ بينَ جمعِ "عَوانٍ" مِن البقرِ، وجمعِ "عَانَةٍ" مِن الحُمُرِ، ويقالُ: هذه حربٌ عَوانٌ. إذا كانت حربًا قد قُوتِل فيها مرةً بعدَ مرةٍ، يُمَثَّلُ ذلك بالمرأةِ التي قد ولَدَت بطنًا بعدَ بطنٍ، وكذلك يُقالُ: حاجةٌ (٦) عَوَانٌ. إذا كانت قد قُضِيَت مرةً بعدَ مرةٍ. حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ أن ابنَ زيدٍ أنْشَدَه: قُعودٌ لَدَى الأبْوابِ طُلَّابُ حاجةٍ … عَوَانٍ مِن الحاجاتِ أو حاجةً بِكْرَا قال أبو جعفرٍ: والبيتُ للفَرَزْدقِ (٧). وبنحوِ الذي قلْنا فى ذلك تأوَّله أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا علىُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدىُّ، ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن خُصَيفٍ، عن

стр. 997

مُجاهِدٍ: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وَسَطٌ، قد ولَدَتْ بطنًا أو بطنَيْن (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿عَوَانٌ﴾ قال: العَوانُ: العانِسُ النَّصَفُ (٢). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: العوانُ: النَّصَفُ (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ عَطِيةَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أو عكرمةَ -شكَّ شَريكٌ- ﴿عَوَانٌ﴾. قال: بينَ ذلك (٤). حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عَوَانٌ﴾. قال: بينَ الصغيرةِ والكبيرةِ، وهي أقوى ما يكونُ مِن البقرِ والدَّوابِّ، وأحسنُ ما يكونُ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ الخُراسانىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عَوَانٌ﴾ قال: النَّصَفُ. حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ:

стр. 998

﴿عَوَانٌ﴾ نَصَفٌ (١). وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ: العَوانُ نَصَفٌ بينَ ذلك (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال. ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿عَوَانٌ﴾: التي (٣) تُنْتَجُ شيئًا بشرطِ [أن تَكونَ] (٤) التي قد نُتِجَت بَكْرةً أو بَكْرتَيْن. حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: العَوانُ النَّصَفُ التي بينَ ذلك، التي قد وَلَدَت وولَدَ ولدُها (٥). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: العَوانُ بينَ ذلك ليست ببكرٍ ولا كبيرةٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾. يعني بقولِه: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: بينَ البِكْرِ والهَرِمةِ. كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾. أي: بينَ البِكْرِ والهَرِمةِ (٦).

стр. 999

فإن قال قائلٌ: قد علِمْتَ أن "بينَ" لا تَصْلُحُ إلا أن تَكونَ مع شيئَيْن فصاعدًا، فكيف قيل: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾. و ﴿ذَلِكَ﴾ واحدٌ في اللفظِ؟ قيل: إنما صلَحَت مع كونِها واحدةً؛ لأنَّ "ذلك" بمعنى اثنين، والعربُ تَجْمَعُ في "ذلك" و"ذاك" شيئين ومعنيَيْن مِن الأفعالِ، كما يقولُ القائلُ: أَظُنُّ أخاك قائمًا، وكان عمرٌو أباك. ثمَّ يقولُ: قد كان ذاك، وأَظُنُّ ذلك. فيَجْمَعُ بـ"ذاك" و"ذلك" الاسمَ والخبرَ الذي كان لابد لـ "أظنُّ" (١) و"كان" منهما. فمعنى الكلامِ: قال: إنه يقولُ: إنها بقرةٌ لا مُسِنَّةٌ هَرِمةٌ، ولا صَغيرةٌ لم تَلِدْ، ولكنها بقرةٌ نَصَفٌ قد وَلَدَت بطنًا بعدَ بطنٍ بينَ الهَرَمِ والشبابِ. فجمَع ﴿ذَلِكَ﴾ معنى الهَرَمِ والشبابِ، لما وصَفْنا، ولو كان مكانَ "الفارِضِ والبِكْرِ" اسمَا شخصَيْن لم يُجْمَعْ مع "بينَ" "ذلك"، وذلك أن "ذلك" لا يُؤَدِّى عن اسمِ شخصين، وغيرُ جائزٍ لمَن قال: كنتُ بينَ زيدٍ وعمرٍو. أن يقولَ: كنتُ بينَ ذلك. وإنما يَكونُ ذلك مع أسماءِ الأفعالِ دون أسماءِ الأشخاصِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾. يقولُ اللهُ لهم جلَّ ثناؤُه: افْعَلوا ما آمُرُكم به تُدْرِكوا حاجاتِكم وطَلباتِكم عندي، واذْبَحوا البقرةَ التي أمَرْتُكم بذبحِها، تَصِلوا -بانتهائِكم إلى طاعتى بذبحِها- إلى العلمِ بقاتلِ قَتيلِكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾. ومعنى ذلك: قال قومُ موسى لموسى: ادعُ لنا ربَّك يُبَيِّنْ لنا لونَ البقرةِ التي

стр. 1000

أمَرْتَنا بذبحِها. وهذا أيضًا تعنُّتٌ آخرُ منهم بعدَ الأولِ، وتكلُّفُ طلبِ ما قد كانوا كُفوه في المرةِ الثانيةِ والمسألةِ الآخِرةِ، وذلك أنهم لم يكونوا حُصِروا في المرةِ الثانيةِ، إذ قيل لهم بعد مسألتِهم عن حِلْيةِ البقرةِ التي كانوا أُمِروا بذبحِها، فأبَوْا إلا تكلُّفَ ما قد كُفُوه مِن المسألةِ عن صفتِها، فحُصِروا على نوعٍ دونَ سائرِ الأنواعِ؛ عقوبةً مِن اللهِ لهم على مَسألتِهم التى سأَلوها نبيَّهم ﷺ تعنُّتًا منهم له، ثمَّ لم يَحْصُرْهم على لونٍ منها دونَ لونٍ، فأبَوْا إلا تَكَلُّفَ ما كانوا عن تَكَلُّفِه أغْنِياءَ، فقالوا -تعنُّتًا منهم لنبيِّهم ﷺ كما ذكَر ابنُ عباسٍ-: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ فقيل لهم عقوبةً لهم: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ فحُصِروا على لونٍ منها دونَ لونٍ، ومعنى ذلك: أن البقرةَ التي أمَرْتُكم بذبحِها صفراءُ فاقعٌ لونُها. قال ومعنى قولِه: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾: أىُّ شيءٍ لونُها؟ فلذلك كان اللونُ مرفوعًا؛ لأنه مُرافَعُ "ما"، وإنما لم يُنْصَبْ "ما" بقولِه: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا﴾ لأنَّ أصلَ "أىٍّ" و"ما" جمعُ مُتَفَرِّقِ الاستفهامِ. يقولُ (١) القائلُ: بَيِّنْ لنا أسوداءُ هذه البقرةُ أم صفراءُ؟ فلما لم يَكُنْ [لقولِه: بيِّنْ لنا. أن يقعَ على الاستفهامِ متفرِّقًا، لم يكنْ له أن يقعَ] (٢) على "أىٍّ"؛ لأنه جمعُ ذلك المتفرِّقِ، وكذلك كلُّ ما كان مِن نظائرِه، فالعملُ فيه واحدٌ في "ما" و"أىٍّ". واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿صَفْرَاءُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: سوداءُ شديدةُ السَّوادِ.

стр. 1001

ذكرُ مَن قال ذلك منهم حدَّثنى أبو مسعودٍ إسماعيلُ بنُ مسعودٍ الجَحْدرىُّ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بنِ سيفٍ، عن الحسنِ: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: سوداءُ شديدةُ السَّوادِ (١). حدَّثنى أبو زائدةَ زكريا بنُ يحيى بنِ أبى زائدةَ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بنِ سيفٍ، عن أبى رَجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه (٢). وقال آخَرون: معنى ذلك: صفراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى هشامُ بنُ يونُسَ النَّهْشَلىُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن أشْعثَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: صفراءُ القَرنِ والظِّلْفِ. حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنى هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن كَثيرِ بنِ زيادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: كانت وَحْشِيَّةً (٣). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن إبراهيمَ، عن أبى حفصٍ، عن

стр. 1002

مَغْراءَ، أو عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: صفراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ (١). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: هى صَفْراءُ. حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: لو أخَذُوا بقرةً صَفراءَ لأَجْزَأَت عنهم (٢). قال أبو جعفرٍ: وأَحْسَبُ أن الذى قال في قولِه: ﴿صَفْرَاءُ﴾: يَعْنى به سوداءَ. ذهَب إلى قولِه (٣) في نعتِ الإبلِ السودِ: هذه إبلٌ صُفْرٌ، وهذه ناقةٌ صفراءُ. يعْنى بها سوداءَ، وإنما قيل ذلك في الإبلِ لأن سوادَها يَضْرِبُ إلى الصُّفْرةِ، ومنه قولُ الشاعرِ (٤): تلك خَيْلِى منه (٥) وتلك رِكابِى (٦) … هن صُفْرٌ أولادُها كالزَّبِيبِ يعنى بقولِه: عن صُفْرٌ: هن سُودٌ، وذلك إن وُصِفَت الإبلُ به فليس مما تُوصَفُ به البقرُ، مع أن العربَ لا تَصِفُ السَّوادَ بالفُقوعِ، وإنما تَصِفُ السوادَ -إذا وصَفَتْه بالشِّدةِ- بالحُلوكةِ ونحوِها، فتقولُ: هو أسودُ

стр. 1003

حالكٌ وحانِكٌ وحُلْكُوكٌ، وأسودُ غِرْبيبٌ ودَجُوجىٌّ. ولا تقولُ: هو أسودُ فاقعٌ. وإنما تقولُ: هو أصفرُ فاقعٌ. فوصْفُه إياه بالفُقوعِ مِن الدليل البينِ على خلافِ التأويلِ الذى تأوَّل قولَه: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ المتأوِّلُ بأن معناه سوداءُ شديدةُ السوادِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. يعنى: خالصٌ لونُها. والفُقوعُ في الصُّفْرةِ نظيرُ النُّصُوعِ في البَياضِ، وهو شِدَّتُه وصَفاؤُه. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، قال: قال قَتادةُ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾: هى الصافى لونُها (١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. أى: صافٍ لونُها (٢). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه (٣). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿فَاقِعٌ﴾. قال: نَقِىٌّ لونُها (٤). حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾: شديدةُ الصُّفْرةِ، تَكادُ مِن

стр. 1004

صُفرتِها تَبْيَضُّ (١). قال أبو جعفرٍ: أُراه أبيضَ. حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: شديدةٌ صفرتُها. يقالُ منه: فقَع لونُه يَفْقَعُ، ويَفْقُعُ، فَقْعًا وفُقوعًا فهو فاقعٌ. كما قال الشاعرُ: حمَلْتُ عليه الوَرْدَ (٢) حتى ترَكْتُه … ذَليلًا يَسُفُّ التُّرْبَ واللَّوْنُ فاقعُ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. يعنى بقولِه: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: تُعْجِبُ هذه البقرةُ، في حُسنِ خَلْقِها ومَنظرِها وهَيئتِها، الناظرَ إليها. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أى: تُعْجِبُ الناظِرِين (٣). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثنى عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقلٍ، أنه سمِع وهبًا: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: إذا نظَرْتَ إليها يُخَيَّلُ إليك أن شُعاعَ الشمسِ يَخْرُجُ مِن جلدِها (٤). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ قال: تُعْجِبُ الناظِرِين (٥).

стр. 1005

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾. قال أبو جعفرٍ: يعنى بقوله: ﴿قَالُوا﴾: قال قومُ موسى الذين أُمِروا بذبحِ البقرةِ، لموسى. فترَك ذكرَ "موسى"، وذكَر عائدَ ذكرِه اكْتِفاءً بما دلَّ عليه ظاهرُ الكلامِ. وذلك أن معنى الكلامِ: قالوا له: ادْعُ لنا ربَّك. فلم يَذْكُرْ "له" لما وصَفْنا. وقولُه: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ خبرٌ مِن اللهِ عن القومِ بجَهْلةٍ منهم ثالثةٍ، وذلك أنهم لو كانوا إذ أُمِروا بذبحِ البقرةِ ذبَحوا أيَّتَها تَيَسَّرَتْ مما يَقَعُ عليه اسمُ بقرةٍ كانت عنهم مُجْزِئةً، ولم يَكُنْ عليهم غيرُها، لأنهم لم يَكُونوا كُلِّفوها بصفةٍ دون صفةٍ، فلمَّا سأَلوا بيانَها بأيَّةِ صفةٍ هى، فبيَّن لهم أنها بسِنٍّ مِن الأسْنانِ دونَ سِنِّ سائرِ الأسْنانِ، فقيل لهم: هى عَوانٌ بينَ الفارِضِ والبِكْرِ الضَّرَعِ (١). فكانوا -إذ بُيِّنَتْ لهم سنُّها- لو ذبَحوا أدْنَى بقرةٍ بالسنِّ التى بُيِّنَت لهم كانت عنهم مُجْزِئةً؛ لأنهم لم يَكُونوا كُلِّفوها بغيرِ السنِّ التى حُدَّتْ لهم، ولا كانوا حُصِروا على لونٍ منها دونَ لونٍ، فلما أبَوْا إلا أن تكونَ مُعَرَّفةً لهم بنُعوتِها، مُبَيَّنةً بحُدودِها التى تُفَرِّقُ بينَها وبينَ سائرِ بَهائمِ الأرضِ، فشدَّدوا على أنفسِهم، شدَّد (٢) اللهُ عليهم بكثرةِ سُؤالِهم نبيَّهم واختلافِهم عليه. ولذلك قال نبيُّنا ﷺ لأُمَّتِه: "ذرَونى ما ترَكْتُكم، فإنما أُهلك مَن كان قبلَكم بكثرةِ سؤالِهم واختلافِهم على أنبيائِهم، فإذا أمَرْتُكم بشيءٍ فأْتُوه، وإذا نهَيْتُكم عن

стр. 1006

شيءٍ فانْتَهُوا عنه ما اسْتَطَعْتُم" (١). قال أبو جعفرٍ: ولكنَّ القومَ لما زادوا نبيَّهم موسى ﷺ أذًى وتَعنُّتًا، زادهم اللهُ عقوبةً وتشديدًا. كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال؛ ثنا عَثَّامُ بنُ علىٍّ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو أخَذوا أدْنَى بقرةٍ اكْتَفَوْا بها، لكنهم شدَّدوا فشدَّد اللهُ عليهم (٢). حدَّثنا محمد (٣) بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ، قال: سَمِعْتُ أيوبَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: لو أنَّهم أخَذُوا أدْنَى بقرةٍ لأَجْزَأَت عنهم. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، جميعًا عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانىِّ، قال: سأَلوا وشدَّدوا، فشُدِّد عليهم. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: لو أخَذ بنو إسرائيلَ بقرةً لأَجْزَأَت عنهم، ولولا قولُهم: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما وجَدُوها (٤). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ،

стр. 1007

عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾: لو أخَذُوا بقرةً ما كانت لأَجْزَأَت عنهم، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾. قال: لو أخَذُوا بقرةً مِن هذا الوصفِ لأَجْزَأَت عنهم، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. قال: لو أخَذوا بقرةً صفراءَ لأجزأتْ عنهم، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ الآية (١). حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ بنحوِه، وزاد فيه: ولكنهم شدَّدوا فشُدِّد عليهم. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مُجاهِدٌ: لو أخَذُوا بقرةً ما كانت، أَجْزَأَت عنهم. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال لى عَطاءٌ: لو أخَذُوا أدْنَى بقرةٍ كفَتْهم. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنما أُمِرُوا بأدْنى بقرةٍ، ولكنَّهم لما شَدَّدوا على أنفسِهم شدَّد اللهُ عليهم، وايْمُ اللهِ لو أنهم لم يَسْتَثْنوا ما بُيِّنَت لهم آخرَ الأبَدِ" (٢). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: لو أن القومَ حينَ أُمِروا أن يَذْبَحوا بقرةً اسْتَعْرَضوا بقرةً مِن البقرِ فذبَحوها لكانَت إيَّاها، ولكنهم شدَّدوا على أنفسِهم، فشدَّد اللهُ عليهم، ولولا أن القومَ اسْتَثْنَوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لما هُدُوا إليها أبدًا (٣).

стр. 1008

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبىَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إنما أُمِر القومُ بأدْنَى بقرةٍ، ولكنَّهم لما شدَّدوا على أنفسِهم شُدِّد عليهم، والذى نفسُ محمدٍ بيدِه لو لم يَسْتَثْنُوا لَمَا بُيِّنَت لهم آخرَ الأبَدِ" (١). حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو أَعْرَضوا (٢) بقرةً فذبَحوها لأَجْزَأَت عنهم، ولكنهم شدَّدوا وتعنَّتوا موسى، فشدَّد اللهُ عليهم (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: قال أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ: قال ابنُ عباسٍ: لو أن القومَ نظَروا أدْنى بقرةٍ -يعنى بنى إسرائيلَ- لأجزأت عنهم، ولكن شدَّدوا فشُدِّد عليهم، فاشْتَرَوها بملءِ جلدِها دَنانيرَ. حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لو أخَذُوا بقرةً كما أمَرَهم اللهُ كفاهم ذلك، ولكنَّ البلاءَ في هذه المسائلِ، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ فشُدِّد عليهم، فقال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِين﴾. قال: وشُدِّد عليهم أشدَّ مِن الأولِ. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. فأبَوْا أيضًا فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، فشُدِّد عليهم فقال: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ

стр. 1009

لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. قال: فاضْطُرُّوا إلى بقرةٍ لا يُعْلَمُ على صفتِها غيرُها، هى صفراءُ ليس فيها سَوادٌ ولا بياضٌ. قال أبو جعفرٍ: وهذه الأقوالُ التى ذكَرْناها عمن ذكرناها عنه مِن الصحابةِ والتابعِين والخالِفِين بعدَهم، مِن قولِهم: إن بنى إسرائيلَ لو كانوا أخَذوا أدْنى بقرةٍ فذبَحوها أجْزَأَت عنهم، ولكنهم شدَّدوا فشدَّد اللهُ عليهم -مِن أوضحِ الدلالةِ على أن القومَ كانوا يَرَون أن حكمَ اللهِ فيما أمَر ونهَى في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه ﷺ على العمومِ الظاهرِ دونَ الخُصوصِ الباطنِ، إلا أن يَخُصَّ بعضَ ما عمَّه ظاهرُ التَّنْزيلِ، كتابٌ مِن اللهِ أو رسولُ اللهِ، وأن التنزيلَ أو الرسولَ إن خصَّ بعضَ ما عمَّه ظاهرُ التنزيلِ بحكمٍ خلافِ ما دَلَّ عليه الظاهرُ، فالمخصوصُ مِن ذلك خارجٌ مِن حكمِ الآيةِ التى عمَّت ذلك الجنسَ خاصةً، وسائرُ حكمِ الآيةِ على العمومِ، على نحوِ ما قد بيَّناه في كتابِنا "كتابِ الرِّسالةِ" مِن "لطيفِ القولِ في البيانِ عن أصولِ الأحكامِ"- في قولِنا في العمومِ والخصوصِ، وموافقةِ قولِهم في ذلك قولَنا، ومذهبِهم مذهبَنا، وتَخْطئتِهم قولَ القائلين بالخصوصِ في الأحكامِ، وشَهادتِهم على فسادِ قولِ مَن قال: حُكمُ الآيةِ الجائيةِ مَجِئَ العمومِ على العُمومِ ما لم يُخْتَصَّ منها بعضُ ما عمَّته الآيةُ، فإن خُصَّ منها بعضٌ، فحُكمُ الآيةِ حينَئذٍ على الخصوصِ فيما خُصَّ منها، وسائرُ ذلك على العمومِ. وذلك أن جميعَ مَن ذكَرْنا قولَه آنِفًا -ممَّن عاب على (١) بنى إسرائيلَ مسألتَهم نبيَّهم ﷺ عن صفةِ البقرةِ التى أُمِروا بذبحِها وسنِّها وحِلْيتِها- رأَوْا أنهم كانوا في مسألتِهم رسولَ اللهِ ﷺ موسى ذلك مُخْطِئِين، وأنهم لو كانوا اسْتَعْرَضوا أدْنى بقرةٍ مِن البقرِ -إذ أُمِروا بذبحِها بقولِه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فذبَحوها-

стр. 1010

كانوا للواجبِ عليهم مِن أمرِ اللهِ في ذلك مُؤَدِّين، وللحقِّ مُطِيعِين، إذ لم يَكُنِ القومُ حُصِروا على نوعٍ مِن البقرِ دونَ نوعٍ، وسنٍّ دونَ سنٍّ. ورأَوا مع ذلك أنهم إذ سأَلوا موسى عن سنِّها، فأخْبَرَهم عنها وحصَرَهم منها على سنٍّ دونَ سنٍّ، ونوعٍ دونَ نوعٍ، وخَصَّ مِن جميعِ أنواعِ البقرِ نوعًا منها، كانوا في مسألتِهم إياه المسألةَ الثانيةَ بعد الذى خصَّ لهم من أنواعِ البقرِ، من الخطأِ على مثلِ الذى كانوا عليه من الخطأِ في مسألتِهم إياه المسألةَ الأولى. وكذلك رَأَوْا أنهم في المسألةِ الثالثةِ على مثلِ الذى كانوا عليه مِن ذلك في الأولى والثانيةِ، وأن اللازمَ كان لهم في الحالةِ الأولى استعمالُ ظاهرِ الأمرِ، وذبحُ أىِّ بهيمةٍ شاءوا مما وقَع عليها اسمُ بقرةٍ. وكذلك رأَوْا أن اللازمَ كان لهم في الحالةِ الثانيةِ استعمالُ ظاهرِ الأمرِ، وذبحُ أىِّ بهيمةٍ شاءوا مما وقَع عليها اسمُ بقرةٍ عَوَانٍ لا فارضٍ ولا بِكْرٍ، ولم يَرَوْا أن حكمَهم -إذ خُصَّ لهم بعضُ البقرِ دونَ البعضِ فى الحالةِ الثانيةِ- انْتَقَل عن اللازمِ كان لهم في الحالةِ الأولى مِن استعمالِ ظاهرِ الأمرِ إلى الخصوصِ. ففى إجماعِ جميعِهم على ما رَوَينا عنهم مِن ذلك -مع الروايةِ التى رَوَيناها عن رسولِ اللهِ ﷺ بالموافقةِ لقولِهم- دليلٌ واضحٌ على صحةِ قولِنا في العمومِ والخصوصِ، وأن أحكامَ اللهِ جل ثناؤُه في آىِ كتابِه -فيما أمَر ونهَى- على العمومِ مالم يَخُصَّ ذلك ما يَجبُ التسليمُ له، وأنه إذا خُصَّ منه شيءٌ فالمخصوصُ منه خارجٌ حكمُه مِن حكمِ الآيةِ العامةِ الظاهرِ، وسائرُ حكمِ الآيةِ على ظاهرِها العامِّ، ومُؤَيِّدٌ حقيقةَ ما قلْنا في ذلك، وشاهدٌ عَدْلٌ على فسادِ قولِ مَن خالَف قولَنا فيه. وقد زعَم بعضُ مَن عظُمَت جَهالتُه، واشْتَدَّت حَيْرتُه، أن القومَ إنما سأَلوا موسى ما سأَلوا بعدَ أمْرِ اللهِ إياهم بذبحِ بقرةٍ مِن البقرِ؛ لأنهم ظنُّوا أنهم أُمِروا بذبحِ بقرةٍ بعينِها

стр. 1011

خُصَّت بذلك، كما خُصَّت عصا موسى في معناها، فسأَلوه أن يُحَلِّيَها لهم ليَعْرِفوها. ولو كان الجاهلُ تدبَّر قولَه هذا، لسهُل عليه ما اسْتَصْعَب مِن القولِ، وذلك أنه اسْتَعْظَم مِن القومِ مسألتَهم نبيَّهم ما سأَلوه تَشَدُّدًا منهم في دينِهم، ثم أضاف إليهم مِن الأمرِ ما هو أعْظَمُ مما اسْتَنْكَرَه أن يَكونَ كان منهم، فزعَم أنهم كانوا يرَوْن أنه جائزٌ أن يَفْرِضَ اللهُ عليهم فرضًا ويَتَعَبَّدَهم بعبادةٍ، ثم لا يُبَيِّنَ لهم ما يَفْرِضُ عليهم ويَتَعَبَّدُهم به، حتى يَسْأَلوا بيانَ ذلك لهم، فأضاف إلى اللهِ تعالى ذكرُه ما لا يَجوزُ إضافتُه إليه، ونسَب القومَ مِن الجهلِ إلى ما لا يُنْسَبُ المجانينُ إليه، فزعَم أنهم كانوا يَسْأَلون ربَّهم أن يَفْرِضَ عليهم الفَرائضَ، فنعوذُ باللهِ مِن الحَيْرةِ، ونَسْأَلُه التوفيقَ والهِدايةَ. وأما قولُه: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾. فإن البقرَ جِماعُ بقرةٍ. وقد قرَأ بعضُهم: (إن الباقرَ) (١). وذلك وإن كان في الكلامِ جائزًا لمَجيئِه في كلامِ العربِ وأشعارِها، كما قال ميمونُ بنُ قيسٍ (٢): وما ذنبُه أن عافَتِ الماءَ باقِرٌ … وما إن تَعافُ الماءَ إلا ليُضْرَبا (٣) وكما قال أميةُ (٤): ويَسُوقون باقِرَ [السَّهْلِ للطَّوْ … دِ] (٥) مَهازِيلَ خَشْيةً أن تَبُورَا

стр. 1012

- فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به لمخالفتِه القراءةَ الجائيةَ مَجِئَ الحُجَّةِ، بنقلِ مَن لا يَجوزُ عليه -فيما نقَلوه مُجْمِعِين عليه- الخطأُ والسَّهْوُ والكذبُ. وأما تأويلُ: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ فإنه يعنى به: الْتَبَس علينا. والقَرَأَةُ مختلفةٌ في تِلاوتِه؛ فبعضُهم كانوا يَتْلُونه: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾. بتخفيفِ الشينِ ونصبِ الهاءِ على مثالِ "تَفَاعَلَ" ويُذَكِّرُ الفعلَ وإن كان البقرُ جِماعًا؛ لأن مِن شأنِ العربِ تَذْكيرَ كلِّ فعلِ جمعٍ كانت واحدتُه بالهاءِ، وجمعُه بطرحِ الهاءِ وتأنيثَه، كما قال اللهُ تعالى في نظيرِه في التَّذْكيرِ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]. فذكَّر "المُنْقَعِرَ"، وهو مِن صفةِ "النخلِ" لتذكيرِ لفظِ "النخلِ". وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. فأنَّث "الخاويةَ" وهى مِن صفةِ النخلِ -بمعنى النخلِ؛ لأنها وإن كانت في لفظِ الواحدِ المذكرِ -على ما وصَفْنا قبلُ- فهى جِماعُ نخلةٍ. وكان بعضُهم يَتْلُوه: (إنَّ البقَرَ تَشَّابَهُ علينا) (١). بتشديدِ الشين وضمِّ الهاءِ، فيُؤَنِّثُ الفعلَ بمعنى تأنيثِ "البقرِ"، كما قال: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. ويُدْخِلُ في أولِ "تَشَابَه" تاءً تَدُلُّ على تأنيثِها، ثم تُدْغَمُ التاءُ الثانيةُ في شينِ "تَشَابَهَ"؛ لتَقارُبِ مَخْرَجِها ومَخْرَجِ الشينِ، فتَصِيرُ شِينًا مُشَدَّدةً، وتُرْفَعُ الهاءُ بالاستقبالِ والسلامةِ مِن الجَوازمِ والنَّواصبِ. وكان بعضُهم يَتْلُوه: (إنَّ البقَرَ يَشَّابَهُ علينا) (٢). فيُخْرِجُ "يَشَّابَه" مُخْرَجَ الخبرِ عن الذَّكَرِ؛ لِما ذكَرْنا مِن العلةِ في قراءةِ مَن قرَأ ذلك: ﴿تَشَابَهَ﴾ بالتخفيفِ،

стр. 1013

ونصبِ الهاءِ، غيرَ أنه كان يَرْفَعُه بالياءِ التى يُحْدِثُها في أولِ "تشَابَهَ" التى تأتى بمعنى الاستقبالِ، وتُدْغَمُ التاءُ في الشينِ، كما فعَله القارئُ في (تَشَّابَهُ) بالتاءِ والتشديدِ. والصوابُ في ذلك مِن القراءةِ عندَنا: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾. بتخفيفِ شينِ "تَشَابَهَ" ونصبِ هائِه، بمعنى "تَفَاعَلَ"، لإجماعِ الحُجُّةِ مِن القَرَأةِ على تَصْويبِ ذلك ورفعِهم (١) ما سواه مِن القراءاتِ، ولا يُعْتَرَضُ على الحُجَّةِ بقولِ مَن يَجُوزُ عليه فيما نقَل السهوُ والغَفْلةُ والخطأُ. وأما قولُه: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. فإنهم عنَوْا: وإنا إن شاء اللهُ لمُبَيَّنٌ لنا ما الْتَبَس علينا وتَشَابَهَ مِن أمرِ البقرةِ التى أُمِرْنا بذبحِها. ومعنى "اهْتِدائِهم" في هذا الموضعِ معنى "تَبَيُّنِهم" أىُّ ذلك الذى لزِمهم ذَبْحُه مما سواه مِن أجناسِ البقرِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. وتأويلُ ذلك: قال موسى: إن اللهَ يقولُ: إن البقرةَ التى أمَرْتُكم بذبحِها بقرةٌ لا ذَلولٌ. ويعنى بقولِه: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾. أى: لم يُذَلِّلْها العملُ. فمعنى الآيةِ: إنها بقرةٌ لم تُذَلِّلْها إثارةُ الأرضِ بأظْلافِها، ولا سُنِىَ عليها (٢) الماءُ، فيُسْقَى عليها الزرعُ، كما يقالُ للدابةِ التى قد ذلَّلها الركوبُ أو العملُ: دابةٌ ذَلولٌ بَيِّنةُ الذِّلِّ. بكسر الذَّالِ، ويُقالُ في مثلِه مِن بنى آدمَ: رجلٌ ذَليلٌ بَيِّنُ الذِّلِّ والذِّلَّةِ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾. يقولُ: صعبةٌ لم يُذِلَّها عملٌ، ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ (٣).

стр. 1014

حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يقولُ: بقرةٌ ليست بذَلولٍ يُزرَعُ عليها، وليْسَت تَسقى الحرثَ (١). حدثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾. أى: لم يُذِلَّها العملُ. ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يعنى: ليست بذَلولٍ فتُثِيرَ الأرضَ. ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. يقولُ: ولا تَعْمَلُ (٢) في الحرثِ (٣). حُدثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾. يقولُ: لم يُذِلَّها العملُ، ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يقولُ: تُبِينُ الأرضَ (٤) بأظْلافِها. ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. يقولُ: ولا تعمَلُ (٢) في الحرثِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال الأعرجُ: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. يقولُ: ليست بذَلولٍ فتفعَلَ ذلك (٥). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ليست بذَلولٍ تُثِيرُ الأرضَ، ولا تَسْقِى الحرثَ. ويعنى بقولِه: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾: تَقْلِبُ الأرضَ للحرثِ، يقالُ منه: أثَرْتُ الأرضَ أُثِيرُها إثارةً، إذا قلَبتَها للزرعِ.

стр. 1015

وإنَّما وصَفها جلَّ ثناؤُه بهذه الصفةِ؛ لأنَّها كانت -فيما قيل- وَحْشيَّةً. حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا جُوَيْبِرٌ، عن كَثيرِ بنِ زيادٍ، عن الحسنِ، قال: كانت وَحْشيَّةً (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. ومعنى ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: مُفَعَّلةٌ، مِن السلامةِ، يقالُ منه: سُلِّمَتْ تُسلَّمُ فهى مُسلَّمةٌ. ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذى سُلِّمَت منه، فوصَفَها اللهُ بالسلامةِ منه؛ فقال مجاهدٌ بما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يقولُ: مُسَلَّمةٌ مِن الشِّيَةِ، و ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياضَ فيها ولا سوادَ (٢). حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. قال: مُسَلَّمةٌ من الشِّيَةِ، ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياضَ فيها ولا سَوادَ. وقال آخَرون: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ.

стр. 1016

ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. أى: مُسلَّمةٌ مِن العيوبِ (١). حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يقولُ: لا عيبَ فيها (٢). حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يعنى: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ (٣). حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه (٤). حَدَّثَنَا القاسِمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنَي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: قولُه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: لا عَوارَ فيها (٥). والذي قاله ابنُ عباسٍ وأبو العاليةِ ومن قال بمثلِ قولِهما في تأويلِ ذلك، أوْلَى بتأويلِ الآيةِ مما قاله مجاهدٌ؛ لأنَّ سَلامَتَها لو كانت مِن سائرِ أنواعِ الألوانِ سِوَى لونِ جلدِها، لكان في قولِه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. مُكْتَفًى عن قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. وفى قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾، ما يُوَضِّحُ عن أن معنى قولِه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. غيرُ معنى

стр. 1017

قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ أنه يقولُ: إنها بقرةٌ لَمْ تُذَلِّلْها إثارةُ الأرضِ وقَلْبُها للحِراثةِ ولا السُّنُوُّ عليها للمزَارعِ، وهى مع ذلك صحيحةٌ مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يعنى بقولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا لونَ فيها يُخالِفُ لونَ جلدِها. وأصلُه مِن: وَشْىِ الثوبِ. وهو تحسينُ عُيوبِهِ التى تَكونُ فيه بضُروبٍ مختلفةٍ مِن ألوانِ سَدَاه ولُحْمتُه، يقالُ منه: وَشَيْتُ الثوبَ فأنا أَشِيه شِيَةً ووَشْيًا. ومنه قيل للساعى بالرجلِ إلى السلطانِ أو غيرِه: واشٍ. لكذبِه عليه عندَه وتحسينِه كذبَه بالأباطيلِ، يقالُ منه: وشَيْتُ به إلى السلطانِ وِشايةً. ومنه قولُ كعبِ بنِ زُهَيْرٍ (١): تَسْعَى الوُشَاةُ بجنْبَيها (٢) وقولُهمُ … إنك يا بنَ أبى سُلْمَى لَمَقْتولُ والوُشاةُ جمع واشٍ، يعنى أنهم يَتقوَّلون بالأباطيلِ، ويُخبِرُونه أنه إن لحِق بالنبيِّ ﷺ قتَلَه. وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن الوَشْىَ العلامةُ. وذلك لا معنى له، إلَّا أن يكونَ أراد بذلك تحسينَ الثوبِ بالأعْلامِ؛ لأنه معلومٌ أن القائلَ: وشَيْتُ بفلانٍ إلى فلانٍ. غيرُ جائزٍ أن يُتوهَّمَ عليه أنه أراد: جعَلْتُ له عندَه علامةً. وإنما قيل: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. وهى مِن: وَشَيْتُ؛ لأنَّ الواوَ لما أُسقِطَت مِن أولِها أُبدِلَتْ مكانَها الهاءُ في آخرِها، كما قيل: وزَنْتُه زِنةً و [وَسَيْتُه سِيَةً] (٣)،

стр. 1018

ووَعَدْتُه عِدَةً، وودَيْته دِيَةً. وبمثلِ الذى قلنا في معنى قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ. حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. أى: لا بياضَ فيها (١). حَدَّثَنَا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، مثلَه (٢). حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يقولُ: لا بَياضَ فيها (٣). حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. أى: لا بياضَ فيها ولا سَوادَ (٤). حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه. حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. قال: لونُها واحدٌ، ليس فيها لونٌ سِوَى لونِها (٥).

стр. 1019

حَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: مِن بياضٍ ولا سوادٍ ولا حُمرةٍ (١). حَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلَي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: هى صفراءُ ليس فيها بياضٌ ولا سوادٌ. حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يقولُ: لا بياضَ فيها (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. اختَلف أهلُ التَّأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. فقال بعضُهم: معنى ذلك: الآن بيَّنْتَ لنا الحقَّ فتبَيَّنَّاه، [وعرَفْنا أيَّةَ بقرةٍ عَنيتَ] (٣). وممَّن قال ذلك قتادةُ: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. أى: الآن بيَّنتَ لنا (٤). وقال بعضُهم: ذلك خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن القومِ أنهم نسَبوا نبيَّ اللهِ موسى صلواتُ اللهِ عليه إلى أنه لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهم بالحقِّ في أمرِ البقرةِ قبلَ ذلك. وممَّن رُوِى عنه معنى هذا القولِ عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ:

стр. 1020

حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: اضطُرُّوا إلى بقرةٍ لا يَعْلَمون على صفتِها غيرَها، وهى صفراءُ ليس فيها سَوادٌ ولا بياضٌ، فقالوا: هذه بقرةُ فلانٍ، ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. وقبلَ ذلك واللهِ قد جاءَهم بالحقِّ (١). وأولى التأويلين عندَنا بقولِه: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. قولُ قتادةَ، وهو أن تأويلَه: الآن بيَّنتَ لنا الحقَّ في أمرِ البقرِ (٢)، فعرَفْنا أيُّها (٣) الواجبُ علينا ذبحُها منها؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قد أخبَر عنهم أنهم قد أطاعوه، فذبَحوها بعد قِيلِهم هذا مع غِلَظِ مؤنةِ ذبحِها عليهم وثِقَلِ أمْرِها، فقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. وإن كانوا قد قالوا -بقولِهم: الآن بيَّنْتَ لنا الحقَّ- هُراءً (٤) مِن القولِ، وأتَوْا خطأً وجهلًا مِن الأمرِ، وذلك أن نبيَّ اللهِ موسى ﷺ كان مُبَيِّنًا لهم -في كلِّ مسألةٍ سأَلوها إياه، وردٍّ (٥) رادُّوه في أمرِ البقرةِ- الحقَّ، وإنما يُقالُ: الآن بَيَّنْتَ لنا الحقَّ لمن لَمْ يَكُنْ مُبَيِّنًا قبلَ ذلك، فأما مَن كان كلُّ قِيلِه -فيما أبان عن اللهِ تعالى ذكْرُه- حقًّا وبيانًا، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ له في بعضِ ما أبان عن اللهِ في أمرِه ونهيِه، وأدَّى عنه إلى عبادِه مِن فرائضِه التى أوجَبها عليهم: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. كأنَّه لم يَكُنْ جاءهم بالحقِّ قبلَ ذلك. وقد كان بعضُ مَن سلَف يَزعُمُ أن القومَ ارْتَدُّوا عن دينِهم، وكفَروا بقولِهم لموسى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. ويَزعُمُ أنهم نفَوْا أن يكونَ موسى أتاهم بالحقِّ في أمْرِ البقرةِ قبلَ ذلك، وأن ذلك مِن فعْلِهم وقِيلِهم كفرٌ.
следующие страницы →