← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10536–10575 · переход к 10541.

стр. 10536

قتادةَ في قولِه: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾. قال: قِطعَ الحديدِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾. قال: قِطعَ الحديدِ. وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فآتَوه زُبَرَ الحديدِ فجعَلها بينَ الصَّدَفَين، حتى إذا ساوَى بينَ الجَبَلينِ بما جعَل بينَهما من زُبَرِ الحديدِ، ويُقال: سوَّى. والصَّدَفان: ما بينَ ناحِيتَى الجَبَلين وأرْؤُسِهما، ومنه قولُ الراجزِ (٢): قد أخَذت ما بينَ عَرْضِ الصَّدَفَينِ ناحِيَتَيْها وأعالِى الرُّكْنَينِ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾. يقولُ: بينَ الجبلين (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾. قال: هو سدٌّ كان بينَ صَدَفين، والصَّدَفان: الجبلان.

стр. 10537

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾: رُءوسِ الجبلين (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: يعنى بين (٢) الجبلين، وهما من قبل إرمِينِيةَ وأذْرَبِيجَانَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: وهما الجبلان. حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: أخبَرنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنَّه قرَأها: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ منصوبةَ الصادِ والدالِ، وقال: بينَ الجبلين (٤). وللعرب في "الصدفين" لغاتٌ ثلاثٌ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ مِنها جماعةٌ من القرَأةِ؛ الفتحُ في الصادِ والدالِ، وذلك قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ (٥).

стр. 10538

والضمُّ فيهما، وهى قراءةُ [بعضِ قرَأةِ] (١) أهلِ البصرةِ (٢). والضمُّ في الصادِ وتسكينِ الدالِ، وذلك قراءةُ بعضِ أهلِ مكةَ والكوفةِ (٣). والفتحُ في الصادِ والدالِ أشهرُ هذه اللغاتِ، والقراءةُ بها أعجبُ إليَّ، وإن كنتُ مُسْتَجيزا القراءةَ بجميعِها؛ لاتفاقِ معانِيها، وإنما اخترتُ الفتحَ فيهما لما ذكرتُ من العِلَّةِ. وقولُه: ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال للفَعَلَةِ: انفُخوا النارَ على هذه الزُّبَرِ من الحديدِ. وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾. وفى الكلامِ متروكٌ، وهو: فنفَخوا حتى إذا جعَلُوا (٤) ما بينَ الصَّدَفين من الحديدِ نارًا. ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. فاختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿قَالَ آتُونِي﴾ بمدِّ الألفِ من: ﴿آتُونِي﴾. بمعنى: أعْطُونى قِطْرًا أُفْرِغْ عليه (٥). وقرَأه بعضُ قرَأةِ الكوفةِ: (قال ائْتُونِي). بوصلِ الألفِ، بمعنى: جيئونى قِطرًا أُفْرغْ عليه (٦). كما يُقالُ: أخَذتُ الخِطامَ، وأَخَذتُ بالخِطامِ،

стр. 10539

وجئتُك زيدًا، وجئتُك بزيدٍ. وقد يتوجَّهُ معنى ذلك إذا قُرِئ كذلك إلى معنَى: أعْطُونى. فيكونُ كأنَّ قارئَه أراد مدَّ الألفِ من: (ائْتُونى)، فترَك الهمزةَ الأولى من: ﴿آتُونِي﴾، وإذا سقَطَتِ الأُولى همَزَ الثانيةَ. وقولُه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. يقولُ: أصُبَّ عليه قِطْرًا. والقِطْرُ النُّحاسُ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. قال: القِطْرُ النُّحاسُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿قِطْرًا﴾. قال: نُحاسًا] (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. يعنى: النُّحاسَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ

стр. 10540

قِطْرًا﴾. أي: النُّحاسَ؛ لنُلزمَه (١) به حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. قال: نُحاسًا (٢) وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ يقول (٣): القِطْرُ الحديدُ المُذابُ. ويستَشْهِدُ لقولِه ذلك بقولِ الشاعرِ (٤): حسامًا كَلَونِ المِلْحِ صَافٍ حَديدُه … جُرازًا (٥) مِنَ اقْطارِ الحديدِ المُنَعَّتِ وقولُه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فما اسْطَاع (٦) يأجوجُ ومأجوجُ أن يَعْلُوَا (٧) الرَّدمَ الذي جعَله ذو القرنين حاجزًا بينَهم وبينَ مَن دونَهم مِنَ الناسِ، فيصيروا فوقَه ويَنْزلوا منه إلى الناسِ. يُقالُ منه: ظهَر فلانٌ فوقَ البيتِ. إذا عَلاه. ومنه قولُ الناسِ: ظهَر فلانٌ على فلانٍ. إذا عَلاه وقهَره. ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾. يقولُ: ولم يَستَطِيعوا أن يَنْقُبوه مِن أسْفَلِه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ

стр. 10541

يَظْهَرُوهُ﴾: من فوقِه، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾. أي: من أسفلِه (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾. قال: ما استطاعوا أن يَرْتَقُوه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾. قال: أن يَرْتَقُوه، ﴿وَمَا أَسَتَطَعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾. قال: يَعْلُوه، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾: أن (٤) يَنْقُبوه من أسفلِه (٥). واختلَف أهلُ العربيةِ في وجْهِ حذفِ التاءِ من قولِه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾؛ فقال بعضُ نحوِيِّى البصرةِ: فُعِل ذلك؛ لأنَّ لغةً للعربِ (٦) أن تقولَ: اسْطَاعَ يَسْطيعُ. يريدُون بها: اسْتَطاعَ يَسْتَطيعُ. ولكِنْ حذَفوا التاءَ إذا جُمِعت مع الطاءِ ومخرَجُهما واحدٌ. قال: وقال بعضُهم: اسْتَاع. فحذَف الطاءَ لذلك. وقال بعضُهم: أَسْطَاع يُسْطِيعُ. فجعَلها من القَطْعِ، كأَنَّها: أطاعَ يُطِيعُ. فجعلَ السينَ عِوضًا من إسكانِ الواوِ (٧).

стр. 10542

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: هذا حرفٌ اسْتُعمِل فكَثُرَ حتى حُذِف. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا رأى ذو القرنين أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ لا يَسْتطيعون أن يَظْهَروا ما بنَى من الرَّدم، ولا يَقْدِرون على نَقْبِه، قال: هذا الذي بنَيْتُه وسَوَّيْتُه حاجزًا بين هذة الأمةِ ومَن دونَ الردمِ - رحمةٌ من ربِّي، رحِمَ بها مَنْ دونَ الردمِ مِنَ الناسِ، فأعانني برحمتِه لهم حتى بنَيتُه وسوَّيْتُه؛ ليكفَّ بذلك غائلةَ هذه الأمةِ عنهم. وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾. يقولُ: فإذا جاء وَعْدُ رَبِّي الذي جعَله ميقاتًا لظهورِ هذه الأمةِ وخروجِها من وراءِ هذا الرَّدْمِ لهم، ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾. يقولُ: سوَّاه بالأرضِ فالزَقَه بها. من قولِهم: ناقةٌ دَكَّاءُ، مُسْتَوِيةُ الظَّهِرِ لا سَنامَ لها. وإنما معنى الكلامِ: جعَله مَدْكُوكًا، فقيل: ﴿دَكَّاءَ﴾. وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾. قال: لا أدْرِى، الجبلين يعنى به، أو ما بينَهما؟ (١). وذُكِر أن ذلك كائنٌ (٢) كذلك بعدَ قَتْلِ ابن مريمَ الدجالَ.

стр. 10543

ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثني أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرقيُّ، قال: ثنا هشيمُ بنُ بشيرٍ، قال: أخبَرنا العوامُ، عن جبلةَ بن سُحَيْمٍ، عن مُؤثِرٍ، وهو ابن عَفَازةَ (١) العَبْدِيُّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَقِيتُ ليلةَ الإسراءِ إبراهيمَ وموسى وعيسى، فتذاكَروا أمرَ الساعةِ، وردُّوا الأمْرَ إلى إبراهيمَ، فقال إبراهيمُ: لا عِلمَ لى بها. فردُّوا الأمْرَ إلى موسى، فقال موسى: لا عِلْمَ لى بها. فردُّوا الأمرَ إلى عيسى، قال عيسى: أمَّا قيامُ الساعةِ [فلا يعلمها] (٢) إلا اللهُ، ولكِنّ ربِّي قد عَهِد إليَّ بما هو كائنٌ دونَ وجْبتِها (٣)؛ عَهِد إليَّ أن الدَّجالَ خارِجٌ، وأَنَّه مُهْبِطِى إليه، فذكَر أَنَّ معه قضيبين (٤)، فإذا رآنى أهلَكَه اللهُ. قال: فيَذُوبُ كما يَذُوبُ الرَّصاصُ، حتى إن الحجرَ والشَّجرَ لَيَقُولُ: يا مسلم هذا كافرٌ فاقْتُلْه. فيُهلِكُهم اللهُ، ويَرْجِعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم فيَسْتقبِلُهم يأجوجُ ومأجوجُ من كلِّ حَدَبٍ ينسِلُون، لا يأْتُون على شيءٍ إلَّا أهلكوه (٥)، ولا يمرُّون على ماءٍ إِلَّا شَرِبوه، فيرجِعُ الناسُ إليَّ، فيَشْكُونهم، فأدعو الله عليهم فيُميتُهم، حتى تَجْوَى (٦) الأَرضُ من نَتْنِ ريحِهم، فيَنْزِلُ المطرُ، فيَجُرُّ أجسْادَهم فيُلقِيهم فِي البَحرِ، ثم تُنْسَفُ الجبالُ حتى تكونَ الأرضُ كالأديمِ، فعَهِد إليَّ ربِّي أن ذلك إذا كان كذلك، فإِنَّ الساعةَ منهم كالحاملِ المُتِمِّ

стр. 10544

التي لا يَدرِى أهلُها متى تَفْجَؤُهم بوِلادها، لَيلًا أو نهارًا" (١). حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّاريُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن أصبغَ بن زيدٍ، عن العوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن جبلةَ بن سُحَيمٍ، عن مُؤْثِرِ بن عَفَازَةَ (٢)، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: لما أُسْرِى برسولِ اللهِ ﷺ التَقى هو وإبراهيمُ وموسى وعيسى ﵈، فتَذَاكَرُوا أمرَ الساعةِ. فذكَر نحوَ حديثِ [أحمدَ بن] (٣) إبراهيمَ الدَّورقيِّ، عن هُشيمٍ، وزاد فيه: قال العوّامُ بنُ حَوْشَبٍ: فوجَدتُ تصديقَ ذلك في كتابِ اللهِ تعالى، قال اللهُ : ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧]. [وقال] (٤): ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) [وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (٥). وقولُه: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾] (٦). يقولُ: وكان وعْدُ رَبِّي الذي وعَد خَلْقَه في دكِّ هذا الرَّدمِ، وخروجِ هؤلاء القومِ [على الناسِ] (٧)، وعَيْتِهم فيهم (٨)، وغيرِ ذلك

стр. 10545

من وعْدِه - حقًّا؛ لأنَّه لا يخلفُ الميعادَ، فلا يقَعُ غيرُ ما وعَد أنه كائنٌ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَكْنا عبادَنا يومَ يأتِيهم وعْدُنا الذي وعَدْناهم، بأَنَّا نَدُكُّ الجبالَ ونَنْسِفُها عن الأرضِ نَسْفًا، فنذرُها قاعًا صَفْصَفًا، ﴿بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾. يقولُ: يختلِطُ جِنُّهم بإنسِهم. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن هارونَ بن عنترةَ، عن شيخٍ مِن بنى فزارةَ في قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾. قال: إذا ماج الجنُّ والإنسُ، قال إبليسُ: فأنا أعلمُ لكم علمَ هذا الأمْرِ. فيظعَنُ إلى المَشْرقِ، فيجِدُ الملائكة قد نطَقُوا (١) الأرضَ، ثم يظعَنُ إلى المَغْرِبِ، فيجِدُ الملائكةُ قد نطَقُوا الأرضَ، ثم يظعَنُ (٢) يمينًا وشمالًا إلى أقصَى الأرضِ، فيجدُ الملائكةَ نطَقُوا (٣) الأرضَ، فيقولُ: ما من مَحِيصٍ. فبينا هو كذلك، إذ عرَض له طريقٌ كالشِّرَاكِ، فأَخَذ عليه هو وذرِّيتُه، فبينما هم عليه إذ هجَموا على النارِ فأخرَج اللهُ خازِنًا من خُزَّان النارِ، فقال: يا إبليسُ، ألم تكُنْ لك المنزلةُ عندَ رَبِّكَ؟ ألم تكُنْ فِي الجِنَانِ؟ فيقولُ: ليس هذا يومَ عتابٍ، لو أن الله فرَض عليَّ فريضةً لَعَبَدتُه فيها عبادةً لم يَعْبُدُه مثلَها أحدٌ مِن خلقِه. فيقولُ: فإنَّ الله قد فرَض عليك فريضةً. فيقولُ: ما هي؟ فيقولُ: يأمُرُك أن تدخُلَ النار. فيَتَلكَّأُ عليه، فيَقُولُ بهِ وبذرِّيتِه بجناحيه، فيقذِفُهم

стр. 10546

في النارِ، فتَزْفِرُ النارُ زَفْرَةً، فلا يَبْقى مَلَكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ إِلا جَثَا لرُكُبَتَيهِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾. قال: هذا أوّلُ يومِ (٢) القيامةِ، ثم نُفِخ في الصُّورِ على أَثَرِ ذلك فجَمَعْناهم جَمْعًا (٣) ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾. قد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيما مضَى في الصُّورِ، وما هو، وما عُنِى به؟ [وأخبَرْنا بالصوابِ] (٤) من القولِ في ذلك بشواهدِه المغنيةِ عن إعادِتها (٥) في هذا الموضعِ (٦)، غيرَ أنَّا نذكُرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نذكُرْه (٧) في ذلك الموضعِ من الأخبارِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: ثنا أَسْلَمُ، عن بشرِ بن شَغَافٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ ، أَنَّ أَعْرابِيًّا سأله عن الصُّورِ، قال: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه" (٨).

стр. 10547

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ،، عن سليمانَ التَّيْمِيُّ، عن العجليِّ، عن بشرِ بن شَغَافٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، بنحوِه عن رسولِ اللهِ ﷺ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحارثِ القَنْطَريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكَيرٍ، قال: كنتُ في جِنازةِ عمرَ بن ذرٍّ، فلَقِيت مالكَ بنَ مِغْولٍ، فحدَّثنا عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "كيف أَنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد الْتقَم القرنَ (٢)، وحنَى الجَبْهةَ، وأصْغَى بالأُذُنِ متى يُؤْمَرُ". فَشَقَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: "قُولُوا: حَسبُنا الله، وعلى اللهِ توكَّلنا. ولو اجتَمَع أهلُ مِنًى ما أقَالُوا ذلك القَرنَ" كذا قال، وإنما هو: "ما أقلُّوا" (٣). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن الحجاجِ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "كيف أنْعَمُ وصاحِبُ الصورِ (٤) قد الْتَقَم القَرْنَ، وحنَى ظَهْرَه، وجحَظ بعَيْنِهِ (٥) ". قالوا: ما نقولُ يا رسولَ اللهِ؟ قال:

стр. 10548

"قُولُوا: حسْبُنا اللهُ، تَوَكَّلْنا عَلَى اللهِ". حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ العوفيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "كيف أنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد الْتقَم القَرْنَ، وحنَى جبهَتَه، يستَمِعُ متى يُؤمَرُ فَيَنْفُخُ فيه". فقال أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ : كيف نقولُ؟ قال: "تقولون: حسْبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، توكَّلْنا على اللهِ" (١). حدَّثنا أبو كريبٍ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا أسباطُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا شُعَيبُ بنُ حربٍ، قال: ثنا خالدٌ أبو العلاءِ، قال: ثنا عطيةُ العَوْفيُّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "كيف أنعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قد التقَم القَرْنَ، وحنَى الجبْهَة، وأصْغَى بالأذنِ، متى يؤمَرُ أَنْ يَنفُخَ، ولو أنَّ أهلَ مِنًى اجْتَمَعوا على القَرْنِ على أنْ يُقِلُّوه مِنَ الأرضِ، ما قدَروا عليه" (٣). فأُبلِس أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، وشَقَّ عليهم، قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : قولوا: "حَسْبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ (٤) ".

стр. 10549

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المَدنيِّ، عن يزيدَ بن فلانٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بن كعبِ القُرَظيِّ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لمَّا فرَغ اللهُ من خلْقِ السماواتِ والأرْضِ، خَلَقَ الصُّورَ، فأَعْطاهُ إسْرافِيلَ، فهو واضعُه (١) على فِيه، شاخِصٌ بصَرَه إِلى العَرْشِ، ينتَظِرُ متى يؤمَرُ". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، وما الصُّورُ؟ قال: "قرنٌ". قال: وكيف هو؟ قال: "قَرْنٌ عظِيمٌ، ينفَخُ فِيهِ ثَلَاثُ نَفَحَاتٍ؛ الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، وَالثَّانِيَةُ نَفْحَةُ الصَّعْقِ، والثَّالثةُ نَفَخَةُ القيامِ لربِّ العالمين" (٢). وقولُه: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾. يقولُ: فجمَعْنا جميعَ الخلقِ حينئذٍ لموقفِ الحسابِ جمعًا (٣). وقولُه: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾. يقولُ: وأبرَزْنا جهنَّم يومَ يُنفَخُ في الصُّورِ، فأظْهَرْناها للكافرين باللهِ، حتى يَرَوْها ويعاينُوها كهَيئةِ السَّراب. ولو جُعِل الفعلُ لها قيل: أعْرَضت [جهنمُ. وذلك] (٤) إذا اسْتَبانَت، كما قال عمرُو بنُ كُلثومٍ (٥): وأعرَضتِ اليمامةُ واشْمَخَرَّت … كأسيافٍ بأيدى مُصْلِتِينا (٦) وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 10550

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعراءِ، عن عبدِ اللهِ، قال: يقومُ الخَلقُ للهِ إِذا نُفِخ في الصُّورِ قيامَ رجلٍ واحدٍ، ثم يتمثَّلُ اللهُ للخَلْقِ [فيلقاهم، فليس] (١) أحدٌ من الخلقِ (٢) كان يعبُدُ من دونِ اللهِ شيئًا إلا وهو مرفوعٌ له يتْبَعُه. قال: فيَلْقَى اليهودَ فيقولُ: مَن تعبُدون (٣)؟ فيقولون: نعبُدُ عُزَيْرًا. قال: فيقولُ: هل يسُرُّكم الماءُ؟ فيقولون: نعم. فيُرِيهم جَهَنَّمَ وهى كهيئةِ السَّرابِ، ثم قرَأ: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾. ثم يَلْقى النَّصارى فيقولُ: مَن تعبُدون؟ فيقولون: نعبُدُ المسيحَ. فيقولُ: هل يسُرُّكم الماءُ؟ فيقولون: نعم. قال: فيُريهم جَهَنَّمَ وهى كهيئةِ السَّرابِ، ثم كذلك لمَن كان يعبُدُ مِن دونِ اللهِ شيئًا. ثم قرأ عبدُ اللهِ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (٤) [الصافات: ٢٤]. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وعرَضْنا جَهَنَّمَ يومئذٍ للكافرين (٥) الذين كانوا لا ينظُرون في آياتِ اللهِ فيتفكَّروا فيها، ولا يتأمَّلون حُجَجَه فيعْتَبِروا بها، فيتذكَّروا ويُنيبوا إلى

стр. 10551

توحيدِ اللهِ، ويَنْقادُوا لأمرِه ونهيِه، ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾. يقولُ: وكانوا لا يُطِيقون أن يسمَعوا ذكْرَ اللهِ الذي ذكَّرهم به، وبيانَه الذي بيَّنه لهم في آيِ كتابِه، بخذلانِ اللهِ إيَّاهم، وغلبةِ الشقاءِ عليهم، وشُغْلِهم بالكفرِ باللهِ وطاعةِ الشيطانِ، فيَتَّعِظوا بهِ، ويتدبَّروه، فيعرِفوا الهُدَى من الضَّلالةِ، والكفرَ من الإيمانِ. وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾. قال: لا يَعْقِلُون (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قال: لا يَعْلَمون. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ الآية. قال: هؤلاء أهلُ الكفرِ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَفَظَنَّ الذين كفَروا باللهِ من عَبَدَةِ الملائكةِ والمسيحِ، أن يتَّخِذوا عبادِى الذين عبَدُوهم من دونِ اللهِ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ لأنفسِهم (٢)، يقولُ: [أَظُنُّوا أنهم لهم أولياءُ. يقولُ] (٣): كلا، بل هُم لهم أعداءٌ.

стр. 10552

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾. قال: يعنى من يعبُدُ عيسى (١) ابنَ مريمَ والملائكةَ، وهم عبادُ اللهِ، ولم يكونوا للكفارِ أولياءَ. وبهذه القراءةِ، أعنى بكسرِ السِّينِ من ﴿أَفَحَسِبَ﴾ بمعنى الظَّنِّ، قرَأتْ هذا: الحرفَ قرأةُ الأمصارِ. ورُوى عن عليِّ بن أبى طالبٍ، وعكرِمةَ ومجاهدٍ أنَّهم قَرءوا ذلك: (أفَحسْبُ الذين كفروا) بتسكينِ السِّينِ، ورفعِ الحرفِ بعدَها (٢)، بمعنَى: أَفَحَسْبُهم ذلك. أي: أَفَكَفَاهم أن يتَّخِذُوا عبادِى من دونى أولياءَ مِن عِبَادتى (٣) وموالاتي. كما حُدِّثت عن إسحاقَ بن يوسفَ الأزرقِ، عن عِمْرانَ بن حُدَيرِ، عن عِكرمةَ: (أفحسْبُ الذين كَفَرُوا). قال: أَفَحَسْبُهم ذلك (٤). والقراءةُ التي نَقْرَؤها هي القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ: ﴿أَفَحَسِبَ﴾. بكسرِ السينِ، بمعنى: أفَظَنَّ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليها. وقولُه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾. يقولُ: إِنَّا (٥) أَعْدَدْنا لَمَن كفَر باللهِ

стр. 10553

جهَنَّمَ مَنزِلًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمد، لهؤلاء الذين يَبْغُون عَنَتَك، ويُجادِلونك بالباطِلِ، ويُمَارونك (١) بالمسائلِ من أهلِ الكتابين؛ اليهودِ والنَّصارى: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾. يعنى بالذين أتْعَبوا أنفسَهم في عملٍ يَبْغُون به رِبْحًا وفضْلًا، فنالوا به عَطَبًا (٢)، وهلاكًا، ولم يُدْرِكوا [ما طلَبوا] (٣)، كالمُشتَرِى سلعةً يَرجُو بها فضْلًا وربحًا، فخاب رجاؤه، وخسِر بَيْعُه، ووُكِسَ في الذي رجا فَضْلَه. واختلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الرُّهبانُ والقُسُوسُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا المُقْرِئُ (٤)، قال: ثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيحٍ، قال: أخبَرني السَّكنُ بنُ أبى كَريمةَ، أن أمَّه أخبَرتْه، أنها سمِعت أبا خَمِيصةَ عبدَ اللهِ بنَ قيسٍ يقولُ: سمِعتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ

стр. 10554

أَعْمَالًا﴾: هم الرهبانُ الذين حَبَسوا أَنفُسَهم في الصوامِعِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعتُ حَيْوةَ يقولُ: ثنى السَّكَنُ بنُ أَبي كَرِيمةَ، عن أمه أخبرته، أنها سَمِعت عبدَ اللَّهِ بن قيس يقولُ: سمعتُ على بن أبي طالبٍ يقولُ … فذكر نحوه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، قال: قلتُ لأبي: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾: أهم الحروريَّةُ؟ قال: هم أصحابُ الصَّوامع (٢). حدثنا فَضَالة بن الفضل، قال: قال يَزِيعٌ: سأل رجل الضحاك عن هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾. قال: هم القسِّيسون والرهبان. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثَّوْرِيُّ، عن منصور، عن هلال بن يَسَافٍ، عن مصعب بن سعد، قال: قال سعد: هم أصحابُ الصَّوامع (٣). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصورٍ، عن مصعب بن سعدٍ، قال: قلتُ لسعد: يا أَبَتِ: ﴿هَلْ نُنَبَّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾ من أهم الحرورِيَّةُ؟ فقال: لا، ولكنهم أصحابُ الصوامع، ولكنّ الحرورِيَّة قومٌ زاغوا، فَأَزَاغَ اللَّهُ قلوبَهم (٤).

стр. 10555

وقال آخرون: بل هم جميع أهلِ الكتابين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرَّةَ، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي عن هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعِيهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ أهم الحرُورِيَّةُ؟ قال: لا، هم أهل الكتابين (١)؛ اليهود والنصارى، أما اليهودُ فكَذَّبوا بمحمد، وأما النصارى فكَفَروا بالجنة وقالوا: ليس فيها طعام ولا شراب، ولكنَّ الحَرورِيَّةَ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقِه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصلَ، ويفسدون في الأرضِ، أولئك هم الفاسقون (٢). فكان سعدٌ يُسَمِّيهم الفاسقين (٣). حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن إبراهيمَ بن أبى حُرَّةَ، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاصٍ، عن أبيه في قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبَّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾. قال: هم اليهود والنصارى (٤). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن أبي حربِ بن أبي الأسود، عن زاذان، عن علي بن أبى طالبٍ، أنه سئل عن قوله: ﴿قُلْ

стр. 10556

هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾. قال: هم كفرة أهل الكتاب؛ كان أوائلهم على حق، فأشركوا بربهم، وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل، ويحسبون أنهم على حقٍّ، ويجتهدون في الضَّلالةِ، ويَحْسَبون أنهم على هدى، فضَلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يَحْسبون أنهم يحسنون صنعًا. ثم رفع صوته فقال: وما أهلُ النَّهَرِ (١) منهم ببعيدٍ. وقال آخرون: بل هم الخوارجُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ (٢)، عن سلمة بن كُهَيلٍ، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: سأَلَ عبد الله بن الكَوَّاءِ عليًّا عن قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾. قال: أنتم يا أهل حَروراءَ. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني يحيى بن أيوبَ، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجليِّ، عن أبي الصَّهباءِ البَكْريِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ، أن ابنَ الكَوَّاءِ سأَله عن قولِ اللَّهِ : ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾. فقال عليٌّ: أنت وأصحابك. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن سلمةَ بن كُهَيلٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: قام ابن الكَوَّاء إلى عليٍّ، فقال: مَن ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾

стр. 10557

قال: وَيْلَك! أهلُ حَرُوراءَ منهم (١). حدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا محمد بن خالد بن عَثْمةَ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ بن عبدِ اللهِ بن وهبٍ، قال: ثني أبو الحُوَيرثِ، عن نافع بن جبيرِ بن مُطْعِمٍ، قال: قال ابن الكوَّاءِ لعليِّ بن أبى طالب: ما الأخسرون (٢) أعمالًا، الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا؟ قال: أنتَ وأصحابُك. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن الله ﵎ عنَى بقوله: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾. كلَّ عاملٍ عملًا يَحسَبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرضٍ، وهو بفعله ذلك لله مسخطٌ، وعن طريق أهل الإيمانِ به جائرٌ؛ كالرَّهابنةِ والشَّمامسةِ وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك مِن فعلهم واجتهادِهم باللَّهِ كَفَرةٌ، من أي أهل دين كانوا. وقد اختلف أهل العربيةِ في وجهِ نَصْبِ قوله: ﴿أَعْمَالًا﴾؛ فكان بعضُ نحويي البصرة يقولُ: نُصِبَ ذلك لأنه لما أُدخل الألفُ واللام والنون في الأخسرين لم يُوصَل إلى الإضافة، وكانت الأعمالُ مِن الأخسرين؛ فلذلك نُصِب. وقال غيرُه: هذا الباب (٣) للأفعل (٤) والفُعْلى، مثل الأفضل والفُضْلَى، والأخسر والخسرَى، ولا تَدْخُلُ فيه الواو (٥)، ولا يكون معه (٦) مُفسِّر؛ لأنه قد

стр. 10558

حَقَّق (١) [الفضلَ لمن هو بقوله] (٢): الأفضلُ والفُضْلَى. وإذا جاء معه مفسِّر كان للأوَّلِ والآخِرِ، وقال: ألَا تَرَى أنك تقولُ: مررتُ برجل حَسَنٍ وجهًا. فيكونُ الحُسْنُ للرجل وللوجه (٣)، وكذلك: كثيرٍ (٤) عقلا. وما أشبَهه. قال: وإِنما جاز في الأخسَرِينَ؛ لأنه ردَّه إلى الأفعَلِ والأَفْعَلَة. وقال: سمعتُ العرب تقولُ: الأوَّلاتُ دخولًا، والأخراتُ خروجًا. فصار للأوَّلِ والثانى كسائر الباب. قال: وعلى هذا يُقاسُ. وقوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعَيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: هم الذين لم يكُن عملهم الذي عَمِلوه في حياتهم الدنيا على هدًى واستقامةٍ، بل كان على جَوْرٍ وضلالةٍ، وذلك أنهم عَمِلوا بغير ما أمرهم الله به، بل على كفر منهم به، ﴿وَهُم يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. يقولُ: وهم يَظُنُّون أنهم بفعلهم ذلك للهِ مطيعون، وفيما ندب عبادَه إليه مُجتَهِدون. وهذا من أدلُّ الدليل (٥) على خطأ قولِ مَن زعم أنه لا يَكْفُرُ بِاللَّهِ أَحدٌ إِلَّا مِن حيثُ يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيَّتِه. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية، أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالًا، وقد كانوا يحسبون أنهم يحسبون (٦) في ضنعهم لك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآياتِ ربِّهم؛ ولو كان القولُ كما قال الذين زعَموا أنه لا يكفُرُ باللَّهِ

стр. 10559

أحدٌ إلا من حيثُ يَعْلَمُ، لوجَب أن يكون هؤلاء القومُ في عملهم الذي أخبَر اللَّهُ عنهم أنهم كانوا يَحْسَبون فيه أنهم يحسنون صُنعَه، كانوا مثابين مأجورين عليه (١)، ولكنَّ القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم باللَّهِ كَفَرةٌ، وأن أعمالهم حابِطةٌ. وعنى بقوله: ﴿أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾: عملا. والصُّنعُ والصَّنعةُ والصَّنيعُ واحدٌ، يُقالُ: فرس صنيع. بمعنى مصنوع. القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾. يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصَفنا صفتَهم، الأخسرون أعمالًا، الذين كفروا بحجج ربِّهم وأدلتِه، وأنكروا لقاءه، ﴿فَحِبَطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾. يَقُولُ: فَبَطَلَتْ أعمالهم، فلم يكن لها ثواب يَنْفَعُ أصحابها في الآخرةِ، بل لهم منها عذابٌ وخزىٌ طويلٌ، ﴿فَلَا نُقِيمُ هُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنًا﴾. يقول تعالى ذكره: فلا نجعَلُ لهم ثقلًا. وإنما عنَى بذلك: أنه (٢) لا تَنْقُلُ بهم موازينهم؛ لأن الموازين إنما تَنْقُلُ بالأعمال الصالحة، وليس لهؤلاء شيءٌ من الأعمال الصالحة فتثقُلَ به موازينهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن

стр. 10560

الأعمشِ، عن شِمْر، عن أبي يحيى، عن كعب، قال: يُؤتَى يوم القيامة برجل عظيمٍ طويلٍ، فلا يَزِنُ عندَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضةٍ؛ اقرَءُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ (١). حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن الصَّلْتِ، قال: ثنا ابن أبي الزِّنادِ، عن صالحٍ مولَى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يُؤتَى بِالْأَكُولِ الشَّرُوبِ الطَّويل فيُوزَنُ، فلا يَزِنُ جَناحَ بَعوضةٍ". ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ هُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (٢). القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾. يقول تعالى ذكره: أولئك ثوابُهم جهنَّمُ؛ بكُفرهم بالله، واتخاذهم آياتِ كتابِه، وحُجَجَ رسله سخريًّا، واستهزائهم برسله. القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾. يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا بالله ورسله (٣)، وأقروا بتوحيدِ اللهِ وما أنزَل من كتبِه، وعملوا بطاعته، كانت لهم بساتينُ الفردوسِ.

стр. 10561

والفردوسُ: معظم الجنةِ، كما قال أميةُ (١): كانت منازلهم إذ ذاك ظاهِرةً … فيها الفراديسُ والفومانُ والبصل واختلَف أهل التأويل في معنى الفردوس؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أفضلُ الجنةِ وأوسطها. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبَّاسُ بن الوليد، قال: ثنا يزيد بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة، قال: الفردوسُ: رَبوةُ الجنة وأوسطها وأفضلُها (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ أَبي سُرَيْحٍ (٣) الرازيُّ، قال: ثنا الهيثمُ أبو بشرٍ، قال: أخبرنا الفرج بن فضالةَ، عن لقمان بن (٤) عامر، قال: سُئل أبو أمامة (٥) عن الفردوس، فقال: هي سُرَّةُ الجنة (٦). حدثنا أحمد بن أبى سُرَيْجٍ (٣)، قال: ثنا حماد بن عمرو النَّصيبيُّ، عن أبي عليٍّ، عن كعب، قال: ليس في الجنانِ جنةٌ أعلى مِن جنة الفردوسِ، وفيها الآمرون بالمعروفِ، والناهون عن المنكر (٧).

стр. 10562

وقال آخرون: هو البستانُ بالرُّوميةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليُّ بن سهل الرملى، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبدِ اللَّهِ بن كثير، عن مجاهد، قال: الفردوس: بستانُ بالرُّوميةِ (١). حدثنا العباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريجٍ: أخبرني عبد الله، عن مجاهد مثله. وقال آخرون: هو البستانُ الذي فيه الأعناب. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا عباس بن محمد، قال: ثنا محمد بن عبيدٍ، عن الأعمشِ، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، عن كعبٍ، قال: جنات الفردوس: التي فيها الأعناب (٢). والصواب من القول في ذلك عندنا (٣) ما تظاهرت به الأخبار عن رسولِ الله ﷺ ، وذلك ما حدثنا به (٤) أحمد بن أبى سُرَيْجٍ (٥)، قال: ثنا يزيدُ بنُ هَارُونَ، قال: أخبرنا همامُ بن يحيى، قال: ثنا زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "الجَنَّةُ مِائَةُ درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَةٍ (٦)

стр. 10563

مَسِيرَةُ مائة (١) عامٍ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها درجةً، ومنها الأنهارُ الأَرْبَعةُ (٢)، والفِرْدَوْسُ مِن فَوْقِها، فإذا سألتم الله فسَلُوه (٣) الفِرْدَوْسَ" (٤). حدثنا موسى موسى بن سهلٍ، قال: ثنا موسى بن داودَ، قال: ثنا همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عُبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: "الجنة مائةُ درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَتَين كما بين السماءِ والأرضِ، أَعْلاها الفِرْدَوْسُ، ومنها تَفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّةِ الأربعةُ، فإذا سألتم اللَّهَ فَسَلُوه الفِرْدَوسَ". حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو يحيى بن سليمانَ (٥)، عن هلال بن أسامة، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي هريرةَ - أو أبي سعيدٍ الخُدْريِّ - عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: "إِذَا سَأَلْتُم اللَّهَ فَسَلُوه (٦) الفِرْدَوسَ، فإنها أوْسَطُ الجنةِ، وأعلى الجنةِ، وفوقها عرش الرحمن، ومِنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة" (٧). حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا فليحٌ، عن هلال، عن

стр. 10564

عبد الرحمن بن أبي عَمْرةَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلَه، إلا أنَّه قال: "وسَطُ الجَنَّةِ". وقالَ أيضًا: "ومِنه تَفَجَّرُ أو تُفَجَّرُ (١) (٢) ". حدثني عمران (٣) بن بكارٍ الكَلاعِيُّ، قال: ثنا يحيى بن صالحٍ، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ثنا زيد بن أسلمَ، عن عطاء بن يسار، عن معاذِ بن جبلٍ، أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ في الجنة مائة درجةٍ، ما بين كلِّ درَجَتَين (٤) كما بين السماء والأرض، والفِردَوسُ أعْلَى الجنة وأوسطها، وفوقها عَرْشُ الرَّحمن، ومنها تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة، فإذا سأَلْتم اللَّهَ فَسَلُوه الفِرْدَوسَ" (٥). حدثنا أحمد بن منصورٍ، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارثِ، قال: ثنا الحارث بن عُبَيْدٍ (٦)، [قال: ثنا أبو عمران الجَوْنيُّ، عن أبي بكر بن أبي موسى] (٧)، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ أَرْبَعَةٌ، ثِنْتَانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما من شيءٍ، وثِنْتانِ مِن فِضة حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما من شيءٍ" (٨).

стр. 10565

حدَّثنا أحمد بن أبي سُرَيجٍ (١)، قال: ثنا أبو نعَيم، قال: ثنا أبو قدامةَ، عن أبي عِمْرانَ الجَونيِّ، عن أبي بكر بن عبدِ اللهِ بن قيسٍ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "جَنَّاتُ الفِرْدَوسِ أَرْبَعٌ: ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ حِلْيَتُهما وآنِيَتُهما وما فيهما، وثنتان من فِضَّةٍ حِلْيَتُهما وآنِيتُهما وما فيهما" (٢). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفص، عن شِمْرٍ، قال: خلق اللَّهُ جنةَ الفردوس بيده، فهو يَفْتَحُها في كلِّ يوم خميس، فيقولُ: ازدادى طِيبًا لأوليائى، ازدادى حُسْنًا لأوليائى. حدثنا ابن البرقى، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا محمد بن جعفر [وابنُ الدَّراوَرْدِيُّ] (٣)، قالا: ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ للجنةِ مِائَةَ درَجَةٍ، كلُّ درجةٍ كما (٤) بين السماء والأرضِ، أعْلَى دَرَجَةٍ منها الفِرْدَوسُ، [وهو أوسطُ الجنةِ، ومنها تَفَجَّرُ أنهار الجنةِ، وعليها يَكُونُ العرشُ، فإذا سألتم الله فسَلُوه الفِردَوسَ" (٥). حدثني أحمد بن يحيى الصُّوفيُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الفرجِ الطائيُّ، قال: ثنا الوليد بن مسلمٍ، عن سعيد بن بَشير، عن قتادة، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ بن

стр. 10566

جُنْدُبٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الفِرْدَوْسُ (١) رَبُوةُ الجَنَّةِ، هي أَوْسَطُها وأحْسَنُها" (٢). حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، قال: أنبأنا إسماعيل بن مسلمٍ، عن الحسن، عن سَمُرَةَ بن جندب، قال: أخبرنا رسولُ اللَّهِ ﷺ أَن الفِرْدَوسَ هي أَعْلَى الجَنَّةِ وأَحْسَنُها وأَرفَعُها. حدثني محمدُ بنُ مَرْزُوقٍ البَصْرِيُّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن نبي الله ﷺ قال للرُّبَيِّعِ ابنةِ النَّضْرِ: "يا أُمَّ حارِثَةَ، إنها جنانٌ، وإنَّ ابنَكِ أصابَ (٣) الفِرْدَوس الأعْلَى، والفردوس رَبُوةُ الجَنَّةِ وأَوْسَطُها وأفْضَلُها" (٤). وقوله: ﴿نُزُلًا﴾. يقول: منازل ومساكِنَ. والنُّزُلُ (٥): من النزول؛ وهو من نزول بعض الناس على بعضٍ. وأمَّا النُّزْلُ: فهو الرَّيْعُ (٦)، يقال: ما لِطَعامِكم هذا

стр. 10567

نُزْلٌ. يراد به الرَّيْعُ (١). وما وجدنا عندكم نُزُلًا: أي نُزولًا. وقولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: لابِثِينَ فيها أبدًا، [لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِولًا﴾. يقول: لا يريدون عنها تحوُّلا. وهو مصدرُ (تحوَّلتُ) أُخْرِج على (٢) أصْلِه، كما يُقالُ: صَغُرَ يَصْغُرُ صِغَرًا، وعاج يَعُوجُ عِوَجًا. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾. قال: مُتَحَوَّلًا (٣). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد بنحوه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: سَمِعتُ مَخْلَدَ بنَ الحسين يقولُ، وسئل عنها، فقال: سَمِعتُ بعض أصحاب أنسٍ يقولُ: قال: يقولُ أوَّلُهم دخولًا: إنما أدخَلَنى اللهُ أوَّلَهم لأنَّه ليس أحد أفضلَ مِنِّي. ويقولُ آخِرُهم دُخُولا: إِنما أَخَّرَنى الله لأنَّه ليس أحدٌ أعطاه الله مثل الذي أعْطَاني. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾.

стр. 10568

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُل﴾ له يا محمد: لو كان ماءُ (١) البحر ﴿مدادا﴾ للقلم الذي يَكْتُبُ (٢) ﴿كَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ﴾ ماء البحر، ﴿قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. يقولُ: ولو مَدَدْنا البحرَ بمثل ما فيه من الماءِ مَدَدًا. من قول القائل: جِئْتُكَ مَدَدًا لك. وذلك من معنى الزيادة. وقد ذُكر عن بعضهم: (ولو جئنا بمثله مِدَادًا (٣))، كأنَّ قارِئَ ذلك كذلك أراد: لنَفِدَ البحرُ قبل أن تَنْفَدَ كلماتُ ربِّي، ولو زِدْنا مثل (٤) ما فيه من المدادِ الذي يُكتَبُ به مِدَادًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث قال: الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّي﴾: للقلم (٥). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ

стр. 10569

مَدادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾. يقولُ: إِذًا لنَفِدَ ماءُ البَحْرِ قبلَ أَن [يَنْفَدَ كلامُ] (١) اللَّهِ وحكمه (٢). القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾. يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنما أنا إنسان (٣) مثلكم، من بني آدمَ لا عِلمَ لى إلا ما عَلَّمَنى الله، وإن الله يُوحى إليَّ أن معبودكم الذي يجبُ علَيْكم أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئًا، معبود واحدٌ لا ثاني له ولا شَرِيكَ، ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾. يقولُ: فمَنْ كان (٤) يخافُ ربَّه يوم لقائِه، ويُراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ: فليُخْلِص له العبادةَ، وليفرد له الرُّبوبية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الربيع بن أبى راشد، عن سعيد بن جبير: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾. قال: ثواب ربِّه (٥).

стр. 10570

وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. يقولُ: ولا يَجعَلْ اللَّهِ (١) شَريكًا في عبادته إيَّاه، وإنما يكون جاعلا له شريكًا بعبادته إذا راءَى بعمله الذي ظاهِرُه أَنَّه للَّهِ، وهو مريدٌ به غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عُمَرُ (٢) بنُ عُبيدٍ، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ (٣): ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. [قال: لا يُرائي بعبادة ربِّه أحدًا] (٤). حدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. قال: لا يُراثى. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن عبد الكريم الجَزريِّ، عن طاوس، قال: جاء رجلٌ، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الجهاد في سبيل الله، وأُحِبُّ أن يُرَى مَوْطِنى ويُرَى مَكانِي. فأنزَل الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ (٥).

стр. 10571

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ ومسلمِ بن خالد الزَّنْجيِّ، عن صَدَقَةَ بن يسارٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ . فذَكَر نحوَه، وزاد فيه: وإنِّي أعملُ العمل وأتصَدَّقُ، وأُحِبُّ أن يرانى (١) الناسُ. وسائر الحديثِ نحوه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى بن يونسَ، عن الأعمشِ، قال: ثنا حمزةُ أبو عُمارة مولى بنى هاشمٍ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ. قال: جاء رجلٌ إلى عُبادةَ بن الصامت، فسأله فقال: أنْبِئْنى عمَّا أسألُك عنه؛ أرأيتَ رَجُلًا يصلِّى يَبْتَغِي وجه الله ويحبُّ أن يُحمَدَ، ويصومُ (٢) يَبتَغِى وجهَ اللَّهِ ويحبُّ أن يُحمَدَ، [ويَتَصَدَّقُ ويَبْتَغِى وجهَ اللَّهِ ويُحِبُّ أَن يُحْمَدَ، ويَحُجُّ ويَبْتَغِى وجهَ اللَّهِ ويُحِبُّ أن يُحْمَدَ] (٣)؟ فقال عُبادةُ: ليس له شيء؛ إن اللَّهَ يقولُ: أَنا خَيْرُ شَرِيكٍ، فمَنْ كان له معى شَريكٌ (٤) فهو له كله، لا حاجةً لى فيه (٥). حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السَّكُونيُّ، قال: ثنا هشام بنُ عَمَّارٍ، قال: ثنا ابن عيَّاشٍ، قال: ثنا عمرو بن قيس الكِنْدِيُّ، أَنَّه سمع معاوية بن أبي سفيانَ [على المنبرِ] (٣) تلا هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا

стр. 10572

وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبية أَحَدًا﴾. وقال: إنَّها آخِرُ آيةٍ أُنزِلت مِنَ القرآن (١). آخِرُ تفسيرِ سورةِ الكهفِ

стр. 10573

تفسيرُ سورةِ مريمَ ﵍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويل قوله تعالى ذكرُه: [﴿كهيعص (١)﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل قولِ اللَّهِ عزَّ ذِكْرُه: كاف من ﴿كهيعص﴾؛ فقال بعضُهم: تأويل ذلك أنَّها حرفٌ من اسمه الذي هو كبيرٌ، دلَّ به عليه، واسْتَغنى بذكره عن ذكرِ باقى الاسم. ذكر من قال ذلك حدثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآيةِ: ﴿كهيعص﴾. قال: كبير (١). يعنى بالكبير: الكاف من ﴿كهيعص﴾. حدثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأَحْوَصِ، عن حصين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبيرٍ مثله (٢). حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان يقولُ: ﴿كهيعص﴾. قال: كافٌ: كَبيرٌ. حدثني أبو السائب، قال: أخبرنا ابن إدريَس، عن حُصَينِ، عن إسماعيلَ بن

стр. 10574

راشدٍ، عن سعيد بن جبير ﴿كهيعص﴾. قال: كاف: كبيرٌ. حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيان، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه (١). [حدثنا عمرو بن عبدِ الحميد، قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيِّبِ بن رافعٍ، عن أبيه في قوله: ﴿كهيعص﴾، قال: اسمٌ من أسماء الله، كاف: كبير] (٢). وقال آخرون: بل الكافُ من ذلك حرفٌ من حروف اسمه الذي هو: كافٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يحيى بن طلحةَ اليربوعيُّ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: كاف: كاف (٣). حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: كاف: كافٍ. حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن الكلبيِّ مثله (٤). وقال آخرون: بل هو حرفٌ من حروف اسمه الذي هو: كريمٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكام، عن عمرٍو، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ:

стр. 10575

﴿كهيعص﴾. قال: كافٌ من كريمٍ (١). وقال الذين فسَّروا ذلك هذا التفسير: الهاء من: ﴿كهيعص﴾ حرفٌ من حروف اسمه الذي هو هادٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصَينٌ (٢)، [عن إسماعيل بن راشدٍ] (٣)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، قال: كان يقولُ في الهاءِ من: ﴿كهيعص﴾: هادٍ (٤). حدثنا أبو حَصِينٍ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن حُصين، عن إسماعيل، عن سعيدٍ مثله. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير نحوه.
следующие страницы →