← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10571–10610 · переход к 10576.

стр. 10571

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ ومسلمِ بن خالد الزَّنْجيِّ، عن صَدَقَةَ بن يسارٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ . فذَكَر نحوَه، وزاد فيه: وإنِّي أعملُ العمل وأتصَدَّقُ، وأُحِبُّ أن يرانى (١) الناسُ. وسائر الحديثِ نحوه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى بن يونسَ، عن الأعمشِ، قال: ثنا حمزةُ أبو عُمارة مولى بنى هاشمٍ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ. قال: جاء رجلٌ إلى عُبادةَ بن الصامت، فسأله فقال: أنْبِئْنى عمَّا أسألُك عنه؛ أرأيتَ رَجُلًا يصلِّى يَبْتَغِي وجه الله ويحبُّ أن يُحمَدَ، ويصومُ (٢) يَبتَغِى وجهَ اللَّهِ ويحبُّ أن يُحمَدَ، [ويَتَصَدَّقُ ويَبْتَغِى وجهَ اللَّهِ ويُحِبُّ أَن يُحْمَدَ، ويَحُجُّ ويَبْتَغِى وجهَ اللَّهِ ويُحِبُّ أن يُحْمَدَ] (٣)؟ فقال عُبادةُ: ليس له شيء؛ إن اللَّهَ يقولُ: أَنا خَيْرُ شَرِيكٍ، فمَنْ كان له معى شَريكٌ (٤) فهو له كله، لا حاجةً لى فيه (٥). حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السَّكُونيُّ، قال: ثنا هشام بنُ عَمَّارٍ، قال: ثنا ابن عيَّاشٍ، قال: ثنا عمرو بن قيس الكِنْدِيُّ، أَنَّه سمع معاوية بن أبي سفيانَ [على المنبرِ] (٣) تلا هذه الآية: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا

стр. 10572

وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبية أَحَدًا﴾. وقال: إنَّها آخِرُ آيةٍ أُنزِلت مِنَ القرآن (١). آخِرُ تفسيرِ سورةِ الكهفِ

стр. 10573

تفسيرُ سورةِ مريمَ ﵍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويل قوله تعالى ذكرُه: [﴿كهيعص (١)﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل قولِ اللَّهِ عزَّ ذِكْرُه: كاف من ﴿كهيعص﴾؛ فقال بعضُهم: تأويل ذلك أنَّها حرفٌ من اسمه الذي هو كبيرٌ، دلَّ به عليه، واسْتَغنى بذكره عن ذكرِ باقى الاسم. ذكر من قال ذلك حدثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآيةِ: ﴿كهيعص﴾. قال: كبير (١). يعنى بالكبير: الكاف من ﴿كهيعص﴾. حدثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأَحْوَصِ، عن حصين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبيرٍ مثله (٢). حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان يقولُ: ﴿كهيعص﴾. قال: كافٌ: كَبيرٌ. حدثني أبو السائب، قال: أخبرنا ابن إدريَس، عن حُصَينِ، عن إسماعيلَ بن

стр. 10574

راشدٍ، عن سعيد بن جبير ﴿كهيعص﴾. قال: كاف: كبيرٌ. حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيان، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه (١). [حدثنا عمرو بن عبدِ الحميد، قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيِّبِ بن رافعٍ، عن أبيه في قوله: ﴿كهيعص﴾، قال: اسمٌ من أسماء الله، كاف: كبير] (٢). وقال آخرون: بل الكافُ من ذلك حرفٌ من حروف اسمه الذي هو: كافٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يحيى بن طلحةَ اليربوعيُّ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: كاف: كاف (٣). حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: كاف: كافٍ. حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن الكلبيِّ مثله (٤). وقال آخرون: بل هو حرفٌ من حروف اسمه الذي هو: كريمٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكام، عن عمرٍو، عن عطاء، عن سعيد بن جبيرٍ:

стр. 10575

﴿كهيعص﴾. قال: كافٌ من كريمٍ (١). وقال الذين فسَّروا ذلك هذا التفسير: الهاء من: ﴿كهيعص﴾ حرفٌ من حروف اسمه الذي هو هادٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصَينٌ (٢)، [عن إسماعيل بن راشدٍ] (٣)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، قال: كان يقولُ في الهاءِ من: ﴿كهيعص﴾: هادٍ (٤). حدثنا أبو حَصِينٍ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن حُصين، عن إسماعيل، عن سعيدٍ مثله. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير نحوه.

стр. 10576

حدثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن إسماعيلَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ مثله (١). حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: ها: هادٍ (٢). [حدثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن رافعٍ، عن أبيه، في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: ها: هادٍ] (٣). حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: ها: هادٍ. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسة، عن الكلبيِّ مثلَه (٤). واختلفوا في تأويل الياء من ذلك؛ فقال بعضُهم: هو حرفٌ من حروف اسمِه الذي هو يمينٌ (٥). ذكرُ مَن قال ذلك حدثني أبو حَصِينٍ، قال: ثنا عَبْر، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ، قال: "يا" من:

стр. 10577

﴿كهيعص﴾. ياءُ: يمين (١). ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن حُصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبيرٍ مثله. حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصَين، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير: ياءُ: يمينٌ. حدثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال حدثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبيه في قوله ﴿كهيعص﴾. قال: ياء: يمين. وقال آخرون: بل هو حرف من حروف اسمه الذي هو حكيمٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: ﴿كهيعص﴾. قال: يا: من حَكيمٍ (٢). وقال آخرون: بل هي حرفٌ من قول القائل: يا مَن يُجيرُ.

стр. 10578

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا إبراهيم بن أبي (١) الضُّرَيْسِ، قال: سمعتُ الربيع بن أنس في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: يا مَنْ يُجيرُ ولا يُجارُ عَليه (٢). واختَلَف مُتأوِّلو ذلك كذلك في معنى العَينِ؛ فقال بعضُهم: هي حرفٌ من حروف اسمه الذي هو عالم. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرو، عن (٣) عطاءٍ، عن سعيدٍ: ﴿كهيعص﴾ قال: عينٌ من عالم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكّام، عن عنبسةَ، عن الكلبى مثله (٤). حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله. حدثنا عمرو، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن العلاء بن المسيَّبِ بن رافع، عن أبيه في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: عين من عالم. وقال آخرون: بل هي حرفٌ من حروف اسمه الذي هو عزيز.

стр. 10579

ذِكرُ مَن قال ذلك حدثني أبو حصين، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيلَ بن راشدٍ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿كهيعص﴾. عينٌ: عزيزٌ (١). حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن حُصينٍ، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله (٢). حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصينٍ، عن إسماعيلَ بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حُصينٍ، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله. حدثني يحيى بن طلحةَ اليَرْبُوعى، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: عينٌ: عزيزٌ (٣). وقال آخرون: بل هي حرف من حروف اسمه الذي هو عَدْلٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رؤقي، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: عينٌ: عَدْلٌ.

стр. 10580

وقال الذين تأوّلوا ذلك هذا التأويلَ: الصادُ من قوله: ﴿كهيعص﴾ حرفٌ من حروف اسمه الذي هو صادقٌ. ذكرُ الرّواية بذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرنا الحصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: كان يقولُ في: ﴿كهيعص﴾. صاد: صادقٌ (١). حدثني أبو حَصِين، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله. حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن حُصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوصِ، [عن حُصَين] (٢)، عن إسماعيل بن راشدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثله. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حُصينٍ، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، قال: أخبرنا أبو رؤق، عن الضحاكِ بن مزاحم، قال: صادٌ: صادقٌ.

стр. 10581

حدثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالم، عن سعيدٍ، قال: صادقٌ، يعنى الصادَ مِن: ﴿كهيعص﴾ (١). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَامٌ (٢)، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيدٍ: ﴿كهيعص﴾. قال: صادٌ: صادقٌ. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عَنْبَسَةُ، عن الكلبي، قال: صادقٌ (٣). [حدثنا عمرو قال: حدثنا مروان بن معاويةَ، عن العلاء بن المسيب بن أبى رافع، عن أبيه في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: صادٌ: صادق] (٤). وقال آخرون: بل هذه الكلمةُ كلُّها اسم مِن أَسماءِ اللَّهِ تعالى. ذكْرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثنى سَلْمُ (٥) بن قُتَيْبَةَ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن عاتِكَةَ، عن فاطمة ابنة عليٍّ قالت: كان عليٌّ يقول: يا ﴿كهيعص﴾ اغْفِرْ لي (٦). حدثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس

стр. 10582

في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: فإنَّه قَسَمٌ أقْسَم الله به، وهو مِن أسماءِ اللَّهِ (١). وقال آخرون: كلُّ حرف من ذلك اسمٌ مِن أَسماءِ اللَّهِ . ذكْرُ مَن قال ذلك حدثني مطرُ بنُ محمدِ الصَّبيُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مَهدِيٍّ، عن عبدِ العزيز بن مسلم القَسْمَليِّ، عن الربيع بن أنس، أنس، عن أبي العاليةِ، قال: ﴿كهيعص﴾ ليس منها حرفٌ إِلَّا وهو اسمٌ. وقال آخرون: هذه الكلمةُ اسم من أسماء القرآن. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿كهيعص﴾. قال: اسم من أسماءِ القرآن (٢). قال أبو جعفرٍ: والقول في ذلك عندَنا نظيرُ القول في ﴿الم﴾، وسائرِ فواتحِ سُورِ القرآن التي افتُتِحَت أوائلها بحروف المعجَم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى قبلُ، فأغنَى عن إعادته في هذا الموضع (٣). القول في تأويل قوله عزّ ذكرُه: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾.

стр. 10583

اختلَف أهل العربية في الرافعِ للذِّكْرِ، والناصب للعَبْدِ؛ فقال بعض نحويِّي البصرةِ في معنى ذلك: كأَنَّه قال: ممَّا نَقُصُّ عليك ذكرُ رحمة ربَّكَ عَبْدَه. وانتصَب العبدُ بالرحمة كما تقولُ: ذِكْرُ ضَرْبِ زيدٍ عَمْرًا. وقال بعضُ نحويي الكوفة: رُفِعَتِ الذِّكرُ بـ ﴿كَهيعص﴾، وإن شِئْتَ أَضْمَرْتَ: هذا ذكرُ رَحْمَةِ رَبِّك. قال: والمعنى: ذِكرُ ربِّك عبده برحمته، تقديم وتأخيرٌ (١). قال أبو جعفرٍ: والقولُ الذي هو الصواب عندي في ذلك أن يُقالَ: الذِّكرُ مرفوعٌ بمضمَرٍ محذوفٍ، وهو "هذا" كما فعل ذلك في غيرها من السُّورِ، وذلك كقول الله عزّ ذكرُه: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]. وقوله: وقوله: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَهَا﴾ [النور: ١]. ونحوِ ذلك. والعبد مَنْصوب بالرَّحْمةِ، وزكريا في موضعِ نصبٍ؛ لأنه بيان عن العَبْدِ. فتأويل الكلام: هذا ذكرُ رحمة ربِّكَ عَبْدَه زكريا. وقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. يقولُ: حين دعا ربه وسأله بنداءٍ خفيٍّ. يعنى: وهو مُسْتَسِرٌّ بدعائه ومسألَته إيَّاه ما سأل؛ كراهة منه للرِّياءِ. كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. أي: سِرًّا، وإن الله يعلمُ القلبَ النَّقيَّ، ويسمعُ الصوت الخفي (٢). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. قال: لا يريدُ رياءً (٣).

стр. 10584

حدثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ، قال: رغِبَ زكريا في الولدِ، فقام فصلى، ثم دعا ربَّه سرًّا، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾ إلى ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (١). وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾. يقول تعالى ذكره: فكان نداؤُه الخفيُّ - الذي نادى به ربَّه - أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾. يعنى بقولِه: ﴿وَهَنَ﴾: ضعُف ورقَّ من الكِبَرِ. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾. أي: ضعف العظمُ منى. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثورى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي﴾. قال: نحل العظمُ (٢). [حدثنا الحسنُ، قال: ثنا] (٣) عبد الرزاق، قال الثوري: وبلغنى أن زكريا كان ابن سبعين سنةً (٤). [وقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾. يقولُ: وانتشر الشيْبُ في الرأْسِ] (٥). وقد اختلف أهلُ العربية في وجهِ النصب في الشَّيْبِ؛ فقال بعضُ نحويي البصرة: نُصب على المصدر من معنى الكلام، كأَنَّه حين قال: ﴿اشْتَعَلَ﴾، قال: شَابَ. فقال: ﴿شَيْبًا﴾ على المصدرِ. قال: وليس هو في معنى: تَفَقَّأْتُ

стр. 10585

شحْمًا، وامتلأتُ ماءً؛ لأن ذلك ليس بمصدرٍ. وقال غيره: نصب الشيب على التفسير. لأنَّه يُقالُ: اشتعَلَ شيب رأسى. واشتعل رأسى شَيْبًا. كما يُقالُ: تَفَقَّأْتُ شحْمًا. وتَفَقَّأَ شحْمِي. وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾. يقولُ: ولم أَشْقَ يا ربِّ بدعائك؛ لأنك لم تُخيِّبْ دعائى قبل إذ كنتُ أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضى حاجتي قِبَلك. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾. يقول: قد كنتَ تُعرِّفُني الإجابة فيما مضى. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾. يقولُ: وإني خِفْتُ بنى عمى وعَصَبَتي ﴿مِنْ وَرَائِي﴾. يقولُ: مِن بعدى أن يَرثونى. وقيل: عنى بقوله: ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ مِن قُدَّامي و (١) بينَ يَدَيَّ وقد بيَّنتُ وجه جوازِ ذلك فيما مضى قبل (٢). وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 10586

أبيه، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. يعنى بالموالى: الكلالة الأولياء؛ أن يَرِثوه، فوهَب الله له يحيى (١). حدثنا يحيى بن داود الواسطيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. قال: العَصَبَةَ (٢). حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. قال: خاف موالىَ الكلالة (٣). حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، بنحوه. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالحٍ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. قال: يعنى الكلالة. حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. قال: [العَصَبَة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٤). حدثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:

стр. 10587

﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾. قال: العَصْبَةُ (١). حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى﴾: والموالى: هنَّ العَصَبَةُ (٢). والموالى: جمعُ مَوْلًى، والمولى والوَلِيُّ في كلام العرب واحدٌ. وقرأت قرأة الأمصار ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾. بمعنى الخوف الذي هو خلافُ الأمنِ. وروى عن عثمان بن عفان أنه قرأه: (وإنَّي خَفَّتِ المَوَاليَ): بتشديدِ الفاءِ وفتح الخاء من الخفَّةِ (٣)، كأنه وجه تأويل الكلام: وإني ذهَبَتْ عَصَبَتى ومَن يَرِثُنى، من بنى أعمامي. وإذا قُرِئ ذلك كذلك؛ كانت الياءُ من "الموالى" مُسَكَّنةً غير متحركةٍ؛ لأنها تكونُ في موضع رفع بـ "خَفَّت". وقوله: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾. يقولُ: وكانت زوجتى لا تَلِدُ. يُقالُ منه: رجلٌ، عاقرٌ، وامرأةٌ عاقرٌ. بلفظِ واحدٍ، كما قال الشاعر (٤): لَبِئْسَ الفتى إن كُنْتُ أَعُورَ عَاقِرًا … جبانًا فما عُذْرِى لَدَى كلِّ مَحضَرِ وقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾. يقولُ: فارْزُقْنى مِن عندك ولدًا وارثًا ومُعينًا. وقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. يقولُ: يَرِثُنى مِن بعدِ وفاتي ماليَ،

стр. 10588

ويَرِثُ من آل يعقوب النبوَّةَ، وذلك أن زكريا كان من ولدِ يعقوبَ. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن إسماعيل، عن أبي صالح قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. يقولُ: يَرِثُ مالى، ويَرِثُ مِن آلِ يعقوبَ النبوَّةَ (١). حدثنا مجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيلُ، عن أبي صالح في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: يَرِثُ مالى، ويَرِثُ من آلِ يعقوبَ النبوَّةَ. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: يَرِثُنى مالى، ويَرِثُ من آلِ يعقوبَ النبوَّة (٢). حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:

стр. 10589

﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: وكان [وراثته علما] (١)، وكان زكريَّا من ذرية يعقوبَ (٢). [حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان وراثته (٣) علمًا، وكان زكريَّا من ذرية يعقوبَ] (٤). حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: [نبوَّتَه وعلمَه] (٥) (٦). حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: قال رسول الله ﷺ : "رحِم الله أخى زكريَّا، ما كان عليه مِنْ وَرَثَةِ ماله حين يقولُ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ " (٧). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ: يَرثُ نبوّتَه وعلمَه، قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآيةَ، وأتى على: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.

стр. 10590

قال: "رحِم الله زكريا ما كان عليه من وَرَثَتِه". حدثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، أن النبي ﷺ ، قال: "يَرْحَمُ اللهُ زَكريا، وما كان عليه مِن وَرَثَتِهِ، ويَرْحَمُ الله لوطًا؛ إن كان لَيَأْوِى إِلى رُكْنٍ شديدٍ" (١). حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال يَرِثُ نبوَّتى ونبوَّةَ آلِ يعقوبَ (٢). واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿ويَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾؛ فقرَأت ذلك عامة قرأة المدينة ومكةَ، وجماعةٌ من أهل الكوفة: ﴿يرثني وَيَرِثُ﴾، برفع الحرفين كليهما (٣)، بمعنى: فهب ليَ الذي يَرِثُنَى وَيَرِثُ من آلِ يعقوبَ، وعلى أَنَّ ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ من صلة (٤) الوليِّ. وقرَأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة والبصرة: (يَرِثْنى ويَرِثُ). بجزمِ الحرفين على الجزاء والشرط (٥)، بمعنى: فَهبْ لي من لدنك وليًّا؛ فإنه يَرِثُنى إذا وهبْتَه لي. وقال الذين قرءوا ذلك كذلك: إنما حسن ذلك في هذا الموضع؛ لأن ﴿يَرِثُنِي﴾ مِن آية غير التي قبلَها. قالوا: وإنما يحسُن أن يكون مثل هذا صلةً؛ إذا كان غير منقطعٍ عما هو له صلةٌ، كقوله ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤]. قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين في ذلك عندى بالصواب (٦) قراءة من قرَأه برفعِ

стр. 10591

الحرفين على الصلة للوليِّ؛ لأنّ الوليَّ نِكرةٌ، وأن زكريَّا إنما سأل ربه أن يَهَبُ له وليًّا يكون بهذه الصفة، كما روى عن رسول الله ﷺ ، لا أنه سأله وليًّا، ثم أخبر أنه إذا وهِب له ذلك كانت هذه صفته؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريَّا دخولًا في علم الغيب الذي قد حجبه الله عن خلقه. وقوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. يقولُ: واجعَلْ يا ربِّ الوليَّ الذي تهَبه لي مرضِيًّا ترضاه أنت، ويرضاه عبادُك دينًا وخُلُقًا وخَلْقًا. والرَّضِيُّ "فَعِيلٌ" صُرِف مِن "مفعولٍ" إليه. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾. يقول تعالى ذكره: فاستجاب له ربُّه، فقال له: يا زكريا إنا نُبَشِّرُك بهبتِنا لك غلامًا اسمه كان قتادةُ يقولُ: إنما سمَّاه الله يحيى لإحيائه إيَّاه بالإيمان. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾. عبدًا (١) أحياه الله بالإيمانِ (٢). وقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لم تلد مثله عاقرٌ قطُّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس

стр. 10592

قوله ليحيى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. يقولُ: لم تلدِ العواقرُ مثله ولدًا (١). وقال آخرون: بل معناه: لم نجعَلْ له من قبله مِثْلًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنى أبو الربيع، قال: ثنا سلمُ (٢) بن قتيبة، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكمِ، عن مجاهد في قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. [قال: شِبْهًا] (٣). حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قوله قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. قال: مِثْلًا (٤). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. وقال آخرون: معنى ذلك، أنه لم يُسَمَّ باسمه أحدٌ قبلَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ

стр. 10593

مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾. لم يُسَمَّ به أحدٌ قبله. حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾. قال: لم يُسَمَّ يحيى أحدٌ قبله (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيج مثلَه (٢). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾. قال: لم يُسَمَّ أحدٌ قبله بهذا الاسم (٣). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: إِن اللَّهَ يُبشِّرُك بغُلام اسمه يحيى ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾. لم يُسمَّ أحدٌ قبله يحيى (٤). قال أبو جعفر: وهذا القولُ -أعنى قول من قال: لم يكن ليحيى، قبل يحيى، أحدٌ سُمّى باسمه- أشبه بتأويل ذلك، وإنما معنى الكلام: لم نجعل للغلام الذى نَهَبُ لك، الذى اسمه يحيى، من قبله أحدًا مُسمّى باسمه. والسَّمِيُّ. "فعيلٌ" صُرِف مِن "مفعول" إليه. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾. يقول تعالى ذكره: قال زكريا لمَّا بشَّره الله بيحيى: ربِّ أَنَّى يكونُ

стр. 10594

لي غُلامٌ، ومن أيِّ وجهٍ يكون لي ذلك، وامرأتى عاقرٌ لا تَحبَلُ، وقد ضعُفْتُ من الكِبَرِ عن مباضعةِ النساءِ؟! أبأن تُقَوِّيَنى على ما ضعُفْتُ عنه مِن ذلك، وتجعلَ زوجتى ولودًا -فإنك القادرُ على ذلك، وعلى ما تشاءُ- أم بأن أنكِحَ زوجةً غيرَ زوجتى العاقرِ؟ يَسْتَثْبِتُ ربَّهُ الخبرَ عن الوجه الذى يكونُ من قِبَلِه له الولد الذى بشَّره الله به، لا إنكارًا منه ﷺ حقيقةَ كون ما وعده الله من الولدِ، وكيف يكون ذلك منه إنكارًا لأنْ يَرْزقَه الولد الذى بشَّره به، وهو المُبتدِئُ مسئلةَ ربِّه ذلك بقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. بعد قوله: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؟! وقال السدىُّ في ذلك ما حدَّثنى موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: نادى جبريل زكريا: إِنَّ اللهَ يُبشِّرُك بغلام اسمه يحيى لم يَجعَلْ (١) له مِن قبل سميًّا. فلما سمِع النداءَ جاءَه الشيطان فقال: يا زكريا، إن الصوت الذى سمِعتَ ليس من الله؛ إنما هو من الشيطانِ يَسْخَرُ بك، ولو كان مِن اللهِ أوحاه إليك كما يُوحى إليك غيره من الأمر. فشك مكانه (٢) وقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾. يقولُ: من أين يكون ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ﴾ (٣) [آل عمران: ٤٠]؟! وقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. يقولُ: وقد عَتَوتُ مِن الكِبَرِ فصرتُ نَحِلَ العظامِ يابسَها. يقالُ. منه للعودِ اليابس: عودٌ عاتٍ وعاسٍ. وقد عتَا يَعْتُو عِتِيًّا وعُتُوًّا، وعَسَى

стр. 10595

يَعْسُو عُِسِيًّا وعُسُوًّا، وكلُّ متناهٍ إلى غايته في كِبْرٍ أو فسادٍ أو كفرٍ، فهو عاتٍ وعاسٍ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، قال: قد علمتُ السُّنَّةَ كلَّها، غيرَ أنى لا أدرى أكان رسولُ اللهِ ﷺ يَقرأُ في الظهر والعصر أم لا؟ ولا أدرى كيف كان يقرأُ هذا الحرفَ: (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُتِيًّا) (١)، أو (عُسِيًّا) (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. قال: يعنى بالعِتيِّ الكِبَرَ (٣). حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿عِتِيًّا﴾. قال: نُحولُ العَظْمِ (٤).

стр. 10596

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. قال: سنًّا، وكان ابن بضعٍ وسبعينَ سنةً (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. قال: العِتيُّ: الذي قد عتا عن الولد فيما يَرَى في نفسِه لا يُولَدُ له (٢). حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. قال: هو الكِبَرُ. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾. يقول تعالى ذكره: قال الله لزكريا مجيبًا له: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾. يقولُ: هكذا الأمر كما تقولُ من أنّ امرأتك عاقرٌ، وأنك قد بلغت من الكِبَرِ العتيَّ، ولكنَّ ربَّك يقولُ: خلق ما بشَّرتُك به من الغلام الذى ذكرتُ لك أن اسمَه يحيى عليَّ

стр. 10597

هينٌ. فهو إذن من قوله: ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَى هَيِّنٌ﴾. كناية عن الخلقِ. وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: وليس خلْقُ ما وعَدتُك أن أَهَبَه لك من الغلام الذى ذكرتُ لك أمره منك مع كِبَرِ سنِّك، وعُقم زوجتك بأعجبَ مِن خَلْقِيك (١)، فإني قد خلَقتُك، فأَنشَأْتُك بشرًا سويًّا مِن قبل خَلْقى ما بشَّرتُك بأنى واهبُه لك من الولدِ، ولم تك شيئًا، فكذلك أَخْلُقُ لك الولد الذى بشَّرتُك به من زوجتك العاقر، مع عِتِيِّك ووهَنِ عظامِك، واشتعال شيب رأسك. وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي ءَايَةً﴾. يقول تعالى ذكره: قال زكريا: يا ربِّ اجعل لي عَلَمًا ودليلا على ما بشَّرتْنى به ملائكتك من هذا الغلامِ، عن أمرِك ورسالتك، وليطمئنَّ إلى ذلك قلبي. كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً﴾. قال: قال: ربِّ اجعل لي آيةً أنَّ هذا منك. حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: قال: ربِّ، فإن كان هذا الصوتُ منك فاجعَل لي آية، قال الله: ﴿آيَتُكَ﴾ لذلك: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (٢). [وقوله: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾] (٣). يقول جل ثناؤُه: علامتك لذلك، ودليلُك عليه أن لا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَ ليال

стр. 10598

وأنت سوىٌّ صحيحٌ، لا علة بك من خَرَسٍ ولا مَرَضٍ يمنعك من الكلام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا حكَّام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، عن ابنِ عباس: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. قال: اعتُقِل لسانه من غير مرض (١). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. يقولُ: مِن غَيرِ خَرَسٍ (٢). حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالِ سَوِيًّا﴾. قال: لا يمنعك من الكلام مرضٌ (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. قال: صحيحًا لا يمنعك من الكلام مرضٌ (٤). حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾: من غير بأس ولا خَرَسٍ، إنما عُوقب بذلك؛ لأنَّه (٥)

стр. 10599

سأَل آيةً بعدما شافَهته الملائكة بذلك (١) مشافهةً، أُخِذ بلسانه حتى ما (٢) يُطيقَ (٣) الكلامَ، إلَّا ما (٤) أومأ إيماءً (٥). حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة في قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. قال: سويًّا من غير خرس (٦). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾: وأنت صحيح. قال: فحُبِس لسانه، فكان لا يستطيع أن يُكلِّم أحدًا، وهو في ذلك يُسَبِّحُ، ويَقرَأُ التوراة ويقرَأُ الإنجيلَ، فإذا أراد كلام الناس لم يَستَطِعْ أن يُكَلِّمهم (٧). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابن منَبِّهٍ اليمانيِّ، قال: أخذ الله بلسانه من غيرِ سوءٍ، فجعل لا يُطِيقُ الكلام، وإنما كلامُه قومَه بالإشارة، حتى مضت الثلاثةُ الأيامُ، التي جعلها اللهُ آيَةً لمِصْداقِ ما وعده من هبته له. حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. يقولُ: مِن غيرِ خَرَسٍ، إلا

стр. 10600

رمزًا، فاعتُقِل لسانُه ثلاثة أيام وثلاث ليال (١). وقال آخرون: السوىُّ من صفة الأيام. قالوا: ومعنى الكلام: قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال متتابعاتٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالِ سَوِيًّا﴾. قال: ثلاث ليالٍ متتابعاتٍ (٢). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فخرج زكريا على قومِه مِن مُصلَّاه حينَ حُبِس لسانه عن كلام الناسِ؛ آيةً من الله له على حقيقة وعدِه إياه ما وعَد. فكان ابن جريج يقولُ في معنى خروجه من محرابه، ما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾. قال: أشرف على قومه من المحرابِ. قال أبو جعفر: وقد بيّنا معنى المحراب فيما مضَى قبل بما أَغنَى عن إعادته في هذا الموضع (٣). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَخَرَجَ

стр. 10601

عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾. قال: المحرابُ مُصلَّاه. وقرَأ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ (١) [آل عمران: ٣٩]. وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِم﴾. يقولُ: أشار إليهم. وقد تكون تلك الإشارة باليدِ وبالكتاب وبغير ذلك مما يُفهَمُ به عنه ما يريدُ، وللعرب في ذلك لغتان: وحَى، وأَوحَى؛ فمَن قال: وحَى. قال في "يفعَلُ": يَحِى. ومَن قال: أَوْحَى. قال: يُوحِى. وكذلك أَوْمَى ووَمَى؛ فمَن قال: ومَى. قال في "يفعَلُ": يَمِى. ومَن قال: أَوْمَى. قال: يُومِى. واختلف أهل التأويل في المعنى الذى به (٢) أَوحَى إلى قومه؛ فقال بعضُهم: أَوحَى إليهم إشارةً باليدِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَأَوْحَى﴾: فأشار زكريا (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهد مثلَه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهب

стр. 10602

ابنِ منبهٍ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾. قال: الوحى: الإشارةُ (١). حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهمْ﴾. قال: أَومَى إليهم (٢). وقال آخرون: معنى أَوحَى: كتَب. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمود بن خداش، قال: ثنا عبّادُ بنُ العوّامِ، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال: كتب لهم في الأرضِ (٣). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكمِ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾. قال: كتَب لهم (٤). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾، فكتَب لهم في كتاب: ﴿أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. وذلك قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ (٥). وقال آخرون: معنى ذلك: أمرهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿فَأَوْحَى

стр. 10603

إلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال: ما ندرِى (١)، كتابا كتبه لهم، أو إشارةً أشارها! والله أعلم. قال: أمرهم أن سَبِّحوا بكرةً وعشيًّا، وهو لا يكلمهم. وقوله: ﴿أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قد بيَّنتُ فيما مضى الوجوهَ التي ينصرفُ فيها التسبيحُ (٢)، وقد يجوز في هذا الموضع أن يكون عنى به التسبيح الذي هو ذكرُ اللهِ، فيكونَ أمَرهم بالفراغ لذكر الله في طرَفَي النهارِ بالتسبيحِ، ويجوز أن يكونَ عَنَى به الصلاةَ، فيكون أمَرهم بالصلاة في هذين الوقتين. وكان قتادة يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ عن قتادة في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال: أومَى إليهم أن صلُّوا بُكرة وعشيًّا (٣). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾. يقول تعالى ذكره: فوُلِد لزكريا يحيى. فلما وُلِد قال الله له: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. يعنى كتابَ اللهِ الذى أنزله على موسى وهو التوراة، ﴿بِقُوَّةٍ﴾. يقولُ: بجِدٍّ. كما حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، في قوله: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. قال: بجدٍّ (٤). حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

стр. 10604

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. قال: بجدٍّ (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله. وقال ابن زيد في ذلك ما حدَّثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (٢): أن يعمل بما أمره الله، ويُجانِبَ فيه ما نهاه الله. قال أبو جعفرٍ ﵀: وقد بيَّنتُ معنى ذلك بشواهده فيما مضى من كتابِنا هذا في سورةِ "آل عمران"، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (٣). وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهمَ بكتابِ الله في حال صباه، قبل بلوغِه أسنانَ الرجالِ. وقد حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا عبد الله بن المباركِ، قال: أخبرني معمر، ولم يذكره عن أحدٍ في هذه الآية: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾. قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهَبْ بنا نلعب. فقال: ما للَّعب خُلِقتُ. فأنزل الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٤).

стр. 10605

وقولُه: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾. يقول تعالى ذكره: ورحمة منا به ومحبةً له؛ آتيناه الحكمَ صبيًّا. وقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنانِ؛ فقال بعضُهم: معناه: الرحمة. ووَجَّهوا الكلامَ إلى نحو المعنى الذى وجَّهناه إليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاوية، عن علىٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَحَنَانًا مِن لَّدُنَّا﴾ يقولُ: ورحمةً مِن عندنا (١). حدَّثنا محمد بن المثنّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماكٍ، عن عكرمة، في هذه الآية: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَدُنَّا﴾. قال: رحمةً (٢). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَدُنَّا﴾. قال: رحمةً مِن عندِنا (٣): حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَا﴾. قال: رحمةً مِن عندنا، لا يملكُ عطاءَها أحدٌ غيرُنا (٤). حُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ

стр. 10606

سليمانَ، قال: سمعت الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. يقولُ: رحمةً من عندنا، لا يقدِرُ على أن يعطيَها أحدٌ غيرُنا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ورحمةً من عندنا لزكريا؛ آتيناه الحكم صبيًّا، وفعلنا به الذي فعلنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قولَه: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. يقولُ: ورحمةً من عندنا [رحِم الله بها زكريا] (١) (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطفًا من عندنا عليه؛ فعلنا ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. قال: تعطُّفًا من ربِّه عليه (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. وقال آخرون: بل معنى الحنان المحبة. ووجهوا معنى الكلام إلى: ومحبةً من عندنا عليه (٤) فعلنا ذلك.

стр. 10607

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكام، عن عنبسةَ، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. قال: محبةً عليه (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَحَنَانًا﴾. قال: أما الحنان فالمحبة (٢). وقال آخرون: معناه: تعظيمًا منَّا له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تُميْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عطاء بن أبي رباح: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. . قال: تعظيمًا مِن لدُنَّا (٣). وقد ذُكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا أدرى ما الحنانُ. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لا (٤) والله ما أدرى ما حنانًا (٥).

стр. 10608

[حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: سألتُ سعيد بن جبير عن قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. قال: سألتُ عنها ابن عباسٍ فلم يُحِرْ فيه شيئًا] (١). وللعرب في "حَنَانَك" لغتانِ؛ تقولُ: حَنَانَك يا ربَّنا، وحنانيك. كما قال طَرَفَةُ بنُ العبد في "حنانيكِ" (٢): أبا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنا … حَنانَيْكَ بعضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِن بعضِ وقال امرؤ القيس في اللغة الأخرى (٣): ويَمْنَحُها بَنُو شَمَجَى بْنِ جَرْمِ … مَعِيزَهُمُ! حنانَكَ ذَا الحَنانِ وقد اختلف أهلُ العربية في "حنانيك"؛ فقال بعضُهم: هو تثنية "حنانٍ". وقال آخرون: بل هي لغةٌ، وليست بتثنيةٍ؛ قالوا: [وذلك كقولهم] (٤): حَوَالَيك. وكما قال الشاعرُ (٥): ضَرْبًا هَذَاذَيْكَ (٦) وطَعْنًا وَخْضًا (٧) وقد سوَّى بين جميعِ ذلك الذين قالوا: حنانيك تثنيةٌ. في أن كل ذلك تثنية. وأصل ذلك، أعنى الحنانَ، مِن قول القائل: حنَّ فلانٌ إلى كذا. وذلك إذا ارتاح إليه

стр. 10609

واشتاق، ثم يقالُ: تحنَّنَ فلانٌ على فلانٍ. إذا وُصِف بالتعطُّفِ عليه والرقة به والرحمة له، كما قال الشاعر (١): تحَنَّنْ علَيَّ هَدَاكَ المَلِيكُ … فإِنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالا بمعنى: تعطَّف عليَّ. فالحنانُ مصدرٌ من قول القائل: حنَّ فلانٌ على فلانٍ. يقال منه: حنَنْتُ عليه، فأنا أحِنُّ عليه حنينا وحنانًا، ومن ذلك قيل لزوجة الرجلِ: حَنَّتُه. لتَحَنُّنِه عليها وتعطُّفِه، كما قال الراجز (٢): ولَيْلَةٍ ذَاتِ دُجًى سَرَيْتُ ولَمْ تَضِرْنِي حَنَّةٌ وَبَيْتُ وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾. يقول تعالى ذكرُه: وآتَيْنا يحيى الحكم صبيًّا، ﴿وَزَكَاةً﴾. وهو الطهارة من الذنوبِ، واستعمالُ بدنه في طاعة ربِّه، فالزكاةُ عطفٌ على الحكم من قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾. قال: الزكاةُ: العمل الصالح (٣).

стр. 10610

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَزَكَاةً﴾. قال: العمل الصالح الزكيُّ (١). حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾. يعنى: العمل الصالح الزاكي (٢). وقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾. يقول تعالى ذكره: وكان لله خائفًا، مؤديًا فرائضَه، مجتنبًا محارمه، مسارعًا في طاعتِه. كما حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾. قال: طهُرَ فلم يعمَلْ بذنبٍ (٣). حدَّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَزَكَاةً وكان تَقِيًّا﴾. قال: أمَّا الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناسُ. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾. يقول تعالى ذكره: وكان برًّا بوالديه، مسارعًا في طاعتهما ومحبتهما، غيرَ عاقٍّ بهما، ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾. يقول جل ثناؤُه: ولم يكُنْ مستكبرًا عن طاعةِ ربِّه وطاعة والديه، [ولكنه كان لله ولوالديه] (٤) متواضعًا متذلِّلًا، يأتمر لما أُمِر
следующие страницы →