← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10711–10750 · переход к 10716.

стр. 10711

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: لَبِث جبريلُ عن محمدٍ اثْنَتَى عشْرةَ ليلةً، ويقولون: قُلِىَ (١). فلمَّا جاءه قال: "أي جبريلُ، لقد رِثْتَ عَليَّ؛ حتى (٢) ظنَّ المشرِكُون كُلَّ ظَنٍّ". فنزَلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾: جبريلُ (٤) احتَبَسَ عن نبيِّ اللهِ ﷺ حتى تكلَّم في ذلك المشركون، واشْتَدَّ ذلك على نبى اللهِ ﷺ فأتاه جبريلُ، فقال: اشْتَدَّ عليك احْتِبَاسُنا عنك، وتَكلَّم في ذلك المشركون، وإنما أنا عبدُ اللهِ ورسولُه، إذا أمرَنى بأمرٍ أطعْتُه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: بقولِ ربِّك (٥). [حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: استَبطأ النبيُّ جبريلَ، فقال: "ما حَبَسَك"؟. فقال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبَّكَ﴾] (٦) (٧). ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: من الدُّنيا، وبقولِه:

стр. 10712

﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾، الآخِرَةِ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: النَّفْخَتَين. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾. يعنى: الدُّنيا، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الآخرةَ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: بينَ (١) النَّفخَتَين (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: من الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من أمْرِ (٣) الآخرةِ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ النَّفْخَتَين (٤). وقال آخرون: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: الآخرة، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الدُّنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ الدنيا والآخِرةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: الآخرةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من الدُّنيا (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: مِن أَمْرِ الآخرةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: مِن أمْرِ الدُّنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما

стр. 10713

بينَ الدُّنيا والآخرةِ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾. [يقولُ: ما بينَ أيدينا] (١) من الآخرةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من الدنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ النَّفْخَتَين (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: مِن الآخِرَةِ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: من الدُّنيا (٣). وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾. قال: ما مضَى أمامَنا من الدُّنيا. ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: ما يكونُ بعدَنا من الدنيا والآخِرةِ. ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾. قال: ما بينَ ما مضَى أمامَهم، وبينَ ما يكونُ بعدَهم. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يتأوَّلُ ذلك: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: قبلَ أن نُخْلَقَ، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: بعدَ الفناءِ، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: حينَ كُنَّا. وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قولُ مَن قال: معناه: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: مِن أمرِ الآخِرةِ؛ لأنَّ ذلك لم يَجِئْ وهو جاءٍ، فهو بينَ أيْدِيهم، [وأنَّ] (٤) الأغلبَ في استعمالِ الناسِ إذا قالوا: هذا الأمْرُ بينَ يَدَيْكَ. أنَّهم يعنون به ما لم يجِئْ وأنَّه جاءٍ، فلذلك قلنا: ذلك أولى بالصَّوابِ. ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: مِن أمرِ الدُّنيا،

стр. 10714

وذلك ما قد خَلَّفوه فمضَى، فصار خَلْفَهم بتَخْلِيفِهم إيَّاه. وكذلك تقولُ العربُ لِما قد جاوَزَه المرءُ وخَلَّفَه خلْفَه (١): هو خَلْفَه ووَراءَه. ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بينَ ما لم يمضِ مِن أمرِ الدُّنيا إلى الآخِرةِ؛ لأنَّ ذلك هو الذي بينَ ذَيْنِك الوَقتَين. وإنما قُلنا: ذلك أولى التأويلاتِ به؛ لأنَّ ذلك هو الظاهرُ الأغلبُ، وإنما يُحمَلُ تأويلُ القرآنِ على الأغلبِ من معانِيه، ما لم يَمنَعْ من ذلك ما يجبُ التسليمُ له. فتأويلُ الكلامِ إذنْ: فلا تَسْتَبطِئْنا يا محمدُ في تَخَلُّفِنا عنك، فإِنَّا (٢) لا نَتَنَزَّلُ من السماءِ إلى الأرضِ إلا بأمْرِ ربِّك لنا بالنُّزولِ إليها، للهِ ما هو حادثٌ مِنْ أمورِ الآخرةِ التي لم تأتِ وهى آتيةٌ، وما قد مضَى فخَلَّفْناه مِن أمرِ الدُّنيا، وما بينَ وقْتِنا هذا إلى قيامِ الساعةِ، بيدِه ذلك كلُّه، وهو مالكُه ومصرِّفُه، لا يملكُ ذلك غيرُه، فليس لنا أن نُحْدِثَ في سُلْطانِه أمرًا إلا بأمْرِه إيَّانا بهِ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. يقولُ: ولم يكنْ ربُّك ذا نِسْيانٍ، فيتأخَّرَ نُزولى إليكَ بنِسيانِه إيَّاك، بل هو الذي لا يَعْزُبُ عنه شيءٌ في السماءِ ولا في الأرضِ، ولكنّه أعلمُ بما يُدبِّرُ ويقْضِى في خلْقِه جلَّ ثناؤُه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. قال: ما نَسِيَكَ ربُّكَ (٣).

стр. 10715

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه: لم يكنْ ربُّك يا محمدُ ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما نَسِيًّا؛ لأنَّه لو كان نَسِيًّا لم يَسْتَقِمْ ذلك، ولَهلَك لولا حِفْظُه إيَّاه. فالربُّ مرفوعٌ ردًّا على قولِه (١): ﴿رَبُّكَ﴾. وقولُه: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾. يقولُ: فالزمْ طاعتَه، وذِلَّ لأمْرِه ونَهْيِه، ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾. يقولُ: واصبِرْ نَفْسَك على النفوذِ لأمْرِه ونَهْيِه، والعملِ بطاعتِه، تَفُزْ برضاه عنك، فإنَّه الإلهُ الذي لا مِثْلَ له ولا عِدْلَ ولا شبيهَ في جودِه وكَرَمِه وفَضْلِه. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. يقولُ: هل تعلمُ يا محمدُ لربِّك هذا الذي أمَرْناك بعبادَتِه، والصَّبرِ على طاعتِه مِثْلًا في كَرَمِه وجُودِه، فتعبدَه رجاءً فَضْلِه وطَوْلِه دونَه؟ كَلَّا، ما ذلك بموجودٍ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. يقولُ: هل تعلمُ للربِّ مِثْلًا أو (٢) شَبَهًا (٣). حدَّثني سعيدُ بنُ عثمانَ التَّنوخِيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ مَهدِيٍّ، عن عبَّادِ بن

стр. 10716

عوَّامٍ، عن شُعبةَ، عن الحسنِ بن (١) عُمارةَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. قال: شَبَهًا. حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. قال: هل تعلمُ له شبهًا، هل تعلمُ له مِثْلًا (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: لا سَمِيَّ للهِ ولا عَدْلَ له، كلُّ خَلْقِه [يُقِرُّ له] (٣)، ويعرِفُ (٤) أنَّه خالِقُه، ويعرفُ ذلك. ثم يقرَأُ هذه الآيةَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. يقولُ: لا شريكَ له ولا مِثْلَ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويقولُ الإنسانُ الكافرُ الذي لا يصدِّقُ بالبعثِ بعدَ الموتِ: أُخْرَجُ حَيًّا فأُبْعثُ بعدَ المماتِ وبعدَ البِلَى والفناءِ! إنكارًا منه ذلك، يقولُ اللَّهُ تعالى ذِكرُه: أوَ لا يَذْكُرُ الإنسانُ المتعجِّبُ من ذلك، المنكِرُ قدرةَ اللَّهِ على إحْيائِه بعدَ فَنائِه وإيجادِه بعدَ عَدَمِه في خلقِ نفْسِه، أن الله خلَقه من قبلِ مماتِه، فأنْشَأَه بَشَرًا سَوِيًّا من

стр. 10717

غيرِ شيءٍ، ولم يكنْ من قبلِ إنْشَائِه إيَّاه ﴿شَيْئًا﴾ فيَعْتَبِرَ بذلك ويَعْلَمَ أن مَن أنْشَأَه مِن غيرِ شيءٍ لا يَعْجِرُ عن إحيائِه بعدَ مماتِه وإيجادِه بعدَ فنائِه. وقد اختلَف القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾. بتخفيفِ الذالِ (١). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ والحجازِ: (أوَلا يَذَّكَّرُ الإِنسانُ). بتشديدِ الذالِ والكافِ (٢)، بمعنى: أو لا يتذكَّرُ. والتَّشديدُ أعجبُ إليَّ وإن كانت الأخرى جائزةً؛ لأن معنى ذلك: أوَ لا يتفكَّرُ فيعْتَبِرَ؟ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ : فوربِّك يا محمدُ لنَحشُرَنَّ هؤلاءِ القائلين: أئذا مِتْنا لَسوف نُخرَجُ أحياءً يومَ القيامةِ من قبورِهم، مُقَرَّنين بأوليائِهم من الشياطينِ، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ والجثِيُّ جمعُ الجاثى. كما حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾. يعني: القعودَ، وهو مثلُ قولِه: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ (٣) [الجاثية: ٢٨]. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾.

стр. 10718

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لنأخُذنَّ من كلِّ جماعةٍ منهم أشدَّهم على اللَّهِ عُتُوًّا، وتمرُّدًا، فَلَنَبْدأَنَّ بهم. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليّ بن الأقْمَرِ، عن أبي الأحوصِ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. قال: نبدأُ بالأكابرِ فالأكابرِ جُرْمًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. يقولُ: أيُّهم (٢) أشدُّ للرحمنِ (٣) معصيةً، وهى معصيتُه (٤) في الشِّركِ (٥). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. يقولُ: عِصِيًّا (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 10719

قولَه: ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾. قال أمةٍ. وقولَه: ﴿عِتِيًّا﴾. قال: كُفرًا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وزادَ فيه: قال ابن جريجٍ: فلَتَبْدَأَنَّ بهم (٢). والشِّيعَةُ هم الجماعةُ المُتعاونون على الأمرِ مِن الأمورِ، يقالُ مِن ذلك: تَشايعَ القومُ. إذا تَعاونوا، ومنه قولُهم للرجلِ الشجاعِ: إنه لمُشَيَّعٌ. أي: هو (٣) مُعانٌ. فمعنى الكلامِ: ثم لَنَنْزِعَنَّ مِن كلِّ جماعةٍ تَشايعت على الكفرِ باللهِ، أشدَّهم على اللَّهِ عُتُوًّا، فَلَنَبْدَأنَّ بإصْلائِه جهنمَ. والتَّشايُعُ في غيرِ هذا الموضعِ التفرُّقُ، ومنه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾. [الأنعام: ١٥٩، والروم: ٣٢] يعنى بها (٤) فِرَقًا. ومنه قولُ ابن مسعودٍ أو سعدٍ (٥): إنى أكرَهُ أن آتىَ رسولَ اللَّهِ ﷺ فيقولَ: شَيَّعْتَ بينَ أمتى. بمعنى: فَرَّقْتَ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لنحن أعلمُ من هؤلاء الذين نَنْزِعُهم مِن كلِّ شيعةٍ أَوْلَاهم بشِدَّةِ العذابِ، وأَحَقَّهم بعظيمِ العقوبةِ. وذُكِر عن ابن جريجٍ أنه كان يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى

стр. 10720

بِهَا صِلِيًّا﴾. قال: أَوْلَى بالخلودِ في جهنمَ (١). وهذا الذي قاله ابن جريجٍ قولٌ لا معنَى له؛ لأن الله تعالى ذكرُه أخبَر أن الذين ينزعُهم مِن كلِّ شيعةٍ مِن الكَفَرَةِ أشدُّهم كفرًا، ولا شكَّ أنه لا كافرَ باللهِ إلا مُخَلَّدٌ في النارِ، فلا وَجْهَ، وجميعُهم مُخَلَّدون في جهنمَ، لأن يقالَ: ثم لنحن أعلمُ بالذين هم (٢) أحقُّ بالخلودِ مِن هؤلاء المُخَلَّدين. ولكن المعنى في ذلك ما ذكرنا. وقد يحتمِلُ أن يكونَ معناه: ثم لنحن أعلمُ بالذين هم أَوْلَى ببعضِ طبقاتِ جهنمَ صِلِيًّا. "والصِّلِيُّ" مصدرُ: صَلَيْتَ تَصْلِى صِلِيًّا. و"الصَّلِيُّ" فعولٌ، ولكنَّ واوَها انقلبَت ياءً فاندَغمت (٣) في الياءِ التي بعدَها التي هي لامُ الفعلِ، فصارت ياءً مشدَّدَةً. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن منكم أيُّها الناسُ إلا واردٌ جهنمَ، كان على ربِّك يا محمدُ، إيرادُهموها قضاءً مَقْضِيًّا، قد قَضَى ذلك وأوْجَبَه في أمِّ الكتابِ. واختلَفَ أهل العلمِ في معنى "الورودِ" الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الدخولُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن

стр. 10721

عمرِو بن دينارٍ، قال: أخبرَنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ يُخاصِمُ نافعَ بنَ الأزرقِ، قال: فقال ابن عباسٍ: الوُرُودُ الدُّخُولُ. وقال نافعٌ: لا. قال: فقرَأ ابن عباسٍ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. أَوُرُودٌ هو أم لا؟ وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]. أوُرُودٌ هو أم لا؟ أمَّا أنا وأنت فسندخُلُها، فانظُرْ هل نخرُجُ منها أم لا؟ وما أرى اللَّهَ مُخْرِجَك منها بتَكْذيبِك. قال: فضَحِكَ نافعٌ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ بن أبى رباحٍ، قال: قال أبو راشدٍ الحَرُوريُّ: ذكَروا هذا، فقال الحَرُوريُّ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾. [الأنبياء: ١٠٢]. قال ابن عباسٍ: وَيْلَك أمجنونٌ (٢) أنت؟ أين قولُه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾؟ [وقولُه] (٣): ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾؟ قال (٤): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ واللهِ؛ إن كان دعاءُ مَن مَضَى: اللهمَّ أخرِجْنى مِن النارِ سالمًا، وأدخِلْنى الجنةَ غانمًا (٥). قال ابن جريجٍ: يقولُ (٦): الورودُ الذي ذكَره اللَّهُ في القرآنِ الدُّخولُ، لَيَرِدَنَّها

стр. 10722

كلُّ بَرٍّ وفاجرٍ، في القرآنِ أربعةُ أورادٍ: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: يعنى البَرَّ والفاجرَ، ألم تسمَعْ إلى قولِ اللَّهِ لفرعونَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾؟ قال: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، فسَمَّى الوِرْدَ (١) في النارِ دُخُولًا، وليس بصادرٍ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن بَكَّارِ بن أبى مروانَ، عن خالدِ بن مَعْدانَ، قال: قال أهلُ الجنةِ بعدَ ما دَخَلوا الجنةَ: ألم يَعِدْنا ربُّنا الورودَ على النارِ؟ قال: قد مَرَرْتُم عليها وهى خامدةٌ (٣). قال ابن عرفةَ، قال: مروانُ، قال بَكَّارُ بنُ أبى مروانَ، أو قال: جَامدةٌ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا مرحومُ بنُ عبد العزيزِ، قال: ثنى أبو عمرانَ

стр. 10723

الجَوْنيُّ، عن أبي الجَلْدِ (١) قال: تكونُ الأرضُ يومًا نارًا، فماذا (٢) أعددتُم لها؟ قال: فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٣). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الجُريريِّ، عن أبي السَّلِيلِ، عن غنيمِ (٤) بن قيسٍ، قال: ذَكَروا ورودَ النارِ، فقال كعبٌ: تُمْسَكُ النارُ للناسِ كأنها متنُ إهالةٍ (٥)، حتى يستوىَ عليها أقدامُ الخلائقِ، بَرِّهم وفاجرِهم، ثم يُناديها مُنادٍ: أن أمْسِكى أصحابَك، ودَعِى أصحابى. قال: فيُخْسَفُ بكلِّ وليٍّ لها، ولَهِىَ أعلمُ بهم مِن الرجلِ بولدِه، ويخرُجُ المؤمنون نَدِيَّةً ثيابُهم (٦). قال: وقال كعبٌ: ما بينَ مَنْكِبَى الخازنِ مِن خَزَنتِها مسيرةُ سنةٍ، مع كلِّ واحدٍ منهم عمودٌ [له شُعْبَتان] (٧)، يَدْفَعُ به الدَّفْعةَ، فيَصرعُ به في النارِ سبعَمائةِ ألفٍ (٨). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن (٩) يَمانٍ، عن مالكِ بن مِغْولٍ، عن

стр. 10724

أبى إسحاقَ، قال: كان أبو مَيْسرةً إذا أَوَى إلى فراشِه، قال: يا ليتَ أمى لم تَلِدْنى. ثم يَبْكى، فقيل: وما يُبْكِيك يا أبا مَيْسرةَ؟ قال: أُخْبِرنا أنَّا واردُوها، ولم نُخْبَرْ (١) أَنَّا صادرون عنها (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، قال: بَكَى عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ في مرضِه، فبَكَتِ امرأتُه، فقال لها (٣): ما يُبْكِيكِ؟ قالت: رأيتُك [تَبْكى فبكيتُ] (٤). قال ابن رواحةَ: إنى قد علمتُ أنى واردٌ النارَ، فما أدرى أناجٍ منها أنا أم لا (٥)؟ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عمرٍو داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: سمِعتُ السُّدِّيَّ يذكُرُ عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: داخِلُها (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَ﴾ قال: يَدْخُلُها (٧). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن عُيينةَ، عن إسماعيلَ

стр. 10725

ابن أبي خالدٍ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ، قال: كان عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةً واضعًا رأسَه في حجرِ امرأتِه، فبَكَى، فبَكَتِ امرأتُه، فقال: ما يُبْكِيكِ؟ قالت: رأيتُك تَبْكى فبَكَيتُ. قال: إنى ذكرتُ قولَ اللهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فلا أَدْرِى أَننجو (١) منها أم لا (٢)؟. وقال آخرون: بل هو المَمَرُّ (٣) عليها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾: يعنى جهنمَ، مَرُّ الناسِ عليها. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: هو المَمرُّ عليها (٤). حدَّثنا خلادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، قال: أخبَرنا أبو إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: الصراطُ على جهنمَ مثلُ حَدِّ السيفِ، فتَمُرُّ الطبقةُ الأولى كالبرقِ، والثانيةُ كالريحِ، والثالثةُ كأجودِ الخيلِ، والرابعةُ كأجْودِ البهائمِ، ثم يَمُرُّون والملائكةُ يقولون: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ (٥).

стр. 10726

وقال آخرون: [بل الورودُ هو] (١) الدُّخُولُ، [ولكنه عنى] (٢) الكفارَ دونَ المؤمنين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ السائبِ، عن رجلٍ سَمِع ابنَ عباسٍ يقرؤُها: (وَإِن منهم (٣) إِلَّا وَارِدُهَا): يعنى الكفارَ. قال: لا يَرِدُها مؤمنٌ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال ثنا عمرُ (٥) بنُ الوليدِ الشَّنِّيُّ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقرأُ (٦): (وَإِن منهم (٧) إلا وَارِدُها): يعنى الكفارَ (٨). وقال آخرون: بل الوُرُودُ عامٌّ لكلِّ (٩) مؤمنٍ وكافرٍ، غيرَ أن ورودَ المؤمنِ المرورُ، وورودَ الكافرِ الدخولُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:

стр. 10727

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: ورودُ المسلمين المرورُ على الجسرِ بينَ ظَهْرَيْها، وورودُ المشركين أن يَدْخلوها. قال: وقال النبيُّ ﷺ : "الزَّالُّونَ والزَّالَّاتُ يومَئذٍ كثيرٌ، وقد أحاطَ بالجِسْرِ سِماطانِ مِن الملائكةِ، دَعْواهم (١) يومَئذٍ: يا أللهُ سَلِّمْ سَلِّمْ" (٢). وقال آخرون: ورودُ المؤمنِ (٣) ما يُصِيبُه في الدنيا مِن حُمَّى ومرضٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن عثمانَ بن الأسْودِ، عن مجاهدٍ، قال: الحُمَّى حَظُّ كلِّ مؤمنٍ مِن النارِ. ثم قرَأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٤). حدَّثني عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعِيُّ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بن تميمٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبيدِ اللَّهِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ يعودُ رجلًا مِن أصحابِه [وَعِكًا] (٥) وأنا معه، ثم قال: "إن الله يقولُ: هي نَارِى أُسَلِّطُها على عبدى المؤمنِ، لتكونَ حَظَّه مِن النارِ في الآخرةِ" (٦).

стр. 10728

وقال آخرون: يَرِدُها الجميعُ ثم يَصْدُرُ عنها المؤمنون بأعمالِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: ثنى السديُّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال: يَرِدُونها ثم يَصْدُرون عنها بأعمالِهم (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسباطُ، عن عبدِ الملكِ، عن (٣) عبيدٍ اللهِ، عن مجاهدٍ، قال: كنتُ عندَ ابن عباسٍ، فأتاه رجلٌ يقالُ له: أبو راشدٍ، وهو نافعُ بنُ الأزرقِ، فقال له: يا بنَ عباسٍ، أرأيتَ قولَ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ

стр. 10729

إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾؟ فقال: أما أنا وأنت يا أبا راشدٍ فسَنَرِدُها، فانظُرْ هل نَصْدُرُ عنها أم لا (١)؟! حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ (٢)، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرَنى أبو الزبيرِ، أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عن الورودِ، فقال: نحن يومَ القيامةِ على [كوى أو كُدًى] (٣)، فوقَ الناسِ، فتُدْعَى الأممُ بأوْثانِها وما كانت تعبُدُ، الأولُ فالأولُ، فينطلِقُ بهم ويَتَّبِعونه. قال: ويُعْطَى كلُّ إنسانٍ منافقٍ ومؤمنٍ نورًا، وتَغْشَى ظلمةٌ، ثم يَتَّبِعونه، وعلى جِسْرِ جهنمَ [حَسَكٌ و] (٤) كَلالِيبُ تأخُذُ مَن شاء اللهُ، فيُطْفَأُ نورُ المنافقِ، ويَنْجو المؤمنون، فتَنْجو أولُ زمرةٍ كالقمرِ ليلةَ البدرِ، وسبعون ألفًا لا حسابَ عليهم، ثم الذين يَلُونهم كأضْوَأَ نَجْمٍ في السماءٍ، ثم كذلك، ثم تَحِلُّ الشَّفاعةُ، فيَشْفَعون، ويخرجُ مِن النارِ مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ. ممن في قلبِه وزنُ شَعيرةٍ مِن خيرٍ، ثم يُلْقَون تلقاءَ الجنةِ، ويُهَرِيقُ عليهم أهلُ الجنةِ الماءَ، فيَنْبُتون نباتَ الشئِ في السَّيْلِ، ثم يسألون، فيُجْعَلُ لهم الدنيا وعَشَرَةُ أمثالِها (٥).

стр. 10730

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن المباركِ (١)، عن الحسنِ، قال: قال رجلٌ لأخيه: هل أتاك بأنك واردٌ النارَ؟ قال: نعم. قال: فهل أتاك أنك صادرٌ عنها؟ قال: لا. قال: فقِيمَ الضَّحِكُ؟ قال: فما رُئى ضاحكًا حتى لَحِقَ باللهِ (٢). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنى ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى عمرُو بنُ الحارثِ، أن بُكَيرًا حَدَّثه أنه قال لبُسْرِ (٣) بن سعيدٍ: إن فلانًا يقولُ: إن [ورودَ النارِ] (٤) القيامُ عليها. قال بُسْرٌ: أمَّا أبو هريرةَ فسمعتُه يقولُ: إذا كان يومُ القيامةِ فيجتمعُ الناسُ، نادَى مُنادٍ: ليلحَقْ كلُّ أناسٍ (٥) بما كانوا يعبدون. فيقومُ هذا إلى الحَجَرِ، وهذا إلى القوسِ (٦)، وهذا إلى الخشبةِ، حتى يبقى الذين يعبدون الله، فيأتيهم اللهُ ﵎، فإذا رَأَوه قاموا إليه، فيُذهبُ بهم فيُسْلَكُ بهم على الصَّراطِ، وفيه عُلَّيْقٌ (٧)، فعندَ ذلك يؤذنُ بالشفاعةِ، فيَمُرُّ الناسُ والنبيون يقولون: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. قال بكيرٌ: فكان ابن عَميرةَ (٨) يقولُ: فَنَاجٍ

стр. 10731

مُسَلَّمٌ، ومُكدَّسٌ (١) في جهنمَ، ومَخْدوشٌ ثم ناجٍ. وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: يَرِدُها الجميعُ ثم يصدُرُ عنها المؤمنون فيُنَجِّيهم اللهُ، ويَهْوِى فيها الكفارُ. وورودُهموها هو ما تَظاهرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ مِن مرورِهم بها (٢) على الصِّراطِ المنصوبِ على مَتْنِ جهنمَ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومُكَدَّسٌ فيها. ذكرُ الأخبارِ المَرْوِيَّةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ امرأةِ زيدِ بن حارثةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ وهو في بيتِ حفصةَ: "لا يَدْخُلُ النارَ أحدٌ شَهِدَ بَدْرًا والحديبية". قالت (٢): فقالت حفصةُ: يا رسولَ اللهِ، أليس اللهُ يقولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "فمَهْ (٣) [﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾] (٤) (٥) ". حدَّثنا الحسنُ بنُ مدركٍ، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بمثلِه (٦).

стр. 10732

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، عن حفصةً، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنى لأَرْجو ألا يَدْخُلَ النارَ [إن شاء اللهُ] (١) أحدٌ شَهِدَ بدرًا والحُدَيْبِيةَ". قالت: فقلتُ (٢): أليس اللهُ يقولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ قال: "فلم تَسْمَعِيه يقولُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٣). حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن محمدٍ بن إسحاقَ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ المغيرةِ بن مُعَيْقيبٍ (٤)، عن سليمانَ بن عمرٍو بن عبدٍ العُتْوارِيِّ، [أحدُ بنى] (٥) ليثٍ، وكان في حَجْرِ أبى سعيدٍ، قال: سمعتُ أبا سعيدٍ الخدريَّ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "يُوضَعُ الصِّرَاطُ بينَ ظَهْرَىْ جَهَنَّمَ، عليه حَسَكٌ كَحَسَكِ السَّعْدانِ (٦)، ثم يَسْتَجِيزُ النَّاسُ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَجْروحٌ به، ثم ناجٍ ومُحْتَبَسٌ ومُكَدَّسٌ فيها، حتى إذا فَرَغَ اللَّهُ مِن القضاءٍ بينَ العبادِ (٧) تَفَقَّدَ المؤمنون رجالًا كانوا معهم في الدنيا؛ يُصَلُّون صلاتَهم، ويُزَكُّون زكاتَهم، ويَصومون صِيامَهم، ويَحُجُّون حَجَّهم، ويَغْزُون غَزْوَهم، فيقولون: أي ربَّنا، عبادٌ مِن عبادِك كانوا معنا في الدنيا؛ يُصَلُّون صلاتَنا، ويُزَكُّون زكاتَنا،

стр. 10733

ويَصُومون صِيامَنا، ويَحُجُّون حَجَّنا، ويَغْزُون غَزْوَنا لا نَرَاهم؟! فيقولُ: اذْهَبوا إلى النارِ، فمَن وَجَدْتُم (١) فيها منهم فأخْرِجوه (٢). فيَجِدُونهم قد أخَذَتْهم النارُ على قَدْرِ أعمالِهم؛ فمنهم مَن أخَذَتْه النارُ إِلى قَدَمَيْه، ومنهم مَن أَخَذَتْه إِلى نصفِ ساقَيْه، ومنهم مَن أَخَذَتْه إِلى رُكْبَتَيْهِ، [ومنهم من أزَرَتْه] (٣)، ومِنهم مَن أَخَذَتْه إِلَى ثَدْيَيْهِ (٤)، ومنهم مَن أخَذَتْه إلى عُنُقِه، ولم تَغْشَ الوُجُوهَ، فيَسْتَخْرِجُونهم منها، فيَطْرَحُونَهم في ماءِ الحياةِ". قيل: وما ماءُ الحياةِ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "غُسْلُ أهلِ الجنةِ". قال (٥): "فيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الزَّرْعَةُ فِي غُثَاءِ السَّيْلِ، ثم تَشْفَعُ الأنبياءُ في كلِّ مَن كان يَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ مُخْلِصًا، فيَسْتَخْرِجونهم منها (٦)، ثم يَتَحَنَّنُ اللَّهُ برحمتهِ على مَن فيها، فما يَتْرُكُ فيها عبدًا في قلبِه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن الإيمانِ إلا أخْرَجَه منها" (٧). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبى وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، [عن خالدِ بن يزيدَ، عن] (٨) ابن أبي هلالٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءٍ بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "يُؤْتَى بالجِسْرِ - يعنى يومَ القيامةِ - فَيُجْعَلُ بينَ ظَهْرَىْ جهنمَ". قلنا: يا رسولَ اللَّهِ، وما الجِسْرُ؟ قال:

стр. 10734

"مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ، عليه خَطاطِيفُ وكَلَالِيبُ، وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لها شَوْكَةٌ عَقِيفاءُ (١) تكونُ بِنَجْدٍ، يقالُ لها: السَّعْدانُ. يَمُرُّ المؤمنون عليها كالطَّرْفِ وكالبَرْقِ وكالرِّيحِ، وكأجَاويدِ الخيلِ والرِّكَابِ (٢)، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَحْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ (٣) في جهنمَ، ثم يَمُرُّ آخِرُهم يُسْحَبُ سَحْبًا، فما أنتم بأشَدَّ مُناشَدَةً لي في الحقِّ، قد تَبَيَّن لكم مِن المؤمنين يومَئذٍ للجبَّارِ ﵎، إذا رَأَوهم قد نَجَوْا وبَقِيَ إخوانُهم" (٤). حدَّثني أحمدُ بنُ عيسى، قال: ثنا سعيدُ بنُ كثيرِ بن عُفَيرٍ، قال: ثنا ابن لَهِيعةَ، عن أبي الزبيرِ، قال: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن الوُرُودِ، فقال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "هو الدُّخولُ، يَرِدُون النارَ حتى يَخْرُجوا منها، فَآخِرُ مَن يَبْقَى رجلٌ على الصِّراطِ يَرْحَفُ، فيَرْفَعُ اللَّهُ ﵎ له شَجَرَةً، قال: فيقولُ: أي ربِّ، أدْنِني منها. قال: فيُدْنيه الله، ﵎ منها، قال: ثم يقولُ: أي ربِّ، أَدْخِلْني الجنةَ. قال: [فيُدْخِلُه الجنةَ. قال:] (٥) فيقولُ: سَلْ. قال: فيسألُ. فيقولُ: ذلك لك وعَشَرَةُ أضْعافِه، أو نحوها. قال: فيقولُ: يا ربِّ، تَسْتَهْزِئُ بي؟ قال: فيَضْحَكُ حتى تَبْدوَ لَهَواتُه وأَضْراسُه" (٦). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ أيوبَ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيدٍ، عن رِشْدينَ، جميعًا عن زَبّانَ (٧) بن فائدٍ، عن

стр. 10735

سهلِ بن معاذٍ، عن أبيه، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَنْ حَرَسَ وراء المسلمين في سبيل اللهِ مُتَطَوِّعًا، لا يأخُذُه سُلطانٌ بحرسٍ، لم يَرَ النار بعَيْنِه إلا تَجلَّةَ القَسَم، فإن الله جلّ وعزّ يقولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، أخبَرني الزهريُّ، عن ابن المسيبِ، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ ماتَ له ثلاثةٌ لم تَمَسَّه النارُ إلا تَحِلَّةَ القَسَم". يعنى الوُرُودَ (٢). وأما قولُه: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: كان على ربِّك قضاءً مَقْضِيًّا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتْمًا﴾. قال: قضاةً (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. قال: قضاءً. وقال آخرون: بل معناه: كان على ربِّكَ قَسَمًا واجبًا.

стр. 10736

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عمرٍو داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: سمِعتُ السديِّ يذكُرُ عن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابن مسعودٍ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. قال: قَسَمًا واجبًا (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾. يقولُ: قَسَمًا واجبًا. وقد بَيَّنْتُ القولَ في ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم تنحى مِن النارِ بعدَ ورودِ جميعِهم إياها، ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فخافوه بأداءِ فرائضِه، واجْتنابِ مَعاصِيه، ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: ونَدَعُ الذين ظَلَموا أنفسَهم، فعَبَدوا غيرَ اللهِ وعَصَوا ربَّهم، وخالَفوا أمْرَه ونَهْيَه في النارِ ﴿جِثِيًّا﴾. يقولُ: بُرُوكًا على رُكَبِهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ على رُكبهم.

стр. 10737

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. قال: على رُكَبِهم (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. قال: الجِثِيُّ شَرُّ الجلوسِ، لا يجلسُ الرجلُ جاثيًا إلا عندَ كَرْبٍ ينزِلُ به (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾: إن الناسَ ورَدوا جهنمَ وهى سوداءُ مُظلِمَةٌ؛ فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتُهم، فأُنْجوا منها، وأما الكفارُ فَأَوْبَقَتْهم أعمالُهم، واحْتُبِسوا بذنوبهم. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى﴾ على الناسِ ﴿آيَاتُنَا﴾ التي أنزلْناها على رسولِنا محمدٍ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾، يعني واضحاتٍ لمَن تأمَّلها وفَكَّر فيها أنها أدلةٌ على ما جَعَلها الله أدلةٌ عليه لعباده، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللهِ وبكتابِه وآياته وهم قريشٌ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. بذلك (٣) فصَدَّقوا به وهم أصحابُ محمدٍ، ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾. يعني بالمقَامِ: موضعَ إقامتِهم، وهى مساكنُهم ومنازلُهم، ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وهو المَجْلِسُ. يقالُ منه: نَدَوتُ القومَ أَنْدُوهم نَدْوً إِذا جَمَعتَهم في مجلسٍ.

стр. 10738

يقالُ: هو في نَدِيِّ قومه وفي نادِيهم، بمعنًى واحدٍ، ومِن النَّدِيِّ قولُ حاتمٍ (١): ودُعِيتُ في أُولى النَّدِيِّ ولم … يُنْظَرْ إِليَّ بِأَعْيُنٍ خُزْرِ وتأويلُ الكلامِ: وإذا تُتْلَى عليهم آياتُنا بيِّناتٍ، قال الذين كَفَروا للذين آمنوا: أيُّ الفريقَين مِنَّا ومنكم أوسَعُ عَيْشًا، وأنعمُ بالًا، وأفضلُ مَسْكَنًا، وأحسنُ مَجْلِسًا، وأجمعُ عددًا وغاشِيةً في المجلسِ، نحن أم أنتم؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. قال: المَقَامُ المَنْزِلُ، والنَّدِى المجلسُ (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شُعْبَةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ بمثله. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. قال: المقامُ المَسْكَنُ، والنَّديُّ المجلسُ والنعمةُ والبَهْجةُ التي كانوا فيها، وهو كما قال اللهُ لقومِ فرعونَ حينَ أَهْلَكَهم وقَصَّ شأنَهم في القرآنِ قال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥)

стр. 10739

وَزُرُوعٍ (١) وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥، ٢٦]. فالمقامُ المسكنُ والنعيمُ، والنَّدِيُّ المجلسُ والمَجْمَعُ الذي كانوا يَجْتَمِعون فيه، وقال اللهُ فيما قَصَّ على رسولِه في أمرِ لوطٍ إذ قال: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. والعرب تُسمِّي المجلس النادِيَ (٢). حدَّثني عليٌّ؛ قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، يقولُ: مجلسًا. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾. قال: قريشٌ تقولُها لأصحابِ محمدٍ ﷺ . ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. قال: مجالسُهم يقولونه أيضًا (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: رَأَوا أصحابَ محمدٍ ﷺ في عَيْشِهِم خُشُونةً، وفيهم قَشَافةً، فَعَرَّضَ أَهلُ الشركِ بما تَسْمَعون، قوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. يقولُ: مجلسًا (٤).

стр. 10740

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. [قال: خيرٌ مكانًا وأحسنُ مجلسًا (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾] (٢). قال: النَّدِيُّ المجلسُ. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]. قال: مجلسَه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكم أهلَكنا يا محمدُ قبلَ هؤلاء القائلين مِن أهلِ الكفرِ للمؤمنين، إذا تُتلَى عليهم آياتُ الرحمنِ: أيُّ الفريقين خيرٌ منازلَ (٣) وأحسنُ (٤) مجالسَ مِن قرنٍ هم كانوا أكثرَ متاعَ منازلَ مِن هؤلاءِ، وأحسنَ منهم منظرًا وأجملَ صورًا، فأهلكنا أموالَهم، وغيَّرنا صورهم. ومن ذلك قولُ علقمةَ بنَ عَبَدَةَ (٥): كُمَيْتٍ كَلَوْنِ الأُرْجُوَانِ نَشَرْتَهُ … لبَيعِ الرِّدَاءِ (٦) فِي الصُّوَانِ المُكَعَّبِ يعنى بالصوانِ: التختَ الذي تصانُ فيه الثيابُ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 10741

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. قال: الرِّئْىُ: المنظرُ، والأثاثُ: المتاعْ (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: الرئىُ المنظرُ. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: قولَه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾، مالًا، وقولُه: ﴿وَرِئْيًا﴾. يقولُ: منظرًا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، الأثاث: المالُ، والرِّئىُ: المنظرُ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. قال: الأثاثُ: أحسنُ المتاعِ، والرِّئىُ. قال: المالُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: يقولُ اللهُ ﵎: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. أي: أكثر متاعًا وأحسنُ [مَرآة ومنظرًا] (٣)، فأهلكَ اللهُ أموالَهم، وأفسَد صورَهم عليهم، تبارَك

стр. 10742

وتعالى. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. قال: أحسنُ صورًا، وأكثر أموالًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَثَاثًا﴾. قال: المتاعُ، ﴿وَرِئْيًا﴾. قال: فيما يَرَى الناسُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، بنحوه. حدَّثنا ابن حميدٍ وبشرُ بنُ معاذٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: الأثاث: المالُ، والرِّئىُ: المنظرُ الحسنُ. حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَرِئْيًا﴾: منظرًا في اللونِ والحُسنِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾. قال: الرئىُ: المنظرُ، والأثاثُ: المتاعُ؛ أحسنُ متاعًا، وأحسنُ منظرًا. وحُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ [أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ] (٣) في قولِه: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾. يعنى المالَ، ﴿وَرِئْيًا﴾.

стр. 10743

يعني المنظرَ الحسنَ. واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (وَرِيًّا) (١). غيرَ مهموزٍ، وذلك إذا قُرِئ كذلك يتوجِّه لوجهين؛ أحدُهما أن يكونَ قارتُه أراد الهمزةَ، فأبدَل منها ياءً، فاجتمَعَتِ الياءُ المُبدلةُ من الهمزِ والياءُ التي هي لامُ الفعلِ فأُدغِمتا فجُعِلتا ياءً واحدةً مشددةً؛ ليُلْحِقُوا ذلك - إذ كان رأسَ آيةٍ - بنظائِره من سائرِ رءوسِ الآياتِ قبلَه وبعدَه. والآخرُ أن يكونَ مِن: رَوَّيْتُ أُرَوِّي رَوِيَّةً ورِيًّا. وإذا أُريدَ به ذلك كان معنى الكلامِ: وكم أهلَكنا قبلَهم مِن قرنٍ، هم أحسنُ متاعًا، وأحسنُ نظرًا لمالِه، ومعرفةً بتدبيره (٢). وذلك أن العربَ تقولُ: ما أحسنَ رَوِيَّةَ فلانٍ في هذا الأمرِ. إذا كان حسنَ النظرِ فيه والمعرفةِ به. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿وَرِئْيًا﴾ (٣). بهمزِها، بمعنى رؤيةِ العينِ، كأنه أراد: أحسنُ متاعًا ومَرآةً. وحُكِى عن بعضِهم أنه قرَأه: (أحسنُ أثاثًا وزِيًّا) (٤). بالزايِ، كأنه أراد: أحسنُ متاعًا وهيئةً ومنظرًا. وذلك أن الزِّيَّ هو الهيئةُ والمنظرُ، من قولِهم: زيَّيتُ الجاريةَ. بمعنى: زيَّنتُها وهيَّأتُها. وأولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ (٥). بالراءِ والهمزِ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلَ التأويلِ على أن معناه المنظرُ، وذلك هو من رؤيةِ العينِ، لا من الرَّوِيَّةِ؛ فلذلك كان الهمزُ به أولى، فإن قرَأ قارىُ ذلك بتركِ الهمزِ وهو

стр. 10744

يريدُ هذا المعنى، فغير مخطئٍ في قراءتِه. وأما قراءةُ مَن قرَأ بالزايِ فقراءةٌ خارجةٌ عن قراءةِ القرآةِ، فلا أستجيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها قراءَتَهم، وإن كان لها (١) في التأويلِ وجهٌ صحيحٌ. واختلَف أهلُ العربيةِ في الأثاثِ، أجمعٌ هو أم واحدٌ؟ فكان الأحمر (٢) فيما ذُكِر لى عنه يقولُ: هو جمعٌ واحدتُها أَثاثةٌ، كما الحمامُ جمعٌ واحدتُها حمامةٌ، والسحابُ جمعٌ واحدتُها سحابةٌ. وأما الفراءُ فإنه كان يقولُ: لا واحدَ له، كما أن المتاعَ لا واحدَ له. قال: والعربُ تجمعُ المتاعَ: أمتِعَةٌ، وأماتيعُ، ومُتُعٌ. قال: ولو جمعتَ الأثاثَ لقلتَ: ثلاثةُ آثِّةٍ وأُثُتٍ (٣). وأما الرِّئيُ فإن جمعَه: أَرآءُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المشرِكين بربِّهم، القائِلين إذا تُتْلَى عليهم آياتُنا: أيُّ الفريقين منا ومنكم خيرٌ مقامًا وأحسنُ نديًّا، مَن كان مِنا ومِنكم في الضلالة جائرًا عن الطريقِ الحقِّ، سالِكًا غير سبيلِ الهدى، ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. يقولُ: فَلْيُطوِّلْ له اللهُ في ضلالتِه، وليُمْلِه فيها إملاءً.

стр. 10745

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. فليَدَعْهُ اللهُ في طغيانِه (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قل لهم: مَن كان منا ومنكم في الضلالةِ، فليُمْل (٢) له الرحمنُ في ضلالتِه إلى أن يأتيَهم أمرُ اللهِ؛ إما عذابٌ عاجلٌ، أو يَلقَوا ربَّهم عند قيامِ الساعةِ التي وعَد اللهُ خلْقَه أن يجمعَهم لها، فإنهم إذا أتاهم وعدُ اللهِ بأحدِ هذين الأمْرين ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، ومسكنًا منكم ومنهم ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ أهم أم أنتم، ويتبَيَّنون (٣) حينئذٍ أي الفريقين خيرٌ مقامًا، وأحسنُ نديًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ

стр. 10746

الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويزيدُ اللهُ مَن سَلَك قصدَ المحجَّةِ، واهتدى لسبيلِ الرشدِ، فآمَن بربِّه، وصدَّق بآياتِه، فعمِلَ بما أمرَه اللهُ به، وانتهى عما نهاه عنه ﴿هُدًى﴾ بما يتجدَّدُ له من الإيمانِ بالفرائضِ التي يَفْرِضُها عليه، [والأعمالِ التي يُوجبها عليه، فيُصدِّقُ بوجوبِها عليه] (١)، ويُقرُّ بلزومِ فرضِها إياه، ويعملُ بها، فذلك زيادةٌ من اللهِ تعالى ذكرُه في اهتدائِه بآياتِه هدًى على هداه. وذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك: ويزيدُ اللهُ الذين اهتدَوا هدًى بناسخِ القرآنِ ومنسوخِه، فيؤمنُ بالناسخِ، كما آمَن قبلُ بالمنسوخ، فذلك زيادةُ هدىً من اللهِ له على هُداه من قبلُ. ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: والأعمالُ التي أمَر الله بها عبادَه ورضِيها منهم، الباقياتُ لهم غيرُ الفانياتِ الصالحاتُ، خيرٌ عندَ ربِّك جزاءً لأهلِها، وخَيْرٌ مَرَدًّا عليهم من مقاماتِ هؤلاءِ المشركين باللهِ، وأندِيتِهم التي يَفْتَخِرون بها على أهلِ الإيمانِ في الدنيا. وقد بيَّنا معنى الباقياتِ الصالحاتِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في ذلك، ودلَّلْنا على الصوابِ من القول فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضع (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عمرُ (٣) بنُ راشدٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، قال: جلَس

стр. 10747

النبيُّ ﷺ ذات يومٍ، فأخذ عودًا يابسًا، فحَطّ ورقَه ثم قال: "إِنَّ قَوْلَ: لا إلهَ إلَّا الله، والله أكبرُ، والحمدُ للهِ، وسُبحانَ اللهِ، يَحُطُّ الخطايا، كما تَحُطُّ ورَقَ هذه الشَّجَرَةِ الريحُ، خُذْهُنَّ يا أبا الدَّرْدَاءِ قبل أن يُحال بينك وبينَهُنَّ، هُنَّ الباقياتُ الصالحات، وهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ". قال أبو سلمةَ: فكان أبو الدرداءِ إذا ذكَر هذا الحديثَ قال: لأُهلِّلنَّ الله، ولأُكبرنَّ الله، ولأُسبحنَّ الله، حتى إذا رآني الجاهلُ حَسب أني مجنونٌ (١). لقولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : أفرأيْتَ يا محمدُ الذِي كَفَرَ بأَدِلَّتِنا (٢) وحججِنا فلم يصدِّقْ بها، وأنكَر وعيدَنا أهلَ الكفرِ، وقال وهو باللهِ كافرٌ وبرسولِه: لأُوتَينَّ في الآخرةِ مَالًا وَوَلدًا. وذُكِر أن هذه الآياتِ أُنزلت في العاصِ بن وائلٍ السَّهْميِّ أبي عمرِو بن العاصِ. ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني أبو السائبِ وسعيدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عن خَبّابٍ، قال: كنت رجلًا قَيْنًا (٣)، وكان لي على العاصِ بن وائلٍ السَّهميِّ دَيْنٌ، فأَتيتُه أتقاضَاه، فقال: واللهِ لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ

стр. 10748

قال: فقلت: واللهِ لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تمَوتَ ثم تُبْعَثَ. قال: فقال: فإذا أنا مِتُّ ثم بُعِثتُ (١)، جئتنى ولِى مالٌ وولدٌ. قال: فأنزَل الله ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (٢). حدَّثني به أبو السائبِ، وقرَأ في الحديثِ: وولدًا. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: أن رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ كانوا يَطْلُبون العاصَ بنَ وائلٍ السَّهْميَّ بدَيْنٍ، فأتَوه يتقاضَوْنَه، فقال: ألستمْ تَزْعُمون أن في الجنةِ فِضَّةً وذهبًا وحريرًا ومن كلِّ الثمراتِ؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ موعدَكم الآخرةُ، فواللهِ لأُوتَينَّ مالًا وولدًا، ولأُوتينَّ مِثْلَ كتابِكم الذي جئتم به. فضرَب الله مثَلَه في القرآنِ، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. قال العاصُ بنُ وائلٍ يقولُه (٤).

стр. 10749

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد، مثله. حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، فذُكِر لنا أن رجلًا (١) من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ما أتى رجلًا من المشركينِ يتقاضَاهِ دَيْنًا له، فقال له: أليس يَزْعُمُ صاحبُكم أن في الجنةِ حريرًا وذهبًا؟ قال: بلى، قال فميعادُكم الجنةُ، فواللهِ لا أُومنُ بكتابِكم الذي جئتم به - استهزاءً بكتابِ اللهِ - ولأُوتَينَّ مالًا وولدًا. يقولُ الله : ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ قال: قال خبابُ بنُ الأَرَتِّ: كنت قَينًا بمكةَ، فكنت أعملُ للعاصِ بن وائلٍ، فاجتَمَعَتْ لى عليه دراهمُ، فجئت لأتقاضَاه، فقال لي: لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ. قال: قلت: لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تموتَ ثم تُبْعَثُ. قال: فإذا بُعِثْتُ كان لى مالٌ وولدٌ. قال: فذكَرْتُ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ ، فأنزَل الله تبارَك و تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (٢). واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَوَلَدًا﴾. فقرَأته عامَّةُ قرأة المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهل الكوفة: ﴿وَوَلَدًا﴾. بفتحِ الواوِ من الوَلَدِ، في كلِّ القرآنِ (٣). غيرَ أن أبا عمرِو بن العلاءِ خصَّ التي في سورةِ "نوحٍ" بالضمَّ، فقرَأها: (مالُهُ

стр. 10750

وَوُلْدُهُ) [نوح: ١٢] (١). وأما عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ غيرُ عاصمٍ، فإنهم قَرءوا من هذه السورةِ من قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى آخرِ السورةِ، والتي (٢) في "الزخرفِ"، والتي في "نوحٍ" بالضمِّ وسكونِ اللامِ (٣). وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى ذلك إذا ضُمَّت واوُه، فقال بعضُهم: ضمُّها وفتحُها واحدٌ، وإنما هما لُغتان، مثلُ قولهم: العُدْمُ والعَدَمُ، والحُزْنُ والحَزَنُ. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقولِ الشاعر (٤): فليت فُلانًا كان في بطنِ أُمِّهِ … وليت فُلانًا كان وُلدَ حِمارِ ويقول الحارثُ بنُ حِلِّزةَ (٥): وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا … قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلْدًا وقولُ رُؤْبةَ (٦): الحمدُ للهِ العَزِيزِ فَرْدَا … لَمْ يَتَّخِذُ مِن وُلْدِ شيءٍ وُلْدَا وتقولُ العرب في مثَلِها: وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ (٧). قال: وهذا كلُّه واحدٌ، بمعنى الوَلَد. وقد ذُكِر لى (٨) أن قيسًا تجعلُ الوُلْدَ جمعًا، والوَلَدَ واحدًا. ولعلَّ الذين
следующие страницы →