← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10746–10785 · переход к 10751.

стр. 10746

الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويزيدُ اللهُ مَن سَلَك قصدَ المحجَّةِ، واهتدى لسبيلِ الرشدِ، فآمَن بربِّه، وصدَّق بآياتِه، فعمِلَ بما أمرَه اللهُ به، وانتهى عما نهاه عنه ﴿هُدًى﴾ بما يتجدَّدُ له من الإيمانِ بالفرائضِ التي يَفْرِضُها عليه، [والأعمالِ التي يُوجبها عليه، فيُصدِّقُ بوجوبِها عليه] (١)، ويُقرُّ بلزومِ فرضِها إياه، ويعملُ بها، فذلك زيادةٌ من اللهِ تعالى ذكرُه في اهتدائِه بآياتِه هدًى على هداه. وذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك: ويزيدُ اللهُ الذين اهتدَوا هدًى بناسخِ القرآنِ ومنسوخِه، فيؤمنُ بالناسخِ، كما آمَن قبلُ بالمنسوخ، فذلك زيادةُ هدىً من اللهِ له على هُداه من قبلُ. ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: والأعمالُ التي أمَر الله بها عبادَه ورضِيها منهم، الباقياتُ لهم غيرُ الفانياتِ الصالحاتُ، خيرٌ عندَ ربِّك جزاءً لأهلِها، وخَيْرٌ مَرَدًّا عليهم من مقاماتِ هؤلاءِ المشركين باللهِ، وأندِيتِهم التي يَفْتَخِرون بها على أهلِ الإيمانِ في الدنيا. وقد بيَّنا معنى الباقياتِ الصالحاتِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في ذلك، ودلَّلْنا على الصوابِ من القول فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضع (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عمرُ (٣) بنُ راشدٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، قال: جلَس

стр. 10747

النبيُّ ﷺ ذات يومٍ، فأخذ عودًا يابسًا، فحَطّ ورقَه ثم قال: "إِنَّ قَوْلَ: لا إلهَ إلَّا الله، والله أكبرُ، والحمدُ للهِ، وسُبحانَ اللهِ، يَحُطُّ الخطايا، كما تَحُطُّ ورَقَ هذه الشَّجَرَةِ الريحُ، خُذْهُنَّ يا أبا الدَّرْدَاءِ قبل أن يُحال بينك وبينَهُنَّ، هُنَّ الباقياتُ الصالحات، وهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الجنَّةِ". قال أبو سلمةَ: فكان أبو الدرداءِ إذا ذكَر هذا الحديثَ قال: لأُهلِّلنَّ الله، ولأُكبرنَّ الله، ولأُسبحنَّ الله، حتى إذا رآني الجاهلُ حَسب أني مجنونٌ (١). لقولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : أفرأيْتَ يا محمدُ الذِي كَفَرَ بأَدِلَّتِنا (٢) وحججِنا فلم يصدِّقْ بها، وأنكَر وعيدَنا أهلَ الكفرِ، وقال وهو باللهِ كافرٌ وبرسولِه: لأُوتَينَّ في الآخرةِ مَالًا وَوَلدًا. وذُكِر أن هذه الآياتِ أُنزلت في العاصِ بن وائلٍ السَّهْميِّ أبي عمرِو بن العاصِ. ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني أبو السائبِ وسعيدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عن خَبّابٍ، قال: كنت رجلًا قَيْنًا (٣)، وكان لي على العاصِ بن وائلٍ السَّهميِّ دَيْنٌ، فأَتيتُه أتقاضَاه، فقال: واللهِ لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ

стр. 10748

قال: فقلت: واللهِ لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تمَوتَ ثم تُبْعَثَ. قال: فقال: فإذا أنا مِتُّ ثم بُعِثتُ (١)، جئتنى ولِى مالٌ وولدٌ. قال: فأنزَل الله ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (٢). حدَّثني به أبو السائبِ، وقرَأ في الحديثِ: وولدًا. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: أن رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ كانوا يَطْلُبون العاصَ بنَ وائلٍ السَّهْميَّ بدَيْنٍ، فأتَوه يتقاضَوْنَه، فقال: ألستمْ تَزْعُمون أن في الجنةِ فِضَّةً وذهبًا وحريرًا ومن كلِّ الثمراتِ؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ موعدَكم الآخرةُ، فواللهِ لأُوتَينَّ مالًا وولدًا، ولأُوتينَّ مِثْلَ كتابِكم الذي جئتم به. فضرَب الله مثَلَه في القرآنِ، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. قال العاصُ بنُ وائلٍ يقولُه (٤).

стр. 10749

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد، مثله. حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، فذُكِر لنا أن رجلًا (١) من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ما أتى رجلًا من المشركينِ يتقاضَاهِ دَيْنًا له، فقال له: أليس يَزْعُمُ صاحبُكم أن في الجنةِ حريرًا وذهبًا؟ قال: بلى، قال فميعادُكم الجنةُ، فواللهِ لا أُومنُ بكتابِكم الذي جئتم به - استهزاءً بكتابِ اللهِ - ولأُوتَينَّ مالًا وولدًا. يقولُ الله : ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ قال: قال خبابُ بنُ الأَرَتِّ: كنت قَينًا بمكةَ، فكنت أعملُ للعاصِ بن وائلٍ، فاجتَمَعَتْ لى عليه دراهمُ، فجئت لأتقاضَاه، فقال لي: لا أَقْضِيك حتى تكفرَ بمحمدٍ. قال: قلت: لا أكفرُ بمحمدٍ حتى تموتَ ثم تُبْعَثُ. قال: فإذا بُعِثْتُ كان لى مالٌ وولدٌ. قال: فذكَرْتُ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ ، فأنزَل الله تبارَك و تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (٢). واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَوَلَدًا﴾. فقرَأته عامَّةُ قرأة المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهل الكوفة: ﴿وَوَلَدًا﴾. بفتحِ الواوِ من الوَلَدِ، في كلِّ القرآنِ (٣). غيرَ أن أبا عمرِو بن العلاءِ خصَّ التي في سورةِ "نوحٍ" بالضمَّ، فقرَأها: (مالُهُ

стр. 10750

وَوُلْدُهُ) [نوح: ١٢] (١). وأما عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ غيرُ عاصمٍ، فإنهم قَرءوا من هذه السورةِ من قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى آخرِ السورةِ، والتي (٢) في "الزخرفِ"، والتي في "نوحٍ" بالضمِّ وسكونِ اللامِ (٣). وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى ذلك إذا ضُمَّت واوُه، فقال بعضُهم: ضمُّها وفتحُها واحدٌ، وإنما هما لُغتان، مثلُ قولهم: العُدْمُ والعَدَمُ، والحُزْنُ والحَزَنُ. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقولِ الشاعر (٤): فليت فُلانًا كان في بطنِ أُمِّهِ … وليت فُلانًا كان وُلدَ حِمارِ ويقول الحارثُ بنُ حِلِّزةَ (٥): وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا … قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلْدًا وقولُ رُؤْبةَ (٦): الحمدُ للهِ العَزِيزِ فَرْدَا … لَمْ يَتَّخِذُ مِن وُلْدِ شيءٍ وُلْدَا وتقولُ العرب في مثَلِها: وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ (٧). قال: وهذا كلُّه واحدٌ، بمعنى الوَلَد. وقد ذُكِر لى (٨) أن قيسًا تجعلُ الوُلْدَ جمعًا، والوَلَدَ واحدًا. ولعلَّ الذين

стр. 10751

قرَءوا ذلك بالضمِّ فيما اختاروا فيه الضمَّ، إنما قرَءوه كذلك ليفرُقوا به بين الجمعِ والواحدِ. والذي هو أولى بالصوابِ من القولِ في ذلك عندى أن الفتحَ في الواوِ من الوَلدِ والضمَّ فيها بمعنًى واحدٍ، وهما لغتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ، غيرَ أن الفتحَ أشهرُ اللغتَين فيهما؛ فالقراءةُ به أعجبُ إليَّ لذلك. وقولُه: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَعَلِمَ هذا القائلُ هذا القولَ عِلْمَ الغيبِ، فعَلِم أنَّ له في الآخرةِ مالًا وولدًا باطلاعِه على علمِ ما غاب عنه؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. يقولُ: أَمْ آمَن باللهِ وعمِل بما أمَرهُ به، وانتهَى عما نهاه عنه، فكان له بذلك عند الله عهدًا أن يؤتيه ما يقولُ من المال والولد؟. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. بعملٍ صالحٍ قدَّمه (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿كَلَّا﴾ ليس الأمرُ كذلك، ما اطَّلَع الغيبَ، فعَلِم صدقَ ما يقولُ، وحقيقةَ ما يَذْكُرُ، ولا اتخَذ عندَ الرحمنِ عهدًا بالإيمان به وبرسولِه، والعملِ بطاعتِه، بلْ كذَّب وكفَر. ثم قال تعالى ذكْرُه: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾. يقولُ: سنكتُبُ ما يقولُ هذا الكافرُ بربِّه، القائلُ: لأُوتَينَّ في الآخرةِ مالًا وَوَلَدًا. ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾. يقولُ: ونَزِيدُه من العذابِ في جهنمَ بقيلِه الكذبَ والباطلَ في الدنيا، زيادةً على عذابِه؛ بكفْرِه بالله.

стр. 10752

وقولُه: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. يقولُ جل ثناؤه: ونُهلِكُ (١) هذا القائلَ: - لأوتينَّ في الآخرةِ مالًا وولدًا - ومالَه وولدَه، ويصيرُ لنا مالُه وولدُه دونَه، ﴿وَيَأْتِينَا﴾ هو يومَ القيامةِ ﴿فَرْدًا﴾ وحدَه لا مالَ معه ولا ولدَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾: مالَه وولدَه، وذلك الذي قال العاصُ بنُ وائلٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ لا مالَ له ولا ولدَ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. قال: ما عنده، وهو قولُه: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. وفى حرفِ ابن مسعودٍ: (وَنَرِثُه مَا عِنْدَه) (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. قال: ما جمَع من الدنيا وما عمِل فيها. قال: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. قال:

стр. 10753

فردًا من ذلك، لا يَتْبَعُه قليلٌ ولا كثيرٌ (١). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾. يقولُ: نرثُه (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واتخذ يا محمدُ هؤلاءِ المشركِون من قومِك آلهةً يَعْبُدونها من دونِ اللهِ؛ لتكون هؤلاءِ الآلهةُ لهم عزًّا، يَمْنَعُونهم من عذابِ اللهِ، ويتخِذون عبادَتَهموها عندَ اللهِ زُلْفَى. وقولُه: ﴿كَلَّا﴾ يقولُ تعالى ذكْرُه: ليس الأمرُ كما ظنُّوا وأمَّلوا من هذه الآلهةِ التي يَعْبُدُونها من دونِ اللهِ في أنها تُنْقِذُهم (٢) من عذابِ اللهِ، وتُنْجيهم منه، ومن سوءٍ إنْ أراده بهم ربُّهم. وقوله: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكن ستكفُرُ الآلهةُ في الآخرةِ بعبادةِ هؤلاءِ المشرِكين يومَ القيامةِ إياها. وكفرُهم بها قيلُهم لربِّهم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]، فجحَدوا أن يكونُوا عبَدوهم أو أمَروهم بذلك، وتبرَّءُوا منهم، وذلك كفرُهم بعبادتِهم. وأما قولُه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وتكونُ آلهتُهم عليهم عونًا. قال: الضدُّ: العونُ.

стр. 10754

ذكر من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. يقولُ: أعوانًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال: عونًا عليهم تُخاصِمُهم وتُكذِّبُهم (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال: أوثانُهم يومَ القيامةِ في النارِ. وقال آخرون: بل عُنِى بالضدِّ في هذا الموضعِ القُرْناءُ. ذكْرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. يقولُ: ويكونُون عليهم قرناءَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ

стр. 10755

ضِدًّا﴾: قرناءَ في النارِ؛ يلعَنُ بعضُهم بعضًا، ويتبرأُ بعضُهم من بعضٍ (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿ضِدًّا﴾. قال: قرناءَ في النارِ (٢). وقال آخرون: معنى الضدِّ ههنا: العدوُّ. ذكْرُ من قال ذلك حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال: أعداءً (٣). وقال آخرون: معنى الضدِّ في هذا الموضعِ: البلاءُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال: يكونُون عليهم بلاءً (٤). الضدُّ: البلاء، والضدُّ في كلامِ العربِ: هو الخلافُ، يقالُ: فلانٌ يضادُّ فلانًا في كذا، إذا كان يخالِفُه في صنيعِه، فيُفسِدُ ما أصلَحه، ويُصلِحُ ما أفسَده. وإذا كان ذلك معناه، وكانت آلهةُ هؤلاء المشرِكين الذين ذكَرَهم الله في هذا الموضعِ يتبرَّءون منهم، ويَنْتَفُون (٥) يومئذٍ، صاروا لهم أضدادًا، فوُصِفُوا بذلك.

стр. 10756

وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ توحيدِ الضدِّ، وهو صفةٌ لجماعةٍ؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: وُحِّد لأنه يكونُ جماعةً وواحدًا، مثلَ الرَّصَدِ والأرصادِ. قال: ويكونُ الرَّصَدُ أيضًا للجماعةِ. وقال بعضُ نحويى الكوفة: وُحِّد لأن معناه: عونًا. وذُكِر أن أبا نَهِيكٍ كان يقرأُ ذلك، كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نهيكٍ الأزديَّ يقرأُ: (كُلًّا (١) سَيَكْفُرون). يعنى: الآلهة كلَّها (٢) أنهم سيكفُرون بعبادتِهم (٣). القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ألم ترَ يا محمدُ أنا أرسَلنا الشياطينَ على أهلِ الكفرِ باللهِ ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾. يقولُ: تحرِّكُهم بالإغواءِ والإضلالِ، فتُزعِجُهم إلى معاصى اللهِ، وتغريهم بها حتى يُواقِعوها، ﴿أَزًّا﴾: إزعاجًا وإغراءً (٤). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ،

стр. 10757

قوله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. يقولُ: تُغرِيهم إغراءً (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: تؤزُّ الكافرين إغراءً في الشركِ: امضِ امضِ في هذا الأمرِ، حتى تُوقِعَهم في النارِ، امضُوا في الغيِّ، امضُوا (٢). حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. قال: تُغْرِيهم إغراءً (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. قال: تُزْعِجُهم إزعاجًا في معصيةِ اللهِ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ جل وعز: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. قال: تُزعِجُهم إلى معاصى اللهِ إزعاجًا. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. قال: تُزعِجُهم إزعاجًا في معاصى اللهِ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. فقرَأ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. قال: تؤزهم أنا، قال: تُشليهم إشلاءً (٥) على معاصى اللهِ ﵎، وتُغريهم عليها، كما يُغرى الإنسانُ الآخرَ

стр. 10758

على الشيءِ (١). يقال منه: أَزَزْتُ فلانًا بكذا. إذا أغريتَه به، أؤزُّه أَزًّا وأزيزًا، وسمعتُ أزيزَ القِدْرِ، وهو صوتُ غليانِها على النارِ؛ ومنه حديثُ مطرِّفٍ عن أبيه، أنه انتهى إلى النبيِّ ﷺ وهو يصلِّى، ولجوفِه أزيزٌ كأزيزِ المِرْجَل (٢). وقولُه: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾. يقولُ عزَّ ذكرُه: فلا تَعْجَلْ على هؤلاءِ الكافِرين بطلبِ العذابِ لهم والهلاكِ يا محمدُ، ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾. يقولُ: فإنا إنما نُؤَخِّرُ إهلاكَهم ليزدادُوا إثمًا، ونحن نعدُّ أعمالَهم كلَّها ونُحْصِيها، حتى أنفاسهم؛ لنُجازِيَهم على جميعِها، ولم نَتْرُكْ تعجيلَ هلاكِهم الخيرٍ أردناه بهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكْرُ من قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾. يقولُ: أنفاسَهم التي يتنفَّسون في الدنيا، فهى معدودةٌ كسِنِّهم وأجالِهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ يقولُ تعالى ذكْرُه: يومَ نجمعُ الذين اتَّقَوْا الله (٣) في الدنيا، فخافُوا عقابَه،

стр. 10759

فاجتنبوا لذلك معاصِيَه، وأدَّوْا فرائضَه - إلى ربِّهم ﴿وَفْدًا﴾، يَعْنى بالوفدِ (١) الرَّكْبانَ. يقالُ: وَفَدْتُ على فلانٍ. إذا قدمت عليه. وأوْفَدَ القومُ وفدًا على أميرِهم. إذا بعَثُوا مِن قِبلهم بَعْثًا. والوفدُ في هذا الموضعِ بمعنى الجمعِ، ولكنَّه وُحِّد؛ لأنه مصدرٌ، واحدُهم وافدٌ، وقد يُجمَعُ الوفدُ: الوفودَ كما قال بعضُ بني حَنِيفةَ: إني لَمُمْتَدِحٌ بما بما (٢) هو صانِعٌ … رأس الوفودِ مُزاحِمَ بنَ جِسَاسِ وقد يكونُ الوفودُ في هذا الموضعِ جمعَ وافدٍ، كما الجلوسُ جمعُ جالسٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكريا [بنُ يحيى] (٣) بن أبى زائِدَةَ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن إسحاقَ، عن النُّعْمانِ بن سعدٍ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: أمَا واللهِ ما يُحْشَرُ الوفدُ على أَرْجُلِهم، ولا يُساقُون سَوْقًا؛ ولكنَّهم يُؤتَوْن بنُوقٍ لم يَرَ الخلائقُ مثلَها، عليها رِحالُ الذهبِ، وأزِمَّتُها الزَّيَرْجَدُ، فيَرْكَبون عليها حتى يَضْرِبُوا أبوابَ الجنةِ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن شُعْبَةَ، عن

стр. 10760

إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: على الإبلِ (١). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. يقولُ: ركبانًا (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ (٣)، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، قال: إنَّ المؤمنَ إذا خرَج من قبرِه استقبَله أحسنَ صورةً، وأطْيَبَه (٤) ريحًا، فيقولُ: هل تعرفُنى؟ فيقولُ: لا، إلا أن الله قد (٥) طيَّب ريحَك، وحسَّن صورتَك. فيقولُ: كذلك كنتَ في الدنيا، أنا عملُك الصالحُ، طالما رَكبْتُّك في الدنيا، فارْكَبْني أنت اليومَ. وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ (٦). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: وفدًا إلى الجنةِ (٧). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في

стр. 10761

قولِه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: على النَّجائِبِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سَمِعتُ سفيانَ التَّوْرِيَّ يقولُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. قال: على الإبلِ النُّوقِ (١). وقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ونَسوقُ الكافرين بالله، الذين أجَرمُوا، إلى جهنمَ عِطَاشًا. والوِرْدُ مصدرٌ، مِن قولِ القائل: وَرَدتُ كذا أرِدُه وِرْدًا. ولذلك لم يُجمَعْ، وقد وُصِف به الجمعُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطَاشًا (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطاشًا (٣).

стр. 10762

حدَّثني يعقوبُ والفضلُ بنُ الصَّبَّاح، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةً، عن أبي رجاء، قال: سَمِعتُ الحسن يقولُ في قولِه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطَاشًا (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ (٢)، عن يونسَ (٣)، عن الحسنِ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: ظِمَاءً إلى النارِ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾: سِيقوا (٥) إليها وهم ظِمَاءٌ (٦) عِطاشٌ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: سمِعتُ سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. قال: عِطاشًا. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: لا يملكُ هؤلاءِ الكافرون بربِّهم، يا محمدُ - يومَ يَحشرُ اللهُ المتقينَ إليه وفدًا - الشفاعةَ؛ حينَ يَشْفَعُ أهلُ الإيمان بعضُهم لبعضٍ عندَ اللهِ،

стр. 10763

فيشفعُ (١) بعضُهم لبعضٍ ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ﴾ منهم ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ في الدنيا ﴿عَهْدًا﴾ بالإيمانِ به، وتصديقِ رسولِه، والإقرارِ بما جاء به، والعملِ بما أمَر به. كما حدَّثني [عليٌّ، قال: ثنا] (٢) عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. قال: العهدُ؛ شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، ويَتَبَرَّأُ إلى اللهِ مِن الحَوْلِ والقُوَّةِ، ولا يرجُو إلا الله (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. قال: المؤمنون يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ شفعاء: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. قال: عَمَلًا صالحًا (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أي بطاعته، وقال في آيةٍ أُخرى: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، تَعَلَّمُوا (٥) أَن الله [مُشَفِّعٌ يومَ القيامةِ] (٦) المؤمنينَ بعضَهم في بعضٍ؛ ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إِنَّ في أُمَّتى رجلًا، لَيُدخِلَنَّ الله الجنة بشفاعتِه أكثر من بني تَمِيمٍ". وكنا

стр. 10764

نُحَدَّثُ أن الشهيدَ يُشَفَّعُ في سبعين مِن أهلِ بيتِه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي المِلَيح، عن عَوْفِ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِن شَفاعَتِى لِمَنْ مات مِن أُمَّتي لا يُشركُ باللهِ شيئًا" (٢). و "من" في قولِه: ﴿إِلَّا مَنِ﴾ في موضعِ نصبٍ على الاستثناءِ، ولا يكونُ خفضًا بضميرِ اللامِ، ولكن قد يكون نصبًا في الكلامِ في غيرِ هذا الموضعِ، وذلك كقولِ القائلِ: أردتُ المرورَ اليومَ إلا العَدُوَّ، فإني لا أمُرُّ به. فيَسْتَثْنِى العدوَّ مِن المعنى. وليس ذلك كذلك في قولِه: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾؛ لأن معنى الكلامِ: لا يَمْلِكُ هؤلاءِ الكفارُ إِلا مَن آمَن باللهِ. فالمؤمنون ليسوا مِن عِدادِ (٣) الكافِرين. ومَن نصَبه على أن معناه: إِلا لَمَنِ اتَّخَذ عندَ الرحمن عهدًا، فإنه يَنْبَغى أن يجعلَ قولَه: لا يملِكون الشفاعةَ للمتقين. فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: يومَ نَحشرُ المتقينَ إلى الرحمنِ وفدًا، لا يَمْلكون الشفاعةَ، إلا مَن اتَّخَذ عندَ الرحمنِ عهدًا. فيكونُ معناه عندَ ذلك: إلا لمن اتَّخَذ عندَ الرحمنِ

стр. 10765

عهدًا. فأما إذا جعَل: "لا يملكون الشفاعةَ" خبرًا عن المجرمين، فإن "مَنْ" تكونُ حينئذٍ نصبًا على أنه استثناءٌ منقطعٌ، فيكونُ معنى الكلامِ: لا يملكون الشفاعةَ، لكنْ مَنْ اتخذ عندَ الرحمنِ عهدًا، يَمْلِكُه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: وقال هؤلاء الكافِرون باللهِ: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾. ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ يقولُ تعالى ذكْرُه للقائِلين ذلك من خَلْقِه: لقد جئتم أيها الناسُ شيئًا عظيمًا، ومن القولُ مُنَكرًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾. يقولُ: قولًا عظيمًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾. يقولُ: لقد جئتم شيئًا عظيمًا، وهو المنكَرُ مِن القولُ (٢).

стр. 10766

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن (١) ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾. قال: عظيمًا (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾. قال: عظيمًا (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾. قال: قد جئتم شيئًا كبيرًا من الأمْرِ، حينَ دعَوْا للرحمنِ ولدًا (٤). وفى "الإدِّ" لغاتٌ ثلاثٌ، يقالُ: لقد جئتَ شيئًا إِدًّا. بكسرِ الألفِ. وأدًّا. بفتحِ الألفِ. وآدًّا. بفتحِ الألفِ ومدِّها، على مثالِ مادٍّ؛ فاعِلٍ. وقرَأه قرأةُ الأمصارِ [بكسرِ الألفِ] (٥)، وبها نقرأُ، وقد ذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنه قرَأ ذلك بفتحِ الألفِ (٦)، ولا أَرَى قراءتَه كذلك؛ لخلافِها قراءةَ قرأة الأمصارِ. والعربُ

стр. 10767

تقولُ لكلِّ أمرٍ عظيمٍ: إدٌّ، وإمْرٌ، ونُكْرٌ. ومنه قولُ الراجزِ (١): قد لَقِيَ الأعداءُ منى نُكْرَا داهِيَةً دَهْياءَ إذا إمْرَا ومنه قولُ الآخرِ (٢): * في لَهَثٍ (٣) منه وخَتْلٍ (٤) إِدِّ * وقولُه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾. يقولُ تعالى ذكْرُه: تكادُ السماواتُ يَتَشَقَّقْن قِطَعًا مِن قبلِهم: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ومنه قيل: فَطَر نابُه. إذا انْشَقَّ (٥). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾. قال: إن الشِّرْكَ فزِعَت منه السماواتُ والأرضُ والجبالُ وجميعُ الخلائقِ إِلَّا الثَّقَلَيْن، وكادت أن تَزُولَ منه لعَظَمةِ اللهِ، وكما لا ينفَعُ مع الشركِ إحسانُ المشركِ، كذلك نَرْجُو أن يغفرَ اللهُ ذنوبَ الموَحِّدين. وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَقِنوا مَوْتاكم شَهادَةَ أن لا إلهَ إِلَّا اللهُ، فمَن قالها عندَ موتِه وجَبَتْ له الجنَّةُ".

стр. 10768

قالوا: يا رسولَ اللهِ، فمَن قالَها في صِحَّتِهِ (١)؟ قال: "تلك أَوْجَبُ وأوجبُ". ثم قال: "والَّذي نَفْسي بيَدِه لو جِيءَ بالسَّمَاوَاتِ والأرْضِينَ (٢) وما فيهنَّ، وما بينَهنَّ، وما تحتَهنَّ، فَوُضِعنَ في كِفَّةِ الميزانِ، ووُضِعَت شَهادَةُ أن لا إلهَ إِلَّا الله في الكِفَّةِ الأُخرى؛ لَرَجَحتْ بهِنَّ" (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾. [قال: الانْفِطارُ هو الانْشِقاقُ (٤). وحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾] (٥). ذُكِر لنا أنَّ كعبًا كان يقولُ: غَضِبتِ الملائكةُ، واسْتَعَرَتْ جَهَنَّمُ حينَ قالوا ما قالوا (٦). وقولُه: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: وتكادُ الأرضُ تنشقُّ، فتَنْصَدِعُ (٧) مِن ذلك، ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. يقولُ: وتكادُ الجبالُ يسقُطُ بعضُها على بعضٍ سُقوطًا. والهَدُّ السُّقوطُ. وهو مصدرُ هَدَدتُ، فأنا أهُدُّ هَدًّا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 10769

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. يقولُ: هَدْمًا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. قال: الهَدُّ: الانْقِضَاضُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. قال: غضَبًا للهِ. قال: ولقد دَعا هؤلاءِ الذين جعَلوا للهِ هذا الذي غضبت السماوات والأرضُ والجبالُ من قولهم، لقد اسْتَنابَهم ودعاهم إلى التَّوبةِ، فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. قالوا: هو وصاحبَتُه وابْنُه. جَعَلُوهما (٢) إلهَيْن [مع اللهِ] (٣) ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) [المائدة: ٧٣، ٧٤]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾. الله يقولُ تعالى ذِكرُه: وتكادُ الجبالُ أن تَخِرَّ انْقِضَاضًا؛ لأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا؛ فـ"أن" في موضع نصب في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ لاتِّصالِها بالفعلِ، وفي قولِ غيرِه

стр. 10770

في موضِعِ خَفْضٍ بضمِيرِ الخافضِ (١)، وقد بيَّنَّا الصوابَ من القولَ في ذلك في غيرِ موضِعٍ من كتابِنا هذا، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموْضِعِ (٢). وقال: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾. يعنى بقولِه: ﴿أَنْ دَعَوْا﴾: أن جعَلوا له ولدًا. كما قال الشاعرُ (٣): ألا رُبَّ مَن تَدعُو نَصِيحًا وإِن تَغِبْ (٤) … تَحِدُه بِغَيْبِ غَيْرَ مُنتَصِحَ الصَّدرِ وقال ابن أحمرَ (٥): هوَى (٦) لها مِشْقَصًا حَشْرًا فَشَبْرَقَها (٧) … وكنتُ أدْعُو قَذَاها الإثْمِدَ القَرِدَا (٨) وقولُه: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾. يقولُ: وما يَصْلُحُ للهِ أَن يَتَّخِذَ

стр. 10771

ولدًا؛ لأنه ليس كالخلقِ الذين تغْلِبُهم الشَّهواتُ، وتضطرُّهم اللَّذَّاتُ إلى جماعِ الإناثِ، ولا ولدَ يَحدُثُ إِلَّا مِن أُنْثَى، واللهُ يتَعالى عن أن يكونَ كخَلْقِه. وذلك كقولِ ابن أحمرَ (١): في رأسِ خَلْقاءَ مِن عَنْفَاءَ مُشْرِفَةٍ … ما ينبغى دُونَها سَهْلٌ ولا جَبَلٌ يعنى: لا يصْلُحُ ولا يكُونُ. ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ يقولُ جَلَّ وعزَّ: ما جميعُ مَن في السماواتِ من الملائكةِ، وفى الأرضِ من البشرِ والإنسِ والجِنِّ ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. يقولُ: إلا يأتى ربَّه يومَ القيامةِ عبدًا له، ذليلًا خاضِعًا مُقِرًّا له بالعُبُودَة، لا نَسبَ بينه وبينَه. وقولُه: ﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾ إِنما هو فاعلٌ مِن أتيتُه، فأنا آتِيه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لقد أحصَى الرحمنُ خلقَه كلَّهم، وعدَّهم عدًّا فلا يَخفَى عليه مبلَغُ جميعِهم، وعَرف عددَهم فلا يَعْزُبُ عنه مِنهم أحدٌ: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. يقولُ: وجميعُ خَلْقِه سوفَ يَردُ عليه يوم تقومُ الساعةُ، وحيدًا لا ناصرَ له من اللهِ، ولا دافِعَ عنه؛ فيَقْضِى اللهُ فيه ما هو قاضٍ، ويصنَعُ به ما هو صانعٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا

стр. 10772

لُدًّا (٩٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين آمنوا باللهِ ورُسُلِه، وصدَّقُوا بما جاءهم من عندِ ربِّهم، فعَمِلوا به؛ فأَحَلُّوا حَلالَه، وحرَّموا حرامَه ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ في الدُّنيا، في صدورِ عبادِه المؤمنين. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن مسلمٍ المُلائيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: محبةً في الناسِ في الدُّنيا (١). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: حُبًّا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: الودُّ مِن المسلمينِ في الدنيا، والرِّزقُ الحسنُ، واللسانُ الصَّادقُ (٣). حدَّثني يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: محبةً في المسلمين في الدُّنيا (٤).

стр. 10773

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن القاسمِ بن أَبِي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى خَلْقِه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم إلى المؤمنين (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني عليُّ بنُ هاشمٍ، عن ابن أبي ليلى، عن الحَكَمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يُحبُّهم ويُحبِّبُهم (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. قال: ما أَقْبَلَ عبدٌ إلى اللهِ إلا أقْبَل اللهُ بقلوبِ العِبادِ إليه، وزادَه (٣) من عندِه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾: إي واللهِ في قلوبِ أهلِ الإيمانِ؛ ذُكِر لنا أن هَرِمَ بنَ حَيَّانَ (٤) كان يقولُ: ما أقْبَلَ عبدٌ بقلبه إلى اللهِ، إلا أقبَل اللهُ

стр. 10774

بقلوبِ المؤمنين إليه، حتى يرزُقَه مودَّتَهم ورحمتَهم (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عثمانَ بنَ عفانَ كان يقولُ: ما من الناس عبد يعمل خيرا ولا شرًّا إلا كَسَاه الله رداءً عملِه (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا [عبد الرزاقِ، عن الثَّوْرِيِّ، عن [عبدِ اللهِ ابن] (٣) مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ] (٤) وُدًّا﴾ قال: محبةً (٥). وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في عبدِ الرحمن بن عوفٍ؛ حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن سعيدٍ الواسطيُّ، قال: أخبَرنا يعقوبُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبد العزيزِ بنُ عِمْرانَ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ بن أبي سليمانَ بن جبيرِ بن مُطْعِمٍ، عن أبيه، عن أُمَّه أمِّ إبراهيمَ بنتِ أبى عُبيدةَ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، عن أبيها، عن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، أنَّه لما هاجَر إلى المدينةِ، وجَد في نفسِه على فِراقِ أصحابِه بمكةَ، مِنهم شَيْبَةُ بنُ رَبيعةَ، وعُتْبَةُ بنُ ربيعةَ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، فَأَنزَلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٦).

стр. 10775

وقولُه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإِنَّما يَسَّرْنا يا محمدُ هذا القرآنَ بلسانِك، تَقْرَؤُه، لتُبَشِّرَ به المتقينَ، الذين اتَّقَوْا عقابَ اللهِ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه - بالجنةِ، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ يقولُ: ولِتُنذِرَ بهذا القرآن عذابَ اللهِ، قومك مِن قريشٍ؛ فإِنَّهم أهلُ لَدَدٍ وجَدَلٍ بالباطلِ، لا يَقْبَلون الحقَّ. واللَّدَدُ: شدَّةُ الخصومةِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لُدًّا﴾. قال: لا يَسْتَقيمون (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. يقولُ: لِتُنذِرَ به قومًا ظَلَمةً (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا

стр. 10776

لُدًّا﴾: أي جَدَلًا (١) بالباطلِ، ذوى لدَدٍ وخصومةٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. قال: فُجَّارًا (٣). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾. قال: [جدلًا (٤) بالباطلِ (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. قال] (٦): [الألَدُّ الظَّلومُ] (٧). وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (٨). حدَّثنا أبو صالحِ الضِّرارِيُّ، قال: ثنا العلاءُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنا مهديُّ بنُ ميمونٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ : ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. قال: صُمًّا عن الحقِّ (٩).

стр. 10777

حدَّثني ابن [سنانٍ القَزَّازُ] (١)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن هارونَ، عن الحسنِ مثلَه. وقد بيَّنَّا معنَى الألَدِّ فيما مضَى بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكثيرًا أهْلَكْنا، يا محمدُ، قبلَ قومِك مِن مُشْرِكى قريشٍ: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾ يعنى: مِن جماعةٍ مِن الناسِ، إذ سَلَكُوا في خِلافي وركوبِ معاصِيَّ مَسْلَكَهم ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾. يقولُ: فهل تُحِسُّ أنت منهم أحدًا، يا محمدُ، فتَراه وتُعايِنَه، ﴿وَكَمْأَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. يقولُ: أو تسمعُ لهم صوتًا، بل بادُوا وهلَكُوا، وخَلَت مِنهم دُورُهم، وأوْحَشَت منهم منازلُهم، وصاروا إلى دارٍ لا ينفَعُهم فيها إلّا صالحٌ من عملٍ قدَّموه. فكذلك قومُك هؤلاء، صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يُعالجِوا (٣) التوبةَ قبلَ الهَلاكِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

стр. 10778

قولَه: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. قال: صوتًا (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. قال: هل تَرَى عَيْنًا، أو تسمعُ صوتًا (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. يقولُ: هل تسمعُ مِن صَوْتٍ، أَو تَرَى مِن عينٍ (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. يعنى: صوتًا (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ قال: رِكْزُ الناسِ: أصواتُهم. قال أبو كريبٍ: قال سفيانُ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾. قال: أو تسمعُ لهم حِسًّا. قال: والرِّكْرُ: الحِسُّ (٥).

стр. 10779

قال أبو جعفرٍ: والرِّكْزُ في كلامِ العربِ: الصوتُ الخَفيُّ، كما قال الشاعرُ (١): فتَوجَّسَتْ رِكْزَ (٢) الأنِيسِ فَراعَها … عن ظَهْرِ غَيبٍ والأنِيسُ سَقَامُها آخر تفسيرِ سورةِ مريمَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

стр. 10780

تفسيرُ سورةِ طه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿طه﴾، فقال بعضُهم: معناه: يا رَجُلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيلَةَ، عن الحسينِ (١) بن واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿طه﴾. قال: بالنَّبَطِيَّةِ: يا رَجُلُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾: فَإِنَّ قومَه قالوا: لقد شَقِى هذا الرجلُ بربِّه. فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿طه﴾. يعني: يا رَجُلُ، ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (٣).

стр. 10781

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرنى عبدُ اللهِ بنُ مسلمٍ، أو يَعلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قال: ﴿طه﴾: يا رَجُلُ، بالسريانيةِ (١). قال ابن جريجٍ: وأخبَرنى زمعةُ بنُ صالحٍ، عن سلَمةَ بن وَهْرامَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ بذلك أيضًا (٢). قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ ذلك أيضًا (٣). حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمارةُ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ، كلمةٌ بالنَّبَطيَّةِ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا [عبيدُ اللهِ] (٤)، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طه﴾. قال: هي بالنَّبَطيَّةِ: يا إنسانُ. حدَّثنا [محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ] (٥)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن قرةَ بن خالدٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ، بالنَّبَطِيَّةِ (٦). وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصَينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ (٧).

стр. 10782

وحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿طه﴾. قال: يا رجلُ، وهى بالسريانيةِ (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ والحسنِ في قولِه: [طه﴾، قالا: يا رجلُ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ -[يَعنى ابنَ سليمانَ] (٣) - قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿طه﴾. يقولُ: يا رجلُ. وقال آخرون: هو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ، وقَسَمٌ أقسَم اللهُ به. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿طه﴾. قال: فإنه قسمٌ [أقسمه اللهُ] (٤)، وهو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ (٥). وقال آخرون: هو حروفُ هجاءٍ. وقال آخرون: هي (٦) حروفٌ مُقطَّعةٌ، يَدُلُّ كلُّ حرفٍ منها على معنًى. واختلَفوا في ذلك اختلافَهم في ﴿الم﴾. وقد ذكَرنا ذلك في مواضعِه، وبيَّناه بشواهدِه (٧)

стр. 10783

والذي هو أولَى بالصوابِ عندى مِن الأقوالِ فيه قولُ مَن قال: معناه: يا رجلُ. لأنها كلمةٌ معروفةٌ في عَكٍّ (١) فيما بلَغنى، وأن معناه فيهم: يا رجلُ، وأُنشِد لمتممِ بن نُويرةَ (٢): هتفتُ بِطَهَ في القتالِ فلمْ يُجِبْ … فخِفتُ عليهِ أنْ يكونَ مُوائِلَا (٣) وقال آخرُ (٤): إن السَّفاهةَ طَهَ من خلائقِكم … لا بارَك اللهُ في القومِ الملاعينِ فإذ كان ذلك معروفًا فيهم على ما ذكَرْنا، فالواجبُ أن يُوجَّهَ تأويلُه إلى المعروفِ فيهم مِن معناه، ولا سِيَّما إذا وافَق ذلك تأويلَ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعينِ. فتأويلُ الكلامِ إذن: يا رجلُ، ما أنْزَلْنا عليك القرآن لتَشْقَى بإنزالِناه (٥) عليك، فنكلِّفَك ما لا طاقةَ لك به مِن العملِ. وذُكِر أنه قيل له ذلك بسببِ ما كان يَلْقَى مِن النَّصَبِ والعَناءِ والسَّهِرِ في قيامِ الليلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن

стр. 10784

مجاهدٍ: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. قال: [في الصلاةِ. قال] (١): هي مِثلُ قولِه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. فكانوا يُعلِّقون الحبالَ بصدُورِهم (٢) في الصلاةِ (٣). وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. قال: في الصلاةِ؛ كقولِه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. وكانوا يعلِّقون الحبالَ بصدورِهم في الصلاةِ. وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾: لا واللهِ ما جعَله اللهُ شقاءً (٤)، ولكن جعَله رحمةً ونورًا، ودليلًا إلى الجنةِ (٥). وقولُه: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه: ما أنزَلنا عليك هذا القرآنَ إلا تذكرةً لمن يَخشَى عقابَ اللهِ، فيَتَّقِيه بأداءِ فرائضِ ربِّه واجتنابِ محارمِه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾: وإن الله أَنزَل كتابَه (٦)، وبعث رسلَه رحمةً رحِم اللهُ بها العبادَ؛ ليتذَكَّر ذاكرٌ، ويَنْتِفِعَ رجلٌ بما سمِع مِن كتابِ اللهِ، وهو ذكرٌ له أنزَله (٧) اللهُ،

стр. 10785

فيه حلَالُه وحرامُه، فقال: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ (١). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. قال (٢): أنزَلناه عليك تذكرةً لمَن يَخشَى. فمعنَى الكلامِ إذن: يا رجلُ ما أنزَلنا عليك هذا القرآنُ لتشقَى به، ما أنزَلناه إلا تذكرةً لمَن يَخشَى. وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ ﴿تَذْكِرَةً﴾؛ فكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ (٣): ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾. بدلًا مِن قولِه: ﴿لِتَشْقَى﴾. فجعَلَه: ما أنزَلنا عليك القرآنَ إلا تذكرةً. وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٤) يقولُ: نُصِبت على قولِه: ما أنزلناه (٥) إلا تذكرةً. وكان بعضُهم يُنكرُ قول القائلِ: نُصبِت بدلًا مِن قولِه: ﴿لِتَشْقَى﴾. ويقولُ: ذلك غيرُ جائزٍ؛ لأن: ﴿لِتَشْقَى﴾. في الجَحْدِ، و: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾. في التحقيقِ، ولكنَّه تكريرٌ. وكان بعضُهم يقولُ: معنى الكلامِ: ما أنزَلنا عليك القرآنَ إلا تذكِرةً لمَن يَخْشَى، لا لِتَشْقَى. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾.
следующие страницы →