← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.

стр. 10816

ذلك: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِى. أن يكونَ أراد: أُخْفِيها من قِبَلى ومِن عندِى. وكلُّ هذه الأقوالِ التي ذكَرْناها عمَّن ذكَرْنا توجِيهٌ مِنهم للكلامِ إلى غيرِ وَجْهِه المعروفِ، وغيرُ جائزٍ توجِيهُ معاني كلامِ اللهِ جل وعز إلى غيرِ الأغْلَبِ عليه مِن وجوهِهِ عندَ المخاطَبين بهِ، ففى ذلك - مع خِلافِهم تأويلَ أهلِ العلمِ فيه - شاهِدا (١) عَدْلٍ على خطأِ ما ذهَبوا إليه فيه. وقولُه: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾. يقولُ جل ثناؤُه: إن الساعةَ آتيةٌ؛ ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾. يقولُ: لتثابَ كلُّ نفسٍ امْتَحَنها ربُّها بالعبادةِ في الدنيا ﴿بِمَا تَسْعَى﴾. يقولُ: بما تعملُ مِن خيرٍ وشَرٍّ، وطاعةِ ومعصيةٍ. وقولُه: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يَرُدَّنك يا موسى عن التأهُّبِ للساعةِ ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾. يعنى: من لا يُقرُّ بقيامِ الساعة، ولا يصدِّقُ بالبعثِ بعدَ المماتِ، ولا يَرجُو ثوابًا، ولا يخافُ عقابًا. وقولُه: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. يقولُ: اتَّبَع هوَى نفسه، وخالَفَ أَمرَ اللهِ ونَهْيَه، ﴿فَتَرْدَى﴾. يقولُ: فتَهْلِكَ إن أنتَ انْصَدَدتَ عن التأهُّبِ للساعةِ، وعن الإيمانِ بها، وبأن الله باعثٌ الخلقَ لقيامِها من قبورِهم بعدَ فَنائِهِم بِصَدِّ مَن كفَر بها. وكان بعضُهم يزعُم أن الهاءَ والألفَ من قولِه: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ كنايةٌ عن ذكْرِ "الإيمانِ". قال: وإنما قيل: ﴿عَنْهَا﴾ وهى كنايةٌ عن "الإيمانِ"، كما قيل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. يذهَبُ إلى "الفِعْلة". ولم يَجْرِ للإيمانِ ذكْرٌ في هذا الموضعِ فيُجْعَلَ ذلك من ذِكْرِه، وإِنما جَرَى ذَكْرُ

стр. 10817

الساعةِ، فهو بأن يكونَ مِن ذِكْرِها أولى. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما هذه التي هي في يمينِكَ يا موسى؟ فالباءُ في قولِه: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ من صِلَة ﴿تِلْكَ﴾. والعربُ تَصِلُ "تلك" و "هذه"، كما تَصِلُ "الذي". ومنه قولُ يزيدَ بن مُفَرِّغٍ (١): عدَسْ ما لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إمارَةٌ … أَمِنْت وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ كأنه قال: والذي تَحْملِين طَلِيقٌ. ولعلَّ قائلًا أن يقولَ: وما كان (٢) وجهُ استخبارِ اللهِ موسى عمَّا في يدِه، ألم يكنْ عالمًا بأن الذي في يدِه عصًا؟ قيل له: إن ذلك على غير الذي ذهبتَ إليه، وإنما قال ذلك تعالى ذكرُه له إذ أراد أن يحوِّلَها حيَّةً تَسْعَى [وهى خشبةٌ، فنبَّهه عليها] (٣)، وقرَّره بأنها خشبةٌ يتوكَّأُ عليها ويَهُشُّ بها على غنمِه، ليعرِّفَه قُدْرتَه على ما شاء، وعظيمَ سلطانِه، ونفاذ أمرِه فيما أحبَّ، بتحويلِه إيَّاها حيَّةً تَسْعَى إذا أراد ذلك (٤)؛ ليجعَلَ ذلك لموسى آيةً مع سائر آياتِه إلى فرعونَ وقومِه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن موسى: قال موسى مجيبًا لربِّه: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. يقولُ: أضرِبُ بها الشجرَ اليابسَ فيسقُطُ

стр. 10818

ورقُها فترعاه غنمي. يقالُ منه: هشَّ فلانٌ الشجرَ يهُشُّ هَشًّا. إذا اخْتَبط ورقَ أغصانِها فسقَط ورقُها، كما قال الراجزُ (١): أهُشُّ بالعَصا على أَغْنَامي من ناعمِ الأَرَاكِ والْبَشامِ (٢) وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادَة في قولِه: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. قال: [أَخْبِطُ بها الشجرَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. قال: كان نبيُّ اللهِ الله موسى ﷺ يهُشُّ على غنمِه ورقَ الشجرِ. حدَّثني، موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. يقولُ: أضرِبُ بها الشجرَ للغنمِ، فيقَعُ الورقُ (٤). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. قال] (٥): يتوكَّأُ عليها حينَ يَمشى مع

стр. 10819

الغنمِ، ويهُشُّ بها؛ يحرِّكُ الشجرَ حتى يسقُطَ الورقُ؛ الحَبلةُ (١) وغيرُها (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عكرمةَ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. قال: أضرِبُ بها الشجرَ، فيسقُطُ ورقُها عليَّ. حدَّثني عبدُ اللهِ بن أحمدَ بن شَبُّويَه، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ (٣)، قال: ثنا حسينٌ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. قال: أضرِبُ الشجرَ فيتساقطُ الورقُ على غنمى (٤). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. [يقولُ: أضرِبُ بها الشجرَ حتى يسقُطَ منه ما تأكُلُ غنمى] (٥). وقولُه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. يقولُ: ولى في عصايَ هذه حوائجُ أُخرى. وهي جمعُ مأْرُبةٍ، وفيها للعربِ لغاتٌ ثلاثٌ؛ مأْرُبةٌ بضمِّ الراءِ، ومأْرَبةٌ بفتحِها، ومأْرِبةٌ بكسرِها، وهى مَفْعُلةٌ، من قولهم: لا أَرَبَ لى في هذا الأمرِ. أي: لا حاجةَ لي فيه. وقيل: ﴿أُخْرَى﴾ - وهى (٦) مآربُ جمعٌ - ولم يقل: أُخَرُ. كما قيل: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. وقد بيَّنتُ العلةَ في توحيدِ (٧) ذلك

стр. 10820

هنالك (١). وبنحوِ الذي قلنا في معنى المآربِ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبيُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ جُميعٍ، قال: ثنا سِماكُ بنُ حَرْبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حوائجُ أُخرى قد علِمتَها (٢). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. يقولُ: حاجةٌ أُخرى (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (٤)، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حاجاتٌ؛ منافعُ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حاجاتٌ] (٦).

стр. 10821

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. يقولُ: حوائجُ أُخرى؛ أحمِلُ عليها المِزْودَ والسِّقاءَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حوائجُ أُخرى. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال حاجاتٌ أُخرى (٢)؛ منافعُ أُخرى (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. أي: منافعُ أُخرى (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حوائجُ أُخرى سوى ذلك. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾. قال: حاجاتٌ أُخرى. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى: ألقِ عصاك التي بيمينِك يا موسى.

стр. 10822

يقولُ جلَّ ثناؤُه: فألقاها موسى، فجعَلها اللهُ حيَّةٌ تَسْعَى، وكانت قبلَ ذلك خشبةً يابسةً، وعصا يتوكَّأُ عليها موسى، ويهُشُّ بها على غنمِه، فصارت حيةً بأمرِ اللهِ. كما حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضبِّيُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ جُميعٍ، قال: ثنا سِماكُ بنُ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قيل لموسى: أَلْقِها يا موسى. ألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ولم تكنْ قبلَ ذلك حيةً. قال: فمرَّت بشجرةٍ فأكَلتها، ومرَّت بصخرةٍ فابتلَعتها. قال: فجعَل موسى يسمَعُ وقعَ الصخرةِ في جوفِها. قال: فولَّى مُدْبِرًا، فنُودِىَ أن يا موسى خُذْها. فلم يأخُذْها، ثم نُودِيَ الثانيةَ: أن ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾. فلم يأخُذْها، فقيل له في الثالثةِ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]. فأخَذها (١). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: قال له، يعني لموسى، ربُّه: ﴿أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ يعنى: عصاه. ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. فنُودِيَ: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي (٢) لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣) [النمل: ١٠]. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾: تهتزُّ، لها أنيابٌ وهيئةٌ كما شاء اللهُ أن تكونَ، فرأى أمرًا فظيعًا، فولَّى مدبرًا ولم يعقِّبْ، فناداه ربُّه: يا موسى أقْبِلْ

стр. 10823

ولا تَخَفْ، ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ (١). وقولُه: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى: خُذِ الحيةَ. والهاءُ والألفُ من ذكرِ "الحيةِ"، ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تخفْ من هذه الحيةِ، ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. يقولُ: فإنا سنعيدُها لهيئتِها الأولى التي كانت عليها قبلَ أن نصيِّرَها حيةً، ونردَّها عصًا كما كانت. يقال لكلِّ من كان على أمرٍ فترَكه، وتحوَّل عنه ثم راجَعه: عاد فلانٌ سيرتَه الأولى، وعاد لسيرتِه الأولى، وعاد إلى سيرتِه الأولى. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. يقولُ: حالَتَها الأُولى (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ [قولَه: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا] (٣) الْأُولَى﴾. قال: هيئتَها (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن

стр. 10824

مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. أي: سنردُّها عصًا كما كانت (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. قال: إلى هيئتِها الأُولى. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واضمُمْ يا موسى يدَك فَضَعْها تحتَ عَضُدِك. والجناحانِ هما اليدانِ. كذلك رُوِىَ الخبرُ عن أبي هريرةَ وكعبِ الأحبارِ. وأما أهلُ العربيةِ فإنهم يقولون: هما الجَنْبان. وكان بعضُهم يستشهِدُ لقولِه ذلك بقولِ الراجزِ (٢): أضُمُّهُ للصدرِ والجَنَاحِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَى جَنَاحِكَ﴾. قال: كفُّه تحتَ عضُدِه (٣).

стр. 10825

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقولُه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. ذُكِر أن موسى ﵇ كان رجلًا آدمَ، فَأَدْخَل يدَه في جيبِه، ثم أَخْرَجها بيضاءَ من غيرِ سوءٍ؛ من غيرِ بَرَصٍ، مثلَ الثلجِ، ثم ردَّها، فخرَجت كما كانت على لونِه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةَ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن منبهٍ (١) بذلك. حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزاريُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، قال: من غيرِ بَرَصٍ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. قال: من غيرِ برصٍ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه:

стр. 10826

﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. قال: من غيرِ برَصٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. قال: من غيرِ بَرَصٍ. حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، قال: [السوءُ البياضُ] (٢)؛ من غيرِ برَصٍ (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكِ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: من غيرِ برَصٍ (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. قال: أخْرَجها اللهُ مِن غيرِ سوءٍ؛ من غيرِ برَصٍ، فعلِم موسى أنه لقِى ربَّه (٥). وقولُه: ﴿آيَةً أُخْرَى﴾. يقولُ: وهذه علامةٌ ودلالةٌ أُخرى غيرُ الآيةِ التي أَرَيْناك قبلَها من تحويلِ العصا حيةً تسعى - على حقيقةِ ما بعَثناك به من الرسالةِ لمن بعَثناك إليه. ونصبَ ﴿آيَةً﴾ على اتصالِها بالفعلِ، إذ لم يظهَرْ لها ما يُرافِعُها (٦) من "هذه" أو "هي".

стр. 10827

وقولُه: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾. يقولُ: واضمُمْ يدَك يا موسى إلى جَناحِك تخرُجْ بيضاءَ من غيرِ سوءٍ، كى نُريَك من أدلَّتِنا (١) الكبرى على عظيمِ سلطانِنا وقدرتِنا. وقال: ﴿الْكُبْرَى﴾ فوحَّد، وقد قال: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾. كما قال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. وقد بيَّنا ذلك هنالك (٢). وكان بعضُ أهلِ البصرةِ يقولُ (٣): إنما قيل: ﴿الْكُبْرَى﴾؛ لأنه أُرِيد بها التقديمُ، كأن معناها عندَه: لنريَك الكُبرى من آياتِنا. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه موسى: اذْهَبْ يا موسى ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. يقولُ: تجاوَز قدْرَه، وتمرَّد على ربِّه. وقد بيَّنا معنى "الطغيانِ" فيما مضى بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤). وفى الكلامِ محذوفٌ اسْتُغنى بفهمِ السامعِ بما ذُكِر منه، وهو قولُه: اذْهَبْ إلى فرعونَ إِنه طَغَى، فادْعُه إلى توحيدِ اللهِ وطاعتِه، وإرسالِ بنى إسرائيلَ معك. ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: قال موسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾. [يقولُ: اشْرَحْ لى صَدْرى] (٥) لأعِيَ عنك ما تُودِعُه مِن وحيِك، وأجْترئَ به على خطابِ فرعونَ، ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾. يقولُ: وسَهِّلْ لى (٦)

стр. 10828

القيامَ بما تُكلِّفُنى من الرسالةِ، وتحمِّلُنى من الطاعةِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾. قال: جرِّئْه (١) لى. وقولُه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾. يقولُ: وأَطْلِقْ لساني بالمنطقِ. وكانت فيه - فيما ذُكِر - عُجْمةٌ عن الكلامِ للذى (٢) كان من إلقائِه الجمرةَ إلى فيه يومَ همَّ فرعونُ بقتلِه. ذكرُ الروايةِ بذلك عمن قاله حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيحٍ، عن [سعيدِ بن جبيرٍ] (٣) في قولِه: ﴿عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾. قال: عجمةً، الجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تردُّ به عنه عقوبةَ فرعونَ، حين أخَذ موسى بلحيتِه وهو لا يعقِلُ، فقال: هذا عدوٌّ لى. فقالت [له: إنه لا يعقِلُ] (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾: لجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تدرَأُ به عنه عقوبةَ فرعونَ، حينَ أخَذ موسى بلحيتِه وهو لا يعقِلُ، فقال: هذا

стр. 10829

عدوٌّ لي. فقالت له: إنه لا يعقِلُ. هذا قولُ سعيدِ بن جبيرٍ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾. قال: عجمةً، لجمرةِ نارٍ أَدْخَلها في فيه، عن أمرِ امرأةِ فرعونَ، تردُّ به عنه عقوبةَ فرعونَ حينَ أَخَذ بلحيتِه (١). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: لما تحرَّك الغلامُ - يعنى موسى - أرَته (٢) أمُّه آسيةُ صبيًّا، فبينما هي ترقِّصُه وتلعبُ به، إذ ناولَته فرعونَ وقالت: خذْه. فلما أخَذه إليه أخَذ موسى بلحيتِه فنتَفها، فقال فرعونُ: عليَّ بالذَّبَّاحين. قالت آسيةُ: لا تَقْتُلُوه، عسى أن يَنْفَعَنا أو نَتَّخِذَه ولدًا، إنما هو صبيٌّ لا يعقِلُ، إنما صنَع هذا من صِباه، وقد علِمتَ أنه ليس في أهلِ مصرَ أَحْلَى منى، أنا أضعُ له حَلْيًا من الياقوتِ، وأضعُ له جمرًا، فإن أخَذ الياقوتَ فهو يعقِلُ فاذبَحْه، وإن أخَذ الجمرَ فإنما هو صبيٍّ. فأَخْرَجت له ياقوتَها ووضعت له طسْتًا من جمرٍ، فجاء جبريلُ فطرَح في يدِه جمرةً، فطرَحها موسى في فيه، فأَحْرَقت لسانَه، فهو الذي يقولُ اللهُ : ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. فزالَت (٣) عن موسى من أجلِ ذلك (٤). وقولُه: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: يقولُ: يَفْهَموا (٥) عنى ما أُخاطبُهم وأُراجعُهم به من

стр. 10830

الكلامِ، ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ يقولُ (١): واجعَلْ لى عونًا [﴿مِنْ أَهْلِي﴾. يقولُ] (٢): من أهلِ بيتى ﴿هَارُونَ أَخِي﴾. وفى نصبِ ﴿هَارُونَ﴾ وجهان؛ أحدُهما، [أن يكونَ منصوبًا بقوله: ﴿وَاجْعَلْ﴾. فيكونَ "الوزيرُ" على هذا الوجهِ إذا نُصِب فعلًا لـ ﴿هَارُونَ﴾. والآخرُ] (٣)، أن يكونَ "هارونُ" منصوبًا على الترجمةِ عن "الوزيرِ". حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: كان هارونُ أكبرَ من موسى (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن موسى أنه سأل ربَّه أن يشدُدَ أَزْرَه بأخيه هارونَ. وإنما يعنى بقولِه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾: قوِّ به (٥) ظَهْرى، وأَعِنِّي به. يقالُ منه: قد آزَر فلانٌ فلانًا. إذا أعانه وشدَّ ظهرَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾. يقولُ: اشدُدْ به ظهرى. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اشْدُدْ

стр. 10831

بِهِ أَزْرِي﴾. يقولُ: اشْدُدْ به أمرى، وقوِّنى به، فإن لي به قوّةً (١). وقولُه: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾. يقولُ: واجعَلْه نبيًّا مثلَ مَا جَعَلتَنى نبيًّا، وأَرْسِلْه معى إلى فرعونَ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾. يقولُ: كي نعظِّمَك بالتسبيحِ لك كثيرًا، ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ فنُمجِّدَك ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. يقولُ: إنك كنت ذا بصَرٍ بنا، لا يخْفى عليك من أفعالِنا شيءٌ. وذُكِر عن عبدِ اللهِ بن أبي إسحاقَ أنه كان يقرأُ: (أَشْدُدْ بِهِ أَزْرِى). بفتحِ الألفِ من (أَشْدُدْ)، (وأُشْرِكْهُ في أَمْرِى) بضمِّ الأُلفِ من (أُشْرِكْهُ) (٢). بمعنى الخبرِ من موسى عن نفسِه أنه يفعَلُ ذلك، لا على وجهِ الدعاءِ، وإذا قُرِئ ذلك كذلك جُزِم "أَشَدُدْ" و "أُشْرِكْ" على الجزاءِ، أو (٣) جوابِ الدعاءِ. وذلك قراءةٌ لا أرى القراءةَ بها، وإن كان لها وجهٌ، مفهومٌ، لخلافِها قراءةَ الحجةِ التي لا يجوزُ خلافُها (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى: قد أُعْطِيتَ ما سألتَ يا موسى ربَّك من شرحه صدرَك، وتيسيرِه لك أمرَك، وحَلِّ عقدةِ لسانِك، وتصييرِ أخيك هارونَ وزيرًا لك، وشَدِّ أَزْرِك به، وإشراكِه في الرسالةِ معك. ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد تطوَّلنا عليك يا موسى قبلَ هذه المرّةِ مرّةً أخرى، وذلك حينَ أَوْحَينا إلى أمِّك إذ ولَدَتك في العامِ الذي كان فرعونُ يقتُلُ كلَّ مولودٍ ذكَرٍ من قومِك - ما أَوْحَينا إليها، ثم فسَّر تعالى ذكرُه ما أَوْحَى إلى أمِّه،

стр. 10832

فقال: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾. فـ ﴿أَنِ﴾ في موضعِ نصبٍ ردًّا على ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿مَا يُوحَى﴾. وترجمةً عنها. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد مننَّا عليك يا موسى مرّةً أخرى حينَ أَوْحَينا إلى أمِّك أن اقْذِفى ابنَك موسى - حينَ ولَدَتكَ - في التابوتِ، ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾. يعنى باليَمِّ النيلَ، ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾. يقولُ: فاقْذِفيه في اليَمِّ، يُلْقِه اليمُّ بالساحلِ. وهو جزاءٌ أُخْرِج مُخْرَجَ الأمرِ، كأنَّ اليمَّ هو المأمورُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. [العنكبوت: ١٢]. بمعنى: اتبعوا سبيلَنا نحمِلْ عنكم خطاياكم. ففعَلت ذلك أمُّه به فألقاه اليمُّ بمَشْرَعَةِ آلِ فرعونَ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما ولَدَت موسى أمُّه أَرْضَعته، حتى إذا أمَر فرعونُ بقتلِ الولدانِ من سنتِه تلك، عمَدت إليه، فصنَعت به ما أمَرها اللهُ ﵎، جعَلته في تابوتٍ صغيرٍ، ومهَّدت له فيه، ثم عمَدت إلى النيلِ فقذَفته فيه، فأصبَح فرعونُ في مجلسٍ له كان يجلِسُه على شفيرِ النيلِ كلَّ غداةٍ، فبينا هو جالسٌ، إذ مرَّ النيلُ بالتابوتِ فقذَف به وآسيةُ ابنةُ مُزاحمٍ امرأتُه جالسةٌ إلى جنبِه، فقال: إن هذا لشيءٌ في البحرِ، فأتونى به. فخرَج إليه أعوانُه حتى جاءوا به، ففتَح التابوتَ فإذا فيه صبيٌّ في مهدِه، فألقى اللهُ عليه محبتَه، وعطَف عليه نفسَه (١). وعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾. فرعونَ، وهو العدوُّ

стр. 10833

كان للهِ ولموسى. حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾: وهو البحرُ، وهو النيلُ (١). واختلف أهلُ التأويلِ في معنى "المحبةِ" التي قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك أنه حبَّبه إلى عبادِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصدائيُّ والعباسُ بنُ محمدٍ الدُّوريُّ، قالا: ثنا حسينٌ الجُعْفيُّ، عن موسى بن قيسٍ الحَضْرميِّ، عن سلَمةَ بن كُهيلٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. قال عباسٌ: حبَّبتك إلى عبادى. وقال الصُّدائيُّ: حبَّبتك إلى خلقى (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: أي: حسَّنتُ خَلَقَك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى إبراهيمُ بنُ مَهْدِيٍّ، عن رجلٍ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. قال: حُسْنًا وملاحةً (٣). قال أبو جعفرٍ: والذي هو أولى بالصوابِ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله عزّ

стр. 10834

وجلّ أَلْقَى محبتَه على موسى ﵇، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فحبَّبه إلى آسيةَ امرأةِ فرعونَ حتى تبنَّته وغدَّته وربَّته، وإلى فرعونَ حتى كفَّ عنه عادِيتَه وشرَّه. وقد قيل: إنما قيل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾؛ لأنه حبَّبه إلى كلِّ مَن رآه. ومعنى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾: حبَّبْتك إليهم. يقولُ الرجلُ لآخرَ إذا أحبَّه: ألقيتُ عليك رحمتى. أي: محبتى. القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ولتُغَذَّى وتُرَبَّى على محبتى وإرادتي. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. قال: هو غذاؤُه، ولتُغَذَّى على عينى (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. قال: جَعَله في بيتِ الملكِ ينعَمُ ويترَفُ، غذاؤُه عندَهم غذاءُ الملكِ، فتلك الصَّنْعةُ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت بعينى في أحوالك كلِّها.

стр. 10835

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. قال: أنت بعيني إذ جعَلَتك أمُّك في التابوتِ، ثم في البحرِ، ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ (١). وقرأ ابن نَهيك: (وَلِتَصْنَعَ [على عينى)] (٢) بفتح التاءِ. وتأوَّله كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نَهيكٍ يقرأُ: (وَلِتَصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) فسألتُه عن ذلك، فقال: ولتَعْمَلَ على عينى (٣). قال أبو جعفرٍ: والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ بغيرها: ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ بضمِّ التاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به التأويلُ الذي تأوَّله قتادةُ، وهو: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾: ولتغَذَّى على عينى ألقيتُ عليك المحبةَ منى. وعنى بقولِه: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾: بمرأًى منى ومحبةٍ وإرادةٍ. وقوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حينَ تمشِى أختُك تبتغيك (٤) حتى وجَدَتك، ثم تأتى من يطلُبُ المراضعَ لك، فتقولُ: هل أدُلُّكم على مَن يَكْفُلُه؟ وحُذِف من الكلامِ ما ذكرتُ بعد قولِه: ﴿إِذْ تَمْشِي﴾. استغناءً بدلالة الكلامِ عليه.

стр. 10836

وإنما قالت أختُ موسى ذلك لهم لِما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: لما ألقَته أمُّه في اليمِّ وقالت لأختِه: قصِّيه. فلما التقَطه آلُ فرعونَ، وأرادوا له المرضِعاتِ، فلم يأخُذْ من أحدٍ من النساءِ، وجعَل النساءُ يطلُبْنَ ذلك لينزِلْنَ عند فرعونَ في الرَّضاعِ، فأبَى أن يأخُذَ، فقالت أختُه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]. فأخَذوها وقالوا: بل قد عرفتِ هذا الغلامَ، فدُلِّينا على أهلِه. فقالت: ما أعرِفُه، ولكنى إنما قلتُ: هم للملكِ ناصحون (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قالت - يعنى أمَّ موسى لأختِه -: قُصِّيه فانظُرى ماذا يفعَلون به. فخرَجت في ذلك، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١]. وقد احتاج إلى الرَّضاعِ والتَمس الثديَ، وجمَعوا له المراضعَ حينَ أَلْقَى اللهُ [محبتَهم عليه] (٢)، فلا يُؤْتَى بامرأةٍ فيقبَلُ ثَدْيَها، فيُرْمِضُهم (٣) ذلك، فيُؤْتَى بمُرْضِعٍ بعد مُرْضِعٍ، فلا يقبَلُ شيئًا منهن (٤)، فقالت لهم أختُه حينَ رأت من وَجْدِهم به وحرصِهم عليه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. أي: لمنزلتِه عندَكم وحرصِكم على مسرَّةِ الملكِ (٥). وعنَى بقولِه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾: هل أدلُّكم على من يضمُّه إليه

стр. 10837

فيحضُنَهُ (١) ويُرْضِعَه ويربِّيَه. وقيل: معنى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]: ضمَّها. وقولُه: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فرَدَدناك إلى أُمِّك بعدَ ما صرتَ في أيدى آلِ فرعونَ، كيما تقرَّ عينُها بسلامتِك ونجاتِك من القتلِ والغرقِ في اليمِّ، وكيلا تحزنَ عليك من الخوفِ من فرعونَ عليك أن يقتُلَك. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قالت أختُ موسى لهم ما قالت، قالوا: هاتى. فأتت أمَّه فأخبرتْها، فانطلقت معها حتى أتَتهم، فناولوها إيَّاه، فلما وَضعته في حِجْرِها أَخَذ ثديَها، وسُرُّوا بذلك منه، وردَّه اللهُ إلى أمِّه كي تقرَّ عينُها ولا تحزنَ، فبلَغ لطفُ اللهِ لها وله أن ردَّ عليها ولدَها، وعطَف عليها نَفْعَ فرعونَ وأهلِ بيتِه، مع الأمَنةِ من القتلِ الذي يُتَخَوَّفُ على غيرِه، فكأنَّهم كانوا من أهلِ بيتِ فرعونَ في الأمانِ والسَّعَةِ، فكان على فُرُشِ فرعونَ وسُرُرِه (٢). وقولُه: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك قتله القِبْطيَّ الذي قتَله حينَ استغاثه عليه الإسرائيليُّ، فوكَزه موسى. وقولُه: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فنجَّيناك من غمِّك بقتلِك النفسَ التي قتلتَ، إذ أرادوا أن يقتُلوك بها فخلَّصناك منهم، حتى هرَبتَ إلى أهلِ مَدْينَ، فلم يَصِلوا إلى قتلِك وقَوَدِك به. وكان قتلُه إيَّاه، فيما ذُكِر، خطأً.

стр. 10838

كما حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن أبيه، عن سالمٍ، عن عبدِ الله بن عمرَ، قال: سمِعت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنما قتَل موسى الذي قتَل من آلِ فرعونَ خطأً، فقال اللهُ له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (١). حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ (٢). قال: من قتلِ النفسِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾: النفسِ التي قتَل. واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ابتليناك ابتلاءً، واختَبرناك اختبارًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. يقولُ: اختَبرناك اختبارًا (٤).

стр. 10839

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. قال: ابْتُلِيتَ بلاءً (١). حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ الآمُليُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أَخبَرنا أَصْبَغُ بن زيدٍ الجُهَنيُّ، قال: أخبَرنا القاسمُ بنُ أبي (٢) أيوبَ، قال: ثني سعيدُ بن جبيرٍ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بن عباسٍ عن قولِ اللهِ لموسى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. فسأَلْتُه عن (٣) الفُتُونِ ما هي؟ فقال لي: استأنفِ النهارَ يا بنَ جُبيرٍ؛ فإن لها حديثًا طويلًا. قال: فلما (٤) أصبحتُ غدوتُ على ابن عباسٍ لأنتجزَ منه ما وعَدنى. قال: فقال ابن عباسٍ: تذاكَر فرعونُ وجلساؤُه ما وعَد اللهُ إبراهيمَ أن يجعَلَ في ذَرِّيتِه أنبياءَ وملوكًا، فقال بعضُهم: إن بنى إسرائيلَ ينتظرون ذلك وما يشكُّون، ولقد كانوا يظنُّون أنه يوسفُ بن يعقوبَ. فلما هلَك قالوا: ليس هكذا كان اللهُ وعد إبراهيمَ. فقال فرعونُ: فكيف ترَوْن؟ قال: فأْتَمَروا بينَهم، وأَجْمَعوا أمرَهم على أن يبعَثَ رجالًا معهم الشِّفارُ يطوفون في بنى إسرائيلَ، فلا يجِدون مولودًا ذكرًا إلا ذبَحوه، فلما رأَوا أن الكبارَ من بني إسرائيلَ يموتون بآجالِهم، وأن الصغارَ يُذْبَحون، قالوا: تُوشِكُون (٥) أن تُفْنُوا بنى إسرائيلَ، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمالِ والخدمةِ التي كانوا يَكْفُونكم، فاقتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيَقِلَّ أبناؤُهم، ودَعُوا عامًا لا تقتُلوا منهم أحدًا، فتشُبَّ الصغارُ مكانَ من يموتُ من الكبارِ، فإنهم لن يكثُروا بمن تَسْتَحيون

стр. 10840

منهم، فتخافون مُكاثَرتَهم إيَّاكم، ولن يَقِلُّوا بمن تقتُلون. فأَجْمَعوا أمرَهم على ذلك، فحمَلت أمُّ موسى بهارونَ في العامِ المقبلِ الذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولَدته علانيةً آمنةً، حتى إذا كان العامُ المقبلُ حملت بموسى (١)، فوقَع في قلبِها الهمُّ والحزْنُ، وذلك من الفتونِ يا بنَ جبيرٍ؛ مما دخَل عليه في بطنِ أمِّه مما يرادُ به، فأَوْحَى اللهُ إليها ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. وأمَرها إذا ولَدته أن تجعَلَه في تابوتٍ، ثم تُلْقِيه في اليمِّ، فلما ولَدته فعلت ما أُمِرت به، حتى إذا تَوارَى عنها ابنُها أَتاها إبليسُ، فقالت في نفسِها: ما صنَعْتُ بابني، لو ذُبِح عندى فوارَيْتُه وكفَّنْتُه كان أحبَّ إليَّ من أن أُلْقِيَه بيدى إلى حيتانِ البحرِ ودوابِّه. فانطلَق به الماءُ حتى أَوْفَى (٢) به عندَ فُرْضَةِ (٣) مُسْتَقَى جوارى آلِ فرعونَ، فرأيْنَه فأَخَذْنَه، فهَمَمْنَ أَن يَفْتَحْنَ البابَ، فقال بعضُهن (٤) لبعضِ: إن في هذا مالًا، وإنا إن فتَحْناه لم تُصَدِّقْنا امرأةُ فرعونَ بما وجَدنا فيه. فحمَلنه كهيئتِه لم يحرِّكْن منه شيئًا، حتى دفَعنه، إليها، فلما فتَحته رأت فيه الغلام، فأُلْقِى عليه منها محبَّةٌ لم يُلْقَ مثلُها (٥) منها على أحدٍ من الناسِ، ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠]. من ذكرِ (٦) كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى. فلما سمِع الذبَّاحون بأمرِه أقْبَلوا إلى امرأةِ فرعونَ بشِفارِهم يريدون أن يذبَحوه - وذلك من الفتون يا بن جُبَيرٍ - فقالت للذبَّاحين: انصرِفوا عنى. فإن هذا الواحدَ لا يزيدُ في بنى إسرائيلَ، فآتِى فرعونَ فأستوهبُه إياه، فإن وهبَه لى كنتم قد أَحْسَنتُم وأَجمَلتُم، وإن أمَر بذبحِه لم أَلُمْكم. فلما أتَتْ به فرعونَ قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ

стр. 10841

لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩]. قال فرعونُ: يكونُ لكِ، [فأما أنا فلا حاجةَ لي فيه. فقال [رسولُ اللهِ ﷺ ] (١): "والذي يُحْلَفُ] (٢) به، لو أقرَّ فرعونُ أن يكونَ له قرَّةَ عينٍ كما أقرَّت به، لهداه اللهُ به كما هدَى به امرأتَه، ولكنَّ الله حرَمه ذلك". فأَرْسَلت إلى من حولَها من كلِّ أنثى لها لبنٌ لتختارَ له ظئْرًا، فجعَل كلَّما أَخَذَته امرأةٌ منهن (٣) لتُرضِعَه لم يَقبَلْ ثديَها، حتى أَشْفَقت امرأةُ فرعونَ أن يَمتنعَ من اللبنِ فيموتَ، فحَزَنَها ذلك، فأمَرت به فأُخْرِج إلى السوقِ مجمَعِ الناسِ ترجو أن تُصيبَ له ظئرًا يأخذُ منها، فلم يقبَلْ من أحدٍ، وأصبحت أمُّ موسى، فقالت لأختِه: قُصِّيه واطلُبيه، هل تسمَعين له ذكرًا، أحيٌّ ابنى، أو قد أكَلتْه دوابُّ البحرِ وحيتانُه؟ ونَسِيتُ الذي كان اللهُ وعَدها، فبَصُرت به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يشعُرون، فقالت من الفرحِ حينَ أعياهم الظُّئوراتُ: أنا أدلُّكم على أهلِ بيتٍ يكفُلونه لكم وهم له ناصحون. فأخَذوها وقالوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم له، هل يعرفونه، حتى شكُّوا في ذلك - وذلك من الفتونِ يا بنَ جُبيرٍ - فقالت: نُصْحُهم له وشفقَتُهم عليه، رغْبتُهم في ظُئُورةِ الملكِ، ورجاءُ منفعتِه. فترَكوها، فانطلقت إلى أمِّها فأَخْبَرتها الخبرَ، فجاءت، فلما وضَعَتْه في حَجْرِها نزا إلى ثديها حتى امْتَلأ جنباه، فانطلق البُشَراءُ إلى امرأةِ فرعونَ يبشِّرونها أن قد وجَدنا لابنِك ظِئْرًا. فَأَرْسَلت إليها، فأُتِيَت بها وبه. فلما رأت ما يصنَعُ بها قالت: امْكُثى عندى (٤) تُرْضِعين (٥) ابنى هذا، فإنى لم أُحِبُّ حبَّه شيئًا قطُّ. قال: فقالت: لا أستطيعُ أن أدَعَ بيتى وولدى فيضيعَ، فإن طابت نفسُكِ أن تُعْطِينِيه، فأذهبَ به إلى بيتى، فيكونَ معى لا آلوه خيرًا، فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتى وولدى. وذكرت أمُّ موسى ما كان اللهُ وعَدها، فتعاسَرت على

стр. 10842

امرأةِ فرعونَ، وأيقنَت أن الله منجِزٌ وعدَه، فرجَعت بابنِها إلى بيتِها من يومِها، فأنبَته اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظه لِما قضَى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم مُجْتمِعون في ناحيةِ المدينةِ يمتنِعون به من الظلمِ والسُّخْرةِ التي كانت فيهم، فلما تَرَعْرعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأمِّ موسى (١): أَزِيريني (٢) ابنى. فوعَدَتها يومًا تُزِيرُها (٣) إيَّاه فيه، فقالت لحواضِنِها (٤) وظُئورتِها وفهارِمَتِها: لا يبقينَّ أحدٌ منكم إلا استقبلَ ابنى بهديةٍ وكرامةٍ ليرى ذلك، وأنا باعثةٌ أمينةً تُحْصِى كلَّ ما يصنعُ كلُّ إنسانٍ منكم. فلم تَزَلِ الهديةُ والكرامةُ والتُّحَفُ تَسْتَقْبِلُه مِن حينَ خرَج مِن بيتِ أمِّه إلى أن دخَل على امرأةِ فرعونَ، فلما دخَل عليها نحَلَتْه (٥) وأَكْرَمَته، وفرِحَت به، وأَعْجَبها ما رأت مِن حُسْنِ أثرِها عليه، وقالت: انطلِقن (٦) به إلى فرعونَ، فليَنْحَلْه (٧) وليُكْرِمه. فلمَّا دخَلن (٨) به عليه جعَلْنَه (٩) في حجره، فتَناوَل موسى لحية فرعونَ حتى مدَّها، فقال عدوٌّ مِن أعداءِ اللهِ: ألا تَرَى ما وعَد اللهُ إبراهيمَ أنه سيَصْرَعُك ويَعْلُوك. فأرْسَل إلى الذَّباحين ليَذْبَحوه، وذلك من الفُتونِ يا بنَ جُبيرٍ، بعد كلِّ بلاءٍ ابْتُلِى به وأُرِيد به. فجاءت امرأةُ فرعونَ تَسْعَى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبيِّ الذي قد وهَبْتَه لى؟ قال: ألا تَرَيْنه يَزْعُمُ أَنه سَيَصْرَعُنى ويَعْلُونى! فقالت: أجْعَلُ بينى وبينَك أمرًا تَعْرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ

стр. 10843

بجَمْرَتين ولُؤلؤتَيْن، فقرِّبْهن إليه، فإن بطَش باللؤلؤتين واجْتَنَب الجمْرتَيْن علِمْتَ أنه يَعْقِلُ، وإن تَناوَل الجمرتين ولم يُرِدِ اللؤلؤتين، فاعْلَمْ أَن أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يَعْقِلُ. فقرَّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فنزَعوهما منه مَخافةَ أن تُحْرِقا يدَه، فقالت المرأةُ: أَلا تَرَى! فصرَفه اللهُ عنه بعدَ ما كان (١) قد همَّ به، وكان اللهُ بالغًا فيه أمرَه. فلما بلغ أَشُدَّه وكان مِن الرجالِ، لم يَكُنْ أَحدٌ مِن آلِ فرعونَ يَخْلُصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيلَ معه بظلمٍ ولا سُخْرةٍ، حتى امْتَنعوا كلَّ امتناعٍ، فبينما هو يمشى ذاتَ يومٍ في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجلين يَقْتَتِلان؛ أحدُهما مِن بنى إسرائيلَ، والآخرُ مِن آلِ فرعونَ، فاسْتَغاثه الإسرائيليُّ على الفِرْعَونيِّ، فغضِب موسى واشْتَدَّ غضبُه؛ لأنه تَناوَله وهو يَعْلَمُ منزلةَ موسى من بني إسرائيلَ، وحفِظَه لهم، ولا يَعْلَمُ الناسُ إلا أنما ذلك مِن قِبَل الرَّضاعة غيرَ (٢) أمِّ موسى، إلا أن يكونَ اللهُ أطْلَعَ موسى موسى من ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه، فوكَز موسى الفرعونيَّ فقتَله، وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ والإسرائيليُّ، فقال موسى حينَ قتل الرجلَ: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾. ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٥، ١٦]. فأصبَح في المدينةِ. خائفًا يَتَرَقَّبُ الأخبارَ، فأُتِى فرعونُ، فقيل له: إن بني إسرائيلَ قد قتَلوا رجلًا من آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحقِّنا ولا تُرَخِّصْ لهم في ذلك. فقال: ابْغُونى قاتلَه ومَن يَشْهَدُ عليه؛ لأنه لا يَسْتَقِيمُ أَن نَقْضِى بغيرِ بينةٍ ولا ثَبَتٍ. فطلبوا له ذلك، فبينما هم يطوفون لا يَجِدون ثَبَتًا، إذ مرَّ موسى من الغدِ، فرأى ذلك الإسرائيليَّ يُقاتِلُ

стр. 10844

فرعونيًّا، فاسْتَغاثه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَف موسى وقد ندِم على ما كان منه بالأمسِ، وكرِه الذي رأى، فغضب موسى فمدَّ يدَه وهو يريدُ أن يَبْطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ لِما فعَل بالأمسِ واليومَ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]. فنظَر الإسرائيليُّ إلى (١) موسى بعدَ ما قال [ما قال] (٢)، فإذا هو غضبانُ كغضبِه بالأمسِ الذي قتَل فيه الفرعونيَّ، فخاف أن يكونَ بعدَ ما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. أن يكونَ إيَّاه أراد، ولم يَكُنْ أراده (٣)، إنما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَز الفرعونيَّ فقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩]. وإنما قال ذلك مَخافةَ أن يكونَ إياه أراد موسى ليَقْتُلَه، فتَتاركَا، فانْطَلَق الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخْبرهم بما سمِع من الإسرائيليِّ من الخيرِ حينَ يقولُ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. فأرْسَل فرعونُ إلى الذَّبَّاحين، فسلَك موسى الطريقَ الأعظمَ، فطلَبوه وهم لا يَخافون أن يَفوتَهم، وكان (٤) رجلٌ مِن شِيعةِ موسى مِن أقصى المدينةِ، فاخْتَصَر طريقًا قريبًا حتى سبَقَهم إلى موسى، فأخْبَره الخبرَ، وذلك من الفتون يابنَ جبيرٍ (٥).

стр. 10845

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (١)، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فُتُونًا﴾. قال: بلاءً؛ إلقاؤُه في التابوتِ، ثم في البحرِ، ثم التقاطُ آلِ فرعونَ إياه، ثم خروجُه خائفًا (٢). قال محمدُ بنُ عمرٍو: قال أبو عاصمٍ: خائفًا أو جائعًا. شكَّ أبو عاصمٍ. وقال الحارثُ [في حديثِه] (٣): خائفًا يترقَّبُ. ولم يَشُكَّ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وقال: خائفًا يترقَّبُ. ولم يَشُكَّ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولُه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. يقولُ: ابْتَلَيْناك بلاءً (٤). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾: هو (٥) البلاءُ على إِثْرِ البلاءِ (٦). وقال آخرون: معنى ذلك: أخْلَصْناك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ (٧)، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن

стр. 10846

مجاهدٍ: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾: أَخْلَصْناك إخلاصًا (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يُفَسِّرُ هذا الحرفَ: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. قال: أخْلَصْناك إخلاصًا. وقد بيَّنا فيما مضَى من كتابِنا هذا معنى "الفتنةِ"، وأنها الابتلاءُ والاختبارُ، بالأدلةِ المُغْنيةِ عن الإعادةِ في هذا الموضعِ (٢). وقولُه: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾. وهذا كلامٌ (٣) قد حُذِف منه بعضُ ما به تمامُه؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكِر عما حُذِف. ومعنى الكلامِ: وفتَنَّاك فُتونًا، فخرَجْتَ خائفًا إلى أهلُ مَدْينَ، فلبثْتَ سنينَ فيهم. وقولُه: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ثم جئتَ للوقتِ الذي أرَدْنا إرسالَك إلى فرعونَ رسولًا ولمقدارِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. يقولُ: لقد جئتَ لميقاتٍ يا موسى (٤).

стр. 10847

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا [عن ابن أبي نجيحٍ] (١)، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. قال: موعدٍ (٢). [حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: على ذى موعدٍ] (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. قال: قدَرِ الرسالةِ والنبوةِ (٤). والعربُ تقولُ: جاء فلانٌ على قدرٍ. إذا جاء لميقاتِ الحاجةِ إليه، ومنه قولُ الشاعرِ (٥): [نال الخلافةَ أو] (٦) كانتْ له قَدَرًا … كما أتَى ربَّه موسى على قدَرِ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: أَنْعَمْتُ عليك يا موسى هذه النعمَ، ومنَنْتُ عليك هذه المننَ؛ اجتباءً منى لك، واختيارًا لرسالتي والبلاغِ عنى، والقيامِ بأمرى ونهيى، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ هارونُ، ﴿بِآيَاتِي﴾. يقولُ:

стр. 10848

بأدِلَّتى وحُجَجِي، اذْهَبا إلى فرعونَ بها، إنه تَمرَّد في ضلالِه وغيِّه، فأبْلِغاه رسالتي، ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. يقولُ: ولا تَضْعُفا في أن تَذْكُراني فيما أمَرْتُكما ونَهَيْتُكما، فإن ذكْرَكما إياى يُقَوِّى عَزائمَكما، ويُثَبِّتُ أفدتَكما (١)؛ لأنكما إذا ذكَرْتُماني، ذكَرْتُما منى عليكما نعمًا جَمَّةً، ومِننًا لا تُحْصَى كثرةً. يقالُ منه: ونَى فلانٌ في هذا الأمرِ، وعن هذا الأمرِ. إذا ضعُف، وهو يَنِى وَنًى، كما قال العَجَّاجُ (٢): فما ونَى محمدٌ مُذْ أَن غَفَرْ … له الإلهُ ما مَضَى وما غَبَرْ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا﴾. يقولُ: لا تُبْطِئا (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. يقولُ: ولا تَضْعُفا في ذكرى (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 10849

قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. قال: لا تَضْعُفا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَنِيَا﴾: تَضْعُفا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. يقولُ: لا تَضْعُفا في ذكرى. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، [قال: أخبَرنا] (٢) معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. قال: لا تَضْعُفا (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ [يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ] (٤) يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. يقولُ: لا تَضْعُفا. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. قال: الوانى هو الغافلُ المُفَرِّطُ، ذلك الوانى. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لموسى وهارونَ: فقولا لفرعونَ قولًا ليِّنًا. ذُكِر أن القولَ اللينَ الذي أمَرَهما اللهُ أن يقولاه له، هو أن يُكَنِّياه.

стр. 10850

حدَّثني جعفرُ ابن بنتِ إسحاقَ بن يوسُفَ الأزرقِ (١)، قال: ثنا سعيدُ بنُ محمدٍ الثقفيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ صالحٍ، عن السديِّ [في قولِه] (٢): ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾. قال: كَنِّياه (٣). وقولُه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. اخْتُلِف في معنى قولِه: ﴿لَعَلَّهُ (٤)﴾. في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناها ههنا الاستفهامُ. كأنهم وجَّهوا معنى الكلامِ إلى (٥): فقولا له قولًا لينًا، فانْظُرَا هل يَتَذَكَّرُ فيُراجِعَ (٦)، أَو يَخْشَى الله فَيَرْتَدِعَ عن طغيانِه؟ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. يقولُ: هل يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى (٧)؟ وقال آخرون: معنى "لعلَّ" ههنا: كى. ووجَّهوا معنى الكلامِ إلى: اذهبا إلى فرعونَ إنه طغَى فَادْعُواه وعِظاهِ ليَتَذَكَّرَ أو يَخْشَى. كما (٨) يقولُ القائلُ: اعْمَلْ عملَك لعلك تَأْخُذُ أجرَك. بمعنى: لِتَأْخُذَ أجرَك. وافْرُغْ من عملِك لعلنا نَتَغَدَّى. بمعنى: لنَتَغَدَّى، أو حتى نَتَغَدَّى. ولكلا هذين القولين وجهٌ حسنٌ، ومذهبٌ صحيحٌ.

стр. 10851

وقولُه: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى وهارونُ: ربَّنا إننا نخافُ فرعونَ إن نحن دعَوْناه إلى ما أمَرْتَنا أَن نَدْعُوه إليه، أن يَعْجَلَ علينا بالعقوبةِ. وهو من قولِهم: فرَط منى إلى فلانٍ أمرٌ. إذا سبَق منه ذلك إليه، ومنه فارِطُ القومِ، وهو المتعجِّلُ المتقدمُ أمامَهم إلى الماءِ أو المنزلِ، كما قال الراجزُ (١): قد فرط العِلْجُ علينا وعجَلْ فأما الإفراطُ فهو الإسرافُ والاشتطاطُ والتعَدِّى، يقالُ منه: أَفْرَطَتَ في قولِك. إذا أسْرَف فيه وتعدَّى. وأما التفريطُ فإنه التَّوانى، يقالُ منه: فرَّطْتَ في هذا الأمرِ حتى فات. إذا تَوانَى فيه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾. قال: عقوبةً منه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّنَا

стр. 10852

نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾. قال: نَخَافُ أن يَعْجَلَ علينا إذ (١) نُبَلِّغُه كلامَك أو أمرَك، يَفْرُطُ (٢)؛ يعْجَلُ. وقرَأ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى وهارونَ: ﴿لَا تَخَافَا﴾ فرعونَ، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ أعِينُكما عليه وأنصُرُكما (٤)، ﴿أَسْمَعُ﴾ ما يَجْرِى بينَكما وبينَه، فأُنْهِمُكما ما تُحاوِرانِه به، ﴿وَأَرَى﴾ ما تَفْعَلان ويَفْعَلُ، لا يَخْفَى عليَّ مِن ذلك شيءٌ، ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا﴾ له: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. [قال ابن جريجٍ: أسمعُ وأرى] (٥) ما يُحاوِرُكما (٦)، فأُوحِى إليكما فتُجاوِبانِه (٧).

стр. 10853

وقولُه: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: فأْتيا فرعونَ فقولا: إنا رسولا ربِّك] (١) [إليك (٢)، أرْسَلَنا] (٣) إِليك يَأْمُرُكَ أَن تُرْسِلَ معنا بني إسرائيلَ، فأرْسِلْهم معنا ولا تُعَذِّبُهم بما تُكَلِّفُهم من الأعمالِ الرديئةِ، ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ مُعْجِزةٍ، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ على أنه أرْسَلَنا إليك بذلك، إن أنت لم تُصَدِّقْنا فيما نقولُ لك أَرَيْناكها، ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾. يقولُ: والسلامةُ لمن اتَّبَع هدى اللهِ. وهو بيانُه. يقالُ: السلامُ على مَن اتَّبع (٤)، ولمن اتَّبَع. بمعنًى واحدٍ. القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لرسوليه (٥) موسى وهارونَ: قولا لفرعونَ: إنا قد أَوْحَى إلينا ربُّك أن عذابَه الذي لا نفادَ له ولا انقطاعَ، على مَن كَذَّب بما نَدْعوه إليه مِن توحيدِ اللهِ وطاعتِه وإجابةِ رسلِه، ﴿وَتَوَلَّى﴾. يقولُ: وأَدْبَر مُعْرِضًا عما جئْناه به [مِن عندِه] (٦) مِن الحقِّ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: كذَّب بكتابِ اللهِ، وتوَلَّى عن طاعةِ اللهِ (٧).

стр. 10854

وقوله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. وفى هذا الكلام متروكٌ، تُرك ذكره استغناء بدلالة ما ذُكر عليه عنه، وهو قوله: فأَتَياه فقالا له ما أمرهما به ربُّهما، وأبْلَغاه رسالته، فقال فرعون لهما: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. فخاطَب موسى وحدَه بقوله: ﴿يَامُوسَى﴾. وقد وجَّه الكلام قبل ذلك إلى موسى وأخيه. وإنما فعل ذلك كذلك؛ لأن المجاوبة إنما تكونُ مِن الواحد - وإن كان الخطاب لجماعةٍ (١) - لا من الجميع، وذلك نظير قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]. وكان الذي يَحْمِلُ الحوت واحدًا، وهو فتى موسى. يَدلُّ على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. وقوله: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يقول تعالى ذكره: قال موسى له مجيبًا: ربُّنا الذي أعْطَى كلَّ شيءٍ خلقه. يعني: نظير خلقه في الصورة والهيئة؛ كالذكور من بنى آدمَ أعْطاهم نظير خلقهم مِن الإناث أزواجًا، وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها وفي صورتها وهيئتها من الإناث أزواجًا، فلم يُعْطِ الإنسانَ خلاف خلقه فيُزَوِّجَه بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الإنس، ثم هداهم للمأتَى الذي منه النسل والنَّماء كيف يَأْتيه، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب وغير ذلك. وقد اخْتَلَف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم بنحو الذي قلنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يقولُ: خلق لكلِّ شيءٍ زوجه (٢)، ثم

стр. 10855

هداه لمنكَحِه ومَطْعَمِه ومشرَبه ومسكنِه ومولدِه (١). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ثُمَّ هَدَى﴾. يقولُ] (٢): أعطى كلَّ دابةٍ خلَقَها زوجًا، ثم هدَى للنكاحِ (٣). وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾. أنه هداهم إلى الأُلفةِ والاجتماعِ والمُناكحة. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يعنى: هَدى بعضهم إلى بعضٍ، ألَّف بين قلوبهم وهداهم للتزويج؛ أن يُزَوِّجَ بعضُهم بعضًا. وقال آخرون: بل (٤) معنى ذلك: أعْطَى كلَّ شيءٍ صورته، وهي خلقه الذي خلقه به، ثم هداه لما يُصْلِحُه مِن الاحتيال للغذاء والمعاش. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. قال: أعْطَى كلَّ شيءٍ صورته، ثم
следующие страницы →