← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.

стр. 10851

وقولُه: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى وهارونُ: ربَّنا إننا نخافُ فرعونَ إن نحن دعَوْناه إلى ما أمَرْتَنا أَن نَدْعُوه إليه، أن يَعْجَلَ علينا بالعقوبةِ. وهو من قولِهم: فرَط منى إلى فلانٍ أمرٌ. إذا سبَق منه ذلك إليه، ومنه فارِطُ القومِ، وهو المتعجِّلُ المتقدمُ أمامَهم إلى الماءِ أو المنزلِ، كما قال الراجزُ (١): قد فرط العِلْجُ علينا وعجَلْ فأما الإفراطُ فهو الإسرافُ والاشتطاطُ والتعَدِّى، يقالُ منه: أَفْرَطَتَ في قولِك. إذا أسْرَف فيه وتعدَّى. وأما التفريطُ فإنه التَّوانى، يقالُ منه: فرَّطْتَ في هذا الأمرِ حتى فات. إذا تَوانَى فيه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾. قال: عقوبةً منه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّنَا

стр. 10852

نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾. قال: نَخَافُ أن يَعْجَلَ علينا إذ (١) نُبَلِّغُه كلامَك أو أمرَك، يَفْرُطُ (٢)؛ يعْجَلُ. وقرَأ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ لموسى وهارونَ: ﴿لَا تَخَافَا﴾ فرعونَ، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ أعِينُكما عليه وأنصُرُكما (٤)، ﴿أَسْمَعُ﴾ ما يَجْرِى بينَكما وبينَه، فأُنْهِمُكما ما تُحاوِرانِه به، ﴿وَأَرَى﴾ ما تَفْعَلان ويَفْعَلُ، لا يَخْفَى عليَّ مِن ذلك شيءٌ، ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا﴾ له: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. [قال ابن جريجٍ: أسمعُ وأرى] (٥) ما يُحاوِرُكما (٦)، فأُوحِى إليكما فتُجاوِبانِه (٧).

стр. 10853

وقولُه: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: فأْتيا فرعونَ فقولا: إنا رسولا ربِّك] (١) [إليك (٢)، أرْسَلَنا] (٣) إِليك يَأْمُرُكَ أَن تُرْسِلَ معنا بني إسرائيلَ، فأرْسِلْهم معنا ولا تُعَذِّبُهم بما تُكَلِّفُهم من الأعمالِ الرديئةِ، ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ مُعْجِزةٍ، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ على أنه أرْسَلَنا إليك بذلك، إن أنت لم تُصَدِّقْنا فيما نقولُ لك أَرَيْناكها، ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾. يقولُ: والسلامةُ لمن اتَّبَع هدى اللهِ. وهو بيانُه. يقالُ: السلامُ على مَن اتَّبع (٤)، ولمن اتَّبَع. بمعنًى واحدٍ. القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لرسوليه (٥) موسى وهارونَ: قولا لفرعونَ: إنا قد أَوْحَى إلينا ربُّك أن عذابَه الذي لا نفادَ له ولا انقطاعَ، على مَن كَذَّب بما نَدْعوه إليه مِن توحيدِ اللهِ وطاعتِه وإجابةِ رسلِه، ﴿وَتَوَلَّى﴾. يقولُ: وأَدْبَر مُعْرِضًا عما جئْناه به [مِن عندِه] (٦) مِن الحقِّ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: كذَّب بكتابِ اللهِ، وتوَلَّى عن طاعةِ اللهِ (٧).

стр. 10854

وقوله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. وفى هذا الكلام متروكٌ، تُرك ذكره استغناء بدلالة ما ذُكر عليه عنه، وهو قوله: فأَتَياه فقالا له ما أمرهما به ربُّهما، وأبْلَغاه رسالته، فقال فرعون لهما: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. فخاطَب موسى وحدَه بقوله: ﴿يَامُوسَى﴾. وقد وجَّه الكلام قبل ذلك إلى موسى وأخيه. وإنما فعل ذلك كذلك؛ لأن المجاوبة إنما تكونُ مِن الواحد - وإن كان الخطاب لجماعةٍ (١) - لا من الجميع، وذلك نظير قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]. وكان الذي يَحْمِلُ الحوت واحدًا، وهو فتى موسى. يَدلُّ على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. وقوله: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يقول تعالى ذكره: قال موسى له مجيبًا: ربُّنا الذي أعْطَى كلَّ شيءٍ خلقه. يعني: نظير خلقه في الصورة والهيئة؛ كالذكور من بنى آدمَ أعْطاهم نظير خلقهم مِن الإناث أزواجًا، وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها وفي صورتها وهيئتها من الإناث أزواجًا، فلم يُعْطِ الإنسانَ خلاف خلقه فيُزَوِّجَه بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الإنس، ثم هداهم للمأتَى الذي منه النسل والنَّماء كيف يَأْتيه، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب وغير ذلك. وقد اخْتَلَف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم بنحو الذي قلنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يقولُ: خلق لكلِّ شيءٍ زوجه (٢)، ثم

стр. 10855

هداه لمنكَحِه ومَطْعَمِه ومشرَبه ومسكنِه ومولدِه (١). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ثُمَّ هَدَى﴾. يقولُ] (٢): أعطى كلَّ دابةٍ خلَقَها زوجًا، ثم هدَى للنكاحِ (٣). وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾. أنه هداهم إلى الأُلفةِ والاجتماعِ والمُناكحة. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. يعنى: هَدى بعضهم إلى بعضٍ، ألَّف بين قلوبهم وهداهم للتزويج؛ أن يُزَوِّجَ بعضُهم بعضًا. وقال آخرون: بل (٤) معنى ذلك: أعْطَى كلَّ شيءٍ صورته، وهي خلقه الذي خلقه به، ثم هداه لما يُصْلِحُه مِن الاحتيال للغذاء والمعاش. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. قال: أعْطَى كلَّ شيءٍ صورته، ثم

стр. 10856

هدَى كلَّ شيءٍ إلى معيشتِه. حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. قال: سوَّى خلق كلِّ دابةٍ، ثم هداها لما يُصْلِحُها، فعلَّمها إياه (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. قال: سوَّى خلقَ كُلِّ دابةٍ، ثم هداها لما يُصْلِحُها وعلَّمَها إياه، ولم يَجْعَلِ الناس في خلقِ البهائم، ولا خلقَ البهائم في خلقِ الناسِ، ولكن خَلَقَ كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديرًا. حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حميد، عن مجاهدٍ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. قال: هداه إلى حيلته ومعيشته. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعْطَى كلَّ شيءٍ ما يُصْلِحُه، ثم هداه له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾. قال: أعْطَى كلَّ شيءٍ ما يُصْلِحُه، ثم هداه له (٢). قال أبو جعفر: وإنما اخْتَرْنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك؛ لأنَّه جلَّ ثناؤه

стр. 10857

أَخْبَر أَنَّه أَعْطَى كُلَّ شيءٍ خلقه، ولا يُعْطِى المُعْطَى نفسه، بل إنما يُعْطَى ما هو غيرُه؛ لأن العطية تَقْتَضِى المُعْطى والمُعْطَى والعطية، ولا تكون العطية هي المُعْطى، وإذا لم تكن هي هو، وكانت غيره، وكانت صورة كلِّ خلقٍ بعض أجزائه، كان معلومًا أنه إذا قيل: أعْطَى الإنسان صورته (١). أنما يعنى أنه أعطى بعض المعانى التي (٢) به مع غيرِه دُعِى إنسانًا، فكأنَّ قائله قال: أعْطَى كلَّ خلقٍ نفسه. وليس ذلك إذا وجِّه إليه الكلام بالمعروفِ مِن معاني العطية، وإن كان قد يَحْتَمِلُه الكلام. فإذا كان ذلك كذلك، فالأصوبُ من معانيه أن يكونَ مُوَجَّهًا إلى أن كلُّ شيءٍ أعْطاه ربُّه مثلَ خلقِه، فزوَّجه به، ثم هداه (٣) لما يشاءُ (٤). ثم ترك ذكر "مثل"، وقيل: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾. كما يقالُ: عبدُ اللهِ مثلُ الأسد. ثم يَحْذِفُ "مثل"، فيقولُ: عبدُ اللهِ الأَسدُ. القولُ في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ يقول تعالى ذكره: قال فرعون لموسى، إذ وصف موسى ربَّه ﷻ بما وصفه به من عظيم السلطان، وكثرة الإنعام على خلقه والإفضال: فما شأن الأمم الخالية من قبلنا لم تُقِرَّ بما تقولُ، ولم تُصَدِّقْ بما تَدْعُو إليه، ولم تُخلص له العبادة، ولكنها عبدَت الآلهة والأوثانَ مِن دونِه، إن كان الأمر على ما تَصِفُ مِن أن الأشياءَ كلَّها خلقُه، وأنها في نعمِه تَتَقَلَّبُ، وفى مِننِه تَتَصَرَّفُ؟ فأجابه موسى فقال: علم هذه الأمم التي مضت من قبلنا فيما فعلت ذلك، عند ربي، ﴿فِي

стр. 10858

كِتَابٍ﴾. يعني: في أمِّ الكتاب، لا علم لى بأمرها، وما كان سبب ضلالِ مَن ضَلَّ منهم، فذهب عن دينِ اللهِ، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾. يقولُ: لا يُخْطِئُ ربي في تدبيره وأفعاله، فإن كان عذَّب تلك القرون في عاجلٍ، وعجَّل هلاكها، فالصواب ما فعل، وإن كان أخَّر عقابها إلى القيامة، فالحقُّ ما فعَل، هو أعلم بما يَفْعَلُ، لا يُخْطِئُ ربِّى، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ فيترُك فعل ما فعلُه حكمةٌ وصوابٌ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. يقولُ: لا يُخْطِئُ ربى ولا ينسى (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾. يقولُ: فما أعْمَى القرون الأولى؟ فوكَّلها نبيُّ اللهِ مُوَكَّلًا، فقال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ الآية. يقول: أي (٢): أعمارُها وآجالها. وقال آخرون: معنى قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ واحدٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. قال: هما شيءٌ واحدٌ (٣).

стр. 10859

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: [ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ] (١)، عن مجاهدٍ مثله. والعرب تقولُ: ضلَّ فلانٌ منزله. إذا أخْطَاء، يَضِلُّه، بغير ألفٍ، وكذلك ذلك في كلِّ ما كان من شيءٍ ثابت لا يَبْرَحُ، فَأَخْطَأه [مُرِيدُه، فإنها تقولُ: [ضلَّه. ولا تقول] (٢): أضله. فأما إذا ضاع منه ما يَزولُ بنفسه مِن دابةٍ وناقةٍ و] (٣) ما أشبَه ذلك من الحيوان الذي يَنْفَلِتُ منه فيَذْهَبُ، فإنها تقولُ: أَضَلَّ فلانٌ بعيره. أو: شاته. أو: ناقته. يُضِلُّه، بالألف. وقد بيَّنا معنى "النسيان" فيما مضى قبل بما أغْنَى عن إعادتِه (٤). القول في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا (٥) وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾. اخْتَلَف أهل التأويل في قراءة قوله: ﴿مَهْدًا﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة: (الذي جعل لكم الأرضَ مهادًا) بكسر الميم من "المهادِ"، والحاقِ ألفٍ فيه بعد الهاءِ (٦)، وكذلك [فعلُهم (٧) ذلك في كلِّ القرآن. وزعم بعضُ مَن اختار قراءة ذلك كذلك] (٨) أنه إنما اخْتاره مِن أجلِ أن

стр. 10860

المهاد اسم الموضع، وأن المهد الفعل. قال: وهو مثلُ الفَرْشِ والفراش. وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿مَهْدًا﴾ (١). بمعنى: الذي مهَّدَكم (٢) الأرضَ مَهْدًا (٣). والصوابُ من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان [متقاربتا المعنى؛ لأن الأرضَ إذا كان اللهُ قد جعلها مهادًا لخلقه فقد مَهَّدَهُموها، وإن كان قد مَهّدَهُموها فقد جعلها لهم مهادًا، وهما مع ذلك قراءتان] (٤) مُسْتَفِيضتان في قرأة الأمصار، مشهورتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمُصِيبٌ الصواب فيها. وقوله: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾. يقول: وأَنْهَج لكم في الأرضِ طرقًا. والهاء في قوله: ﴿فِيهَا﴾ من ذكرِ الأَرضِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾. أي: طرقًا (٥). وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾. يقولُ: وأَنْزَلَ مِن السماءِ مطرًا ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾. وهذا خبرٌ مِن الله تعالى ذكره عن إنعامه على خلقه بما يُحْدِثُ لهم من الغيث الذي يُنْزِلُه من سمائه إلى أرضه، بعد تناهي خبره عن جواب موسى فرعون عما سأله عنه، وثنائه على ربِّه بما هو أهله، يقولُ جلَّ ثناؤه: فأَخْرَجْنا

стр. 10861

نحن، أيُّها الناسُ، بما نُنْزِلُ مِن السماءِ مِن ماء - ﴿أَزْوَاجًا﴾. يعنى: ألوانًا ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾. يعني: مختلفةِ الطُّعومِ والأَراييح والمنظرِ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾. يقولُ: مختلفٍ (١). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾. يقول تعالى ذكره: كُلُوا أيُّها الناسُ من طيِّب ما أُخْرَجْنا لكم بالغيث الذي أنْزَلَناه من السماء إلى الأرض من ثمار ذلك وطعامه، وما هو من أقواتكم وغذائكم، وارْعَوْا فيما هو أزراقُ بهائمكم منه وأقواتُها - أنعامكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾. يقول: إن فيما وصفتُ في هذه الآية من قدرة ربَّكم، وعظيم سلطانه ﴿لَآيَاتٍ﴾. يعنى: لدلالاتٍ وعلاماتٍ تَدُلُّ على وحدانية ربِّكم، وأن لا إله لكم غيرُه - ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾. يعنى: أهل الحِجَا والعقولِ. والنُّهَى جمعُ نُهْيَةٍ، كما الكُشَى جمع كُشْبَةٍ. والكُشَى شحمةٌ تكون في جوفِ الضَّبِّ، شبيهةٌ بالسُّرَّة. وخصَّ تعالى ذكرُه بأن ذلك آياتٌ لأُولى النُّهَى؛ لأنهم أهل التفكُّرِ والاعتبارِ، وأهل التدبر والاتِّعاظ. القول في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا

стр. 10862

نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾. يقول تعالى ذكره: من الأرضِ خلقناكم أيُّها الناسُ، فأَنْشَأْناكم أجسامًا ناطقةً، ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾. يقولُ: وفى الأرضِ نُعِيدُكم بعد مَماتِكم، فنُصَيِّرُكم ترابًا، كما كنتم قبل إنشائِناكم (١) بشرًا سويًّا، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾. يقولُ: ومن الأرضِ نُخْرِجُكم كما كنتم قبل مماتكم أحياءً، فنُنْشِئُكم منها، كما أَنْشَأْناكم أَوْلَ مرة. وقولُه: ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾. يقولُ: مرةً أُخرى. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. يقولُ: مرةً أُخرى (٢). حدَّثني يونُس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾. قال: مرةً أخرى، الخَلْقِ الآخر. قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذن: من الأرضِ أخْرَجْناكم، ولم تكونوا شيئًا، خلقًا سويًّا، وسنُخْرِجُكم منها بعد مماتكم مرةً أُخرى، كما أخرجناكم منها أول مرةٍ. القول في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾. يقول تعالى ذكره: ولقد أرينا (٣) فرعونَ ﴿آيَاتِنَا﴾. يعنى: أدلتَنا وحججَنا

стр. 10863

على حقيقة ما أَرْسَلْنا به رسولَيْنا؛ موسى وهارونَ ﴿كُلَّهَا﴾، ﴿فَكَذَّبَ﴾ بها (١) ﴿وَأَبَى﴾ أن يَقْبَلَ مِن موسى وهارونَ ما جاءاه (٢) به من عند ربِّهما من الحقِّ استكبارًا وعُتُوًّا. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾. يقول تعالى ذكره: قال فرعونُ لمَّا أرَيناه آياتنا كلَّها لرسولنا موسى: أجئتنا يا موسى لتخرجنا من منازلنا ودورنا بسحرك هذا الذي جئتنا به؟ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ نتَّعِدُه (٣)؛ لنجئَ بسحرٍ مثل الذي جئت به، فننظر أيُّنا يغلب صاحبه، لا نُخلِفُ ذلك الموعد، ﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾. يقولُ: بمكانٍ عَدْلٍ بينَنا وبينك، ونَصَفٍ. وقد اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الحجاز والبصرة، وبعضُ الكوفيين: (مكانا [سِوًى) بكسر السين (٤). وقرأته عامة قرأة الكوفة: ﴿مَكَانًا] (٥) سُوًى﴾ بضمِّها (٦). قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما (٧) لغتان، أعنى

стр. 10864

الكسر والضمِّ في السين [مِن "سوى" مشهورتان في العرب، وقد قرأت بكلِّ واحدةٍ منهما علماء من القرأة، مع اتفاق معنييهما] (١)، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وللعرب في ذلك، إذا كان بمعنى العَدْلِ والنَّصَفِ، لغةٌ هي أشهرُ من الكسرِ والضمِّ، وهو الفتحُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]. وإذا فُتِحت السينُ منه مُدَّ، وإذا كُسِرت أو ضُمَّت قُصِر، كما قال الشاعر: (٢): فإنَّ (٣) أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ … سِوًى بينَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلَانَ وَالفِزْرا (٤) ونظيرُ ذلك من الأسماء: طُوًى وطوًى، وثُنًى وثِنًى، وعُدًى وعِدًى. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾. قال: [مَنْصَفًا بينَهم] (٥).

стр. 10865

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾. أي: عادلًا بيننا وبينك. حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، عن معمر، عن قتادة قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾. قال: نَصَفًا بيننا وبينك (١). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾. قال: يقولُ: عَدْلًا (٢). وكان ابن زيد يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾. قال: مكانًا مستويًا يتبيَّنُ الناسُ ما فيه، لا يكونُ صُوَبٌ (٣) ولا شيءٌ فيغيبَ بعضُ ذلك عن بعضٍ، مستوٍ حتى يُرَى (٤). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾. يقول تعالى ذكره: قال موسى لفرعونَ حين سأله أن يجعل بينه وبينه موعدًا

стр. 10866

للاجتماع: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ للاجتماع ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. يعنى يوم عيدٍ كان لهم، أو سوقٍ كانوا يتزيَّنون فيه، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾. يقولُ: وأن يُساقَ النَّاسُ مِن كُلِّ فجٍّ وناحيةٍ ﴿ضُحًى﴾، فذلك موعد ما بيني وبينك للاجتماع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: فإنه يوم زينة [يجتمعون إليه، ويُحشر الناس له] (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. قال: يوم زينةٍ لهم، ويوم عيدٍ لهم، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ إلى عيدهم (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿يَوْمُ الزَّينَةِ﴾. قال: يومُ السوقِ (٣). حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمُ الزَّينَةِ﴾: مَوْعِدُهم (٤).

стр. 10867

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله. حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: قال موسى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: وذلك يومُ عيدٍ لهم (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيد كان لهم. وقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: يجتمعون لذلك الميعاد الذي وُعِدوه (٢). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. قال: يوم العيدِ؛ يومَ يتفرَّغُ الناسُ مِن الأعمال، ويشهدون ويحضرون ويرون (٣). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم عيدٍ كان فرعون يخرج له، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾؛ حتى يحضروا أمرى وأمرَك (٤). و "أنْ" مِن قولِه: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾. رفعٌ بالعطف على قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾.

стр. 10868

وذُكر عن أبي نَهِيكِ في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نَهيك يقرأ (١): (وأنْ يَحشُرَ النَّاسَ ضُحًى): يعنى فرعون يحشُرُ قومه (٢). وقوله: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾. يقول تعالى ذكره: فأدبر فرعون معرضًا عما أتاه به من الحقِّ، ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. يقولُ: فجمَع مَكرَه، وذلك جمعُه سَحَرتَه (٣) بعد أخذه إياهم بتعلُّمه، ﴿ثُمَّ أَتَى﴾. يقول: ثم جاء للموعدِ الذي وعده موسى، وجاء بسَحَرَته. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾. يقول تعالى ذكره: قال موسى للسحرة لما جاء بهم فرعون: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. [يقولُ: لا تختلقُوا على الله كذبًا] (٤)، ولا تتقوَّلوه، ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. يقولُ: فيستأصِلَكم بهلاكٍ فيُبيدكم. وللعرب فيه لغتان: سَحَت، وأسحَت، وسخت أكثرُ مِن أسحَت، يقالُ منه: سحت الدهرُ والحدَثُ (٥) مالَ فلانٍ، إذا أهلَكه، فهو يَسحَتُه سَحْتًا، وأَسحَته يُسحِتُه إسحانًا. ومن الإسحاتِ قول الفرزدق (٦):

стр. 10869

وعَضٌ زَمانِ يا بْنَ مَرْوَانَ لم يَدَعْ … مِنَ المالِ إِلَّا مُسْحَتًا (١) أَوْ مُجلَّفُ ويروى: إلا مسحتٌ (٢) أو مجلَّفُ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. يقولُ: فيُهِلِكَكُم (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. يقولُ: يستأصِلكم بعذابٍ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. قال: فيستأصِلَكم بعذابٍ، فيُهلككم (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. قال: يُهلِكَكم هلاكًا ليس فيه بقيَّةٌ. قال: والذي يُسحَتُ ليس فيه بقيةٌ (٥). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ

стр. 10870

بِعَذَابٍ﴾. قال: يهلِكَكم بعذاب (١). واختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأةِ أهل المدينة و [بعضُ أهل] (٢) البصرة وبعضُ أهل الكوفة: (فَيَسْحَتَكُمْ). [بفتح الياءِ] (٣) مِن: سحَت يَسحَتُ (٤). وقرَأته عامة قرأة الكوفة: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾، بضمِّ الياء من: أسحَت يُسحِتُ (٥). قال أبو جعفرٍ: والقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير أن الفتح فيها أعجبُ إليَّ؛ لأنها لغةُ أهل العالية وهى أفصحُ، والأُخرى وهى الضمِّ في نجدٍ. وقولُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾. يقولُ: ولم يظفّرْ مَن يخلُقُ كذبًا ويقولُه، بكذبه ذلك، بحاجتِه التي طلبها به، ورجا إدراكَها به. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ (٦) لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فتنازَع السحرةُ أمرَهم بينهم. وكان تنازُعُهم أمرهم بينهم، فيما ذُكر، أن قال بعضُهم لبعض، ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: قال السحرةُ بينهم: إن كان هذا ساحرًا فإنا سنغلبُه، وإن كان من

стр. 10871

السماءِ فله أمرٌ (١). وقال آخرون: بل هو أنَّ بعضهم قال لبعضٍ: ما هذا القولُ بقول ساحرٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثت عن وهب بن منبهٍ، قال: جمع كلُّ ساحرٍ حباله وعصيَّه، وخرج موسى معه أخوه، يَتَّكِئُ على عصاه، حتى أتى الجمْعَ (٢)، وفرعون في مجلسِه معه أشرافُ أهل مملكته، قد استكفَّ (٣) له الناسُ، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾. فترادَّ السحرةُ بينهم، وقال بعضُهم لبعض: ما هذا [بقول ساحرٍ] (٤). وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾. يقول تعالى ذكره: وأسرُّوا السحرةُ المناجاة بينهم. ثم اختلف أهل العلم في "السِّرار" الذي أسرُّوه؛ فقال بعضُهم: هو قولُ بعضِهم لبعضٍ: إن كان هذا ساحرًا فإنا سنغلبُه (٥)، وإن كان من أمر السماء فإنه سيغلبُنا (٦). وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثت عن وهب بن منبهٍ، قال: أشار بعضهم إلى بعضٍ بتناجٍ: ﴿إِنْ هَذَانِ

стр. 10872

لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ (١). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: من دونِ موسى وهارون، فقالوا في نجواهم: ﴿إِنْ هَذَانِ (٢) لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا [وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ (٣). ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾. يعنُون بقولهم: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾: موسى وهارونَ ﴿لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾] (٤). كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾: يعنون (٥) موسى وهارونَ صلى الله عليهما. وقد اختلفت القرأة في قراءةِ قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾؛ فقرأته عامة قرأةِ الأمصار: (إِنَّ هَذَانِ). بتشديدِ "إِنَّ" وبالألفِ في "هذان" (٦). وقالوا: قرأنا ذلك كذلك [[اتِّباعًا لخطِّ المصحف] (٧). واختلف أهل العربية في وجه ذلك إذا قُرِئَ كذلك] (٨)؛ فكان بعضُ أهل العربية

стр. 10873

من أهل البصرة يقولُ: "إن" خفيفةٌ في معنَى ثقيلةٍ، وهي لغةٌ لقومٍ يرفَعون بها، ويُدخِلون اللامَ ليفرِّقُوا بينَها وبينَ التي تكونُ في معنى "ما". وقال بعضُ نحويِّى الكوفة (١): ذلك على وجهين: أحدُهما، على لغة بني الحارثِ بن كعبٍ ومَن جاورهم؛ يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبِهما وخفضِهما بالألف (٢). وقال (٣): أنشَدنى رجلٌ من الأَسْدِ (٤) عن بعضِ بني الحارث بن كعبٍ (٥): فَأَطْرَقَ إِطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ يَرَى (٦) … مساغًا لناباه (٧) الشُّجاع لصمَّما (٨) قال: وحكَى عنه أيضًا: هذا خطُّ يدا أخى أعرفُه. قال: وذلك - وإن كان قليلًا - أقيَسُ؛ لأن العربَ قالوا: مسلمون. فجعَلوا الواوَ تابعةً للضمة؛ لأنها لا تُعرَبُ (٩)، ثم قالوا: رأيتُ المسلمين. فجعَلوا الياءَ تابعةً لكسرةِ الميم. قال: فلما رأوا الياءَ من الاثنينِ لا يمكنُهم كسرُ ما قبلَها وثَبَتَ مفتوحًا، تركوا الألفَ تتبعُه، فقالوا: رجلان. في كلِّ حالٍ. قال: وقد اجتمَعت العربُ على إثباتِ الألف في: كلا الرجلين. في الرفع والنصبِ والخفضِ، وهما اثنان، إلا بني كنانةَ، فإنهم يقولون:

стр. 10874

رأيتُ كِلَي الرجلين، ومررتُ بكلي الرجلين. وهي قبيحةٌ قليلةٌ مُضُوًّا على القياسِ. قال: والوجهُ الآخرُ أن تقول: وُجِدَت الألفُ [من "هذا" دعامةً، وليست بلام "فعل"، فلما بُنيَت زدتَ عليها نونًا، ثم تُركت الألفُ] (١) ثابتةً على حالها لا تزولُ [في كلِّ] (٢) حالٍ، كما قالت العربُ: الذي. ثم زادوا نونًا تدلُّ على الجماع (٣)، فقالوا: الذين. في رفعِهم ونصبِهم وخفضهم، كما تركوا "هذان" في رفعِه ونصبِه وخفضِه. قال: [وكنانةُ يقولون] (٤): الَّذون. وقال آخرُ منهم: ذلك من الجزم المرسل، ولو نُصب لخرَج إلى الانبساطِ (٥). وحُدثت عن أبي عُبيدةَ معمر بن المثنى (٦)، قال: قال أبو عمروٍ (٧) وعيسى بنُ عمرَ (٨) و (٩) يونسُ: (إِنَّ هذين لساحران) في اللفظ، وكُتب "هذان" كما [يزيدون [ويَنْقُصون في] (١٠) الكتاب، واللفظُ صوابٌ. قال: وزعم أبو الخطاب] (١١) أنه سمع قومًا من بني كنانةَ وغيرهم يرفَعون الاثنين في موضع الجرِّ والنصب. قال: وقال بشرُ بن هلالٍ: "إنَّ" بمعنى الابتداء والإيجاب، ألا ترَى أنها

стр. 10875

تعمَلُ فيما يليها، ولا تعملُ فيما (١) بعد (٢) الذي بعدَها، فترفعُ الخبرَ، ولا (٢) تنصِبُه كما تنصِبُ (٣) الاسم؟ فكان مجازُ (إنَّ هذان لساحران) مجازَ كلامين، مَخْرجُه: إنه، أي: نعم. ثم قلت: هذان ساحران. ألا ترَى أنهم يرفعون المُشرَكَ (٤) كقول ضابيء (٥): فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالمَدِينَةِ (٢) رَحْلُهُ … فإِنِّي وَقَيَّارٌ (٦) بِهَا لَغَرِيبُ وقوله (٧): إنَّ السُّيُوفَ غُدُوُّها وَرَوَاحُها … تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الْأَعْضَبِ قال: ويقولُ بعضُهم: (إن الله وملائكتُه يصلُّون على النبيِّ) (٨). فيرفَعون (٩) على شركة الابتداء، ولا يُعملون فيهم "إنَّ". قال: وقد سمعتُ الفصحاءَ من المُحرمين يقولون: إن الحمدَ والنعمةُ لك والملكُ، لا شريكَ لك. قال: وقرأها قومٌ على تخفيفِ نون "إن" وإسكانها (١٠). قال: وهو يجوزُ؛ لأنهم قد أدخلوا اللام في

стр. 10876

الابتداء وهى فضلٌ. قال (١): أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهُ (٢) قال: وزعم قومٌ أنه لا يجوزُ؛ لأنه إذا خفَّف نونَ "إن" فلا بدَّ له من أن يُدخِلَ "إلا" فيقولَ: إنْ هذان إلا ساحران. قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القراءة في ذلك عندنا: (إنَّ) بتشديد نونها، (هذان) بالألف؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه، وأنه كذلك هو في خطِّ المصحف. ووجهُه إذا قُرِئ كذلك مشابهتُه "الذين"، إذ زادوا على "الذي" النونَ، وأقرَّ (٣) في جميع أحوال (٤) الإعراب على حالةٍ واحدةٍ، فكذلك (إنَّ هَذَانِ). زِيدَت على "هذا" نونٌ وأُقِرَّ في جميع أحوال الإعراب على حالةٍ واحدةٍ، وهى لغةُ بَلحرث بن كعبٍ، وخثعمَ، وزُبَيدٍ، ومَن وَليَهم من قبائل اليمن. وقولُه: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. يقولُ: ويغلبا على ساداتكم وأشرافكم. يقالُ: هو طريقةُ قومِه، ونَظُورَةُ قومه، ونَظيرتُهم. إذا كان سيدهم وشريفهم والمنظور إليه، يقالُ ذلك للواحد والجميع (٥)، وربما جمَعوا، فقالوا: هؤلاء طرائقُ قومِهم. ومنه قولُ الله ﵎: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]. وهؤلاء نظائرُ قومِهم.

стр. 10877

وأما قولُه: ﴿الْمُثْلَى﴾. فإنها تأنيثُ "الأمثل"، يقالُ للمؤنث: خذ المُثلَى منهما. [وفى المذكرِ: خذِ الأمثلَ منهما] (١). ووُحِّدَت ﴿الْمُثْلَى﴾ وهى صفةٌ ونعتٌ للجماعة، كما قيل: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وقد يَحتملُ أن يكونَ "المُثلى" أنِّثت (٢) لتأنيث الطريقة. وبنحو ما قلنا في معنى قوله: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. يقولُ: أمثلُكم، وهم بنو إسرائيل (٣). حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: أولى العقل والشرف والأسنان (٤). [حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: أولى العقول والأشراف والأسنان (٤)] (٥).

стр. 10878

حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: [ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعت إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: بسَراةِ الناسِ (١). حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: نا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ مثله. حدَّثنا بشرٌ، قال: نا] (٢) يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾: [وطريقتُهم المُثلى] (٣) يومئذٍ كانت بني إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عددًا وأموالًا وأولادًا. قال عدُّو الله: إنما يريدان (٤) أن يذهبا بهم لأنفسِهما. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: ببنى إسرائيل (٥). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. يقولُ: يذهَبا بأشراف قومكم (٦). وقال آخرون: معنى ذلك: ويغيِّرا سنتَكم ودينكم الذي أنتم عليه. من قولهم: فلانٌ حسنُ الطريقة.

стр. 10879

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال: يذهَبا بالذي أنتم عليه بغير (١) ما أنتم عليه. وقرأ: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦]. قال: هذا قولُه: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. وقال: يقولُ: طريقتُكم اليوم طريقةٌ حسنةٌ، فإذا غيَّرَ (٢) ذهبت هذه الطريقةُ (٣). ورُوى عن عليٍّ في معنى قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ إسحاق، عن القاسمِ، عن عليّ بن أبي طالبٍ، قال: يصرفان وجوه الناس إليهما (٤). قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. وإن كان قولًا له وجهٌ يَحتمِلُه الكلامُ، فإن تأويل أهل التأويل بخلافِه، فلا أستجيزُ لذلك القول به. القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾. اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والكوفة: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ بهمز الألف من: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ (٥). ووجَّهوا معنى

стр. 10880

ذلك إلى: فأَحْكموا كيدَكم واعْزموا عليه. من قولهم: أجْمَع فلانٌ الخروجَ، وأجْمَع على الخروج. كما يقالُ: أزْمَع عليه. ومنه قولُ الشاعر (١): يا ليت شِعْرِى والمُنَى لا تَنْفَعُ … هل أَغْدُونْ يومًا وأَمْرِى مُجْمَعُ يعنى بقوله: مُجْمَعُ: قد أُحْكم وعُزم عليه. ومنه قولُ النبيِّ ﷺ : "من لم يُجْمِعْ على الصومِ مِن الليل فلا صومَ له" (١). وقرأ ذلك بعضُ قرَأة أهل البصرة: (فاجْمَعوا كَيْدَكم). بوصل الألف وترك همزِها (٢)، من: جمَعْتُ الشيءَ. كأنه وجَّهه إلى معنى: فلا تَدَعوا من كيدكم شيئًا إلا جئْتُم به. وكان بعضُ قارئى هذه القراءةِ يَعْتَلُّ فيما ذُكِر لى لقراءته ذلك كذلك بقوله: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. والصوابُ في قراءة ذلك عندنا همزُ الألفِ مِن "أَجْمَع"؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأة عليه، وأن السَّحَرةَ هم الذين [قيل لهم ذلك، ولم يحضُروا ذلك المشهد إلا لما كان عندَهم من السحر الذي] (٣) كانوا به معروفين، فلا وجه لأن يُقال لهم: اجمعُوا ما دُعيتُم له مما أنتم به عالمون (٤)؛ لأن المرْءَ إنما يَجْمَعُ ما لم يَكُنْ عنده إلى ما عندَه، ولم يَكُنْ ذلك يومَ (٥) يَزِيدُ في علمِهم بما كانوا يَعْلمونه (٦) من السحر، بل كان يومَ

стр. 10881

إظهاره، أو ما (١) كان متفرِّقًا مما هو عندَه، بعضَه إِلى بعضٍ، ولم يكن السحرُ (٢) متفرِّقًا عندَهم فَجَمَعوه (٣). وأما قولُه: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. فغيرُ شبيه المعنى بقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾. وذلك أن فرعون كان هو الذي يَجْمَعُ ويَحْتَفِلُ بما (٤) يَغْلِبُ به موسى مما لم يَكُنْ عندَه مُجْتَمِعًا حاضرًا، فقيل: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. وقولُه: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾. يقولُ: ثم احْضُروا وجيئوا صفًّا. والصفُّ ههنا مصدرٌ، ولذلك وُحِّد، ومعناه: ثم ائْتُوا صُفوفًا. وللصفِّ في كلام العرب موضعٌ (٥) آخرُ، وهو قولُ العرب: أَتَيْتُ الصفَّ اليومَ. يعني به المُصَلَّى الذي يُصَلَّى فيه. وقولُه: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾. يقولُ: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهَره. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: جمَع فرعونُ الناسَ لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾. أي: قد أفْلَح مَن فلَج (٦) اليوم على صاحبه (٧).

стр. 10882

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَجْمَعَت السَّحَرَةُ كيدَهم، ثم أتَوْا صفًّا، فقالوا لموسى: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾. وتُرك ذكرُ ذلك من الكلام اكتفاءً بدَلالة الكلامِ عليه. واخْتُلِف في مبلغ عددِ السَّحَرةِ الذين أَتَوْا يومَئِذٍ صفًّا؛ فقال بعضُهم: كانوا سبعين ألف ساحرٍ، مع كلِّ ساحرٍ منهم حبلٌ وعصًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامِ الدَّسْتُوَائيِّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أَبي بَزَّةَ، قال: جمع فرعونُ سبعين ألفَ ساحرٍ، فالْقَوْا سبعين ألف حبلٍ، وسبعين ألفَ عصًا، فأَلْقَى موسى عصاه، فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ [فاغِرٌ به فاه] (١)، فابْتَلَع حبالهم وعِصِيَّهم، فأُلْقِي السَّحَرَةُ سُجَّدًا عند ذلك، فما رفعوا رءوسهم حتى رأوُا الجنة والنارَ وثوابَ أهلهما، فعندَ ذلك قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ (٢) [طه: ٧٢]. وقال آخرون: بل كانوا نَيِّفًا وثلاثين ألفَ رجلٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: قالوا:

стр. 10883

﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥]. قال لهم موسى: ألْقُوا. فألْقَوْا حبالهم وعصيَّهم، وكانوا بضعةً وثلاثين ألف رجلٍ، ليس منهم رجلٌ إلا ومعه حبلٌ وعصًا (١). وقال آخرون: بل كانوا خمسة عشرَ ألفًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثْتُ عن وهب بن مُنَبِّه، قال: صَفٌّ خمسة عشر ألف ساحرٍ، مع كلٍّ ساحرٍ حِباله وعصيُّه (١). وقال آخرون: كانوا تسعمائة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: كان السَّحَرَةُ ثلاثمائة من العريش، وثلاثمائة من الفيُّوم، و [يشكُّون في] (٢) ثلاثمائةٍ من الإسكندرية، فقالوا لموسى: إما أن تُلْقِيَ ما معك قبلنا، وإما أن نُلْقِيَ ما معنا قبلك. وذلك قوله: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ (٣). و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿إِمَّا أَنْ﴾، [﴿إِمَّا أَنْ﴾] (٤). في موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام: اختر يا موسى أحد هذين الأمرين؛ إما أن تُلْقِيَ قبلَنا، وإما

стр. 10884

أن نكونَ أولَ من ألْقَى. ولو قال قائلٌ: هو رفعٌ. كان مذهبًا، كأنه وجَّهه إلى أنه خبرٌ، كقول القائل (١): فسِيرا (٢) فإما حاجةٌ تَقْضِيانِها … وإما مَقِيلٌ صالحٌ وصَدِيقُ وقولُه: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى للسَّحَرةِ: بل ألْقُوا أنتم ما معكم قبلى. وقولُه: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. وفى هذا الكلام متروكٌ، وهو: فألْقَوْا ما معهم من الحبالِ والعِضِيِّ فإذا حبالُهم. تُرِك ذكرُه اسْتِغْناءً بدَلالة الكلام الذي ذُكر عليه عنه. وذُكر أن السحرةَ سحَروا عينَ موسى وأعينَ الناسِ قبلَ أن يُلْقُوا حبالَهم وعصيَّهم، [ثم ألقَوْا حبالهم وعِصيَّهم] (٣) فخُيِّل حينئذٍ إلى موسى أنها تَسْعَى. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾: فكان أول ما اخْتَطَفوا بسحرهم بصرُ موسى وبصرُ فرعونَ، ثم أبصارُ الناس بعدُ، ثم ألْقَى كلُّ رجلٍ منهم ما في يده من العصيِّ والحبال، فإذا هي حيَّاتٌ كأمثال الجبال (٤)، قد مَلأت الواديَ، يَرْكَبُ بعضُها بعضًا (٥). واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأةِ

стр. 10885

الأمصار: ﴿يُخَيَّلُ﴾ بالياء، بمعنى: يُخَيَّلُ إليهم سعيُها (١). وإذا قُرِئ ذلك كذلك، كانت "أن" في موضعِ رفعٍ. ورُوى عن الحسن البصريِّ أنه كان يَقْرَؤُه: (تُخَيَّلُ) بالتاءِ، بمعنى: تُخَيَّلُ حبالُهم وعصيُّهم بأنها تَسْعَى (٢). ومَن قرَأ ذلك كذلك، كانت "أن" في موضع نصبٍ لتعَلَّقِ (تُخَيَّلُ) بها. وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يَقْرَؤُه: (تَخَيَّلُ إليه). بمعنى: تَتَخَيَّلُ إليه (٣). وإذا قُرِئ ذلك كذلك أيضًا فـ "أن" في موضع نصبٍ بمعنى: تتَخَيَّلُ بالسعي لهم. والقراءة التي لا يجوز عندى في ذلك غيرُها: يُخَيَّلُ بالياء؛ لإجماع الحُجَّةِ مِن القرأة عليه (٤). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقوله: [﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾] (٥): فأَوْجَس في نفسه خوفًا موسى ووجَدَه.

стр. 10886

وقولُه: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قلنا لموسى إذ أحَسَّ (١) في نفسه خِيفةً: لا تَخَفْ إِنَّك أنت الأعْلَى على هؤلاء السحرة، وعلى فرعونَ وجنده، والقاهرُ لهم، ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾. يقولُ: والْقِ عصاك [التي في يمينك] (٢) تَبْتَلِعْ حبالَهم وعصيَّهم التي سحَروها حتى خُيِّل إليك (٣) أنها تَسْعَى. وقولُه: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾. [اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك (٤)؛ فقرَأَته عامةُ قرأة المدينة والبصرة وبعضُ قرأة الكوفة: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾] (٥) برفعِ ﴿كَيْدُ﴾ وبالألف في ﴿سَاحِرٍ﴾. بمعنى: إن الذي صنَعَه هؤلاء السحرةُ كيدُ مَنْ يَسحَرُ (٦). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة: (إنما صنعوا كيدُ سِحْرٍ) برفع "الكيد" وبغير الألف في "السحرِ". بمعنى: إن الذي صنعوه كيدُ سحرٍ (٧). والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان مُتَقاربتا المعنى، وذلك أن الكيدَ هو المكرُ والخُدْعةُ، فالساحرُ مَكْرُه وخُدْعتُه مِن سحرٍ يَسْحَرُه (٨)، ومكرُ السحرِ وخُدْعتُه تخييلُه (٩) إلى المسحور على خلاف ما هو به في حقيقتِه، فالساحرُ كائدٌ بالسحر، والسحرُ كائدٌ بالتَّخْييل، فإلى أيِّهما أضَفْتَ الكيد فهو

стр. 10887

صوابٌ. وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ: (كَيْدَ سِحْرٍ) بنصب "كَيْد" (١). ومَن قرأ ذلك كذلك، جعَل ﴿إِنَّمَا﴾ حرفًا واحدًا، وأعْمَل ﴿صَنَعُوا﴾ في ﴿كَيْدُ﴾. وهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءة بها؛ لإجماع الحجة من القرأة على خلافها. وقولُه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. يقولُ: ولا يَظْفَرُ الساحرُ بسحرِه بما طلب أين كان. وقد ذُكر عن بعضِهم أنه كان يقولُ: معنى ذلك: ذلك: أن الساحرَ يُقْتَلُ حيثُ وُجد. وذكر بعضُ نحويى البصرة (٢) أن ذلك في حرف ابن مسعود: (ولا يُفْلِحُ الساحرُ أين أتى). وقال: العربُ تقولُ: جئْتُك من حيثُ لا تَعْلَمُ، ومِن أينَ لا تَعْلَمُ. وقال غيرُه مِن أهل العربية الأُولِ (٣): جزاءٌ، يُقْتَلُ الساحرُ حيث أتَى وأين أتَى. وقال: وأما قولُ العرب: جئْتُك من حيثُ لا تَعْلَمُ، ومن أين لا تَعْلَمُ. فإنما هو جوابُ مَنْ (٤) لم يَفْهَمْ فَاسْتَفْهَم، كما قالوا: أين الماءُ والعُشْبُ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾.

стр. 10888

وفي هذا الكلام متروكٌ قد اسْتُغْنِى بدَلالة ما ذُكر (١) عليه، وهو: فأَلْقَى موسى عصاه فتلقَّفَت ما صنَعوا، فأُلْقى السحرةُ سُجَّدًا قالوا: آمنا بربِّ هارونَ وموسى. وذُكر أن موسى لما ألْقَى ما في يدِه تحَوَّل ثعبانًا، فالتهم كلَّ ما كانت السحرةُ ألقَته من الحبال والعصيِّ. ذكرُ الرواية [عمن قال ذلك] (٢) حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: لما اجْتَمَعوا وألْقَوْا ما في أيديهم من السحرِ خُيِّل إليه (٣) من سحرهم أَنها تَسْعَى، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ فأَلْقَى عصاه، فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ، قال: فتَحَت فما لها مثل الدَّحْل (٤)، ثم وضَعَت مِشْفَرَها على الأرض، ورفَعَت الآخر، ثم استَوْعَبَت كُلَّ شيءٍ الْقَوْه مِن السحرِ، ثم جاء إليها فقبَض عليها، فإذا هي عصًا، فخرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. قال: فكان أول مَن قطع الأيدىَ والأرجلَ من خلافٍ فرعونُ، ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. قال: فكان أول مَن صلَب في جُذوع النخل فرعونُ (٥).

стр. 10889

حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ فأَوْحَى الله إليه: لا تَخَفْ، وأَلْقِ ما في يمينك تَلْقَفْ ما يَأْفِكون. فألْقَى عصاه، فأكَلَت كلَّ حيةٍ لهم، فلمَّا رأَوْا ذلك سجَدوا، وقالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (١) [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾: لما رأى ما أَلْقَوْا مِن الحبال والعصيِّ، وخُيِّل إليه أنها تَسْعَى، وقال: والله إن كانت لَعِصِيًّا في أيديهم، ولقد عادت حيَّاتٍ، وما تَعْدو عَصاىَ هذه - أو كما حدَّث نفسَه - فأَوْحَى اللهُ إليه أن: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. [وفُرِّج عن] (٢) موسى، فألْقَى عصاه من يدِهِ، فَاسْتَعْرَضَت ما أَلْقَوْا مِن حبالهم وعصيِّهم، وهي حياتٌ في عين فرعون وأعين الناسِ تَسْعَى، فجَعَلَت تَلْقَفُها؛ تَبْتَلِعُها حيةً حيةً، حتى ما يُرى بالوادى قليلٌ ولا كثيرٌ مما أَلْقَوْا، ثم أَخَذَها موسى فإذا هي عصًا في يده كما كانت، ووقع السَّحَرَةُ سُجَّدًا، قالوا: آمنَّا بربِّ هارونَ وموسى، لو كان هذا سحرًا (٣) ما غلَبَنا (١). وقولُه: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال فرعونُ للسحرةِ: أصدَّقْتُم وأَقْرَرْتُم لموسى بما دعاكم إليه من قبل أن أُطْلِقَ ذلك لكم، ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾. يقولُ: إن موسى لعظيمُكم الذي علَّمكم السحر. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: حُدِّثْتُ عن

стр. 10890

وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: لما قالت السحرةُ: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. قال لهم فرعونُ، وأسف ورأى الغَلَبةَ البينةَ: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. أي: لَعظيمُ السُّحَّارِ الذي علَّمَكم (١). وقولُه: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. يقولُ: فَلأُقَطِّعَنَّ أَيديكم وأرجلَكم مُخالفًا بين قطع ذلك؛ وذلك أن يَقْطَعَ يمني اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين، فيكونُ ذلك قطعًا من خلافٍ. وكان فيما ذُكِر أول مَن فعَل ذلك فرعونُ، وقد ذكَرْنا الرواية بذلك (٢). وقولُه: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. يقولُ: ولأُصَلِّبَنَّكم على جُذوع النخل، كما قال الشاعرُ (٣): هُمُ صَلَبوا العَبْدِيَّ في جِذْع نخلةٍ … فلا عطَسَت شَيْبانُ إلا بأجْدَعا يعني: على جذع نخلةٍ. وإنما قيل: ﴿فِي جُذُوعِ﴾. لأن المصلوبَ على الخشبة يُرْفَعُ في طولها، ثم يَصِيرُ عليها، فيقالُ: صُلب عليها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: لما رأى السحرةُ ما جاء به عرَفوا أنه من الله، فخرُّوا سجَّدًا وآمَنوا، عند ذلك قال عدوُّ الله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٤]. حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال فرعونُ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾:
следующие страницы →