← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.

стр. 10956

وَحْيُهُ﴾. يعنى: لا تعجل حتى نبيِّنه لك (١). وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. أي: بيانُه. وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة [في قوله] (٢): ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. قال: تبيانُه (٣). حدَّثنا ابن المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن قتادة: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. قال: من قبل أن يُبيَّنَ لك بيانُه (٤). وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. يقول تعالى ذكره: وقل يا محمدُ: ربِّ زدني علمًا إلى ما علَّمتنى. أمره بمسألته (٥) من فوائد العلم ما لا يعلمُ. القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾. يقول تعالى ذكره: وإن يُضَيِّع يا محمد هؤلاء الذين نُصَرِّفُ لهم في هذا القرآن (٦) الوعيد، عهدى، ويخالفوا أمرى، ويترُكوا طاعتى، ويتَّبعوا أمر عدوِّهم إبليس، ويطيعوه في خلاف أمرى، فقديمًا ما فعل ذلك أبوهم آدم، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا﴾ إليه. يقولُ: ولقد وصَّينا آدمَ وقلنا له: ﴿إِنّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ

стр. 10957

الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]. فوسوس إليه الشيطان فأطاعه، وخالف أمرى، فحلَّ به من عقوبتى ما حلَّ. وعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل هؤلاء الذين أخبر أنه صرَّف لهم الوعيد في هذا القرآن. وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾. يقولُ: فترَك عهدى. كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. يقولُ: فترك (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾. قال: ترَك أمرَ ربِّه (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: قال له: ﴿يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. وقرأ حتى بلغ ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾. قال: فنسى ما عهِد الله إليه في ذلك. قال: وهذا عهد الله إليه. قال: ولو كان له عزمٌ ما أطاع عدوَّه الذي حسَدَه، وأبى أن يَسْجُدَ له مع من سجد له - إبليسَ، وعصى الله الذي كرَّمه وشرَّفه، وأمر ملائكته فسجدوا له (٣). وحدَّثنا ابن المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبد الرحمن ومؤملٌ،

стр. 10958

قالوا: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما سُمِّى الإنسان لأنه عُهد إليه فنسى (١). وقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. اخْتَلَف أهل التأويل في معنى "العزمِ" هاهنا؛ فقال بعضُهم: معناه الصبر. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، أي: صبرًا. حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادة: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: صبرًا (٢). وحدَّثنا إبراهيم بن يعقوب الجُوزجانيُّ، قال: ثنا أبو النَّضْرِ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادة مثله. وقال آخرون: بل معناه الحفظُ. قالوا: ومعناه: ولم نجد له حفظًا لما عهدنا إليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ

стр. 10959

عَزْمًا﴾. قال: حفظًا لما [أمر به] (١). وحدَّثنى يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الأَشْجَعيِّ، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: حفظًا. وحدَّثنا عباس (٢) بن محمد، قال: ثنا قَبِيصةُ، عن سفيان، عن عمرو بن قيسٍ، عن عطية في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: حفظًا لما أُمِر به (٣). وحدَّثنى محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. يقول: لم نجد له حفظًا (٤). وحدَّثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: العزم المحافظةُ على [أمر الله] (٥) (٦) والتمسك به (٧). وحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. يقولُ: لم نَجْعَلْ (٨) له عزمًا (٩).

стр. 10960

وحدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الفرج (١) بن فضالة، عن لقمان بن عامرٍ، عن أبي أمامة، قال: لو أن أحلام بنى آدمَ جُمِعَت منذُ خلق الله تعالى ذكره آدم إلى يوم تقومُ الساعةُ، ووُضعت في كفَّةِ ميزانٍ، ووُضِع حِلْمُ آدمَ في الكِفَّةِ الأُخرى، لرجح حِلْمُه بأحلامهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (٢). قال أبو جعفرٍ: وأصلُ العزم اعتقادُ القلب على الشيءِ، يقال منه: عزم فلانٌ على كذا. إذا اعتقد عليه ونواه، ومن اعتقادِ القلب حفظُ الشئ، ومنه الصبر على الشيء؛ لأنه لا يَجْزَعُ جازعٌ إِلا مِن خَوَرِ قلبه وضعفه. فإذ كان ذلك كذلك، فلا معنى لذلك أبلغ مما بينه الله تعالى ذكرُه، وهو قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. فيكون تأويله: ولم نجد له عزم قلبٍ [على الصبر] (٣) على الوفاءِ لله بعهده، ولا على حفظ ما عهد إليه. القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾. يقول تعالى ذكرُه مُعْلِمًا نبيه محمدًا ﷺ ما كان مِن تَضييع آدم عهده، ومُعَرِّفَه بذلك أن ولده لن يَعْدُوا أن يكونوا في ذلك على مِنهاجه، إلا مَن عصمه الله منهم -: واذْكُرْ يا محمد حينَ قُلْنا لملائكتنا: اسجدوا لآدم. فسجدوا

стр. 10961

له إلا إبليس أبى أن يَسْجُدَ له، ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾. ولذلك مِن شأنِه (١) لم يَسْجُدْ لك، وخالف أمرى في ذلك وعصانى، فلا تُطيعاه فيما يَأْمُرُكما به، فيُخْرِجَكما - بمعصيتكما ربَّكما، وطاعتكما له - من الجنة، ﴿فَتَشْقَى﴾. يقولُ: فيكون عيشُك مِن كَدِّ يدك. فذلك شقاؤُه الذي حذَّره ربُّه. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: أُهْبِط إلى آدمَ ثَوْرٌ أَحمرُ، فكان يَحْرُثُ عليه، ويَمْسَحُ العرقَ من جبينه (٢)، فهو الذي قال الله : ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ فكان ذلك شقاؤه (٣). وقال تعالى ذكره: ﴿فَتَشْقَى﴾. ولم يقل: فتَشْقيا. وقد قال: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾. لأن ابتداء الخطابِ مِن اللَّهِ كان لآدم ﵇، فكان في إعلامه العقوبة - على معصيته إياه فيما نهاه عنه من أكل الشجرة - الكفايةُ من ذكر المرأة، إذ كان معلومًا أن حكمها في ذلك حكمه، كما قال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]. اجتزاءً (٤) بمعرفة السامعين معناه من ذكر (٥) فعل صاحبه. القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا

стр. 10962

تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكره مُخْبِرًا عن قيله لآدم حين أسكنه الجنةَ: إن لك يا آدم، ﴿أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾. و"أن" في قوله: ﴿أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا﴾. في موضع نصبٍ بـ ﴿إِنّ﴾ التي في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ﴾. وقوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾. اخْتَلَفت القرأة في قراءتها؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأة المدينة والكوفة بالكسر: (وإنك) (١) على العطف على قوله: ﴿إِنَّ لَكَ﴾. وقرأ ذلك بعضُ قرأة المدينة وعامة قرأة الكوفة والبصرة: ﴿وَأَنَّكَ﴾ (٢) بفتح ألفها عطفًا بها على "أنْ" التي في قوله: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾. ووجَّهوا تأويل ذلك إلى: أن لك هذا وهذا، وهذه القراءة أعجبُ القراءتين إليَّ؛ لأن الله تعالى ذكرُه وعد ذلك آدم ﵇ حينَ أسْكَنه الجنةَ، فكَوْنُ ذلك بأن يكون عطفًا على: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ أَوْلى من أن يكون خبرًا مبتدأً، وإن كان الآخرُ غير بعيدٍ من الصواب. وعُنِي بقوله: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾: لا تَعْطَشُ في الجنة ما دُمْتَ فيها، ﴿وَلَا تَضْحَى﴾. يقولُ: ولا تَظْهَرُ للشمس فيُؤذيك حرُّها. كما قال عمر بن أبى ربيعة (٣): رأَتْ رَجُلًا أَمَّا إذا الشمس عارَضَتْ … فيَضْحَى وأمَّا بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ (٤) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

стр. 10963

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. يقولُ: لا يُصيبُك فيها عطشٌ ولا حرٌّ (١). وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. يقولُ: لا يُصِيبُك فيها حرٌّ ولا أذى (٢). وحدَّثنى أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن شريكٍ، قال: ثنى أبى، عن خُصَيْفٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ قوله: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾. قال: لا تُصيبُك الشمسُ. وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾. قال: لا تُصيبك الشمسُ. وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: فألقى إلى آدمَ الشيطان وحدَّثه، فـ ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾. يقولُ: قال له: هل أَدُلُّك على شجرةٍ [مَنْ أكل منها خَلَد فلم يمت، ومَلَك] (٣) ملكًا لا يَنْقَضى فيَبْلَى. كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ

стр. 10964

يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾. [يقولُ: هل أدلُّك على شجرة] (١) إن أكَلْتَ منها كنتَ ملكًا مثل الله، ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]. فلا تموتان أبدًا (٢). القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾. يقول تعالى ذكره: فأكل آدمُ وحواءُ من الشجرة التي نُهيا عن الأكل منها، وأطاعا أمر إبليس، وخالفا أمرَ ربِّهما، ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾. يقولُ: فانْكَشَفَت لهما عوراتهما، وكانت مستورةً عن أعينهما. كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ، قال: إنما أراد - يعنى إبليس - بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾. ليُبْدِيَ لهما ما تَوارَى عنهما مِن سوآتِهما بهَتْكِ لباسهما، وكان قد علم أن لهما سوأةً؛ لما كان يَقْرَأُ مِن كتب الملائكة، ولم يَكُنْ آدمُ يَعْلَمُ ذلك وكان لباسهما الظُّفُر، فأبى آدم أن يَأْكُلَ منها، فتقَدَّمَت حواءُ فأكلت، ثم قالت: يا آدمُ كُلْ، فإنى قد أكَلْتُ فلم يَضُرَّنى. فلمَّا أكل آدمُ بدَت لهما سواتهما (٢). وقوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا [مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾] (٣). يقولُ: أَقْبَلَا يَشُدَّان عليهما من ورق الجنة.

стр. 10965

كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: أَقْبَلا يُغَطِّيان عليهما بورق التِّين (١). وحدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: قتادة قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: يُوصِلان عليهما من ورق الجنة (٢). وقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾. يقولُ: وخالف أمرَ ربِّه، فتَعَدَّى إلى ما لم يَكُنْ له أن يَتَعَدَّى إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها. وقوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾. يقول: ثم اصطفاه ربُّه من بعد معصيته إياه، فرزقه الرجوع إلى ما يَرْضَى عنه، والعمل بطاعته، وذلك هو كانت توبته التي تابها عليه. وقوله: ﴿وَهَدَى﴾. يقولُ: وهداه للتوبة، فوفَّقه لها. القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾. يقول تعالى ذكره: قال الله لآدم وحواء: اهْبِطا من الجنة جميعًا إلى الأرضِ، ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. يقول: أنتما عدوَّا (٣) إبليس وذريته، وإبليس عدوُّكما وعدوُّ ذريتكما. وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾. يقولُ: فإن يَأْتِكم يا آدم وحواء

стр. 10966

وإبليس، ﴿مِنِّي هُدًى﴾. يقولُ: بيانٌ لسبيلى، وما أختاره لخلقى من دينٍ، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾. يقولُ: فمَن اتَّبع بيانى ذلك وعمل به، ولم يزغ عنه، ﴿فَلَا يَضِلُّ﴾. يقولُ: فلا يَزولُ عن مَحَجَّةِ الحقِّ، ولكنه يَرْشُدُ في الدنيا ويَهْتَدِى، ﴿وَلَا يَشْقَى﴾. [يقولُ: ولا يَشقَى] (١) في الآخرة بعقاب الله؛ لأن الله يُدْخِلُه الجنةَ ويُنَجِّيه من عذابه. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحُسَينُ بن يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن عمرو بن قيس الملائيِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: تضَمَّن الله لمن قرأ القرآنَ واتَّبع ما فيه ألا يَضِلَّ في الدنيا، ولا يَشْقَى في الآخرةِ. ثم تلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (٢). حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قال: ثنا حَكَّامُ الرازيُّ، عن أيوب بن موسى، عن عمرو بن قيسٍ الملائيِّ، عن ابن عباسٍ أنه قال: إن الله قد ضمن. فذكر نحوه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أيوب بن يسارٍ أبى عبد الرحمن، عن عمرو بن قيسٍ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ بنحوه. حدَّثنا عليُّ بن سهل الرَّمْليُّ، قال: ثنا أحمدُ بن محمدٍ النَّسائيُّ، عن أبي

стр. 10967

سلمة (١)، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: مَن قرأ القرآنَ واتَّبَع ما فيه عصمه الله من الضَّلالة، ووقاه - قال أبو جعفرٍ الطبريُّ: أظنُّه أنا قال (٢) -: هَوْلَ يوم القيامة، وذلك أنَّه قال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ في الآخرة (٣). القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾. يقول تعالى ذكره: ومن [أدبر معرضًا] (٤) عن ذِكْرِى الذي أُذَكِّرُه به، فتَوَلَّى عنه ولم يقبله، ولم يَسْتَجِبْ له، ولم يَتَّعِظُ به، فينزجر عما هو عليه مُقِيمٌ من خلافه أمر ربِّه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقولُ: فإن له معيشةً ضيقةً. والضَّنك من المنازل والأماكن والمعايش، الشديد، يقال: هذا منزلٌ ضَنْكٌ. إذا كان ضيقًا، وعيشٌ ضنكٌ. الذكر والأنثى، والواحدُ والاثنان والجمعُ، بلفظٍ واحدٍ، ومنه قول عنترة (٥): * وإن نزلوا بضَنكٍ أنزل*

стр. 10968

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقولُ: الشقاء (١). حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ضَنْكًا﴾. قال: ضيقةً (٢). وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: الضَّنْكُ الضِّيقُ (٣). وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عنبسة، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقولُ: ضيقةً. وحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله. واختلف أهل التأويل في الموضع الذي جعل الله لهؤلاء المُغرضين عن ذكرِه المعيشةَ الضَّنْكَ، والحال التي جعَلَهم فيها؛ فقال بعضُهم: جعَل ذلك لهم في

стр. 10969

الآخرة في جهنم، وذلك أنهم جعل طعامهم فيها الضَّرِيعَ والزَّقُومَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمر بن عليٍّ المقدَّميُّ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: في جهنم (١). وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكفر. قال: و ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ في النارِ؛ شَوْكٌ مِن نارٍ وزَقُّومٌ وغِسْلينٌ، والضَّريعُ شوكٌ مِن نارٍ، وليس في القبر ولا في الدنيا معيشةٌ، ما المعيشةُ والحياة إلا في الآخرةِ. وقرأ قولَ اللَّهِ : ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]. قال: لمعيشتى. قال: والغسلين والزقُّومُ شيءٌ لا يَعْرِفُه أهلُ الدنيا (٢). وحدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقول: ضنكًا في النار (٣). وقال آخرون: بل عُنى بذلك: فإن له معيشةً في الدنيا حرامًا. قال: ووصف الله جلَّ ثناؤُه معيشتهم بالضَّنكِ لأن الحرام وإن اتَّسع فهو ضنكٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسين (٤) بنُ

стр. 10970

واقدٍ، عن يزيد، عن عكرمة في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: هي المعيشةُ التي أوسع الله عليه من الحرام (١). حدَّثني داود بن سليمان بن يزيدَ المُكْتِبُ مِن أهل البصرة، قال: ثنا عمرُو بنُ جريرٍ البجليُّ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قيسٍ بن أبى حازمٍ في قول الله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: رزقًا في معصية (٢). حدَّثني عبد الأعلى بن واصلٍ، قال: ثنا يعلى بنُ عُبيدٍ، قال: ثنا أبو بسطام، عن الضحاك: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: الكسب الخبيث (٣). حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الضّرَاريُّ (٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا أبو اليقظان عمارُ بنُ محمدٍ، عن هارون بن محمدٍ التَّيميِّ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: العمل الخبيثَ، والرزق السيئ (٥). وقال آخرون ممن قال: عُنى أن لهؤلاء القوم المعيشة الضنك في الدنيا: إنما قيل لها: ضَنكٌ وإن كانت واسعةً؛ لأنهم يُنفقون ما يُنْفِقون من أموالهم على تكذيبٍ بالخَلَفِ مِن اللَّهِ، وإياس من فضلِ اللَّهِ، وسوء ظنٍّ منهم بربِّهم، فتَشْتَدُّ لذلك عليهم معيشتهم وتَضِيقُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن

стр. 10971

أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. يقولُ: كلُّ مالٍ أعْطَيْتُه عبدًا من عبادى قلَّ أو كثُر، لا يَتَّقِينى فيه، فلا خير فيه، وهو الضَّنْكُ في المعيشة. ويقالُ أيضًا: إن قومًا ضُلَّالًا أَعْرَضوا عن الحقِّ، وكانوا أُولى سَعَةٍ من الدنيا مكثرين، فكانت معيشتهم ضنكًا، وذلك أنهم كانوا يَرَوْن أن اللَّهَ ليس بمُخْلِفٍ لهم معايشهم من سوء ظنِّهم بالله، والتكذيب به، فإذا كان العبدُ يُكَذِّبُ باللَّهِ ويُسئُ الظَّنَّ به، اشْتَدَّت عليه معيشتُه، فذلك الضنكُ (١). وقال آخرون: بل عُنى بذلك: أن ذلك لهم في البَرْزَخ. قالوا: وهو عذابُ القبر. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يزيدُ بنُ مَخْلَدٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالد بن عبدِ اللهِ، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازم، عن النعمان بن أبى عَيَّاشٍ، عن أبي سعيد الخدريِّ، قال في قولِ اللَّهِ: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: عذابَ القبرِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بشر بنُ المفضَّل، قال: ثنا عبدُ الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازمٍ، عن النعمان بن أبي عيَّاشٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: إن المعيشة الضنك التي قال الله؛ عذابُ القبر. حدَّثني حَوْثَرَةُ بنُ محمدِ المِنْقَريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حازمٍ، عن أبي

стр. 10972

سلمة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: يَضِيقُ عليه قبره حتى تَخْتَلِفَ أضلاعُه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكم، قال: ثنا أبى وشعيب بنُ الليث، عن الليث، قال: ثنا خالدُ بن زيدٍ، عن ابن أبي هلالٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي سعيدٍ أنه كان يقولُ: المعيشةُ الضنكُ عذابُ القبر، إنه يُسَلَّطُ على الكافر في قبره تسعةٌ وتسعون تِنِّينًا تَنْهَشُه وتَخْدِشُ لحمه حتى يُبْعَثَ. وكان يقالُ: لو أن تنِّينًا منها يَنفُخُ (٢) الأرضَ لم تُثبت زرعًا (٣). حدَّثنا مجاهدُ بن موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا محمدُ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: يُضَيَّقُ (٤) على الكافِرِ قبرُه حتى تَخْتَلِفَ فيه أضلاعُه، وهى المعيشة الضنك التي قال الله : ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ والسديِّ في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قالا (٦): عذابَ القبرِ (٧).

стр. 10973

وحدَّثنا محمد بن إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بن عبيدٍ، قال: ثنا سفيان الثورى، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: عذاب القبر (١). وحدَّثنى عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمدُ بن ربيعة، قال: ثنا أبو عُمَيْسٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُخَارِقٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ في قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: عذاب القبر (٢). وحدَّثنا ابن (٣) عبد الرَّحيم البرقيُّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابن أبي حازم، قالا: ثنا أبو حازمٍ، عن النعمان بن أبي عَيَّاشٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قال: عذاب القبر (٤). وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هو عذاب القبر. الذي حدَّثنا به أحمد بن عبد الرحمن بن وهبٍ، قال: ثنا عمى عبد الله بن وهبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دَرَّاجٍ، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرةَ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أتدْرُون فيمَ أَنْزِلَت هذه الآيةُ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ أتدرون ما المعيشةُ الضنكُ؟ ". قالوا: الله ورسولُه أعلمُ. قال: "عذاب الكافر في قبره، والذي نفسى بيده، إنه يُسلَّط (٥) عليه تسعةٌ وتسعون

стр. 10974

تِنِّينًا، أتَدْرُون ما التِّنِّيُن؟ تسعةٌ وتسعون حيَّةً، لكلِّ حيةٍ سبعةُ أرؤسٍ (١)، يَنْفُخون في جسمِه ويَلْسَعونه ويَخْدِشونه إلى يومِ القيامةِ" (٢) وأن الله ﵎ أتْبَع ذلك قولَه: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. فكان معلومًا بذلك أن المعيشةَ الضنكَ التي جعَلَها اللهُ لهم قبلَ عذابِ الآخرةِ (٣)؛ لأن ذلك لو كان في الآخرةِ لم يكنْ لقولِه: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. معنًى مفهومٌ؛ لأن ذلك إن لم يكنْ تقَدَّمه عذابٌ لهم قبلَ الآخرةِ، حتى يكونَ الذي في الآخرةِ أشدَّ منه، بطَل معنى قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. فإذ كان ذلك كذلك، فلا تَخْلو تلك المعيشةُ الضنكُ التي جَعَلَها اللَّهُ لهم مِن أن تكونَ لهم في حياتهم الدنيا، أو في قبورِهم قبلَ البعثِ - إذ كان لا وجهَ لأن تكونَ في الآخرةِ؛ لما قد بيَّنا - فإن كانت لهم في حياتهم الدنيا، فقد يَجِبُ أن يكونَ كلُّ مَن أَعْرَض عن ذكرِ اللَّهِ مِن الكفار، فإن معيشتَه فيها ضنكٌ، وفي وجودِنا كثيرًا منهم أوْسَعَ معيشةً من كثيرٍ من المُقْبِلِين على ذكرِ اللهِ ﵎ القابلين (٤) له المؤمنين - ما يَدُلُّ على أن ذلك ليس كذلك، فإذ خلا القولُ في ذلك مِن هذين

стр. 10975

الوجهين، صحَّ الوجهُ الثالثُ، وهو أن ذلك في البَرْزَخ. وقولُه: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: ونحشُرُه مِن قبرِه إلى موقفِ القيامةِ يومَ القيامةِ أعمَى (١). واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ العَمَى الذي ذكَر اللهُ في هذه الآيةِ أنه يَبْعَثُ يومَ القيامةِ هؤلاء الكفارَ به؛ فقال بعضُهم: ذلك عَمًى عن الحجِة، لا عمَى (٢) البصرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٌ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال: ليس له حجةٌ (٣). حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال: عن الحجةِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقيل: يُحْشَرُ أعمى البصرِ.

стр. 10976

والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قال اللهُ تعالى ذكرُه، وهو أَنه يَحْشُرُه أعمى عن الحجةِ ورؤيةِ الأشياءِ كما أخْبَر جلَّ ثناؤُه، فعمَّ ولم يَخْصُص. وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. [فقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾. قال: لا حجةَ لى (١). وقولُه: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾] (٢). اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وقد كنتُ بصيرًا بحُجَجى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. قال: عالمًا بحُجَجى. وقال آخرون: بل معناه: وقد كنتُ ذا بصرٍ أُبْصِرُ به الأشياءَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾: في الدنيا (٣). وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ

стр. 10977

حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. قال: كان بعيدَ البصرِ، قصيرَ النظرِ، أعمى عن الحقِّ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه عمَّ بالخبرِ عنه بوصفِه نفسَه بالبصرِ، ولم يَخْصُص منه معنًى دون معنًى، فذلك على ما عمَّه، فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ (١): قال: ربَّ لمَ حشَرْتَنى أَعْمَى عن حُجَجى ورؤيةِ الأشياءِ، وقد كنتُ في الدنيا ذا بصرٍ بذلك كلِّه. فإن قال قائلٌ: وكيف قال هذا لربِّه: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾. مع مُعاينتِه عظيمَ سلطانِه؟ أجَهِلَ في ذلك الموقفِ أن يكونَ اللهِ أن يفعلَ به ما شاء؟ أم ما وجهُ ذلك؟ قيل له: إن ذلك منه مسألةٌ لربِّه تعريفَه (٢) الجُرَّمَ الذي اسْتَحَقَّ به ذلك، إذ كان قد جهِله، وظنَّ أن لا جُرْمَ له اسْتَحَقَّ ذلك به منه، فقال: ربِّ لأيِّ ذنبٍ، ولأيِّ جُرْمٍ حَشَرْتَنى أعمى، وقد كنتُ بصيرًا مِن قبلُ في الدنيا وأنت لا تُعاقِبُ أحدًا إلا بدونِ ما يَسْتَحِقُّ منك مِن العقابِ. وقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ حينَئذٍ للقائل له: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾: فعَلْتُ ذلك بك، فحشَرْتُك أعمى كما أتَتْك آياتي - وهى حُجَجُه وأدلتُه وبيانُه الذي بيَّنه في كتابه - ﴿فَنَسِيتَهَا﴾. يقولُ: فترَكْتُها وأعْرَضْتَ عنها، ولم تُؤْمِنْ بها، ولم تَعْمَلْ. وعنَى بقوله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ﴾: هكذا أَتتْك. وقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. يقولُ: فكما نسيت آياتِنا في الدنيا فترَكْتَها

стр. 10978

وأَعْرَضْتَ عنها، فكذلك اليوم نَنْساك فنَتْرُكُك في النارِ. وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾؛ فقال بعضُهم بمثلِ الذي قلنا في ذلك ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. قال: في النارِ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾، قال: فتَرَكْتَها. وَ ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾: وكذلك اليومَ تُتْرَكُ في النارِ (١). ورُوِى عن قتادةَ في ذلك ما حدثَّني به بِشرٌ، ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. قال: نُسِي (٢) مِن الخيرِ، ولم يُنْسَ (٣) مِن الشرِّ (٤). وهذا القولُ الذي قاله قتادةُ قريبُ المعنى مما قاله أبو صالحٍ ومجاهدٌ؛ لأن تركَه إياهم في النارِ من أعظمِ الشرِّ لهم. القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾.

стр. 10979

يقولُ تعالى ذكرُه: وهكذا ﴿نَجْزِي﴾. أي: نُثِيبُ مَن أَسرَف، فعصَى رَبَّه ولم يُؤْمِنُ برسله وكتبه، فنَجْعَلُ له معيشةً ضنكًا في البرزخِ، كما قد بيَّنا قبلُ. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولعذابُ اللهِ في الآخرةِ لهم أشدُّ مما [عَذَّبَهم به] (١) في القبرِ مِن المعيشة الضنكِ، ﴿وَأَبْقَى﴾. يقولُ: وأدومُ منها؛ لأنه إلى غيرِ أَمَدٍ ولا نهايةٍ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : أفلم يَهْدِ لقومِك المشركين باللهِ. ومعني ﴿يَهْدِ﴾: يُبَيِّنْ. يقولُ: أفلم يُبَيِّنْ (٢) لهم كثرةُ ما أَهْلَكْنا قبلَهم مِن الأممِ التي [سلفَت قبلَهم] (٣)، التي يَمْشون هم (٤) في مساكنِهم ودُورِهم، ويَرَوْن آثارَ عُقوباتنا التي أحْلَلْناها بهم - سوءَ مَغَبَّة (٥) ما هم عليه مُقِيمون مِن الكفرِ بآياتِنا، فيَتَّعظوا بهم، ويَعْتَبِروا ويُنيبوا إلى الإذْعانِ، ويُؤْمنوا باللهِ ورسولِه؛ خوفًا أن يُصِيتهم بكفرِهم باللهِ مثلُ ما أصابَهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا

стр. 10980

قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾: [نحوِ عادٍ وثمودَ ومَن هلَك من الأُممِ (١). وقال: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾] (٢). لأن قريشًا كانت تَتَّجِرُ إلى (٣) الشامِ، فتَمُرُّ بمساكنِ عادٍ وثمودَ ومَن أَشْبَههم، فتَرَى آثارَ وقائعِ اللهِ تعالى بهم، فلذلك قال لهم: أفلم يُحَذِّرُهم ما يَرَوْن من فعلِنا بهم بكفرِهم بنا نزولَ مثلِه بهم، وهم على مثلِ فعلهم مقيمون. وكان الفَرَّاءُ يقولُ (٤): لا يَجوزُ في ﴿كَمْ﴾ في هذا الموضعِ أن يكونَ إلا نصبًا بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾. وكان يقولُ: وهو وإن لم يكنْ إلا نصبًا، فإن جملة الكلامِ رفعٌ بقولِه: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾. ويقولُ: ذلك مثلُ قولِ القائلِ: قد تبَيَّن لي أقام عمرٌو أم (٥) زيدٌ؟ في الاستفهامِ، وكقولِه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]. ويَزْعُمُ أن فيه شيئًا يَرْفَعُ ﴿سَوَاءٌ﴾ لا يَظْهَرُ مع الاستفهامِ، قال: ولو قلتَ: سواءٌ عليكمَ صمتُكم ودعاؤُكم. تبَيَّن ذلك الرفعُ الذي في الجملةِ. وليس الذي قال الفرَّاءُ من ذلك كما قال؛ لأن ﴿كَمْ﴾ وإن كانت مِن حروفِ الاستفهامِ، فإنها لم تُجْعَلْ في هذا الموضعِ للاستفهامِ، بل هي واقعةٌ موقعَ (٦) الأسماءِ الموصوفةِ. ومعنى الكلامِ ما قد ذكَرْنا قبلُ، وهو: أفلم يُبَيِّنْ (٧) لهم كثرةُ إهلاكِنا قبلَهم

стр. 10981

القرونَ التي يمشون في مساكِنهم. أو أفلم تَهْدِهم القرونُ الهالكةُ. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (أفلم يَهْدِ (١) لهم مَن أَهْلَكْنا). فـ ﴿كَمْ﴾ واقعةٌ موقع "مَن" في قراءةِ عبدِ اللَّهِ، و (٢) هي في موضعِ رفعٍ بقولِه: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾. وهو أظهرُ وُجوهه، وأصحُّ معانيه، وإن كان للذى (٣) قاله وجهٌ ومذهبٌ على بُعْدٍ. وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما يُعايِنُ هؤلاء، ويَرَوْن مِن آثارِ وقائعِنا بالأم المكذِّبةِ رسلَها قبلَهم، وحُلولٍ مَثُلاتِنا بهم لكفرِهم باللهِ، ﴿لَآيَاتٍ﴾. يقول: لدَلالاتٍ وعِبَرًا وعِظَاتٍ ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾. يعنى: لأهلِ الحِجَا والعقولِ، ومَن ينهاه عقلُه وفهمُه ودينُه عن مُواقعةِ ما يَضُرُّه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾. يقولُ: التُّقَى (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾: أهلِ الوَرَعِ (٥).

стр. 10982

القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولولا كلمةٌ سَبَقَت من ربِّك يا محمدُ أن كلَّ مَن قضَى له أجلًا فإنه لا يَخْتَرِمُه قبل بلوغِه أجلَه، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. يقولُ: ووقتٌ مُسَمًّى عندَ ربِّك سمَّاه لهم في أمِّ الكتابِ، وخطَّه فيه، هم بالغوه ومُسْتَوْفوه - ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾. يقولُ: للازمهم الهلاكُ عاجلًا. وهو مصدرٌ من قول القائل: لازم فلانٌ فلانًا يُلازِمُه مُلازمةً ولِزامًا. إذا لم يُفارقه. وقدَّم قولَه: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾. قبل قوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. [ومعنى الكلامِ: ولولا كلمةٌ سبَقَت من ربِّك وأجلٌ مسمَّى] (١) لكان لزامًا، فاصبِرْ على ما يقولون. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال: الأجلُ المسمَّى: الدنيا (٢). حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ

стр. 10983

سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. وهذه من مَقاديمِ الكلامِ. يقولُ: ولولا كلمةٌ سبَقت من ربِّك] (١) إلى أجلٍ مسمًّى لكان لزامًا. والأجلُ المسمَّى: الساعةُ؛ لأن اللهُ يقولُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (٢) [القمر: ٤٦]. حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال: هذا مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ: ولولا كلمةٌ سبَقَت من ربِّك وأجلٌ مسمَّى لكان لزامًا. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لكان موتًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: لَكَانَ لِزَامًا ?. يقولُ: موتًا (٣). وقال آخرون: بل معناه: لكان قتلًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾: واللِّزامُ القتلُ. وقولُه: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﵇:

стр. 10984

فاصْبِرْ يا محمدُ على ما يقولُ هؤلاء المكذِّبون بآياتِ اللهِ مِن قومِك، لك: إنك، ساحرٌ، وإنك [مجنونٌ،] (١) وشاعرٌ. ونحوَ ذلك مِن القولِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: وصلِّ بثنائِك على ربِّك. وقال: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. والمعنى: [بحمدِكَ ربَّك] (٢)، كما تقولُ: أَعْجَبَنِى ضربُ زيدٍ. والمعنى: ضربى زيدًا. وقولُه: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، وذلك صلاةُ الصبحِ، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾، وهي صلاةُ (٣) العصرِ، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾، وهى ساعاتُ الليلِ، واحدُها إنْيٌ، على تقديرِ حِمْلٍ، ومنه قولُ المُتَنَخِّلِ (٤) السعديِّ: حُلْوٌ ومُرٌّ كعَطْفِ القِدْح مِرَّته … في (٥) كلٍّ إِنِّي حَذَاه (٦) الليلُ يَنْتَعِلُ ويعنى بقوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾. صلاةَ العشاءِ الآخرةِ؛ لأنها تُصَلَّى بعدَ مُضِى آناءٍ مِن الليلِ. وقولُه: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. يعنى صلاةَ الظهرِ والمغربِ. وقيل (٧): ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. والمرادُ بذلك الصلاتان اللتان ذكَرْنا؛ لأن صلاةَ الظهرِ في آخِرِ طَرَفِ النهارِ الأولِ، وفى أولِ طَرَفِ النهارِ الآخِرِ، فهي في طرفين منه، والطَّرَفُ الثالثُ غروبُ الشمسِ، وعند ذلك تُصَلَّى المغربُ، فلذلك قيل: أطرافٌ.

стр. 10985

وقد يَحْتَمِلُ أن يقالَ: أُرِيد به طرفا النهارِ، فقيل: أطرافٌ. كما قيل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. فجمَع، والمرادُ قلبان، فيكونُ ذلك أولَ طرفِ النهارِ الآخِرِ، وآخِرَ طرفِه الآخِرِ (١). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن [أبى رَزينٍ] (٢)، عن ابن عباسٍ: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. قال: الصلاةُ المكتوبةُ (٣). حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن قَيسٍ بن أبي حازمٍ، عن جريرِ بن عبدِ اللهِ، قال: كنا جلوسًا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فرأى القمرَ ليلةَ البدرِ، فقال: "إنكم راءُون ربَّكم كما تَرَوْن هذا، لا تُضامُّون في رُؤيتِه، فإن اسْتَطَعْتُم ألا تُغلبوا على (٤) صلاةٍ قبلَ طلوعِ الشمسِ وقبلَ غروبِها فافْعَلوا". ثم تلا: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (٥).

стр. 10986

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ: فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. قال ابن جُرَيج: العصر. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. قال: المكتوبةُ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه فـ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. قال: هي صلاةُ الفجرِ، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾: صلاةُ العصرِ، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: صلاةُ المغربِ والعشاءِ، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: صلاةُ الظهرِ (١). حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. قال: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: العَتَمةِ. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: المغربَ والصبحَ. ونصَب قولَه: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. عطفًا على قولِه: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. لأن معنى ذلك: فسبِّح بحمدِ ربِّك آخِرَ الليلِ وأطرافَ النهارِ. وبنحوِ الذي قلنا في معنى ﴿آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾. قال: المصلَّى مِن الليلِ كلِّه.

стр. 10987

حدثَّني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رَجاءٍ، قال: سَمِعْتُ الحسنَ قرَأ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾. قال: مِن أولِه وأوسطِه وآخرِه (١). حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾. قال: آناءُ الليل جوفُ الليلِ (٢). وقوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. يقولُ: كَى تَرْضَى. وقد اختلفَت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأَته (٣) عامةُ قرَأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ بفتحِ التاءِ (٤). وكان عاصمٌ والكِسائيُّ يَقرآن ذلك: (لعلك تُرْضَى) بضمِّ التاءِ (٥). ورُوِى ذلك عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ. وكأن الذين قرَءوا ذلك بالفتحِ ذهَبوا إلى معنَى: إِن اللَّهَ يُعْطِيك حتى تَرْضَى عطيتَه وثوابَه إياك، وكذلك تأوَّله أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. قال: الثواب؛ تَرْضَى مما (٦) يُثِيبُك اللهُ على ذلك (٧).

стр. 10988

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾. قال: بما (١) تُعْطَى. و كأن الذين قرَءوا ذلك بالضمِّ وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: لعل الله يُرْضِيك مِن عبادتك إياه وطاعتِك له. والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرَأةِ، وهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرَأةِ الأمصارِ، مُتَّفِقَتَا المعنى، غيرُ مُخْتَلِفَتَيْه، وذلك أن الله تعالى ذكرُه إذا (٢) أرْضاه، فلا شكَّ أنه يَرْضَى، [وأنه] (٣) إذا رضِى فقد أرْضاه اللهُ، فكلُّ واحدةٍ منهما تَدلُّ على معنى الأُخرى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ولا تَنظُرْ إلى ما جَعَلْنَا لَضُرَباءِ هؤلاء المُعرِضين عن آياتِ ربِّهم وأشكالِهم، متعةً في حياتِهم الدنيا، يَتَمَتَّعون بها مِن زهرةِ عاجلِ الدنيا ونَضرتِها ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: لنَخْتَبرَهم فيما متَّعْناهم به مِن ذلك ونَبْتليهم، فإن ذلك فانٍ زائلٌ، وغُرورٌ وخُدَعٌ تَضْمَحِلُّ، ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ الذي وعَدك أن يَرْزُقَكه في الآخرةِ حتى تَرْضَى - وهو ثوابُه إياه - ﴿خَيْرٌ﴾ لك مما متَّعْناهم به من زهرة الحياةِ الدنيا ﴿وَأَبْقَى﴾. يقولُ: وأدومُ. لأنه لا انقطاعَ له ولا نفادَ.

стр. 10989

وذكر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ من الله مِن أجلِ أن رسولَ اللهِ ﷺ بعَث إلى يهوديٍّ يَسْتَسْلِفُ منه طعامًا، فأبَى أن يُسْلِفَه إلا برَهنٍ. ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن موسى بن عُبيدةَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللَّهِ بن قُسَيْطٍ، عن أبي رافعٍ، قال: أَرْسَلَنى رسولُ اللهِ ﷺ إلى يهودِيٍّ يَسْتَسْلِفُهُ، فَأَبَى أَن يُعْطِيَه إلا برهنٍ، فحزِن رسولُ اللهِ ﷺ ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن واقدٍ، عن يعقوبَ بن يزيدَ، عن أبي رافعٍ، قال: نزَل برسولِ اللهِ ﷺ ضَيفٌ، فأَرْسَلَنى إلى يهوديٍّ بالمدينةِ أَستسلِفُه (٢)، فأتَيْتُه فقال: لا أُسْلِفُه إلا برهنٍ. فَأَخْبَرْتُه بذلك، فقال: "إني لأمينٌ في أهلِ السماءِ، وفى أهلِ الأرضِ، فاحْمِلْ دِرْعى إليه". فنزلَت هذه الآيةُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]. وقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. إلى قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.

стр. 10990

ويعنى بقوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: [رجالًا منهم] (١) أشكالًا، وبـ: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: زينةَ الحياةِ الدنيا. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. أي: زينةَ الحياةِ الدنيا (٢). ونصَب ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ على الخروجِ من الهاءِ التي في قولِه: ﴿بِهِ﴾. مِن: ﴿مَتَّعْنَا بِهِ﴾. كما يقالُ: مرَرْتُ به الشريفَ الكريمَ. فنصَب الشريفَ الكريمَ على فعلِ: مرَرْتُ. فكذلك قولُه: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تُنْصَبُ على الفعلِ بمعنى: متَّعْناهم به زهرةً في الحياةِ الدنيا وزينةً لهم فيها. وذكَر الفرَّاءُ أَن بعضَ بني فَقْعَسٍ أَنْشَدَه (٣): أبعْدَ الذي بالسَّفْحِ سَفْحِ كَواكِبٍ … رهينةَ رَمْسٍ من ترابٍ وجَنْدَلِ فنصَب "رهينة" على الفعلِ مِن قولِه: أبعْدَ الذي بالسَّفْح. وهذا لا شكّ أنه أضعفُ في العملِ نصبًا مِن قوله: ﴿مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾. لأن العاملَ في الاسمِ الذي (٤) هو "رهينة"، حرفٌ خافضٌ لا ناصبٌ وبنحوِ الذي قلنا في [معنى قولِه: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ (٥) وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾] (٦) قال أهلُ التأويلِ.

стр. 10991

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال: لنَبْتَلِيَهم فيه، ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ مما (١) مُتِّع (٢) به هؤلاء من هذه الدنيا (٣). القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَأْمُرْ﴾ يا محمدُ ﴿أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. يقولُ: واصْطَبِرْ على القيامِ بها وأدائِها بحدودِها أنت ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾. يقولُ: لا نَسْأَلُك مالًا، بل نُكَلِّفُك عملًا ببدنِك، نُؤْتِيك عليه أجرًا عظيمًا وثوابًا جَزيلًا، ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. يقولُ: نحن تُعْطِيك المال ونُكْسِبُكَه، ولا نَسْأَلُكَه. وقولُه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. يقولُ: والعاقبةُ الصالحةُ مِن عِمل كلِّ عاملٍ لأهلِ التقوى والخشيةِ مِن اللهِ، دونَ مَن لا يَخافُ له عقابًا، ولا يَرْجو له ثوابًا. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ.

стр. 10992

ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن هشامِ بن عروةَ، قال: كان عروةُ إذا رأَى ما عندَ السلاطينِ دخَل دارَه، فقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾. ثم يُنادِى: الصلاة الصلاةَ، يَرْحَمُكم الله (١). حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، أنه كان إذا رأى شيئًا مِن الدنيا جاء إلى أهلِه، فقال: الصلاةَ؛ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ (٢). حدَّثنا العباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بن أسلَم، عن أبيه، قال: كان يَبِيتُ عند عمرَ بن الخطابِ مِن غِلمانِه أنا ويَرْفَأُ (٣)، وكانت له مِن الليلِ ساعةٌ يُصَلِّيها، فإذا قلنا: لا يقومُ مِن الليلِ [كما كان يقومُ. يكونُ أبكرَ ما] (٤) كان قيامًا، وكان إذا صلَّى مِن الليلِ ثم فرَغ، قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ الآيةَ (٥). حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: أخبرَني هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ

стр. 10993

ابن أَسْلَمَ، [عن أبيه، عن عمرَ] (١) مثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون الذين وصَف صفتَهم في الآياتِ قبل: هلَّا يَأْتِينا محمدٌ بآيةٍ من ربِّه، كما أَتَى قومَه صالحٌ بالناقةِ، وعيسى بإحياءِ الموتى وإبراءِ الأكْمهِ والأبرصِ؟ يقولُ اللهُ جَلَّ ثناؤُه: أو لم يَأْتِهم بيانُ ما في الكتبِ التي قبلَ هذا الكتابِ مِن أنباءِ الأممِ من قبلِهم التي أَهْلَكْناهم لمَّا سأَلوا الآياتِ، فكفَروا بها لما أتَتْهم - كيف عجَّلْنا لهم العذابَ، وأنْزَلنا بهم (٢) بأسَنا بكفرِهم بها. يقولُ: فماذا يُؤْمِنُهم إن أتَتْهم الآيةُ أن يكونَ حالُهم حالَ أولئك. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. قال: التوراةِ والإنجيلِ (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ

стр. 10994

مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾: الكتبِ التي خلَت من الأممِ التي يَمْشُون في مساكنِهم. القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو أنا أهْلكنا هؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبون بهذا القرآنِ مِن قبلِ أن ننزِّلَه عليهم، ومِن قبلِ أن نَبْعَثَ داعيًا يَدْعوهم إلى ما فرَضْنا عليهم فيه، بعذابٍ تُنْزِلُه بهم بكفرِهم باللهِ، لَقالوا يومَ القيامةِ إذا (١) ورَدُوا علينا، فأَرَدْنا عقابهم: ربَّنا هلَّا أَرْسَلْتَ إلينا رسولًا يَدعونا إلى طاعتِك ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾؟ يقولُ: فتَتَّبِعَ حُجَجَك وأدلَّتَك وما تُنَزِّلُه عليه مِن أمرِك ونهِيك، مِن قبلِ أن نَذِلَّ بتعذيبِك إيانا ونَخْزَى به. كما حدَّثني الفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، عن فُضَيْلِ بن مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "يَحْتَجُّ على اللهِ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ؛ الهالكُ في الفَتْرةِ، والمغلوبُ على عقلِه، والصبيُّ الصغيرُ، فيقولُ المغلوبُ على عقلِه: لم تَجْعَل لى عقلًا أَنْتَفِعُ به. ويقولُ الهالكُ في الفترةِ: لم يَأْتِنى رسولٌ ولا نبيٌّ، ولو أتانى لك رسولٌ أو نبيٌّ لَكنتُ أطوعَ خلقِك لك - وقرأ: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ - ويقولُ الصبيُّ الصغيرُ: كنتُ صغيرًا لا أَعقِلُ. قال: فتُرْفَعُ لهم نارٌ، ويقالُ لهم: رِدُوها. قال: فيَرِدُها مَن كان في علمِ الله أنه سعيدٌ، ويَتَلَكَّأُ عنها مَن كان في علمِ اللَّهِ أَنه شَقِيٌّ. فيقولُ: إياى عصَيْتُم، فكيف برسلى لو أتَتْكم؟ " (٢)

стр. 10995

القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل يا محمدُ: كلُّكم أيُّها المشركون باللهِ ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾. يقولُ: منتظِرٌ لمن يكونُ الفلاحُ، وإلى ما يَئُولُ أمرى وأمرُكم، مُتَوَقِّفٌ يَنْتَظِرُ دوائرَ الزمانِ، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾. يقولُ: فتَرَقَّبوا وانْتَظِروا، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾. يقولُ: فسيعلَمون مَن] (١) أهلُ الطريقِ المستقيمِ المعتدلِ الذي لا اعْوِجاجَ فيه إذا جاء أمرُ اللهِ، وقامت القيامةُ، أنحن أم أنتم؟ ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾. يقولُ: وستَعْلَمون حينَئذٍ من المهتدِى الذي هو على سننِ الطريقِ القاصدِ غيرِ الجائرِ عن قصدِه منا ومنكم. وفى ﴿وَمَنِ﴾ مِن قولِه: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾. والثانيةِ مِن قوله: ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ وجهان؛ الرفعُ، وتركُ إعْمالِ "تعلمون" فيهما، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]. والنصبُ على إعمال "تعلمون" فيهما، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
следующие страницы →