وجلَّ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾. قال: تَدَعَهم (١).
وقال آخرون: بل عَذَلَه على تَرْكِه أن يُصْلِحَ ما كان من فسادِ القومِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾. قال: أمر موسى هارون أن يُصلِحَ ولا يَتَّبِعَ سبيلَ المُفسدين، فذلك قولُه: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بذلك (٢).
وقولُه: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾. وفى هذا الكلام متروكٌ، تُرِك ذكرُه استغناءً بدلالة الكلام عليه، وهو: ثم أخذ موسى بلحْية أخيه هارونَ ورأسه يجرُّه إليه، فقال هارونُ: يابنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيتى ولا برأسي.
وقولُه: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. فاختَلَف أهلُ العلم في صفة التفريق بينهم الذي خَشِيَه هارونُ؛ فقال بعضُهم: كان هارونُ خاف أن يسيرَ بمن أطاعَه وأقامَ على دينه في أَثَرِ موسى، ويخلُفَ عَبَدَةَ العجلِ، وقد قالوا له: لن نبرحَ عليه عاكفين حتى يرجعَ إلينا موسى. فيقولَ له موسى: فرَّقْتَ بين بني إسرائيلَ بسَيْرِك بطائفةٍ، وتَرْكِكَ منهم طائفةً وراءَك.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾. قال: ﴿خَشِيتُ
стр. 10922
أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: خَشِيتُ أن يتَّبعَنى بعضُهم ويتخلَّفَ بعضُهم (١).
وقال آخرون: بل معني ذلك: خَشِيتُ أن نَقْتَتِلُ فيَقْتُلَ بعضُنا بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: كُنَّا نكونُ فِرقَتَين فيقتُلُ بعضُنا بعضًا حتى نَتَفَانى.
وأولى القولين في ذلك بالصواب القولُ الذي قاله ابن عباسٍ، من أن موسى عَذَل أخاه هارون على تَرْكه اتباعَ أمْرِه بَمَن اتَّبَعه من أهل الإيمان، فقال له هارونُ: إني خَشِيتُ أن تقولَ: فرَّقت بين جماعتِهم، فتَرَكْتَ بعضَهم وراءَك، وجئتَ ببعضِهم. وذلك بَيِّنٌ في قول هارون للقوم: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. وفى جواب القومِ له، وقيلهم: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾.
وقولُه: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. يقولُ: ولم تَنْظُرْ قَوْلى وتحْفَظْه. مِن مراقبة الرجل الشيءَ، وهى مُناظَرتُه لحفظه (٢).
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال: لم تَحفَظْ قَوْلى (٣).
стр. 10923
القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾: قال موسى للسامريِّ: فما شأنُك يا سامريُّ؟ وما الذي دعاكَ إلى ما فعَلتَ؟
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ قال: ما أَمْرُك؟ ما شأنُك؟ ما هذا الذي أدْخَلك فيما دخَلتَ فيه؟
وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾. قال: ما لَكَ يا سامريُّ (١).
وقولُه: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾. يقولُ: قال السامريُّ: علمتُ ما لم يَعْلَموه (٢). وهو "فعلتُ" من البَصيرة، أي: صِرْتُ بما عملتُ بصيرًا عالمًا.
[وبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل] (٣).
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: لما قتل فرعونُ الولدان قالت أمُّ السامريِّ: لو نَحَّيتَه عنِّى حتى لا أراه، ولا أرى (٤)
стр. 10924
قَتْلَه. فَجَعَلَتْه في غارِ، فأتى جبريلُ، فجعَل كفَّ نَفْسِهِ فِي فِيهِ، فَجَعَل يَرْضَعُ العسل واللبنَ، فلم يزلْ يختَلِفُ إليه حتى عرَفه، فمن ثَمَّ معرفتُه إيَّاه حين قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾.
وقال آخرون: هو (١) بمعنى: أبْصَرتُ ما لم يُبْصروه. وقالوا: يقالُ: بَصُرتُ بالشيء وأَبْصَرتُه. كما يقالُ: أسرَعتُ وسَرُعْتُ؛ ماشيتُ (٢).
ذكرُ مَن قال: هو بمعنى: أبْصَرتُ
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾. يعني: فرسَ جبريل ﵇.
وقولُه: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾. يَعْنى (٣): فقبضتُ قبضةً من أثر حافرِ فرس جبريلَ.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن حكيم بن جبيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قذف بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آلِ فرعونَ في النارِ، وتكسَّرت، ورأى السامريُّ أثَرَ فرس جبريل ﵇، فأخذ تُرابًا من أثر حافرِه، ثم أقبل إلى النار فقذَفه فيها، وقال: كُنْ عِجْلًا
стр. 10925
جسَدًا له خُوَارٌ. فكان للبلاء (١) والفتنة (٢).
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: قبض قبضةً (٣) من أثر جبريل، فألْقى القبضةَ على حُليِّهم، فصار عِجْلًا جسَدًا له خُوارٌ، فقال: هذا إِلَهُكم وإلَهُ موسى (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾. قال: من تحت حافرِ فرس جبريل، فنبَذه السامريُّ على حلية بني إسرائيل، فانْسَبك عِجْلًا جَسَدًا له خُوارٌ، حفيفُ الريح فيه فهو خُوارُه (٥).
قال أبو جعفر: والعجلُ ولدُ البقرة.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ هذين الحرفين؛ فقرأته عامَّةُ قرأة المدينة والبصرة: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بالياء (٦) بمعنى: قال السامريُّ: بَصُرتُ بما لم يَبصُرْ به بنو إسرائيلَ.
وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفة: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ) بالتاءِ (٧)، على وَجْهِ
стр. 10926
المخاطَبَة لموسى وأصحابه، بمعنَى: قال السامريُّ لموسى: بَصُرتُ بما لم تَبْصُرْ بِهِ أَنتَ وأصحابُك.
والقولُ في ذلك عِندِى أنَّهما قراءتان مَعْروفتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأة، مع صحَّة معنى كلِّ واحدةٍ منهما، وذلك أَنَّه جائزٌ أن يكونَ السامريُّ رأى جبريلَ، فكان عندَه - إما (١) بأن حَدَّثَته نفسُه بذلك، أو بغير ذلك من الأسباب - أن ترابَ حافرِ فرسه الذي كان عليه يَصْلُحُ لما حُدِّثَ عنه حينَ نَبَذَه في جَوْفِ العجل، ولم يكنْ عِلْمُ ذلك عند موسى، ولا عندَ أصحابه من بني إسرائيل، فلذلك قال لموسى: (بَصُرْتُ بما لم تَبصُروا به). أي: عَلِمْتُ بما لم تَعْلَموا به. وأما إذا قُرِئَ: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بالياءِ، فلا مؤنةَ فيه؛ لأنه معلومٌ أن بنى إسرائيل لم يَعْلَموا ما الذي يَصْلُحُ له ذلك الترابُ.
وأما قولُه: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾. فإن قرَأَةَ الأمصار على قراءته بالضادِ، بمعنى: فأخذتُ بكَفِّي كلِّها (٢) ترابًا من تراب أَثَرِ فرس الرسول.
ورُوِيَ عن الحسن البصريِّ وقتادةَ ما حدَّثنى أحمدُ بن يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبادٍ و (٣) عوفٍ، عن الحسن أنه قرأها: (فَقَبَصْتُ قَبْصَةً). بالصادِ.
وحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبادٍ، عن قتادةَ مثلَ ذلك بالصادِ (٤).
стр. 10927
يعنى: أخذتُ بأصابعى مِن ترابٍ أَثَرِ فرس الرسول ﵇، والقَبْضَةُ عند العرب الأخذُ بالكفِّ كلِّها، والقَبْصَةُ الأخْذُ بأطْراف الأصابع.
وقولُه: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾. يقولُ: فأَلْقَيتُها، ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. يقولُ: وكما فعلتُ من إلقائى القَبْضةَ التي قبضتُ مِن أَثَرِ الرسول (١) على الحلية التي أُوقدَ عليها حتى انْسَبَك فصار عجلًا جسدًا له حُوَارٌ، ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. يقولُ: زَيَّنَتْ لى نفسى أنَّه يكونُ ذلك كذلك.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. قال: كذلك حدَّثتْني نفسي.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى ﵇ للسَّامِرِيِّ: فاذهب فإن لك في أيام حياتِك أن تقولَ: لا مِسَاسَ. أي: لا أمسُّ ولا أُمَسُّ. وذُكر أن موسى ﵇ أَمَر بني إسرائيلَ ألَّا يُؤاكلوه، ولا يُخالطوه، ولا يُبايعوه، فلذلك قال له: إن لك في الحياةِ أن تقول لا مِسَاسَ. فبَقِى ذلك فيما ذُكِرَ في قبيلته.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: كان والله السَّامِرِيُّ عظيمًا من عُظماء بنى إسرائيلَ، مِن قبيلةٍ يقالُ لها: سَامِرَةُ. ولكنَّ عدوَّ الله
стр. 10928
نافَقَ بعدَ ما قَطَعَ البحرَ مع بني إسرائيلَ، قولَه: ﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾: فبقاياهم اليومَ يقولون: لا مساسَ (١).
وقولُه: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾. اختلَفت القرَأَةُ في قراءته؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ (٢) المدينة والكوفة: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بضَمِّ التاءِ وفَتْحِ اللام (٣)، بمعنى: وإن لك موعدًا لعذابك وعُقُوبتِك على ما فعلتَ مِن إضْلالك قومى، حتى عبدُوا العجل من دونِ اللهِ، لن يُخْلِفَكه الله، ولكنه يُذِيقَكَه.
وقرأ ذلك الحسنُ وقتادةُ وأبو نَهيك [وأبو عمرٍو] (٤): (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلِفَهُ). بضَمِّ التاءِ وكَسْرِ اللام (٥)، بمعنى: وإن لك موعدًا لن تُخْلِفَه أنت يا سامريُّ. وتأوَّلوه بمعنى: لن تَغِيبَ عنه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمن، قال: سمِعتُ أبا نَهِيكِ يقرأُ: (لَن تُخْلِفَهُ): أنت، يقولُ: لن تَغيبَ عنه (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلِفَهُ). يقولُ: لن تَغِيبَ عنه (٧).
стр. 10929
والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان مُتقاربتا المعنى؛ لأنه لا شكَّ أن الله مُوفٍ وعدَه لخَلْقِه بحَشْرِهم لموقفِ الحسابِ، وأن الخلقَ مُوافوه (١) ذلك اليومَ، فلا الله جلَّ وعزَّ مُخْلِفُهم ذلك، ولا هم مُخْلِفُوه بالتَّخَلُّفِ عنه، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ في ذلك.
وقولُه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾. يقولُ: وانظرُ إلى معبودِك الذي ظَلْتَ عليه مُقِيمًا تعبُدُه.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾. يقولُ: الذي أقمتَ عليه (٢).
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن: أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: فقال له موسى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾. يقولُ: الذي أقمتَ عليه.
وللعرب في "ظلْتَ" لغتان؛ الفتحُ في الظاء، وبها قرأ قرأة الأمصار، والكسرُ فيها، وكأن الذين كَسَروا نَقَلوا حركةَ اللام التي هي عينُ الفعل مِن "ظَلِلْتُ" إليها، ومن فَتَحها، أقَرَّ حركتَها التي كانت لها قبلَ أن يُحْذَفَ منها شيءٌ، والعربُ تفعلُ في الحروفِ التي فيها التضعيفُ ذلك، فيقولون في "مَسِسْتُ": مِسْتُ ومَسْتُ. وفى "هَمَمْتُ" بذلك: هَمْتُ به. وهل أحَسْتَ فلانًا وأحْسَسْتَه؟ كما قال الشاعرُ (٣):
стр. 10930
خَلَا أَنَّ العِتاقَ (١) من المطايا … أحَسْنَ به فَهُنَّ إِليه شُوسُ (٢)
وقولُه: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾. اختلَفت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأَةِ الحجاز والعراق: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾. بضَمِّ النون وتشديد الراء، بمعنى: لنُحَرِّقَنَّه بالنارِ قطعةً قطعةً.
ورُوي عن الحسن البصريِّ أنه كان يقرأُ ذلك: (لَنُحْرِقَنَّهُ). بضَمِّ النون وتخفيف الراءِ (٣)، بمعنى: لنُحْرِقَنه بالنار إحْراقةً واحدةً.
وقرَأه أبو جعفر القارئُ: (لَنَحْرُقَنَّهُ). بفتح النون وضمِّ الراء (٤)، بمعنى: لنَبْرُدَنَّه بالمبارد. مِن: حَرَقْتُه أَحْرُقُه وأَحْرِقُه. كما قال الشاعرُ (٥).
بِذِي فَرْقَينِ (٦) يومَ بنو حَبِيبٍ … نيوبَهُمُ علينا يَحْرُقُونا (٧)
والصوابُ في ذلك عندَنا من القراءةِ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بضمِّ النونِ وتشديدِ الراء، من الإحراق بالنار.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ يقُولُ: بالنار (٨).
стр. 10931
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾: فَحَرَّقَه ثم ذَرَّاه في اليَمِّ.
وإنما اخترتُ هذه القراءة لإجماع الحُجَّة من القرَأَة عليها، وأما أبو جعفرٍ، فإنى أحسَبُه ذَهَب إلى ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾: ثم أخَذَه فذَبَحه، ثم حَرَقَه بالمِبْردِ، ثم ذَرَّاه في اليمِّ، فلم يَبْقَ بحرٌ يجرى (١) يَوْمَئِذٍ إِلا وَقَع فيه شيءٌ منه (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. قال: وفى بعض القراءةِ: (لَنَذْبَحَنَّهُ ثم لنَحْرُقَنَّه ثم لَنَنْسِفَنَّه في اليَمِّ نَسْفًا) (٣).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: في حرف ابن مسعودٍ (وانْظُرْ إلى إلهك الذي ظَلْتَ عليه عاكفًا لنَذْبَحَنَّه ثم لَنَحْرُقَنَّه ثم لنَنْسِفَنَّه في اليمِّ نسْفًا) (٤).
وقولُه: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. يقولُ: ثم لنُذَرِّيَّنَّه في البحرِ تذريةٌ. يقال منه: نَسَفَ فلانٌ الطعامَ بالمِنْسَف. إذا ذَراه (٥) فَطَيَّرَ عنه قُشُورَه وترابَه
стр. 10932
باليَد أو بالريح. [يقالُ: ذرا يَذْرُو، وذرَى يَذْرى، وذَرَّى يُذَرِّى، تَذْرِيةً ونسفًا بمعنًى واحدٍ] (١).
وبنحو الذي قلنا في تأويل (٢) ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. يقولُ: لَنُذَرِّيَنَّه في البحرِ (٣).
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ، قال: ذَرَّاه في اليَمِّ، واليَمُّ البحرُ (٤).
وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ذَرَّاه في اليَمِّ (٥).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فِي الْيَمِّ﴾. قال: في البحر.
وقولُه: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: ما لكم أيُّها القومُ معبودٌ إلا الله (٦) الذي له عبادةُ جميع الخلق، لا تَصْلُحُ العبادةُ لغيره، ولا تَنْبَغى أن تكون إلا له، ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ: أحاطَ بِكُلِّ شيءٍ
стр. 10933
علمًا فعَلِمَه، فلا يَخْفَى عليه [منه شيءٌ ولا يَضِيقُ عليه] (١) علمُ جميع ذلك. يقالُ منه: فلانٌ يَسَعُ لهذا الأمر. إذا أطاقه وقَوىَ عليه، ولا يَسَعُ له. إذا عَجَزَ عنه فلم يُطِقْه ولم يَقْوَ عليه.
وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ: مَلأَ كلَّ شيءٍ علمًا، ﵎ (٢).
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : كما قَصَصْنا عليك يا محمدُ نَبأ موسى
وفرعونَ وقومه وأخبار بني إسرائيل مع موسى، ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾. يقولُ: كذلك نخبرُك بأنباء الأشياء التي قد سَبَقَت مِن قَبْلِك ولم تُشاهدها ولم تُعاينْها.
وقولُه: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمحمد ﷺ : وقد آتيناك يا محمدُ من عندنا ذِكْرًا يَتَذَكَّرُ به ويَتَّعِظُ (٣) أهلُ العقل والفَهْم، وهو هذا القرآنُ الذي أنزلَه الله عليه، فجَعَلَه ذِكْرَى للعالمين.
وقولُه: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَن وَلَّى عنه فأَدْبَرَ ولم يُصَدَّقْ به ولم يُقرَّ، ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾. يقولُ: فإنه يأتى ربَّه يومَ القيامةِ يحمِلُ
стр. 10934
حملًا ثقيلًا، وذلك الإثمُ العظيمُ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾. قال: إثمًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ (٢) فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: خالدين في وِزْرِهم. فأخرج الخبرَ جَلَّ ثناؤُه عن هؤلاء المُعْرِضِين عن ذكره في الدنيا أنهم خالدون في أوْزارِهم، والمعنى أنهم خالدون في النارِ بأوْزارهم، ولكن لمَّا كان معلومًا المرادُ من الكلام، اكْتُفي بما ذُكر عما لم يُذْكَرُ.
وقولُه: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وساءَ ذلك الحمْلُ والثِّقَلُ من الإثم يومَ القيامةِ حِمْلًا. وحُقَّ لهم أن يَسُوءُهم ذلك، وقد أوردَهم مَهْلَكةً لا مَنْجَا منها.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
стр. 10935
قوله: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾. يقولُ: بئسمَا حَمَلوا (١).
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾: يعنى بذلك ذنوبهم.
وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وساء لهم يوم القيامةِ، يوم ينفخُ في الصور. فقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ رَدٌّ على ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
وقد بيَّنَّا معنى النَّفْخِ في الصور، وذكرنا اختلاف المختلفين في معنى الصور، والصحيح في ذلك من القول عندنا بشواهده المُغنية عن إعادته في هذا الموضع قبلُ (٢).
واختلفت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأَةِ الأمصارِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. بالياءِ وضَمَّها (٣)، على وجهِ (٤) ما لم يُسَمَّ فاعلُه، بمعنى: يومَ يَأْمُرُ اللهُ إسرافيلَ فينفخُ في الصور. وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأُ ذلك: (يَوْمَ نَنْفُخُ فِي الصُّورِ). بالنون، بمعنى: يومَ ننفخُ نحن في الصور. وكأنَّ الذي دعاه إلى قراءة ذلك كذلك طَلَبُه التوفيق بينه وبين قوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ﴾. إذ كان لا خلاف بين القرأَةِ في ﴿وَنَحْشُرُ﴾ أنها بالنون.
والذي أختارُ في ذلك من القراءة: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾. بالياء، على وَجْهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ لأن ذلك هو القراءة التي عليها قرأةُ الأمصار، وإن كان للذى قرأ به (٤) أبو
стр. 10936
عمرٍو وَجْهٌ غيرُ فاسدٍ.
وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: ونسوقُ أهلَ الكفر باللهِ يومئذٍ إلى موقف القيامةِ زُرْقًا. فقيل: عَنى بالزُّرْقِ في هذا الموضع ما يظهرُ في أعينهم من شدة العَطَشِ الذي يكونُ بهم عند الحشرِ، لِرَأْي العين، مِن الزَّرَقِ. وقيل: أُريدَ بذلك أنهم يُحْشَرون عُمْيًا، كالذى قال الله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧].
وقوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾. يقول تعالى ذكره:
يتهامسون بينهم، ويُسرُّ بعضُهم إلى بعضٍ: إن لبثتُم في الدنيا. يعنى أنهم يقولُ بعضهم لبعضٍ: ما لبثتُم في الدنيا إلا عَشْرًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: يَتَسَارُّونَ (١).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾. أي: يَتَسارُّون (٢) بينهم: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾.
стр. 10937
يقول تعالى ذكره: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ منهم عندَ إسْرارِهم وتَخافُتِهم بينهم بقيلهم: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ - ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾: لا يخفى علينا مما يتسارُّونه بينَهم شيءٌ، ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حين يقولُ أوفاهم عقلًا، وأعلمهم فيهم: إن لبِثتُم في الدنيا إلا يومًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد (١) في قوله: قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾. [يقولُ أعلمُهم في أنفسهم: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ (٢).
حدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا ابن يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾] (٣). قال: أَوْفاهم عقلًا (٤).
وإنما عنى جلَّ ثناؤُه بالخبر عن قيلهم هذا القول يومئذٍ، إعلامَ عباده أن أهل الكفرِ به يَنْسَون - مِن عظيم ما يُعاينون مِن هَوْلِ يوم القيامة، وشدة جَزَعِهم من عظيم ما يردون عليه - ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم واللذَّاتِ، ومبلغ ما عاشوا فيها من الأزمانِ، حتى يُخَيَّلَ إلى أَعْقَلِهم فيهم وأَذْكَرِهم وأَفْهَمِهم، أنهم لم يَعِيشوا فيها إلا يومًا.
القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي
стр. 10938
نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: ويسألك يا محمد قومُك عن الجبال، فقُل لهم: يُذَرِّيها ربِّي تَذْرِيةً، ويُطَيِّرُها بقَلْعِها واستئصالها من أُصُولِها، ودَكِّ بعضها على بعض، وتصْييره إياها هَباءً مُنْبثًّا، ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: فيَدَعُ أماكنها من الأرضِ إذا نَسَفَها نَسْفًا - ﴿قَاعًا﴾. يعنى: أرضًا ملساء، ﴿صَفْصَفًا﴾: مُسْتَوِيًا لا نبات فيه ولا نَشَزَ ولا ارتفاع.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾. يقولُ: مُسْتَوِيًا لا نباتَ فيه (١).
وحدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾. قال: مُسْتَوِيًا، الصَّفْصَفُ المُسْتَوِى.
وحدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿صَفْصَفًا﴾. قال: مُسْتَوِيًا (٢).
وحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
وحدَّثني يونس، قال: أخبرنا عبد الله بن يوسفَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن لهيعةَ،
стр. 10939
قال: ثنا أبو الأسود، عن عروة، قال: كُنَّا قُعُودًا عند عبد الملك بن مروان حين قال: قال (١) كعبٌ: إن الصخرة موضعُ قدم الرحمن يوم القيامة. فقال: كَذَبَ كعبٌ، إنما الصخرةُ جبلٌ من الجبال، إن الله يقولُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾. فَسَكَتَ عبد الملكِ.
وكان بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل الكوفة يقولُ (٢): القاعُ، مستنقَعُ الماءِ، والصَّفْصَفُ، الذي لا نبات فيه.
وقوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. يقولُ: لا تَرَى في الأَرضِ عِوَجًا ولا أمتًا.
واختلف أهل التأويل في معنى "العِوَج" و "الأَمْتِ"؛ فقال بعضُهم: عَنَى بالعوج في هذا الموضع الأودية، وبالأَمْتِ الرَّوابي والنُّشُوزَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾. يقولُ: واديًا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾. يقولُ: رابيةً (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المُخَرِّمِيُّ، قال: ثنا أبو عامر العَقدِيُّ (٤)، عن عبدِ الواحد بن صفوان مولى عثمان، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: سُئل ابن عباسٍ عن قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. قال: هي الأرضُ البيضاء - أو قال:
стр. 10940
المَلْساءُ - التي ليس فيها لَبِنةٌ مرتفعةٌ (١).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: [﴿عِوَجًا﴾. قال: الانخفاض، ﴿أَمْتًا﴾. قال: ارتفاعًا] (٢).
[حدَّثنا القاسم، قال: نا الحسين، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. قال: ارتفاعًا ولا انخفاضًا] (٣).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. قال: ولا تَعادِي، الأَمْتُ التَّعَادِي.
وقال آخرون (٤): عَنَى بالعِوَج في هذا الموضع الصُّدُوعَ، وبالأَمْتِ الارتفاع من الآكام وأشباهها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. قال: صَدْعًا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾. يقولُ: ولا أَكمةً (٥).
وقال آخرون: عَنَى بالعوج الميلَ، وبالأَمْتِ الأَثَرَ.
стр. 10941
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. يقولُ: لا تَرَى فيها ميلًا، والأمْتُ الأَثَرُ مثلُ الشِّرَاكِ (١).
وقال آخرون: الأَمْتُ المَحانِي والحدابُ (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: الأمْتُ الحَدَبُ.
وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عَنى بالعوج الميل؛ وذلك أن ذلك هو المعروف في كلام العرب.
فإن قال قائلٌ: وهل في الأرضِ اليومَ مِن عِوَجٍ فيقال: لا تَرَى فيها يومئذٍ عِوَجًا؟
قيل: إن معنى ذلك: ليس فيها أوديةٌ وموانع تمنع الناظر أو السائر فيها عن الأخذ على استقامةٍ، كما يحتاج اليومَ مَن أخذ في بعض سُبُلِها إلى الأخذ أحيانًا يمينًا وأحيانًا شمالًا، لما فيها من الجبال والأودية والبحار.
وأما "الأمْتُ" فإنه عند العرب الانْثِناءُ والضَّعْفُ. مسموعٌ منهم: مَدَّ حَبْلَه حتى ما تَرَك فيه أمْتًا. أي: انْثِناءً، ومَلأَ سِقاءَه حتى ما تَرَك فيه أمْتًا. ومنه قولُ الراجزِ (٣):
стр. 10942
* ما في انجذاب سَيْرِه مِن أمْتِ *
يعنى: مِن وَهْنٍ وضَعْفٍ. فالواجبُ - إذ كان ذلك معنى الأمْتِ عِندَهم - أن يكون أصوبُ الأقوال في تأويله: ولا ارتفاع ولا انخفاض؛ لأن الانخفاض [لن يكون] (١) إلا عن ارتفاع. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلام: لا تَرَى فيها ميلًا عن الاستواء، ولا ارتفاعًا ولا انخفاضًا، ولكنها مستويةٌ ملساء، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: يومَئِذٍ يَتَّبِعُ الناسُ صوت داعى الله الذي يَدْعُوهم إلى موقف القيامة، فيَحْشُرُهم إليه، ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾. يقول: لا عِوَجَ لهم عنه ولا انحراف، ولكنَّهم سراعًا إليه يَنْحَشِرون. وقيل: لا عِوَجَ له. والمعنى: لا عِوَجَ لهم عنه؛ لأن معنى الكلام ما ذكرنا من أنه لا يعوجون له ولا عنه، ولكنَّهم يَؤُمُّونه ويَأْتونه، كما يقال في الكلام: دعانى فلان دعوة لا عِوَجَ لي عنها. أي: لا أعْوج عنها.
وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾. يقول تعالى ذكره: وسَكَنت (٢) أصواتُ الخلائق للرحمنِ. فوصَفَ الأصوات بالخشوع، والمعنى لأهْلِها أنهم خُضَّعٌ جميعهم لربِّهم، فلا تَسْمَعُ لناطقٍ منهم مَنْطقًا إِلا مَن أَذِنَ له الرحمنُ.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن
стр. 10943
عباس قولَه: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾. يقولُ: سَكَنَت (١).
وقوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. قيل (٢): إنه وطءُ الأَقْدامِ إلى المَحْشَرِ. وأصله الصوت الخفيُّ، يقال: هَمَسَ فلانٌ إلى فلانٍ بحديثه. إذا أسرَّه إليه وأخفاه، ومنه قول الراجز (٣):
وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسَا
إِنْ تَصْدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَمِيسَا
يعنى بالهَمْس صوتَ أخْفافِ الإبل في سيْرِها.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا عليٌّ بن عابسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. قال: وَطْءَ الأقدام (٤).
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾: يعنى هَمْسَ الأَقْدامِ، وهو الوَطْءُ.
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:
стр. 10944
﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. يقول: الصوت الخفيَّ (١).
حدَّثنا إسماعيل بن موسى السُّدِّيُّ، قال: أخبرنا شَرِيكٌ، عن عبد الرحمن بن الأصْبهانيِّ، عن عكرمة: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. قال: وطعَ الأَقْدامِ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن حميدٍ، عن الحسنِ: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. قال: هَمْس الأقدام (٣).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٍ، عن قتادة: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. قال قتادةُ: كان الحسنُ يقولُ: وَقْعَ أَقْدامِ القومِ.
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾، قال: تَهافُتًا. أو (٤) قال: تخافُت الكلام.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿هَمْسًا﴾. قال: خَفْضَ الصوتِ (٥).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ، قال: خَفْضَ الصوتِ. قال: وأخبرنى عبد الله بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلام الإنسان، لا تسمعُ تَحَرُّكَ شَفَتَيه ولسانه (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. يقولُ: لا تسمعُ إلا مَشْيًا. قال: المَشْىُ الهمسُ؛ وطءُ
стр. 10945
الأقدام (١).
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: يومَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشفاعة إلا شفاعَةَ مَن أذن له الرحمن أن يشْفَعَ ورضى له قوله (٢)(٣).
وأدخل في الكلام ﴿له﴾ دليلًا على إضافة القول إلى كناية ﴿مَنْ﴾. وذلك كقول القائل لآخرَ: رَضِيتُ لك عملك، ورَضِيتُه منك.
وموضع ﴿مَنْ﴾ مِن قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ نصبٌ؛ لأنه خلاف (٤) الشفاعة.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: يعلمُ ربُّك يا محمد ما بين أيدى هؤلاء الذين يَتَّبِعون الداعى مِن أمرِ القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: ويعلمُ أَمرَ مَا خَلَّفوه وراءهم مِن أمر الدنيا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا
стр. 10946
بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾. [يقولُ: يعلمُ ما بين أيديهم] (١) مِن أمر الساعةِ، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (٢): من أمر الدنيا
وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولا يُحِيطُ خلقُه به علمًا.
ومعنى الكلام أنه محيطٌ بعباده علمًا، ولا يُحِيطُ عباده به علمًا.
وقد زَعَم بعضُهم (٣) أن معنى ذلك، أن الله يعلم ما بين أيدى ملائكته وما خَلْفَهم، وأن ملائكته لا يُحيطون علمًا (٤) بما بين أيدى [أنفسها وما خلفها] (٥). وقال: إنما أعلم بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، أن الملائكة كذلك لا تعلمُ ما بين أيديها وما خلفَها، مُوَبِّخَهم بذلك، ومعرِّفهم (٦) بأن مَن كان كذلك فكيف يُعْبَدُ (٧)! وأن العبادةَ إنما تصلُحُ لَمَن لا تَخْفَى عليه خافيةٌ في الأرضِ ولا في السماء.
القول في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾.
يقول تعالى ذكره: استأْسرت (٨) وجوه الخلق واسْتَسْلَمَت للحيِّ الذي لا
стр. 10947
يموتُ، القيوم على خَلْقِه بتدبيره إياهم، وتصريفهم لما شاءُوا. وأَصلُ العُنُوِّ الذُّلُّ، يقالُ منه: عَنا وجهه لربِّه يَعْنُو عُنُوًّا. يعنى به (١): خَضَع له وذَلَّ؛ ولذلك (٢) قيل للأسير: عانٍ. لذلَّةِ الأسْرِ. وأما قولُهم: أخذتُ الشيءَ عَنْوَةً. فإنه يكونُ وإن كان معناه يَئُولُ إلى هذا أن يكونَ أخذه غَلَبَةً، ويكون أخذه عن تسليمٍ وطاعةٍ، كما قال الشاعر: (٣).
هل أنتَ مُطِيعى أَيُّها القلبُ عَنْوة … ولم تُلْحَ نفسٌ (٤) لم تُلَمْ في احتيالها (٥)
وقال آخرُ (٦):
فما أَخَذُوها عَنْوةً عن مَودَّةٍ … ولكن بضرب (٧) المَشْرَفيِّ (٨) اسْتَقالَها
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. يقولُ: ذَلَّتْ (٩).
стр. 10948
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. يعنى: [اسْتَسلَمت إليَّ] (١).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾. قال: خَشَعَت (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٍ، عن قتادة قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. أي: ذَلَّتِ الوجوه للحيِّ القيوم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾. قال: ذَلَّتِ الوجوه (٣).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: قال طلقٌ: إذا سَجَد الرجلُ فقد عَنا وجهه. أو قال: عُنى (٤).
حدثني أبو حَصِين عبد الله بن أحمد، قال: ثنا عَبْثرٌ، قال: ثنا حصينٌ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيب في هذه الآية: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال: هو وَضْعُ الرجل رأسه ويديه وأطرافَ قَدَمَيه.
стр. 10949
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن لَيْثٍ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيبٍ في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال: هو وَضْعُك جبهتك وكَفَّيك ورُكْبَتَيك وأطراف قدميك في السجودِ.
حدَّثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن حُصينٍ، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيب في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال: وَضْعُ الجبهة والأنف على الأرض.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن طَلْقٍ بن حبيبٍ في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال: هو السجودٌ على الجبهة والراحتين (١) والركبتين والقدمين (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال: اسْتأْسَرتِ الوجوه للحيِّ القيوم، صاروا أُسارى كلُّهم له. قال: والعانى الأسير (٣).
وقد بَيَّنا معنى "الحيِّ القيوم" فيما مَضَى بما أغنى عن إعادتِه هاهنا (٤).
وقولُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. يقول تعالى ذكره: ولم يَظْفَرْ بحاجتِه وطَلِبَتِه مَن حَمَل إلى موقف القيامة شركًا بالله، وكفرًا به، وعملًا بمعصيته.
стр. 10950
وبنحو الذي قُلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. قال: مَن حَمَل شِركًا (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. قال: مَن حَمَل شِرْكًا، الظلمُ هاهنا الشِّرْكُ.
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾.
[يعنى تعالى ذكره بقوله] (٢): ومَن يَعْمَلْ من صالحات الأعمال، وذلك - فيما قيل - أداء فرائض الله التي فَرَضَها على عباده، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: وهو مُصَدَّقٌ باللَّهِ، وأنه مُجَازٍ أهل طاعته [على طاعته] (٣)، وأهلَ مَعاصِيه على معاصيهم، ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا﴾. يقولُ: فلا يخافُ مِن الله أن يَظْلِمَه، فيحمل عليه سيئاتِ غيره، فيعاقبه عليها، ﴿وَلَا هَضْمًا﴾. يقولُ: ولا يخافُ أَن يَهْضِمَه حسناتِه، فيَنْقُصه ثوابها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
стр. 10951
الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: وإنما يَقْبَلُ اللهُ مِن العمل ما كان في إيمانٍ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قال: زَعموا أنها الفرائضُ.
ذكرُ مَن قال ما قُلنا في معنى قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾
حدَّثنا أبو كريبٍ وسليمانُ بن عبد الجبار، قالا: ثنا ابن عطية، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. قال: ﴿هَضْمًا﴾ غَصْبًا (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. قال: لا يخافُ ابْنُ آدمَ يومَ القيامة أن يُظْلَم فيزادَ عليه في سيئاتِه، ولا يُظْلَمُ فَيُهْضَمَ من (٢) حسناتِه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. يقولُ: أنا قاهِرٌ لكم اليوم، آخُذُكم بقُوَّتى وشِدَّتى، وأنا قادرٌ على قهركم وهَضْمِكم، فإنما بينى وبينكم العدلُ، وذلك يومَ القيامةِ.
حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾: أما ﴿هَضْمًا﴾ فهو أن يَقْهَرَ الرجلُ الرجلَ بِقُوَّتِه، يقولُ اللَّهُ يومَ القيامة:
стр. 10952
لا آخُذُكم بقوَّتى وشِدَّتى، ولكن العدل بيني وبينكم، ولا ظلم عليكم.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿هَضْمًا﴾. قال: انتقاص شيءٍ مِن حقٍّ (١) عَمله (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن مسعرٍ، قال: سمعتُ حبيب بن أبى ثابتٍ يقولُ في قوله: ﴿وَلَا هَضْمًا﴾. قال: الهَضْمُ الانتقاص.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. قال: ظُلْمًا أن يُزادَ في سيئاتِه، ولا يُهْضَمَ من حسناته (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. [أي: لا يخافُ أن يُحمل عليه ذنب غيره، ولا يهضم من حسناته.
حدَّثني يونسُ: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾] (٤). قال: لا يخافُ أن يُظْلَمَ فلا يُجْزَى بعمله، ولا يخافُ أن
стр. 10953
يُنْتَقَصَ مِن حَقِّه فلا يوَفَّى عمله (١).
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا سَلَّامُ بنُ مسكينٍ، عن ميمون بن سِيَاهٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. قال: لا يَنْتَقِصُ الله حسناته شيئًا، ولا يحمِلُ عليه ذنب مُسِيءٍ.
وأصلُ الهَضْمِ النَّقْصُ، يقالُ: هَضَمَنى فلانٌ حَقِّى (٢). ومنه امرأةٌ هَضِيمُ الكشح (٣). أي: ضامرةُ البطن. ومنه قولُهم: قد هُضِمَ الطعامُ. إِذا ذَهَبَ، وهَضَمْتُ لك من حقِّك. أي: حَطَطتُك.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: كما رغَّبنا أهلَ الإيمان في صالحات الأعمال [بوعدناهم ما وعدنا] (٤)، كذلك حذَّرْنا بالوعيد أهل الكفر المُقام (٥) على معاصينا وكفرهم بآياتنا، فأنزلنا هذا القرآن عربيًّا، إذ كانوا عَرَبًا، ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ فبيَّنَّاه. يقولُ: وخوَّفناهم فيه بضروب من الوعيدِ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: كى يتقُونا بتصريفنا ما صرَّفنا فيه من الوعيد، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾. يقولُ: أو يحدثُ لهم هذا القرآنُ تذكرةً، [فيعتبروا ويتعظوا] (٦) بفعلنا بالأمم التي كذَّبت الرسل قبلها،
стр. 10954
وينزجروا (١) عما هم عليه مقيمون من الكفر بالله.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: ما حُذِّروا به مِن أمرِ اللَّهِ وعذابه (٢)، ووقائعه بالأمم قبلهم، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾: أي جِدًّا وورعًا.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ (٣) ذِكْرًا﴾. قال: جِدًّا ووَرَعًا (٤).
وقد قال بعضهم (٥) في ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ أن معناه: أو يُحْدِثُ لهم شرفًا بإيمانهم به.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: فارتفع الذي له العبادةُ مِن جميع خلقه، الملكُ الذي قَهَرَ سلطانه كلَّ مَلِكٍ وجَبَّارٍ، الحقُّ، عما يَصِفُه به المشركون به مِن خلقِه، ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. يقول جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ :
стр. 10955
ولا تَعْجَلْ يا محمد بالقرآن فتُقْرِتَه أصحابك، أو تَقْرَأَه عليهم، من قبل أن يُوحَى إليك بيانُ معانيه. فعُوتِبَ (١) على إكتابه وإملائه ما كان اللَّهُ يُنَزِّلُه عليه من كتابه مَنْ كان يُكتبه ذلك من قبل أن يُبيِّن له معانيه، وقيل له: لا تتلُه على أحدٍ، ولا تُمله عليه حتى نبيِّنه لك.
[وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل] (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. قال: لا تَتْلُه على أحدٍ حتى نبيِّنَه (٣) لك (٤).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، [عن مجاهدٍ] (٥)، قال: يقولُ: لا تُملِه (٦) على أحد حتى نُتِمَّه لك. هكذا قال القاسمُ: حتى نُتمَّه (٧).
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ
стр. 10956
وَحْيُهُ﴾. يعنى: لا تعجل حتى نبيِّنه لك (١).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. أي: بيانُه.
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة [في قوله] (٢): ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. قال: تبيانُه (٣).
حدَّثنا ابن المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن قتادة: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. قال: من قبل أن يُبيَّنَ لك بيانُه (٤).
وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. يقول تعالى ذكره: وقل يا محمدُ: ربِّ زدني علمًا إلى ما علَّمتنى. أمره بمسألته (٥) من فوائد العلم ما لا يعلمُ.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: وإن يُضَيِّع يا محمد هؤلاء الذين نُصَرِّفُ لهم في هذا القرآن (٦) الوعيد، عهدى، ويخالفوا أمرى، ويترُكوا طاعتى، ويتَّبعوا أمر عدوِّهم إبليس، ويطيعوه في خلاف أمرى، فقديمًا ما فعل ذلك أبوهم آدم، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا﴾ إليه. يقولُ: ولقد وصَّينا آدمَ وقلنا له: ﴿إِنّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ
стр. 10957
الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]. فوسوس إليه الشيطان فأطاعه، وخالف أمرى، فحلَّ به من عقوبتى ما حلَّ.
وعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل هؤلاء الذين أخبر أنه صرَّف لهم الوعيد في هذا القرآن.
وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾. يقولُ: فترَك عهدى.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. يقولُ: فترك (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾. قال: ترَك أمرَ ربِّه (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: قال له: ﴿يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. وقرأ حتى بلغ ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾. قال: فنسى ما عهِد الله إليه في ذلك. قال: وهذا عهد الله إليه. قال: ولو كان له عزمٌ ما أطاع عدوَّه الذي حسَدَه، وأبى أن يَسْجُدَ له مع من سجد له - إبليسَ، وعصى الله الذي كرَّمه وشرَّفه، وأمر ملائكته فسجدوا له (٣).
وحدَّثنا ابن المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبد الرحمن ومؤملٌ،
стр. 10958
قالوا: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما سُمِّى الإنسان لأنه عُهد إليه فنسى (١).
وقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. اخْتَلَف أهل التأويل في معنى "العزمِ" هاهنا؛ فقال بعضُهم: معناه الصبر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، أي: صبرًا.
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادة: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: صبرًا (٢).
وحدَّثنا إبراهيم بن يعقوب الجُوزجانيُّ، قال: ثنا أبو النَّضْرِ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادة مثله.
وقال آخرون: بل معناه الحفظُ. قالوا: ومعناه: ولم نجد له حفظًا لما عهدنا إليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ
стр. 10959
عَزْمًا﴾. قال: حفظًا لما [أمر به] (١).
وحدَّثنى يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الأَشْجَعيِّ، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: حفظًا.
وحدَّثنا عباس (٢) بن محمد، قال: ثنا قَبِيصةُ، عن سفيان، عن عمرو بن قيسٍ، عن عطية في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: حفظًا لما أُمِر به (٣).
وحدَّثنى محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. يقول: لم نجد له حفظًا (٤).
وحدَّثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: العزم المحافظةُ على [أمر الله] (٥)(٦) والتمسك به (٧).
وحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. يقولُ: لم نَجْعَلْ (٨) له عزمًا (٩).
стр. 10960
وحدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الفرج (١) بن فضالة، عن لقمان بن عامرٍ، عن أبي أمامة، قال: لو أن أحلام بنى آدمَ جُمِعَت منذُ خلق الله تعالى ذكره آدم إلى يوم تقومُ الساعةُ، ووُضعت في كفَّةِ ميزانٍ، ووُضِع حِلْمُ آدمَ في الكِفَّةِ الأُخرى، لرجح حِلْمُه بأحلامهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ العزم اعتقادُ القلب على الشيءِ، يقال منه: عزم فلانٌ على كذا. إذا اعتقد عليه ونواه، ومن اعتقادِ القلب حفظُ الشئ، ومنه الصبر على الشيء؛ لأنه لا يَجْزَعُ جازعٌ إِلا مِن خَوَرِ قلبه وضعفه.
فإذ كان ذلك كذلك، فلا معنى لذلك أبلغ مما بينه الله تعالى ذكرُه، وهو قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. فيكون تأويله: ولم نجد له عزم قلبٍ [على الصبر] (٣) على الوفاءِ لله بعهده، ولا على حفظ ما عهد إليه.
القول في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾.
يقول تعالى ذكرُه مُعْلِمًا نبيه محمدًا ﷺ ما كان مِن تَضييع آدم عهده، ومُعَرِّفَه بذلك أن ولده لن يَعْدُوا أن يكونوا في ذلك على مِنهاجه، إلا مَن عصمه الله منهم -: واذْكُرْ يا محمد حينَ قُلْنا لملائكتنا: اسجدوا لآدم. فسجدوا