وذلك أنه ﷺ أخبرَ أن الحميمَ إذا صُبَّ على رُءُوسِهم نَفَذَ الجمجمةَ حتى يخلُصَ إلى أجْوافِهم، وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ، ولو كانت المَقَامِعُ قد ثقَبت (١) رءوسَهم قبلَ صَبِّ الحميمِ عليها، لم يَكُنْ لقولِه ﷺ : "إنَّ الحميمَ يَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ"، معنًى، ولكنَّ الأمر في ذلك بخلافِ ما قال هذا القائلُ.
وقولُه: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. يقولُ: يُذَابُ بالحميمِ الذي يُصَبُّ مِن فوقِ رُءُوسِهم ما في بطونِهم مِن الشُّحُومِ، وتُشْوَى جلودُهم منه فتَتَساقَطُ. والصَّهْرُ هو الإذابةُ، يقالُ منه: صَهَرْتُ الأَلْيَةَ بالنارِ، إذا أذَبْتَها، أصْهَرُها صَهْرًا، ومنه قولُ الشاعرِ (٢):
تَرْوِى لَقًى أُلْقِىَ في صَفْصَفٍ … تَصْهَرُه الشَّمْسُ ولا يَنْصَهِرْ
ومنه قولُ الراجزٍ (٣):
* شَكّ السَّفَافِيدِ الشِّوَاءَ المُصْطَهَرْ*.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مِن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾. قال: يُذَابُ إذابةً (٤).
стр. 11272
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال ابن جريجٍ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾. قال: ما قُطِّع لهم مِن العذابِ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾. قال: يُذَابُ به ما في بطونِهم.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار﴾. إلى قولِه: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. يقولُ: يُسْقَون ماءً إذا دَخَل بُطُونَهم أذابَها، والجلودَ مع البطونِ (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عنترةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ - قال هارونُ: إذا عامَ أهلُ النارِ. وقال جعفرٌ: إذا جاعَ أهلُ النارِ - اسْتَغاثوا بشجرةِ الزقومِ، فيأكُلون منها، فاخْتلَسَت جلودَ وُجُوهِهم، فلو أن مارًّا مَرَّ بهم يَعْرِفُهم، يعرِفُ جلودَ وُجُوهِهم فيها، ثم يُصَبُّ عليهم العَطَشُ، فيَسْتَغِيثون، فيُغاثون بماءٍ كالمُهْلِ، وهو الذي قد انتَهى حَرُّه، فإذا أَدْنَوه مِن أفْوَاهِهِم انْشَوَى مِن حَرَّه لحومُ وُجُوهِهم التي قد سَقَطَت عنها الجلودُ، و ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي
стр. 11273
بُطُونِهِمْ﴾. [يمشون و] أمعاؤهم] (١) تساقط و] (٢) جلودُهم، ثم يُضْرَبون بمَقامِعَ مِن حديدٍ، فيَسْقُطُ كلُّ عُضْوٍ على حيالِه (٣)، يَدْعُون بالوَيْلِ والثُّبُورِ (٤).
وقولُه: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. تَضْرِبُ رُءُوسَهم بها الخَزَنَةُ إذا أرادوا الخروجَ مِن النارِ حتى تَرْجِعَهم إليها.
وقولُه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾. يقولُ: كُلَّما أراد هؤلاء الكفارُ الذين وَصَف اللَّهُ صفتَهم، الخروجَ من النارِ، مما نالَهم مِن الغَمِّ والكَرْبِ، رُدُّوا إليها.
كما حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا الأعْمشُ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: النارُ سوداءُ مُظْلِمةٌ، لا يُضِئُ لَهَبُها ولا جَمْرُها. ثم قَرأ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (٥).
وقد ذُكِر أنهم يُحاوِلون الخروجَ مِن النارِ حينَ تَجيِشُ جهنمُ فتُلْقِى مَن فيها إلى أعلى أبوابِها، فيُريدون الخروجَ، فتُعِيدُهم الخُزَّانُ فيها بالمقَامِعِ، ويقولون لهم إذا ضَرَبوهم بالمقَامعِ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
وعَنَى بقولِه: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: ويقالُ لهم: ذُوقوا عذابَ النارِ.
وقيل: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. والمعنى: المُحْرِقُ. كما قيل: العذابُ الأليمُ. بمعنى: المُؤْلِمُ.
стр. 11274
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ
أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأمَّا الذين آمَنوا باللَّهِ ورسولِه فأطاعُوهما بما أمَرهم اللَّهُ به مِن صالحِ الأعمالِ، فإن اللَّهِ يُدْخِلُهم جناتِ عدنٍ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ، فيُحَلِّيهم فيها مِن أَساوِرَ مِن ذهبٍ ولؤلوًا (١).
واختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾؛ فقَرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهلِ الكوفةِ نَصْبًا مع التي في "الملائكةِ" (٢)، بمعنى: يُحَلَّون فيها أساورَ مِن ذهبٍ ولؤلؤًا، عطفًا باللؤلؤ على موضعِ الأساورِ؛ لأن الأساورَ، وإن كانت مخفوضةً من أجلِ دخولِ ﴿مِنْ﴾ فيها، فإنها بمعنى النصبِ، قالوا: وهي تُعَدُّ في خَطِّ المصحفِ بالألفِ. فذلك دليل على صحةِ القراءةِ بالنصبِ فيه.
وقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ والمِصْرَين: (وَلُؤْلُؤُ) خفضًا، عطفًا على إعرابِ الأساورِ الظاهرِ (٣).
واختلَف الذين قَرءوا ذلك كذلك في وَجْهِ إثباتِ الألفِ فيه؛ فكان أبو عمرِو بن العلاءِ، فيما ذُكِر لى عنه، يقولُ: أُثْبِتَت فيه كما أُثْبِتَت في: قالوا، وكالوا.
وكان الكسائيُّ يقولُ: أثْبَتوها فيه (٤) للهمزةِ؛ لأن الهمزةَ حرفٌ مِن الحروفِ.
стр. 11275
والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان، قد قَرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، مُتَّفِقَتا المعنى، صَحيحتا المخرجِ في العربيةِ، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. يقولُ: ولُبُوسُهم التي تَلَى أَبْشَارَهم فيها ثيابٌ حريرٌ.
وقولُه: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهَداهم ربُّهم في الدنيا إلى شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال: هُدُوا إلى الكلامِ الطيبِ؛ لا إلهَ إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، والحمدُ للَّهِ، قال اللَّهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] (١).
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال: أُلْهِموا (٢).
وقولُه: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وهَداهم ربُّهم في الدنيا إلى طريقِ الربِّ الحميدِ. وطريقُه دينُه دينُ الإسلامِ الذي شَرَعه لخلقِه، وأمَرهم أن يَسْلكوه.
"والحميدُ" فَعِيلٌ، صُرِف مِن مفعولٍ إليه، ومعناه: أنه محمودٌ عندَ أوليائِه مِن خلقِه، ثم صُرِفَ مِن محمودِ إلى حميدٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
стр. 11276
وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين جَحَدوا توحيدَ اللَّهِ وكَذَّبوا رسولَه (١)، وأنكَروا ما جاءَهم به من عندِ ربِّهم، ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ويَمْنَعون الناسَ عن دينِ اللَّهِ أن يدخُلوا فيه، وعن المسجدِ الحرامِ الذي جعَله اللَّهُ للناسِ الذين آمَنوا به كافةً، لم يَخْصُصْ منهم (٢) بعضًا دونَ بعضٍ، ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. يقولُ: معتدلٌ في الواجبِ عليه من تَعْظيمِ حُرْمةِ المسجدِ الحرامِ، وقضاءِ نُسُكِه به، والنزولِ فيه حيث شاء، ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ وهو المُقِيمُ به، ﴿وَالْبَادِ﴾ وهو المُنْتابُ إليه مِن غيرِه.
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ وهو المُقيمُ فيه، ﴿وَالْبَادِ﴾، في أنه ليس أحدُهما بأحقَّ بالمَنْزِلِ فيه مِن الآخَرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن ابن سابِطٍ، قال: كان الحُجاجُ إذا قدِموا مكةَ، لم يَكُنْ أحدٌ مِن أهلِ مكةَ بأحقَّ بمنزلِه منهم، وكان الرجلُ إذا وجَد سَعَةً نزَل، ففَشا فيهم السَّرَقُ، وكلُّ إنسانٍ يَسْرِقُ مِن ناحيتِه، فاصْطَنَعَ رجلٌ بابًا، فأرسَل إليه عمرُ: أَتَّخَذْتَ بابًا مِن حُجاجِ بيتِ اللَّهِ؟ فقال: لا، إنما جعَلتُه ليَحْرُزَ متاعَهم. وهو قولُه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. قال: البادِ فيه كالمُقيمِ، ليس أحدٌ أحقَّ بمنزلِه مِن أحدٍ إلا أن يكونَ أحدٌ سَبَقَ إلى منزل (٣).
стр. 11277
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارِ، قال ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جُبَيرٍ: أَعْتَكِفُ بمكةَ؟ قال: أنت عاكِفٌ. وقَرأ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عمن ذكَره، عن أبي صالحٍ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. العاكِفُ أهلُه، والبادِ المَنْتابُ في المنزلِ سواءً (٢).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. يقولُ: ينزلُ أهلُ مكةَ وغيرُهم في المسجدِ الحرامٍ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. قال: العاكِفُ فيه المُقِيمُ بمكةَ، والبادِ الذي يأتيه، هم فيه سواءٌ في البيوتِ (٢).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. سواءً فيه أهلُه وغيرُ أهلِه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿سَوَاءً
стр. 11278
الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. قال: أهلُ مكةَ وغيرُهم في المنازلِ سواءً (١).
وقال آخرون في ذلك نحوَ الذي قُلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قولَه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ (٢). قال: الساكِنُ، ﴿وَالْبَادِ﴾: الجانبُ، سواءٌ حَقُّ اللَّهِ عليهما فيه (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾. قال: الساكِنُ، ﴿وَالْبَادِ﴾: الجانبُ. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾. قالا: مِن أهلِه، ﴿وَالْبَادِ﴾: الذين يأتونه مِن غيرِ أهلِه، هما في حُرْمتِه سواءٌ (٤).
وإنما اخترنا القولَ الذي اختَرنا في ذلك؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه ذَكَر في أوَّلِ الآيةِ صَدَّ مَن كفَر به مَن أرادَ مِن المؤمنين قضاءَ نُسُكِه في الحرمِ عن المسجدِ الحرامِ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. ثم ذَكَر جلَّ ثناؤُه صفةَ المسجدِ الحرامِ، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾. فأخبَر جل ثناؤه أنه جعَله للناس كلِّهم، [والكافرون] (٥) به يمنَعون مَن أرادَه مِن المؤمنين به عنه، ثم قال:
стр. 11279
﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. فكان معلومًا أن خبَرَه عن اسْتواءِ العاكفِ فيه والبادِ إنما هو في المعنى الذي ابتَدأ اللَّهُ الخبرَ عن الكفارِ (١) أنهم صدُّوا عنه المؤمنين به، وذلك لا شَكَّ طَوافُهم، وقضاءُ مناسكِهم به، والمقامُ، لا الخبرُ عن ملِكهم إياه وغيرِ ملكِهم.
وقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فعطَف بـ ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ وهو مُسْتَقبَلٌ على ﴿كَفَرُوا﴾ وهو ماضٍ؛ لأن الصَّدَّ بمعنى الصفةِ لهم والدَّوامِ.
وإذ كان ذلك معنى الكلامِ، لم يَكُنْ إلا بلفظِ الاسمِ أو الاسْتقبالِ، ولا يكونُ بلفظِ الماضي. وإذا كان ذلك كذلك كان معنى الكلامِ: إن الذين كفَروا مِن صفتِهم الصَّدُّ عن سبيلِ اللَّهِ، وذلك نظيرُ قولِ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨].
وأما قولُه: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾. فإن قرأةَ الأمْصارِ على رفعِ (سواءٌ) بـ "العاكفِ"، و "العاكفِ" به (٢)، وإعمالِ ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ في الهاءِ المتصلةِ به، واللامِ التي في قولِه: ﴿لِلنَّاسِ﴾. ثم استأنَفَ الكلامَ بـ "سواء"، وكذلك تفعلُ العربُ بـ "سواء"، إذا جاءتْ بعدَ حرفٍ قد تَمَّ الكلامُ به، فتقولُ: مَرَرْتُ برجلٍ سواءٌ عندَه الخيرُ والشرُّ. وقد يجوزُ في ذلك الخَفْضُ، وإنما يُخْتَارُ الرفعُ في ذلك لأن "سواء" في مذهبِ "واحد" عندَهم فكأنهم قالوا: مَرَرْتُ برجلٍ واحدٌ عندَه الخيرُ والشرُّ. وأما مَن خَفَضَه، فإنه يوجِّهُه إلى: معتدل عندَه الخيرُ والشرُّ. ومَن قال ذلك في "سواء" فاسْتأنفَ به ورفَع (٣)، لم يَقُلْه في "معتدل"؛ لأن "معتدل" فعلٌ مُصَرَّحٌ، و "سواء" مصدرٌ، فإخراجُهم إياه إلى الفعلِ كإخراجِهم "حَسْب" في
стр. 11280
قولِهم: مَرَرْتُ برجلٍ حَسْبِك مِن رجلٍ. إلى الفعلِ.
وقد ذُكِر عن بعضِ القرأةِ أنه قرَأه: ﴿سَوَاءً﴾، نصبًا على إعمالِ ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ فيه. وذلك وإن كان له وَجْهٌ في العربيةِ، فقراءةٌ لا أستجِيزُ القراءةَ بها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ على خلافِه (١).
وقولُه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُرِدْ فيه إلحادًا بظُلْمٍ نُذِقْه مِن عذابٍ أليمٍ. وهو أن يَمِيلَ في البيتِ الحرامِ بظلمٍ.
وأُدخِلت الباءُ في قولِه: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾. والمعنى فيه ما قلتُ، كما أُدخِلت في قولِه: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، والمعنى: تَنْبُتُ الدُّهْنَ. كما قال الشاعرُ (٢):
بوادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صَدْرُهُ … وأسْفَلُه بالمرْخِ والشَّبَهانِ
والمعنى: وأسفلُه يُنْبِتُ المَرْخَ والشَّبَهانَ. وكما قال أعْشَى بنى ثَعْلبةَ (٣):
ضَمِنَتْ برِزْقِ عِيَالِنَا أَرْماحُنا … بيَن المَراجِلِ والصَّرِيحِ الأجْرَدا
بمعنى: ضَمِنَت رزْقَ عِيالِنا أرماحُنا. في قولِ بعضِ نحويِّى البصريِّين، وأما بعضُ نحويِّى الكوفيِّين، فإنه كان يقولُ (٤): أُدخلت الباءُ فيه لأن تأويلَه: ومَن يُرِدْ بأن يَلْحَدَ فيه بظُلْمٍ. وكان يقولُ: دخولُ الباءِ في "أنْ" أسهلُ منه في "إلحادٍ" وما أشْبَهَه؛ لأن "أنْ" تُضْمَرُ الخَوافِضُ معها كثيرًا، وتكونُ كالشَّرْطِ فاحتَمَلت دخولَ الخافضِ وخروجَه؛ لأن الإعرابَ لا يَتَبَيَّنُ فيها، وقلَّ (٥) في
стр. 11281
المصادرِ لتَبَيُّن الرفعِ والخفضِ فيها. قال: وأنشَدنى أبو الجَرَّاحِ:
فلمَّا رَجَتْ بالشّرْبِ هَزَّ لها العَصَا (١) … شَحِيحٌ له عندَ الأَداءِ نَهِيمُ
وقال امرؤُ القيسِ (٢):
ألَا هَلْ أتاها والحوادثُ جَمَّةٌ … بأنَّ امرأَ القَيْسِ بنَ تَمْلِكَ بَيْقرا (٣)
قال: فأدخَل الباءَ على "أن" وهى في موضعِ رفعٍ، كما أدخَلها على "إلحادٍ" وهو في موضعِ نصبٍ. قال: وقد أدخَلوا الباءَ على "ما" إذا أرادوا بها المصدرَ، كما قال الشاعرُ (٤):
ألَمْ يَأْتِيكَ والأنباءُ تَنْمِى … بما لاقَتْ لَبُونُ بنى زِيادِ
وقال: وهو في "ما" أقلُّ منه في "أن"؛ لأن "أن" أقلُّ شَبَهًا بالأسماءِ مِن "ما". قال: وسمِعتُ أعرابيًّا مِن ربيعةَ وسألتُه عن شيءٍ، فقال: أرجو بذاك. يريدُ: أرجو ذاك.
واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى "الظلم" الذي مَن أرادَ الإلحادَ به في المسجدِ الحرامِ أذاقَه اللَّهُ مِن العذابِ الأليمِ؛ فقال بعضُهم: ذلك هو الشركُ باللَّهِ وعبادةُ غيرِه به. أي: بالبيتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
стр. 11282
قولَه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. يقولُ: بشِرْكٍ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن (٢) القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. قال (٣): هو أن يُعْبَدَ فيه غيرُ اللَّهِ (٤).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. قال: هو الشركُ، من أشرَك في بيتِ اللَّهِ عَذَّبه اللَّهُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٥).
وقال آخرون: هو اسْتِحلالُ الحرامِ فيه أو رُكُوبُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يعنى: أن تَسْتَحِلَّ مِن الحرامِ ما حَرَّم اللَّهً عليك مِن لسانٍ أو قتلٍ، فتَظْلِمَ مَن لا يَظْلِمُك، وتَقتُلَ مَن لا يقتُلُك، فإذا فعَل ذلك فقد وجَب له عذابٌ أليمٌ (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
стр. 11283
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. قال: يعملُ فيه عملًا سَيِّئًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قالا: ثنا المحارِبيُّ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ما مِن رجلٍ يَهُمُّ بسيئةٍ فتُكتَبَ عليه، ولو أن رجلًا [بِعَدَنِ أَبْيَنَ] (٢) هَمَّ أن يقتُلَ رجلًا بهذا البيتِ، لأذاقَه اللَّهُ مِن العذابِ الأليمِ (٣).
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا شعبةُ، عن السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ - قال مجاهدٌ: قال يزيدُ: قال لنا شعبةُ: رفَعه، وأنا لا أرفَعُه لك - في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال: لو أن رجلًا هَمَّ فيه بسيئةٍ وهو بِعَدَنِ أَبْينَ، لأذاقَهُ اللَّهُ عذابًا أليمًا (٤).
حدَّثنا الفضلُ بنُ الصباحِ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبيه، عن الضحاكِ بنِ مزاحمٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. قال: إن الرجلَ ليَهُمُّ
стр. 11284
بالخطيئةِ بمكةَ وهو في بلدٍ آخَرَ ولم يعمَلْها، فتكتَبُ عليه (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾. قال: الإلحادُ الظلمُ في الحرمِ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك الظُّلْمِ، اسْتحلالُ الحرمِ مُتَعَمِّدًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ (٢)، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْم﴾. قال: الذي يريدُ اسْتِحلالَه مُتَعَمِّدًا. ويقالُ: الشِّرْكُ (٣).
وقال آخرون: بل ذلك احتكارُ الطعامِ بمكةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحارِبيُّ، عن أَشْعَثَ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ في قولِه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال: هم المُحْتَكِرون الطعامَ بمكةَ (٤).
وقال آخرون: بل ذلك كلُّ ما كان مَنْهيًّا عنه مِن الفعلِ، حتى قولِ القائلِ: لا واللَّهِ، وبلى واللَّهِ.
стр. 11285
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ (١)، قال: كان له فُسْطاطان؛ أحدُهما في الحِلِّ، والآخرُ في الحرمِ، فإذا أرادَ أن يُعاتِبَ أهلَه عاتَبهم في الحِلِّ (٢)، فسُئِل عن ذلك، فقال: كُنَّا نُحدَّثُ أن مِن الإلحادِ فيه أن يقولَ الرجلُ: كلا واللَّهِ، وبلى واللَّهِ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن أبي رِبْعيٍّ، عن الأعمشِ، قال: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ (٤) يقولُ: لا واللَّهِ، وبلى واللَّهِ، مِن الإلحادِ فيه.
قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ التي ذكَرناها في تأويلِ ذلك بالصوابِ القولُ الذي ذكَرناه عن ابن مسعودٍ وابنِ عباسٍ، مِن أنه معنيٌّ بالظُّلْمِ في هذا الموضعِ كلُّ معصيةٍ للَّهِ. وذلك أن اللَّهَ عَمَّ بقولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. ولم يَخْصُصْ به ظلمًا (٥) دونَ ظلمٍ في خبرٍ ولا عقلٍ، فهو على عمومِه. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلام: ومَن يُرِدْ في المسجدِ الحرامِ بأن يَمِيلَ بظلمٍ، فيَعْصِيَ اللَّهَ فيه، نُذِقه يومَ القيامةِ مِن عذابٍ مُوجِعٍ له.
стр. 11286
وقد ذُكِر عن بعضِ القرأةِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وَمَنْ يَرِدْ فِيهِ) بفتح الياءِ (١)، بمعنى: ومن يَرِدْه بالحادٍ. من: وَرَدْتُ المكانَ أَرِدُه. وذلك قراءةٌ لا تَجُوزُ القراءةُ عندى بها؛ لخلافِها ما عليه الحجةُ مِن القرأةِ مجمعةٌ، مع بُعدِها مِن فصيحِ كلامِ العربِ، وذلك أنَّ "يَرِدْ" فعلٌ واقعٌ، يقالُ منه: هو يَرِدُ مكانَ كذا، أو بلدةَ كذا، غدًا. ولا يقالُ: يَرِدُ في مكانِ كذا.
وقد زعَم بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ أن طَيِّئًا تقولُ: رغِبتُ فيك. تريدُ: رَغِبتُ بك. وذَكر أنَّ بعضَهم أَنشَده بيتًا له (٢):
وأَرْغَبُ فيها عن لَقِيطٍ ورَهْطِه … ولَكنني عن سِنْبِسٍ لستُ أرغبُ
بمعنى: وأرغبُ بها. فإن كان ذلك صحيحا كما ذكرنا، فإنه يجوزُ في الكلامِ، فأما القراءةُ به فغيرُ جائزةٍ؛ لِما وصفتُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ ، مُعْلِمَه عظيمَ ما ركِب قومُه مِن قُرَيشٍ خاصَّةً دونَ غيرِهم مِن سائرِ خَلْقِه، بعبادتِهم في حَرَمِه والبيتِ الذي أَمَر إبراهيمَ خَليلَه ﵇ ببنائِه وتطهيرِه مِن الآفاتِ والرِّيَبِ والشركِ: واذكُرْ يا محمدُ كيف ابْتَدَأْنا هذا البيتَ الذي يَعْبُدُ قومُك فيه غيرى، إذ بوَّأْنا لخليلِنا إبراهيمَ. يعنى بقولِه: ﴿بَوَّأْنَا﴾: وَطَّأْنا له مكانَ البيتِ.
كما حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾. قال: وضَع اللَّهُ البيتَ مع آدمَ ﵇ حينَ أَهْبَط آدمَ إلى الأرضِ، وكان مَهْبِطُه بأرضِ الهندِ، وكان رأسُه في
стр. 11287
السماءِ ورِجْلاه في الأرضِ، فكانت الملائكةُ تَهابُه، فنَقَص إلى ستين ذِراعًا، وإن آدم لمَّا فقَد أصواتَ الملائكةِ وتسبيحَهم، شَكا ذلك إلى اللهِ، فقال اللهُ: يا آدمُ، إنى قد أهْبَطْتُ لك بيتًا يُطافُ به كما يُطافُ حولَ عرشِى، ويُصَلَّى عندَه كما يُصلَّى حولَ عرشِى، فانْطَلِقْ إليه، فخرَج إليه، ومُدَّ له في خَطْوِه، فكان بيَن كلِّ خُطْوَتَيْن مَفازةٌ، فلم تَزَل تلك المَفاوِزُ على ذلك، حتى أتى آدمُ البيتَ، فطافَ به ومَنْ بعدَه مِن الأنبياءِ (١).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا عَهِد اللهُ إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾، انْطَلَق إبراهيمُ حتى أتَى مكةَ، فقام هو وإسماعيلُ، وأَخَذا المَعاوِلَ لا يَدْرِيان أين البيتُ، فَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا يقالُ لها: ريحُ الخَجُوجِ. لها جَناحان ورأسٌ، في صورةِ حَيَّةٍ، فَكَنَسَتْ لهما ما حولَ الكعبةِ عن أساسِ البيتِ الأوَّلِ، واتَّبَعَاها بالمَعاوِلِ يَحْفِران، حتى وَضَعا الأساسَ، فذلك حيَن يقولُ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (٢).
و يعنى بـ "البيتِ" الكعبةَ.
﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ في عبادتِك إياىَ، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ الذي بَنَيْتَه مِن عبادةِ الأوثانِ.
كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾. قال: مِن الشركِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: مِن الآفاتِ والرِّيَبِ (٣).
стр. 11288
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]. قال: مِن الشركِ وعبادةِ الأوثانِ (١).
وقولُه: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾. يعني: للطائفِين به. ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾. بمعنى المُصَلِّين الذين هم قيامٌ في صلاتِهم.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾. قال: القائمون في الصلاةِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾. قال: القائمون المُصَلُّون (٣).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾. قال: القائمُ والراكعُ والساجدُ هو المُصَلِّي، والطائفُ هو الذي يَطوفُ به.
وقولُه: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. يقولُ: والرُّكَّعُ السُّجودُ في صلاتِهم حولَ البيتِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا
стр. 11289
اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وعَهِدْنا إليه أيضًا أن ﴿أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. يعنى بقولِه: ﴿وَأَذِّنْ﴾: فأَعْلِمْ ونادِ في الناسِ، أن حُجُّوا أيها الناسُ بيتَ اللَّهِ الحرامَ. ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. يقولُ: فإنَّ الناسَ يَأْتون البيتَ الذي تَأْمُرُهم بِحَجِّه مُشَاةً على أرجُلِهم، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. يقولُ: ورُكْبانًا على كلِّ ضامِرٍ؛ وهي الإبلُ المَهَازِيلُ، ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. يقولُ: تَأْتى هذه الضَّوامِرُ ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. يقولُ: مِن كلِّ طريقٍ ومكانٍ ومَسْلَكٍ بعيدٍ.
وقِيلَ: ﴿يَأْتِينَ﴾، فجَمَع؛ لأنه أُرِيد بـ ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾، النُّوقُ. ومعنى "الكلِّ" الجَمْعُ. فلذلك قِيلَ: ﴿يَأْتِينَ﴾.
وقد زعَم الفَرَّاءُ (١) أنه قليلٌ في كلامِ العربِ: مَرَرْتُ على كلِّ رجلٍ قائِمِينَ. قال: وهو صوابٌ.
وقولُ اللَّهِ: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ﴾. يُنبئُ عن صحةِ جَوازِه.
وذُكِر أَنَّ إبراهيمَ صلواتُ اللَّهَ عليه لَمَّا أمَرَه اللَّهُ بالتَّأْذِينِ بالحجِّ، قام على مَقامِه فنادَى: يأيُّها الناسُ، إنَّ اللَّهَ كَتَب عليكم الحجَّ فحُجُّوا بيتَه العتيقَ.
وقد اخْتُلِف في صفةِ تَأْذِينِ إبراهيمَ بذلك؛ فقال بعضُهم: نادَى بذلك كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا فرَغ إبراهيمُ مِن بِناءِ البيتِ، قيلَ له: أذِّن في الناسِ بالحجِّ. قال: ربِّ، وما يَبْلُغُ
стр. 11290
صَوْتى؟ قال: أذِّنْ وعليَّ البَلاغُ. فنادَى إبراهيمُ: أيها الناسُ، كُتِب عليكم الحجُّ إلى البيتِ العتيقِ فحُجُّوا. قال: فسَمِعَه ما بيَن السماءِ والأرضِ، أفلا تَرَى الناسَ يَجِيئون مِن أَقْصَى الأَرضِ يُلبُّون (١)؟
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضِيلِ بن غَزْوانَ الضَّبِّيُّ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا بَنَى إبراهيمُ البيتَ، أوْحَى اللَّهُ إليه أن أذِّنْ في الناسِ بالحجِّ. قال: فقال إبراهيمُ: ألا إن ربَّكم قد اتَّخذ بيتًا، وأمَرَكم أن تَحُجُّوه. فاسْتَجاب له ما سَمِعَه مِن شيءٍ؛ مِن حجرٍ وشجرٍ، أو أكَمَةٍ أو ترابٍ أو شيءٍ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ (٢).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا ابن واقِدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. قال: قام إبراهيمُ خليلُ اللَّهِ على الحَجرِ، فنادَى: يأيُّها الناسُ كُتب عليكم الحجُّ. فَأَسْمَعَ مَن في أصْلابِ الرِّجالِ وأَرْحامِ النساءِ، فأجابَه مَن آمَن ممَّن سبَق في علمِ اللَّهِ أَن يَحُجَّ إلى يوم القيامةِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. قال: وَقَرَتْ في قلبِ كلِّ ذكرٍ وأُنثَى (٤).
стр. 11291
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لمَّا فرَغ إبراهيمُ مِن بناءِ البيتِ، أَوْحَى اللَّهُ إليه أن أذِّنْ في الناسِ بالحجِّ. قال: فخرَج فنادَى في الناسِ: يأيُّها الناسُ، إن ربَّكم قد اتَّخَذ بيتًا، فحُجُّوه. فلم يَسْمَعْه يومئذٍ مِن إنسٍ ولا جِنٍّ، ولا شجرٍ ولا أَكَمَةٍ، ولا ترابٍ ولا جبلٍ، ولا ماءٍ ولا شيءٍ، إلا قال: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ (١).
قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قام إبراهيمُ على المَقامِ حينَ أُمِر أن يُؤَذِّنَ في الناسِ بالحجِّ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. قال: قام إبراهيمُ على مقامِه فقال: يأيُّها الناسُ أجِيبوا ربَّكم. فقالوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. فمَن حَجَّ اليومَ فهو ممَّن أَجاب إبراهيمَ يومَئذٍ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عَدِيٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ بن خالدٍ المَخْزوميِّ، قال: لمَّا فرَغ إبراهيمُ ﵇ مِن بناءِ البيتِ قام على المقامِ فنادَى نداءً سَمِعَه أهلُ الأرضِ: إن ربَّكم قد بنَى لكم بيتًا فحُجُّوه. قال داودُ: فأَرْجُو مَن حَجَّ اليومَ مِن إجابةِ إبراهيمَ ﵇ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن أبي عاصمٍ الغَنَويِّ، عن أبي الطُّفيلِ، قال: قال ابن عباسٍ: هل تَدْري كيف
стр. 11292
كانت التَّلْبِيةُ؟ قلتُ: وكيف كانت التلبيةُ؟ قال: إن إبراهيمَ لمَّا أُمِر أن يُؤَذِّنَ في النَّاسِ بالحجِّ، خَفَضَتْ له الجبالُ رءوسَها، ورُفِعَتِ القُرى، فأذَّنَ في الناسِ (١).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾. قال إبراهيمُ: كيف أقولُ يا ربِّ؟ قال: قُلْ: يا أيها الناسُ اسْتَجِيبوا لربِّكم. قال: فوَقَرَتْ في قلبِ كلِّ مؤمنٍ (٢).
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ، عن مجاهدٍ، قال: قِيلَ لإبراهيمَ: أذِّنْ في الناس بالحجِّ. قال: يا ربِّ، كيف أقولُ؟ قال: قُلْ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. قال: فكانت أوَّلَ التَّلْبِيَةِ (٣).
وكان ابن عباسٍ يقولُ: عنَى بـ "الناسِ" في هذا الموضعِ أهلَ القِبْلةِ.
ذكرُ الرِّوايةِ بذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾: يعنى بـ "الناسِ" أهل القِبلةِ، ألم تَسْمَعْ أنه قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾. إلى قولِه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]. يقولُ: ومَن دخَله مِن الناسِ الذين أُمِر أن يُؤَذِّنَ فيهم وكُتِب عليهم الحجُّ، فإنه آمِنٌ، فَعَظِّموا حُرُماتِ اللَّهِ تعالى،
стр. 11293
فإنها مِن تقوى القلوبِ (١).
وأما قولُه: و ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. فإن أهلَ التأويلِ قالوا فيه نحوَ قولِنا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. قال: مُشاةً (٢).
قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الحجاجِ بنِ أَرْطَاةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ما آسَى على شيءٍ فاتَنى، إلا ألَّا أكونَ حَجَجْتُ ماشيًا، سَمِعتُ اللهَ يقولُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (٣).
قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نجَيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: حجَّ إبراهيمُ وإسماعيلُ ماشِيَينْ (٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. قال: على أَرْجُلِهم (٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن
стр. 11294
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ? ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. قال: الإِبلِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. قال: الإبلِ.
حدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِىُّ، قال: ثنا المحُاربىُّ، عن عمرَ بن ذَرٍّ، قال: قال مجاهدٌ: كانوا لا يَرْكَبون، فأَنْزَل اللَّهُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. قال: فأَمَرَهم بالزادِ، ورخَّص لهم في الرُّكوبِ والمَتْجَرِ (٢).
وقولُه: ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. يَعْنى (٣): مكانٍ بعيدٍ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. قال: بعيدٍ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. قال: مكانٍ بعيدٍ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثله (٤).
وقولُه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى "المنافعِ" التي ذكَرها اللَّهُ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هى التجارةُ ومنافعُ الدنيا.
стр. 11295
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن عاصمٍ، عن أبى رَزِينٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: هى الأسواقُ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبى حمزةَ، عن جابرٍ، عن الحَكَمِ (٢)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: تجارةً.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمِ بنِ بَهْدَلَةَ، عن أبى رَزينٍ فى قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: أسواقَهم (٣).
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن واقدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: التجارةَ (٤).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن سفيانَ، عن واقدٍ، عن سعيدٍ بنِ جبيرٍ مثله.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن سفيانَ، عن واقدٍ، عن سعيدٍ مثلَه.
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا شَيْبانُ (٥)، عن عاصمِ بنِ أبى النُّجُودِ، عن أبى رَزينٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: الأسواقَ.
وقال آخرونَ: هى الأجرُ في الآخرةِ، والتجارةُ في الدنيا.
стр. 11296
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وسَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: التجارةَ وما يُرْضِى اللَّهَ مِن أمرِ الدنيا والآخرةِ (١).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا سفيانُ (٢)، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن أبى بشرٍ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: الأجرَ فى الآخرةِ، والتجارةَ في الدنيا.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
وقال آخرون: بل هي العفوُ والمغفرةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبى جعفرٍ:
стр. 11297
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. قال: العفوَ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى أبو تُميلةَ، عن أبى حمزةَ، عن جابرٍ، قال: قال محمدُ بنُ علىٍّ: مغفرةً (٢).
وأَوْلَى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى بذلك: ليَشْهَدوا منافعَ لهم مِن العملِ الذى يُرْضى اللهَ، والتجارةِ. وذلك أن اللهَ عمَّ ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. جميعَ ما يَشْهَدُ له الموسمَ، ويَأْتى له مكةَ أيامَ الموسمِ؛ مِن منافعِ الدنيا والآخرةِ، ولم يَخْصُصْ مِن ذلك شيئًا مِن منافعِهم بخبرٍ ولا عقلٍ، فذلك على العمومِ في المنافعِ التي وَصَفتُ.
وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكى يَذْكُروا اسمَ اللهِ على ما رزَقَهم مِن الهدايا والبُدْنِ التي أهْدَوْها؛ من الإبلِ والبقرِ والغنمِ، ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، وهُنَّ أَيامُ التَّشْرِيقِ، فى قولِ بعضِ أهلِ التأويلِ، وفى قولِ بعضِهم، أيامُ العَشْرِ، وفى قولِ بعضِهم، يومُ النَّحْرِ وأيامُ التشريقِ.
وقد ذَكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فى ذلك بالرواياتِ، وبَيَّنّا الأَوْلَى بالصوابِ منها في سورةِ "البقرة" (٣)، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه فى هذا الموضعِ، غير أَنِّى أذكُرُ بعضَ ذلك أيضًا في هذا الموضعِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾: يَعْنى
стр. 11298
أيامَ التَّشريقِ (١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ فى قولِه: ﴿أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾: يعنى أيامَ التَّشْرِيقِ، ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ يعنى البُدْنَ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾. قال: أيامُ العَشْرِ، والمعدوداتُ أيامُ التشريقِ (٢).
وقولُه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. يقولُ: كُلُوا مِن بَهَائِمِ الأَنْعَامِ التى ذَكَرْتم اسمَ اللَّهِ عليها أيها الناسُ هُنالك.
وهذا الأمرُ مِن الله جلَّ ثناؤُه أمرُ إباحةٍ لا أمرُ إيجابٍ؛ وذلك أنه لا خلافَ بينَ جميعِ الحُجَّةِ أن ذابحَ هَدْيِه أو بَدَنَتِه هنالك، إن لم يَأْكُلْ مِن هديِه ذلك أو بَدَنَتِه، أنه لم يُضَيَّعْ له فرضًا للهِ كان واجبًا عليه، فكان معلومًا بذلك أنه غيرُ واجبٍ.
ذكرُ الرِّوايةِ عن بعضِ مَن قال ذلك مِن أهلِ العلمِ
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. قال: كان لا يَرَى الأكلَ منها واجبًا.
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن مجاهدٍ أنه قال: هي رخصةٌ، إن شاءَ أكَل، وإن شاء لم يَأْكُلْ، وهى كقولِه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ
стр. 11299
فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] يَعْنى قولَه: ? ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١).
قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال: هى رخصةٌ، فإن شاءَ أكَل، وإِن شاءَ لم يَأْكُلْ (٢).
قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال: هى رخصةٌ، فإن شاء أكَلَها، وإن شاء لم يَأْكُلْ.
حدَّثنى علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال: إنما هي رخصةٌ (٣).
وقولُه: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾. يقولُ: وأَطْعِموا مما تَذْبَحون أو تَنْحَرون هنالك، مِن بهيمةِ الأنعامِ، مِن هَدْيِكم وبُدْنِكم، البائسَ، وهو الذى به ضُرُّ الجوعِ والزَّمانَةِ (٤) والحاجةِ، والفقيرَ الذى لا شيءَ له.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ
стр. 11300
الْفَقِيرَ﴾: يعنى الزَّمِنَ الفقيرَ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾: الذي يَمُدُّ إليك يَدَيْه (٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. قال: هو القانِعُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرنى عمرُ بنُ عطاءٍ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الْبَائِسَ﴾: المضطرَّ الذى عليه البُؤْسُ، ﴿الْفَقِيرَ﴾: المُتَعَفِّف (٣).
قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْبَائِسَ﴾: الذي يَبْسُطُ يَدَيْهِ.
وقولُه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لْيَقْضوا ما عليهم مِن مَناسِكِ حَجِّهم؛ مِن حلقِ شعرٍ، وأخْذِ شارِبٍ، ورَمْىِ جَمْرَةٍ، وطَوافٍ بالبيتِ.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ أبى الشَّوارِبِ، قال: ثنى يزيدُ، قال: أخبَرنا الأشعثُ بنُ سَوَّارٍ، عن
стр. 11301
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: ما عليهم (١) فى الحجِّ.
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنى الأشعتُ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: التَّفَتُ؛ المناسكُ كلُّها (٢).
قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال فى قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: التفَتُ؛ حَلْقُ الرأسِ، وأخذٌ مِن الشاريَيْن، ونَتْفُ الإبِطِ، وحلْقُ العَانَةِ، وقصُّ الأَظْفارِ، والأخذُ مِن العارِضَيْنِ، ورمىُ الجِمارِ، والمَوقِفُ بعَرَفَةَ والمُزْدَلِفَةِ (٣).
حدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا خالدٌ، عن عكرِمةَ، قال: التفتُ؛ الشَّعَرُ والظُّفُرُ (٤).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ مثلَه.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى أبو صخرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ أنه كان يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: رمىُ الجمِارِ، وذبحُ الذَّبيِحةِ، وأخذٌ مِن الشاربَيْن واللَّحيةِ والأَظْفارِ، والطَّوافُ بالبيتِ وبالصَّفا والمَرْوةِ (٥).
стр. 11302
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: هو حلقُ الرأسِ. وذكَر أشياءَ مِن الحجِّ، قال شعبةُ: لا أَحْفَظُها.
قال: ثنا ابنُ أبى عَدِيٍّ، عن شُعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: حلقُ الرأسِ، وحلقُ العانةِ، وقصُّ الأظفارِ والشاربِ (١)، ورمىُ الجمارِ، وقصُّ اللَّحيةِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه لم يقُلْ فى حديثِه: وقصُّ اللحيةِ (٣).
حدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمن الأَوْدِىُّ، قال: ثنا المُحاربىُّ، قال: سمِعتُ رجلًا يسألُ ابنَ جُريجٍ عن قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: الأخذُ مِن اللحيةِ ومِن الشاربِ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ، وحلقُ العانةِ، ورمىُ الجمارِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسيُن، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا منصورٌ، عن الحسنِ، وأخبرنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ، أنهما قالا: حلقُ الرأسِ.
حُدِّثتُ عن الحسيِن، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: يعنى: حلقَ الرأسِ.
стр. 11303
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: التفثُ؛ حلقُ الرأسِ، وتقليمُ الظُّفُرِ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. يقولُ: نُسُكَهم (٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: التفثُ؛ حُرْمُهم (٣).
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. قال: يعنى بالتفثِ وضعَ إحرامِهم؛ مِن حلقِ الرأسِ، ولُبسِ الثيابِ، وقصِّ الأظفارِ، ونحوِ ذلك (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، قال: التفثُ؛ حلقُ الشعرِ، وقصُّ الأظفارِ والأخذُ من الشاربِ، وحلقُ العانةِ، وأمرُ الحجِّ كلُّه (٥)
وقولُه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾. يقولُ: ولْيُوفوا اللهَ بما نَذَروا مِن هَدىٍ وبدَنَةٍ وغيرِ ذلك.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: نحرَ ما نذَروا مِن البُدنِ.
стр. 11304
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: نذرَ الحجِّ والهَديِ، وما نذَر (١) الإنسانُ مِن شيءٍ يكونُ في الحجِّ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾. قال: نذر الحجِّ والهَدى، وما نذَر الإنسانُ على نفسِه من شيٍ يكونُ فى الحجِّ.
وقولُه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. يقولُ: وليطَّوَّفوا ببيتِ اللهِ الحرامِ.
واختَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِه: ﴿الْعَتِيقِ﴾ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: قِيلَ ذلك لبيتِ اللهِ الحرامِ؛ لأن الله أعتَقَه من الجبابرةِ أن يصِلوا إلى تخريبِه وهدمِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ، أن ابنَ الزُّبيرِ قال: إنما سُمِّى البيتَ العتيقَ لأن اللهَ أعتقَه مِن الجبابرةِ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن ابن الزُّبير مثلَه (٣).
стр. 11305
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إنما سُمِّى العتيقَ لأنه أُعتِق من الجبابرةِ (١).
قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: عَتَق (٢) مِن الجبابرةِ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: أعتَقَه اللهُ من الجبابرةِ. يعنى الكعبةَ (٤).
وقال آخرون: قيل له: عتيقٌ لأنه لم يَملِكْه أحدٌ مِن الناسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عُبيدٍ، عن مجاهدٍ، قال: إنما سُمِّى البيتَ العتيقَ لأنه ليس لأحدٍ فيه شيءٌ (٥).
وقال آخرون: سُمِّي بذلك لقِدمِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الْبَيْتِ
стр. 11306
الْعَتِيقِ﴾. قال: العتيقُ القديمُ؛ لأنه قديمٌ، كما يُقالُ: السيفُ العتيقُ. لأنه أوَّلُ بيتٍ وُضِع للناسِ، بناه آدمُ، وهو أولُ مَن بناه، ثم بوَّأ اللهُ موضعَه لإبراهيمَ بعدَ الغرقِ، فبناه إبراهيمُ وإسماعيلُ (١).
قال أبو جعفرٍ: ولكلِّ هذه الأقوالِ التي ذَكَرناها عمَّن ذكرناها عنه في قولِه: ﴿الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ -وجهٌ صحيحٌ، غيرَ أن الذى قاله ابنُ زيدٍ أغلبُ مَعانيهِ عليه في الظاهرِ، غيرَ أن الذى رُوِيَ عن ابنِ الزُّبيرِ أُولَى بالصِّحةِ، إن كان ما حدَّثني به محمدُ ابنُ سهلٍ البخاريُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: أخبَرني الليثُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ خالدِ بنِ مُسافرٍ، عن الزُّهريِّ، عن محمدِ بنِ عُرُوةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنما سُمِّى البيتَ العتيقَ [لأن اللهَ] (٢) أعتَقَه مِن الجبابرةِ، فلم يُظهَرْ عليه قطُّ" (٣) - صحيحًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال الزُّهريُّ: بَلَغنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إنما سُمِّى البيتَ العتيقَ لأنَّ اللهَ أعْتَقَه". ثم ذكَر مثلَه (٤).
وعُنى بالطُّوافِ الذى أَمَر جلَّ ثناؤُه حاجَّ بيتِه العتيقِ به في هذه الآيةِ، طوافُ الإفاضةِ الذى يُطافُ به بعدَ التعريف؛ إما يوم النحرِ، وإمَّا بعدَه، لا خلافَ بينَ أهلِ التأويلِ في ذلك.
стр. 11307
ذكرُ الروايةِ عن بعضِ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرُو بنُ سعيدٍ القُرشيُّ، قال: ثنا الأنصاريُّ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: طوافُ الزيارةِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا خالدٌ، ثنا الأشعثُ، أن الحسنَ قال في قولِه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: الطوافُ الواجبُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: يعنى زيارةَ البيتِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن حجاجٍ وعبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: طوافُ يومِ النحرِ.
حدَّثني أبو عبدِ الرحمنِ البَرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بن أبي سَلَمَةَ، قال: سألتُ زُهيرًا عن قولِ اللهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: طوافُ الوَداعِ (٢).
واختَلَفَت القَرَأةُ فى قراءة هذه الحروفِ؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ بتسكينِ اللامِ في كلِّ ذلك (٣)؛ طَلَبَ التَّخفيف، كما فعَلوا فى "هو" إذا كانت قبلَها واوٌ، فقالوا: (وهْوَ عَليمٌ بذاتِ الصُّدُورِ) [الحديد: ٦] فسكَّنوا الهاءَ (٤). وكذلك يفعَلون في لامِ الأمرِ إذا كان
стр. 11308
قبلَها حرفٌ من حروفِ النَّسَقِ؛ كالواوِ والفاءِ و "ثُمَّ"، وكذلك قرأتْ عامةُ قرأةِ أهلِ البصرةِ، غيرَ أن أبا عمرِو بنَ العلاءِ كان يَكسِرُ اللامَ مِن قولِه: (ثم لِيَقْضُوا). خاصَّةً من أجلِ أن الوقوفَ على (ثُمَّ) دونَ (ليقضُوا) حسنٌ، وغيرُ جائزِ الوقوفُ على الواوِ والفاءِ. وهذا الذى اعتَلَّ به أبو عمرٍو لقراءتِه عِلَّةٌ حسنةٌ مِن جهةِ القياسِ، غيرَ أن أكثرَ القرأةِ على تَسكينِها.
وأولَى الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك عندى أن التسكينَ فى لامِ ﴿لْيَقْضُوا﴾. والكسرَ، قِراءَتانِ مَشهورَتانِ، ولُغتانِ سائِرَتانِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ، غيرَ أن الكسرَ فيها خاصَّةً أقيَسُ؛ لِمَا ذَكَرنا لأبي عمرٍو من العلةِ، لأن مَن قرَأ: (وهْو عليمٌ بذاتِ الصُّدورِ)، (وهْو). بتسكينِ الهاءِ مع الواوِ والفاءِ، يُحرِّكُها فى قولِه: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١]. فذلك الواجبُ عليه أن يفعلَ فى قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. فيُحرِّكُ اللامَ إلى الكسرِ مع "ثم"، وإن سَكَّنَها في قولِه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾.
وقد ذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ والحسنِ البصريِّ تحريكُها مع "ثم" والواوِ، وهى لغةٌ مشهورةٌ، غيرَ أن أكثرَ القرأةِ مع الواوِ والفاءِ على تسكِينها، وهى أشهرُ اللُّغتين فى العربِ وأفصحُها، فالقراءةُ بها أعجَبُ إليَّ مِن كسرِها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي أمر به مِن قضاءِ التَّفثِ، والوفاءِ بالنُّذورِ، والطوافِ بالبيتِ العتيقِ، وهو الفرضُ الواجبُ عليكم أيُّها الناسُ فى حجِّكم، ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. يقولُ:
стр. 11309
ومَن يَجتنِبْ ما أمَره اللهُ باجتنابِه في حالِ إحرامِه تعظيمًا منه لحدودِ اللهِ أن يُواقِعَها وحُرَمِه أَن يَستَحِلَّها - فهو خيرٌ له عندَ ربِّه في الآخرةِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ فى قولِه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾. قال: الحُرمةُ: مكةُ والحجُّ والعُمرةُ، وما نَهى اللهُ عنه مِن مَعاصيه كلِّها.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلهَ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾. قال: الحُرُماتُ؛ المَشعَرُ الحرامُ، والبيتُ الحرامُ، والمسجدُ الحرامُ، والبلدُ الحرامُ، هؤلاء الحُرماتُ (٢).
وقولُه: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأحلَّ اللهُ لكم أيُّها الناسُ الأنعامَ أن تأكُلُوها إذا ذكَّيتموها (٣)، فلم يحرِّمْ عليكم منها بحيرةً، ولا سائبةً، ولا وصيلةً، ولا حاميًا، ولا ما جعلتموه منها لآلهتِكم، ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: إلا ما يُتلى عليكم فى كتابِ الله؛ وذلك: الميتةُ، والدَّمُ، ولحمُ الخنزيرِ، وما أُهلِ لغيرِ اللهِ به، والمنخنقةُ، والموقوذةُ، والمتردِّيةُ، والنطيحةُ، وما أكَل السَّبُعُ، وما ذُبح على النُّصُبِ، فإنَّ ذلك كلَّه رجسٌ.
стр. 11310
كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال: إلا الميتةَ، وما لم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عليه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (١).
وقولُه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. يقولُ: فاتَّقوا عبادةَ الأوثانِ، وطاعةَ الشيطانِ في عبادتِها، فإنها رجسٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. يقولُ: اجتنِبوا طاعةَ الشيطانِ فى عبادةِ الأوثانِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. قال: عبادةَ الأوثانِ.
وقولُه: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّقوا قولَ الكذِبِ والفريةَ على اللهِ بقولِكم فى الآلهةِ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وقولِكم للملائكةِ: هى بناتُ اللهِ. ونحوِ ذلك من القولِ، فإنَّ ذلك كذبٌ وزورٌ وشركٌ باللهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.