الْعَتِيقِ﴾. قال: العتيقُ القديمُ؛ لأنه قديمٌ، كما يُقالُ: السيفُ العتيقُ. لأنه أوَّلُ بيتٍ وُضِع للناسِ، بناه آدمُ، وهو أولُ مَن بناه، ثم بوَّأ اللهُ موضعَه لإبراهيمَ بعدَ الغرقِ، فبناه إبراهيمُ وإسماعيلُ (١).
قال أبو جعفرٍ: ولكلِّ هذه الأقوالِ التي ذَكَرناها عمَّن ذكرناها عنه في قولِه: ﴿الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ -وجهٌ صحيحٌ، غيرَ أن الذى قاله ابنُ زيدٍ أغلبُ مَعانيهِ عليه في الظاهرِ، غيرَ أن الذى رُوِيَ عن ابنِ الزُّبيرِ أُولَى بالصِّحةِ، إن كان ما حدَّثني به محمدُ ابنُ سهلٍ البخاريُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: أخبَرني الليثُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ خالدِ بنِ مُسافرٍ، عن الزُّهريِّ، عن محمدِ بنِ عُرُوةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنما سُمِّى البيتَ العتيقَ [لأن اللهَ] (٢) أعتَقَه مِن الجبابرةِ، فلم يُظهَرْ عليه قطُّ" (٣) - صحيحًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال الزُّهريُّ: بَلَغنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إنما سُمِّى البيتَ العتيقَ لأنَّ اللهَ أعْتَقَه". ثم ذكَر مثلَه (٤).
وعُنى بالطُّوافِ الذى أَمَر جلَّ ثناؤُه حاجَّ بيتِه العتيقِ به في هذه الآيةِ، طوافُ الإفاضةِ الذى يُطافُ به بعدَ التعريف؛ إما يوم النحرِ، وإمَّا بعدَه، لا خلافَ بينَ أهلِ التأويلِ في ذلك.
стр. 11307
ذكرُ الروايةِ عن بعضِ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرُو بنُ سعيدٍ القُرشيُّ، قال: ثنا الأنصاريُّ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: طوافُ الزيارةِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا خالدٌ، ثنا الأشعثُ، أن الحسنَ قال في قولِه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: الطوافُ الواجبُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: يعنى زيارةَ البيتِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن حجاجٍ وعبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: طوافُ يومِ النحرِ.
حدَّثني أبو عبدِ الرحمنِ البَرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بن أبي سَلَمَةَ، قال: سألتُ زُهيرًا عن قولِ اللهِ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: طوافُ الوَداعِ (٢).
واختَلَفَت القَرَأةُ فى قراءة هذه الحروفِ؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ بتسكينِ اللامِ في كلِّ ذلك (٣)؛ طَلَبَ التَّخفيف، كما فعَلوا فى "هو" إذا كانت قبلَها واوٌ، فقالوا: (وهْوَ عَليمٌ بذاتِ الصُّدُورِ) [الحديد: ٦] فسكَّنوا الهاءَ (٤). وكذلك يفعَلون في لامِ الأمرِ إذا كان
стр. 11308
قبلَها حرفٌ من حروفِ النَّسَقِ؛ كالواوِ والفاءِ و "ثُمَّ"، وكذلك قرأتْ عامةُ قرأةِ أهلِ البصرةِ، غيرَ أن أبا عمرِو بنَ العلاءِ كان يَكسِرُ اللامَ مِن قولِه: (ثم لِيَقْضُوا). خاصَّةً من أجلِ أن الوقوفَ على (ثُمَّ) دونَ (ليقضُوا) حسنٌ، وغيرُ جائزِ الوقوفُ على الواوِ والفاءِ. وهذا الذى اعتَلَّ به أبو عمرٍو لقراءتِه عِلَّةٌ حسنةٌ مِن جهةِ القياسِ، غيرَ أن أكثرَ القرأةِ على تَسكينِها.
وأولَى الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك عندى أن التسكينَ فى لامِ ﴿لْيَقْضُوا﴾. والكسرَ، قِراءَتانِ مَشهورَتانِ، ولُغتانِ سائِرَتانِ، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ، غيرَ أن الكسرَ فيها خاصَّةً أقيَسُ؛ لِمَا ذَكَرنا لأبي عمرٍو من العلةِ، لأن مَن قرَأ: (وهْو عليمٌ بذاتِ الصُّدورِ)، (وهْو). بتسكينِ الهاءِ مع الواوِ والفاءِ، يُحرِّكُها فى قولِه: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١]. فذلك الواجبُ عليه أن يفعلَ فى قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. فيُحرِّكُ اللامَ إلى الكسرِ مع "ثم"، وإن سَكَّنَها في قولِه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾.
وقد ذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ والحسنِ البصريِّ تحريكُها مع "ثم" والواوِ، وهى لغةٌ مشهورةٌ، غيرَ أن أكثرَ القرأةِ مع الواوِ والفاءِ على تسكِينها، وهى أشهرُ اللُّغتين فى العربِ وأفصحُها، فالقراءةُ بها أعجَبُ إليَّ مِن كسرِها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي أمر به مِن قضاءِ التَّفثِ، والوفاءِ بالنُّذورِ، والطوافِ بالبيتِ العتيقِ، وهو الفرضُ الواجبُ عليكم أيُّها الناسُ فى حجِّكم، ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. يقولُ:
стр. 11309
ومَن يَجتنِبْ ما أمَره اللهُ باجتنابِه في حالِ إحرامِه تعظيمًا منه لحدودِ اللهِ أن يُواقِعَها وحُرَمِه أَن يَستَحِلَّها - فهو خيرٌ له عندَ ربِّه في الآخرةِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ فى قولِه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾. قال: الحُرمةُ: مكةُ والحجُّ والعُمرةُ، وما نَهى اللهُ عنه مِن مَعاصيه كلِّها.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلهَ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾. قال: الحُرُماتُ؛ المَشعَرُ الحرامُ، والبيتُ الحرامُ، والمسجدُ الحرامُ، والبلدُ الحرامُ، هؤلاء الحُرماتُ (٢).
وقولُه: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأحلَّ اللهُ لكم أيُّها الناسُ الأنعامَ أن تأكُلُوها إذا ذكَّيتموها (٣)، فلم يحرِّمْ عليكم منها بحيرةً، ولا سائبةً، ولا وصيلةً، ولا حاميًا، ولا ما جعلتموه منها لآلهتِكم، ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: إلا ما يُتلى عليكم فى كتابِ الله؛ وذلك: الميتةُ، والدَّمُ، ولحمُ الخنزيرِ، وما أُهلِ لغيرِ اللهِ به، والمنخنقةُ، والموقوذةُ، والمتردِّيةُ، والنطيحةُ، وما أكَل السَّبُعُ، وما ذُبح على النُّصُبِ، فإنَّ ذلك كلَّه رجسٌ.
стр. 11310
كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال: إلا الميتةَ، وما لم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عليه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (١).
وقولُه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. يقولُ: فاتَّقوا عبادةَ الأوثانِ، وطاعةَ الشيطانِ في عبادتِها، فإنها رجسٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. يقولُ: اجتنِبوا طاعةَ الشيطانِ فى عبادةِ الأوثانِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. قال: عبادةَ الأوثانِ.
وقولُه: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّقوا قولَ الكذِبِ والفريةَ على اللهِ بقولِكم فى الآلهةِ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وقولِكم للملائكةِ: هى بناتُ اللهِ. ونحوِ ذلك من القولِ، فإنَّ ذلك كذبٌ وزورٌ وشركٌ باللهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 11311
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾. قال: الكذبَ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾: يعنى الافتراءَ على اللهِ والتكذيبَ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن وائلِ بنِ ربيعةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: تُعدَلُ شهادةُ الزورِ بالشركِ. وقرأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، عن وائلِ بنِ ربيعةَ، قال: عَدَلَت شهادةُ الزورِ الشركَ. ثم قرأ هذه الآيةَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٤).
стр. 11312
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا سفيانُ العُصفُريُّ، عن أبيه، عن خُريمِ بن فاتكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "عُدِلتْ شَهَادَةُ الزُورِ بالشِّركِ باللهِ". ثم قَرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مروانُ بن معاويةَ، عن سفيانَ العُصفريِّ، عن فاتِكِ ابنِ فَضالةَ، عن أيمنَ بنِ خُريمٍ، أن النبيَّ ﷺ قام خطيبًا فقال: "أيُّها النَّاسُ عُدِلت، شَهادةُ الزُّورِ بالشِّركِ باللهِ". مرَّتين، ثم قرأ رسولُ اللهِ ﷺ : " ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ " (١).
ويجوزُ أن يكونَ مرادًا به: اجتنِبوا أن تَرجُسوا أنتم أيُّها الناسُ من الأوثانِ بعبادتِكم إياها.
فإن قال قائلٌ: وهل من الأوثانِ ما ليس برِجسٍ حتى قيل: فاجتنبوا الرجسَ منها؟ قيل: كلُّها رجسٌ. وليس المعنَى ما ذهبتَ إليه في ذلك، وإنما معنَى الكلامِ: فاجتنبوا الرجسَ الذى يكونُ من الأوثانِ، أى عبادتَها. فالذى أمَر جلَّ ثناؤه به (٢) بقولِه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾ منها، اتقاءُ عبادِتها، وتلك العبادةُ هي الرجسُ على ما قاله ابنُ عباسٍ ومن ذكَرنا قولَه قبلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا
стр. 11313
خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: اجتنبوا أيُّها الناسُ عبادةَ الأوثانِ وقولَ الشركِ، مستقيمين للهِ على إخلاصِ التوحيدِ له، وإفرادِ الطاعةِ والعبادةِ له، خالصًا دونَ الأوثانِ والأصنامِ، غيرَ مشركين به شيئًا من دونِه؛ فإنه من يُشركْ باللهِ شيئًا من دونِه فمثَلُه فى بعدِه من الهدى وإصابةِ الحقِّ وهلاكِه وذَهابِه عن ربِّه، مثلُ مَن خرَّ من السماءِ، فتخطفُه الطيرُ فهلَك، أو هَوَتْ به الريحُ في مكانٍ ﴿سَحِيقٍ﴾. يعني: بعيدٍ. من قولِهم: أبعدَه اللهُ وأسحَقَه. وفيه لغتان: أسحقَته الريحُ، وسحقَته. ومنه قيل للنخلةِ الطويلةِ: نخلةٌ سحوقٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (١):
كانتْ لنا جارَةٌ فَأَزعَجَها … قاذُورَةٌ تُسحِقُ النَّوَى قُدُما
ويُروى: تَسحَقُ.
يقولُ: فهكذا مثلُ المشركِ (٢) باللهِ فى بُعدِه من ربِّه، ومن إصابةِ الحقِّ، كبُعدِ هذا الواقعِ من السماءِ إلى الأرضِ، أو كهلاكِ (٣) من اختطفتْه الطيرُ منهم في الهواءِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لمن أشرَك باللهِ في بُعدِه من الهُدَى وهلاكِه، ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.
стр. 11314
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (١).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. قال: بعيدٍ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقيل: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾. وقد قيل قبلَه: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾. و "خرَّ" فعلٌ ماضٍ، و "تخطَفُه" مستقبلٌ، فعطَف بالمستقبل على الماضي، كما فعل ذلك في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]. وقد بيَّنتُ ذلك هنالك (٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذى ذكرتُ لكم أيُّها الناسُ، وأمَرتكم به؛ من اجتنابِ الرجسِ من الأوثانِ، واجتنابِ قولِ الزورِ، حنفاءَ للهِ، وتعظيمِ شعائرِ اللهِ، وهو استحسانُ البُدنِ واستسمانُها، وأداءُ مناسِك الحجِّ على ما أمرَ اللهُ جلَّ ثناؤه - من تَقوى قلوبِكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 11315
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ، عن محمدِ بن أبي ليلى، عن الحكمِ، عن مقسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. قال: استعظامُها واستحسانُها واستسمانُها (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبى بزَّةَ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: الاستسمانُ والاستعظامُ.
وبه عن عنبسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: والاستحسانُ.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ (٢) الواسطيُّ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن أبى بشرٍ، وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: استعظامُ البُدنِ واستسمانُها واستحسانُها (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
стр. 11316
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن محمدِ بنِ أبي موسى، قال: الوقوفُ بعرفةَ من شعائرِ اللهِ، وبجَمْعٍ (١) من شعائرِ اللهِ، ورميُ الجمارِ من شعائرِ اللهِ، [والبُدنُ من شعائرِ اللهِ، ومن يعظِّمْها فإنها من شعائرِ الله. فى قولِه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾] (٢). فمن يعظِّمْها فإنها من تقوَى القلوبِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: الشعائرُ: الجمارُ، والصفا والمروةُ من شعائرِ اللهِ، والمَشعَرُ الحرامُ والمزدَلِفةُ. قال: والشعائرُ تدخُلُ في الحرمِ، هي شعائرُ، وهي حرمٌ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخبَر أنَّ تعظيمَ شعائرِه، وهى ما جعَله (٤) أعلامًا لخلقِه فيما تعبَّدهم به من مناسكِ حجِّهم من الأماكنِ التى أمرَهم بأداءِ ما افترَض عليهم منها عندَها، والأعمالِ التي ألزَمهم عملَها في حجِّهم - من تَقوى قلوبِهم، لم يخصُصْ من ذلك شيئًا، فتعظيمُ كلِّ ذلك من تقوى القلوبِ كما قال جلَّ ثناؤه، وحقٌّ على عبادِه المؤمنين به تعظيمُ جميعِ ذلك.
وقال: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، وأنَّث ولم يقُلْ: فإنه. لأنه أُريد بذلك: فإنَّ تلك التعظيمةَ مع اجتنابِ الرجسِ من الأوثانِ من تَقوى القلوب. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٥٣].
وعنَى بقولِه: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: فإنها من وجَلِ القلوبِ من
стр. 11317
خشيةِ اللهِ، وحقيقةِ معرفتِها بعظمتِه وإخلاصِ توحيدِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى "المنافعِ" التى ذكَر اللهُ في هذه الآيةِ، وأخبَر عبادَه أنَّها إلى أجلٍ مسمًّى، على نحوِ اختلافِهم في معنى "الشعائرِ" التي ذكَرها جلَّ ثناؤه في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾؛ فقال الذين قالوا: عنَى بالشعائرِ البدنَ: معنَى ذلك: لكم أيُّها الناسُ في البدنِ منافعُ.
ثم اختلَف أيضًا الذين قالوا هذه المقالةَ فى الحالِ التي لهم فيها منافعُ، وفى الأجلِ الذى قال عزَّ ذكرُه: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ فقال بعضُهم: الحالُ التي أخبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أنَّ لهم فيها منافع، هى الحالُ التي لم يوجبْها صاحبُها ولم يسمِّها بدَنةٌ ولم يقلِّدْها. قالوا: ومنافعُها فى هذه الحالِ شربُ ألبانِها، وركوبُ ظهورِها، وما يرزقُهم اللهُ من نَتاجِها وأولادِها. قالوا: والأجلُ المسمَّى الذي أخبَر جلَّ ثناؤه أن ذلك لعبادِه المؤمنين منها إليه، هو إلى إيجابِهم إيَّاها، فإذا أوجَبوها بطَل ذلك، ولم يكنْ لهم من ذلك شيءٌ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن ابنِ أبي ليلى، عن الحكمِ، عن مقسمٍ، عن ابنِ عباسٍ في: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: ما لم يسمَّ بُدْنًا (١).
стр. 11318
حدَّثنا عبد الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: الركوب واللبنُ والولدُ، فإذا سُمِّيَتْ بدَنةً أو هديًا ذهَب ذلك (١) كلُّه (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ فى هذه الآيةِ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: لكم في ظهورِها وألبانِها وأوبارِها حتى تصيرَ بُدنًا (٣).
قال: ثنا ابنُ أبي (١) عَدِيٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ بمثلِه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ وليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: في أشعارها وأوبارِها وألبانِها قبلَ أن تسمِّيَها بدنةً.
قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: في البُدنِ؛ لحومُها وألبانُها وأشعارُها وأوبارُها وأصوافُها، قبلَ أن تسمَّى هديًا (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن
стр. 11319
مجاهدٍ مثلَه، وزاد فيه: وهى الأجلُ المسمَّى.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ أنه قال في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: منافعُ فى ألبانِها وظهورِها وأوبارِها، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى أن تُقلَّدَ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ مثلَ ذلك.
حدَّثني يعقوبُ، قال: قال ابنُ عليةَ: سمِعتُ ابنِ أبي نجيحٍ يقولُ في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: إلى أن يُوجبَها بَدَنةً.
قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن قتادةَ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: فى ظهورِها وألبانِها، فإذا قُلِّدت فمحِلُّها إلى البيتِ العتيقِ (٢).
وقال آخرون ممن قال: الشعائرُ البدنُ فى قولِه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: والهاءُ فى قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾. من ذكرِ "الشعائرِ". ومعنَى قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾: لكم في (٣) الشعائرِ التي تعظِّمُونها للهِ منافعُ بعدَ اتخاذِ كموها للهِ بُدنًا أو هَدايا، بأن تركَبوا ظهورَها إذا احتَجتُم إلى ذلك، وتشرَبوا ألبانَها إن اضْطُرِرتم إليها. قالوا: والأجلُ المسمَّى الذى قال جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. إلى أن تُنحَرَ.
стр. 11320
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: هو ركوبُ البدنِ، وشربُ لبنِها إن احتاج.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجِ، قال: قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: إلى أن تُنحرَ (١).
قال: له أن يحمِلَ (٢) عليها المعيَى والمنقطعَ به، من الضرورةِ؛ كان النبيُّ ﷺ يأمُرُ بالبدنةِ إذا احتاج إليها سيدُها أن يَحمِلَ عليها ويركبَ [غيرَ منهوكةٍ] (٣). قلتُ لعطاءٍ: ما؟ قال: الرجلُ الراجلُ، والمنقطعُ به، والمتبعُ، وإن نُتِجت أن يحملَ عليها ولدَها، ولا يشربَ من لبنِها إلا فضلًا عن ولدِها، فإن كان في لبنِها فضلٌ فليشرَبْ من أهداها ومن لم يُهدِها (٤).
وأما الذين قالوا: معنى الشعائرِ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. شعائر الحجِّ؛ وهى الأماكنُ التى يُنسَكُ عندَها للهِ، فإنهم اختلَفوا أيضا في معنَى المنافعِ. التى قال اللهُ: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لكم في هذه الشعائرِ التى تعظِّمُونها منافعُ بتجارتِكم عندَها، وبيعِكم وشرائِكم بحضرتِها،
стр. 11321
وتسوِّقِكم. والأجلُ المسمَّى الخروجُ من الشعائرِ إلى غيرِها، ومن المواضعِ التي يُنسكُ عندَها إلى ما سواها، في قولِ بعضِهم.
حدَّثني الحسينُ (١) بن على الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سليمانَ الضبيِّ، عن عاصمِ بنِ أبي النَّجودِ، عن أبي رَزينٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾. قال: أسواقُهم، فإنه لم يذكُرْ منافعَ إلا للدنيا.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن محمد بنِ أبي موسى قولَه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: والأجلُ المسمَّى الخروجُ منه إلى غيرِه (٢).
وقال آخرون منهم: المنافعُ التي ذكَرها اللهُ في هذا الموضعِ العملُ للهِ بما أمَر من مناسكِ الحجِّ. قالوا: والأجلُ المسمَّى هو انقضاءُ أيامِ الحجِّ التي يُنسَكُ للهِ فيهن.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فقرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: لكم في تلك الشعائرِ منافعُ إلى أجلٍ مسمًّى؛ إذا ذهَبت تلك الأيامُ لم ترَ أحدًا يأتى عرفةَ يقفُ فيها يبتغى الأجرَ، ولا المزدلفةَ، ولا رميَ الجمارِ، وقد ضرَبوا من البلدانِ لهذه الأيامِ التي فيها المنافعُ، وإنما منافعُها إلى تلك الأيامِ، وهى الأجلُ المسمَّى، ثم محِلُّها حينَ تنقضى تلك الأيامُ إلى البيتِ العتيقِ.
стр. 11322
قال أبو جعفرٍ: وقد دلَّلنا قبلُ على أنَّ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ معنيٌّ به كلُّ ما كان من عملٍ أو مكانٍ جعلَه اللهُ علمًا لمناسكِ حجِّ خلقِه، إذ لم يخصُصْ من ذلك جلَّ ثناؤه شيئًا في خبر ولا عقلٍ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن معنى قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: لكم في هذه الشعائرِ منافعُ إلى أجلٍ مسمًّى، فما كان من هذه الشعائرِ بُدْنًا وهديًا فمنافعُها لكم، من حينِ تملِكون إلى أن أوجبتموها هَدايا وبُدنًا، وما كان منها أماكنَ يُنسَكُ للهِ عندَها، فمنافعُها التجارةُ للهِ عندَها، والعملُ لله (١) بما أمَر به إلى الشخوصِ عنها، وما كان منها أوقاتًا فأن (٢) يُطاعَ اللهُ فيها بعملِ أعمالِ الحجِّ وبطلبِ المعاشِ فيها بالتجارةِ، إلى أن يطافَ بالبيتِ في بعضٍ، أو يُوافَى الحرمُ فى بعضٍ، ويُخرجَ من (٣) الحرمِ في بعضٍ.
وقد اختلَف الذين ذكَرنا اختلافَهم في تأويلِ قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾؛ فقال الذين قالوا: عَنى بالشعائرِ فى هذا الموضعِ البُدنَ: معنى ذلك: ثم محِلُّ البدنِ إلى أن تبلغَ مكةَ، وهي التي بها البيتُ العتيقُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: إلى مكةَ (٤).
стр. 11323
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: يعنى: محِلُّ البدنِ حينَ تسمَّى إلى البيتِ العتيقِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ حينَ تسمَّى هديًا، ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: الكعبةُ أعتقَها من الجبابرِة.
فوجَّه هؤلاء تأويلَ ذلك إلى: ثم (٢) منحرُ البدنِ والهدايا التي أوجبتموها إلى أرضِ الحرمِ. وقالوا: عنَى بالبيتِ العتيقِ أرضَ الحرمِ كلَّها. وقالوا: وذلك نظيرُ قولِه: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] والمرادُ الحرمُ كلُّه.
وقال آخرون: معنى ذلك: ثم محِلُّكم أيُّها الناسُ من مناسكِ حجِّكم إلى البيتِ العتيقِ؛ أن تطوفوا به يومَ النحرِ بعدَ قضائِكم ما أوجَبه اللهُ عليكم في حجِّكم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن محمدِ بن أبي موسى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. قال: محلُّ هذه الشعائرِ كلِّها الطوافُ بالبيتِ (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: ثم محلُّ منافعِ أيام الحجِّ إلى البيتِ العتيقِ
стр. 11324
بانقضائِها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: حينَ تنقضى تلك الأيامُ، أيامُ الحجِّ، إلى البيتِ العتيقِ.
وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ من قال: معنَى ذلك: ثم محلُّ الشعائرِ التى لكم فيها منافعٌ إلى أجلٍ مسمًّى إلى البيتِ العتيقِ. فما كان من ذلك هَديًا أو بُدنًا، فبموافاتِه الحرمَ في الحرمِ، وما كان من نسكٍ، فبالطوافِ (١) بالبيتِ.
وقد بيَّنا الصوابَ من القولِ عندَنا في معنى "الشعائرِ".
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: ولكلِّ جماعةٍ سَلَفٍ فيكم من أهلِ الإيمانِ باللهِ أيُّها الناسُ جعَلنا ذبحًا يُهَرِيقون دمَه، ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ بذلك؛ لأن من البهائمِ ما ليس من الأنعامِ، كالخيلِ والبغالِ والحميرِ.
وقيل: إنما قيل للبهائمِ: بهائمُ؛ لأنها لا تتكلَّمُ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.
стр. 11325
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. قال: إهراقةُ (١) الدماءِ؛ ليَذكُروا اسمَ اللهِ عليها (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقولُه: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاجتنِبوا الرجسَ من الأوثانِ، واجتنِبوا قولَ الزورِ؛ فإلهُكم إلهٌ واحدٌ لا شريكَ له، فإياه فاعبُدوا، وله فأَخلِصُوا الألوهةَ (٣).
وقولُه: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾. يقولُ: فلإلهِكم فاخضَعوا بالطاعةِ، وله فذِلُّوا بالإقرارِ بالعبوديةِ.
وقولُه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبشِّرْ يا محمدُ الخاضعين للهِ بالطاعةِ، المذعنين له بالعبوديةِ، المنيبين إليه بالتوبةِ.
وقد بيَّنا معنى "الإخباتِ" بشواهدِه فيما مضى من كتابِنا هذا (٤).
وقد اختلف أهلُ التأويلِ في المرادِ به في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: أُريدَ به:
стр. 11326
وبشِّرِ المطمئنين إلى اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. قال: المطمئنين (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾: المطمئنين إلى اللهِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. قال: المطمئنين (٢).
حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. قال: المتواضعين (٣).
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ، عن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أوسٍ، عن عمرِو بنِ أوسٍ، قال: المخبتون الذين لا يظلِمون، وإذا ظُلموا لم ينتصِروا (٤).
стр. 11327
حدَّثني محمدُ بنُ عثمانَ الواسطيُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ (١)، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، قال: ثنى عثمانُ بنُ عبدِ اللهِ بن أوسٍ، عن عمرِو بنِ أوسٍ مثلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾.
فهذا من نعتِ ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وبشِّرْ يا محمدُ المخبتين الذين تَخشَعُ قلوبُهم لذكرِ اللهِ، وتخضَعُ (٢) مِن خشيتِه وَجَلًا مِن عقابِه، وخوفًا مِن سخَطِه.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: لا تَقسُو قلوبُهم، ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾. فمن شدةٍ فى أمرِ اللهِ، ونالهم مِن مكروهٍ في جَنبِه، ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ المفروضةِ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من الأموالِ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ فى الواجبِ عليهم إنفاقُها فيه، فى زكاةٍ، ونَفَقَةِ عيالٍ، ومَن وَجَبَت عليه نفقتُه، وفى سبيلِ اللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالْبُدْنَ﴾. وهي جمعُ بَدَنةٍ، وقد يقالُ لواحدِها: بُدُنٌ. وإذا قيل: بُدُنٌ. احتَمل أن يكونَ جمعًا وواحدًا، يدلُّ على أنه قد يقالُ ذلك
стр. 11328
للواحدِ قولُ الراجزِ (١):
* عليَّ حينَ تَملِكُ الأُمُورا *
* صومَ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُذُورَا *
* وحَلقُ رَأْسِي وافيًا مضفُورَا *
* وبُدُنَا مُدَرَّعًا مَوفُورَا *
والبدنُ هو الضَّخمُ مِن كلِّ شيءٍ، ولذلك قيل لامرِئ القيسِ بنِ النُّعمانِ صاحبِ الخَوَرنقِ (٢) والسَّدير (٣): البُدُنُ. لضِخَمِه واسترخاءِ لحمِه، فإنه يقالُ: قد بَدَّنَ تَبدِينًا.
فمعنى الكلامِ والإبلَ العِظامَ الأجسامِ الضِّخامِ جَعَلناها لكم أيُّها الناسُ ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: مِن أعلامِ أمرِ اللهِ الذي أمَركم به في مناسكِ حجِّكم، إذا قلَّدتُموها وجَلَّلْتُموها وأشعرتُموها، عُلِم بذلك وشُعِرَ أنكم فعَلتم ذلك؛ مِن الإبلِ والبقرِ.
كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن ابن جريجٍ، قال: قال عطاءً: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. قال: البقرةَ والبعيرَ (٤).
وقولُه: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. يقولُ: لكم في البُدنِ خيرٌ. وذلك الخيرُ هو الأجرُ فى الآخرةِ بنَحرِها والصدقةِ بها، وفى الدنيا الركوبُ إذا احتاجَ إلى رُكُوبِها.
стр. 11329
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. قال: أجرٌ ومنافعُ فى البُدنِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. قال: اللبنُ والركوبُ إذا احتاجَ (٣).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. قال: إذا اضطررتَ إلى بدنَتِك (٤) ركِبتَها، وشَرِبتَ مِن (٥) لبنِها (٦).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾: مَن احتاجَ إلى ظَهرِ البَدَنةِ رَكِب، ومَن احتاجَ إلى لبنِها شَرِبَ.
стр. 11330
وقولُه: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاذْكُرُوا اسمَ اللهِ على البُدنِ عندَ نَحرِكم إياها صَوَافَّ.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ بمعنى: مُصطفَّةٌ، واحدُها: صافَّةٌ، قد صُفَّتْ بينَ أيدِيها.
ورُوِى عن الحسنِ ومجاهدٍ وزيدِ بنِ أسلمَ وجماعةٍ أُخَرَ معهم أنهم (١) قرَءوا ذلك: (صوَافِيَ). بالياءِ منصوبةً، بمعنى: خالصةً للهِ لا شريكَ له فيها، صافيةً له (٢).
وقرأ بعضُهم ذلك: (صوافٍ). بإسقاطِ الياءِ وتنوينِ الحرفِ، على مثالِ: عَوَارٍ، وعَوَادٍ (٣).
ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنه قرَأه: (صَوَافِنَ). بمعنى: مُعقَّلةً (٤).
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندى قراءةُ مَن قرأه بتَشديدِ الفاءِ ونَصبِها؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه بالمعنى الذي ذكَرناه لمَن قرأه كذلك.
ذكرُ مَن تأوَّله بتأويلِ مَن قرأَه بتَشديدِ الفاءِ ونصبِها
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن الأعمشِ، عن أبى ظَبيانَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. قال: اللهُ
стр. 11331
أكبرُ اللهُ أكبرُ، اللهمَّ منك ولك، ﴿صَوَافَّ﴾: قيامًا على ثلاثِ أرجلٍ. فقيل لابنِ عباسٍ: ما نَصنعُ بجُلُودِها؟ قال: تصَدَّقوا بها، واستَمتِعوا بها (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سويدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿صَوَافَّ﴾.
قال: قائمةً. قال: يقولُ: اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، اللهمَّ منك ولك (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظبيانَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. قال: قِيامًا على ثلاثِ قوائمَ معقولةً، باسمِ اللهِ، اللهُ أكبرُ، اللهمَّ منك ولك (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿صَوَافَّ﴾. قال: معقولةً إحدى يدَيها. قال: قائمةً على ثلاثِ قوائمَ.
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن على، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. يقولُ: قِيامًا (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾: والصَّوَافُ أَن تَعْقِلَ
стр. 11332
قائمةً واحدةً، وتَصُفَّها على ثلاثٍ فتنحرَها كذلك.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يعلى بنُ عطاءٍ، قال: أخبرَني بُجيرُ بنُ سالمٍ، قال: رأيتُ ابنُ عمرَ (١) وهو ينحَرُ بدنتَه. قال: فقال ﴿صَوَافَّ﴾ كما قال اللهُ. قال: فنحرَها وهى قائمةٌ معقولةٌ إحدى يَدَيها (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبَرنا ليثٌ، عن مجاهدٍ، قال: الصَّوافُّ: إذا عُقِلَت رجلُها وقامت على ثلاثٍ (٣).
قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. قال: صوافَّ بينَ أوظافِها (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿صَوَافَّ﴾. قال: قيامٌ صوافُّ على ثلاثِ قوائمَ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. قال: بينَ وظائفِها قيامًا.
حدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ أيوبَ، عن
стр. 11333
خالدِ بنِ يزيدَ، عن ابنِ أبي هلالٍ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ أنه كان ينحَرُ البُدنَ وهى قائمةٌ مُستقبِلةٌ البيتَ تُصَفُّ أيدِيها بالقيودِ. قال: هى التى ذكَر اللهُ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن أبي ظبيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: قلتُ له: قولُ اللهِ: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾؟ قال: إذا أردتَ أن تنحَرَ البَدَنةَ فانحَرْها، وقلْ: اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، اللهمَّ منك ولك. ثم سمِّ، ثم انحَرْها. قلتُ: فأقولُ ذلك للأُضحيةِ؟ قال: وللأُضحيةِ (٢)
ذكرُ من تأوَّله بتأويلِ من قرَأه: (صوَافيَ) بالياءِ
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن الحسنِ أنه قال: (فاذكُرُوا اسمَ اللهِ عليها صوافِىَ) قال: مخلصِين.
قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ (٣)، قال: قال الحسنُ: (صوَافِيَ): خالصةً.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: (صوَافيَ): خالصةً للهِ (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ،
стр. 11334
عن شقيق الضَّبىِّ: (فاذكُروا اسم الله عليها صَوَافي). قال: خالصةً.
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أيمنُ بنُ نابلٍ، قال: سألتُ طاوسًا عن قوله: (فاذْكُروا اسم الله عليها صَوَافِى) قال: خالصاً (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: (فاذْكُروا اسم الله عليها صَوَافي). قال: خالصةً ليس فيها شَريكٌ، كما كان المشركون يَفعلون، يجعَلون للهِ ولآلهتِهم، (صَوَافيَ) صافيةٌ للهِ تعالى (٢).
ذكرُ مَن تأوَّلَه بتأويل مَن قرأه: (صَوَافَنَ)
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (فاذْكُرُوا اسم الله عليها صَوافِنَ). أى: مُعقَّلةً قيامًا.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (فاذكُرُوا اسمَ اللهِ عليها صوَافنَ). قال: أي: مُعقَّلةً قيامًا (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: مَن قَرَأها: (صَوافِنَ) قال: معقولةً. قال: ومَن قرأها: ﴿صَوَافَّ﴾. قال: تُصفُّ بينَ يَدَيْها (٤).
حُدِّثت عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
стр. 11335
الضحاك يقولُ فى قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ يعني: صَوَافِنَ. والبَدَنةُ إذا نُحِرَت عُقلَت يدٌ واحدةٌ، فكانت على ثلاثٍ، وكذلك تُنحَرُ (١).
قال أبو جعفر: وقد تقدَّم بياني (٢) أولى هذه الأقوال بتأويل قولِه: ﴿صَوَافَّ﴾. وهى المُصطفَّةُ بين أيديها، المَعقولةُ إحدى قَوائِمِها (٣).
وقولُه: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. يقولُ: فإِذا سَقَطَت فوقَعت جُنُوبُها إلى الأرضِ بعدَ النَّحرِ، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. وهو من قولهم: قد وَجَبت الشمسُ. إذا غابَت فسَقَطَت لتغيب (٤). ومنه قولُ أوس بن حجرٍ (٥):
ألم تُكسَفِ الشمسُ والبدرُ والـ … ـكواكبُ للجَبَلِ الوَاجبِ
يعنى بالواجبِ: الواقِعَ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. سقَطت إلى الأرض (٦).
стр. 11336
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾. قال: إذا فُرِغَت ونُحِرَت.
حدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. قال: نُحِرَت.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. قال: إذا نُحِرَت (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. قال: فإذا ماتت (٢).
وقولُه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. وهذا مخرجُه مخرجُ الأمر، ومعناه الإباحةُ والإطلاقُ، يقولُ اللهُ: فإذا نُحِرَت فَسَقَطَت ميِّتةً بعد النحر، فقد حَلَّ لكم أكلُها. وليس بأمر إيجابٍ.
وكان إبراهيمُ النخعىُّ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: المشركون كانوا لا يأكلون مِن ذبائِحِهم، فرَخَّصَ للمسلمين، ﴿فَكُلُوا (٣) مِنْهَا﴾. فمن شاء أَكل، ومَن شاء لم يأكُلْ (٤).
стр. 11337
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شاء أكَلَ، وإن شاء لم يأكُل، هي بمنزلة: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. يقولُ: يَأكُلُ منها ويُطعِمُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا يونسُ، عن الحسنِ، وأخبَرناه مغيرةُ، عن إبراهيمَ، وأخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، وأخبرنا حصينٌ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال: إن شاء أكَلَ، وإن شاء لم يأكُل. قال مجاهدٌ: هى رُخصةٌ، هى كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. ومثلُ قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١).
وقولُه: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. يقولُ: فأطعموا منها القانِعَ.
واختلف أهلُ التأويل فى المعنىِّ بالقانع والمُعتَرِّ؛ فقال بعضُهم: القانِعُ الذي يَمْنَعُ بما أُعطِى أو بما عنده ولا يسألُ، والمُعترُّ الذي يَتَعَرَّضُ لك أن تُطعِمَه مِن اللَّحم ولا يسألُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ المُستَعْنى
стр. 11338
بما أعطيتَه وهو في بيتِه، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ لك، ويَلُمُّ بك أن تُطعمه مِن اللحمِ ولا يسألُ، وهؤلاء الذين أمر أن يُطعموا مِن البُدنِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: القانعُ جارُك الذى يقنَعُ بما أعطيته، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ لك ولا يسألُك (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني أبو صخرٍ، عن القُرَظِىِّ أنه كان يقولُ فى هذه الآية: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾: القانعُ الذي يقنَعُ بالشيء اليسيرِ يَرضَى به، والمُعترُّ الذى يمرُّ بجانبك لا يسألُ شيئًا، فذلك المُعترُّ (٣).
وقال آخرون: القانعُ الذى يقنعُ بما عندَه ولا يسألُ، والمُعترُّ الذي يَعتَريك فيسألُك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. يقولُ: القانعُ المُتَعفِّفُ، والمُعترُّ (٤) السائلُ (٥).
حدَّثنا ابنُ أبي الشَّوَاربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال:
стр. 11339
سمعتُ مجاهدًا يقولُ: القانعُ أهلُ مكةَ، والمُعترُّ الذى يَعتَريك فيسألُك (١).
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا عطاءٌ (٢)، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ. فذكَر مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا كعبُ بنُ فروخٍ، قال: سمِعتُ قتادة يحدِّثُ عن عكرمة في قوله: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ الذى يقعُدُ في بيته، والمُعترُّ الذي يسألُ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: القانعُ المتعففُ الجالسُ فى بيتِه، والمعترُّ الذى يعتَريك فيَسألُك (٣).
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانِعُ الطامِعُ بما قِبلكَ ولا يسألُك، والمُعتَرُّ الذى يَعتَرِيك ويسألُك (٤).
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ وإبرهيمَ، قالا: القانعُ الجالسُ فى بيته، والمُعترُّ الذى يسألُك (٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القائعُ الذى يقنَعُ بما في يديه، والمُعترُّ الذي يعتريك،
стр. 11340
ولكِلَيهما عليك حقٌّ يابن آدم (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ الذي يجلِسُ في بيته، والمُعترُّ الذي يَعْتَريك.
وقال آخرون: القانعُ هو السائلُ، والمُعترُّ هو الذي يعتريك ولا يسألُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ، قال: القانعُ الذي يَقنَعُ إليك ويسألُك، والمُعترُّ الذي يتعرَّضُ لك ولا يسألُك.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصور بن زاذان، عن الحسن فى هذه الآية: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانِعُ الذى يقنَعُ، والمُعترُّ الذى يعتريك. قال: وقال الكلبيُّ: القانِعُ الذى يسألُ (٢)، والمُعترُّ الذى يعتريك؛ يتعرَّضُ ولا يسألُك.
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأودىُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن الحسن فى قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ الذى يَسأَلُك، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ لك (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: القانِعُ السائلُ.
стр. 11341
حدَّثني محمدُ بن إسماعيلَ الأحمَسِيُّ، قال: ثني غالبٌ، قال: ثنى شَريكٌ، عن قُراتِ القَزَّاز، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿الْقَانِعَ﴾. قال: هو السائلُ. ثم قال: أما سمِعتَ قولَ الشماخ (١):
لمالُ المَرءِ يُصلِحُه فَيُغنِي … مَفاقِرَه أَعَفٌ من القُنُوعِ
قال: من السؤال (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبرنا يونسُ، عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ الذى يقنعُ إليك يسألُك، والمُعترُّ الذي يُريك نفسه ويتعرَّضُ لك ولا يسألُك (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: أخبرنا منصورٌ ويونسُ، عن الحسن، قال: القانعُ السائلُ، والمُعترُّ الذى يتعرضُ ولا يسألُ (٤).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى عبد اللهِ بنُ عيَّاشٍ (٥)، قال: قال زيدُ بن أسلمَ: القائعُ الذى يسألُ الناس (٦).
وقال آخرون: القانِعُ الجارُ، والمُعترُّ الذى يَعتَريك من الناسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمعتُ لينًا، عن مجاهدٍ، قال:
стр. 11342
القانِعُ جارُك وإن كان غَنيًّا، والمُعترُّ الذي يعتريك.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيحٍ، قال: قال مجاهدٌ في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: القانعُ جارُك الغَنىُّ، والمُعترُّ مَن اعترَاك من الناسِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرةُ، عن إبراهيم في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. أنه قال: أحدُهما السائلُ، والآخرُ الجارُ (١).
وقال آخرون: القانعُ الطَّوَّافُ، والمُعترُّ الصديقُ الزائرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثني أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن ابنِ أبي هلالٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾: فالقانعُ المسكينُ الذي يَطوفُ (٢)، والمُعترُّ الصديقُ والضيفُ (٣) الذى يزورُ (٤).
وقال آخرون: القانعُ الطامعُ، والمُعترُّ الذي يَعتَرُ بالبُدنِ
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
стр. 11343
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الْقَانِعَ﴾. قال: الطامِعُ، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: مَن يَعتَرُّ بالبُدنِ مِن غَنِيٍّ أو فقيرٍ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرنى عمرُ (٢) بنُ عطاءٍ، عن عكرمة، قال: القانعُ الطامعُ (٣).
وقال آخرون: القانِعُ هو المسكينُ، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ للَّحم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ قال: القانعُ المسكينُ، والمُعترُّ الذى يَعترُّ للقومِ (٤) للَحمِهم وليس بمسكينٍ، ولا يكونُ له ذبيحةٌ، يَجِيءُ إلى القومِ مِن أجل لحمهم، والبائسُ الفقيرُ هو القانِعُ (٥).
وقال آخرون بما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن فُراتٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، قال: القانِعُ الذى يَقنَعُ، والمُعترُّ الذي يَعتَرِيك (٦).
стр. 11344
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن الحسنِ بمثله.
قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. القانعُ الجالسُ في بيته، والمُعترُّ الذى يتعرَّضُ لك (١).
وأولى هذه الأقوال بالصواب قولُ من قال: عُنى بالقانِع السائلُ؛ لأنه لو كان المَعنىُّ بالقانع فى هذا الموضع المُكتَفيَ بما عندَه، والمُستغنِىَ به، لقيل: وأطعموا القانعَ والسائلَ. ولم يقُلْ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. وفي إتباعِ ذلك قوله: ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾. الدليلُ الواضحُ على أن القانعَ معنىٌّ به السائلُ، من قولهم: قَنَعَ فلانٌ إلى فلانٍ. بمعنى. سألَه وخَضَع إليه، فهو يقنَعُ قُنُوعًا. ومنه قولُ لبيدٍ (٢):
وإعطائي (٣) المَولَى على حينِ فَقرِه … إذا قال أَبصِرْ خَلَّتِي وَقُنُوعِى (٤)
وأما "القانِعُ" الذى هو بمعنى المُكتَفى فإنه من: قنعتُ به (٥)، بكسر النون، أقنَعُ قَناعةً وقَنَعًا وقَنَعانًا. وأما "المُعتَرُّ" فإنه الذى يَأْتِيك مُعتَرًّا بك لتُعطِيَه وتُطعِمَه.
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾. يقولُ: هكذا سخَّرنا البُدنَ لكم أيُّها الناسُ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: لتشكُرونى على تَسخيرها لكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ
стр. 11345
الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لم يَصِلْ إلى اللهِ لحومُ بُدنِكم ولا دماؤُها، ولكن ينالُه اتِّقاؤُكم إياه إن اتَّقَيتُموه فيها، فأردتُم بها وجهَه، وعَمِلتُم فيها بما نَدَبَكم إليه، وأمَرَكم به فى أمرِها، وعظَّمتم بها حُرُماتِه.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قول الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. قال: ما أُرِيدَ به وجهُ اللهِ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. قال: إن اتَّقيتَ اللهَ في هذه البُدنِ، وعَمِلتَ فيها لله، وطَلَبتَ ما قال الله تعظيمًا لشعائر الله، ولحرماتِ اللهِ؛ فإنه قال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. قال: وجَعَلتَه طيِّبًا، فذلك الذي يتقبَّلُ الله، فأما اللحوم والدماءُ، فمِن أينَ تنالُ الله؟
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾. يقولُ: هكذا سخَّر لكم البُدنَ، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. يقولُ: كي تُعظِّموا اللهَ ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، يعنى: على توفيقه إياكم لدينه، وللنُّسُكِ في حَجِّكم.