← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 11481–11520 · переход к 11486.

стр. 11481

والعراقِ: ﴿زُبُرًا﴾ بمعنى جمعِ "الزَّبورِ". فتأويلُ الكلامِ على قراءةِ هؤلاءِ: فتفرّقَ القومُ الذين أمرَهم اللهُ من أمةِ الرسولِ عيسى بالاجتماعِ على الدينِ الواحدِ، والملةِ الواحدةِ -دينَهم الذى أمَرهم اللهُ بلزومِه ﴿زُبُرًا﴾: كُتُبا، فدانَ كلُّ فريقٍ منهم بكتابٍ غيرِ الكتابِ الذى دانَ به الفريقُ الآخرُ؛ كاليهودِ الذين زعَموا أنهم دانُوا بحكمِ التوراةِ، وكذّبوا (١) بحكمِ الإنجيلِ والقرآنِ، وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيلِ بزعمِهم، وكذَّبُوا بحكمِ الفرقانِ. ذكرُ مَن تأوّل ذلك كذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿زُبُرًا﴾. قال: كُتُبًا. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾. قال: كُتُبَ اللهِ فرَّقوها قِطَعًا (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾. قال مجاهدٌ: كُتُبَهم فرّقوها قِطَعًا.

стр. 11482

وقال آخرون من أهلِ هذه القراءةِ: إنما معنى الكلامِ: فَتَفرَّقوا دينَهم بينَهم كُتبًا أحدَثوها، يَحْتَجُّون فيها لمذاهبِهم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. قال: هذا ما اختَلَفُوا فيه من الأديانِ والكتبِ، كلٌّ مُعْجَبُون برأيِهم، ليس أهلُ هوًى إلَّا وهم مُعْجَبون برأْيِهم وهواهم وصاحبِهم الذى اخترَق ذلك لهم (١). وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الشامِ: (فتقطَّعوا أمرَهم بينَهم زُبَرًا). بضمِّ الزاي وفتحِ الباءِ، بمعنى: فتفرَّقوا (٢) بينهم قِطَعًا كزُبَرِ الحديدِ. وذلك القِطَعُ منها، واحدتُها زُبْرةٌ، من قولِ اللهِ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦]. فصار بعضُهم يهودًا، وبعضُهم نصارى. والقراءةُ التي نختارُ فى ذلك قراءةُ من قرأه بضمِّ الزايِ والباءِ؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك على أنه مرادٌ به الكتبُ، فذلك يُبينُ عن صحةِ ما اخترنا (٣) في ذلك؛ لأنَّ الزُّبُرَ هى الكتبُ، يُقالُ منه: زَبَرْتُ الكتابَ، إذا كتبتَه. فتأويلُ الكلامِ: فتَفَرَّقَ الذين أمرَهم اللهُ بلزومِ دينِه من الأممِ دينَهم بينَهم كُتبًا. كما بيَّنا قبلُ. وقولُه: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. يقولُ: كلُّ فريقٍ من تلك الأممِ بما

стр. 11483

اختاروه لأنفُسِهم من الدين والكتبِ - فَرِحون، مُعْجَبون به، لا يَروْنَ أَن الحقَّ سواه. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: قِطعَةٍ، وهؤلاءِ أهلُ الكتابِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: قطعةٍ، أهلُ الكتابِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾. قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فدعْ يا محمدُ هؤلاءِ الذين تقطَّعوا أمرَهم بينهم زُبُرًا ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾. يعني: في ضَلالتِهم وغَيِّهِم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. يعنى: إلى أجلٍ سيأتِيهم عندَ مجيئه عذابي. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾. قال: في ضلالِهم (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَذَرْهُمْ

стр. 11484

فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾. قال: الغَمْرةُ الغَمْرُ. وقولُه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيحسَبُ هؤلاء الأحزابُ الذين تفرَّقوا دينَهم زُبُرًا، أن الذي نُعطيهم في عاجلِ الدنيا من مالٍ وبنينَ، ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. يقولُ: نُسابقُ لهم في خيراتِ الآخرةِ، ونُبادرُ لهم فيها. و "ما" من قولِه: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ نَصبٌ؛ لأنها بمعنى "الذي". ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه تكذيبًا لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يَعلمون أنَّ إمدادى إيَّاهم بما أُمِدُّهم به من ذلك، إنما هو إملاءٌ واستدراجٌ لهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾. قال: نُعطيهم، ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾. قال: نَزِيدُهم في الخيرِ، ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. قال: هذا لقريشٍ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بنِ علىٍّ، قال: ثني أشعثُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ،

стр. 11485

عن خالدٍ الحذاءِ، قال: قلتُ لعبدِ الرحمنِ بن أبي بَكْرةَ: قولُ اللهِ: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؟ قال: (يُسارِعُ (١) لهم في الخيراتِ) (٢). وكأن عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرةَ وجَّه قراءتَه ذلك كذا (٣)، إلى أن تأويلَه: يسارِعُ لهم إمدادُنا إياهم بالمالِ والبنينَ في الخيراتِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾: إِنّ الذين هم من خشيتِهم وخَوفِهم من عذابِ اللهِ مشفقون، فهم من خشيتِهم من ذلك دائبونَ فى طاعتِه، جادُّونَ في طلبِ مرضاتِه. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: والذين هم بآياتِ كتابِه وحُجَجِه مُصدِّقون، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: والذين يُخلِصون لربِّهم عبادتَهم، فلا يجعلون له فيها لغيرِه شركًا، لا لوثَنٍ ولا لصنمٍ، ولا يُراءون بها أحدًا من خلْقِه، ولكنهم يَجعلون أعمالَهم لوجهِه خالصًا، وإياه يَقصِدون بالطاعةِ والعبادةِ دونَ كلِّ شيءٍ سواه. القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: والذين يُعطُون أهلَ

стр. 11486

سُهْمانِ الصدقةِ ما فَرَضَ اللهُ لهم فى أموالِهم، ﴿مَا آتَوْا﴾. يعنى: ما أَعْطَوهم إياه من صدقةٍ (١)، ويؤدُّون حقوقَ اللهِ عليهم فى أموالِهم إلى أهلِها، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. يقولُ: خائفةٌ من أنهم إلى ربِّهم راجِعون، فلا يُنجيهم ما فعلُوا من ذلك من عذابِ اللهِ، فهم خائفون من المرجعِ إلى اللهِ لذلك. كما قال الحسنُ: إن المؤمنَ جمَع إحسانًا وشفقةً. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبجرَ، عن رجلٍ، عن ابنِ عمرَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: الزكاة (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ (٣) الله بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي يَحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: المؤمِنُ يُنْفِقُ مالَه، وقلبُه وجِلٌ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى الأشهبِ، عن الحسنِ، قال: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: يَعْملون ما عمِلُوا من أعمالِ البرِّ، وهم يخافونَ ألا ينُجيَهم ذلك من عذابِ ربِّهم (٥). حدَّثنا القاسمُ، [قال: ثنا الحسينُ] (٦)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال:

стр. 11487

قال ابنُ عباسٍ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: المؤمنُ يُنفقُ مالَه ويتصدقُ، وقلبُه وَجِلٌ أنه إلى ربِّه راجعٌ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ أنه كان يَقولُ: إن المؤمِنَ جمَع إحسانًا وشفقةً، وإن المنافقَ جمع إساءةً وأمنًا. ثم تلا الحسنُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾. إلى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال المنافقُ: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (١) [القصص: ٧٨]. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾. قال: يُعْطون ما أَعْطَوا، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. يقولُ: خائفةٌ. حدَّثنا خلّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، قال: أخبرنا سالمٌ الأفطسُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: يَفعلونَ ما يَفعلونَ وهم يَعلمونَ أنهم صائرون إلى الموتِ، وهى من المبشِّراتِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: يُعْطُون ما أَعطَوا، ويعمَلون ما عمِلوا من خيرٍ، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾: خائفةٌ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه (٢).

стр. 11488

حدَّثنا علىٌّ، [قال: ثنا] (١) [عبدُ اللهِ] (٢)، قال: ثني معاويةُ، [عن علىٍّ] (٢)، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. يقولُ: يعمَلون خائفين (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. [يقولُ: خائفةٌ، ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. قال: هو المؤمنُ يتصدَّقُ ويُنفِقُ ويَعْلَمُ أنه راجعٌ إلى ربِّه. حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾] (٤). قال: يُعطون ما أَعْطَوا فرَقًا من اللهِ، ووجلًا من اللهِ. حُدثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: يُنفقون ما أنفقُوا. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال: يُعطون ما أَعْطَوا، ويُنفِقُون ما أَنفقوا، ويَتصدَّقون بما تَصدَّقوا وقلوبُهم وَجِلَةٌ؛ اتقاءً لسَخَطِ اللَّهِ والنارِ. وعلى هذه القراءةِ -أعنى على: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ - قرأةُ الأمصارِ، وبه رسومُ مصاحفِهم، وبه نقرأُ، لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، ووفاقِه خطَّ مصاحفِ المسلمين.

стр. 11489

ورُوِى عن عائشةَ ﵂ في ذلك ما حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا علىُّ بنُ ثابتٍ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو (١)، عن أبي خَلَفٍ، قال: دخَلتُ مع عبيدِ بنِ عميرٍ على عائشةَ، فسألها عبيدٌ: كيف نقرأُ هذا الحرفَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾؟ فقالتْ: (يَأْتُون ما أَتَوْا) (٢). وكأنها تأوَّلَتْ فى ذلك: والذين يفعَلون ما يفعَلون من الخيراتِ وهم وجِلونَ من اللهِ. كالذى حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو (٣) بنُ قيسٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سعيدِ بنِ وهبٍ الهمْدَانيِّ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قالتْ عائشةُ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ [يُؤْتُونَ مَا آتَوْا] (٤) وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. هو الذي يُذنِبُ الذنبَ وهو وجِلٌ منه؟ فقال: "لا، ولكن من يصومُ ويصلِّى ويتصدقُ وهو وجلٌ" (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن مالكِ بنِ مغْولٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سعيدِ بنِ وهبٍ، أن عائشةَ قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أهُم الذين يُذنبون وهم مُشْفِقون؟

стр. 11490

[فقال: "لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون] (١)، وَيَصُومون وهم مشفقون". حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مغيثٍ (٢)، عن رجلٍ من أهلِ مكةَ، عن عائشةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. قال. فذكَر مثلَ هذا. حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ سعيدٍ، عن عائشةَ أنها قالتْ: يا رسولَ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أهو الرجلُ يَزنى ويَسرِقُ ويَشربُ الخمرَ؟ قال: "لا يا بنْتَ أبي بَكْرٍ -أو: يا بنْتَ الصديقِ- ولكنَّه الرجلُ يَصومُ ويُصلِّى ويَتصدَّقُ، ويخافُ ألا يُقبلَ منه" (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى جريرٌ، عن ليثِ بنِ أبي سليمٍ، وهشيمٍ، عن العوامِ بنِ حَوْشبٍ، جميعًا، عن عائشةَ أنها قالتْ: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "يا بنتَ أبي بَكْرٍ -أو: يا بنتَ الصِّدِّيقِ- هم الذين يُصَلُّونَ ويَفْرَقُونَ أَلا يُتَقَبَّلَ منهم". و"أنَّ" من قولِه: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. في موضعِ نصبٍ؛ لأنَّ معنى الكلامِ: وقُلُوبُهم وَجِلَةٌ من أنهم. فلما حُذفت "مِنْ" اتَّصلَت بالكلامِ (٤) قبلَها فنُصِبتْ.

стр. 11491

وكان بعضُهم يقولُ (١): هى فى موضعِ خفضٍ وإنْ لم يكنِ الخافضُ ظاهرًا. وقولُه: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاءِ الذين هذه الصفاتُ صفاتُهم، يُبادِرونَ فى الأعمالِ الصالحةِ، ويَطلُبون الزُّلفةَ عندَ اللَّهِ بطاعتِه. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. قال: والخيراتُ: المخافةُ والوَجَلُ والإيمانُ والكفُّ عن الشركِ باللهِ، فذلك المسابقةُ إلى هذه الخيراتِ. وقولُه: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. كان بعضُهم يقولُ: معناه: سَبقتْ لهم من اللهِ السعادةُ، فذلك سُبوقُهم الخيراتِ التي يَعملونها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. يقولُ: سَبقتْ لهم السعادةُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾: فتلك الخيراتُ. وكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك بمعنى: وهم إليها سابقون. وتأوَّلَه آخرون: وهم من أجلِها سابقون. وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذي قالَه ابنُ عباسٍ، من أنه:

стр. 11492

سَبقتْ لهم مِن اللهِ السعادةُ قبلَ مسارَعتِهم فى الخيراتِ، ولما سبَق لهم من ذلك سارَعوا فيها. وإنما قلتُ: ذلك أولى التأويلينِ بالكلامِ؛ لأن ذلك أظهرُ مَعْنَيَيْهِ، وأنه لا حاجة بنا إذا وجهنا تأويل الكلام إلى ذلك، إلى تحويل معنى اللامِ (١) التي في قولِه: ﴿وَهُمْ لَهَا﴾. إلى غيرِ معناها الأغلبِ عليها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ [مِمَّن خَلقنا، ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾. يقولُ] (٢): إلا ما يَسَعُها ويَصلُحُ لها من العبادةِ، ولذلك كلَّفناها ما كلَّفْناها من معرفةِ وحدانيةِ اللهِ، وشَرَعْنا لها ما شَرَعْنا من الشرائعِ، ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: وعندَنا كتابُ أعمالِ الخلقِ، بما عمِلُوا من خيرٍ وشَرٍّ، ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: يُبينُ بالصدقِ عمَّا عمِلوا من عملٍ في الدنيا، لا زيادةَ عليه ولا نقصانَ، ونحن موفُّو جميعِهم أجورَهم؛ المحسنِ منهم بإحسانِه، والمسيءِ بإساءتِه، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يُظلمون، بأن يُزادَ على سيئاتِ المسيءِ منهم ما لم يَعملْه، فيعاقَب على غير جُرْمِه، أو يُنقَصَ المحسنُ عما عمِل من إحسانِه، فيُنقصَ عما له من الثوابِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾.

стр. 11493

يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَحْسَبُ هؤلاءِ المشركون، من أن إمدادناهم بما نُمدُّهم به من مالٍ وبنين، بخيرٍ نَسوقُه بذلك إليهم، ورضًا منا عنهم، لكنَّ قلوبَهم في عمًى (١) عن هذا القرآنِ. وعنى بالغمرةِ ما غمَر قُلوبَهم فغطَّاها عن فَهُمِ مَا أَوْدَعَ اللَّهُ كتابَه من المواعظِ والعبرِ والحججِ. وعنَى بقولِه: ﴿مِنْ هَذَا﴾: من القرآنِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾. قال: في عَمًى من هذا القرآنِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾. قال: من القرآنِ. وقولُه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولهؤلاءِ الكفارِ أعمالٌ لا يَرضاها اللهُ من المعاصى، ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾. يقولُ: من دونِ أعمالِ أهلِ الإيمانِ باللهِ، وأهلِ التقوى والخشيةِ له.

стр. 11494

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. قال: الخطايا (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾. قال: الحقِّ (٢). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾. قال: خطايا من دونِ ذلك الحقِّ. قال: ثنا حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ الآية. قال: أعمالٌ دُونَ الحقِّ (٣). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: ذكَر اللَّهُ الذين هم من خشيةِ ربِّهم مُشْفِقون، والذين يُؤتون ما آتَوا وقلوبُهم وجِلَةٌ. ثم قال للكفارِ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. قال: من دونِ الأعمالِ التي منها قولُه: ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾،

стр. 11495

﴿وَالَّذِينَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾ (١). حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ، قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها. حدَّثنا على بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أبى الزرقاءِ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن حميدٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. قال: أعمالٌ لم يَعملوها سيعْمَلونها (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. قال: لم يكنْ له بُدٌّ من أن يَستوفيَ بقيةَ عملِه، ويَصلَى به (٢). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها (٣). حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن العلاءِ بن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾. قال: أعمالٌ لابُدَّ لهم من أن يَعملوها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ

стр. 11496

يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولهؤلاءِ الكفارِ من قريشٍ أعمالٌ من دونِ ذلك هم لها عامِلون، إلى أن نأخُذَ (١) أهلَ النَّعمةِ والبَطَرِ منهم بالعذابِ. كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾. قال: المُتْرَفُون العظماءُ. ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. يقولُ: فإذا أخذْناهم به جأَروا. يقولُ: ضجُّوا واستغاثُوا مما حلَّ بهم من عذابِنا. ولعلّ الجُوَارَ رفعُ الصوتِ، كما يَجأرُ الثورُ. ومنه قولُ الأعشى (٢): يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المليـ … ـكِ (٣) طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. يقولُ: يَستغيثون (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يَحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا (٥): ثنا سفيانُ، عن علقمةَ

стр. 11497

ابن مَرْثدٍ (١)، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾. قال: بالسيوفِ يومَ بدرٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنس في قولِه: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. قال: يَجزعون (٣). قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾. قال: عذاب يوم بدرٍ ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. قال: الذين بمكةَ (٤). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾: يعنى أهلَ بدرٍ، أخذهم اللهُ بالعذابِ يومَ بدرٍ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. قال: يَجزعون. وقوله: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾. يقولُ: لا تَضِجُّوا وتَستغيثُوا اليومَ وقد نزَل بكم العذابُ الذي لا يُدفعُ عن الذين ظلَموا أنفسَهم، فإن ضجيجَكم غيرُ نافِعِكم، ولا دافعٍ عنكم شيئًا مما قد نزَل بكم من سَخَطِ اللَّهِ، ﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: إنكم من عذابِنا الذي قد حلَّ بكم لا تُستنقذون، ولا يُخَلِّصُكم منه شيءٌ.

стр. 11498

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾: لا تَجْزَعُوا اليومَ. حدَّثني [يونسُ، قال: أخبرنا الربيعُ بنُ أنسٍ] (١): ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾: لا تَجزعوا الآنَ حينَ نزلَ بكم العذابُ، إنه لا يَنفعُكم، فلو كان هذا الجزعُ [والتضرُّعُ] (٢) قبلُ نفَعكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المشركين من قريشٍ: لا تَضِجُّوا اليومَ وقد نزَلَ بكم سَخَطُ اللَّهِ وعذابُه، بما كسبَتْ أيديكم، واستوجبتموه بكفرِكم بآياتِ ربِّكم، ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. يعني: آياتُ كتابِ اللهِ. يقولُ: قد كانتْ آيَاتُ كتابي تُقرأُ عليكم، فتكذبون بها، وتَرْجِعون مُولِّين عنها إذا سمِعتُموها، كراهيةً منكم لسماعِها. وكذلك يُقالُ لكلِّ من رَجَع من حيثُ جاء: نكَص فلانٌ على عَقِبِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن

стр. 11499

مجاهدٍ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾. قال: تَستأخرون. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾. يقولُ: تُدْبِرون (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾: يعنى أهلَ مكةَ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تَنْكِصُونَ﴾. قال: تَستأْخِرون (٢). وقولُه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. يقولُ: مستكبرين بحَرَمِ اللَّهِ، يقولون: لا يَظهرُ علينا فيه أحدٌ؛ لأنا (٣) أهلُ الحَرَمِ. وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. يقولُ: مستكبِرين بحَرَمِ البيتِ: إنه لا يَظهرُ علينا فيه أحدٌ (٤).

стр. 11500

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: بمكةَ بالبلدِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: مستكبرين بحَرَمى (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن: جبيرٍ في قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾: بالحرمِ (٣). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: مستكبِرين بالحرمِ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَهُ (٤). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: بالحرمِ (٥). وقولُه: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: تَسْمُرون بالليل.

стр. 11501

ووحَّدَ قولَه: ﴿سَامِرًا﴾. وهو بمعنى السُّمَّارِ؛ لأنَّه وُضِع موضعَ الوقتِ. ومعنى الكلامِ: تَهجُرون ليلًا. فوُضِع السامرُ موضعَ الليلِ، فوُحِّد لذلك. وقد كان بعضُ البصريين يقولُ (١): وُحِّد ومعناه الجمعُ، كما قيل: طفلٌ. في موضعِ أطفالٍ. ومما يُبينُ عن صحةِ ما قلْنا في أنه وُضِع موضعَ الوقتِ فوُحِّد لذلك - قولُ الشاعرِ (٢). مِنْ دُونِهم إن جَنْتَهُمْ سَمَرًا … عَزْفُ القِيانِ وَمَجْلسٌ غَمْرُ فقال: سَمَرًا؛ لأن معناه: إن جئتَهم ليلًا وهم يسمرون. وكذلك قولُه: وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: تَسْمُرون حولَ البيتِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:

стр. 11502

﴿سَامِرًا﴾. قال: مجلسًا بالليلِ (١). حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَامِرًا﴾. قال: مجالسَ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿سَامِرًا﴾. قال: تَشمُرون بالليلِ. حدَّثني يونسُ قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَامِرًا﴾. قال: كانوا يَسمُرون ليلتَهم ويَلعبون، يَتكلَّمون بالشعرِ والكهانةِ وبما لا يَدْرون. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سَامِرًا﴾. قال: يَعنى سَمَرَ الليلِ. وقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثنا به ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: سامرًا من أهلِ الحرمِ، آمنًا (٢) لا يخافُ، كانوا يقولون: نحنُ أهلُ الحرمِ. لا يَخافون. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: سامِرًا (٣) أهلَ الحرمِ (٤) أمنًا لا يخافون. قال: كانوا يقولون: نحن أهلُ الحرمِ لا نخافُ (٥). وقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءتِه؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ:

стр. 11503

تَهْجُرُونَ﴾. بفتحِ التاءِ وضمِّ الجيمِ (١). ولقراءةِ من قرأ ذلك كذلك وجهان من المعنى؛ أحدُهما، أن يكونَ عنى أنه وصفهم بالإعراض عن القرآن أو البيت أو رسول الله ورفضه. والآخرُ، أن يكونَ عنى أنهم يقولون شيئًا من القول، كما يَهجُرُ الرجلُ في منامِه، وذلك إذا هَذَى. فكأنه وصفهم بأنهم يقولون في القرآن ما لا معنى له من القول، وذلك أن يَقولوا فيه باطلًا من القولِ الذي لا يَضرُّه. وقد جاء بكلا القولينِ التأويلُ مِن أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال: كانوا يُعْرِضون عن ذكرِ اللَّهِ والحَقِّ وَيَهجُرُونَه حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: تَهْجُرُون ذكرَ اللَّهِ والحقَّ (٢). [حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ في قولهِ: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾. قال: السبُّ] (٣). ذكرُ مَن قال: كانوا يقولون الباطلَ والسيئَ من القولِ في القرآنِ حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: تَهجُرُون في الباطلِ (٤). قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ: ﴿سَامِرًا

стр. 11504

تَهْجُرُونَ﴾. قال: تَسْمُرون بالليلِ، تَخوضون في الباطلِ. حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: بالقولِ السيءِ في القرآنِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٌ مثلَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: الهَذْيانُ الذي يَتكلَّمُ بما لا يُريدُ ولا يَعْقِلُ، كالمريضِ الذي يتكلَّمُ بما لا يَدْرى (٢). قال: وكان أبي يقرؤُها: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (٣). وقرَأ ذلك آخرون: (سَامِرًا تُهْجِرُونَ). بضمِّ التاءِ وكسرِ الجيمِ. وممن قرأ ذلك كذلك من قرأةِ الأمصارِ: نافعُ (٤) بنُ أبي نعيمِ، بمعنى: تُفْحِشون في المنطقِ، وتَقولون الخَنَا. من قولِهم: أهْجَرَ الرجلُ، إذا أَفْحَشَ في القولِ. وذُكِر أنهم كانوا يَسُبُّون رسولَ اللهِ ﷺ . ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٌّ، عن ابن عباسٍ: (تُهْجِرُون). قال: تقولون هُجْرًا (٥).

стр. 11505

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، عن أبي نَهِيكِ، عن عِكْرِمَةَ أنه قرَأ: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾. أي: تَسُبُّون (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ (٢)، عن الحسنِ في قولِه: (سامرًا تُهْجِرُون): رسولى. حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: (تُهْجِرُون): رسولَ اللهِ ﷺ . حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: (تُهْجِرُون). قال: تقولون سوءًا" (٣). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: (تُهْجِرُون): كتابَ اللهِ ورسولَه (٤). حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (تُهْجِرُون). يقولُ: تقولون المنكرَ والخنا من القولِ، كذلك هُجْرُ القولِ. وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندنا القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ، وهى فتحُ التاءِ وضمُّ الجيمِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ

стр. 11506

الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفلم يَتدبَّر هؤلاء المشركون تنزيلَ اللهِ وكلامَه، فيَعلموا ما فيه من العبرِ، [ويَعْتَرِفوا بحُجَجِ] (١) اللَّهِ التي احتجَّ بها عليهم فيه؟ ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. يَقولُ: أم جاءهم أمرُ ما لم يأتِ مَن قبلَهم من أسلافِهم، فاستنكَروا (٢) ذلك وأعْرَضوا؟ فقد جاءتِ الرسلُ مَن قبلَهم، وأُنزلَتْ معهم الكتبُ. وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ﴿أَمْ﴾ في هذا الموضعِ بمعنى "بل"، فيكونُ تأويلُ الكلامِ: أفلم يدَّبَّروا القولَ؟ بل جاءهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولين، فتَركوا لذلك التدبرَ، وأعرَضوا عنه، إذ لم يكنْ في مَن سلَفَ من آبائِهم ذلك. وقد ذُكر عن ابن عباسٍ في ذلك نحوُ هذا القولِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: لعَمْرى، لقد جاءَهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولينَ، ولكن: أو لم يأتِهم ما لم يأتِ آباءَهم الأولينَ؟. وقولُه: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: [أم لم] (٣) يعرِفْ هؤلاءِ المكذِّبون محمدًا، وأنه من أهلِ الصدقِ والأمانةِ؟ ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. يقولُ: فيُنْكروا قولَه، إذ (٤) لم يعرفوه بالصدقِ، ويَحتجُّوا بأنهم لا يَعرفونه. يقولُ جلَّ

стр. 11507

ثناؤُه: فكيف يُكذِّبونَه وهم يَعرِفونه فيهم بالصدقِ والأمانةِ؟ ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. يقولُ: أيقولون: بمحمدٍ جنونٌ، فهو يتكلَّمُ بما لا معنَى له ولا يُفهم، ولا يَدْرِى ما يقولُ؟ ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن يقولوا ذلك، فإنَّ كَذِبَهم في قيلهم ذلك واضحٌ بيِّنٌ، وذلك أن المجنونَ يَهذِى فيأتى من الكلامِ بما لا معنى له، ولا يُعقلُ ولا يُفهمُ، والذي جاءهم به محمدٌ هو الحكمةُ التي لا أحْكَمَ منها، والحقُّ الذي لا تَخفى صحتُه على ذى فِطْرةٍ صحيحةٍ، فكيف يجوزُ أن يُقالَ: هو كلامُ مجنونٍ؟ وقولُه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاءِ الكفرةِ أنهم لم يَعرِفوا محمدًا بالصدقِ، ولا أن محمدًا عندهم مجنونٌ، بل قد علِموه صادقًا مُحِقًا فيما يقولُ وفيما يَدعوهم إليه، ولكنَّ أكثرَهم للإذعانِ للحقِّ كارهون، ولاتِّباع محمدٍ ساخطون؛ حَسدًا منهم له، وبَغْيًا عليه، واستكبارًا في الأرضِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ يقول تعالى ذكره: ولو عمِل (١) الربُّ تعالى ذكرُه بما يَهوى هؤلاءِ المشركون، وأجرَى التدبيرَ على مشيئتِهم وإرادتِهم، فترَك الحقَّ الذي هم له كارهون، لفسدتِ السماواتُ والأرضُ ومن فيهنَّ، وذلك أنهم لا يعرفون عواقبَ الأمورِ، والصحيحَ من التدبيرِ والفاسدَ، فلو كانتِ الأمورُ جاريةً على مشيئتِهم وأهوائِهم - مع إيثارِ أكثرِهم الباطلَ على الحقِّ - لم تَقِرَّ السماواتُ والأرضُ ومن فيهن مِن خلقِ اللهِ؛ لأن ذلك قامَ بالحقِّ.

стр. 11508

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا السديُّ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾. قال: اللَّهُ (١). قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾. قال: الحقُّ هو اللَّهُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾. قال: الحقُّ اللَّهُ (٢) وقولُه: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ "الذكرِ" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو بيانُ الحقِّ لهم بما أُنزِل على رجلٍ منهم من هذا القرآنِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. يقولُ: بيَّنا لهم (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل أتيناهم بشَرَفِهم؛ وذلك أن هذا القرآنَ كان

стр. 11509

شَرَفًا لهم؛ لأنه نزَل على رجلٍ منهم فأعرَضُوا عنه وكفَروا به. وقالوا: ذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وهذان القولانِ متقارِبا المعنى؛ وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه أنزلَ هذا القرآنَ بيانًا بين فيه ما لخلقه إليه الحاجةُ من أمر دينِهم، وهو مع ذلك ذِكْرٌ لرسولِ اللهِ وقومِه وشَرَفٌ لهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾. يقول تعالى ذكرُه: أم تسألُ هؤلاء المشركين يا محمدُ من قومِكَ (خراجًا) (١). يعنى: أجْرًا على ما جئتهم به من عندِ اللهِ من النصيحةِ والحقِّ، ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. يقولُ: فأجرُ ربِّكَ على نفاذِكَ لأمرِه، وابتغاءِ مرضاتِه خيرٌ لك من ذلك. ولم يسألْهم ﷺ على ما أتاهم به من عندِ اللهِ أجرًا، قال لهم كما قال اللهُ له، وأمَره بقيلِه لهم: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]. وإنما معنى الكلامِ: أم تسألُهم على ما جئتَهم به أجرًا، فيَنكُصُوا على أعقابِهم إذا تَلَوْتَه عليهم مُستكبرين بالحَرَمِ، فخراجُ ربِّكَ خيرٌ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. قال: أجرًا.

стр. 11510

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ مثلَه (١). وأصلُ الخراجِ والخَرْجِ مصدرانِ لا يُجْمعان. وقولُه: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. يقولُ: واللَّهُ خيرُ مَن أعطَى عِوَضًا على عَمَلٍ، ورزقَ رِزْقًا. وقولُه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنك يا محمدُ لتدْعو هؤلاءِ المشركين من قومِك إلى دينِ الإسلامِ، وهو الطريقُ القاصدُ، والصراطُ المستقيمُ الذي لا اعوجاجَ فيه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين لا يُصدِّقونَ بالبعثِ بعدَ المماتِ، وقيامِ الساعةِ، ومجازاةِ اللَّهِ عبادَه في الدارِ الآخِرةِ، ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. يقولُ: عن مَحَجَّةِ الحقَّ، وقصدِ السبيلِ، وذلك دينُ اللَّهِ الذي ارْتضاه لعبادِه، لعادِلون. يُقالُ منه: قد نكَب فلانٌ عن كذا، إذا عدَل عنه، ونَكَّب عنه، أي: عَدَل عنه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاء الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. قال: لعادِلون.

стр. 11511

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. يقولُ: عن الحقِّ عادِلون (١). وقولُه: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾. يقولُ تعالى: ولو رحِمْنا هؤلاءِ الذين لا يؤمنون بالآخرةِ، ورفعنا عنهم ما بهم من القَحْطِ والجَدَبِ، وضُرِّ الجوعِ والهزالِ، ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾. يعنى: في عُتُوِّهم، وجرأتِهم على ربِّهم، ﴿يَعْمَهُونَ﴾. يعنى: يتردَّدون. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾. قال: الجوعُ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾. يقولُ تعالَى ذِكرُه: ولقد أخَذْنا هؤلاء المشركين بعذابِنا، وأنزَلْنا بهم بأسَنا وسَخَطَنا، وضيَّقْنا عليهم معايشَهم، وأجدَبْنا بلادَهم، وقتلْنا سراتَهم بالسيفِ، ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾. يقولُ: فما خَضَعوا لربِّهم، فينقادوا لأمرِه ونهيهِ، ويُنيبُوا إلى طاعتِه، ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾. يقولُ: وما يَتذلَّلون له. وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ على رسولِ اللهِ ﷺ حينَ أخذ اللهُ قريشًا بِسِنى الجدبِ، إذ دعَا عليهم رسولُ اللهِ ﷺ

стр. 11512

ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن الحسينِ (١)، عن يزيد، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء أبو سفيانَ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا محمدُ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ والرحِمَ، فقد أكلْنا العِلْهِزَ (٢)، يعنى الوبرَ والدمَ. فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، عن عِلباءَ بن أحمرَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن ابنَ أُثالٍ الحنفيِّ لما أتَى النبيَّ ﷺ وهو أسيرٌ، فخَلَّى سبيلَه، فلَحِقَ بمكةَ، فحالَ بينَ أهلِ مكةَ وبينَ الميرةِ (٤) من اليمامةِ، حتى أكلَتْ قريشٌ العِلْهِزَ، فجاء أبو سفيانَ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: أليسَ تزعُمُ أَنكَ بُعِثتَ رحمةً للعالمين؟ فقال: "بَلى". فقال: قد قتلْتَ الآباءَ بالسيفِ، والأبناءَ بالجوعِ. فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ الآية (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: أخبرنا عمرٌو، قال: قال الحسنُ: إذا أصابَ الناسَ من قبلِ السلطانِ (٦) بلاءٌ، فإنما هي نِقْمةٌ، فلا تستقبِلُوا

стр. 11513

نقمة الله بالحَمِيَّةِ، ولكن استقبِلوها بالاستغفارِ، وتضرَّعوا إلى اللهِ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾. قال: الجوعُ والجدبُ، ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾. فصبَروا وما استكانُوا لربِّهم، ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: حتى إذا فتَحْنا عليهم بابَ القتالِ، فقُتِلوا يومَ بدرٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: قد مضَى، كان يومَ بدرٍ (٣). حدَّثنا ابن (٤) المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿حَتَّى

стр. 11514

إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال: يومَ بدرٍ (١). وقال آخرون: معناه: حتى إذا فتَحْنا عليهم بابَ المجاعةِ والضرِّ، وهو البابُ ذو العذابِ الشديدِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال: لكفارِ قريشٍ الجوعُ، وما قبلَها من القصةِ لهم أيضًا (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: وما قبلها أيضًا. وهذا القولُ الذي قالَه مجاهدٌ أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لصحةِ الخبرِ الذي ذكَرْناه قبلُ عن ابن عباسٍ، أن هذه الآيةَ نَزَلَتْ على رسولِ اللهِ ﷺ في قصةِ المجاعةِ التي أصابَتْ قريشًا بدعاءِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأمر ثمامةَ بن أُثالٍ، وذلك لا شكَّ أنه كان بعدَ وقعةِ بدرٍ. وقولُه: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. يقولُ: إذا هؤلاء المشركون فيما فتحْنا عليهم من العذابِ حَزْنَى، نادِمون على ما سلَف منهم في تكذيبِهم بآياتِ اللهِ، في حين لا ينفعُهم الندمُ والحزنُ.

стр. 11515

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي أحدَث لكم أيُّها المكذِّبون بالبعثِ بعدَ المماتِ، السمعَ الذي تسمَعون بهِ، والأبصارَ التي تُبصِرون بها، والأفئدةَ التي تفقهُون بها، فكيف يتعذَّرُ على من أنشَأ ذلك ابتداءً إعادتُه بعدَ عدَمِه وفقْدِه، وهو الذي يوجِدُ ذلك كلَّه إذا شاء، ويُفنيه إذا أراد ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: تشكُرون أَيُّهَا المكذِّبون خبرَ اللهِ من إعطائكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ، قليلًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه: واللهُ الذي خلَقكم في الأرضِ، وإليه تُحشَرُون من بعدِ مماتِكم، يومَ (١) تُبعثون من قبورِكم إلى موقفِ الحسابِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي يُحيى خلقَه. يقولُ: يجعَلُهم أحياءً بعدَ أن كانوا نُطَفًا أمواتًا، بنفخِ الروحِ فيها بعدَ التاراتِ التي تأتي عليها. ﴿وَيُمِيتُ﴾. يقولُ: ويُميتُهم بعد أن أحياهم، ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. يقولُ: وهو الذي جعَل الليلَ والنهارَ مختلفين. كما يُقالُ في الكلامِ: لك المنُّ والفضلُ. بمعنى: إنك تَمُنُّ وتُفْضِلُ. وقولُه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. يقول: أفلا تعقِلون أيُّها الناسُ أن الذي فعَل هذه

стр. 11516

الأفعالَ ابتداءً من غيرِ أصلٍ، لا يمتنِعُ عليه إحياءُ الأمواتِ بعدَ فنائهم، وإنشاءُ ما شاءَ وإعدامُه بعدَ إنشائِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما اعتَبرَ هؤلاء المشركون بآياتِ اللهِ، ولا تَدَبَّروا ما احتجَّ عليهم من الحججِ والدلالةِ على قدرتِه، على فعلِ كلِّ ما شاء، ولكنْ قالوا مثلَ ما قال أسلافُهم، من الأممِ المكذِّبةِ رسلَها قبلَهم. ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾. يقولُ: أئذا مِتنا، وعُدْنا ترابًا، قد بَليت أجسامُنا، وبرِأت عظامُنا من لحومِنا، ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. يقولُ: إِنَّا لمبعوثونَ من قبورِنا أحياءً، كهيئتِنا قبلَ المماتِ! إِنَّ هذا لشيءٌ غيرُ كائنٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: لقد وُعِدنا هذا الوعدَ الذي تعِدُنا يا محمدُ، ووعَد آباءَنا من قبلِنا قومٌ ذكَروا أنهم للهِ رسلٌ من قبلِك (١)، فلم نرَه حقيقةً، ﴿إِنْ هَذَا﴾. يقولُ: ما هذا الذي تعِدُنا من البعثِ بعدَ المماتِ، ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: ما سطَّره الأوّلون في كتبِهم؛ من الأحاديثِ والأخبارِ التي لا صحةَ لها ولا حقيقةَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾.

стр. 11517

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء المكذّبين بالآخرةِ من قومِك: لمن مُلكُ الأرضِ ومَن فيها من الخلْقِ، إن كنتم تَعْلَمون مَنْ مالكُها؟. ثم أعلَمَه أنهم سيُقرّون بأنها لله ملكًا، دون سائرِ الأشياءِ غيرِه. ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: فقلْ لهم إذا أجابوكَ بذلك كذلك: أفلا تذكَّرون فتعلَموا (١) أنَّ مَن قدَر على خلْقٍ ذلك ابتداءً، فهو قادرٌ على إحيائِهم بعدَ مماتِهم، وإعادتِهم خلْقًا سويًّا بعدَ فنائِهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ : قلْ لهم يا محمدُ: من ربُّ السماواتِ السبعِ، وربُّ العرشِ المحيطِ بذلك؟ سيقولون: ذلك كلُّه للهِ، وهو ربُّه (٢). فقلْ لهم: أفلا تتقونَ عقابه على كفرِكم به، وتكذيبِكم خبرَه وخبرَ رسولِه؟ وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ والشامِ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾. سوى أبي عمرٍو، فإنه خالَفهم؛ فقرأه: (سَيَقُولُونَ اللهُ) (٣). في هذا الموضعِ، وفي الآخرِ الذي بعدَه؛ اتَّباعًا لخطِّ المصحفِ، فإنّ ذلك كذلك في مصاحفِ الأمصارِ، إلَّا في مصحفِ أهلِ البصرةِ، فإنه في الموضعينِ بالألفِ (٤)، فقرءوا بالألفِ كلَّها؛ اتباعًا لخطِّ مصحفِهم. فأما الذين قَرءوه بالألفِ فلا مُؤْنةَ في قراءتِهم ذلك كذلك؛ لأنهم أجرَوا (٥) الجوابَ على الابتداءِ، وردّوا مرفوعًا على مرفوعٍ؛ وذلك أن معنى الكلامِ

стр. 11518

على قراءتِهم: قلْ من ربُّ السماواتِ السبعِ وربُّ العرشِ العظيمِ؟ سيقولون: ربُّ ذلك اللهُ. فلا مؤنةَ في قراءةِ ذلك كذلك. وأمَّا الذين قَرءوا ذلك في هذا وفى الذي يليهِ بغيرِ ألفٍ، فإنَّهم قالوا: معنى قولِه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾: لمن السماواتُ (١)، لمن مُلكُ ذلك؟ فجعَلَ الجوابَ على المعنى، فقيل: (اللهُ). لأن المسألةَ عن مُلكِ ذلك لمن هو. قالوا: وذلك نظيرُ قولِ قائلٍ لرجلٍ: من مولاك؟ فيجيبُ المجيبُ عن معنى ما سُئل (٢)، فيقولُ: أنا لفلانٍ. لأنَّه مفهومٌ بذلك من الجوابِ ما هو مفهومٌ بقولِه: مولاى فلانٌ. وكان بعضُهم يَذكُرُ أَنَّ بعضَ بني عامرٍ أنشَده (٣): وأَعْلَمُ أَنَّنِي سأكُونُ رَمْسًا … إذَا سارَ النَّوَاعِجُ (٤) لا يَسِيرُ فقال السَّائِلُونَ (٥) لِمَنْ حَفَرْتُمْ … فقال المُخْبِرُونَ لَهُمْ وَزِيرُ فأجابَ المخفوضَ بمرفوعٍ؛ لأنَّ معْنى الكلامِ: فقال السائلونَ: من الميتُ؟ فقال المخبرون: الميتُ وزيرٌ. فأجابوا عن المعنى دون اللفظِ. والصوابُ من القراءةِ في ذلك أنهما قراءتانِ، قد قرَأَ بهما علماءُ من القرأةِ، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أني مع ذلك أختارُ قراءةَ جميعِ ذلك بغيرِ ألفٍ؛ لاجتماعِ خطوطِ مصاحفِ الأمصارِ على ذلك، سوى خطِّ مصحفِ أهل البصرةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ

стр. 11519

يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ: من بيدِه خزائن كلِّ شيءٍ؟ كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: خزائنُ كلِّ شيءٍ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، [عن ابن جريجٍ] (٢)، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: خزائن كلِّ شيءٍ. وقولُه: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾. [يقولُ: وهو يجيرُ] (٣) من أرادَ ممن قصَده بسوءٍ، ﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ولا أحدَ يمنعُ (٤) مَن (٥) أرادَه هو بسوءٍ، فيدفعَ عنه عذابَه وعقابَه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مَن ذلك صفتُه. فإنَّهم سيقولون: إن ملكوتَ كلِّ شيءٍ، والقدرةَ على الأشياءِ كلِّها للهِ. فقلْ لهم يا محمدُ: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. يقولُ (٦): فمن أيِّ وجهٍ تُصْرَفونَ عن التصديقِ بآياتِ اللهِ، والإقرارِ بأخبارِه وأخبارِ رسولِه، والإيمانِ بأنَّ الله القادرُ على كلِّ ما يشاءُ، وعلى بعثِكم أحياءً

стр. 11520

بعد مماتِكم، مع علمِكم بما تقولونَ من عظيمِ سلطانِه وقدرتِه. وكان ابن عباسٍ فيما ذُكِر عنه يقولُ في معنى قولِه: ﴿تُسْحَرُونَ﴾ ما حدَّثني به عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. يقولُ: تكذِّبون (١). وقد بيَّنتُ فيما مضَى "السِّحْرَ"، وأنَّه تخييلُ الشيءِ إلى الناظرِ أنَّه على خلافِ ما هو به من هيئتِه (٢)، فذلك معنى قولِه: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. إنما معناه: فمن أيِّ وجهٍ يُخَيَّلُ إليكم الكذبُ حقًّا، والفاسدُ صحيحًا، فتُصرَفونَ عن الإقرارِ بالحقِّ الذي يدعوكم إليه رسولُنا محمدٌ ﷺ ؟ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾. يقولُ: ما الأمرُ كما يزعُمُ هؤلاء المشركون باللهِ؛ من أَنَّ الملائكةَ بناتُ اللهِ، وأنَّ الآلهة والأصنامَ لهم إلهٌ (٣) دونَ اللهِ، ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾: اليقينِ، وهو الدينُ الذي ابتعثَ اللهُ به نبيَّه ﷺ ، وذلك الإسلام، ولا يُعْبَدُ شَيءٌ سوى اللهِ؛ لأنَّه لا إِلَهَ غيرُه، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. يقولُ: وإنَّ المشركين لكاذبون فيما يُضيفون إلى اللهِ، ويَنْحُلُونه من الولدِ والشريكِ. وقولُه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما للهِ من ولدٍ، ولا كانَ معه في القديمِ، ولا حينَ ابتدَعَ الأشياءَ، [مَنْ تصلُحُ] (٤) عبادتُه، ولو كانَ معه
следующие страницы →