← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 11446–11485 · переход к 11451.

стр. 11446

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾. قال: الطَّرائق السماوات (١). وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. يقول: وما كنا في خَلْقِنا السماواتِ السبعَ فوقكم عن خَلْقِنا الذى تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تَسْقُطَ عليهم فتهلكهم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾. يقول تعالى ذكره: وأَنزَلْنا من السماء ما في الأرض من ماء، فأسكناه فيها. كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾: ماءً هو من السماء. وقولُه: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكنَّاه في الأرضِ لقادِرون أن نَذهَبَ به، فتَهْلِكُوا أَيُّها الناسُ عَطَشًا، وتَخْرَبَ أرَضُوكم، فلا تُنبت زرعًا ولا غَرْسًا، وتَهْلِكَ مَواشِيكم. يقولُ: فمن نعمتى عليكم تَركي ذلك لكم في الأرض جاريًا. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾. يقول تعالى ذكره: فأَحْدَثْنا لكم بالماء الذى أنزلناه من السماء بساتين من نخيلٍ

стр. 11447

وأعناب، ﴿لَّكُم فِيهَا﴾. يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. يقول: ومن الفواكه تأكلون. وقد يجوز أن تكون الهاء والألفُ مِن ذكرِ "الجناتِ"، ويَحتَمِلُ أن تكون من ذكر "النخيل" و "الأعنابِ". وخَصَّ جل ثناؤه الجناتِ التي ذكرها في هذا الموضعِ، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب، دونَ وصفها بسائرِ ثمار الأرضِ؛ لأن هذين النوعين من الثمار كانا هما عُظْمَ (١) ثمار الحجاز وما قَرُبَ منها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذَكَّرَ القومَ بما يَعْرِفون مِن نِعمه عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾. يقول تعالى ذكره: وأنشأنا لكم أيضًا شجرةً تَخْرُجُ من طُورِ سَيْناءَ. و ﴿شَجَرَةً﴾ منصوبةٌ عطفا على "الجناتِ"، ويعنى بها شجرة الزيتون. وقوله: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. يقولُ: تَخْرُجُ من جبلٍ يُنْبِتُ الأشجارَ. وقد بيَّنتُ معنى "الطورِ" فيما مضَى بشواهده، واختلاف المختلفين فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (٢). وأما قولُه: ﴿سَيْنَاءَ﴾. فإن القَرَأةَ اختَلَفت في قراءته؛ فقَرَأتْه عامة قرَأةِ المدينة والبصرة: (سِيناءَ). بكسر السين. وقرَأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ الكوفة: ﴿سَيْنَاءَ﴾. بفتح السين، وهما جميعًا مُجمعون على مدِّها (٣).

стр. 11448

والصوابُ من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتهما قرأ القارى فمصيبٌ. واختلف أهل التأويل في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: المبارَك. كأن معنى الكلامِ عنده: وشجرةً تَخْرُجُ من جبلٍ مباركٍ. ذكر من قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: المبارَكُ (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: هو جبلٌ بالشامِ مباركٌ (٢). وقال آخرون: معناه: حسنٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ في قوله:

стр. 11449

﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: جبلٌ حسنٌ (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أَخبرنا عُبَيْدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. الطور: الجبل بالنبطية، وسيناءُ: حسنةٌ بالنَّبَطيةِ (٢). وقال آخرون: هو اسم جبل معروف. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: الجبل الذي نُودِى منه موسى ﷺ (٣). حدَّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾. قال: هو جبل الطور الذى بالشامِ، جبل بيت (٤) المقدس. قال: ممدودٌ هو بينَ مصرَ وبين أَيْلَةَ (٥). وقال آخرون: معناه أنه جبلٌ ذو شجرٍ.

стр. 11450

ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عمن قاله (١). والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن سيناءَ اسمٌ أُضِيف إليه الطُّورُ، يُعْرَفُ به، كما قيل: جَبَلا طَيِّئ. فأُضِيفا إلى طَيِّئٍ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال: معناه: جبلٌ مبارَكٌ. أو كما قال من قال: معناه: حسنٌ. لكان الطور منوَّنًا، وكان قوله: ﴿سَيْنَاءَ﴾ من نَعْتِه. على أن سيناء بمعنى مباركٍ وحسنٍ غير معروف في كلام العرب، فيُجْعَل ذلك من نعتِ الجبلِ. ولكنَّ القول في ذلك -إن شاء الله- كما قال ابن عباسٍ، من أنه جبلٌ عُرِف بذلك، وأنَّه الجبل الذي نُودِى منه موسى ﷺ ، وهو مع ذلك مباركٌ، لا (٢) أن معنى سيناء معنى مباركٍ. وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿تَنْبُتُ﴾؛ فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿تَنبُتُ﴾ بفتح التاء (٣)، بمعنى: تَنْبُتُ هذه الشجرة بثمرِ الدُّهْنِ. وقرأه بعضُ قَرَأةِ البَصْرةِ: (تُنْبِتُ بالدُّهنِ) بضمِّ التاء (٤)، بمعنى: تُنْبِتُ الدُّهْنَ؛ تُخْرِجُه. وذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ: (تُخْرِجُ الدُّهْنَ) (٥). وقالوا: الباء في هذا الموضع زائدةٌ، كما قيل: أَخَذْتُ ثوبَه، وأَخَذتُ بثوبِه. وكما قال الراجز (٦):

стр. 11451

نحن بنو جَعْدَةَ أربابُ الفَلَجْ (١) نَضْرِبُ بالبِيضِ (٢) ونَرْجُو بالفَرَجْ بمعنى: ونَرْجُو الفرجَ. والقولُ عندى في ذلك أنهما لغتان: نبَت وأَنْبَت. ومِن "أَنْبَت" قولُ زُهَيرٍ (٣): رأيتَ ذَوِى الحاجاتِ حولَ بُيُوتِهِمْ … قَطِينًا (٤) لهم حتى إذا أنْبَتَ البَقْلُ ويُرْوَى: نَبَتَ. وهو كقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾. و: (فاسْرِ) [هود: ٨١]. غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءةَ التى لا أختارُ غيرَها في ذلك، قراءةُ من قرأ: ﴿تَنبُتُ﴾ بفتح التاء؛ لإجماع الحجة من القرأة عليها. ومعنى ذلك: تَنْبُتُ هذه الشجرةُ بثمر الدُّهْنِ. كما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾. قال: تُثْمِرُ (٥). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهد مثله.

стр. 11452

والدُّهنُ الذى هو من ثمره الزيتُ. كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ عباس قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾. يقولُ: هو الزيتُ يُؤكلُ ويُدَّهَنُ به (١). وقولُه: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾. يقولُ: تَنْبُتُ بالدُّهْنِ وبصِبْغٍ للآكِلين، يُصْطَبَعُ بالزيت الذى يأكلونه. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾. قال: هذه (٢) الزيتونُ صِبْغٌ للآكلين، يَأْتَدمون به، ويَصْطبِغون به (٣). قال أبو جعفر: فـ "الصِّبْغُ" عطفٌ على "الدُّهْنِ". القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تَعْتَبِرُون بها، فتَعْرِفون بها أَيادِىَ الله عندكم، وقدرته على ما يشاءُ، وأنَّه الذى لا يَمتَنِعُ عليه شيءٌ أَراده، ولا يُعْجِرُه شيءٌ شاءه، ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من اللبنِ الخارجِ من بينِ الفَرْثِ والدم، ﴿وَلَكُمْ﴾ مع ذلك ﴿فِيهَا﴾. يَعنى: في الأنعام، ﴿مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾. وذلك كالإبل التي يُحْمَلُ عليها، ويُرْكَبُ ظهرُها، ويُشْرَبُ دَرُّها، ﴿وَمِنهَا تَأْكُلُونَ﴾. يعنى من لحومها تأكلون. وقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. يقولُ: وعلى الأنعامِ وعلى السفنِ

стр. 11453

تُحْمَلون؛ على هذه في البر، وعلى هذه في البحرِ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾؛ داعيَهم إلى طاعتِنا وتوحيدِنا، والبراءة من كلِّ معبود سوانا، ﴿فَقَالَ﴾ لهم نوحٌ: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: قال لهم: ذِلُّوا يا قوم لله بالطاعةِ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. يقولُ: ما لكم من معبود يجوزُ لكم أن تعبدوه غيرُه، ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. يقولُ: أفلا تخشَوْن بعبادتكم غيره عقابَه أن يَحِلَّ بكم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾. يقولُ تعالى ذكره: فقالت جماعةُ أشرافِ قوم نوح الذين جحدوا توحيد الله وكذَّبوه، لقومهم: ما نوحٌ أيها القومُ إلا بشرٌ مثلكم، إنما هو إنسانٌ مثلكم، وكبعضِكم، ﴿يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: يريد أن يَصير له الفضلُ عليكم، فيكون متبوعًا وأنتم له تبعٌ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً﴾. [يقولُ: ولو شاء الله ألا نعبد شيئًا سواه، ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾. يقولُ: لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوحٌ ملائكةً] (١) تؤدِّى إليكم رسالته. وقولُه: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا [فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾. يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل الملأِ من قومِ نوحٍ: ما سَمِعْنا بهذا] (٢) الذى يدعونا إليه نوحٌ مِن أنه لا إلهَ لنا

стр. 11454

غيرُ اللهِ في القرونِ الماضيةِ، وهى آباؤهم الأوّلون. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه (١) مخبرًا عن قِيلِ الملإِ الذين كفَروا من قومِ نوحٍ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾: ما نوحٌ إلَّا رجلٌ به جنونٌ. وقد يقالُ أيضًا للجنِّ: جِنَّةٌ. فيتفقُ الاسمُ والمصدرُ. و ﴿هُوَ﴾ من قولِه: ﴿إِنْ هُوَ﴾ كنايةُ اسمِ نوحٍ. وقولُه: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ يقولُ: فتَلَبَّثُوا به وتَنظَّرُوا به، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. يقولُ: إلى وقتٍ ما. ولم يَعْنُوا بذلك وقتًا معلومًا، إنما هو كقولِ القائلِ: دعْه إلى يومٍ ما، أو: إلى وقتٍ ما. وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. يقولُ: قال نوحٌ داعيًا ربَّه، مستنصِرًا به على قومِه، لما طال أمرُه وأمرُهم، وتمادَوا في غيِّهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ على قومى ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾. يعنى: بتكذيبِهم إيايَ فيما أبلَغتُهم من رسالتِك، ودعوتُهم إليه من توحيدِك. وقولُه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. يقولُ: فقلنا له حين استنصَرَنَا على كَفَرِة قومِه: ﴿اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾، وهي السفينةُ، ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾. يقولُ: بمرْأًى منا ومنظرٍ، ﴿وَوَحْيِنَا﴾. يقولُ: وبتعليمِنا إياك صَنَعْتَها، ﴿فَإِذَا

стр. 11455

جَاءَ أَمْرُنَا﴾. يقولُ: فإذا جاء قضاؤنا في قومِك، بعذابِهم وهلاكِهم، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ -وقد ذكَرنا فيما مضَى اختلافَ المختلفِين فى صفةِ فور التنورِ، والصوابَ عندنا من القول فيه بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (١) - ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ: فأدخِلْ في الفلكِ واحمِلْ. والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾. من ذكرِ الفلكِ، ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. يقالُ: سَلكْتُه فى كذا وأسلكتُه فيه. ومن "سلكتُه" قولُ الشاعرِ (٢): وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرّدْ … وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ وبعضُهم يقولُ: أسلكتُ. بالألفِ، ومنه قولُ الهُذَليِّ (٣): حتى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتائِدَةٍ … شَلًّا كمَا تَطْرُدُ (٤) الجَمَّالَةُ (٥) الشُّرُدَا (٦) وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ (٧) ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾. يقولُ لنوحٍ: اجعلْ في السفينةِ مِن كلٍّ زوجين اثنين (٨).

стр. 11456

﴿وَأَهْلَكَ﴾. وهم ولدُه ونساؤه (١)، ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من اللهِ بأنه هالكٌ فى من يَهْلِكُ من قومِك فلا تَحمِلْه معك، وهو يامٌ الذى غرِق. ويعنى بقولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾: من أهلِك. والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾ من ذكرِ الأهلِ. وقولُه: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ الآية. يقولُ: ولا تسأَلْني في الذين كفروا باللهِ أن أُنجيَهم، ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. يقولُ: فإني قد حَتَمتُ عليهم أن أُغرِقَ جميعَهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾. يعنى تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾: فإذا اعتدَلتَ في السفينةِ أنت ومن معك، ممن حملتَه معك من أهلِك؛ راكبًا فيها، عاليًا (٢) فوقَها، ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى نَجَنَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: من المشركين. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه نوحٍ ﵇: وقل إذا سلَّمك اللهُ وأخرجَك من الفلكِ، فنزلتَ عنها: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا﴾ [من الأرضِ] (٣)، ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾. [وأنت خيرُ] (٤) من أنزَل عبادَه المنازلَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 11457

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾. قال: لنوحٍ حينَ نزَلَ من السفينةِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ (٢) قرأةِ الأمصارِ: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا﴾ بضمِّ الميمِ وفتحِ الزايِ، بمعنى: أنزلْنى إنزالًا مباركًا. وقرَأهُ عاصمٌ: (مَنْزِلًا) بفتحِ الميمِ وكسرِ الزايِ (٣)، بمعنى: أنزلْنى مكانًا مباركًا وموضعًا. وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ فيما فعلنا بقومِ نوحٍ يا محمدُ؛ من إهلاكِناهم إذ كذَّبوا رسولَنا (٤)، وجحَدوا وحدانيتَنا، وعبَدوا الآلهةَ والأصنامَ - لعبرًا لقومك من مشركي قريشٍ، وعظاتٍ وحُجَجًا لنا عليهم (٥)؛ يَستدِلُّون بها على سنتِنا في أمثالِهم، فينزَجروا عن كفرِهم، ويرتدِعوا عن تكذيبِك؛ حذرًا (٦) أَنْ يصيبَهم مثلُ الذى أصابَهم من العذابِ.

стр. 11458

وقولُه: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وكنا مختبِريهم بتذكيرِنا إياهم بآياتِنا؛ لينظُروا (١) ما هم عاملون قبلَ نزولِ عقوبتِنا بهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أحدَثْنا من بعدِ مَهْلِكِ (٢) قومِ نوحٍ، قرنًا آخرين، فأوجدناهم. ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾؛ داعيًا لهم، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يا قومِ، وأطيعوه دونَ الآلهةِ والأصنامِ؛ فإنَّ العبادةَ لا تنبغى إِلَّا له، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. يقولُ: ما لكم من معبودٍ يصلُحُ أنْ تعبُدوه (٣) سِواه، ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أفلا تخافون عقابَ اللهِ، بعبادتِكم شيئًا دونَه، وهو الإلهُ الذى لا إلهَ لكم سِواه؟ القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وقالتِ الأشرافُ من قومِ الرسولِ الذى أرسَلْناه (٤) بعدَ نوحٍ. وعَنَى بالرسولِ فى هذا الموضعِ صالحًا، وبقومِه ثمودَ، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: الذين جحَدوا توحيدَ اللهِ، ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾. يعني: كذَّبوا بلقاءِ اللهِ في الآخرةِ. وقولُه: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: ونعَّمناهم في حياتِهم الدنيا،

стр. 11459

بما وسَّعنا عليهم من المعاشِ، وبسطنا لهم من الرزقِ، حتى بَطِروا وعَتَوْا على (١) ربِّهم وكفَروا، ومنه قولُ الراجزِ (٢). وقَدْ (٣) أُرَانى (٤) بالدّيارِ مُتْرَفا (٥) وقولُه: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. يقولُ: قالوا: بعَثَ اللهُ [صالحًا إلينا] (٦) رسولًا من بينِنا، وخصَّه بالرسالةِ دونَنا، وهو إنسانٌ مثلُنا؛ يأكلُ مما نأكلُ منه من الطعامِ، ويشربُ مما نشربُ، وكيف لم يرسِلْ ملكًا من عندِه يبلِّغُنا رسالتَه؟ قال: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٧)﴾. معناه: مما تشربون (٧) منه. فحُذف من الكلامِ ﴿مِنْهُ﴾؛ لأنَّ معنى الكلامِ: ويشربُ من شرابِكم، وذلك أنَّ العربَ تقولُ: شرِبتُ من شرابِك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه مخبِرًا عن قيلِ الملإِ من قومِ صالحٍ لقومِهم: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ (٨)﴾ فَاتَّبعتموه، وقبِلتم ما يقولُ وصدَّقتموه، ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها القومُ،

стр. 11460

﴿إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. يقولُ: قالوا: إنكم إذن لمغبونون حظوظَكم من الشرفِ والرفعةِ في الدنيا؛ باتباعِكم إياه. قولُه: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ الآية. يقولُ تعالى ذِكرُه: قالوا لهم: أيعدُكم صالحٌ ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا﴾ في قبورِكم، ﴿وَعِظَامًا﴾ قد ذهَبت لحومُ أجسادِكم، وتفتَّتت (١) عظامُها، ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ من قبورِكم أحياءً، كما كنتم قبلَ مماتِكم؟ وأُعيدَت ﴿أَنَّكُمْ﴾ مرّتين -والمعنى: أيعدُكم (٢) أنكم إذا مِتُّم وكنتم ترابًا وعظامًا، مخرجون. مرّةً واحدةً- لمّا فرّق بين ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى، وبينَ خبرِها (٣) بـ ﴿إِذَا﴾، وكذلك تفعلُ العربُ بكلِّ اسمٍ أوقَعت عليه الظنَّ وأخواتِه، ثم اعترَضَت بالجزاءِ دونَ خبرِه، فتُكرِّرُ اسمَه مرّةً، وتحذِفُه أُخرى، فتقولُ: أَظنُّ أَنكَ إِنْ جالسْتَنا أنك محسنٌ. فإنْ حذَفْت "أنك" الأولى أو الثانيةَ صَلَحَ، وإِنْ ثبَتا (٤) صَلَحَ، وإن لم يُعترَضْ بينَهما بشيءٍ لم يَجُزْ. خطأٌ أن يقالَ: أظنُّ أنك (٥) جالسٌ. وذُكِرَ أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (أَيَعِدُكم إِذَا مِتُّم وكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُخْرَجُونَ) (٦). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾.

стр. 11461

وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه عن قولِ الملإِ من ثمودَ، أَنَّهم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ (١)﴾. أى: بعيدٌ ما توعَدون أيها القومُ، من أنكم بعدَ موتِكم ومصيرِكم ترابًا وعظامًا، مخرجون أحياءً من قبورِكم. يقولون: ذلك غيرُ كائنٍ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾. يقولُ: بعيدٌ بعيدٌ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. قال: يعنى البعثَ (٣). والعربُ تُدخِلُ اللامَ معَ "هيهاتَ" فى الاسمِ الذى يصحبُها، وتنزِعُها منه، تقولُ: هيهاتَ لك هيهات (١)، وهيهاتَ ما ينبغى (٤) هيهاتَ (٥). وإذا أسقَطتَ اللامَ رفَعت الاسم بمعنى هيهاتَ، كأنه قال: بعيدٌ ما ينبغي لك. كما قال جريرٌ (٦):

стр. 11462

[فأيْهاتَ أَيْهَاتَ] (١) العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ … وأيْهاتَ (٢) وصلٌ (٣) بالعَقِيقِ تُوَاصِلُه (٤) كأنه قال: العقيقُ وأهلُه. وإنما أُدخلت اللامُ مع "هيهاتَ" فى الاسمِ؛ لأنهم قالوا: هيهاتَ (٥) أداةٌ غيرُ مأخوذَةٍ (٦) من فعلٍ. [فأدخلوا معها] (٧) في الاسمِ اللامَ، كما أدخَلوها معَ "هلُمَّ لك"، إذ لم تكنْ مأخوذةً من فعلٍ، فإذا قالوا: أَقْبلْ. لم يقولوا: لك. لاحتمالِ الفعلِ ضميرَ الاسمِ. واختَلفَ أهلُ العربيةِ فى كيفية الوقفِ على هيهاتَ؛ فكان الكسائيُّ يختارُ الوقوفَ فيها بالهاءِ؛ لأنها منصوبةٌ، وكان الفرّاءُ (٨) يختارُ الوقوفَ عليها بالتاءِ، ويقولُ: من العربِ من يخفضُ التاءَ، فدلَّ على أنها ليست بهاءِ التأنيثِ، فصارت بمنزلةِ: دَرَاكِ ونَظَارِ. وأما نصبُ التاءِ فيهما؛ فلأنهما أداتان، فصارتا بمنزلةِ خمسةَ عشَرَ. وكان الفراءُ (٨) يقولُ: إنْ قيلَ: إنَّ كلَّ واحدةٍ مستغنيةٌ بنفسِها يجوزُ الوقوفُ عليها، وإنَّ نصبها كنصبِ قولِه: ثُمَّتَ جلستُ، وبمنزلةِ قولِ الشاعرِ (٩): ماوِيَّ (١٠) يَا رُبَّتَما (١١) غارةٍ … شَعْوَاءَ (١٢) كاللَّذْعَةِ بالمِيسَمِ

стр. 11463

قال: فنصْبُ "هيهاتَ" بمنزلةِ هذه الهاءِ التى في "رُبت"؛ لأنها دخَلت على حرفٍ؛ على "رُبَّ"، وعلى "ثم"، وكانا أداتين، فلم تغيِّرْهما عن أداتِهما فنُصِبا. واختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته قرأةُ الأمصارِ غير أبي جعفرٍ: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بفتحِ التاءِ فيهما. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ: (هيهاتِ هيهاتِ) بكسر التاءِ فيهما (١). والفتحُ فيهما هو القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه. وقولُه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾. يقولُ: ما حياةٌ إلا حياتُنا الدنيا التي نحن فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾. يقولُ: تموتُ الأحياءُ منا فلا تحيا، ويَحدُثُ آخرون منا فيولدون أحياءً، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. يقولُ: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعدَ المماتِ. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢). قال: يقولُ: ليس آخرةٌ ولا بعثٌ؛ يكفرون بالبعثِ، [يقولون: إنما هى حياتُنا هذه، ثم نموتُ ولا نحيا؛ يموتُ هؤلاء ويحيا هؤلاء] (٣). يقولون: إنما الناسُ كالزرعِ، يُحصدُ هذا ويَنبُتُ هذا. يقولون: يموتُ هؤلاء ويأتى آخرون. وقرأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] وقرأ: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٤) [سبأ: ٣].

стр. 11464

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: قالوا: ما صالحٌ إلَّا رجلٌ اختَلقَ على اللهِ كذبًا في قولِه: ما لكم من إلهٍ [غيرُ اللهِ] (١). وفى وعدِه إياكم ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾. وقولُه: ﴿هُوَ﴾ من ذِكرِ الرسولِ، وهو صالحٌ، ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وما نحن له بمصدِّقين فيما يقولُ أنه لا إلهَ لنا غيرُ اللهِ، وفيما يعدُنا من البعثِ بعد المماتِ. وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. يقولُ: قال صالحٌ لما أيِسَ من إيمانِ قومِه باللهِ، ومن تصديقِهم إياه بقولِهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾: رَبِّ انصُرْني على هؤلاء ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾. يقولُ: بتكذيبِهم إياى فيما دعوتُهم إليه من الحقِّ. فاستغاثَ صلواتُ اللهِ عليه بربِّه من أذاهم إياه، وتكذيبِهم له، فقال اللهُ له مجيبًا في مسألتِه إياه ما سأل: عن قليلٍ يا صالحُ ليُصبِحَنّ مكذِّبوك من قومِك على تكذيبِهم إياك نادمين، وذلك حين تَنزِلُ بهم نقمتُنا فلا ينفَعُهم الندمُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: فانتقَمنا منهم، فأرسَلْنا عليهم الصيحةَ، فأخَذَتهم بالحقِّ. وذلك أنَّ الله عاقَبهم باستحقاقِهم العقابَ منه؛ بكفرِهم به، وتكذيبِهم رسولَه،

стр. 11465

﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾. يقولُ: فصيَّرناهم بمنزلةِ الغُثاءِ، وهو ما ارتفَعَ على السيلِ ونحوِه، كما لا يُنتفعُ به في شيءٍ، فإنما هذا مثَلٌ. والمعنى: فأهلَكناهم فجعَلناهم (١) كالشيءِ الذى لا منفعةَ فيه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: جُعِلوا كالشيءِ الميتِ البالى من الشجرِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿غُثَاءً﴾: كالرميمِ الهامدِ الذى يَحتملُ السيلَ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ (٤): ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾. قال: كالرميمِ الهامدِ الذي يَحتملُ السيلَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾، قال: هو الشيءُ البالي.

стр. 11466

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾. قال: هذا مثَلٌ ضَرَبه اللهُ (٢). وقولُه: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: فأبعَد اللهُ القومَ الكافرين بهلاكِهم؛ إذ كفروا بربِّهم، وعَصَوا رسلَه، وظلَموا أنفسَهم. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أولئك ثمودُ. يعنى قولَه: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أحدَثنا من بعدِ هلاكِ ثمودَ قومًا آخرين. وقولُه: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾. يقولُ: ما يتقدَّمُ هلاكُ أمةٍ من تلك الأممِ التي أنشأناها بعدَ ثمودَ، قبلَ الأجلِ الذى أجَّلْنا لهلاكِها، ولا يستأخِرُ هلاكُها عن الأجلِ الذى أجَّلْنا لهلاكِها، والوقتِ الذى وقَّتْنا لفنائِها، ولكنها تهلِكُ لمجيئه. وهذا وعيدٌ من اللهِ لمشركي قومِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ ، وإعلامٌ منه لهم أنَّ تأخيرَه (٤) في آجالِهم

стр. 11467

مع كفرِهم به وتكذيبِهم رسولَه، ليبلُغوا الأجلَ الذى أُجِّل لهم، فتَحِلَّ بهم نقمتُه، كسنتِه فى من قبلَهم من الأممِ السالفةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا﴾ إلى الأممِ التي أَنشَأْنا بعدَ ثمودَ، ﴿رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. يعنى: يتْبَعُ بعضُها بعضًا، وبعضُها فى أثرِ بعضٍ. وهى من المواترةِ، وهى اسمٌ لجمعٍ، مثلُ "شيءٍ"، لا يقالُ: [جاءني فلانٌ تتْرى. كما لا يقالُ] (١): جاءنى فلانٌ مواترةً. وهى تنوَّنُ، ولا تنوَّنُ وفيها الياءُ (٢)، فمن لم ينوِّنْها فهى (٣) "فَعْلَى" من: وتَرتُ، ومن قال: تَتْرًا. توَهَّم أنَّ الياءَ (٢) أصليةٌ، كما قيل: مِعْزَى بالياء،. ومَعْزًا، وبُهْمَى وبُهْمًا. ونحوُ ذلك، فأُجرِيت أحيانًا وتُرِك إجراؤها أحيانًا، فمن جعَلها "فَعْلَى" وقَف عليها، أشارَ إلى الكسرِ (٤)، ومَن جعَلها ألفَ إعرابٍ لم يُشِرْ؛ لأنَّ ألفَ الإعرابِ لا تكسرُ، لا يقالُ: رأيتُ يدى (٥). فيشارَ فيه إلى الكسرِ. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ

стр. 11468

قولَه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. يقولُ: يَتْبَعُ بعضُها بعضًا (١). حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى (٢)﴾. يقولُ: بعضُها على أثرِ بعضٍ. [حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال] (٣): ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿تَتْرَى﴾. قال: إتباعُ بعضِها (٤) بعضًا (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. قال: يتْبَعُ بعضُها بعضًا. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾. قال: بعضُهم على أثرِ بعضٍ، يتْبَعُ بعضُهم بعضًا (٦). واختلَفت قرأةُ الأمصارِ في قراءةِ ذلك؛ [فقرَأ ذلك بعضُ] (٧) قرأةِ أهلِ مكةَ، وبعضُ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهل البصرةِ: (تَتْرًا) بالتنوينِ (٨).

стр. 11469

وكان بعضُ أهلِ مكةَ، وبعضُ أهل المدينةِ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ يقرَءونه: ﴿تَتْرَى﴾ بإرسالِ الياءِ على مثالِ "فَعْلَى" (١). والقولُ في ذلك أنَّهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلامِ العربِ، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير أنِّى مع ذلك أختارُ القراءةَ بغيرِ تنوينٍ؛ لأنها أفصح اللغتين وأشهرُهما. وقولُه: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾. يقولُ: كلما جاء أمةً من تلك الأممِ التى أنشَأْناها بعدَ ثمودَ، رسولُها الذى نرسِلُه إليهم، كذَّبوه فيما جاءهم به من الحقِّ من عندِنا. وقولُه: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾. يقولُ: فأتبعْنا بعضَ تلك الأممِ بعضًا بالهلاكِ، فأهلَكْنا بعضَهم في أثرِ بعضٍ. وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾. [يقولُ: وجَعَلْنا تلك الأُمَمَ أحاديثَ] (٢) للناسِ ومثلًا يُتَحدّثُ بهم في الناسِ. و "الأحاديثُ" فى هذا الموضعِ جمعُ أُحدوثةٍ؛ لأنَّ المعنى ما وصفتُ من أنهم جُعلوا للناسِ مثلًا يُتحدَّثُ بهم. وقد يجوزُ أن يكونَ جمعَ حديثٍ. وإنما قيل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾؛ لأنهم جُعلوا حديثًا ومثلًا يُتمثَّلُ بهم في الشرِّ، ولا يقالُ فى الخيرِ: جعَلتُه حديثًا، ولا أُحدوثةً. وقولُه: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فأبعَد اللهُ قومًا لا يؤمنون باللهِ ولا يصدِّقون رسولَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ

стр. 11470

مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ثم أرسَلْنا بعدَ الرسلِ الذين وصَف صفتَهم قبلَ هذه الأُمةِ (١)، موسى وأخاه هارونَ، إلى فرعونَ وأشرافِ قومه من القبطِ، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يقولُ: بحججِنا، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن اتِّباعِها، والإيمانِ بما جاءاهم به من عندِ اللهِ، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾. يقولُ: وكانوا قومًا عالين على أهلِ ناحيتِهم، ومَن في بلادهِم من بني إسرائيلَ وغيرِهم بالظلمِ، قاهرين لهم. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾. قال: عَلَوا على رسلِهم، وعصَوا ربَّهم، ذلك علُوُّهم. وقرَأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] الآية (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: فقال فرعونُ وملؤُه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ فنتَّبعَهما، ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ من بنى إسرائيلَ، ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾. يعنون أنهم لهم مطيعون متذلِّلون، يأتمرون لأمرِهم، ويَدينون لهم. والعربُ تسمِّى كلَّ مَن دان لملِكٍ عابدًا له. ومن ذلك قيل لأهل الحيرةِ: العُبَّادُ. لأنهم كانوا أهلَ طاعةٍ لملوك العجمِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال فرعونُ:

стр. 11471

﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ الآية. نذهَبُ نرفعُهم فوقَنا، ونكونُ تحتَهم، ونحن اليومَ فوقَهم وهم تحتَنا، كيف نصنعُ ذلك؟ وذلك حينَ أتَوهم بالرسالةِ. وقرأ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]. قال: العلوُّ في الأرضِ. وقولُه: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾. يقولُ: فكذَّبَ فرعونُ وملؤُه موسى وهارونَ، فكانوا ممَّن أهلَكَهم اللهُ، كما أهلَك مَن قبلَهم من الأممِ بتكذيبِها رسلَها. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ولقد آتَينا موسى التوراةَ ليهتدِىَ بها قومُه من بني إسرائيلَ ويعمَلوا (١) بما فيها. ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً (٢)﴾. يقولُ: وجَعَلْنَا ابنَ مريمَ وأمَّه حجةً لنا على من كان بينَهم، وعلى قدرتِنا على إنشاءِ الأجسامِ من غيرِ أصلٍ، كما أَنشَأْنَا خَلْقَ عيسى من غيرِ أبٍ. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قَتادَة في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾. قال: ولدَته من غيرِ أبٍ هو له (٣). ولذلك وُحِّدتِ (٤) "الآيةُ" وقد ذكَرَ مريمَ وابنَها. وقولُه: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾. يقولُ: وضمَمناهما وصيَّرناهما إلى ربوةٍ.

стр. 11472

يقالُ: أوى فلانٌ إلى موضعِ كذا، فهو يأوى إليه. إذا صار إليه. وعلى مثال "أفعَله" (١) فهو يُؤْويه. وقولُه: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾. يعنى: إلى مكانٍ مرتفعٍ من الأرضِ على ما حولَه، ولذلك قيل للرجلِ يكونُ فى رفعةٍ من قومِه، [وعزٍّ وشرفٍ وعَددٍ: هو في ربوةٍ من قومِه] (٢). وفيها لغتان: ضمُّ الراءِ وكسرُها إذا أُريدَ بها الاسمُ، وإذا أُريدَ بها الفعلةُ من المصدرِ، قيل: رَبَا رَبُوةً. واختلف أهلُ التأويلِ فى المكانِ الذى وصفه اللهُ بهذه الصفةِ، وآوَى إليه مريمَ وابنَها؛ فقال بعضُهم: هو الرَّمْلةُ من فلسطينَ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: ثنا بشرُ بنُ رافعٍ، قال: ثنى ابنُ عمٍّ لأبي هريرةَ يقالُ له: أبو عبدِ اللهِ. قال: قال لنا أبو هريرةَ: الزَموا هذه الرَّملةَ من فلسطينَ؛ فإنها الربوةُ التى قال اللهُ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٣). حدَّثني عصامُ بن رَوّادِ بن الجراحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبَّادٌ أبو عتبةَ الخوَّاصُ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي عمرٍو السَّيبانيُّ (٤)، عن أبي (٥) وعْلةَ، عن كريبٍ،

стр. 11473

قال: ما أدرى ما حدَّثنا مُرّةُ البَهْزيُّ، أنه سمع رسولَ اللهِ ﷺ ذكَر أن الربوةَ هي الرَّملةُ (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن بشرِ بنِ رافعٍ، عن أبي عبدِ اللهِ ابنِ عمِّ أبى هريرةَ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. قال: هي الرَّملةُ من فلسطينَ (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا بشرُ بنُ رافعٍ، قال: ثني أبو عبدِ اللهِ ابنُ عمِّ أبى هريرةَ، قال: قال لنا أبو هريرةَ: الزَموا هذه الرَّملة التي بفلسطينَ؛ فإنها الربوةُ التى قال اللهُ: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. وقال آخرون: هى دمشقُ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ القرشيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. قال: زعَموا أنها دمشقُ (٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: بلَغنى عن ابنِ المسيبِ، أنه قال: دمشقُ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن يحيى بنِ

стр. 11474

سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ مثلَه (١). حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السهميُّ، قال: ثنا ابنُ بكيرٍ، قال: ثنا اللَّيثُ ابنُ سعدٍ (٢)، قال: ثنى عبدُ الله بنُ لهيعةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، [عن سعيدِ بنِ المسيبِ في قولِه] (٣): ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. قال: إلى ربوةٍ من رُبا مصرَ. قال: وليس الرُّبَا إلا فى مصرَ، والماءُ حين يُرسَلُ تكونُ الربَا عليها القرى، لولا الرُّبَا لغرِقت تلك القرى (٤). وقال آخرون: هى بيتُ المقدسِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: هو بيتُ المقدسِ (٥). قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان كعبٌ يقولُ: بيتُ المقدسِ أقربُ الأرضِ (٦) إلى السماءِ بثمانيةَ عَشَرَ مِيلًا. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن كعبٍ مثلَه (٧).

стр. 11475

وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ ذلك أنها مكانٌ مرتفعٌ ذو استواءٍ وماءٍ ظاهرٍ (١)، وليس كذلك صفةُ الرَّملةِ؛ لأنَّ الرَّملةَ لا ماءَ بها مَعِينٌ، واللهُ تعالى ذِكرُه وصَف هذه الربوةَ بأنها ذاتُ قرارٍ ومَعِينٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾. قال: الربوةُ المستويةُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾. قال: مستويةٌ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقولُه: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: من صفةِ الربوةِ التي آوينا إليها مريمَ وابنَها عيسى أنها أرضٌ منبسطةٌ، وساحةٌ، وذاتُ ماءٍ ظاهرٍ (٤) لغيرِ الباطنِ، جارٍ.

стр. 11476

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَعِينٍ﴾. قال: المَعِينُ الماءُ الجارى، وهو النهرُ الذى قال اللهُ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (١) [مريم: ٢٤]. حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: [أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. قال: المَعِينُ الماءُ حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال] (٢): ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَعِينٍ﴾ قال: ماءٌ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: [ثنا الحسينُ] (٢)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ فى قولِه: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. قال: المكانُ المستوِى، والمَعِينُ الماءُ الظاهرُ (٤).

стр. 11477

حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَعِينٍ﴾: هو الماءُ الظاهرُ (١). وقال آخرون: عنى بالقرارِ الثمارَ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾: هي ذاتُ ثمارٍ، وهى بيتُ المقدسِ. حدَّثنا الحسنُ (٢)، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣). قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذى قاله قتادةُ في معنى: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ وإن لم يكنْ أرَاد بقولِه: إنها إنما وُصِفت بأنها ذاتُ قرارٍ؛ لما فيها من (٤) الثمارِ، ومن أجلِ ذلك يستقرُّ فيها ساكنوها. فلا وجهَ له نعرفُه. وأما: ﴿وَمَعِينٍ﴾ فإنه مفعولٌ من: عِنْته فأنا أعينُه، وهو مَعِينٌ، وقد يجوزُ أن يكونَ فعيلًا من: مَعَن يمعَنُ، فهو مَعِينٌ من الماعون. ومنه قولُ عَبيد بنِ الأبرصِ (٥): وَاهِيَةٌ (٦) أو مَعِينٌ مُمْعِنٌ (٧) … أوْ هَضْبَةٌ (٨) دُونَها لُهُوبُ

стр. 11478

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وقلنا لعيسى: يأيُّها الرسلُ، كلوا من الحلالِ الذى طيَّبه اللهُ لكم دونَ الحرامِ، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. [يقولُ: اعمَلوا بما أمرَكم اللهُ به، وأطِيعوه في أمرِكم إياه ونهيِه لكم. وجمَع "الرسلَ" والخطابُ لواحدٍ، كما يقالُ] (١) في الكلام للرجلِ الواحدِ: أيها القومُ كُفُّوا عنَّا أذاكم. وكما قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وهو رجلٌ واحدٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني (٢) عبد الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنى عبيدُ بن إسحاقَ الضبيُّ العطارُ، عن حفصِ بنِ عمرَ الفزاريِّ، عن أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، عن عمرِو بن شرحبيلَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. قال: كان عيسى ابنُ مريمَ يأكلُ من غزلِ أُمِّه (٣). وقولُه: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إني بأعمالِكم ذو علمٍ، لا يَخْفَى عليّ منها شيءٌ، وأنا مجازيكم بجميعِها، وموفِّيكم أجورَكم وثوابَكم عليها، فخُذوا من صالحاتِ الأعمالِ واجتهِدوا.

стр. 11479

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾. اختلفتِ القرأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (وأنَّ). بالفتحِ (١)، بمعنى: إنى بما تَعملون عليمٌ، وأنَّ هذه أمَّتُكم أمةً واحدةً. فعلى هذا التأويلِ "أنَّ" في موضعِ خفضٍ، عُطف بها على "ما" من قولِه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. وقد يحتِملُ أن تكونَ في موضعِ نصبٍ إذا قرِئَ ذلك كذلك. ويكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: واعلموا أنَّ هذه. ويكونُ نصبُها بفعلٍ مضمرٍ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين بالكسرِ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾ (٢). على الاستئنافِ. والكسرُ في ذلك عندى على الابتداءِ هو الصوابُ؛ لأنّ الخبرَ من اللهِ عن قيلِه لعيسى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾. مبتدأٌ، فقولُه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾. مردودٌ عليه عَطفًا به عليه، فكان معنى الكلامِ: وقلنا لعيسى: يأيُّها الرسلُ كُلُوا من الطيباتِ. وقلنا له: إنَّ هذه أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً. وقيل: إن الأمةَ في هذا الموضعِ معناها الدِّينُ والملةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ فى قولِه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. [قال: الملةُ والدينُ] (٣).

стр. 11480

وقولُه: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾. يقولُ: وأنا مولاكم فاتقونِ بطاعتى تأمَنوا عقابي. ونُصِبت ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. على الحالِ. وذُكر عن بعضِهم أنه قرَأ ذلك رفعًا (١). وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ (٢): رَفْعُ ذلك إذا رفِع على الخبرِ. ويَجعلُ (أمَّتَكم) نصْبًا على البدلِ من (هذه). وأما نحويُّو (٣) الكوفةِ فيأبَونَ ذلك إلا فى ضرورةِ شعرٍ. وقالوا: لا يُقالُ: مررتُ بهذا غلامِكم؛ لأن "هذا" لا يَتْبعُه إلا الألفُ واللامُ والأجناسُ؛ لأنَّ "هذه" (٤) إشارةٌ إلى عددٍ، فالحاجةُ فى ذلك إلى تبيينِ المرادِ مِن المشارِ إليه أيُّ الأجناسِ هو؟ وقالوا: وإذا قيل: (هذه أمتُكم أمةٌ واحدةٌ). و "الأمةُ" غائبةٌ، و "هذه" حاضرةٌ. قالوا: فغيرُ جائزٍ أن يُبيَّنَ عن الحاضرِ بالغائبِ. قالوا: فلذلك لم يَجُزْ: إن هذا زيدًا (٥) قائمٌ. من أجلِ أن "هذا" محتاجٌ إلى الجنسِ لا إلى المعرفةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾. اختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿زُبُرًا﴾؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ أهلُ المدينةِ

стр. 11481

والعراقِ: ﴿زُبُرًا﴾ بمعنى جمعِ "الزَّبورِ". فتأويلُ الكلامِ على قراءةِ هؤلاءِ: فتفرّقَ القومُ الذين أمرَهم اللهُ من أمةِ الرسولِ عيسى بالاجتماعِ على الدينِ الواحدِ، والملةِ الواحدةِ -دينَهم الذى أمَرهم اللهُ بلزومِه ﴿زُبُرًا﴾: كُتُبا، فدانَ كلُّ فريقٍ منهم بكتابٍ غيرِ الكتابِ الذى دانَ به الفريقُ الآخرُ؛ كاليهودِ الذين زعَموا أنهم دانُوا بحكمِ التوراةِ، وكذّبوا (١) بحكمِ الإنجيلِ والقرآنِ، وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيلِ بزعمِهم، وكذَّبُوا بحكمِ الفرقانِ. ذكرُ مَن تأوّل ذلك كذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿زُبُرًا﴾. قال: كُتُبًا. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ مثلَه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾. قال: كُتُبَ اللهِ فرَّقوها قِطَعًا (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾. قال مجاهدٌ: كُتُبَهم فرّقوها قِطَعًا.

стр. 11482

وقال آخرون من أهلِ هذه القراءةِ: إنما معنى الكلامِ: فَتَفرَّقوا دينَهم بينَهم كُتبًا أحدَثوها، يَحْتَجُّون فيها لمذاهبِهم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. قال: هذا ما اختَلَفُوا فيه من الأديانِ والكتبِ، كلٌّ مُعْجَبُون برأيِهم، ليس أهلُ هوًى إلَّا وهم مُعْجَبون برأْيِهم وهواهم وصاحبِهم الذى اخترَق ذلك لهم (١). وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الشامِ: (فتقطَّعوا أمرَهم بينَهم زُبَرًا). بضمِّ الزاي وفتحِ الباءِ، بمعنى: فتفرَّقوا (٢) بينهم قِطَعًا كزُبَرِ الحديدِ. وذلك القِطَعُ منها، واحدتُها زُبْرةٌ، من قولِ اللهِ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦]. فصار بعضُهم يهودًا، وبعضُهم نصارى. والقراءةُ التي نختارُ فى ذلك قراءةُ من قرأه بضمِّ الزايِ والباءِ؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك على أنه مرادٌ به الكتبُ، فذلك يُبينُ عن صحةِ ما اخترنا (٣) في ذلك؛ لأنَّ الزُّبُرَ هى الكتبُ، يُقالُ منه: زَبَرْتُ الكتابَ، إذا كتبتَه. فتأويلُ الكلامِ: فتَفَرَّقَ الذين أمرَهم اللهُ بلزومِ دينِه من الأممِ دينَهم بينَهم كُتبًا. كما بيَّنا قبلُ. وقولُه: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. يقولُ: كلُّ فريقٍ من تلك الأممِ بما

стр. 11483

اختاروه لأنفُسِهم من الدين والكتبِ - فَرِحون، مُعْجَبون به، لا يَروْنَ أَن الحقَّ سواه. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: قِطعَةٍ، وهؤلاءِ أهلُ الكتابِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: قطعةٍ، أهلُ الكتابِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾. قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فدعْ يا محمدُ هؤلاءِ الذين تقطَّعوا أمرَهم بينهم زُبُرًا ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾. يعني: في ضَلالتِهم وغَيِّهِم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. يعنى: إلى أجلٍ سيأتِيهم عندَ مجيئه عذابي. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾. قال: في ضلالِهم (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَذَرْهُمْ

стр. 11484

فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾. قال: الغَمْرةُ الغَمْرُ. وقولُه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيحسَبُ هؤلاء الأحزابُ الذين تفرَّقوا دينَهم زُبُرًا، أن الذي نُعطيهم في عاجلِ الدنيا من مالٍ وبنينَ، ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. يقولُ: نُسابقُ لهم في خيراتِ الآخرةِ، ونُبادرُ لهم فيها. و "ما" من قولِه: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ نَصبٌ؛ لأنها بمعنى "الذي". ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه تكذيبًا لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يَعلمون أنَّ إمدادى إيَّاهم بما أُمِدُّهم به من ذلك، إنما هو إملاءٌ واستدراجٌ لهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾. قال: نُعطيهم، ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾. قال: نَزِيدُهم في الخيرِ، ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. قال: هذا لقريشٍ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بنِ علىٍّ، قال: ثني أشعثُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ،

стр. 11485

عن خالدٍ الحذاءِ، قال: قلتُ لعبدِ الرحمنِ بن أبي بَكْرةَ: قولُ اللهِ: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؟ قال: (يُسارِعُ (١) لهم في الخيراتِ) (٢). وكأن عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرةَ وجَّه قراءتَه ذلك كذا (٣)، إلى أن تأويلَه: يسارِعُ لهم إمدادُنا إياهم بالمالِ والبنينَ في الخيراتِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾: إِنّ الذين هم من خشيتِهم وخَوفِهم من عذابِ اللهِ مشفقون، فهم من خشيتِهم من ذلك دائبونَ فى طاعتِه، جادُّونَ في طلبِ مرضاتِه. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: والذين هم بآياتِ كتابِه وحُجَجِه مُصدِّقون، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: والذين يُخلِصون لربِّهم عبادتَهم، فلا يجعلون له فيها لغيرِه شركًا، لا لوثَنٍ ولا لصنمٍ، ولا يُراءون بها أحدًا من خلْقِه، ولكنهم يَجعلون أعمالَهم لوجهِه خالصًا، وإياه يَقصِدون بالطاعةِ والعبادةِ دونَ كلِّ شيءٍ سواه. القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: والذين يُعطُون أهلَ
следующие страницы →