← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 11586–11625 · переход к 11591.

стр. 11586

[قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ] (١)، عن ابن جُريجٍ، عن عمرانَ بن موسى، قال: شهِدتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أجاز شهادةَ القاذفِ ومعه رجلٌ (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: قال الشعبيُّ: إذا تاب جازت شهادتُه. قال ابن المثنى: قال: عندى. يعني: في القذفِ (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا مِسعرٌ (٤)، عن عمران (٥) ابن عميرٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عتبةَ كان يُجيزُ شهادةَ القاذفِ إذا تاب (٦). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكَ، قال: إذا تاب وأصلَح قُبلت شهادتُه. يعنى القاذفَ (٧). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن ابن

стр. 11587

المسيبِ، قال: تُقبلُ شهادةُ القاذفِ إذا تاب. حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن ابن المسيبِ مثلَه (١). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدٌ، عن معمرٍ، قال (٢): قال الزُّهريُّ: إذا حُدَّ القاذفُ، فإنه ينبغى للإمامِ أن يستتيبَه، فإن تاب قُبلت شهادتُه، وإلا لم تُقبلْ. قال: كذلك فعَل عمرُ بنُ الخطابِ بالذين شَهِدوا على المغيرةِ بن شعبةَ، فتابوا إلَّا أبا بكرةَ، فكان لا تُقبلُ (٣) شهادتُه (٤). وقال آخرون: الاستثناءُ في ذلك من قولِه (٥): ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وأما (٦) قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. فقد وُصِل بالأبدِ، ولا (٧) يجوزُ قَبولُها أبدًا. ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابن أبي الشواربِ، قال: ثنا يزيُد بنُ زريعٍ، قال: ثنا أشعثُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنى الشعبيُّ، قال: كان شريحٌ يُجيزُ شهادةَ صاحبِ كلِّ عملٍ إذا تاب إلا

стр. 11588

القاذفَ. قال (١): توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه، ولا نُجيزُ شهادتَه. حدَّثنا حميدُ (٢) بنُ مَسعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا أشعتُ (٣) بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا الشعبيُّ، عن شُريحٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال: صاحبُ كلِّ حدٍّ إذا كان عدلًا يوم شهِد (٤). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن شريحٍ، قال: كان لا يُجيزُ شهادةَ القاذفِ، ويقولُ: توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه. حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن مُطرِّفٍ، عن أبي عثمانَ، عن شريحٍ في القاذفِ: يقبلُ اللهُ توبتَه، ولا أقبلَ شهادتُه (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا أشعثُ، عن الشعبيِّ، قال: أتاه خَصمان، فجاء أحدُهما بشاهدٍ أقطعَ، فقال الخَصمُ: ألا ترى ما به؟ قال: قد أراه. قال: فسأل القومَ، فأثنَوا عليه خيرًا، فقال شريحٌ: نُجيزُ شهادةَ كلِّ صاحب حدٍّ، إذا كان يومَ شَهِد عدلًا، إلا القاذفَ، فإن توبتَه فيما بينَه وبينَ ربِّه.

стр. 11589

حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا أشعثُ، عن الشعبيِّ، قال: جاء خَصمان إلى شُريحٍ، فجاء أحدُهما ببينةٍ، فجاء بشاهدٍ أقطعَ، فقال الخَصمُ: ألا ترى إلى ما به؟ فقال شريحٌ: قد رأيناه، وقد سألنا القومَ فأثنَوا خيرًا. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ نحوَ حديثِ أبي كريبٍ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الشيبانيُّ، عن الشعبيِّ، عن أنه كان يقولُ: لا تُقبلُ له شهادة أبدًا، توبتُه فيما بينَه وبينَ ربِّه. يعنى القاذفَ (١). قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الأشعثُ، عن الشعبيِّ أن ربابًا قطَع رجُلًا في قطعِ الطريقِ، قال: فقطعَ يدهَ ورجلَه. قال: ثم تاب وأصلَح، فشهِد عندَ شريحٌ، فأجاز شهادتُه. قال: فقال المشهودُ عليه: أتجيز شهادتُه عليَّ وهو أقطعُ؟ قال: فقال شريحٌ: كلُّ صاحبِ حدٍّ إذا أُقيم عليه (٢) ثم تاب وأصلَح، فشهادتُه جائزةٌ إلا القاذفَ. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: المغيرةُ أخبَرني، قال: سمِعتُ إبراهيم يحدِّثُ عن شريحٌ، قال: قضاءٌ من اللهِ لا تُقبل شهادتُه أبدًا، توبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ (٣). قال أبو موسى: يعنى القاذفَ (٤). حدَّثني يعقوبُ، قال ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: قال

стр. 11590

شريحٌ: لا يقبلُ اللهُ شهادتُه (١) أبدًا. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: لا تجوز شهادة القاذفَ، توبته توبته (٢) فيما بينَه وبينَ اللهِ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى (٤)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أنه قال: القاذفُ توبته فيما بينَه وبينَ اللهِ، وشهادتُه لا تُقبلُ (٥). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ أنه قال في الرجلِ يُجلدُ الحدَّ، قال: لا تجوزُ شهادتُه أبدًا (٦). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرة، عن إبراهيمَ أنه كان لا يقبلُ له شهادةً أبدا، وتوبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ (٧) القاذفَ (٨). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معمرٌ (٩) بن سليمان (١٠)، عن حجاجٍ، عن عمرِو بن

стр. 11591

شعيبٍ (١)، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تجوزُ شَهادَةُ محدودٍ في الإسلام" (٢). حدَّثنا ابن عبدُ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. قال: كان يقولُ (٣): لا تُقبَلُ شهادةُ القاذفِ أبدًا، إنما توبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ. وكان شريحٌ يقولُ: لا تُقبَلُ شهادتُه (٤). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، [عن معاويةَ بن صالحٍ] (٥)، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. ثم قال: فمَن تاب وأصلَح فشهادتُه في كتابِ اللهِ تُقبَلُ (٦). والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن الاستثناءَ من المعنييْن جميعًا؛ أعنى من (٧) قولِه: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. ومن قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وذلك أنه لا خلافَ بينَ الجميعِ أن ذلك كذلك إذا لم يُحدَّ في القذفِ حتى تاب:

стр. 11592

إما بأن [لم يُرفعْ] (١) [إلى السلطانِ] (٢) بعفوِ المقذوفةِ عنه (٣)، وإما بأن ماتت قبلَ المطالبةِ بحدِّها ولم يكُنْ لها طالبٌ يطلبُ بحدِّها. فإذ (٤) كان ذلك كذلك، وحدَثت منه توبةٌ، صحَّت له بها العدالةُ. فإذ (٥) كان من الجميعِ إجماعًا، ولم يكنِ اللهُ تعالى ذكرُه شرَط في كتابِه (٦) أن لا تُقبَلَ شهادتُه أبدًا بعد الحدِّ في رميِه، بل نهَى عن قبولِ شهادتُه في الحالِ التي أوجَب عليه فيها الحدَّ، وسماه فيها فاسقًا - كان معلومًا بذلك أنّ إقامةَ الحدِّ عليه في رميِه لا تُحدِث في شهادتِه مع التوبةِ من ذنبِه ما لم يكنْ حادثًا فيها قبلَ إقامتِه عليه، بل توبتَه بعدَ إقامة الحدِّ عليه من ذنبِه أحرَى أن تكونَ شهادتُه معها أجوزَ منها قبلَ إقامتِه عليه؛ لأن الحدِّ يزيد المحدودَ عليه تطهيرًا من جُرمِه الذي استحقَّ عليه الحدِّ. فإن قال قائلٌ: فهل يجوزُ أن يكونَ الاستثناءُ من قولِه: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. فتكونَ التوبةُ مُسقطةً عنه الحدَّ، كما كانت لشهادتِه عندَك قبلَ الحدِّ وبعده مجيزةً (٧)، ولاسمِ الفسقِ عنه مزيلةً؟ قيل: ذلك غيرُ جائزٍ عندَنا، وذلك أن الحدَّ حقٌّ (٨) عندَنا للمقذوفةِ، كالقصاصِ الذي (٩) يجبُ لها من جنايةٍ

стр. 11593

يَجنيها عليها مما فيه القصاصُ، ولا خلافَ بينَ الجميعِ أن توبتَه من ذلك لا تضعُ عنه الواجبَ لها من القصاصِ منه، فكذلك توبتُه من منه، فكذلك توبته من القذفِ لا تضعُ عنه الواجبَ لها من الحدِّ؛ لأن ذلك حقٌّ لها، إن شاءت عفَته، وإن شاءت طالبت (١) به. فتوبةُ العبدِ من ذنبِه [إنما تضعُ] (٢) [عن العبدِ] (٣) الأسماءَ الذميمةَ والصفاتِ القبيحةَ. فأما حقوقُ الآدميين التي أوجبها اللهُ لبعضِهم على بعضٍ في كلِّ الأحوالِ، فلا تزولُ بها ولا تبطُلُ. واختلَف أهلُ العلمِ في صفةِ توبة القاذفِ التي تقبلُ معها شهادتُه؛ فقال بعضُهم: هي (٤) إكذابُه نفسَه فيه. وقد ذكَرنا بعضَ قائلى ذلك فيما مضى قبلُ، ونحن نذكُرُ بعضَ ما حضَرَنا ذكره مما لم نذكره قبلُ. حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، قال: توبةُ القاذفِ أن يُكذِبَ نفسَه (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، قال: رأيتُ رجلًا ضُرِب حدًّا في قذفٍ بالمدينةِ، فلما فُرغ من ضربِه [تناول ثوبَه] (٦)، ثم قال: أستغفِرُ الله وأتوبُ إليه من قذفِ المحصناتِ. قال: فلقيتُ أبا الزنادِ، فذكرتُ

стр. 11594

ذلك له. قال: فقال: إن الأمرَ عندَنا ههنا أنه إذا قال ذلك حينَ يُفرَغُ من ضربِه، ولم نَعلمْ (١) منه إلا خيرًا قبلت شهادتُه (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية. قال: من اعترَف وأقرَّ على نفسِه علانيةً أنه قال البهتانَ، وتاب إلى اللهِ توبةً نصوحًا - والنَّصوحُ: ألا يعودَ (٣) وإقرارُه واعترافُه عندَ الحدِّ حينَ يؤخذُ بالجلدِ - فقد تاب، واللهُ غفورٌ رحيمٌ (٤). وقال آخرون: توبتُه من ذلك [صلاحُ حالِه، وندمُه على ما فرَط منه من ذلك، و] (٥) الاستغفارُ منه، وتركه العودَ في مثلِ ذلك من الجُرمِ. وذلك قولُ جماعةٍ من التابعين وغيرِهم، وقد ذكَرنا بعض قائليه فيما مضَى، وهو قولُ مالكِ بن أنسٍ. وهذا القولُ أولى القولين (٦) في ذلك بالصوابِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه جعَل توبةَ كلِّ ذى ذنبٍ من أهلِ الإيمانِ تركَه العودَ منه العود منه، والندمَ على ما سلَف منه، [واستغفارَ ربَّه] (٧) منه، فيما كان من ذنبٍ بينَ العبد وبينَه، دونَ ما كان من

стр. 11595

حقوقِ عبادهِ ومظالمِهم بينَهم. والقاذفُ إذا أُقيم عليه فيه (١) الحدِّ، أو عُفى عنه، فلم يبقْ عليه إلا توبتُه من جُرمِه (٢) بينَه وبينَ ربِّه، فسبيلُ توبتِه منه سبيلُ توبتِه من سائرِ أجرامِه. فإذ (٣) كان الصحيحُ في ذلك من القولِ ما وَصفنا، فتأويلُ الكلامِ: وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من جُرمِهم الذي اجترَموه، بقذفِهم المحصناتِ من بعدِ اجترامِهموه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ: ساترٌ على ذنوبِهم بعفوِه لهم عنها، رحيمٌ بهم بعدَ التوبةِ أن يعذبَهم عليها، فاقبلُوا شهادتَهم، ولا تسمُّوهم فسَقةً، بل سمُّوهم بأسمائِهم التي هي لهم في حالِ توبِتهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ من (٤) الرجالِ ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ بالفاحشةِ، فيقذفونهن (٥) بالزنى، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يشهدون لهم بصحةِ ما رمَوهنّ به من الفاحشةِ، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. واختلفت القرأةُ في قراءةِ [ذلك؛ فقرأته] (٦) عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (أَربَعَ

стр. 11596

شَهَادَاتٍ). نصبًا (١)، ولنصبِهم ذلك وجهان؛ أحدُهما: أن تكونَ "الشهادةُ" في قولِه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾. مرفوعةً بمضمرٍ قبلَها، ويكونَ "الأربعُ" منصوبًا بمعنى الشهادةِ. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: فعلى أحدِهم أن يشهدَ أربعَ شهاداتٍ باللهِ والوجهُ الثاني: أن تكونَ "الشهادةُ "مرفوعةً بقولِه: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. و "الأربعُ" منصوبةً بوقوعِ "الشهادةِ" عليها. كما يُقالُ: شهادتى ألفَ مرةٍ إنك لرجلُ سَوْءٍ. وذلك أن العربَ ترفعُ الأيمانَ بأجوبتِها، فتقولُ: حَلِفٌ صادقٌ لأقومَنّ، وشهادةُ عمرٍو ليَقعُدَنَّ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾. برفعِ "الأربع" (٢)، ويجعلُونها للشهادةِ مرافِعةً. وكأنهم وجَّهوا تأويلَ الكلامِ: فالذى يلزَمُ من الشهادةِ، أربعُ شهاداتٍ بالله إنه لمن الصادقين. وأولَى القراءتين في ذلك عندى بالصوابِ (٣) قراءةُ من قرأ (٤): (فَشَهادة أحَدِهِم أَربَعَ شَهَادَاتٍ باللهِ إِنه لَمِنَ الصَادِقِينَ). بنصبِ "أربع"، "بوقوعِ" "الشهادة" عليها. و "الشهادةُ" مرفوعةٌ حينئذٍ على ما وصفتُ من الوجهين قبلُ (٥). وأحبُّ وجهيْهما إليَّ (٦) أ ن تكونَ به مرفوعةً (٧) بالجوابِ، وذلك قولَه:

стр. 11597

﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وذلك أن معنى الكلامِ: والذين يرمون أزواجَهم ولم يكنْ لهم شهداءُ (١)، إلا أنفسُهم، فشهادةُ أحدِهم أربعُ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين، تقومُ (٢) مقامَ الشهداءِ الأربعةِ في دفعِ الحدِّ عنه. فترك ذكرَ (٣): تقومُ (٤) مقامَ الشهداءِ الأربعةِ اكتفاءً بمعرفةِ السامعين بما ذُكِر من الكلامِ، فصار مُرافع "الشهادةِ" ما وصفتُ. ويعنى بقولِه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ فحلِفُ أحدِهم أربعُ أيمانٍ باللهِ. من قولِ القائلِ: أشهدُ باللهِ إنه لمن الصادقين فيما رمَى زوجتَه به من الفاحشةِ. ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾. يقولُ: والشهادةُ الخامسةُ ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، يَقولُ: أن لعنةَ اللهِ له واجبةٌ، وعليه حالَّةٌ، إن كان فيما [رماها به] (٥) من الفاحشةِ من الكاذبين. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الآثارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وقالت به جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.

стр. 11598

ذكرُ الرواية بذلك وذُكِر السببِ الذي فيه أُنزلت (١) هذه الآيةُ حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن عكرمةَ، قال: لما نزَلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. قال سعدُ بنُ عبادةَ: اللهِ (٢) إن أنا رأيتُ لكاعِ متفخذَها (٣) رجلٌ، فقلتُ بما رأيتُ، إن في ظهرى لثمانين، إلى ما أجمعُ أربعةً، قد ذهَب، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "يا معشرَ الأنصارِ، ألا تسمعون [إلى (٤) ما] (٥) يقولُ سيدُكم؟ ". قالوا يا رسولَ اللهِ، لا تلُمَه. وذكَروا من غيرتِه؛ فما تزوَّج امرأةً قطُّ إلا بكرًا، ولا طلَّق امرأةً قطُّ فرجَع فيها أحدٌ منا. فقال رسولُ الله ﷺ : "فإن الله يأبى إلا ذاك". فقال: صدَق اللهُ ورسولُه. قال: فلم يلبَثوا أن جاء ابن عمٍّ له فرمى امرأتَه، فشقَّ ذلك على المسلمين. فقال: لا واللهِ، لا يَجْعلُ اللَّهُ في ظهرى ثمانين أبدًا، لقد نظرتُ حتى أيقَنتُ، ولقد استسمَعتُ حتى استشفَيتُ. قال: [فأنزَل اللهُ] (٦) القرآنَ باللعانِ، فقيل له: احلِفْ. فحلَف. قال (٧): "قفوه عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجِبةٌ". فقال: لا يُدخلُه الله النارَ بهذا أبدًا، كما درَأ عنه جلدَ ثمانين، لقد نظرتُ حتى أيقنتُ، ولقد استسمَعتُ حتى

стр. 11599

استشفيتُ، فحلَف. ثم قيل لها (١): احلفى. فحلَفتْ، [ثم قال] (٢): "قِفوها عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ". فقيل (٣) لها: إنها مُوجِبةً. فتلكَّأتْ ساعةً، ثم قالت: لا أُخزِى قومِى. فحلَفت. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذى قيل فيه ما قيل". قال: فجاءت به غلامًا كأنه جملٌ أورقُ، فكان بعدُ أميرًا بمصرَ، لا يُعرفُ نسبُه (٤)، أو (٥) لا يُدرَى من أبوه (٦). حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا عبادٌ، قال: سمِعتُ عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال سعدُ بنُ عبادةَ: لهكذا أُنزلت يا رسولَ الله؟ لو أتيتُ لَكاعِ قد تفخَّذها رجلٌ، لم يكنْ لى أن أَهِيجَه ولا أُحرِّكَه حتى آتِىَ بأربعةِ شهداءَ، فوالله ما كنتُ لآتِىَ بأربعةِ شهداءَ حتى يفرُغَ من حاجته. فقال رسول اللهِ ﷺ : "يا معشرَ الأنصارِ، أما (٧) تسمَعُون إلى ما يقولُ سيدُكم؟ ". قالوا: لا تلُمْه فإنه رجلٌ غيورٌ، ما تزوَّج فينا قطُّ إلا عذراءَ، ولا طلَّق امرأةً له، فاجترَأ رجلٌ (٨) منا أن يتزوّجَها. قال سعدٌ:

стр. 11600

يا رسولَ اللهِ، بأبي وأمِّى، واللهِ إنى لأعرفُ أنها من الله، وأنها حقٌّ، ولكنْ عجِبت لو وجدتُ لَكاعِ قد تفخَّذها رجلٌ، لم يكنْ لى أن أَهيجَه و [لا أحرِّكَه، حتى أتىَ بأربعةِ شهداءَ، واللهِ لا آتِى بأربعةِ شهداءَ، حتى يفرُغَ من حاجته. فواللهِ] (١) ما لبِثُوا إلا يسيرًا حتى جاء هلالُ بنُ أميةَ من حديقةٍ له، فرأى بعينيه (٢) وسمِع بأذنيه، فأمسَك حتى أصبحَ، فلما أصبَح غدا على رسولِ اللهِ ﷺ وهو جالسٌ مع أصحابه، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى جئتُ أهلى عِشاءً فوجدتُ رجلًا مع أهلى، رأيت بعينيَّ، وسمعت بأذنيَّ. فكرِةَ رسولُ اللهِ ﷺ ما أتاه به وثَقُل عليه جدًّا حتى عُرف ذلك في وجهِه، فقال هلالٌ: واللهِ يا رسولَ اللهِ، إنى لأرى الكراهةَ (٣) في وجهِك مما أتيتُك به، واللهُ يعلمُ أني صادقٌ، وما قلت إلا حقًّا، وإني (٤) لأرجُو أن يجعلَ اللهُ فرجًا. قال: واجتمعت الأنصارُ، فقالوا: ابتُلينا بما قال سعدٌ، أيُجلدُ هلالُ بنُ أميةَ، وتبطُلُ شهادتُه في المسلمين؟ فهمَّ رسولُ اللهِ ﷺ ، بضربِه، فإنه لكذلك يريدُ أن يأمُرَ بضربِه، ورسولُ الله ﷺ جالسٌ مع أصحابهِ، إذ نزل عليه الوحى، فأمسَك أصحابُه عن كلامِه حينَ (٥) عرَفوا أن الوحىَ قد نزَل، حتى فرَغ، فأنزل اللهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ إلى: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أبشِرْ يا هِلالُ، فإن الله قد جعلَ فَرَجًا". فقال: قد كنتُ أرجُو ذلك من اللهِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أرسِلوا إليها". فجاءت، فلما اجتمعا

стр. 11601

عندَ رسولِ اللهِ ﷺ قيل لها، فكذَبت. فقال رسولُ اللهِ: "إن الله يعلَمُ أن أحدَ كما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ ". فقال هلالٌ: [يا رسولَ اللهِ] (١)، بأبي وأمِّي، لقد صدَقتُ، وما قلتُ إلا حقًّا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لاعِنُوا بينهما". قيل لهلالٍ، يا هلالُ، اشهدْ. فشهِد أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين. فقيل له [عندَ الخامسةِ] (١): يا هلالُ، اتقِ الله، فإن عذابَ اللهِ أشدُّ من عذابِ الناسِ، وإنها الموجبةُ التي توجِبُ عليك العذابَ. فقال هلالٌ: والله لا يعذِّبُنى اللهُ (٢) عليها، كما لم يَجلدْني عليها رسولُ اللهِ ﷺ . فشهِد الخامسةَ: أن لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل لها: اشهدى. فشهِدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الكاذبين. فقيل لها عندَ الخامسةِ: اتقى الله، فإن عذابَ اللهِ أَشدُّ من عذابِ الناسِ، وإن هذه الموجبةُ التي تُوجبُ عليك العذابَ. فتلكَّأت ساعةً، ثم قالت: واللهِ لا أفضَحُ قومى. فشهِدت الخامسةَ: أن غَضَبَ اللَّهِ عليها إن كان من الصادقين. ففرَّق بينَهما رسولُ اللهِ ﷺ ، وقضَى أن الولدَ لها، ولا يُدعَى لأبٍ، ولا يُرمَى ولدُها (٣). حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا قذَف

стр. 11602

هلالُ بنُ أميَّةَ امرأتَه، قيل له: واللهِ لَيجلِدَنَّك رسولُ اللهِ ﷺ ثمانين جلدةً. قال: الله أعدلُ ذلك، أن يضربَنى ضربةً وقد علِم أنى قد رأيتُ حتى استيقنتُ، وسمِعتُ حتى استثبَتُّ، لا واللهِ لا يضربُنى أبدًا. فنزَلت آيةُ الملاعنةِ، فدعا بهما رسولُ اللهِ ﷺ حينَ نزَلت الآية، فقال: "الله يعلم أن أحدَ كما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ ". فقال هلالٌ: واللهِ إنى لصادقٌ. فقال له: "أحلِفْ باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: إني لصادقٌ". يقولُ ذلك أربع مراتٍ، فإن كنتُ كاذبًا فعليَّ لعنةُ اللهِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "قِفوه عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ". فحلَف، ثم قالت أربعًا: واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: إنه لمن الكاذبين، فإن كان صادقًا فعليها غضبُ اللهِ. وقال رسولُ الله ﷺ : "قِفوها عندَ الخامسةِ، فإنها مُوجبةٌ". فتردَّدت وهمَّت بالاعترافِ، ثم قالت: لا أفضحُ قومى (١). حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو هشامٍ الرفاعيُّ، قالا: ثنا عبدةُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: كنا ليلةَ الجمعةِ في المسجدِ، فدخل رجلٌ فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فقتله قتلتموه (٢)؟ وإن تكلَّم جلدتموه؟ فذُكر ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ ، فأنزَل اللهُ آيةَ (٣) اللعانِ. ثم جاء الرجلُ بعدُ، فقذَف امرأتَه، فلاعَن رسولُ اللهِ ﷺ ما بينَهما، فقال: "عسى أن تجئَ به أسودَ جَعدًا". فجاءت به أسودَ جَعدًا (٤).

стр. 11603

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن عبدِ الملكِ بن أبى سليمانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ، فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، أيُفرَّقُ (١) بينَ المتلاعنَين؟ فقال: نعم، سبحانَ اللهِ! إن أولَ من سأل عن ذلك فلانٌ؛ أتى النبيَّ ﷺ فسأله، فقال: أرأيتَ لو أن (٢) أحدَنا رأى صاحبتَه على فاحشةٍ، كيف يصنعُ؟ فلم يُجبه في ذلك شيئًا. قال: فأتاه بعدَ ذلك فقال: إن الذي سألتُ عنه قد ابتُليتُ به. فأنزَل اللهُ هذه الآيةَ في سورةِ "النورِ"، فدعا الرجلَ فوعَظه وذكَّره، وأخبَره أن عذابَ [الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ] (٣). قال: والذي بعَثك بالحقِّ، لقد رأيتُ وما كذبتُ عليها. قال: ودعا المرأةَ فوعَظها، وأخبَرها أن عذابَ الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ. فقالت: والذي بعَثك بالحقِّ [إنه لكاذبٌ، وما رأى شيئًا] (٤). قال فبدأ الرجلُ، فشهد أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الصادقين، والخامسةَ أن لعنةَ اللهِ عليه إن كان من الكاذبين. ثم إن المرأةَ شهِدت أربع شهاداتٍ باللهِ إنه لمن الكاذبين، والخامسةَ أن غضَبَ اللهِ عليها إن كان من الصادقين، وفرَّق (٥) بينَهما (٦).

стр. 11604

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: لما أُنزِل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. قال عاصمُ ابن عديٍّ: إن أنا رأيتُ فتكلَّمتُ جُلِدتُ ثمانين، وإن أنا سكَتُّ سكَتُّ على الغيظِ؟ قال: فكأنَّ ذلك شقَّ على رسولِ اللهِ ﷺ . قال: فأنزِلت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾. قال: فما لبِثُوا إلا جمعةً حتى كان بينَ رجلٍ من قومِه وبيَن امرأتِه، فلاعَن رسولُ اللهِ ﷺ بينَهما (١). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية. والخامسةُ: أن يُقالَ له: إن عليك لعنةَ اللهِ إن كنتَ من الكاذبين. وإن أقرت المرأةُ بقولِه رُجمت، وإن أنكَرت شهِدت أربعَ شهاداتٍ باللهِ: إنه لمن الكاذبين. والخامسةَ أن يُقالَ لها: غضَبُ اللهِ عليكِ إن كان (٢) من الصادقين. فيُدرَأُ عنها (٣) العذابُ، ويُفرَّقُ بينَهما، فلا يجتمعان أبدًا، ويُلحقُ الولدُ بأمِّه (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. قال: هلالُ بنُ أميَّةَ، والذي رُميَتْ به

стр. 11605

شريكُ بن سحماءَ (١)، والذي اسْتَفْتَى [عاصمُ بنُ عديٍّ] (٢). قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرني الزهريُّ عن الملاعنةِ والسنةِ فيها، عن حديثِ سهلِ بن سعدٍ، أن رجلًا من الأنصارِ جاء إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: أرأيتَ (٣) رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا، أيقتلُه فتقتلونه، أم كيف يفعلُ؟ فأنزَل اللهُ في شأنِه ما ذكَر من أمرِ المتلاعنَين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : " وقد قضَى اللهُ فيك وفى امرأتِك". فتلاعَنا وأنا شاهدٌ، ثم فارَقها عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فكانت السُّنةُ بعدَها أن يُفرَّقَ بينَ المتلاعنَين. وكانت حاملةً، فأنكَره، فكان ابنُها يُدعَى إلى أمَّه، ثم جرَت السُّنةُ أن ابنَها يرتُها، وترِثُ ما فرَض اللهُ لها (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. قال: إذا شهِد الرجلُ خمسَ شهاداتٍ، فقد برئَ كلُّ واحدٍ من الآخرِ، وعِدَّتُها إن كانت حاملًا أن تضعَ حملَها، ولا يُجلَدُ واحدٌ منهما، وإن لم تحلفْ (٥) أُقيم عليها (٦) الحدُّ والرجمُ (٧).

стр. 11606

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾. يعنى جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾: ويدفعُ عنها الحدَّ. واختلَف أهلُ العلمِ في العذابِ الذي عناه اللهُ في هذا الموضعِ أنه يدرؤُه عنها شهاداتُها (١) الأربعُ؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك، من أن (٢) الحدَّ (٣) جَلدُ مائةٍ إن كانت بكرًا، أو (٤) الرجمُ إن كانت ثيِّبًا قد أُحصِنت. وقال آخرون: بل ذلك الحبسُ. وقالوا: الذي يجبُ عليها إن هي لم تشهدِ الشهاداتِ الأربعَ بعدَ شهاداتِ الزوجِ الأربعِ والْتِعانِه، الحبسُ دونَ الحدِّ. وإنما قلنا: الواجبُ عليها إذا هي امتنَعت من الالْتِعانِ بعد الْتِعانِ الزوجِ، الحدُّ الذي وصَفنا، قياسًا على إجماعِ الجميعِ على أن الحدَّ إذا زال عن الزوجِ بالشهاداتِ (٥) الأربعِ، على تصديقِه فيما رماها به - أن الحدَّ عليها واجبٌ. فجعل اللَّهُ أيمانَه الأربعِ، والْتعانَه في الخامسةِ، مَخْرجًا له من الحدِّ الذي يجبُ لها برميِه

стр. 11607

إياها، كما جعَل الشهداءَ الأربعةَ مَخْرجًا له منه في ذلك، وزائلًا به عنه الحدُّ، فكذلك الواجبُ أن يكونَ بزوالِ الحدِّ عنه [بذلك، واجبًا عليها (١) حدُّها، كما كان بزوالِه عنه] (٢) بالشهودِ واجبًا عليها، لا فرقَ بينَ ذلك، وقد استقصينا العللَ في ذلك في بابِ اللعانِ من (٣) كتابِنا المسمَّى "لطيفُ القولِ في شرائعِ الإسلامِ"، فأغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ. وقولُه: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾. يقولُ: ويدفعُ عنها العذابَ أن تحلِفَ باللَّهِ أربع أيمانٍ أن زوجَها الذي رماها بما رماها به من الفاحشةِ (٤) ﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنى. وقولُه: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ﴾ الآية. يقولُ: والشهادةَ الخامسةُ: أن غضَبَ اللهِ عليها إن كان زوجُها فيما رماها (٥) به من الزنى ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ورُفِع قولُه: (الخامسة) في كلتا الآيتين، بـ "أن" التي تليها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا فضلُ اللَّهِ عليكم أيُّها الناسُ ورحمتُه بكم، وأنَّه عَوّادٌ

стр. 11608

على خلقِه بلُطْفِه وطَوْلِه، حكيمٌ في تدبيرِه إياهم، وسياستِه لهم، لَعاجلَكم بالعقوبةِ على معاصِيكم، وفضَح أهلَ الذنوبِ منكم بذنوبِهم (١)، ولكنَّه ستَر عليكم ذنوبَكم، وترَك فضيحتَكم بها عاجلًا؛ رحمةً منه بكم، وتفضلًا عليكم، فاشكُروا نِعَمَه، وانتهُوا عن التقدُّمِ عمَّا نهاكم عنه من معاصِيه. وترَك الجوابَ في ذلك اكتفاءً بمعرفةِ السامعِ المرادَ منه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين جاءوا بالكذبِ والبُهتانِ ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: جماعةٌ منكم أيُّها الناسُ، ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: لا تظنُّوا ما جاءوا به من الإفكِ شرًّا لكم عندَ اللَّهِ وعندَ الناسِ، بل ذلك خيرٌ لكم عندَه (٢) وعندَ المؤمنين؛ وذلك أن اللَّهَ يجعلُ ذلك كَفَّارةً للمرميِّ (٣) به، ويُظهرُ براءتَه مما رُمِي به، وبجعلُ له منه مخرجًا. وقيل: إن الذين عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. جماعةٌ منهم حسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ.

стр. 11609

كما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ، أنه كتَب إلى عبدِ الملكِ بن مروانَ: كتَبتَ إليَّ تسألُني في الذين جاءوا بالإفكِ، وهم كما قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ (١) الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. وأنه لم يُسَمَّ منهم (٢) إلا حسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أثاثةَ، وحَمْنةُ بنتُ جَحْشٍ، وهو يقالُ في آخرينَ لا علمَ لى بهم، غيرَ أنهم عصبةٌ كما قال اللَّهُ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، مجاهدٍ قولَه: ﴿جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾: هم أصحابُ عائشةَ (٤). قال ابن جُرَيجٍ: قال ابن عباسٍ قولُه: ﴿جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية: الذين افْتَرَوا على عائشةَ، عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، وحسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحٌ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ (٥). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾: الذين قالوا لعائشةَ

стр. 11610

الإفكَ والبهتانَ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: الشرُّ لكم بالإفكِ الذي قالوا، الذي تكلَّموا به كان شرًّا لهم، وكان فيهم مَن لم يقُلْه، إنما سمِعه، فعاتَبهم اللَّهُ، فقال أوّلَ شيءٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ثم قال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾. يقولُ: لكلِّ امرئ من الذين جاءوا بالإفكِ جزاءُ ما اجترَم من الإثمِ - بمجيئِه بما جاء به من الإفكِ (١) - عندَ (٢) اللَّهِ. وقولُه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: والذي تحمَّل معظم ذلك الإثمِ والإفكِ منهم هو الذي بدَأ بالخوضِ فيه. كما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: الذي بدَأ بذلك (٣).

стр. 11611

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾. قال: أصحابُ عائشةَ (١)، عبدُ اللَّهُ بنُ أبيِّ ابن سَلُولَ، ومِسْطَحٌ، وحَسّانُ (٢). قال أبو جعفرٍ: له من اللَّهِ عذابٌ عظيمٌ يومَ القيامةِ. وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿كِبْرَهُ﴾؛ فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿كِبْرَهُ﴾ بكسرِ الكافِ، سوى حُميدٍ الأعرجِ، فإنه كان يقرؤُه: (كُبْرَهُ) (٣). بمعنى: والذي تحمَّل أكبَرَه. وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ القراءةُ التي عليها عوامُّ القرأةِ، وهي كسرُ الكافِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها، وأن "الكِبرَ" بالكسرِ، مصدرُ الكبيرِ من الأمورِ، وأن "الكُبْرَ" بضمِّ الكافِ، إنما هو من الولاءِ والنسبِ، من قولِهم: هو كُبْرُ (٤) قومِه. والكِبرُ في هذا الموضعِ هو ما وصَفنا من معظمِ الإثمِ والإفكِ. فإذ كان ذلك كذلك، فالكسرُ في كافِه هو الكلامُ الفصيحُ، دونَ ضمِّها، وإن كان لضمِّها وجةٌ مفهومٌ.

стр. 11612

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ الآية؛ فقال بعضُهم: هو حسانُ بنُ ثابتٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن قَزَعَةَ، قال: ثنا مَسْلَمةُ بنُ علقمةَ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن عائشةَ قالت: ما سمِعتُ بشيءٍ أحسنَ من شعرِ حسانَ، وما تمثَّلتُ به إلا رجَوتُ له الجنةَ، قولُه لأبي سفيانَ (١): هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فأجَبْتُ عَنْهُ … وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ فإنَّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِى … لعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقاءُ أتَشْتُمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ … فَشَرُّكُما لَخَيْرِكُما الفِدَاءُ لِسانِى صَارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ … وبَحْرِى لا تُكَدِّرُهُ الدَّلاءُ فقيل: يا أمَّ المؤمنين، أليس هذا لغوًا؟ قالت: لا، إنما اللَّغوُ ما قيلَ عندَ النساءِ. قيل: أليسَ اللَّهُ يقولُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ قالت: أليسَ قد أصابه عذابٌ عظيمٌ؟ أليسَ قد ذهَب بصرُه وكُنِّع بالسيفِ (٢)؟ قال: ثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، قال: كنتُ عندَ عائشةَ، فدخَل حسانُ بنُ ثابتٍ، فأَمَرَت فأُلقِيَ له وسادةٌ، فلما خرَج قلتُ لعائشةَ: ما

стр. 11613

تصنَعين بهذا وقد قال اللَّهُ ما قال؟ فقالت: قال اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقد ذهَب بصرُه، ولعل اللَّهَ يجعلُ ذلك العذابَ العظيمَ ذهابَ بصرِه (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ أَبي عَديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبى الضحى، عن مسروقٍ، قال: دخَل حسانُ بنُ ثابتٍ على عائشةَ، فشبَّب بأبياتٍ له، فقال (٢): * وَتُصْبِحُ غَرْثَى (٣) مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ* فقالت عائشةُ: أما إنك لستَ كذلك! فقلتُ: تدَعِين هذا الرجلَ يدخُلُ عليكِ وقد أنزَل اللَّهُ فيه: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ الآية؟ فقالت: وأيُّ عذابٍ أشدُّ من العمَى؟ وقالت: إنه كان يدفَعُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عثمانَ الواسطيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن المُعَلَّى بن عرفانَ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن جحشٍ، قال: تفاخَرَت عائشةُ وزينبُ. قال: فقالت زينبُ: أنا التي نزَل تزويجِي (٥). قال: وقالت عائشةُ: أنا التي نزَل عُذري في

стр. 11614

كتابِه حينَ حمَلنى ابن المعَطَّلِ على الراحلةِ. فقالت لها زينبُ: يا عائشةُ، ما قلتِ حينَ ركِبتيها؟ قالت: قلتُ: حسبى اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. قالت: قلتِ كلمةَ المؤمنين (١). وقال آخرون: هو عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابن سَلُولَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان الذين تكلَّموا فيه: المنافقَ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سَلولَ، وكان يستوشِيه ويجمعُه، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، ومِسْطَحًا، وحسانَ بنَ ثابتٍ (٢). حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ الرحمنِ بن حاطبٍ، عن علقمةَ بن وقَّاصٍ وغيرِه أيضًا، قالوا: قالت عائشةُ: كان الذي تولَّى كبره الذي يجمعُهم في بيتِه، عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سَلُولَ. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عروةُ بنُ الزبيرِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وعلقمةُ بنُ وقاصٍ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عتبةَ، عن عائشةَ، قالت: كان الذي تولى كبرَه عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ (٣).

стр. 11615

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ الآية: الذين افْتَرَوا على عائشةَ؛ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ، وهو الذي تولَّى كِبْرَه، وحسانُ، ومِسْطَحٌ، وحَمْنةُ بنتُ جحشٍ (١). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ في الذين (٢) جاءوا بالإفكِ: يزعُمون أنه كان كِبْرَ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ، أحدُ بني عوفِ بن الخزرجِ، وأُخبِرت أنه كان يحدّثُ به عنهم فيُقرُّه ويسمعُه ويستوشِيه. حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أما الذي تولَّى كبرَه منهم، فعبدُ اللَّهُ بنُ أُبيٍّ ابن سلولَ الخبيثُ، هو الذي ابتدَأ هذا الكلامَ، وقال: امرأةُ نبيِّكم باتَت مع رجلٍ حتى أصبَحَت، ثم جاء يقودُ بها. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾: هو عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ ابن سلولُ، وهو (٣) بدَأه (٤).

стр. 11616

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الذي تولَّى كِبْرَه من عصبةِ الإفكِ، كان عبدَ اللَّهِ بنَ أبيٍّ. وذلك أنه لا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ بالسِّيَرِ، أن الذي بدَأ بذكرِ الإفكِ، وكان يجمعُ أهلَه ويحدِّثُهم، عبدُ اللَّهُ بنُ أُبيٍّ ابن سَلُولَ، وفعلُه ذلك على ما وصَفتُ، كان تولِّيَه كِبْرَ ذلك الأمرِ. وكان سببَ مجيءِ أهلِ الإفكِ، ما حدَّثنا به ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن محمدِ بن مسلمِ بن [عبيدِ اللَّهِ بن عبدِ اللَّهِ] (١) بن شهابٍ، قال: ثنى عروةُ بنُ الزبيرِ، وسعيدُ بنُ المسيبِ، وعلقمةُ بنُ وقّاصٍ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عتبةَ بن مسعودٍ، عن حديثِ عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ حينَ قال لها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبرَّأها اللَّهُ، وكلُّهم حدَّثني بطائفةٍ من حديثِها، وبعضُهم كان أوعَى لحديثِها من بعضٍ، وأثبَتَ اقتصاصًا (٢)، وقد وعَيتُ عن كلِّ رجلٍ منهم الحديثَ الذي حدَّثني [عن عائشةَ، وبعضُ حديثِهم يصدِّقُ بعضًا] (٣)؛ زعَموا أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أراد سفرًا أقرَع بينَ نسائِه، فأَيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها. قالت عائشةُ: فأقرَع بينَنا في غزاةٍ غزاها، فخرَج فيها سهمِى، فخرَجتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وذلك بعدَ ما أُنْزِل الحجابُ، وأنا أُحْمَلُ في هَوْدَجى، وأَنزِلُ فيه، فسِرْنا حتى إذا فرَغ رسولُ اللَّهِ ﷺ من غزوِه، وقفَل إلى المدينةِ، آذَن ليلةً بالرحيلِ، فقمتُ حينَ آذَنُوا بالرحيلِ، فمشَيتُ حتى جاوَزتُ

стр. 11617

الجيشَ، فلما قضَيتُ شأنى أقبَلتُ إلى الرحلِ، فلمَستُ صدري، فإذا عقدٌ لى من جَزْعِ ظَفَارِ (١) قد انقطَع، فرجَعتُ فالتَمستُ عِقدى، فحبَسنى ابتغاؤُه، وأقبَل الرهطُ الذين كانوا [يُردَّلون لي، فاحتمَلوا] (٢) هَوْدَجِى، فَرَحْلوه (٣) على بعيرى الذي كنتُ أركبُ، وهم يحسَبون أنى فيه، وكان النساءُ إذ ذاك خِفافًا، لم يُهَبَّلْن (٤) ولم يَغْشَهن اللحمُ، إنما يأكُلْن العُلْقةَ (٥) من الطعامِ، فلم يستنكرش القومُ ثِقلَ الهودجِ حينَ رَحْلُوه ورفَعوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ، فبعَثوا الجملَ وساروا، فوجَدتُ عِقْدى بعدَ ما استمرَّ الجيشُ، فجئتُ منازلَهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ، فيمَّمتُ (٦) منزِلى الذي كنتُ فيه، وظنَنتُ أن القومَ سيفقِدوني ويرجِعون إليَّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلى، غلَبَتْنى عينى (٧)، فنِمتُ حتى أصبَحتُ، وكان صفوانُ بنُ المعطَّلِ السُّلَميُّ ثم الذَّكْوانيُّ (٨)، من وراءِ الجيشِ، فادَّلج (٩) فأصبَح عندَ منزِلى، فرأَى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرَفنى حينَ رآني، وكان يراني قبلَ أن يُضربَ الحجابُ عَلَيَّ (١٠)، فاستيقَظتُ باسترجاعِه حينَ

стр. 11618

عرَفنى، فخَمَّرتُ وجهى بجلبابي - واللَّهِ ما تكلَّمتُ بكلمةٍ، ولا سمِعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه - حتى أناخ راحلتَه، فوطِئَ على يديْها، فركِبتُها، فانطلَق يقودُ بي الراحلةَ، حتى أتَيْنا الجيشَ بعدَ ما نزَلوا مُوغِرِين (١) في نحرِ الظهيرةِ (٢)، فهلَك مَن هلَك في شأنى، وكان الذي تولَّى كِبْرَه عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سلولَ، فقدِمتُ المدينةَ، فاشتكَيتُ شهرًا، والناسُ يُفِيضون في قولِ أهلِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يَرِييُنى في وجَعِى أنى لا أعرفُ من رسولِ اللَّهُ ﷺ اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حينَ أشتكِي، إنما يدخلُ فيسلِّمُ ثم يقولُ: "كيف تِيكُمْ (٣)؟ ". فذلك يَريبُني، ولا أشعرُ بالشرِّ، حتى خرَجتُ بعدَ ما نَقِهتُ، فخرَجتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصعِ (٤)، وهو مُتَبَرَّزُنا، ولا نخرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قَبلَ أن نتخذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا، وأمْرُنا أمرُ العربِ الأُوَلِ في التنزُّهِ (٥)، وكنا نتأذَّى بالكُنُفِ أن نتخذَها عندَ بيوتِنا، فانطلَقتُ أنا وأمُّ مسطحٍ، وهى ابنةُ أبى رُهْمِ بن عبدِ المطلبِ بن عبدِ منافٍ، وأمُّها ابنةُ صخرِ بن عامرٍ، خالةُ أبى بكرٍ الصدَّيقِ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ بن عبادِ بن المطَّلبِ، فَأَقبَلتُ أنا وابنةُ أَبِي رُهُمٍ قِبَلَ بيتى، حينَ فرَغنا من شأنِنا، فعثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِها (٦)، فقالت: تَعِس مِسْطحٌ! فقلتُ لها: [بِئْسَ ما قلتِ] (٧)! أتسُبِّين رجلًا قد شهِد بدرًا؟ فقالت: أيْ

стр. 11619

هَنْتَاهُ (١)، أوَ لم تسمَعى ما قال؟ قلتُ: وما قال؟ فأخبرَتني بقولِ أهلِ الإفكِ، فازدَدتُ مَرَضًا على مرضى، فلما رجَعتُ إلى منزِلي، ودخَل عليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ثم قال: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ ". قلتُ: أتأْذنُ لي أن آتِيَ أبويَّ؟ قال: "نعم". قالت: وأنا حينَئذٍ أريدُ أن أتيقَّنَ (٢) الخبرَ من قِبَلِهما. فأذِن لي رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمِّي: أي أمَّتاه، ماذا يتحدثُ الناسُ؟ فقالت: أي بُنيةُ، هوِّني عليك، فواللَّهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وضيئةً عندَ رجلٍ (٣) يحبُّها ولها ضرائرُ، إلا أكثَرْن عليها. قالت: قلت: سبحانَ اللَّهِ، أَوَ قد تحدَّث الناسُ بهذا، وبلَغ رسولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قالت: نعم. قالت: فبكَيتُ تلك الليلةَ حتى أصبَحتُ، لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحِلُ بنومٍ، ثم أصبَحتُ، فدخَل عليَّ أبو بكرٍ وأنا أبكِي، فقال لأمى: ما يُبكيها؟ قالت: لم تكنْ علِمَت ما قيل لها. فأكبَّ يبكِي، فبكَى ساعةً، ثم قال: اسكُتى يا بنيةُ. فبكَيتُ يومى ذلك، لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحِلُ بنومٍ، ثم بكَيتُ ليلِىَ المقبِلَ لا يرقأُ لى دمعٌ، ولا أكتحلُ بنومٍ، [ثم بكَيتُ ليلتيَ المقبلةَ، لا يرقأُ دمعى (٤)، ولا أكتحلُ بنومٍ] (٥)، حتى ظنَّ أبواىَ أن البكاءَ سيفلِقُ كبِدى. فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استلْبَث الوحيُ (٦)، يستشِيرُهما في فراقِ أهلِه. قالت: فأما أُسامةُ فأشار على رسولِ اللَّهِ ﷺ بالذي يعلمُ من براءةِ أهله، وبالذى في نفسِه من الودِّ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، وهم

стр. 11620

أهلُك، ولا نعلمُ إلا خيرًا. وأما علىٌّ، فقال: لم يُضيَّقِ اللَّهُ عليكَ، والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسألِ الجاريةَ تَصْدُقُك. يعنى: بَرِيرةَ، فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرة، فقال: "هَلْ رأَيْتِ (١) مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ ". قالت له بَرِيرةُ: والذي بعثَك بالحقِّ، إنْ رأَيتُ عليها أمرًا قطُّ أغْمِصُه عليها (٢)، أكثرَ من أنها حديثةُ السنِّ، تنامُ عن عجينِ أهلِها، فتأتى الداجنُ (٣) فتأكلُه. فقام النبيُّ ﷺ خطيبًا، فحمِد اللَّهَ وأثنَى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: "مَنْ يَعْذِرُني (٤) ممنْ قد بلَغنى أذاه في أهلي؟ ". يعنى عبدَ اللَّهِ ابنَ أُبيٍّ ابنَ سَلُولَ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو على المنبرِ أيضًا: "يا معشر المسلمينَ، مَنْ يَعْذِرُني مِن رجلٍ قد بلَغنى أذاه في أهلي؟ فواللَّهِ ما علِمْتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقَدْ ذكَروا رجلًا ما علِمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخُلُ على أهلي إلا معِى". فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ الأنصاريُّ فقال: أعذِرُك منه يا رسولَ اللَّهِ، إن كان مِن الأوسِ ضرَبْنا عنقَه، وإن كان من إخوانِنا الخزرجِ أمَرْتَنا ففعَلنا أمرَك. فقام سعدُ بنُ عُبادةَ فقال، وهو سيدُ الخزرجِ، وكان رجلًا صالحًا ولكنِ احتمَلَتْه الحَميَةُ، فقال: أَيْ سعدَ بنَ معاذٍ، لعمرُ (٥) اللَّهِ لا تقتلُه، ولا تقدرُ على قتلِه. فقام أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، وهو ابن عمِّ (٦) سعدِ بن معاذٍ، فقال لسعدِ بن عُبادةَ: كَذَبْتَ، لعمرُ اللَّهِ

стр. 11621

لنقتلَنَّه (١)، فإنك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. فثار الحيَّانِ؛ الأوسُ والخزرجُ، حتى همُّوا أن يَقتتِلوا ورسولُ اللَّهِ ﷺ قائمٌ على المنبرِ، فلم يزَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهم حتى سكَنُوا. ثم أتانى رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنا في بيتِ أبويَّ، فبينا [هما جالِسان] (٢) عندى وأنا أبكِى، استأذنَتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصارِ، فأذِنتُ لها، فجَلَست تبكِي معى. قالت: فبينا (٣) نحن على ذلك، دخَل علينا رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ثم جلَس (٤)، ولم يجلِسْ عندى منذُ قيل ما قيل، وقد لبِث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني بشيءٍ. قالت: فتشهَّد رسولُ اللَّهِ ﷺ حينَ جلَس، ثم قال: "أما بعدُ، يا عائشةُ، فإنه بلَغني عنكِ كذا وكذا، فإنْ كنتِ بريئةً فسيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ، فاستغفِرِي اللَّهُ، وتُوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعترَف بذنبٍ (٥) ثم تاب، تاب اللَّهُ عليه". فلما قضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ مقالتَه، قَلَص دمعى (٦)، حتى ما أحسُّ منه دمعةً، فقلتُ لأبي: أجِبْ عنى رسولَ اللَّهِ ﷺ فيما قال. قال: واللَّهِ ما أدرِى ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ . [فقلت لأمِّي: أجيبي عنِّي رسولَ اللَّهِ ﷺ . قالت: واللَّهِ ما أدرِى ما أقولُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ] (٧). فقلت - وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ، لا أقرَأُ كثيرًا من - القرآنِ -: إنى واللَّهِ قد عرَفْتُ أن قد سمِعتم بهذا حتى استقرَّ في أنفسِكم، حتى كِدْتم أن تُصدِّقوا به، فإن قلت لكم: إنى بريئةٌ. واللَّهُ يعلمُ أني بريئةٌ، لا تُصدِّقوني

стр. 11622

بذلك، ولئن اعترفْتُ لكم بأمرٍ، واللَّهُ يعلمُ أني بريئةٌ، لتصدِّقُنِّي، وإني واللَّهِ ما أجدُ لى ولكم مَثَلًا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. ثم تولَّيتُ فاضطجَعتُ على فراشي، وأنا واللهِ أعلمُ أني (١) بريئةٌ، وأن اللَّهَ مُبرِّئى (٢) ببراءتي، ولكنى واللَّهِ ما كنت أظنُّ أن يَنزِلَ في شأني وحْيٌ (٣) يُتلَى، ولَشأني كان أحقَرَ في نفسي من أن يتكلَّمَ اللَّهُ فيَّ بأمرٍ يُتلَى، ولكنى كنت أرجُو أن يرَى رسولُ اللَّهِ ﷺ في المنامِ رؤيا يبرِّئُني اللَّهُ بها. قالت: واللَّهِ ما رام رسولُ اللَّهِ ﷺ مجلسَه، ولا خرَج من البيتِ أحدٌ، حتى أنزَل اللَّهُ على نبيِّه، فأخَذه ما كان يأخذُه من البُرَحاءِ (٤) عندَ الوحى، حتى إنه ليتحدَّرُ منه مِثلُ الجُمانِ (٥) من العرقِ في اليومِ الشاتِى، من ثقلِ القولِ الذي أُنزِلَ عليه. قالت: فلما سُرِّيَ عن رسولَ اللَّهِ ﷺ وهو يضحكُ، كان أوّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أن قال: "أبشِرى يا عائشةُ، [أمَّا اللَّهُ فقد برَّأكِ] (٦) ". فقالت لى أمِّي: قومِى إليه. فقلت: واللَّهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا اللَّهَ، هو الذي أنزَل براءتي. فأنزَل اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عشرَ آياتٍ، فأنزَل اللَّهُ هذه الآياتِ [برَّأني بها] (٧). قالت: فقال أبو بكرٍ، وكان ينفقُ على مِسْطَحٍ لقرابتِه وفقرِه: واللَّهِ لا أُنفقُ عليه شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ. قالت: فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى (٨):

стр. 11623

﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]. فقال أبو بكرٍ: إنى لأُحبُّ أن يغفرَ اللَّهُ لى. فرجَع إلى مِسْطَحِ النفقةَ التي كان يُنفق عليه، وقال: لا أنزِعُها منه أبدًا. قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ يسألُ زينبَ بِنتَ جحشٍ عن أمرى، وما رأَتْ وما سمِعتُ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، أحْمِي سمعي وبصَرى (١)، واللَّهِ ما رأيتُ إلا خيرًا. قالت عائشةُ: وهى التي كانت تُسامِينى (٢)، فعصَمها اللَّهُ بالوَرَعِ، وطفِقَتْ أختُها حَمْنةُ تحاربُ، فهلَكت في مَن هلَك. قال الزهريُّ ابن شهابٍ: فهذا الذي انتهَى إلينا من أمرِ هؤلاء الرهطِ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن (٤) علقمةَ بن وقَّاصٍ الليثيِّ، و (٥) عن سعيدِ بن المسيبِ، وعن عروةَ بن الزبيرِ، و (٦) عن عبيدِ اللَّهِ بن عبدَ اللَّهُ بن عتبةَ بن مسعودٍ. قال الزهريُّ: كلٌّ قد حدَّثَنى بعضَ هذا الحديثِ، وبعضُ القومِ كان أوعَى له من بعضٍ. قال: وقد جمَعتُ لك كلَّ الذي قد حدَّثني (٧). وحدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: وثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا

стр. 11624

يحيى بنُ عبادِ بن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قال: وثنى عبدُ اللَّهِ [بنُ أبى بكرِ] (١) بن محمدُ بنُ عمرٍو بن حزمٍ الأنصاريُّ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، قالت - وكلٌّ قد اجتمَع في حديثِه قصةُ [خبر عائشةَ] (٢) عن نفسِها، حينَ قال أهلُ الإفكِ فيها ما قالوا، فكلُّه قد دخَل في حديثِها عن هؤلاء جميعًا، ويحدِّثُ بعضُهم ما لم يحدِّثْ بعضٌ، وكلٌّ كان عنها ثقةً، وكلٌّ قد حدَّث عنها ما سمِع - قالت عائشةُ ﵂: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أراد سفرًا أقرَع بينَ نسائِه، فأَيَّتُهن خرَج سهمُها خرَج بها معه، فلما كانت غزوةُ (٣) بني المصطَلِقِ أقرَع بينَ نسائِه كما كان يصنعُ، فخرَج سهمى عليهنَ، فخرَج بى رسولُ اللَّهِ ﷺ معه. قالت: وكان النساءُ إذ ذاك إنما يأكُلْن العُلَقَ، لم يُهيِّجْهن (٤) اللحمُ فيثْقُلْن. قالت: وكنت (٥) إذا رُحِّل بعيرى جلَسْتُ في هَوْدَجى، ثم يأتى القومُ الذين يُرحِّلون بي بعيرى ويحمِلونى، فيأخُذون بأسفلِ الهودجِ، فيرفَعونه فيضَعونه على ظهرِ البعيرِ، فينطلِقون به. قالت: فلما فرَغ رسولُ اللَّهِ ﷺ من سفرِه ذلك وجَّه قافلًا (٦)، حتى اللَّهِ إذا كان قريبًا [من المدينةِ] (٧) نزَل منزلًا (٨)، فبات بعضَ الليلِ، ثم أذَّن في الناسِ بالرحيلِ، فلما ارتحَل الناسُ، خرَجتُ لبعضِ حاجتي، وفي عنقى عِقدٌ لي من جَزْعِ

стр. 11625

ظَفارِ، فلما فرغتُ انسلَّ من عنقى ولا أدرِى، فلما رجَعتُ إلى الرحْلِ، ذهَبتُ ألتمِسُه في عنقي فلم أجِدْه، وقد أخَذ الناسُ في الرحيلِ. قالت: فرجَعتُ [عَوْدِى إلى بَدْئِى] (١) إلى المكانِ الذي ذهَبتُ إليه، فالتمَستُه حتى وجَدتُه، وجاء القومُ خلافى الذين كانوا يرحِّلون بي البعيرَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى، عن ابن ثورٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ ﵂، قالت: لمَّا (٣) ذُكِر من شأنى الذي ذُكِر، وما علِمتُ به، قام رسولُ اللَّهِ ﷺ فِيَّ خطيبًا وما علِمتُ، فتشهَّد، فحمِد اللَّهَ وأثنَى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: "أما بعدُ، أشيروا عليَّ في أناسٍ أبَنُوا أهلي (٤)، وايمُ (٥) اللَّهِ ما علِمتُ على أهلي سوءًا قطُّ، وأبَنُوهم بمن واللَّهِ ما علِمتُ عليه سوءًا قطُّ، ولا دخَل بيتى قطُّ إلا وأنا حاضرٌ، ولا غبتُ (٦) في سفرٍ إلا غاب معى". فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، نرَى (٧) أن نضرِبَ أعناقَهم. فقام رجلٌ من الخزرجِ، وكانت أمُّ حسانَ بن ثابتٍ من رهطِ ذلك الرجلِ، فقال: كذَبتَ، أما واللَّهِ لو كانوا من الأوسِ ما أحبَبتَ أن تُضرَبَ أعناقُهم. حتى كاد أن يكونَ بينَ الأوسِ والخزرجِ في المسجدِ شرٌّ، وما علِمتُ به، فلما كان مساءُ ذلك اليومِ خرَجتُ لبعضِ حاجتى ومعى أمُّ مِسْطَحِ، فعثَرَتْ،
следующие страницы →