← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 11656–11695 · переход к 11661.

стр. 11656

﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾. قال: الطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ، والخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: الخبيثاتُ مِن النساءِ للخبيثين مِن الرجال، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن النساءِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زَيْدٍ في قولِه: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾. قال: نزَلت في عائشةَ حينَ رماها المنافقُ بالبهتانِ والفِرْيْةِ، فبرَّأها اللهُ مِن ذلك. وكان عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ هو خبيثٌ، وكان هو أَوْلَى بأن تكونَ له الخبيثةُ ويكونَ لها، وكان رسولُ اللهِ ﷺ طيبًا، وكان أَوْلَى أن تكونَ له الطيبةُ، وكانت عائشةُ الطيبةَ، وكانَ أَوْلَى أن يكونَ لها الطيبُ، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾. قال: هاهنا بُرِّئتْ عائشةُ. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢). وأَوْلَى هذه الأقوالِ في تأويلِ الآية قولُ مَن قال: عَنَى بالخبيثاتِ: الخبيثاتِ مِن القولِ، وذلك قبيحُه وسيئُه، للخبيثين مِن الرجالِ والنساءِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ هم بها أَوْلَى؛ لأنَّهم أهلُها، والطيباتُ مِن القولِ، وذلك حسنُه

стр. 11657

وجميلُه، للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القول؛ لأنَّهم أهلها وأحقُّ بها. وإنما قُلْنا: هذا القولُ أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ الآياتِ قبلَ ذلك إنما جاءَت بتوبيخِ اللَّهِ للقائلين في عائشةَ الإفكَ، والرامين المحصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ، وإخبارِهم ما خَصَّهم به على إفكِهم، فكان ختمُ الخبرِ عن أَوْلَى الفريقين بالإفكِ مِن الرامي والمرميِّ به، أشبهَ مِن الخبرِ عن غيرِهم. وقولُه: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾. يقولُ: الطَّيبون مِن الناسِ مبرَّءون مِن خبيثاتِ القولِ، إن قالوها فإنَّ اللَّهَ يَصفحُ لهم عنها، ويَغْفِرُها لهم، وإن قِيلت فيهم ضرَّت قائلَها ولم تَضرَّهم، كما لو قال الطَّيِّبَ مِن القول الخبيثُ مِن الناسِ لم يَنْفَعُه الله به؛ لأنَّ الله لا يتقبَّلُه، ولو قِيلت له لضرَّتْه؛ لأنه يَلْحَقُه عارُها في الدنيا وذلُّها في الآخِرة. كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: فَمَن كان طيِّبًا فهو مُبَرَّأٌ مِن كلِّ قولٍ خبيثٍ، يقول: يغفِرُه اللهُ. ومَن كان خبيثًا فهو مُبَرَّأٌ مِن كلِّ قولٍ صالحٍ، فإنه يَرُدُّه الله عليه، لا يَقبلُه منه (١). وقد قِيل: عُنِى بقولِه: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: عائشةُ وصفوانُ بنُ المُعَطَّلِ الذي رُمِيت به. فعلى هذا القولِ قيل: ﴿أُولَئِكَ﴾. فجُمِع، والمرادُ ذانِك، كما قيل: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]. والمرادُ أخوَان.

стр. 11658

وقولُه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. يقولُ: لهؤلاءِ الطيِّبين مِن الناسِ مغفرةٌ مِن اللهِ لذنوبِهم، والخبيثِ مِن القولِ إن كان منهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم أيضًا مع المغفرةِ عَطيةٌ مِن الله كريمةٌ، وذلك الجنةُ وما أُعِدَّ لهم فيها مِن الكرامةِ. كما حدَّثنا أبو زرْعةَ، قال: ثنا العباسُ بنُ الوليدِ النَّرْسِيُّ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: مغفرةٌ لذنوبِهم، ورزقٌ كريمٌ في الجنةِ (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: يأيها الذين آمنوا لا تَدخُلوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأذِنوا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرَأُ: (لا تَدْخُلُوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأذِنوا (٢) وتُسَلِّموا على أهلِها). قال: وإنما ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ وَهُمٌ مِن الكتَّابِ (٣).

стр. 11659

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. وقال: إنما هي خطأٌ مِن الكتَّابِ (١): (حتى تستأذنوا وتُسلِّموا) (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا وَهْبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ بمثلِه، غيرَ أنَّه قال: إنما هي: (حتى تَستَأذنوا). ولكنها سقَطٌ مِن الكاتبِ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا معاذُ بنُ سليمانَ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. قال: أخطأَ الكاتبُ. وكان ابن عباسٍ يقرأُ: (حتى تَسْتأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا). وكان يقرؤُها على قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ أنه كان يقرؤُها: (حتى تَسْتأذنوا وتُسَلِّمُوا). قال سفيانُ: وبلَغنى أنَّ ابن عباسٍ كان يقرؤُها: (حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلَّمُوا). وقال: إنها خَطَأٌ مِن الكاتب (٤).

стр. 11660

حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. قال: الاستِئْناسُ الاستئذانُ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: في مصحفِ ابن مسعودٍ: (حتى تُسَلِّموا علَى أَهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا) (٢). قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ إياسٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُها: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا). قال: وإنما ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ وَهُمٌ مِن الكُتَّابِ. قال: ثنا هشيمٌ، قال مُغيرةُ: قال مجاهدٌ: جاء ابن عمرَ مِن حاجةٍ، وقد آذاه الرَّمْضاءُ (٣)، فأتَى فُسطاطَ امرأةٍ مِن قريشٍ، فقال: السلامُ عليكم، أدخلُ؟ فقالت: ادخُل بسلامٍ. فأعاد، فأعادَت، وهو يراوحُ بين قدمَيه، قال: قولِى: ادخُلْ. قالت: ادخُلْ. فدخَل (٤). قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا منصورٌ، عن ابن سيرينَ، وأخبَرنا يونسُ بنُ عُبيدٍ، عن عمرِو بن سعيدٍ الثقفيِّ، أن رجلًا استأذَن على النبيِّ ﷺ ، فقال: أَلِجُ أو أَنَلِجُ؟ فقال النبيُّ ﷺ لأمَةٍ له يقالُ لها رَوْضَةُ: "قومِي إلى هذا فَكَلِّميه (٥)، فإِنَّهُ لا يُحْسِنُ يَسْتَأْذِنُ، فَقُولى له يقولُ: السلامُ عليكم، أدْخُلُ؟ ". فسمِعها الرجلُ

стр. 11661

فقالها، فقال: "ادْخُلْ" (١). حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: الاستئذانُ، ثم نُسِخ واسْتُثْنِىَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾. قال: حتى تُسلِّموا على أهلِها وتَستَأذِنوا. حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: حتى تَستأذنوا وتُسلِّموا (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا أشعتُ بنُ سَوَّارٍ، عن كُرْدُوسٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: عليكم أن تَستأذِنوا على أمهاتِكم وأَخَوَاتِكم (٤). قال أشعثُ، عن عديِّ بن ثابتٍ، أنَّ امرأةً مِن الأنصارِ قالت: يا رسولَ اللهِ، إِنَّى أكونُ في منزلِى على الحالِ التي لا أُحِبُّ أن يَرانى أحدٌ عليها؛ والدٌ ولا ولَدٌ، وإنه لا يَزالُ يَدخُلُ عليَّ رجُلٌ مِن أهلى وأنا على تلك الحالِ. قال: فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى

стр. 11662

أَهْلِهَا﴾ الآية (١). وقال آخرون: معنى ذلك: حتى تُؤنِسوا أهلَ البيتِ بالتَّنَحْنُحِ والتَّنَخُّمِ وما أشْبهَه؛ حتى يَعلَموا أنكم تُريدون الدُّخولَ عليهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. قال: حتى تَتَنَحْنَحوا وتتَنَخَّموا. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: حتى تَحَسَّسوا (٣) وتُسلِّموا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: تَنَحْنَحُوا وتَنَخَّموا. قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أَبِي رَبَاحٍ يُخبرُ عن ابن عباسٍ، قال: ثلاثُ آياتٍ قد جحَدهنَّ الناسُ؛ قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ

стр. 11663

اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. قال: ويقولون: إِنَّ أكرَمَهم عندَ اللهِ أعظمُهم شأنًا (١). قال: والإِذْنُ كلُّه قد جحَده الناسُ. فقلتُ له: أَستَأْذِنُ على أَخَواتي أيتامٍ في حَجرى معى في بيتٍ واحدٍ؟ قال: نعم. فردَدْتُ على مَن حضَرني، فأبَى. قال: أتُحبُّ أن تَراها عُريانةً؟ قلتُ: لا. قال: فاستأذِنْ. فراجعتُه أيضًا. قال: أتحبُّ أن تُطيعَ اللَّهَ؟ قلتُ: نعم. قال: فاستأذِنْ. فقال لى سعيدُ بنُ جبيرٍ: إنك لَتُرَدِّدُ عليه. قلتُ: أردتُ أن يُرخِّصَ لى (٢). قال ابن جُرَيجٍ: وأخبَرنى ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: ما مِن امرأةٍ أَكْرَهُ إليَّ أن أرَى، كأنه يقولُ: عِرْيَتَهَا (٣)، أو عُرْيَانةً، مِن ذاتِ مَحرمٍ. قال: وكان يُشدِّدُ في ذلك (٤). قال ابن جُرَيجٍ: وقال عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. فواجبٌ على الناسِ أجمعينَ إذا احتَلموا أن يَستأذِنوا على مَن كان مِن الناسِ. قلتُ لعطاءٍ: أواجبٌ على الرجلِ أن يَستأذنَ على أمِّه ومَنْ وراءها مِن ذاتِ قرابتِه؟ قال: نعم. قلتُ: [بأيٍّ وَجَبت] (٥)؟ قال: قولُه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٤). قال ابن جُرَيجٍ: وأخبرنى ابن زيادٍ، أن صفوانَ مَولًى لبنى زُهْرَةَ، أخبَره عن عطاءِ بن يسارٍ، أنَّ رجلًا قال للنبيِّ ﷺ : أستأذنُ على أمِّى؟ قال: "نعم". قال:

стр. 11664

إنها ليس لها خادِمٌ غيرِى، أفأَستأذِنُ عليها كلما دخَلْتُ؟ قال: "أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً؟ ". قال الرجُلُ: لا. قال: "فاستَأذِنْ عليها" (١). قال ابن جُرَيجٍ، عن الزهريِّ، قال: سمِعتُ هُزَيْلَ بنَ شُرَحبيلَ الأَوْدِيَّ الأعمى، أنه سَمِع ابنَ مسعودٍ يقولُ: عليكم الإذْنَ على أمهاتِكم (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أيَستأذنُ الرجلُ على امرأتِه؟ قال: لا (٣). حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ خازمٍ (٤)، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن يَحيى بن الجزَّارِ، عن ابن أخى زينبَ - امرأةِ ابن مسعودٍ - عن زينبَ، قالت: كان عبدُ اللَّهِ إذا جاء مِن حاجةٍ فانتهَى إلى البابِ، تَنحْنَحَ وبزَق؛ كراهةَ أَن يَهْجُمَ منا على أمرٍ يكرهُه (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: الاستِئْناسُ التَّنَحنحُ والتَّجَرُّسُ حتى يَعرِفوا أن قد جاءَهم أحدٌ. قال: والتَّجَرُّسُ كلامُه وتَنحنُحُه. والصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أن يقالَ: إِنَّ الاستئْناسَ الاستفعالُ مِن

стр. 11665

الأُنْسِ، وهو أن يَستأذنَ أهلَ البيتِ في الدخولِ عليهم، مُخبِرًا بذلك مَن فيه، وهل فيه أحدٌ، ولِيؤْذِنَهم أنه داخلٌ عليهم، فيَأْنسَ (١) إلى إذنِهم له في ذلك، ويأنَسوا إلى استئذانِه إياهم. وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: اذهبْ فاستَأنِسْ، هل ترَى أحدًا في الدارِ؟ بمعنى: انظُرْ هل ترَى فيها أحدًا؟ فتأويلُ الكلامِ إذن، إذ (٢) كان ذلك معناه: يأيُّها الذين آمنوا لا تَدخُلُوا بُيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تُسلِّموا وتستأذِنوا، وذلك أن يقولَ أحدُكم: السلامُ عليكم، أدخلُ؟ وهو من المقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، إنما هو: حتى تُسلِّموا وتستأذِنُوا. كما ذكَرْنا مِن الروايةِ عن ابن عباسٍ. وقولُه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: استِئْناسُكم وتَسليمُكم على أهلِ البيتِ الذي تُريدون دخولَه، فإنَّ دُخولَكموه خيرٌ لكم؛ لأنكم لا تَدرون أنكم إذا دخَلتُموه بغيرِ إذنٍ على ماذا تَهجُمون؛ على ما يسوءُكم أو يَسرُّكم، وأنتم إذا دخَلتم بإذنٍ، لم تَدخلوا على ما تَكرَهون وأدَّيتم بذلك أيضًا حَقَّ اللَّهِ عليكم في الاستئذانِ والسلامِ. وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لتَتذَكَّروا بفعلِكم ذلك أمْرَ (٣) اللَّهِ عليكم، واللازمَ لكم من طاعتِه فتطيعوه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾.

стр. 11666

يقول تعالى ذكرُه: فإن لم تَجِدوا في البُيوتِ التي تَستأذنون فيها أحدًا يأذنُ لكم بالدُّخولِ إليها، فلا تَدخلُوها؛ لأنها ليست لكم، فلا يَحِلُّ لكم دُخولُها إلا بإذنِ أربابِها، فإن أذِن لكم أربابُها أن تَدخلُوها، فادخلُوها، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾. يقولُ: وإن قال لكم أهلُ البيوتِ التي تَسْتأذنون فيها: ارجِعوا فلا تَدْخُلُوها. فارجِعوا عنها ولا تَدخُلوها، ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾. يقولُ: رُجوعُكم عنها إذا قيل لكم: ارجِعوا. ولم يُؤْذَنْ لكم بالدخولِ فيها، أطهَرُ لكم عندَ اللَّهِ. وقولُه: ﴿هُوَ﴾. كنايةٌ مِن اسمِ الفعلِ، أعنى من قولِه: ﴿فَارْجِعُوا﴾. وقولُه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ بما تعمَلون؛ مِن رُجوعِكم بعدَ استئذانِكم في بيوتِ غيرِكم إذا قيل لكم: ارجِعوا. وتركِ رجوعِكم عنها، وطاعتِكم اللَّهَ فيما أمَركم ونهاكم في ذلك وغيرِه مِن أمرِه ونهيِه - ذو علمٍ، محيطٌ بذلك كلِّه، مُحْصٍ جميعَه عليكم، حتى يجازيَكم على جميعِ ذلك. وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾. قال: إن لم يكنْ لكم فيها مَتاعٌ، فلا تَدخُلوها إلا بإذنٍ، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن

стр. 11667

مجاهدٍ مثلَه. قال: ثنا الحسينُ (١)، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ المُزَنيُّ، عن قَتادةَ، قال: قال رجلٌ مِن المهاجرين: لقد طلَبتُ عمرى كلَّه هذه الآيةَ فما أدركتُها؛ أن أستأذِنَ على بعضِ إخوانى، فيقولَ لى: ارجِعْ. فأَرجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ؛ لقولِه: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ (٢). وهذا القولُ الذي قاله مجاهدٌ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾. بمعنى: إن لم يكنْ لكم فيها مَتاعٌ - قولٌ بعيدٌ مِن مفهومِ كلامِ العربِ؛ لأن العربَ لا تكادُ تقولُ: ليس بمكانِ كذا أحدٌ. إلا وهى تَعنى: ليس بها أحدٌ مِن بنى آدَمَ. وأما الأمتعةُ وسائرُ الأشياءِ غيرُ بنى آدمَ، ومن كان سبيلُه سبيلَهم، فلا تقولُ ذلك فيها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليس عليكم أيها الناسُ إثمٌ وحرَجٌ أن تَدخلوا بيوتًا لا ساكنَ بها، بغيرِ استئْذانٍ. ثم اختلَفوا في ذلك أيَّ البيوتِ عنَى؛ فقال بعضُهم: عنَى بها الخاناتِ والبيوتَ المبنيةَ بالطرُقِ التي ليس بها (٣) سكانٌ معروفون، وإنما بُنِيت لمارَّةِ الطريقِ والسابلةِ (٤) ليأوُوا إليها ويُؤْوُوا إليها أمتِعتَهم.

стр. 11668

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن سالمٍ المكِّيِّ عن محمدِ ابن الحنفيةِ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾. قال: هي الخاناتُ التي تكونُ في الطُّرْقِ (١). حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مُسلمٌ، قال: ثنا عمرُ بنُ فَرُّوخَ، قال: سمِعتُ قَتادةَ يقولُ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾. قال: هي الخاناتُ تكونُ لأهلِ الأسفارِ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن أبى زائدةَ، عن وَرقاءَ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. قال: كانوا يَضعون في بيوتٍ في طرقِ (٣) المدينةِ متاعًا وأقتابًا، فرُخِّص لهم أن يَدخلوها (٤). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمَرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾. قال: هي البُيوتُ التي يَنزِلُها السَّفْرُ لا يسكنُها أحدٌ (٥).

стр. 11669

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾. قال: كانوا يَصنعون، أو يَضعون، بطريقِ المدينةِ أَقْتابًا وأَمتِعةً في بيوتٍ ليس فيها أحدٌ، فأحِلَّ لهم أن يَدخلوها بغيرِ إذنٍ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: كانوا يَضعون بطريقِ المدينةِ (١). بغيرِ شكٍّ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، غيرَ أنه قال: كانوا يَضعون بطريقِ المدينةِ أقتابًا وأمتِعةً. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾: هي البيوتُ التي ليس لها أهلٌ، وهى البيوتُ التي تكونُ بالطرُقِ والخَرِبةِ، ﴿فِيهَا مَتَاعٌ﴾ منفعةٌ للمسافرِ في الشتاءِ والصيفِ، يأوِى إليها (٢). وقال آخرون: هي بيوتُ مكةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن سعيدِ بن سابِقٍ (٣)، عن الحجاجِ بن أرطاةَ، عن سالمٍ، عن (٤) محمدِ ابن الحنفيَّةِ في: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾.

стр. 11670

قال: هي بيوتُ مكةَ. وقال آخرون: هي البيوتُ الخَرِبَةُ، والمتاعُ التي (١) قال اللَّهُ فيها لكم، قضاءُ الحاجةِ؛ من الخلاءِ والبولِ فيها. ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. قال: الخلاءُ والبولُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا الحسينُ (٣) بنُ عيسى بن زيدٍ، عن أبيه في هذه الآيةِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. قال: التَّخلِّى في الخرابِ. وقال آخرون: بل عنَى بذلك بيوتَ التجارِ التي فيها أمتِعةُ الناسِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. قال: بيوتَ التجارِ، ليس عليكم جناحٌ أن تَدخلوها بغيرِ إذنٍ، الحوانيتَ التي بالقَيْسارياتِ (٤) والأسواقِ. وقرَأ: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ متاعٌ للناسِ، ولبنى آدَمَ (٥).

стр. 11671

وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ عمَّ بقولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ كلَّ بيتٍ لا ساكنَ به (١)، لنا فيه متاعٌ، ندخلُه (٢) بغيرِ إذنٍ؛ لأنَّ الإذنَ إنما يكونُ ليؤْنَسَ المأذونُ عليه قبلَ الدُّخولِ، أو ليأذَنَ للداخلِ إن (٣) كان له مالكًا، أو كان فيه ساكنًا. فأما إن كان لا مالكَ له فيُحتاجَ إلى إذنِه لدخولِه، ولا ساكنَ فيه فيَحتاجَ الداخلُ إلى إيناسِه والتسليمِ عليه؛ لئلا يَهْجُمَ على ما لا يُحبُّ رؤيتَه منه - فلا معنَى للاستئذانِ فيه. فإذ كان ذلك، فلا وجهَ لتخصيصِ بعضِ ذلك دونَ بعضٍ، فكلُّ بيتٍ لا مالكَ له ولا ساكنَ من بيتٍ مبنيٍّ ببعضِ الطُّرقِ للمارَّةِ والسابِلةِ ليَأْوُوا إليه، أو بيتٍ خرابٍ قد باد أهلُه ولا ساكنَ فيه حيثُ كان ذلك، فإن لَمن أراد دخولَه أن يَدخُلَ بغيرِ استِئْذانٍ لمتاعٍ له يؤويه إليه، أو للاستِمتاعِ به لقضاءِ حقِّه؛ مِن بولٍ أو غائطٍ أو غيرِ ذلك. وأما بيوتُ التُّجارِ، فإنه ليس لأحدٍ دخولُها إلا بإذنِ أربابِها وسكانِها. فإن ظنَّ ظانٌّ أن التاجرَ إذا فتَح دُكَّانَه وقعَد للناسِ فقد أذِن لمَن أراد الدخولَ عليه في دُخولِه، فإنَّ الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أنه ليس لأحدٍ دخولُ ملكِ غيرِه بغيرِ ضرورةٍ ألجَأتْه إليه، أو بغيرِ سببٍ أباح له دُخولَه إلا بإذنِ ربِّه، لا سيَّما إذا كان فيه متاعٌ، فإن كان التاجرُ قد عُرِف منه أن فتحَه حانوتَه إذنٌ منه لمَن أراد دخولَه في الدخولِ، فذلك بَعْدُ راجعٌ إلى ما قلنا مِن أنه لم يَدخلْه مَن دخلَه إلا بإذنِه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكنْ مِن معنَى قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ

стр. 11672

مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ في شيءٍ، وذلك أن التي وضَع اللَّهُ عنا الجُناحَ في دخولِها بغيرِ إذنٍ مِن البيوتِ، هي ما لم تَكنْ مسكونةً، إذ حانوتُ التاجرِ لا سبيلَ إلى دخولِه إلا بإذنِه، وهو مع ذلك مسكونٌ، فتَبيَّن أنه مما عنَى اللَّهُ مِن هذه الآيةِ بمعزِلٍ. وقال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ: هذه الآيةُ مُستثْناةٌ مِن قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ثم نسَخ واسْتَثنى، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِح، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرِمةَ: هو ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية: فنسَخ مِن ذلك واستَثْنَى، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (٢). وليس في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. دَلالةٌ على أنه استِثناءٌ مِن قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. لأنَّ قولَه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. حكمٌ مِن اللَّهِ في البيوتِ التي (٣) لها سكانٌ وأَرْبابٌ. وقولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾. حكمٌ منه في

стр. 11673

البيوتِ التي لا سكانَ لها ولا أربابَ معروفون، فكلُّ واحدٍ من الحُكمينِ حكمٌ في معنًى غيرِ معنَى الآخَرِ، وإنما يُستَثْنَى الشئُ مِن الشئِ إذا كان مِن جنسِه أو نَوعِه في الفعلِ أو النفْسِ، فأما إذا لم يكنْ كذلك، فلا معنَى لاستِثْنائِه منه. وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ يعلمُ ما تُظهرون أيها الناسُ بألسنتِكم، مِن الاستئذانِ إذا استأذنْتُم على أهلِ البيوتِ المسكونةِ، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. يقولُ: وما تُضمِرونه في صدوركم عندَ فعلِكم ذلك ما الذي تقصدون به؛ أطاعةَ اللَّهِ والانتهاءَ إلى أمرِه أم غيرَ ذلك؟ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ باللَّه وبك يا محمدُ، ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. يقولُ: يكفُّوا مِن نظَرِهم إلى ما يشتَهُون النظرَ إليه، مما قد نهاهم اللَّهُ عن النظرِ إليه، ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أن يَراها مَنْ لا يَحِلُّ له رؤيتُها، بلُبسِ ما يستُرُها عن أبصارِهم، ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾. يقولُ: فَإِنَّ غضُّها من النظرِ عما لا يَحلُّ النظرُ إليه، وحِفْظَ الفرجِ عن أن يَظهرَ لأبصارِ الناظرين - أطهرُ لهم عندَ اللَّهِ وأفضلُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ذو خِبرةٍ بما تصنعون أيها الناسُ، فيما أمَركم به مِن غضِّ أبصارِكم عما أمَركم بالغضِّ عنه، وحفظِ فروجِكم عن إظهارِها لمن (١) نهاكم عن إظهارِها له. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 11674

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ سَهْلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. قال: كلُّ فَرْجٍ ذُكِر حفظُه في القرآنِ فهو مِن الزنى، إلا هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. فإنه يعنى السِّتْرَ (١). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. قال: يَغُضُّوا أبصارَهم عما يَكرَهُ اللَّهُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. قال: يَغُضُّ مِن بصرِه أن ينظرَ إلى ما لا يَحلُّ له (٣) - إذا رأَى ما لا يَحلُّ له غضَّ مِن بصرِه، لا ينظرُ إليه - ولا يستطيعُ أحدٌ أن يَغُضَّ بصرَه كلَّه، إنما قال اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾.

стр. 11675

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَقُلْ﴾ له يا محمدُ ﴿لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ مِن أمتِك، ﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ عما يكرَهُ اللَّهُ النظرَ إليه مما نهاكم عن النظرِ إليه، ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. يقولُ: ويَحفَظْنَ فروجَهنَّ عن أن يراها مَن لا يَحلُّ له رؤيتُها، بلُبسِ ما يستُرُها عن أبصارِهم. وقولُه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُظْهِرْن للناسِ الذين ليسوا لهنَّ بَمَحْرَمٍ زينتَهنَّ، وهما زينتان؛ إحداهما: ما خَفِى، وذلك كالخَلْخالَين (١) والسِّوارَين والقُرْطَين والقلائدِ. والأُخرى: ما ظهَر منها، وذلك مختلَفٌ في المَعنيِّ منه بهذه الآيةِ؛ فكان بعضُهم يقولُ: زينةُ الثيابِ الظاهرةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن الحجاجِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحوَصِ، عن ابن مسعودٍ، قال: الزينةُ زينتانِ؛ فالظاهرةُ منها: الثيابُ، وما خَفِى الخَلْخالان والقُرطان والسِّوَاران (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيٍّ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: هي الثيابُ (٣).

стр. 11676

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه. قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ (١)، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه (٢). قال: ثنا سفيانُ، عن علقمةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا بعضُ أصحابِنا؛ إمّا يونسُ وإما غيرُه، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الثيابُ. قال أبو إسحاقَ: ألا تَرَى أنه قال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٤) [الأعراف: ٣١]. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفضلِ، عن الأعمشِ، عن مالكِ بن الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ (١)، عن ابن

стр. 11677

مسعودٍ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: هو الرِّداءُ (١). وقال آخَرون: الظاهرُ مِن الزينةِ التي أُبيحَ لها أن تُبدِيَه: الكُحْلُ والخاتَمُ والسِّوارانِ والوجهُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مروانُ، قال: ثنا مسلمٌ المُلائيُّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكُحْلُ والخاتَمُ (٢). حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا مروانُ، عن مسلمٍ المُلائيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه ولم يَذكُرِ ابنَ عباسٍ (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن أبي عبدِ اللَّهِ نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الظاهرُ منها: الكُحْلُ والخدَّان. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ بن هُرْمُزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الوجهُ والكفُّ (٤). حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسلمِ

стр. 11678

ابن هُرمزَ المكيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه. حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن عطاءٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكفَّان والوجهُ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: الكُحْلُ والسِّوَاران والخاتَمُ. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: والزينةُ الظاهرةُ: الوجهُ، وكحْلُ العينِ، وخِضابُ الكفِّ، والخاتمُ، فهذه تظهرُ في بيتِها لمن دخَل مِن الناسِ عليها (٢). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: المَسَكَتان (٣) والخاتَمُ والكُحْلُ. قال قتادةُ: وبلَغنى أن النبيَّ ﷺ قال: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُخْرِجَ يَدَها إلَّا إلى هَهُنا". وقبَض نصفَ الذراعِ (٤). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن

стр. 11679

رجلٍ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: القُلْبَين (١)، والخاتمَ، والكُحْلَ. يعنِى السوارَ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الخاتمُ والمَسَكَةُ. قال ابن جُرَيجٍ: وقالت عائشةُ: القُلْبُ والفَتْخَةُ (٣). قالت عائشةُ: دخَلت عليَّ ابنةُ أخى لأمِّى عبدِ اللَّهِ بن الطُّفَيْلِ مُزَيَّنَةً، فدخَل النبيُّ ﷺ ، فأعرَض، فقالت عائشةُ: إنها ابنةُ أخى وجاريةٌ. فقال: "إذا عرَكت (٤) المرأةُ لم يَحِلَّ لها أن تُظْهِرَ إلَّا وجهَها، وإلَّا ما دُون هذا". وقبَض على ذِراعِ نفْسِه، فترَك بينَ قبضَتِه وبينَ الكفِّ مثلَ قبضَةٍ أُخرَى (٥). وأشار به أبو عليٍّ. قال ابن جُرَيجٍ: وقال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكُحْلُ والخِضَابُ والخَاتَمُ (٦). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن عامرٍ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكُحْلُ والخِضَابُ والثيابُ (٧).

стр. 11680

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. مِن الزينةِ؛ الكُحْلُ والخِضابُ والخاتمُ، هكذا كانوا يقولون، وهذا يَراه الناسُ. حدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ البَرْقِيُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبى سلمةَ، قال: سُئِل الأوزاعيُّ عن: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الكفَّين والوجهَ. حدَّثنا عمرُو بنُ بندقٍ، قال: ثنا مروانُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. قال: الكفُّ والوجهُ (١). وقال آخرون: عنَى به الوجهَ والثيابَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: قال يونسُ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال الحسنُ: الوجهُ والثيابُ (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: الوجهُ والثيابُ. وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك الوجُه والكفّانِ. يَدخُلُ في ذلك إذا كان كذلك، الكُحْلُ والخاتمُ والسِّوارُ والخِضابُ [والثِّيابُ] (٣).

стр. 11681

وإنما قلنا: ذلك أَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لإجماعِ الجميعِ على أن على كلِّ مصلٍّ أن يستُرَ عَورتَه في صلاتِه، وأن للمرأةِ أن تَكْشِفَ وجَهَها وكفَّيْها في صلاتِها، وأن عليها أن تَستُرَ ما عدا ذلك من بدنِها، إلا ما رُوِى عن النبيِّ ﷺ أنه أباح لها أن تُبديَه مِن ذراعِها إلى قدرِ النصفِ (١). فإذ كان ذلك مِن جميعِهم إجماعًا، كان معلومًا بذلك أن لها أن تُبدىَ مِن بدنِها ما لم يكنْ عورةً كما ذلك للرجالِ؛ لأنَّ ما لم يكنْ عورةً، فغيرُ حرامٍ إظهارُه. وإذا كان لها إظهارُ ذلك، كان معلومًا أنه مما استَثْناه اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. لأنَّ كلَّ ذلك ظاهرٌ منها. وقولُه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولْيُلْقِين خمُرَهن - وهى جمعُ خِمارٍ - على جيوبِهن؛ ليَسْتُرْنَ بذلك شعورَهن وأعناقَهن وقُرْطَهن. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن إبراهيمَ بن نافعٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ مسلمِ بن يَنَّاقٍ، عن صفيةَ بنتِ شيبةَ، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾. قال: شَقَقْن البُرُدَ مما يَلِى الحَواشِىَ، فاخْتَمَرْنَ به (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، أن قُرَّةَ بنَ عبدِ الرحمنِ أخبَره، عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالت: يَرْحَمُ اللَّهُ النساءَ المهاجراتِ الأُوَلَ، لمّا أنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾ شَقَقْن

стр. 11682

أَكْثَفَ (١) مُرُوطِهن، فاخْتَمَرْن به (٢). وقولُه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يُبْدِين زينتَهنَّ التي هي غيرُ ظاهرةٍ، بل الخفيةُ منها؛ وذلك الخَلْخالُ والقُرْطُ والدُّمْلُجُ (٣)، وما أُمِرَت بتغطيتِه بخمارِها مِن فوقِ الجَيْبِ، وما وراءَ ما أُبِيح لها كشفُه وإبرازُه في الصلاةِ وللأجْنَبِيّين مِن الناسِ، والذراعين إلى فوقِ ذلك - إلا لبعولتِهن. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾. قال: هذه ما فوقَ الذراعِ (٤). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، قال: سمِعْتُ رجلًا يُحَدِّثُ عن طلحةَ، عن إبراهيمَ، قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾. قال: ما فوقَ الجَيْبِ. قال شعبةُ: كتَب به منصورٌ إليَّ، وقرأْتُه عليه.

стр. 11683

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سعيدِ بن أبى عَروبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾. قال: تُبْدِى لهؤلاء الرأسَ. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. قال: الزينةُ التي تُبدِيها (١) لهؤلاء؛ قُرْطاها وقِلادتُها وسِوَارَاها، فأما خَلْخالَاها ومِعْضَدُها ونحرُها وشعَرُها، فإنها لا تُبْدِيه إلا لزوجِها (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ﴾ - [﴿أَو﴾، ﴿أَو﴾] (٣) قال: الطَّوْقَ والقُرْطَيْن. يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: قلْ للمؤمناتِ الحَرائرِ: لا يُظْهِرْنَ هذه الزينةَ الخفيةَ التي ليست بالظاهرةِ ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ وهم أزواجُهن، واحدُهم بَعْلٌ، ﴿أَوْ﴾ لـ ﴿آبَائِهِنَّ﴾، أو لـ ﴿آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾. يقولُ: أو لآباءِ أزواجِهن ﴿أَوْ﴾ ﴿أَبْنَائِهِنَّ أَوْ﴾ لـ ﴿أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ﴾ لـ ﴿بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾. ويعنى بقولِه: ﴿أَو﴾ لـ ﴿إِخْوَانِهِنَّ﴾: أو لإخْوتِهنَّ (٤) - ﴿أَوْ﴾ لـ ﴿بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾. ﴿أَوْ نِسَائِهِنّ﴾. قيل: عُنِى بذلك نساءُ المسلمين.

стр. 11684

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾. قال: بلَغَنى أنهن نساءُ المسلمين، لا يَحِلُّ لمسلمةٍ أن تُرِىَ مُشركةً عِرْيتَها (١)، إلا أن تكونَ أمَةً لها، فذلك قولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٢) قال: ثنى الحسينُ، قال: ثنى عيسى بنُ يونُسَ، عن هشامِ بن الغازِ، عن عُبادةَ بن نُسَيٍّ، أنه كرِه أن تَقْبَلَ (٣) النصرانيةُ المسلمةَ، أَو تَرَى عَوْرَتَها، ويَتَأَوَّلُ ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (٤). قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن هشامٍ، عن عُبادةَ، قال: كتَب عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبى عُبيدةَ بن الجرَّاحِ ﵄: أما بعدُ، فقد بلَغَنى أن نساءً يَدْخُلْنَ الحَمَّاماتِ، ومعهن نساءُ أهلِ الكتابِ، فامْنَعْ ذلك، وحُلْ دونَه. قال: ثم إن أبا عُبيدةَ قام في ذلك المقامِ مُبْتَهِلًا: اللهم أيُّما امرأةٍ تَدْخُلُ الحمامَ مِن غيرِ علَّةٍ ولا سَقَمٍ، تُرِيدُ البياضَ لوجهِها، فسوِّدْ وجهَها يومَ تَبْيَضُّ الوجوه (٥). وقولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: أو مَمالِيكِهِن، فإنه لا بأسَ عليها أن تُظْهِرَ لهم مِن زينتِها ما تُظْهِرُه لهؤلاء.

стр. 11685

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخْبَرنى عمرُو بنُ دينارٍ، عن مَخْلَدٍ التَّميميِّ أنه قال في قولِه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. قال: في القراءةِ الأُولى: (أيمانُكم) (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ما مَلَكت أيمانُهن من إماءِ المشركين. كما قد ذكَرنا عن ابن جريجٍ قبلُ، مِن أنه لما قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ عنَى بهن النساءَ المسلماتِ دونَ المشركاتِ. ثم قال: أو ما ملَكت أيمانُهن مِن الإماءِ المشركاتِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يَتَّبِعونكم لطعامٍ يَأْكُلونه عندَكم، ممَّن لا إرْبَ له في النساءِ مِن الرجالِ، ولا حاجةَ به إليهن ولا يُرِيدُهن. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: كان الرجلُ (٢) يَتْبَعُ الرجلَ في الزمانِ الأولِ، لا يَغارُ عليه، ولا تَرْهَبُ المرأةُ أَن تَضَعَ خمارَها عندَه، وهو الأحمقُ الذي لا حاجةَ له في النساءِ (٣).

стр. 11686

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. فهذا الرجلُ يَتْبَعُ القومَ وهو مُغَفَّلٌ في عقلِه، لا يَكْتَرِثُ للنساءِ، ولا يَشْتَهِيهنَّ، فالزينةُ التي تُبْدِيها لهؤلاء قُرْطاها، وقِلادتُها، وسِوارَاها، وأما خَلْخالاها، ومِعْضَداها، ونَحرُها، وشعَرُها، فإنها لا تُبْدِيه إلا لزوجِها (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾. قال: هو التابعُ يَتْبَعُك يُصِيبُ مِن طعامِك (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: الذي يُرِيدُ الطعامَ ولا يُرِيدُ النساءَ. قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾: الذين لا يُهِمُّهم إلا بطونُهم، ولا يُخافون على النساءِ (٤).

стр. 11687

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السديُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: الأَبْلَهُ (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعْتُ ليثًا، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو الأبْلَهُ الذي لا يَعْرِفُ شيئًا مِن النساءِ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. الذي لا إرْبَ له بالنساءِ مثلَ فلانٍ (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو الذي لا تَسْتَحْيِى منه النساءُ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: مِن تبعِ الرجلِ وحَشَمِه الذي لم يَبْلُغْ إرْبُه أَن يَطَّلِعَ على عورةِ النساءِ (٥).

стр. 11688

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ، عن الشعبيِّ: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: الذي لا إرْبَ له في النساءِ. قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: المعتوهِ (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: هو الأحمقُ الذي لا هِمَّةَ له بالنساءِ ولا إرْبَ (٢). وبه عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. يقولُ: الأحمقِ الذي ليست له هِمَّةٌ في النساءِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الذي لا حاجةَ له في النساءِ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾. قال: هو الذي يَتْبَعُ القومَ، حتى كأنه كان منهم، ونشَأ فيهم، وليس يَتْبَعُهم لإرْبةِ نسائِهم، وليس له في نسائِهم إرْبةٌ، وإنما يَتْبَعُهم لإرفاقِهم إياه. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رجلٌ يَدْخُلُ على أزواجِ النبيِّ ﷺ مُخَنَّتٌ، فكانوا

стр. 11689

يَعُدُّونه مِن غيرِ أُولى الإرْبِة، فدخَل عليه النبيُّ ﷺ يومًا وهو عندَ بعضِ نسائِه، وهو يَنْعَتُ امرأةً، فقال: إنها إذا أقْبَلَت أقْبَلَت بأربعٍ، وإذا أدْبَرت أدْبَرت بثمانٍ. فقال النبيُّ ﷺ : " [ألا أَرَى] (١) هذا يَعْلَمُ ما ههنا، لا يَدْخُلَنَّ هذا عليكم". فحجَبوه (٢). حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ المِصْريُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾. قال: هو المُخَنَّثُ الذي لا يقومُ زُبُّه (٣). واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الشامِ، وبعضُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (غيرَ أُولى الإرْبةِ) بنصبِ "غيرِ" (٤). ولنصبِ "غيرِ" ههنا وجهان؛ أحدُهما: على القطعِ مِن ﴿التَّابِعِينَ﴾؛ لأن ﴿التَّابِعِينَ﴾ معرفةٌ و "غيرُ" نكرةٌ. والآخرُ: على الاستثناءِ، وتوجيهِ "غيرِ" إلى معنى: "إلا"، فكأنه قيل: ["إلا". وقرَأ غيرُ مَن ذَكَرْتُ] (٥) بخفضِ ﴿غَيْرِ﴾ (٦) على أنها نعتٌ لـ ﴿التَّابِعِينَ﴾، وجاز نعتُ ﴿التَّابِعِينَ﴾ بـ ﴿غَيْر﴾، و "التابعون" معرفةٌ، و "غيرُ" نكرةٌ؛ لأن ﴿التَّابِعِينَ﴾ معرفةٌ غيرُ مؤقَّتةٍ. فتأويلُ الكلامِ على هذه القراءةِ: أو الذين هذه

стр. 11690

صفتُهم. والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنَى، مستفيضةٌ القراءةُ بهما في الأمصارِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أنَّ الخفضَ في ﴿غَيْر﴾ أَقوَى في العربيةِ، فالقراءةُ به أعجبُ إليَّ و "الإرْبَةُ" الفِعْلَةُ مِن الأَرَبِ؛ مثلُ الجلِسةِ مِن الجُلُوسِ، والمِشيةُ مِن المَشْي، وهى الحاجةُ، يقال: لا أَرَب لى فيك: لا حاجةَ لى فيك. وكذا: أَرِبْتُ لكذا وكذا. إذا احتَجتَ إليه، فأنا آرَبُ له أَرَبًا. فأما "الأُرْبَةُ" بضمِّ الألفِ، فالعُقْدةُ. وقولُه: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أو الطفلِ الذين لم يَكْشِفوا عن عَوْراتِ النساءِ بجِماعِهن، فيَظْهَروا عليها (١)؛ لصِغَرِهنَّ (٢). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. قال: لم يَدْرُوا ما ثَمَّ؛ من الصِّغَرِ قبلَ الحُلُمِ (٣).

стр. 11691

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقولُه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَجْعَلْنَ في أرجلِهن مِن الحُلِيِّ ما إذا مشَيْن أو حرَّكْنَهن، علِم الناسُ الذين مشَيْن بينَهم ما يُخْفِين مِن ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَميٌّ أن امرأةً اتَّخَذَت بُرَتَيْنِ (١) مِن فضةٍ، واتَّخَذَت جَزْعًا (٢)، فمرَّت على قومٍ، فضرَبَت برجلِها، فوقَع الخَلْخالُ على الجَزْعِ فصوَّت، فأنْزَل اللَّهُ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال: كان في أرجلِهن خَرَزٌ، فكنَّ إذا مرَرْن بالمجالسِ حرَّكْن أرجلَهن ليُعْلَمَ مَا يُخْفِين مِن زينتهِن (٤).

стр. 11692

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾: فهو أن تَقْرَعَ الخَلْخالَ بالآخرِ عندَ الرجالِ، أو يكونَ في رجلَيْها خَلاخِلُ، فتُحَرِّكَهن عندَ الرجالِ، فنهَى اللَّهُ عن ذلك؛ لأنه مِن عملِ الشيطانِ (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال: هو الخَلْخالُ، لا تَضْرِبِ امرأةٌ برجلِها ليُسْمَعَ صوتُ خَلْخالِها (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال: الأجْراسُ مِن حُلِيِّهن يَجْعَلْنها في أرجلِهن، في مكانِ (٣) الخَلاخلِ، فنَهاهُن اللَّهُ أَن يَضْرِبْن بأرجلِهن لتُسْمَعَ تلك الأجراسُ. وقولُه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وارجِعوا أيُّها المؤمنون إلى طاعةِ اللَّهِ فيما أمَركم ونهاكم؛ من غَضِّ البصَرِ، وحفظِ الفرجِ، وتركِ دخولِ بيوتِ غيرِكم (٤) من غيرِ استئذانٍ ولا تسليمٍ، وغيرِ ذلك من أمرِه ونهيهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لتفلِحوا وتدرِكوا طَلِباتِكم لديْهِ، إذا أنتم أطعتُموه فيما أمرَكم ونَهاكم.

стр. 11693

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وزوِّجوا أيُّها المؤمنون من لا زوجَ له من أحرارِ رجالِكم ونسائِكم، ومن أهلِ الصلاحِ من عبيدِكم ومماليكِكم وإمائِكم. والأيامَى جمعُ أيِّمٍ، وإنما جمَع الأيّمَ أيامَى؛ لأنها فعيلةٌ في المعنى، فجُمِعت كذلك، كما جُمِعت اليتيمةُ يتامَى، ومنه قولُ جميلٍ (١): أُحِبُّ الأيامَى إذْ بُثَيْنَةُ أيّمٌ … وأحْبَبْتُ لَمَّا أَنْ غَنِيتِ الغَوَانِيا ولو جُمِعت أيائمَ كان صوابًا (٢)، والأيِّمُ يوصفُ بهِ الذكرُ والأنثى، يقالُ: رجلٌ أيِّمٌ، وامرأةٌ أيِّمٌ وأيِّمةٌ. إذا لم يكنْ لها زوجٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): فإنْ تَنْكِحى أنْكِحْ وَإِنْ تَتأَيَّمِى … وإنْ كُنْتُ أفْتَى منكمُ أتَايَّمِ ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾. يقولُ: إن يكنْ هؤلاء الذين تنكِحونهم من أيامَى رجالِكم ونسائِكم وعبيدِكم وإمائِكم أهلَ فاقةٍ وفقرٍ، فإِنَّ اللَّهَ يُغنيهم مِن فضلِه، فلا يمنعْكم فقرُهم من إنكاحِهم. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

стр. 11694

قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾. قال: أَمَر اللهُ سبحانه بالنكاحِ، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوِّجوا أحرارَهم وعبيدَهم، ووعَدهم في ذلك الغِنَى، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حسنٌ (٢) أبو الحسنِ، وكان إسماعيلُ بنُ صَبيحٍ مَوْلى هذا، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ الوليد، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: التمِسوا الغنَى في النكاح، يقولُ اللهُ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾. قال: أيامَى النساءِ اللاتي ليس لهنّ أزواجٌ. وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللهُ واسعُ الفضل، جوادٌ بعطاياه، فزوِّجوا أياماكم (٤)، فإنّ الله واسعٌ يوسِّعُ عليهم من فضلِه إن كانوا فقراءَ، ﴿عَلِيمٌ﴾. يقولُ: هو ذو علمٍ بالفقيرِ منهم والغنيِّ، لا يخفَى عليه حالُ خلقِه في شيءٍ وتدبيرُهم. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وليتعَفَّفِ الَّذِينَ لا يَجِدُون ما ينكحون به النساءَ عن إتيانِ

стр. 11695

ما حرَّم اللهُ عليهم من الفواحشِ حتى يُغنيَهم اللهُ من سَعَةِ فضلِه، ويوسِّعَ عليهم من رزقِه. وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: والذين يلتمِسون المكاتبةَ منكم مِن مماليكِكم، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. واختلَف أهلُ العلمِ في وجهِ مكاتبةِ الرجلِ عبدَه الذي قد علِم فيه خيرًا، وهل قولُه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ على وجهِ الفرضِ، أم هو على وجهِ الندبِ؟ فقال بعضُهم: فرضٌ على الرجلِ أن يكاتبَ عبدَه الذي قد علِم فيه خيرًا، إذا سأله العبد ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أواجبٌ عليَّ إذا علمِتُ مالًا أن أكاتبَه؟ قال: ما أرَاه إلا واجبًا. وقالها عمرُو بنُ دينارٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أتأثِرُه عن أحدٍ؟ قال: لا (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ سيرينَ أراد أن يكاتبَه، فتلكَّأ عليه، فقال له عمرُ: لتُكاتبنَّه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لا ينبغى لرجلٍ إذا كان عندَه المملوكُ الصالحُ الذي له
следующие страницы →