يقولُ تعالى ذكرُه: واذكر يا محمدُ إذ نادى ربُّك موسى بنَ عمرانَ: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يعني: الكافرينَ، ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾. ونُصِب "القومُ" الثاني ترجمةً عن "القومِ" الأولِ.
وقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: ألا يتقون عقابِ اللهِ على كفِرهم به.
ومعنى الكلامِ: قوم فرعونَ فقل لهم: ألا يتقون. وترَك إظهار "فقل لهم"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه.
وإنما قيل: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ بالياءِ، ولم يُقَل: ألا تتقون. بالتاءِ؛ لأن التنزيلَ كان قبلَ الخطابِ، ولو جاءت القراءةُ فيها بالتاءِ كان صوابًا، كما قيل: (قُل للذين كَفَرُوا سَيُغْلَبُونَ) و ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لربِّه: ربِّ إنِّي أخافُ من قومِ فرعونَ الذين أمَرتَنى أن آتيهم، أن يُكذِّبوني بقيلى لهم: إنك أرسلتني إليهم. ويَضِيقُ صدرى من تكذيبهم إِيَّايَ إن كذَّبوني.
ورُفع قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾. عطفًا به على ﴿أَخَافُ﴾. وبالرفعِ فيه قرَأته عامةُ قرأةِ الأمصار، ومعناه: وإنى يضيقُ صدرى.
وقولُه: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾. يقولُ: ولا ينطلقُ لساني بالعبارة عما تُرْسِلني به إليهم؛ للعلة التي كانت بلسانه.
وقوله: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾. كلامٌ معطوفٌ به على ﴿وَيَضِيقُ﴾.
стр. 11972
وقوله: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾. يعنى هارونَ أخاه. ولم يقلْ: فأرسِلْ إلى هارونَ لِيُؤَازرَني وليعينَني. إذ كان مفهومًا معنى الكلامِ، وذلك كقولِ القائلِ: لو نزَلَت بنا نازلةٌ لفرِعنا إليك. بمعنى: لفزعنا إليك لتعينَنا.
وقولُه: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾. يقولُ: ولقوم فرعونَ على دعوَى ذنبٍ أَذنَبتُ إليهم. وذلك قتلُه النفسَ التي قتَلها منهم.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾. قال: قتلُ النفسِ التي قتَل منهم (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قتلُ موسى النفسَ.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾. قال: قتلُ النفسِ (٢).
وقولُه: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾. يقولُ: فأخافُ أن يقتلوني قَوَدًا بالنفسِ التي قتلتُ منهم.
стр. 11973
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿كَلَّا﴾. أي: لن يقتُلَك قوم فرعونَ، ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: فاذهب أنت وأخوك ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يعنى: بأعلامنا وحججِنا التي أعطيناك عليهم.
وقوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾: من قومِ فرعونَ ما يقولون لكم، ويجيبونكم به.
وقوله: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا﴾ الآية. يقولُ: فأت أنت يا موسى وأخوك هارونُ فرعونَ، ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: فقولا له: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك.
بـ ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقال: ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهو يخاطبُ اثنين بقوله: ﴿فَقُولَا﴾؛ لأنه أُريِد به المصدرُ من: أَرْسَلتُ. يقالُ: أَرْسَلتُ رسالةً ورسولًا. كما قال الشاعرُ (١):
لقد كذَب الواشون ما بُحْتُ عندَهم … بسوءٍ ولا أَرْسَلْتُهم برسولِ
يعني: برسالةٍ. وقال الآخرُ (٢):
أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي خُفافًا … رسولًا بيتُ أهْلِكَ مُنْتَهاها
يعني بقوله: رسولًا: رسالةً. فأنَّث لذلك الهاءَ.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ
стр. 11974
سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾
وفى هذا الكلامِ محذوفٌ اسْتغنى بدلالةِ ما ظهَر عليه منه، وهو: فأتَيا فرعونَ فأبلَغاه رسالةَ ربِّهما إليه، فقال فرعونُ: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ يا موسى، ﴿وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾: وذلك مُكنُه عندَه قبلَ قتلِه القتيلَ الذي قتله من القبطِ، ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾. يعني قتلَه النفسَ التي قتَل من القِبْطِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. قال: قتلُ النفسِ (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
وإنما قيل: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾؛ لأنها مرةٌ واحدةٌ، ولا يجوزُ كسرُ الفاءِ إذا أُرِيد بها هذا المعنى.
وذُكر عن الشعبيِّ أنه قرَأ ذلك: (وَفَعَلْتَ فِعْلَتَكَ) بكسرِ الفاءِ (٢). وهي قراءةٌ
стр. 11975
القراءةِ القرأةِ منِ أهلِ الأمصارِ مخالفةٌ.
وقولُه: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأنت من الكافرين باللهِ، على دينِنا.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. يعني: على دينِنا هذا الذي تعيبُ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت من الكافرين نعمتَنا عليك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. قال: ربَّيناك فينا وليدًا، فهذا الذي كافَأتَنا؛ أن قتَلت منا نفسًا، وكفَرت نعمتَنا (٢)!
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: كافرًا للنعمةِ؛ أنَّ فرعونَ لم يكنْ يعلمُ ما الكفرُ (٣).
قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله ابن زيدٍ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن فرعونَ لم
стр. 11976
يكنْ مُقرًّا اللهِ بالربوبيةِ، وإنما كان يزعُمُ أنه هو الربُّ، فغيرُ جائزٍ أن يقولَ لموسى - إن كان موسى عنده على دينِه يومَ قتل القتيلَ على ما قاله السُّديُّ -: فعلت الفَعْلةَ وأنت من الكافرين. و (١) الإيمانُ عندَه هو دينُه الذي كان عليه موسى عندَه. إلا أن يقولُ قائلٌ: إنما أراد: وأنت من الكافرين يومَئذٍ يا موسى، على قولِك اليومَ. فيكونُ ذلك وجهًا يتَوَجَّهُ.
فتأويلُ الكلامِ إذن: وقتَلْتَ الذي قتَلْتَ منا وأنت من الكافرين نعمتَنا عليك وإحسانَنا إليك، في قتلك إيَّاه.
وقد قيل: معنى ذلك: وأنت الآنَ من الكافرين لنعمتي عليك، وتربيتى إيَّاك.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفرعونَ: فعَلتُ تلك الفَعْلةَ التي فعَلتُ. أي: قتَلْتُ تلك النفسَ التي قتلتُ، ﴿إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. يقولُ: وأنا من الجاهلين قبلَ أن يأتيَنى من اللهِ وحىٌ بتحريمِ قتلهِ عليَّ.
والعربُ تضعُ الضلالَ موضعَ الجهلِ، والجهلَ موضعَ الضلالِ، فتقولُ: قد جهِل فلانٌ الطريقَ، وضلَّ الطريقَ. بمعنًى واحدٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
стр. 11977
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. قال: من الجاهلين (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاج، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
قال ابن جريجٍ: وفي قراءة ابن مسعودٍ: (وأنا من الجاهلين) (٢).
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾. قال: من الجاهلين (٣).
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: فقال موسى: لم أكفُرْ، ولكن فعَلتُها وأنا من الضالِّين. وفى حرفِ ابن مسعودٍ: (فَعَلْتُها إذن وأنا مِنَ الجاهلينَ).
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: قبلَ أن يأتيَنى من اللَّهِ شيءٌ، كان قتلى إيَّاه ضلالةَ خطأَ. قال: والضلالةُ هنهنا الخطأُ، لم يقلْ: ضلالةٌ فيما بينَه وبينَ اللهِ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
стр. 11978
أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: يقولُ: وأنا من الجاهلين (١).
وقولُه: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ الآية. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ موسى لفرعونَ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ معشرَ الملأ من قومِ فرعونَ ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ أن تقتُلوني بقتلىَ القتيلَ منكم، ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾. يقولُ: فوهَب لى ربي نبوَّةً، وهى الحكمُ.
كما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾. والحكم النبوَّة (٢).
وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: وألحقنى بِعدادِ مَن أرسَله إلى خلقِه، مبلِّغًا عنه رسالتَه إليهم، بإرسالِه إيايَ إليك يا فرعونُ.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل نبيِّه موسى ﷺ الفرعونَ: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَتِلْكَ﴾: تربيةَ فرعونَ إياه. يقولُ: وتربيتُك إياىَ، وتركُك استعبادي كما استعبدْتَ بني إسرائيلَ - نعمةٌ منك تمُنُّها عليَّ بحقٍّ.
وفى الكلامِ محذوفٌ استُغْنِى بدلالةِ ما ذُكر عليه عنه، وهو: وتلك نعمةٌ تمنُّها عليَّ أن عبَّدْتَ بنى إسرائيلَ وترَكتنى فلم تستعبِدْنى. فتَرك ذِكرَ: وتركتني؛ لدلالةِ
стр. 11979
قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. عليه، والعربُ تفعلُ ذلك اختصارًا للكلامِ. ونظيرُ ذلك في الكلامِ أن يستَحِقَّ رجلان من ذى سلطانٍ عقوبةً، فيعاقبَ أحدَهما ويعفوَ عن الآخرِ، فيقولُ المعفوُّ عنه: هذه نعمةٌ عليَّ من الأميرِ؛ أن عاقَب فلانًا وترَكنى. ثم حذَف "وتركنى"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه.
ولـ ﴿أَنْ﴾ في قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وجهان (١)؛ أحدُهما، النصبُ؛ لتعلُّقِ ﴿تَمُنُّهَا﴾ بها. وإذا كانت نصبًا كان معنى الكلامِ: وتلك نعمةٌ تمُنُّها عليَّ لتعبُّدِك بني إسرائيلَ. والآخرُ، الرفعُ؛ على أنها ردٌّ على "النعمةِ". و (٢) إذا كانت رفعًا كان معنى الكلامِ: وتلك نعمةٌ تمنُّها على تعبيدُك بني إسرائيلَ.
ويعنى بقولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أن اتخذْتَهم عبيدًا لك، يقالُ منه: عَبَّدْتُ العبيدَ وأعبَدْتُهم. كما قال الشاعرُ (٣):
عَلامَ يُعْبِدُنى قومى وقد كَثرَتْ … فيهم (٤) أباعِرُ ما شاءوا وَعُبْدانُ
وبنحوِ الذي قلنا في [تأويلِ قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾] (٥). قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ،، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
стр. 11980
﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: قهَرْتَهم واستعْمَلتَهم (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيج، [عن مجاهدٍ] (٢)، قال: تمُنُّ (٣) على أن عبدتَ بني إسرائيلَ. قال: قَهَرْتَ وغلبت واستعمَلْتَ بني إسرائيلَ.
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: وربَّيتنى قبلُ وليدًا.
وقال آخرون: هذا استفهامٌ كان من موسى لفرعونَ، كأنه قال: أَتَمُنُّ على أن اتخَذتَ بني إسرائيلَ عبيدا؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾. قال: يقولُ موسى لفرعونَ: أَتَمُنُّ على أن اتخَذتَ أنت بني إسرائيلَ عبيدًا؟ (٤)
واختلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرةِ (٥): ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾. فيقالُ: هذا استفهامٌ، كأنه قال: أَتَمْنُّها عليَّ؟ ثم فسَّر فقال: ﴿أَنْ
стр. 11981
عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وجعَله بدلًا من "النعمةِ".
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يُنكرُ هذا القولَ، ويقولُ (١): هو غلَطٌ من قائلِه (٢)، لا يجوزُ أن يكونَ همزُ (٣) الاستفهامِ (٤) يُلْقَى، وهو يُطْلَبُ، فيكونَ الاستفهامُ كالخبرِ. قال: وقد استُقبح (٥) ومعه "أمْ"، وهي دليل على الاستفهامِ، [واستقبَحوا] (٦).
تَرُوحُ من الحيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ … وماذا يَضُرُّك لو تَنْتَظِرْ
قال: وقال بعضُهم: هو: أَتَرُوحُ من الحيِّ؟ وحذَف الاستفهامَ أوَّلًا اكتفاءً بـ "أم". وقال أكثرُهم: بل الأوّلُ خبرٌ، والثانى استفهامٌ، وكأنَّ "أم" إذا جاءت بعدَ الكلامِ فهى الألفُ، فأمَّا وليس معه "أم" فلم يقلْه إنسانٌ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ في ذلك ما قلْنا (٧). وقال: معنى الكلامِ: وفعَلْتَ فَعْلَتَك التي فعَلتَ وأنت من الكافرين لنعمتى. أي: لنعمة تربيتى لك. فأجابه فقال: نعم، هي نعمةٌ عليَّ أن عبَّدتَ الناس ولم تَسْتَعْبِدْنى.
وقولُه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وأى شيءٍ ربُّ العالمين؟
﴿قَالَ﴾ موسى: هو ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومالكُهن، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. يقولُ: ومالكُ ما بينَ السماواتِ والأرضِ من شيءٍ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم موقنين أنّ ما تُعاينونه كما تُعاينونه، فكذلك فأيقِنوا أن ربَّنا هو ربُّ
стр. 11982
السماواتِ والأرضِ وما بينَهما.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾: قال فرعونُ لمن حولَه من قومِه: أَلَا تَسْتَمِعون لما يقولُ موسى. فأخبرَ موسى ﵇ القومَ بالجوابِ عن مسألةِ فرعونَ إياه وقيلَه له:
﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ ليُفهِمَ بذلك قومَ فرعونَ مقالتَه لفرعونَ، وجوابَه إياه عما سأَله، إذ قال لهم فرعونُ: ألا تَسْتمعون إلى قولِ موسى.
فقال لهم: الذي دعَوتُه إليه وإلى عبادته ﴿رَبُّكُمْ﴾ الذي خلقَكم ﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. فقال فرعونُ لما قال لهم موسى ذلك، وأخبرَهم عما يدعو إليه فرعونَ وقومَه:
﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾. يقولُ: إنّ رسولكم هذا الذي يزعُمُ أنه أُرسِل إليكم، لمغلوبٌ على عقلِه؛ لأنه يقولُ قولًا [لا نعرِفُه ولا نفهَمُه] (١) وإنما قال ذلك، ونسَب موسى عدوُّ اللهِ إلى الجنَّةِ؛ لأنه كان عندَه وعندَ قومِه أنه لا ربَّ غيرُه يُعْبَدُ، وأن الذي يدعوه إليه موسى باطلٌ ليست له حقيقةٌ. فقال موسى عندَ ذلك مُحْتَجًّا عليهم، ومُعرِّفَهم ربَّهم بصفتِه وأدلتِه، إذ كان عندَ قومِ فرعونَ أن الذي يَعْرِفونه ربًّا لهم في ذلك الوقتِ هو فرعونُ، وأن [الذين يعرِفونهم] (٢) لآبائِهم أربابًا، ملوكٌ أُخرُ كانوا قبلَ فرعونَ قد مضَوا، فلم يكنْ عندَهم أن موسى أخبرَهم
стр. 11983
بشيءٍ له معنًى يَفْهَمونه ولا يَعْقِلونه، ولذلك قال لهم فرعونُ: إنه مجنونٌ؛ لأن كلامَه كان عندَهم كلامًا لا يَعْقِلون معناه: الذي أَدْعوكم وفرعونَ [إليه، عبادةُ] (١)
ربِّ المشرقِ والمغربِ ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. يعنى: ملكَ مشرِقِ الشمسِ ومغربِها وما بينَهما من شيءٍ، لا إلى عبادةِ ملوكِ مصرَ الذين كانوا ملوكَها قبلَ فرعونَ لآبائِكم فمضَوا، ولا إلى عبادةِ فرعونَ الذي هو اليومَ (٢) ملكُها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: إن كان (٣) لكم عقولٌ تَعْقِلون بها ما يقالُ لكم، وتَفْهَمون بها ما تَسْمَعون مما تبيَّن (٤) لكم. فلما أخبرَهم ﵇ بالأمرِ الذي علِموا أنه الحقُّ الواضحُ، إذ كان فرعونُ ومَن قبلَه من ملوكِ مصرَ، لم يُجاوِزْ مُلكهم (٥) عريشَ مصرَ، وتَبيَّن لفرعونَ ولمن حولَه من قومِه أن الذي يدعوهم موسى إلى عبادتِه، هو الملِكُ الذي يَمْلِكُ الملوكَ
- قال فرعونُ حينئذٍ؛ استكبارًا عن الحقِّ، وتماديًا في الغيِّ لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾. يقولُ: لئن أقرَرتَ بمعبودٍ سواى، ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾. يقولُ: لأَسْجُنَنَّك مع من في السجنِ من أهلِه.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لفرعونَ لما عرَّفه ربَّه، وأنه ربُّ المشرقِ
стр. 11984
والمغرب، ودعاه إلى عبادتِه وإخلاصِ الألوهةِ له،
وأجابه فرعونُ بقولِه: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: أتجعَلُني من المسجونين وَلَوْ جِئْتُكَ بشيءٍ مُبِين يُبينُ لك صدقَ ما أقولُ يا فرعونُ، وحقيقةَ ما أَدْعوك إليه؟ وإنما قال ذلك له موسى (١) لأن من أخلاقِ الناسِ السكونَ [إلى الإنصافِ] (٢)، والإجابةَ إلى الحقِّ بعد البيانِ، فلما قال موسى له ما قال من ذلك، قال له فرعونُ: فأتِ بالشيءِ المبيِّنِ حقيقةَ ما تقولُ، فإنَّا لن نَسْجُنَك حينئذٍ إن اتَّخَذْتَ إلهًا غيرى، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
يقولُ: إن كنتَ مُحِقًا فيما تقولُ، وصادقًا فيما تَصِفُ وتخيرُ، ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: فألقى موسى عصاه، فتحوَّلت ثعبانًا وهي الحيةُ الذَّكَرُ، كما قد بَيَّنْتُ فيما مضى قبلُ من صفتِه (٣).
وقولُه: ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: يبينُ لفرعونَ والملأَ من قومِه أنه ثعبانٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكر بن عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: مُبِينٌ له خَلْقُ حيةٍ (٤)
وقولُه: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾. يقولُ: وأخرج موسى يدَه من جيبِه، فإذا
стр. 11985
هي بيضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾: لمن ينظُرُ إليها ويراها.
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا الأعمش، عن المنهالِ، قال: ارتفَعت الحيةُ في السماءِ قدرَ ميلٍ، ثم سفَلت حتى صار رأسُ فرعونَ بينَ نابَيْها، فجعَلت تقولُ: يا موسى مُرْنى بما شئْتَ. فجعلَ فرعونُ يقولُ: يا موسى أَسْأَلُك بالذي أرسَلك. قال: فأخذَه بطنُه.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ (١) وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال فرعونُ لما أرَاه موسى [ما أراه] (٢) من عظيمِ قدرةِ اللهِ وسلطانِه؛ حجةً عليه لموسى بحقيقةِ ما دعاه إليه، وصدقِ ما أتاه به من عندِ ربِّه، ﴿لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾. يعنى: لأشرافِ قومِه الذين كانوا حولَه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إنّ موسى سحَر عصاه، حتى أراكموها ثعبانًا، ﴿عَلِيمٌ﴾. يقولُ: ذو علمٍ بالسحرِ وبَصَرٍ به، ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾. يقولُ: يُرِيدُ أن يُخرِجَ بنى إسرائيلَ من أرضِكم إلى الشامِ بقهرِه إياكم بالسحرِ.
وإنما قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾. فجعَل الخطابَ للملأَ حولِه من القبطِ، والمعنيُّ به بنو إسرائيلَ؛ لأن القبطَ كانوا قد استعبَدوا بني إسرائيلَ، واتَّخَذوهم خدمًا لأنفسِهم ومُهَانًا، فلذلك قال لهم: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾. وهو يريدُ: أَن يُخرِجَ خدمَكم وعبيدَكم من أرضِ مصرَ إلى الشامِ.
стр. 11986
وإنما قلتُ: معنى ذلك كذلك؛ لأن اللَّهَ إِنما أَرسَل موسى إلى فرعونَ يَأْمُرُه بإرسالِ بني إسرائيلَ معه، فقال له ولأخيه: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٦، ١٧].
وقولِه: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. يقولُ: فأَيُّ شيءٍ تَأْمُرُون في أمرِ موسى؟ وما به تُشِيرون من الرأيِ فيه؟ ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأجاب فرعونَ الملأُ، حوله، بأن قالوا له: أخِّرْ موسى وأخاه وأنظِرْه، وابعَثْ في بلادِك وأمصارِ مصرَ حاشرين يحشُرون إليك كلَّ سحَارٍ عليمٍ بالسحرِ.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فجَمَع الحاشرون الذين بعَثهم فرعونُ لحشرِ (١) السحرةِ السحرةِ (٢)، ﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. يقولُ: لوقتٍ واعَد فرعونُ لموسى الاجتماعَ معه فيه من يومٍ معلومٍ، وذلك يومُ الزينةِ، وأن يُحْشَرَ الناسُ ضحًى.
وقيل للناسِ: هل أنتم مجتمعون؛ لتنظروا إلى ما يَفْعَلُ الفريقان، [ولمن تكونُ] (٣) الغلبةُ؛ لموسى أو للسحرةِ؟ فلعلنا نَتَّبِعُ السحرة.
ومعنى "لعل" ههنا "كى". يقولُ: كى نَتَّبِعَ السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وإنما قلت: ذلك معناها؛ لأن قومِ فرعونَ كانوا على دينِ فرعونَ، فغيُر معقولٍ
стр. 11987
أن يقولَ من كان على دينٍ: أنظرُ إلى حجةِ مَن هو على خلافي، لعلى أتبعُ ديني. وإنما يقالُ: أنظرُ إليها كى أزدادَ بصيرةً بدينى، فأقيمَ عليه. وكذلك قال قومُ فرعونَ، فإياه (١) عَنَوا بقيلِهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.
وذُكِر (٢) أن اجتماعَهم للميقاتِ الذي اتَّعدَ للاجتماعِ فيه فرعونُ وموسى كان بالإسكندريةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾. قال: كانوا بالإسكندريةِ. قال: ويقالُ: بلغ ذنَبُ الحيةِ مَن وراءَ البحيرةِ يومئذٍ. قال: وهرَبوا، وأسلَموا فرعونَ، وهمَّت به، فقال: خُذْها يا موسى. قال: فكان (٣) مما بُلى (٤) النَّاسُ به (٥) منه أنه كان لا يضَعُ على الأرضِ شيئًا. قال: فأحدث يومئذٍ تحتَه. قال: وكان إرسالُه الحيةَ في القبةِ الحمراءِ (٦).
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاء السحَرةُ فرعونَ لوعدِ موسى (٧) وموعدِ فرعونَ،
стр. 11988
﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا﴾ بسحرِنا (١) قِبَلَك ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ موسى؟
﴿قَالَ﴾ فرعونُ لهم: ﴿نَعَمْ﴾، لكم الأجرُ على ذلك، ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ منا. فقالوا عندَ ذلك لموسى: إما أن تُلْقِيَ وإما أن نكونَ نحن الملقين. وتُرِك ذكرُ قيلِهم ذلك؛ لدلالةِ خبرِ اللهِ عنهم أنهم قال لهم موسى: ألْقُوا ما أنتم ملقون - على أن ذلك معناه.
﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ من حبالِكم وعِصيِّكم.
﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ من أيديهم ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ يقولُ: أقسموا بقوة فرعونَ، وشدةِ سلطانه، ومَنعة مملكته، ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ موسى.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فألقى موسى عصاه حينَ ألقت السحرةُ حبالهم وعِصيَّهم، ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. يقولُ: فإذا عصا موسى تزدَرِدُ (٢) ما يأتُون به من الفِرْيَةِ والسحرِ الذي لا حقيقةَ له، وإنما هو مخايلُ (٣) وخُدْعةٌ.
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾. يقولُ: فلما تبيَّن السحرةُ أن الذي جاءهم به موسى حقٌّ لا سحرٌ، وأنه مما لا يقدِرُ عليه غيرُ اللهِ الذي فطَر السماواتِ والأرضِ من غيرِ أصلٍ، خرُّوا لوجوههم سُجدًا للهِ، مُذْعنين له (٤) بالطاعةِ، مقرِّين لموسى بالذي أتاهم به من عندِ
стр. 11989
اللهِ أنه (١) هو الحقُّ.
وأن ما كانوا يعملونه من السحرِ باطلٌ، قائلين: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
الذي دعانا موسى إلى عبادته دونَ فرعونَ وملئه، ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال فرعونُ للذين كانوا سحرتَه، فآمنوا: آمنتم لموسى بأن ما جاء به حقٌّ قبلَ أن أذنَ لكم في الإيمان بهِ؟
﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. يقولُ: إن موسى لرئيسُكم في السحرِ، وهو الذي علَّمكموه، ولذلك آمنتم به، ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [يقولُ: فلسوف تعلَمون] (٢) عندَ عقابي إياكم وبالَ ما فعلْتم، وخطأَ ما صنعْتم من الإيمانِ به.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾.
يقولُ: لأقطِّعن أيديَكم وأرجلَكم، مخالفًا في قطعِ ذلك منكم بينَ قطعِ الأيدى والأرجلِ، وذلك أنْ أقطعَ اليدَ اليمنى والرِّجلَ اليسرى، ثم اليدَ اليسرى والرجلَ اليمنى، ونحوَ ذلك من قطعِ اليدِ من جانبٍ، ثم الرجلِ من الجانبِ الآخرِ، وذلك هو القطعُ من خِلافٍ، ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. فوكَّد ذلك بـ ﴿أَجْمَعِينَ﴾؛ إعلامًا منه أنه غيرُ مُسْتَبقٍ منهم أحدًا، ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قالت السحرةُ: لا ضيرَ علينا. وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد ضار فلانٌ فلانًا فهو يضيرُ ضَيْرًا. ومعناه: لا ضرَّ (٣).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 11990
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا ضَيْرَ﴾. قال: يقولُ: لا يضُرُّنا (١) الذي تقولُ، وإن صنَعتَه بنا وصلَيتَنا، ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. يقولُ: إِنَّا إلى ربِّنا راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتِك إيانا، وثباتِنا على توحيدِه، والبراءةِ من الكفرِ به (٢).
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل السحرة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾: إِنا نَرْجو أن يصفَحَ لنا ربُّنا عن خطايانا التي سلَفت منا قبلَ إيمانِنا به، فلا يُعاقِبَنا بها (٣).
كما حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾. قال: السحرَ والكفرَ الذي كانوا فيه.
﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: لأن كنا أولَ من آمن بموسى، وصدَّقه بما جاء به من توحيدِ اللهِ، وتكذيبِ فرعونَ في ادِّعائِه الربوبيةَ (٤) في دهرِنا هذا وزمانِنا.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ
стр. 11991
كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: كانوا كذلك يومَئِذٍ أولَ من آمَن بآياتِه حينَ رَأوها (١).
وقولِه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾. يقولُ: وأوحَينا إلى موسى إذ تمادى فرعونُ في غيِّه وأبَى إلا الثباتَ على طغيانِه بعدَما أريناه آياتنا، ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾. يقولُ: أن سِرْ ببنى إسرائيلَ ليلًا من أرضِ مصرَ، ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: إن فرعونَ وجندَه مُتَّبِعوك (٢) وقومَك من بنى إسرائيلَ؛ ليحُولوا بينكم وبينَ الخروجِ من أرضِهم؛ أرضِ مصرَ.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأرسل فرعون في المدائنِ مَن (٣) يَحْشُرُ له جندَه وقومَه.
ويقولُ لهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾. يعني بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بني إسرائيلَ، ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. يعنى بالشرذمةِ الطائفةَ والعصبةَ الباقيةَ، من: عصَب جبيرةً. وشرذمةُ كلِّ شيءٍ: بقيتُه القليلةُ. ومنه قولُ الراجز (٤):
جاءَ الشتاءُ وقميصى أخْلاقْ … شَرَاذِمٌ يَضْحَكُ منه التوَّاقْ
وقيل: ﴿قَلِيلُونَ﴾؛ لأن كلَّ جماعةٍ منهم كان يَلْزَمُها معنى القلةِ، فلما جمَع
стр. 11992
جمْعَ جماعاتِهم قيل: ﴿قَلِيلُونَ﴾. كما قال الكُمَيتُ (١):
فرَدَّ قَوَاصِيَ الأحياء منهم … فقد رجَعوا (٢) كحَيٍّ واحِدينا
وذُكِر أن الجماعةَ التي سمَّاها فرعونُ شرذمةً قليلين، كانوا ستَّمائةِ ألفٍ وسبعين ألفًا.
ذكرُ الرواية عمَّن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبَيدةَ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. قال: كانوا ستَّمائةِ ألفٍ وسبعين ألفًا (٣).
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الشرذمةُ ستّمائةِ ألفٍ وسبعون ألفًا (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظَيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن شداد بن الهادِ، قال: اجتمع يعقوبُ وولدُه إلى يوسفَ وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى وهم ستّمائِة ألف، فقال فرعونُ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. وخرَج فرعونُ على فرسٍ أدهمَ؛ حِصانٍ، على لونِ فرسِه في عسكرِه ثمانُمائةِ ألفٍ (٥).
стр. 11993
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيد الجُرَيريِّ، عن أبي السَّلِيلِ، عن قيسِ بن عبادٍ، قال: وكان من أكثرِ (١) الناسِ - أو أحدثِ الناسِ - عن بني إسرائيلَ، قال: فحدَّثنا أن الشرذمةَ الذين سمَّاهم فرعونُ من بني إسرائيلَ كانوا ستَّمائةِ ألفٍ. قال: وكان مُقدِّمةُ فرعونَ سبعَمائةِ ألفٍ، كلُّ رجلٍ منهم على حصانٍ، على رأسه بيضةٌ، و (٢) في يدِه حربةٌ، وهو خلفَهم في الدُّهْمِ، فلما انتهى موسى بينى إسرائيلَ إلى البحرِ قالت بنو إسرائيلَ: يا موسى أينَ ما وعَدتَنا؟ هذا البحرُ بينَ أيدينا، وهذا فرعونُ وجنودُه قد دهَمنا من خلفنا، فقال موسى للبحر: انفلِقْ أبا خالدٍ. قال: لا، لن أَنْفَلِقَ لك يا موسى، أنا أقدَمُ منك خلقًا. قال: فنودىَ: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]. فضرَبه، فانفلَق البحرُ، وكانوا اثنَىْ عشرَ سِبْطًا. قال الجُرَيرِيُّ: فأَحْسَبُه قال: إنه كان لكلِّ سبط طريقٌ. قال: فلما انتهى أولُ جنودِ فرعونَ إلى البحرِ، هابتِ الخيلُ اللَّهَبَ (٣). قال: ومُثِّل الحصانٍ منها فرسٌ وَدِيقٌ (٤)، فوجَد ريحَها، فاشتَدَّ، فاتَّبَعه الخيلُ. قال: فلما تنامَّ آخرُ جنودِ فرعونَ في البحرَ وخرَج آخرُ بني إسرائيلَ، أُمِر البحرُ فانصفَق عليهم، فقالت بنو إسرائيلَ: ما مات فرعونُ وما كان ليموتَ أبدًا. فسمِع اللهُ تكذبيِهم نبيَّه ﵇، قال: فرمى به على الساحلِ كأنه ثورٌ أحمرُ يتراءاه بنو إسرائيلَ (٥).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في
стр. 11994
قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾: يعنى بنى إسرائيلَ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. قال: هم يومَئِذٍ ستُّمائةِ ألفٍ، ولا يُحصَى عددُ أصحابِ فرعونَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. قال: أَوْحى اللهُ إلى موسى أن اجمَعْ بني إسرائيلَ؛ كلَّ أربعةِ أبياتٍ في بيتٍ، ثم اذبَحوا أولادَ الضأْنِ، فاضرِبوا بدمائها على الأبوابِ، فإني سآمُرُ الملائكةَ أَلَّا تَدْخُلَ بيتًا على بابِه دمٌ، وسآمُرُهم بقتلِ أبكارِ (٣) آلِ فرعونَ من أنفسِهم وأموالِهم، ثم اخبِزوا خُبزًا فَطيرًا، فإنه أسرعُ لكم، ثم أَسْرِ بعبادى، حتى تَنْتَهِىَ للبحرِ (٤)، فيَأْتِيَك أمرى. ففعَل، فلما أصبحوا قال فرعونَ: هذا عملُ موسى وقومِه، قتَلوا أبكارَنا (٥) من أنفسِنا وأموالِنا. فأرسَل في أثرِهم ألفَ ألفٍ، وخمسَمائةِ ألفٍ وخمسَمائِة ملِكٍ مُسَوَّرٍ، معَ كلِّ ملكٍ ألفُ رجلٍ، وخرَج فرعونُ في الكَرِشِ (٦) العُظْمَى، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. قال: قطعةٌ. وكانوا ستَّمائةِ ألفٍ، مائتا ألفٍ منهم أبناءُ عشرين سنةً إلى أربعين (٧).
стр. 11995
قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، [عن شهرِ] (١) بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان مع فرعونَ يومئذٍ ألفُ جبارٍ، كلُّهم عليه تاجٌ، وكلُّهم أميرٌ على خيلٍ (٢).
قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: [كان ثلاثون] (٣) ملكًا ساقةً (٤) خلَف فرعونَ، يحسَبون أنهم معهم، وجبريلُ، أمامَهم، يَرُدُّ أوائلَ الخيلِ على أواخرِها (٥)، فأتبَعهم حتى انتهَى إلى البحرِ.
وقولُه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾. يقولُ: وإن هؤلاء الشرذمةَ لنا لغائظون. فذُكِر أن غيظَهم إياهم كان قتلَ الملائكةِ من قتَلتْ من أبكارِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾. يقولُ: بقتلِهم أبكارَنا من أنفسِنا وأموالِنا.
وقد يَحتمِلُ أن يكونَ معناه: وإنهم لنا لغائظون، بذَهابِهم منهم بالعواريِّ التي كانوا استعاروها منهم من الحُليِّ. ويَحتمِلُ أن يكونَ ذلك بفراقِهم إياهم، وخروجِهم من أرضِهم، بكُرهٍ لهم لذلك
وقولُه: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ
стр. 11996
قرأةِ الكُوفةِ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (١). بمعنى: أَنهم مُعِدُّون مُؤْدُون؛ ذَوُو أَداةٍ وقوَّةٍ وسلاحٍ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (وإنا لجميعٌ حَذِرُون) بغير ألفٍ (٢).
وكان الفراءُ يقولُ (٣): كأَنَّ الحاذرَ الذي يحذَرُك الآن، وكأن الحذِرَ المخلوقُ حَذِرًا، لا تلقاه إلا حَذِرًا.
ومن الحَذِرِ قولُ ابن أحمرَ (٤):
هل أُنْسَأَنْ يومًا إلى غيرِه … إني حواليٌّ وإنى حَذِرْ
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مستفِيضتانِ في قرأةِ الأمصارِ متقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ فيه.
وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، [قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ] (٥)، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ الأسودَ بنَ يزيدَ يقرأُ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. قال: مُقْوون مُؤْدُون (٦).
стр. 11997
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عبيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي العرجاءَ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ أنه كان يقرَأُ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. يقولُ: مُؤْدُونَ (١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. يقولُ: حذِرْنا. قال: جمَعْنا أمرَنا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. قال: مُؤدُون مُعِدُّون في السلاحِ والكُراعِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، [عن أبي] (٢) معشرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ، قال: كان معَ فرعونَ ستُّمائةِ ألفِ حِصانٍ أدهمَ، سوى ألوانِ الخيلِ.
[حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ معاذٍ، الضَّبِّيُّ، عن عاصمِ بن بَهْدلة، عن أبي رَزِينٍ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأها: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. قال: مُؤدُون مُقْوُون] (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأخرَجْنا فرعونَ وقومَه من بساتينَ وعيونِ ماءٍ.
وكنوزِ ذهبٍ وفضةٍ، ومَقامٍ كريمٍ. قيل: إن ذلك المَقام الكريمَ: المَنابرُ.
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ﴾. يقولُ: هكذا أخرَجْناهم مِن ذلك كما وصَفْتُ لكم في
стр. 11998
هذه الآيةِ والتي قبلَها، ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾. يقولُ: وأورَثْنا تلك الجناتِ التي أخرَجْناهم منها والعيونَ والكنوزَ والمَقامَ الكريمَ عنهم بهَلَاكِهم بني إسرائيلَ.
وقولُه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. يقولُ: فأَتْبَع فرعونُ وأصحابُه بني إسرائيلَ ﴿مُشْرِقِينَ﴾. حينَ أشرقَتِ الشمسُ. وقيل: حينَ أصْبَحوا.
[وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك] (١)
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. قال: خرَج موسى ليلًا، فكسَف القمرُ، وأَظْلَمَتِ الأرضُ، وقال أصحابُه: إن يوسفَ أَخبرنا أَنَّا سَنُنَجَّى مِن فرعونَ، وأَخَذ علينا العهدَ لنَخْرُجنَّ (٢) بعظامِه معنا. فخرَج موسى ليلتَه يسألُ ليلته يسألُ عن قبرِه، فوجَد عجوزًا بيتُها على قبرِه، فأخرجَته له بحَكَمِها (٣)، وكان حَكَمُها - أو كلمةٌ تُشْبِهُ هذه - أن قالت: احمِلْني فأخرِجْني معك. فجعَل عظامَ يوسفَ في كِسائِه، ثم حملَ العجوزَ على كسائِه، فجعَله على رقبته، وخيلُ فرعونَ هي مِلءُ أَعِنَّتِها حُضْرًا (٤) في أَعْيُنِهم ولا تبرحُ، حُبِست عن موسى وأصحابِه حتى تَوارَوْا (٥).
стр. 11999
[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. قال: فرعونُ وأصحابُه، وخيلُ فرعونَ في مِلءِ أَعِنَّتِها في رَأْي عُيُونِهم، ولا تبرَحُ، حُبِست عن موسى وأصحابِه حتى تَوارَوْا] (١).
القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾.
يقولُ تعالَى ذِكرُه: فلمَّا تناظَر الجمعانِ، جمعُ موسى وهم بنو إسرائيلَ، وجمعُ فرعونَ وهم القِبْطُ ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى﴾ لموسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. أي: إنا لمُلْحَقون، الآنَ يلحَقُنا فرعونُ وجنودُه فيَقْتُلوننا. وذُكر أنهم قالوا ذلك لموسى تَشاؤُمًا بموسى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قلتُ لعبدِ الرحمنِ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. قال: تَشاءَموا بموسى وقالوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ (٢) [الأعراف:١٢٩].
حدَّثنا موسى، قال [حدَّثنا عمرٌو، قال] (٣): ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى
стр. 12000
الْجَمْعَانِ﴾: فنظَرَت بنو إسرائيلَ إلى فرعونَ قد رَمَقَهم، قالوا: إنا لمُدركون.
قالوا: يا موسى ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، اليوم يدرِكُنا فرعونُ فيَقْتُلُنا، ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. البحرُ من بين أيدينا، وفرعونُ من خلفِنا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا انتَهى موسى إلى البحرِ، وهاجَت الريحُ العواصفُ، فنظَر أصحاب موسى خلفَهم إلى الريحِ وإلى البحرِ أمامَهم قالُوا: يا مُوسَى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٢).
واختَلَفَتِ القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى الأعرج: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. وقَرأه الأعرجُ: (إنا لمدَّرَكون) (٣). كما يقالُ: نُزِّلَت، وأُنزِلَت.
والقراءةُ عندَنا التي عليها قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليها.
وقولُه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. [قال موسى لقومِه: ليس الأمرُ كما ذكرتُم، كلا لن تُدْرَكوا ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. يقولُ] (٤): سَيَهْدين لطريقٍ أنْجُو فيه مِن فرعونَ وقومِه.
كما حدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن
стр. 12001
كعبٍ القُرَظِيّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادِ بن الهادِ، قال: لقد ذُكر لى أنه خرَج فرعونُ في طلبِ موسى على سبعين ألفًا مِن دُهم الخيلِ، سوى ما في جندِه من شِيَةِ الخيلِ، وخرَج موسى حتى إذا قابَله البحرُ ولم يَكُنْ عنه مُنْصَرَفٌ، طلَع فرعونُ في جندِهِ مِن خلفِهم ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. أي: للنجاةِ، وقد وَعَدنى ذلك، ولا خُلْفَ لمَوعودِه (١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. يقولُ: سيَكْفِيني، وقال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) [الأعراف: ١٢٩].
وقولُه: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾. ذُكر أن الله كان قد أمرَ البحرَ ألا ينفلِقَ حتى يضرِبَه موسى بعَصاه.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: فتقدَّم هارونُ، فضرَب البحرَ، فأبَى أن ينفتِحَ، وقال: مَن هذا الجبارُ الذي يضرِبُني؟ حتى أتاه موسى، فكَنَاه أبا خالدٍ، وضرَبه فانفلَق (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أوحَى اللهُ، فيما ذُكر، إلى البحرِ: إذا ضرَبك موسى بعصاه فانفلِقْ له. قال: فباتَ البحرُ يضربُ بعضُه بعضًا فَرَقًا مِن اللهِ، وانتظارَ أمره، وأوحَى اللهُ إلى موسى: أن اضرِبْ بعصاك البحرَ. فضرَبه بها وفيها سلطانُ اللَّهِ الذي أعطاه، فانفلَق (٤)
стр. 12002
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن (١) سليمانَ التيميِّ، عن أبي السليلِ، قال: لما ضرَب موسى بعصاه البحرَ، قال: إيهًا أبا خالدٍ. فأخَذه أَفْكَلٌ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، وحجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ وغيره، قالوا: لمَّا انتهى موسى إلى البحرِ، وهاجَتِ الريحُ، والبحرُ يَرْمى بتَيَّارِه، ويموجُ مثلَ الجبالِ، وقد أوحَى اللهُ إلى البحرِ ألا ينفلِقَ حتى يضرِبَه موسى بالعصا، فقال له يُوشَعُ: يا كليمَ اللَّهِ، أَينَ أُمِرْتَ؟ قال: ههنا. قال: فجازَ البحرَ ما يُوارِى حافرَه الماءُ، فذهَب القومُ يصنَعون مثلَ ذلك، فلم يقدرِوا، وقال له الذي يَكْتُمُ إيمانَه: يا كليمَ اللهِ، أَينَ أُمِرْتَ؟ قال: ههنا، فَكَبَح فرسَه بلِجَامِه حتى طارَ الزَّبَدُ مِن شِدْقَيه، ثم قَحَمه البحرُ، فأرسَب في الماءِ، فأوحَى اللهُ إلى موسى: أن اضرِبْ بعصاك البحرَ. فضرَب بعصاه موسى البحرَ فانفلَقَ، فإذا الرجلُ واقفٌ على فرسِه، لم يبتلَّ سَرْجُه ولا لِبْدُه.
وقولُه: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فكان كلُّ طائفةٍ من البحرَ لمَّا ضرَبه موسى، كالجبلِ العظيمِ. وذُكر أنه انفلَق اثنتى عشْرةَ فَلْقةً، على عدِد الأسْباطِ، لكلِّ سِبْط منهم فِرْقٌ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ
стр. 12003
كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: كالجبلِ العظيمِ، فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان في البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ، [وكان الطريقُ كما (١) إذا انفلَقَتِ الجدرانُ، فقال كلُّ سِبْطٍ] (٢): قد قَتَل أصحابَنا. فلما رأى ذلك موسى دَعا الله، فجعَلها قَناطِرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، فنظَر آخِرُهم إلى أوَّلهم حتى خرَجوا جميعًا (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، وحجاجٌ، عن أبي بكرٍ بن عبدِ اللَّهِ وغيره، قالوا: انفلق البحرُ، فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العظيم، اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ، وكان بنو إسرائيلَ اثني عشَرَ سِبطًا، وكانت الطُّرْقُ بجُدْران، فقال كلُّ سِبْطٍ: قد قُتِل أصحابُنا. فلما رأى ذلك موسى، دَعا اللهُ فجعَلها لهم بقَناطِرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، ينظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ على أرضٍ يابسةٍ كأن الماءَ لم يُصِبْها قَطُ حتى عَبَر (٤).
قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما انفلق البحرُ لهم صار فيه كُوًى ينظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. أي: كالجبلِ على نَشَزٍ مِن الأرضِ (٥).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
стр. 12004
قوله: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: كالجبلِ (١)
[حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. قال: كالجبلِ] (٢) العظيمِ (٣).
ومنه قولُ الأسودِ بن يَعْفُرَ (٤):
حَلُّوا بأنْقرةٍ يَسِيلُ عليهمُ … ماءُ الفُراتِ يجيءُ مِن أَطْوَادٍ
يعنى بالأطوادِ جمعَ طَوْدٍ، وهو الجبلُ.
القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾.
يعني بقوله تعالى ذكرُه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾: وقَرَّبْنا هنالك آلَ فرعونَ مِن البحرِ، وقَدَّمْناهم إليه. ومنه قولُه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠].
بمعنى: قُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ. ومنه قولُ العَجَّاجِ (٥):
طَيَّ الليالي زُلَفًا فَزُلَفا … سَماوةَ الهلال حتى احْقوقفَا
стр. 12005
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخَراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. قال: قَرَّبْنا (١).
[حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. قال: هم قومُ فرعونَ قَرَّبَهم اللهُ حتى أغرَقهم في البحرَ] (٢).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: دَنا فرعونُ وأصحابُه بعدَ ما قطَع موسى ببنى إسرائيلَ البحرَ، مِن البحرَ، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرِ مُنْفَلِقًا قال: أَلَا تَرَوْن البحرَ فَرِقَ مِنِّى، قد تَفتَّح لى حتى أُدْرِكَ أَعْدائي فأقْتُلَهم؟ فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. يقولُ: قَرَّبْنَا. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ هم آلُ فرعونَ. فلمَّا قامَ فرعونُ على أفواهِ (٣) الطُّرْقِ، وأَبَتْ خِيلُه أن تقتحِمَ، فنزَل جبريلُ ﷺ على ماديانةٍ، فتَشامَّتِ الحُصُنُ ريحَ الماديانة، فاقتَحَمَت في أثَرِها، حتى إذا هَمَّ أَوَّلُهم أن يخرجَ، ودخلَ آخِرُهم، أمَر البحرَ أن يأخُذَهم، فالتطَمَ عليهم، وتفرَّدَ جبريلُ بمَقْلَةٍ مِن مَقْل البحر (٤)، فجعَل يَدُسُّها في فِيهِ (٥).
стр. 12006
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ بن عبدِ اللهِ، قال: أقبَل فرعونُ، فلمَّا أشرَف على الماءِ قال أصحابُ موسى: يا مُكَلِّمَ اللهِ، إن القومَ يَتْبَعوننا في الطريقِ، فاضرِبْ بعصاك البحرَ فاخْلطه. فأرادَ موسى أن يفعلَ، فأوحَى اللهُ إليه أن ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. يقولُ: أَقرَّه (١) على سَكَناتِه، ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤]. إنما أمكرُ بهم، فإذا سَلَكوا طريقَكم غَرَّقْتُهم، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرَ قال: ألَا تَرَون البحرَ فَرِقَ منى، حتى تَفَتَّحَ لي، حتى أُدِركَ أعدائي فأقتُلَهم؟ فلما وقَف على أفواهِ الطرقِ وهو على حصانٍ، فرأى الحصانُ البحرَ فيه أمثالُ الجبالِ هابَ وخافَ، وقال فرعونَ: أنا راجعٌ. فمكَر به جبريلُ ﵇، فأقبَل على فرسٍ أنثى، فأدْناها مِن حصانِ فرعونَ، فطَفِقَ فرسُه لا يَقَرُّ، وجعَل جبريلُ يقولُ: تَقَدَّم. ويقولُ: ليس أحدٌ أحقُّ بالطريقِ منك، فتَشامَّتِ الحُصُنُ الماديانةَ، فما مَلَكَ فرعونُ فرسَه أن وَلَجَ على أثَرِه، فلمَّا انتَهى فرعونُ إلى وسط البحرَ، أوحَى اللهُ: إلى البحر خُذْ عبدىَ الظالمَ وعبادىَ الظَّلَمةَ، سُلطاني فيك؛ فإني قد سَلَّطتك عليهم. قال: فتَغَطْمَطَتْ (٢) تلك الفِرَقُ مِن الأمواج كأنها الجبالُ، وضرَب بعضُها بعضًا، فلما أدرَكه الغَرَقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]. وكان جبريلُ ﷺ شديدَ الأَسَفِ عليه؛ لِما رَدَّ مِن آيات اللهِ، ولطولِ علاجِ موسى إياه، فدخَل في أسفلِ البحرِ، فأخرَج طينًا، فحَشَاه في فَمِ فرعونَ لكيلا يقولَها الثانية، فتُدْرِكَه الرحمةُ. قال: فبعَث اللهُ إليه ميكائيلَ يُعَيِّرُه: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾؟ [يونس: ٩١]. وقال جبريلُ: يا محمدُ، ما أبغَضْتُ أحدًا من خلقِ اللَّهِ ما أَبغَضتُ اثنين؛ أحدُهما مِن الجنِّ، وهو إبليسُ، والآخرُ فرعون، قال: أنا ربُّكم الأعلى. ولقد رأيتُنى يا محمدُ وأنا أحْشُو في فِيهِ مخافةَ أن يقولَ كلمةً يرحمُه اللهُ بها.
стр. 12007
وقد زعَم بعضُهم (١) أن معنى قولِه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾: وجَمَعْنا. قال: ومنه ليلةُ المُزْدَلِفةِ. قال: ومعنى ذلك أنها ليلةُ جَمْعٍ. وقال بعضُهم: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ﴾: وأهْلكْنا.
وقولُه: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنجْيَنا موسى [بما أشْقَيْنا] (٢) به فرعونَ وقومَه مِن الغَرَقِ في البحرِ، ومَن مع موسى مِن بنى إسرائيلَ أجمعين.
وقولُه: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. يقولُ: ثم أَغرَقْنا فرعون وقومَه مِن القِبْطِ في البحرِ، بعد أن أنجْيَنا موسى منه ومَن معه.
وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما فعلتُ بفرعونَ ومَن معه؛ مِن تَغْريِقي إياهم في البحرِ، إذ كَذَّبوا رسولى موسى، وخالَفوا أمرى بعدَ الإعْذارِ إليهم والإنْذارِ - لدلالةً بينةً يا محمدُ لقومِك مِن قريشٍ، على أن ذلك سُنَّتى في من سلَك سبيلَهم مِن تَكْذيبِ رُسُلى، وعظةً لهم وعبرةً - إنِ ادَّكروا واعتَبروا - أن يفعلوا مثلَ فعلِهم في تكذيبِك، مع البرهانِ والآياتِ التي قد أتَتْهم، فَيحِلُّ بهم من العقوبةِ نظيرُ ما حَلَّ بهم، ولك أيضًا آيةٌ في فعلى بموسى، وتَنْجيتي إياه - بعد طُولِ علاجِه فرعونَ - وقومَه منه، وإظْهارِى إياه، وتوريثِهِ وقومَه دورَهم وأرضَهم وأموالَهم، على أنِّى سالكٌ فيك سبيلَه إن أنت صبرتَ صبرَه، وقُمتَ مِن تبليغِ الرسالةِ إلى مَن أرسلتُك إليه قيامَه، ومُظْهرُك على مُكَذِّبيك، ومُعْليك عليهم، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ: وما كان أكثر قومك يا محمدُ مؤمنين، بما أتاك اللهُ مِن الحقَّ المبينِ، فسابقٌ لهم في علمى أنهم لا يؤمنون،
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
стр. 12008
الْعَزِيزُ﴾ في انتقامِه ممن كفرَ به وكذَّب رسلَه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بَمَن أَنْجَى مِن رسلِه وأتباعِهم مِن الغرقِ والعذابِ الذي عذَّب به الكفرةَ.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واقصُصْ على قومِك من المشركين يا محمدُ، خبرَ إبراهيمَ، حينَ قال لأبيه وقومَه:
أَيَّ شيءٍ تعبُدون؟ قالوا له: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾. يقولُ: فنظلُّ لها خَدَمًا مقيمين على عبادتها وخدمتِها.
وقد بيَّنا مَعْنى "العكوفِ" بشواهدِه فيما مضى قبلُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وكان ابن عباسٍ فيما روى عنه يقولُ في مَعْنى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾. قال: الصلاةُ لأصنامِهم (٢).
القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ لهم: هل يسمَعُ دعاءَكم هؤلاء الآلهةُ إذ تَدْعُونَهم.
واختَلف أهلُ العربيةِ في مَعْنى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معناه: هل يسمعون منكم؟ أو هل يسمعون دعاءَكم؟ فحذَف الدعاءَ، كما قال زُهَيرٌ (٣):
стр. 12009
القائِدُ الخَيْلَ مَنْكُوبًا دَوَابِرُها (١) … قد أُحْكِمَتْ حَكماتِ (٢) القِدِّ والأبَقا (٣)
وقال: يريدُ: أَحْكِمت حَكَماتِ الأَبَقِ. فألْقَى الحَكَماتِ، وأقام الأبَقَ مُقامَها.
وقال بعضُ مَن أنكَر ذلك من قولِه من أهلِ العربيةِ: الفصيحُ مِن الكلامِ في ذلك هو ما جاء في القرآنِ؛ لأنَّ العرب تقولُ: سمعتُ زيدًا مُتكلِّمًا. يريدون: سمِعتُ كلام زيدٍ. ثم تَعلَمُ أن السمعَ لا يقعُ على الأناسيِّ، إنما يقعُ على كلامِهم، ثم يقولون: سمِعتُ زيدًا. أي: سمِعتُ كلامَه قال: ولو لم يُقَدَّمْ في بيتِ زهيرٍ "حكماتِ القدِّ" لم يَجُزْ أن يُنْسَقَ بـ"الأبق" عليها؛ لأنَّه لا يقالُ: رأيتُ الأبق. وهو يريدُ الحكمَةَ.
وقولُه: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾. يقولُ: أو تنفَعُكم هذه الأصنامُ، فيَرزُقونكم شيئًا على عبادتِكموها، أو يضرُّونكم فيُعاقبونكم على تَرْككم عبادتَها، بأن يسلُبوكم أموالَكم، أو يُهْلِكوكم إذا هلَكتُم وأولادُكم ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وفى الكلامِ متروكٌ استُغْنِىَ بدَلالةِ ما ذُكِرَ عما تُرِكَ، وذلك جوابُهم إبراهيمَ عن مسألتِه إياهم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾. فكان جوابُهم إياه: لا، ما يَسْمَعوننا إذا دعَوناهم، ولا ينفَعوننا ولا يضرُّون. يدلُّ على أنَّهم بذلك أجابوه - قولُهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وذلك [أنَّ "بل"] (٤) رجوعٌ عن مجحودٍ، كقولِ القائلِ: ما كان كذا بل كذا وكذا.
стр. 12010
ومَعْنى قولِهم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾: وجَدنا مَن قبلَنا (١) مِن آبائِنا يعبُدونها، ويعكُفون عليها لخدمتِها وعبادتِها، فنحن نفعلُ ذلك اقتداءً بهم، واتِّباعًا لمِنهاجِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾.
يقولُ تعالَى ذكرُه: قال إبراهيمُ لقومِه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ أَيُّها القومُ ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِن هذه الأصنامِ، ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ يعنى بالأَقْدَمِين: الأقْدَمِين مِن الذين كان إبراهيمَ يخاطبُهم، وهم الأوَّلون قبلَهم مِمَّن كان على مثلِ ما كان عليه الذين كلَّمهم إبراهيمُ من عبادةِ الأصنامِ، ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
يقولُ قائلٌ: وكيف يوصَفُ الخشبُ والحديدُ والنُّحاسُ بعداوةِ ابن آدمَ؟ فإن مَعْنَى ذلك: فإنهم عدوٌّ لى - لو عبدتُهم - يومَ القيامةِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢].
وقولُه: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. نصبًا على الاستثناءِ.
و "العدوُّ" بمعنى الجمعِ، ووُحِّد لأنَّه أُخْرِج مُخرج المصدرِ، مثلَ القُعودِ والجلوسِ.
ومَعْنى الكلامِ: أفرأيتُم كلَّ معبودٍ لكم ولآبائِكم، فإنِّي منه برئٌ: لا أعبدُه، إلا ربَّ العالمين.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ