← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12006–12045 · переход к 12011.

стр. 12006

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ بن عبدِ اللهِ، قال: أقبَل فرعونُ، فلمَّا أشرَف على الماءِ قال أصحابُ موسى: يا مُكَلِّمَ اللهِ، إن القومَ يَتْبَعوننا في الطريقِ، فاضرِبْ بعصاك البحرَ فاخْلطه. فأرادَ موسى أن يفعلَ، فأوحَى اللهُ إليه أن ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. يقولُ: أَقرَّه (١) على سَكَناتِه، ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤]. إنما أمكرُ بهم، فإذا سَلَكوا طريقَكم غَرَّقْتُهم، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرَ قال: ألَا تَرَون البحرَ فَرِقَ منى، حتى تَفَتَّحَ لي، حتى أُدِركَ أعدائي فأقتُلَهم؟ فلما وقَف على أفواهِ الطرقِ وهو على حصانٍ، فرأى الحصانُ البحرَ فيه أمثالُ الجبالِ هابَ وخافَ، وقال فرعونَ: أنا راجعٌ. فمكَر به جبريلُ ﵇، فأقبَل على فرسٍ أنثى، فأدْناها مِن حصانِ فرعونَ، فطَفِقَ فرسُه لا يَقَرُّ، وجعَل جبريلُ يقولُ: تَقَدَّم. ويقولُ: ليس أحدٌ أحقُّ بالطريقِ منك، فتَشامَّتِ الحُصُنُ الماديانةَ، فما مَلَكَ فرعونُ فرسَه أن وَلَجَ على أثَرِه، فلمَّا انتَهى فرعونُ إلى وسط البحرَ، أوحَى اللهُ: إلى البحر خُذْ عبدىَ الظالمَ وعبادىَ الظَّلَمةَ، سُلطاني فيك؛ فإني قد سَلَّطتك عليهم. قال: فتَغَطْمَطَتْ (٢) تلك الفِرَقُ مِن الأمواج كأنها الجبالُ، وضرَب بعضُها بعضًا، فلما أدرَكه الغَرَقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]. وكان جبريلُ ﷺ شديدَ الأَسَفِ عليه؛ لِما رَدَّ مِن آيات اللهِ، ولطولِ علاجِ موسى إياه، فدخَل في أسفلِ البحرِ، فأخرَج طينًا، فحَشَاه في فَمِ فرعونَ لكيلا يقولَها الثانية، فتُدْرِكَه الرحمةُ. قال: فبعَث اللهُ إليه ميكائيلَ يُعَيِّرُه: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾؟ [يونس: ٩١]. وقال جبريلُ: يا محمدُ، ما أبغَضْتُ أحدًا من خلقِ اللَّهِ ما أَبغَضتُ اثنين؛ أحدُهما مِن الجنِّ، وهو إبليسُ، والآخرُ فرعون، قال: أنا ربُّكم الأعلى. ولقد رأيتُنى يا محمدُ وأنا أحْشُو في فِيهِ مخافةَ أن يقولَ كلمةً يرحمُه اللهُ بها.

стр. 12007

وقد زعَم بعضُهم (١) أن معنى قولِه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾: وجَمَعْنا. قال: ومنه ليلةُ المُزْدَلِفةِ. قال: ومعنى ذلك أنها ليلةُ جَمْعٍ. وقال بعضُهم: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ﴾: وأهْلكْنا. وقولُه: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنجْيَنا موسى [بما أشْقَيْنا] (٢) به فرعونَ وقومَه مِن الغَرَقِ في البحرِ، ومَن مع موسى مِن بنى إسرائيلَ أجمعين. وقولُه: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. يقولُ: ثم أَغرَقْنا فرعون وقومَه مِن القِبْطِ في البحرِ، بعد أن أنجْيَنا موسى منه ومَن معه. وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما فعلتُ بفرعونَ ومَن معه؛ مِن تَغْريِقي إياهم في البحرِ، إذ كَذَّبوا رسولى موسى، وخالَفوا أمرى بعدَ الإعْذارِ إليهم والإنْذارِ - لدلالةً بينةً يا محمدُ لقومِك مِن قريشٍ، على أن ذلك سُنَّتى في من سلَك سبيلَهم مِن تَكْذيبِ رُسُلى، وعظةً لهم وعبرةً - إنِ ادَّكروا واعتَبروا - أن يفعلوا مثلَ فعلِهم في تكذيبِك، مع البرهانِ والآياتِ التي قد أتَتْهم، فَيحِلُّ بهم من العقوبةِ نظيرُ ما حَلَّ بهم، ولك أيضًا آيةٌ في فعلى بموسى، وتَنْجيتي إياه - بعد طُولِ علاجِه فرعونَ - وقومَه منه، وإظْهارِى إياه، وتوريثِهِ وقومَه دورَهم وأرضَهم وأموالَهم، على أنِّى سالكٌ فيك سبيلَه إن أنت صبرتَ صبرَه، وقُمتَ مِن تبليغِ الرسالةِ إلى مَن أرسلتُك إليه قيامَه، ومُظْهرُك على مُكَذِّبيك، ومُعْليك عليهم، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وما كان أكثر قومك يا محمدُ مؤمنين، بما أتاك اللهُ مِن الحقَّ المبينِ، فسابقٌ لهم في علمى أنهم لا يؤمنون، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ

стр. 12008

الْعَزِيزُ﴾ في انتقامِه ممن كفرَ به وكذَّب رسلَه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بَمَن أَنْجَى مِن رسلِه وأتباعِهم مِن الغرقِ والعذابِ الذي عذَّب به الكفرةَ. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واقصُصْ على قومِك من المشركين يا محمدُ، خبرَ إبراهيمَ، حينَ قال لأبيه وقومَه: أَيَّ شيءٍ تعبُدون؟ قالوا له: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾. يقولُ: فنظلُّ لها خَدَمًا مقيمين على عبادتها وخدمتِها. وقد بيَّنا مَعْنى "العكوفِ" بشواهدِه فيما مضى قبلُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). وكان ابن عباسٍ فيما روى عنه يقولُ في مَعْنى ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾. قال: الصلاةُ لأصنامِهم (٢). القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ لهم: هل يسمَعُ دعاءَكم هؤلاء الآلهةُ إذ تَدْعُونَهم. واختَلف أهلُ العربيةِ في مَعْنى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معناه: هل يسمعون منكم؟ أو هل يسمعون دعاءَكم؟ فحذَف الدعاءَ، كما قال زُهَيرٌ (٣):

стр. 12009

القائِدُ الخَيْلَ مَنْكُوبًا دَوَابِرُها (١) … قد أُحْكِمَتْ حَكماتِ (٢) القِدِّ والأبَقا (٣) وقال: يريدُ: أَحْكِمت حَكَماتِ الأَبَقِ. فألْقَى الحَكَماتِ، وأقام الأبَقَ مُقامَها. وقال بعضُ مَن أنكَر ذلك من قولِه من أهلِ العربيةِ: الفصيحُ مِن الكلامِ في ذلك هو ما جاء في القرآنِ؛ لأنَّ العرب تقولُ: سمعتُ زيدًا مُتكلِّمًا. يريدون: سمِعتُ كلام زيدٍ. ثم تَعلَمُ أن السمعَ لا يقعُ على الأناسيِّ، إنما يقعُ على كلامِهم، ثم يقولون: سمِعتُ زيدًا. أي: سمِعتُ كلامَه قال: ولو لم يُقَدَّمْ في بيتِ زهيرٍ "حكماتِ القدِّ" لم يَجُزْ أن يُنْسَقَ بـ"الأبق" عليها؛ لأنَّه لا يقالُ: رأيتُ الأبق. وهو يريدُ الحكمَةَ. وقولُه: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾. يقولُ: أو تنفَعُكم هذه الأصنامُ، فيَرزُقونكم شيئًا على عبادتِكموها، أو يضرُّونكم فيُعاقبونكم على تَرْككم عبادتَها، بأن يسلُبوكم أموالَكم، أو يُهْلِكوكم إذا هلَكتُم وأولادُكم ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وفى الكلامِ متروكٌ استُغْنِىَ بدَلالةِ ما ذُكِرَ عما تُرِكَ، وذلك جوابُهم إبراهيمَ عن مسألتِه إياهم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾. فكان جوابُهم إياه: لا، ما يَسْمَعوننا إذا دعَوناهم، ولا ينفَعوننا ولا يضرُّون. يدلُّ على أنَّهم بذلك أجابوه - قولُهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وذلك [أنَّ "بل"] (٤) رجوعٌ عن مجحودٍ، كقولِ القائلِ: ما كان كذا بل كذا وكذا.

стр. 12010

ومَعْنى قولِهم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾: وجَدنا مَن قبلَنا (١) مِن آبائِنا يعبُدونها، ويعكُفون عليها لخدمتِها وعبادتِها، فنحن نفعلُ ذلك اقتداءً بهم، واتِّباعًا لمِنهاجِهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه: قال إبراهيمُ لقومِه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ أَيُّها القومُ ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِن هذه الأصنامِ، ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ يعنى بالأَقْدَمِين: الأقْدَمِين مِن الذين كان إبراهيمَ يخاطبُهم، وهم الأوَّلون قبلَهم مِمَّن كان على مثلِ ما كان عليه الذين كلَّمهم إبراهيمُ من عبادةِ الأصنامِ، ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ قائلٌ: وكيف يوصَفُ الخشبُ والحديدُ والنُّحاسُ بعداوةِ ابن آدمَ؟ فإن مَعْنَى ذلك: فإنهم عدوٌّ لى - لو عبدتُهم - يومَ القيامةِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢]. وقولُه: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. نصبًا على الاستثناءِ. و "العدوُّ" بمعنى الجمعِ، ووُحِّد لأنَّه أُخْرِج مُخرج المصدرِ، مثلَ القُعودِ والجلوسِ. ومَعْنى الكلامِ: أفرأيتُم كلَّ معبودٍ لكم ولآبائِكم، فإنِّي منه برئٌ: لا أعبدُه، إلا ربَّ العالمين. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ

стр. 12011

يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. يقولُ: فإنَّهم عدوٌّ لى إلا ربِّ العالمين، ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ للصوابِ من القولِ والعملِ، ويُسدِّدُنى للرَّشادِ، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾. يقولُ: والذي يغذوني بالطعامِ والشرابِ، ويَرْزُقُنى الأرزاقَ، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. يقولُ: وإذا سقِم جسمى واعتلَّ فهو يُبْرئُه ويُعافيه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾. يقولُ: والذي يُميتُنى إذا شاء، ثم يُحييني إذا أراد بعدَ مماتى، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَرَبِّي هذا الذي بيدِه نفعى وضرِّى، وله هذه (١) القدرةُ والسلطانُ، وله الدنيا والآخرةُ، لا الذي لا يسمَعُ إِذا دُعِى، ولا يَنفَعُ ولا يضُرُّ. وإنَّما كان هذا الكلامُ من إبراهيمَ احتجاجًا على قومِه، في أنَّه لا تصلُحُ الأُلوهةُ، ولا يَنبَغي أن تكونَ العبودةُ إلا لمن يفعلُ هذه الأفعالَ، لا لمن لا يُطيقُ نفعًا ولا ضرًّا. وقيل: إِنَّ إبراهيم صلواتُ اللهِ عليه عَنَى بقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾: والذي أرجو أن يغفرَ لى قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]. وقولى لسارة: إنها أُختى ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 12012

في قولِ اللهِ: ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. قال: قولُه: ﴿وإِنَّي سَقِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وقولَه لسارةَ: إنها أختى. حينَ أراد فرعونٌ مِن الفراعنةِ أن يأخذَها (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. قال: قولُه: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾. وقولُه: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وقولُه لسارةَ: إنها (٢) أختى. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ نحوَه. ويَعْنى بقوله: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾: يومَ الحسابِ، يومَ المجازاةِ. وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فيما مضَى (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن مسألة خليلِه إبراهيم إياه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾. يقولُ: رَبِّ هَبْ لى نُبُوَّةً، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: واجْعَلني رسولًا إلى خلقِك، حتى تُلحِقَنى بذلك بعِدادِ مَن أرسلتَه من رسلِك إلى خلقِك، واتَّمنتَه على وحيِك، واصطَفيته لنفسك. وقولُه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: واجْعَلْ لى في الناسِ

стр. 12013

ذكرًا جميلا، وثناء حسنًا، باقيًا في من يجيءُ مِن القرونِ بعدِى. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمةَ قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. وقولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]. قال: إِنَّ الله فضَّله بالخُلَّةِ حين اتخذَه خليلًا، فسألَ الله فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ حتى لا تكذَّبَنى الأممُ. فأعطاه اللهُ ذلك، فإنَّ اليهودَ آمَنتْ بموسى وكفَرتْ بعيسى، وإنَّ النصارَى آمنْتْ بعيسى وكفَرتْ بمحمدٍ ﷺ ، وكلُّهم يتولَّى إبراهيمَ، قالت اليهودُ: هو خليلُ اللهِ وهو منَّا. فقطَع اللهُ ولا يتَهم منه بعدَ ما أقرُّوا له بالنبوّةِ وآمنوا به، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]. ثم الحق ولايتَه بكم فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. فهذا أجرُه الذي عُجِّل له، وهى الحسنةُ. إذ يقولُ: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢]. وهو اللسانُ الصِّدْقُ الذي سألَ ربَّه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. قال: اللسانُ الصِّدْقُ الذِّكْرُ الصدقُ، والثناءُ الصالحُ، والذِّكرُ الصالحُ في الآخِرين من الناسِ، مِن الأممِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ

стр. 12014

كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾. يَعْنى إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليهِ بقولِه: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾: أورِثْنى يا ربِّ من منازلِ مَن هلَك مِن أعدائِك المشركين بك، من الجنةِ، وأسكنِّى ذلك، ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾. يقولُ: واصفحْ لأبي عن شركِه بك، ولا تعاقِبْه عليه؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾. يقولُ: إنه كان ممن ضَلَّ عن سبيلِ الهُدَى، فكفَر بك. وقد بيَّنا المعنى الذي مِن أجلِه استغفَر إبراهيمُ لأبيه، واختلافَ أهلِ العلمِ في ذلك، والصوابَ عندَنا من القولِ فيه فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). وقولُه: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾. يقولُ: ولا تُذِلَّني بعقابِك إيايَ يومَ تَبْعَثُ عبادَك مِن قبورِهم لمَوْقِفِ القيامةِ، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾. يقولُ: لا تُخْزنى يومَ لا ينفعُ مَنْ كَفَر بك وعصَاك في الدنيا مالٌ (٢) كان له في الدنيا، ولا بنوه الذين كانوا له فيها، فيدفعُ ذلك عنه عقابَ اللَّهِ إِذا عاقبه، ولا يُنجِّيه منه. وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. يقولُ: ولا تُخْزنى يومَ يُبعثون، يومَ لا ينفعُ إلا القلبُ السليمُ. والذي عُنِى به مِن سلامةِ القلبِ في هذا الموضعِ هو سلامةُ القلبِ من الشكِّ في توحيدِ اللهِ، والبعثِ بعدَ المماتِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12015

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن عوفٍ (١)، قال: قلتُ لمحمدٍ: ما القلبُ السليمُ؟ قال: أن يعلمَ أنَّ الله حقٌّ، وأن الساعةَ قائمةٌ، وأنَّ الله يبعثُ مَن في القبورِ (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: لا شكَّ فيه (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: ليس فيه شكٌّ في الحقِّ (٤). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: سليمٌ من الشركِ (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: سليمٌ من الشركِ، فأمَّا الذنوبُ فليس يَسْلَمُ منها أحدٌ (٦). حدَّثني عمرُو بنُ عبدِ الحميد الآمُليُّ، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، عن جُوَيبرٍ عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: هو الخالصُ (٧).

стр. 12016

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾. يَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: وأُدْنِيتِ الجنةُ وقُرِّبَتْ للمتقين، الذين اتقَوْا عقابَ اللهِ في الآخرةِ، بطاعتِهم إياه في الدنيا، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾. يقولُ: وأُظْهِرت النارُ للذين غَوَوْا فَضَلُّوا عن سواءِ السبيلِ. وقيل للغاوين: [أينَ الذين] (١) كنْتُم تَعْبدون من دونِ اللَّهِ من الأنداد؟ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ اليومَ مِنَ اللهِ، فينقِذونكم من عذابِه، ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ لأنفسِهم، فيُنَجُّونها مما يُرَادُ بها؟ وقولُه: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. يقولُ: فرُمِى ببعضِهم في الجحيمِ على بعضٍ، وطُرح بعضُهم على بعضٍ، مُنْكَبِّين على وجوههِم. وأَصلُ "تُبْكِبوا": كُبِّبُوا، ولكن الكاف كُرَّرَتْ كما قيل: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦]. يَعْنى به: صِرَّ. ونَهْنَهنى يُنَهْنِهُنِي. يَعْنى به: نَهَّهَني. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولهَ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾. قال: فدُهْوِروا (٢). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

стр. 12017

قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾. يقولُ: فجُمِعوا فيها (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾. قال: طُرِحوا فيها (٢) فتأويلُ الكلام: فكُتبَ هؤلاءِ الأندادُ التي كانت تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ في الجحيمِ، والغاوون. وذكر عن قتادةَ أَنَّه كان يقولُ: الغاوون في هذا الموضعِ الشياطينُ. ذكرُ الرواية عمَّن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِه: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. قال: الغاوون الشياطينُ (٣). فتأويلُ الكلامِ على هذا القولِ الذي ذكرْنا عن قتادةَ: فكُبْكِب فيها الكفارُ الذين كانوا يَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ الأصنامَ، والشياطينُ. وقولُه: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾. يقولُ: وكُبكب فيها مع الأندادِ والغاوِين جنودُ إبليسَ أجمعون. وجنودُه كلُّ مَن كان مِن تُباعِه؛ من ذرِّيته كان أو مِن ذرّيةِ آدمَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾.

стр. 12018

يقولُ تعالى ذِكرُه: قال هؤلاءِ الغاوون والأندادُ التي كانوا يَعبدونها مِن دونِ اللهِ وجنودُ إبليسَ، وهم في الجحيمِ يختصمون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: تاللهِ لقد كنَّا في ذهابٍ عن الحقِّ (١) مُبِينٍ، يَبِينُ ذهابُنا ذلك عنه عن نفسِه، لمن تأمَّله وتدبَّره أنه ضلالٌ وباطلٌ. وقولُه: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ الغاوون للذين (٢) يعبدونهم مِن دونِ اللَّهِ: تاللَّهِ إنْ كنَّا لفى ذهابٍ عن الحقِّ حينَ نعدِلُكم بربِّ العالمين، فنعبُدُكم مِن دونِه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: لتلك الآلهة. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هؤلاءِ الغاوين في الجحيمِ: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾. يَعْنى بالمجرمين إبليسَ وابنَ آدمَ الذي سَنَّ القتلَ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرِمةَ قولَه: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾. قال: إبليسُ وابنُ آدمَ القاتلُ (٣).

стр. 12019

وقولُه: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾. يقولُ: فليس لنا شافعٌ يشفَعُ لنا عندَ اللَّهِ مِن الأباعدِ فيعفوَ عنا ويُنجِّيَنا من عقابِه، ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾، من الأقاربِ. واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بالشافعين وبالصديقِ الحميمِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالشافعين الملائكةُ، وبالصديقِ الحميم النَّسِيبُ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾. قال: مِن الملائكةِ، ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ قال: مِن الناسِ (١). قال مجاهدٌ: ﴿صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. قال: شَفيقٍ (٢). وقال آخرون: كلُّ هؤلاء من بني آدمَ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكَريا بنُ يحيى بن أبى زائدةً، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سعيد البصريُّ المِسْمَعيُّ، عن أخيه يحيى بن سعيدٍ المِسمَعيِّ، قال: كان قتَادةُ إذا قرَأ: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. قال: يَعْلَمون واللهِ أنَّ الصديق إذا كان صالحًا نفَع، وأن الحميمَ إذا كان صالحًا شفَع (٣). وقولُه: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقولُ: فلو أنَّ لنا رجعةً إلى

стр. 12020

الدنيا فنؤمنَ باللَّهِ، فنكونَ [بإيماننا به] (١) من المؤمنين. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: إنَّ فيما احتجَّ به إبراهيمُ على قومِه من الحُجَجِ التي ذكَرنا له، لدَلالةً بينةً [وعبرةً] (٢) واضحةً لمن اعتَبر، على أنَّ سنةَ اللَّهِ في خلقِه الذين يستَنُّون بسُنَّةِ قومِ إبراهيمَ من عبادةِ الأصنامِ والآلهةِ، ويقتَدون بهم في ذلك - ما سنَّ فيهم في الدارِ الآخرِة، من كَبْكَبَتِهم وما عبَدوا مِن دونِه مع جنودِ إبليسَ في الجحيمِ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ في سابقِ علمهِ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾، إِنَّ رَبَّك يا محمدُ لهو الشديدُ الانتقامِ ممن عبَد من (٣) دونَه، ثم لم يَتُبْ من كفرِه حتى هلَك، الرحيمُ بمن تاب منهم أن يعاقبَه على ما كان سلَف منه قبلَ توبته مِن إثمٍ وجُرمٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَتْ قوم نوح رسلَ اللَّهِ الذين أرسلَهم إليهم لما قال لهم أخوهم نوحٌ: ألا تتَّقون فتحذروا عقابَه على كفرِكم به، وتكذيبِكم رسلَه، إنى لكم رسولٌ من الله، أمينٌ على وحيِه إليَّ، برسالتِه إياىَ إليكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾.

стр. 12021

يقولُ تعالى ذكرُه: فاتقُوا عِقَابَ اللَّهِ أَيُّها القومُ على كفرِكم به، وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمرى إياكم باتِّقائِه، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. يقولُ: وما أطلب منكم على نصيحتي لكم وأمرى إياكم باتِّقاءِ عقابِ اللهِ، بطاعتِه فيما أمرَكم ونهاكم - مِن ثوابٍ ولا جزاءٍ، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دونَكم ودونَ جميعِ خلقِ اللهِ، فاتقوا عقابَ اللهِ على كفرِكم به، وخافوا حلولَ سخطِه بكم، على تكذيبِكم رسلَه ﴿وَأَطِيعُونِ﴾. يقولُ: وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمرى إياكم بإخلاصِ العبادةِ لخالقكِم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ نوحٍ له، مُجِيبيه عن قيلِه لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. قالوا: أنؤمنُ لك يا نوحُ، ونُقِرُّ بتصديقك فيما تدعونا إليه، وإنما اتبَعَك منا الأَرْذَلون، دونَ ذوى (١) الشرفِ وأهلِ البيوتاتِ؟ ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [قال نوحٌ لقومه: وما علمى بما كان أتباعى يعملون] (٢)، إنَّما لى منهم ظاهرُ أمرِهم دونَ باطنِه، ولم أُكَلَّفْ عِلْمَ باطنهم، وإنما كُلِّفتُ الظاهرَ، فمن أظهر حسنًا، ظننتُ به حسنًا، ومن أظهر سيِّئًا، ظننتُ به سَيِّئًا، ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: إن حسابُ باطنِ أمرِهم الذي خَفِى عنى إلا على ربِّي لو تشعرون، فإنَّه يعلم سر أمرهم وعلانيته. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12022

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج قولَه ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾. قال: هو أعلمُ بما في نفوسِهم (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه: وما أنا بطاردِ مَن آمن باللَّهِ وَاتَّبعنى على التصديقِ بما جئتُ به مِن عندِ اللهِ، ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: ما أنا إلا نذيرٌ لكم مِن عندِ ربِّكم، أُنْذِرُكم بأسَه وسطوتَه على كفرِكم به، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: نذيرٌ قد أبانَ لكم إنذارَه، ولم يكتُمْكم نصيحته. ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. يقولُ: قال لنوحٍ قومُه: لئن لم تَنْتَه يا نوحُ عما تقولُ وتدعو إليه وتَعِيبُ به آلهتنا، لتكونَنَّ مِن المشتومين. يقولُ: لنشتُمَنَّك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ: ربِّ إن قومى كذَّبوني فيما أتيتُهم به من الحقِّ مِن عندِك، وردُّوا عليَّ نصيحتي لهم، ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾. يقولُ: فاحكُمْ بينى وبينَهم حكمًا [من عندك] (٢)، تُهلكُ به المُبطلَ، وتنتقمُ به ممَّن كفرَ بك، وجحَد توحيدَك، وكذَّب رسولَك.

стр. 12023

كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾. قال: فاقضِ بينى وبينَهم قضاءً (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾. قال: يقولُ: اقضِ بينى وبينَهم (٢). ﴿وَنَجِّنِي﴾: يقولُ: ونجنى من ذلك العذابِ الذي تأتى به حكمًا بيني وبينَهم، ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: والذين معى مِن أهلِ الإيمانِ بك، والتصديقِ بي (٣). وقولُه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. يقولُ: فأنجينا نوحًا ومَن معه مِن المؤمنين، حينَ فَتَحنا بينهم وبينَ قومِهم، وأنزَلْنا بأسَنا بالقومِ الكافِرِين، ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ يَعْنى: في السفينةِ المُوقَرةِ المملوءةِ. وبنحوِ الذي قُلْنا في [تأويلِ قولِه: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾] (٤)، قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: يَعْنى المُوقَرَ. حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا الحسينُ بن الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَينَةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿الْمَشْحُونِ﴾:

стр. 12024

الموقَرِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: المفروغِ منه المملوءِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الْمَشْحُونِ﴾: المفروغِ منه تحميلًا. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قولِ اللهِ: ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. قال: هو المُحَمَّلُ (٣). وقولُه: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [يقولُ: ثم أغْرَقْنا بعد إنجائناه والمؤمنين معه، الباقين] (٤) مِن قومِه الذين كذَّبوه وردُّوا عليه النصيحةَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: إنّ فيما فعَلْنا يا محمدُ بنوحٍ ومَن معه مِن المؤمنين في الفلكِ المشحونِ، حينَ أنزَلْنا بأسَنا وسطوتَنا بقومِه الذين كذَّبوه - لآيةً لك ولقومِك المصدِّقيك منهم والمكذِّبيك، في أن سُنَّتَنا تنجيهُ رسلِنا وأتباعِهم، إذا نزَلت نقمتُنا

стр. 12025

بالمكذِّبين بهم مِن قومِهم (١)، وإهلاكُ المكذِّبين باللهِ، وذلك (٢) سُنَّتى فيك وفى قومِك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ولم يكنْ أكثرُ قومِك بالذين يصدِّقونك؛ لِما سبَق في قضاءِ اللهِ أنَّهم لن يؤمنوا. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ في انتقامِه ممن كفَر به وخالَف أمرَه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ الله بالتائبِ منهم أن يعاقبَه بعدَ توبتِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: كذَّبَت عادٌ رُسُلَ اللهِ إليهم، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ عقابَ اللهِ على كفرِكم به، إنى لكم رسولٌ مِن ربِّي، يأمُرُكم (٣) بطاعتِه، ويُحذِّرُكم (٤) على كفرِكم بأسَه، أمينٌ على وَحْيِه ورسالتِه، فاتَّقوا الله بطاعتِه والانتهاءِ إلى ما يأمُرُكم وَينْهاكم، وأطيعوني فيما آمُرُكم به مِن اتقاءِ اللهِ وتَحذيرِكم سَطُوتَه، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. يقولُ: وما أطلُبُ منكم على (٥) أمرِى إياكم باتِّقاءِ اللهِ جزاءً ولا ثوابًا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: ما جَزائى وثَوابى على نَصِيحتِى إياكم إلا على ربِّ العالمين. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِ هودٍ لقومِه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾. والرِّيعُ

стр. 12026

كلُّ مكانٍ مُشْرِفٍ مِن الأَرضِ مرتفعٍ، أو طريقٍ، أو وادٍ. ومنه قول ذى الرُّمَّةِ (١): طِرَاقُ (٢) الخَوافي (٣) مُشْرِفٌ فوقَ ريْعَةٍ … نَدَى لَيْلِه في رِيشِه يَتَرَقْرَقُ (٤) وقولُ الأعْشَى (٥): ويَهْمَاءَ (٦) قَفْرٍ تَجَاوَزْتُها … إِذَا خَبَّ (٧) فِي ريعِها آلُهَا (٨) وفيه لغتانِ: رِيعٌ ورَيْعٌ، بكسرِ الراءِ وفتحِها وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾. يقولُ: بكلِّ شَرَفٍ (٩).

стр. 12027

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال: فَجٍّ (١). حَّدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال: بكلِّ طريق (٢). حدَّثني سليمانُ بنُ عُبَيدِ اللهِ الغَيْلانيُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا مسلمُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال: الرِّيعُ الثَّنِيَّةُ الصغيرةُ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ حسانٍ، عن مسلمٍ بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عكرمةُ: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال (٤): فَجٍّ ووادٍ. قال: وقال مجاهدٌ: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾: بينَ جبلَين (٥).

стр. 12028

قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال: شَرَفٍ ومنظرٍ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾. قال: بكلِّ طريقٍ (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾: بكلِّ طريقٍ (٢). ويعنى بقولِه: ﴿آيَةً﴾: بُنْيانًا، عَلَمًا. وقد بَيَّنَّا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا أن الآيةَ هي الدلالةُ والعلامةُ، بالشواهدِ المُغْنِيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ (٣). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في ألفاظِهم في تأويلِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾. قال: الآيةُ عَلَمٌ (٤).

стр. 12029

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾. قال: ﴿آيَةً﴾: بنيانٌ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آيَةً﴾: بنيانٌ. حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه ﴿بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾. قال: بنيانُ الحمامِ. وقولِه: ﴿تَعْبَثُونَ﴾. قال: تلعَبون. وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿تَعْبَثُونَ﴾. قال: تلعَبون (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تَعْبَثُونَ﴾. قال: تلعَبون (٣). وقولُه: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى المصانعِ؛ فقال بعضُهم: هي قصورٌ مُشَيَّدةٌ.

стр. 12030

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾. قال: قصورٌ مُشَيَّدةٌ، وبنيانٌ مُخَلَّدٌ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَصَانِعَ﴾: قصورٌ مُشَيَّدةٌ وبنيانٌ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿مَصَانِعَ﴾. يقولُ: حصونٌ وقصورٌ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ حسانَ، عن مسلمٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخلُدُونَ﴾. قال: أبْرِجةُ الحمامِ (٣). وقال آخرون: بل هي مآخِذُ للماءٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَصَانِعَ﴾. قال: مآخِذُ للماءِ (٤).

стр. 12031

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك، أن يقالَ: إن المصانعَ جمعُ مَصْنَعةٍ. والعربُ تُسَمِّى كُلَّ بناءٍ مَصْنَعةً، وجائزٌ أن يكونَ ذلك البناءُ كان قصورًا وحُصُونًا مُشَيَّدةً، وجائزٌ أن يكونَ كان مآخِذَ للماءِ، ولا خبرَ يَقْطَعُ العُذْرَ بأيِّ ذلك كان، ولا هو مما يُدْرَكُ مِن جهةِ العقلِ. فالصوابُ أن يقالَ فيه ما قال اللهُ: إنهم كانوا يَتَّخِذون مصانعَ. وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. يقولُ: كأنكم تخلُدُون فتَبْقَون في الأرضِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ يقولُ: كأنكم تَخْلُدون (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: في بعضِ الحروفِ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (٢). وكان ابن زيدٍ يقولُ: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ في هذا الموضعِ استفهامٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:

стр. 12032

﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. قال: هذا استفهامٌ، يقول: لعلكم تخلُدون حينَ تَبْنُون هذه الأشياءِ (١)؟ وكان بعضُ أهلِ العربيةِ (٢) يزعُمُ أن ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ في هذا الموضعِ بمعنى: "كيما". وقولُه: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. يقولُ: وإذا سَطَوْتُم سَطَوْتُم قتلًا بالسيوفِ، وضَرْبًا بالسِّياطِ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. قال: القتلُ بالسيفِ والسِّياطِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه مُخبرًا عن قِيلِ هودٍ لقومِه مِن عادٍ: اتَّقُوا عقابَ اللهِ أَيُّها القومُ، بطاعتِكم إياه فيما أمَركم ونَهاكم، وانْتَهُوا عن اللَّهْوِ واللَّعِبِ وظُلْمِ الناسِ وقَهْرِهم بالغَلَبةِ والفسادِ في الأرضِ، واحْذَروا سَخَطَ الذي أعْطاكم مِن عندِه ما تعلَمون، وأعانَكم به؛ من بين المواشى والبنين والبساتينِ والأنهارِ. ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ﴾ مِن اللهِ ﴿عَظِيمٍ﴾.

стр. 12033

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالت عادٌ لنبيِّهم هودٍ ﵇: مُعْتَدِلٌ عندَنا وَعْظُك إيَّانا وتَرْكُك الوَعْظَ، فلن نؤمنَ لك، ولن نُصَدَّقَك على ما جِئْتَنا به. وقولُه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ سوى أبى جعفرٍ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ المتأخرِين منهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١). بضمِّ الخاءِ واللامِ، بمعنى: ما هذا الذي تفعلُه إلا عادةُ الأولين مِن قبلِنا. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ وأبو عمرِو بنُ العلاءِ: (إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ) (٢). بفتحِ الخاءِ وتسكينِ اللامِ، بمعنى: ما هذا الذي جئتَنا به إلا كَذِبُ الأَوَّلين وأحاديثُهم. واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك نحوَ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ما هذا إلا دِينُ الأوَّلين وعادتُهم وأخلاقُهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: دِينُ الأوَّلين (٣).

стр. 12034

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: هكذا خِلْقَةُ الأَوَّلين، وهكذا كانوا يَحْيَوْن ويَموتُون (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هذا إلا كَذِبُ الأوَّلين وأساطيرُهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: أساطيرُ الأوَّلين (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: كَذِبُهم (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: إنْ هذا إلا أمرُ الأوَّلين، وأساطيرُ الأوَّلين اكْتَتَبَها، فهي تُمْلَى

стр. 12035

عليه بكرةً وأصيلًا. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن عَلْقمةَ، عن ابن مسعودٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: إِنْ هذا إلا اختلاقُ الأوَّلين. قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ أنه كان يقرأُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. ويقولُ: شيء اختَلَقوه (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: قال علقمةُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: اخْتلاقُ الأَوَّلين. وأَولى القراءتَين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرَأه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بضَمِّ الخاءِ واللامِ، بمعنى: إنْ هذا إلا عادةُ الأوَّلين ودينُهم. كما قال ابن عباسٍ؛ لأنهم إنما عُوتِبوا على البنيانِ الذي كانوا يَتَّخِذونه، وبَطْشِهم بالناسِ بطشَ الجبابرةِ، وقلةِ شُكْرِهم ربَّهم فيما أنعمَ عليهم، فأجابوا نبيَّهم بأنهم يفْعَلون ما يفْعَلون مِن ذلك، احْتذاءٍ منهم سُنَّةَ مَن قبلَهم مِن الأممِ، واقْتفاءً منهم آثارَهم، فقالوا: ما هذا الذي نَفْعَلُه، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. يَعْنون بالخُلُقِ عادةَ الأَوَّلين. ويزيدُ ذلك بيانًا وتصْحيحًا لما اخْتَرْنا مِن القراءةِ والتأويلِ، قولُهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؛ لأنهم

стр. 12036

لو كانوا لا يُقِرُّون بأن لهم ربًّا يَقْدِرُ على تعذيبِهم، ما قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، بل كانوا يقولون: إنْ هذا الذي جئتَنا به يا هودُ إلا خَلْقُ الأَوَّلين، وما لنا مِن مُعَذِّبٍ يُعذِّبُنا. ولكنهم كانوا مُقِرِّين بالصانعِ، ويعبُدون الآلهةَ على نحوِ ما كان مُشركو العرب يَعْبُدونها، ويقولون: إنها تُقَرِّبُنا إلى اللهِ زُلْفَى. فلذلك قالوا لهودٍ وهم منكرون نُبُوَّتَه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ثم قالوا له: ما هذا الذي نفعلُه إلا عادةُ مَن قَبْلَنا وأخلاقُهم، وما اللهُ مُعَذِّبَنا عليه. كما أخبَرنا تعالى ذكرُه عن الأممِ الخاليةِ قبلَنا أنهم كانوا يقولون لرُسُلِهِم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فكذَّبَت عادٌ رسولَ ربِّهم هُودًا. والهاءُ في قولِه: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مِن ذكرِ هودٍ ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾. يقولُ: فَأَهْلَكْنا عادًا بتكْذيبِهم رسولَنا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ فِي إِهْلاكِنا عادًا بتكذيبِها رسولَها، لعبرةً وعظةً (١) لقومِك يا محمدُ، المُكَذِّبِيك فيما أتيتَهم به مِن عندِ ربِّك، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وما كان أكثرُ مَن أهْلَكنا، بالذين يؤمِنون في سابقِ علمِ اللهِ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ في انتقامِه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين به. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ

стр. 12037

صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبَتْ ثمودُ رسلَ اللهِ، إذ دعاهم صالحٌ أخوهم إلى اللهِ، فقال لهم: ألا تتَّقون عقابَ اللهِ يا قومِ على معصيتِكم إياه، وخلافِكم أمْرَه، بطاعتِكم أمرَ المفسدين في أرضِ اللهِ، إنى لكم رسولٌ من اللهِ أرسلَنى إليكم بتحذيرِكم عقوبتَه على خلافكم أمرَه، أمينٌ على رسالتِه التي أرسلَها معى إليكم (١). فاتَّقوا الله أَيُّها القومُ، واحذرُوا عقابَه، وأطيعوني في تحذيرِى إيَّاكم، وأمرِ ربِّكم، باتباعِ طاعتِه، ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر﴾. يقولُ: وما أسألُكم على نُصحى إيَّاكم وإنذارِكم، من جزاءٍ ولا ثوابٍ، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: إِنْ جزائي (٢) وثوابي إلَّا على ربِّ جميعِ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، وما بينَهما من خلْقٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (٣) (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُهُ مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه من ثمودَ: أيَتْركُكم يا قومِ ربُّكم في هذه الدنيا آمِنين، لا تخافون شيئًا، ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. يقولُ: في بساتينَ وعيونِ ماءٍ، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾: يعنى بالطَّلعِ الكُفُرَّى (٤).

стр. 12038

واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿هَضِيمٌ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: اليانعُ النضيجُ. ذكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. يقولُ: أَيْنَعَ وبلَغ، فهو هضيمٌ. وقال آخرون: بل هو المتَهشِّم المتفتِّتُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: تهشَّم هشيمًا. وقال الحارثُ: تهشَّم تهشُّمًا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عبد الكريمِ يقولُ: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. قال: حينَ تَطْلُعُ يَقْبِضُ عليه فيَهْضِمُه. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ:

стр. 12039

إذا مُسَّ تَهَشَّم وتفَتَّت. قال: هو مِن الرُّطَب هضيمٌ، تَقْبِضُ عليه فتَهْضِمُهُ (١). وقال آخرون: هو الرَّطَبُ الليِّنُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. قال: الهضيمُ الرَّطْبُ الليِّنُ (٢). وقال آخرون: هو الراكبُ بعضُه بعضًا. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾: إذا كثُر حَمْلُ النخلةِ، فركِب بعضُه (٣) بعضًا، حتى نقَص بعضُه (٢) بعضًا، فهو حينَئِذٍ هَضيمٌ (٤). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ الهضيمَ هو المُنْكَسِرُ من لينِه ورُطوبتِه، وذلك من قولِهم: هضَم فلانٌ فلانًا (٥) حقَّه. إذا انْتَقَصه وتحَيَّفه، فكذلك الهَضْمُ في الطَّلْعِ، إنما هو التنقُّصُ منه مِن رطوبتِه ولينِه، إما بمسِّ الأيدى، وإما بركوبِ بعضِه بعضًا، وأصلُه "مفعولٌ"، صُرِف إلى "فعيلٍ".

стр. 12040

وقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتَتَّخِذون مِن الجبالِ بيوتًا. فاخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَارِهِينَ﴾؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿فَارِهِينَ﴾ (١) بمعنى: حاذِقين بنحتِها. وقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (فَرِهِين) بغيرِ ألفٍ (٢)، بمعنى: أَشِرِين بَطِرِين. واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك على نحوِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿فَارِهِينَ﴾: حاذِقِين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ وعبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال أحدُهما: حاذِقين. وقال الآخرُ: يَتَجَبَّرون (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مَرْوانُ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال: حاذِقين بنحتِها. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَارِهِينَ﴾. يقولُ: حاذِقين (٤).

стр. 12041

وقال آخرون: معنى ﴿فَارِهِينَ﴾: مُسْتَفْرِهِين مُتَجَبِّرين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، [قال: ثنا سفيانُ] (١)، عن السديِّ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ في قولِه: ﴿فَرِهِينَ﴾. قال: يَتَجَبَّرون. قال أبو جعفرٍ: والصوابُ ﴿فَارِهِينَ﴾. وقال آخرون ممن قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾: معنى ذلك: كَيِّسِين. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَارِهِينَ﴾. قال: كيِّسين (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ، أنه قرأَ: ﴿فَارِهِينَ﴾. قال: كيِّسِين. وقال آخرون: (فَرِهين): أَشِرِين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال: أَشِرِين، ويقالُ: كيِّسين (٣).

стр. 12042

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال: شَرِهين (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه. وقال آخرون: معنى ذلك: أقوياءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِين). قال: الفَرِهُ القويُّ (٢). وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به الحسنُ، قال: أخبّرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (فَرِهين). قال: مُعْجَبِين بصنعتِكم (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن قراءةَ مَن قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾ وقراءةَ من قرَأه: (فَرِهين) قراءتان معروفتان، مُسْتَفِيضةٌ القراءةُ بكلِّ واحدةٍ منهما في علماءِ القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

стр. 12043

ومعنى قراءةِ منَ قرَأه: ﴿فَارِهِينَ﴾: حاذِقين بنحتِها، مُتَخَيِّرين لمواضعِ نحتِها، كيِّسين. مِن الفَراهةِ. ومعنى قراءةِ مَن قرَأه: (فَرِهين): مَرِحين أَشِرِين. وقد يَجوزُ أن يكونَ معنى "فارِهِ" و "فَرِهٍ" واحدًا، فيكونَ "فارهٌ" (١) مبنيًّا على بيانِه (٢)، وأصلُه من "فَعِلَ" "يَفْعَلُ"، ويكونَ "فَرِهٌ" صفةً، كما يقالُ: فلانٌ حاذقٌ بهذا الأمرِ، وحَذِقٌ. ومِن الفارهِ بمعنى المَرِحِ (٣) قولُ الشاعرِ عديِّ بن وداعٍ (٤) العُقَويَّ (٥) مِن الأزْدِ (٦): لا أَسْتَكِينُ إِذا ما أَزْمةٌ أَزَمَتْ … ولن تَرانى بخيرٍ فارِهَ اللَّبَبِ (٧) أي: مرحَ اللَّببِ (٨). وقولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاتقُوا عقابَ اللهِ أَيُّها القومُ على معصيتِكم ربَّكم، وخلافِكم أمرَه، وأطِيعوني في نصيحتِي لكم، وإنذارى إياكم عقابَ اللهِ، تَرْشُدوا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه من ثمودَ: لا تطيعوا أيُّها القومُ

стр. 12044

أمرَ المسرفين على أنفسِهم، في تمادِيهم في معصيةِ اللهِ، واجترائِهم على سَخَطِه، وهم الرهْطُ التسعةُ الذين كانوا يُفْسِدون في الأرضِ ولا يُصلِحون، من ثمودَ، الذين وصَفهم اللهُ جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]. يقولُ: الذين يسعَون في أرضِ اللهِ بمعاصيه، ﴿ولا يُصلِحون﴾. يقولُ: ولا يُصلِحون أنفسَهم بالعملِ بطاعةِ اللهِ. وقولُه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضهم: معناه: إنما أنت من المسحورين. ذكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءٌ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. قال: من المسحورين (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتَادةَ في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. قال: إنما أنت من المسحورين (٢). وقال آخرون: معناه: من المخلوقين.

стр. 12045

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ (١)، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. قال: من المخلوقين (٢). واختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى معنى ذلك؛ فكان بعضُ أهل البصرةِ (٣) يقولُ: كلُّ مَنْ أكَل مِن إنسٍ أو دابةٍ فهو مسحَّرٌ؛ وذلك لأنَّ له سَحْرًا يَقْرِى (٤) ما أكَل فيه. واستَشهد على ذلك بقولِ لَبيدٍ (٥): فإِنْ تَسْأَلينا فيمَ نَحْنُ فَإِنَّنا … عَصَافِيرُ مِنْ هذا الأنامِ المُسَحَّرِ وقال بعضُ نحويِّي الكوفيين (٦) نحوَ هذا، غيرَ أنه قال: أُخِذ من قولِك: انْتَفَخ سَحْرُك. أي: إِنَّك تأكلُ الطعامَ والشرابَ، فتُسَحَّرُ به وتُعَلَّلُ. وقال: معنى قولِ لبيدٍ: مِن هذا الأنامِ المسحَّرِ: من هذا الأنامِ المعلَّلِ المخدوعِ. قال: ويُروى أن السَّحْرَ (٧) من ذلك؛ لأنه كالخديعةِ. والصوابُ من القولِ في ذلك عندى القولُ الذي ذكرتهُ عن ابن عباسٍ؛ أن معناه: إنما أنتَ من المخلوقين الذين يُعلَّلون بالطعامِ والشرابِ مثلَنا، ولستَ ربًّا ولا
следующие страницы →