← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12111–12150 · переход к 12116.

стр. 12111

أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال: يعنى الملائكةَ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الحسنِ مثلَه (٢). وقال آخرون: هو موسى والملائكةُ. حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا مكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا موسى، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال: موسى النبيُّ والملائكةُ. ثم قال: يا مُوسَى، إنى أنا اللهُ الْعَزِيزُ الحَكيمُ (٣). وقولُه: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. [يقولُ: وتنزيهًا للهِ ربِّ العالمين] (٤) مما يصفُه به الظالمون. القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِه لموسى: إنه أنا اللهُ العزيزُ في نقمتِه من أعدائِه، الحكيمُ في تدبيرِه في خلقِه. والهاءُ التي في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾ هاءُ عمادٍ، وهو اسمٌ لا يظهرُ في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ (٥).

стр. 12112

وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ: هي الهاءُ المجهولةُ، ومعناها: إنَّ الأمرَ والشأنَ، أنا اللهُ. وقولُه: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾. وفى الكلامِ محذوفٌ تُرِك ذكرُه؛ استغناءً بما ذُكِر عما حُذِف، وهو: فألقاها، فصارت حيةً تهتزُّ، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾. يقولُ: كأنها حيةٌ عظيمةٌ. والجانُّ جنسٌ من الحياتِ معروفٌ. وقال ابن جُرَيْجٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾. قال: حينَ تحوَّلت حيةً تسعى (١). وهذا الجنسُ من الحياتِ عَنى الراجزُ بقولِه (٢): يَرْفَعْنَ (٣) باللَّيْلِ إِذَا مَا أَسْدَفا (٤) أعناقَ جِنَّانٍ وَهامًا رُجَّفَا وَعَنَقًا باقي (٥) الرَّسِيمِ خَيْطَفا وقولُه: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ولَّى موسى هاربًا خوفًا منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. يقولُ: ولم يرجِعْ من قولِهم: عَقَّب فلانٌ. إذا رجَع على عقِبهِ إلى حيثُ بدَأ.

стр. 12113

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. قال: لم يرجِعْ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: لم يلتفِتْ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. قال: لم يرجِعْ (٣)، لما ألقَى العصا صارت حيةً، فرُعِب منها وجزِع، فقال اللهُ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: فلم يرعوِ لذلك. قال: فقال اللهُ له: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]. قال: فلم يقفْ أيضًا على شيءٍ من هذا حتى قال: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١]. قال: فالتفَت فإذا هي عصًا كما كانت، فرجَع فأخَذها، ثم قوِى بعدَ ذلك عليها (٤)، حتى صار يُرسلُها على فرعونَ ويأخُذُها (٥).

стр. 12114

وقوله: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فناداه ربُّه: يا موسى، لا تَخَفْ مِن هذه الحيةِ، ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. يقولُ: إنى لا يخافُ عندى رسلى وأنبيائى الذين أَخْتَصُّهم بالنبوةِ، إلا من ظلَم منهم، فعمِل بغيرِ الذي أُذِن له في العمل به. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال قولَه: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: لا يُخيفُ اللهُ الأنبياءَ إلا بذنبٍ يُصِيبُه أحدُهم، فإنْ أصَابه أخافه يَأْخُذَه منه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو (٢) عبدِ اللهِ الفَزاريُّ، عن عبدِ اللهِ بن المباركِ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، قال قولَه: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. قال: إنى إنما أخَفْتُك لقتلِك النفسَ. قال: وقال الحسنُ: كانت الأنبياءُ تُذنِبُ فتُعاقَبُ، [ثم تُذنبُ واللهِ فتعاقَبُ] (٣). واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ، وهو استثناءٌ، إِلَّا مع وعدِ اللهِ الغُفْرانَ المُسْتَثْنَى من قولِه: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. [بقولِه: ﴿فَإِنِّي] (٤) غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وحكمُ الاستثناءِ أن يكونَ ما بعدَه بخلافِ معنى ما قبلَه، وذلك أن يكونَ ما بعدَه - إن كان ما قبلَه منفيًّا - مُثْبَتًا، كقولِه: ما قام إلا زيدٌ.

стр. 12115

فـ"زيدٌ" مثبَتٌ له القيامُ؛ لأنه مُسْتَثْنًى مما قبلَ "إلا"، وما قبلَ "إلا" منفيٌّ عنه القيامُ، و (١) أن يكونَ ما بعَده - إن كان ما قبلَه مثبَتًا - منفيًّا، كقولِهم: قام القومُ إلا زيدًا. فـ "زيدٌ" منفيٌّ عنه القيامُ، ومعناه: إن زيدًا لم يَقُمْ. والقومُ مثبَتٌ لهم القيامُ. و (١) ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، فقد أمَّنه اللهُ بوعدِه الغفرانَ والرحمةَ، وأَدْخَله في عِدادِ مَن لا يَخافُ لديه من المرسَلين؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُدْخِلَت "إلا" في هذا الموضعِ؛ لأن "إلا" تَدْخُلُ في مثلِ هذا الكلامِ، كمثلِ قولِ العربِ: ما أشْتَكِى إلا خيرًا. فلم يَجْعَلْ قولَه: إلا خيرًا، على الشكوى، ولكنه علِم أنه إذا قال: ما أشْتَكِى شيئًا. أنه يَذْكُرُ عن نفسِه خيرًا، كأنه قال: ما أَذْكُرُ إلا خيرًا. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٢): يقولُ القائلُ: كيف صُيِّر خائفًا من ظلَم، ثم بَدَّل حسنًا بعدَ سوءٍ، وهو مغفورٌ له؟ فأقولُ له: في هذه الآيةِ وجهان؛ أحدُهما، أن يقولَ: إن الرسلَ معصومةٌ (٣)، مغفورٌ لها، آمِنةٌ يومَ القيامةِ، ومَن خلَط عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا فهو يَخافُ ويَرْجو. فهذا وجه. والآخرُ، أن يجعل الاستثناءَ من الذين تُركوا في الكلمةِ؛ لأن المعنى: لا يخافُ لديَّ المُرْسَلون، إنما الخوفُ على مَن سِواهم. ثم اسْتَثْنَى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. يقولُ: كان مُشْرِكًا فتابَ مِن الشِّرْكِ، وعمِل حُسْنًا، فذلك مغفورٌ له، وليس بخائفٍ (٤). قال: وقد قال بعضُ النحويِّين (٥): إن "إلَّا" في اللغةِ بمنزلةِ "الواوِ"، وإنما معنى هذه الآيةِ: لا يخافُ لديَّ المُرسَلون، ولا مَن ظلَم ثم بدَّل حُسْنًا. قال:

стр. 12116

وجعَلوا مثلَه كقولِ اللهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا (١) الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]. قال: ولم أجِدِ العربيةَ تَحتملُ ما قالوا؛ لأنى لا أجيزُ: قامَ الناسُ إلا عبدَ اللهِ، وعبدُ اللهِ قائمٌ، إنما معنى الاستثناءِ أن يخرجَ الاسمُ الذي بعدَ "إلا" من معنى الأسماءِ التي قبلَ "إلا"، وقد أراه جائزًا أن يقولَ: لى عليك ألفٌ سِوى ألفٍ آخرَ. فإن وضعتَ "إلا" في هذا الموضعِ صَلَحَت، وكانت "إلا" في تأويلِ ما قالوا، فأما مُجرَّدةً قد اسُتثْنِى قليلُها من كثيرِها فلا، ولكن مثلُه مما يكونُ معنى "إلا" كمعنى "الواوِ" وليست بها، قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] هو في المعنى: والذي شاء ربُّك مِن الزيادةِ. فلا تُجعَلُ "إلا" بمنزلةِ "الواوِ"، ولكن بمنزلةِ "سِوى"، فإذا كانت "سوى" في موضعِ "إِلَّا" صَلَحَت بمعنى "الواوِ"؛ لأنك تقولُ: عندى مالٌ كثيرٌ سوى هذا. أي: وهذا عندى. كأنك قلتَ: عندى مالٌ كثيرٌ، وهذا أيضًا عندى. وهو في "سِوى" أبعدُ منه في "إلا"؛ لأنك تقولُ: عندى سوى هذا. ولا تقولُ: عندى إلا هذا. قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ﴾. عندى غيرُ ما قاله هؤلاء الذين حكَينا قولَهِم مِن أهلِ العربيةِ، بل هو القولُ الذي قالَه الحسنُ البصريُّ وابنُ جُرَيجٍ، ومَن قال قولَهما؛ وهو أن قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناءٌ صحيحٌ مِن قولِه: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. إلا مَن ظلَم منهم فأتَى ذَنْبًا، فإنه خائفٌ لدَيه مِن عُقُوبَتِه. وقد بيَّن الحسنُ ﵀ معنى قيلِ اللهِ موسى ذلك، وهو قولُه: قال: إنى إنما أَخَفْتُك لَقَتْلِك النفسَ.

стр. 12117

فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قِيلِه إن كان قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناءً صحيحًا، وخارجًا من عدادِ مَن لا يخافُ لديه مِن المرسلين؟ وكيف يكونُ خائفًا من كان قد وُعِد الغفرانَ والرحمةَ؟ قيل: إن قولَه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾. كلامٌ آخرُ بعدَ الأَوَّلِ، وقد تناهَى الخبرُ عن الرسلِ ممَّن ظلَم منهم ومن لم يظلِمْ عندَ قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. ثم ابتَدأ الخبرَ عمَّن ظلَم مِن الرسلِ، وسائرِ الناسِ غيرِهم. وقيل: فمَن ظلم ثم بدَّل حُسْنًا بعدَ سُوءٍ فإني له غفورٌ رحيمٌ. فإن قال قائلٌ: فعلامَ تَعْطِفُ، إن كان الأمرُ كما قلتَ، بـ ﴿ثُمَّ﴾، إن لم يَكُنْ عطفًا على قولِه: ﴿ظَلَمَ﴾؟ قيل: على متروكٍ اسْتُغْنِى بدلالةِ قولِه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ عليه عن (١) إظْهارِه، إذ كان قد جرَى قبلَ ذلك مِن الكلامِ نظيرُه، وهو: فمَن ظلَم مِن الخلقِ. وأما الذين ذكَرنا قولَهم مِن أهلِ العربيةِ، فقد قالوا على مذهبِ العربيةِ، غيرَ أنهم أغفَلوا معنى الكلمةِ، وحمَلوها على غيرِ وَجْهِها من التأويلِ، وإنما ينبغى أن يُحمَلَ الكلامُ على وجهِه مِن التأويلِ، ويُلْتَمَسَ له على ذلك الوجهِ للإعرابِ في الصحةِ، مَخْرَجٌ، لا على إحالةِ الكلمةِ عن معناها ووَجْهها الصحيحِ مِن التأويلِ. وقولُه: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمَن أتَى ظُلْمًا مِن خلقِ اللهِ، ورَكِب مأثمًا، ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾. يقولُ: ثم تابَ مِن ظُلْمِه ذلك، وركوبِه المأثمَ، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢)﴾. يقولُ: فإني ساترٌ على ذنبِه وظلمِه ذلك،

стр. 12118

بعَفْوى عنه، وتركِي عقوبتَه عليه، رحيمٌ به أن أُعاقِبَه بعدَ تَبْديلِه الحُسْنَ بعده (١). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾: ثم تابَ مِن بعدِ إساءتِه، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قِيلِه لنبيِّه موسى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾. ذُكِر أنه تعالى ذكرُه أمَره أن يُدْخِلَ كفَّه في جيبِه، وإنما أمرَه بإدخالِه في جيبِه؛ لأن الذي كان عليه يومَئِذٍ مِدْرَعةٌ مِن صوفٍ؛ قال بعضُهم: لم يَكُنْ لها كُمٌّ. وقال بعضُهم: كان كُمُّها إلى بعضِ يَدِه. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾. قال: الكَفُّ قطُّ (٣)، ﴿فِي جَيْبِكَ﴾. قال:

стр. 12119

كانت مِدْرَعةٌ إلى بعضِ يَدِه، ولو كان لها كُمٌّ أَمَره أن يُدْخِلَ يَدَه في كُمِّه (١). قال: ثني حجاجٌ، عن يونسَ بن أبى إسحاقَ، عن أبيه، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: قال ابن مسعودٍ: إن موسى أتَى فرعونَ حينَ أتاه في زُرْمانِقَةٍ. يعنى: جُبَّةَ صوفٍ (٢). وقولُه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾. [يقولُ: تخرُجِ اليدُ بيضاءَ] (٣) بغيرِ لون موسى، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. يقولُ: مِن غير بَرَصٍ، ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبك تخرُجْ بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، فهي آيةٌ في تسعِ آياتٍ، مُرْسَلٌ أنت بِهِنَّ [إلى فرعونَ. وتَرَك ذكرَ "مُرْسَلٍ"؛ لدلالةِ قولِه] (٣): ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾. على أن ذلك معناه، كما قال الشاعرُ (٤): رَأَتْنى بحَبْلَيْها فَصَدَّتْ مَخافَةً … وفى الحبلِ رَوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ ومعنى الكلامِ: رأتْنى مُقْبِلًا بحَبْلَيها. فتَرَك ذكرَ "مُقْبِلٍ"؛ استغناءً بمعرفةِ السامِعين معناه في ذلك، إذ قال: رأتْنى بحَبْليها. ونظائرُ ذلك في كلامِ العربِ كثيرةٌ. والآياتُ التسعُ هُنَّ الآياتُ التي بَيَّنَّاهن فيما مَضَى (٥). وقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾. قال: هي التي ذكَر اللهُ في القرآنِ؛ العصا، واليَدُ، والجرَادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والطُّوفانُ، والدَّمُ، والحَجَرُ، والطَّمْسُ الذي أصابَ

стр. 12120

آل فرعونَ في أموالِهم (١). وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. يقول: إن فرعونَ وقومَه مِن القِبْطِ كانوا ﴿قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. يعني: كافرِين باللهِ. وقد بَيَّنَّا معنى "الفِسْقِ" فيما مضَى (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاءت فرعونَ وقومَه ﴿آيَاتُنَا﴾. يعنى: أَدِلَّتُنا وحُجَجُنا، على حقيقةِ ما دَعاهم إليه موسى وصحتِه، وهى الآياتُ التسعُ التي ذكَرناها قبلُ. وقولُه: ﴿مُبْصِرَةً﴾. يقولُ: يُبْصِرُ بها مَن نظَر إليها ورَآها حقيقةَ ما دلَّت عليه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾. قال: بَيِّنَةً، ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: قال فرعونُ وقومُه: هذا الذي جاءَنا به موسى ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: يَبينُ [للنَّاظِرِ إليه] (٣) أنه سِحْرٌ. وقولُه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾. يقولُ: وكذَّبوا بالآياتِ التِّسْعِ أن تكونَ مِن عندِ اللهِ.

стр. 12121

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾. قال: الجُحُودُ التكذيبُ بها. وقولُه: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾. يقولُ: وأَيْقَنَتْها قلوبُهم، وعَلِموا يَقِينًا أنها مِن عندِ اللهِ، فعانَدوا بعدَ تَبَيُّنِهم (١) الحقَّ، ومعرفتِهم به. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾. قال: يقينُهم في قلوبِهم. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. قال: اسْتَيْقَنوا أن الآياتِ مِنَ اللهِ حَقٌّ، فلِمَ جَحَدوا بها؟ قال: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٢). وقولُه: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. يعنى بالظُّلْمِ الاعتداءَ، والعُلُوِّ الكِبْرَ. كأنه قيل: اعتداءً وتَكَبُّرًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ في قولِه: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. قال: تَعَظُّمًا واسْتِكْبارًا. ومعنى ذلك: وجَحَدوا بالآياتِ التسعِ ظُلْمًا وعُلُوًّا، واسْتَيْقَنَتْها أنفسُهم أنها من عندِ اللهِ، فعانَدوا الحقَّ بعدَ وُضُوحِه لهم، فهو من المُؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.

стр. 12122

وقولُه: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فانظُرْ يا محمدُ بعَيْنِ قلبِك كيف كان عاقبةُ تكْذِيبِ هؤلاء الذين جحَدوا آياتِنا حينَ جاءتْهم مُبْصِرةً، وماذا حَلَّ بهم مِن إفْسادِهم في الأرضِ، ومعصيتِهم فيها ربَّهم، وأعْقَبَهم ما فعَلوا، فإن ذلك أخرَجهم من جناتٍ وعيونٍ، وزُرُوعٍ ومَقَامٍ كريمٍ، إلى هَلاكٍ في العاجلِ بالغَرَقِ، وفى الآجلِ إلى عذابٍ دائمٍ، ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]. يقولُ: وكذلك يا محمدُ سُنَّتي في الذين كذَّبوا بما جئْتَهم به مِن الآياتِ، على حقيقةِ ما تَدْعُوهم إليه مِن الحقِّ مِن قومِك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتَينا داودَ وسليمانَ عِلْمًا. وذلك علمُ كلامِ الطيرِ والدَّوَابِّ، وغيرِ ذلك مما خَصَّهم اللهُ بعلمِه، ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وقال داودُ وسليمانُ: الحمدُ للهِ الذي فَضَّلَنا بما حَصَّنا به مِن العلمِ الذي آتاناه دونَ سائرِ خلقِه من بني آدمَ في زمانِنا هذا، على كثيرٍ من عبادِه المؤمنين به في دَهْرِنا هذا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وورِث سليمانُ أباه داودَ العلمَ الذي كان [اللهُ آتاه] (١) في حياتِه، والمُلْكَ الذي كان خَصَّه به على سائرِ قومِه، فجعَله له بعدَ أبيه داودَ دونَ سائرِ ولدِ أبيه، ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾.

стр. 12123

[يقولُ: وقال سليمانُ لقومِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾] (١). يعنى: فُهِّمْنا كلامَها، وجعَل ذلك من الطيرِ كمنطقِ الرجلِ مِن بني آدمَ، إذ فَهِمه عنها. وقد حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. قال: بلَغنا أن سليمانَ كان عسكرُه مائةَ فرسخٍ؛ خمسةٌ وعشرون منها للإنسِ، وخمسةٌ وعشرون للجِنِّ، وخمسةٌ وعشرون للوَحْشِ، وخمسةٌ وعشرون للطيرِ، وكان له ألفُ بيتٍ مِن قَواريرَ على الخُشُبِ، فيها ثلاثُمائةِ صَريحةٍ، وسبعمائةِ سُرِّيَّةٍ، فأمَر الريحَ العاصفَ فرفَعتْه، وأمَر الرُّخاءَ فَسَيَّرتْه، فأوحَى اللهُ إليه وهو يسيرُ بيَن السماءِ والأرضِ: إنى قد زِدتُ (٢)؛ أنه لا يتكلَّمُ أحدٌ من الخلائقِ بشيءٍ إلا جاءتِ الريحُ [فأخبَرتْك به] (٣). وقولُه: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وأُعْطِينا ووُهَبَ لنا من كُلِّ شيءٍ من الخيراتِ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: إن هذا الذي أُوتِينا مِن الخيراتِ، لهو الفضلُ على جميعٍ أهلِ دَهْرِنا، ﴿الْمُبِينُ﴾. يقولُ: الذي يَبِينُ لمَن تأمَّله وتَدبَّرَه أنه فضلٌ أُعْطِيناه على مَن سِوانا من الناسِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجُمِع لسليمانَ جنودُه من الجنِّ والإنسِ والطيرِ في مَسِيرٍ

стр. 12124

له فهم يُوزَعون. واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فهم يُحْبَسُ أَوَّلُهم على آخِرِهم حتى يَجْتَمِعوا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: جُعِل على كلِّ صِنْفٍ وزَعَةٌ (١)، يَرُدُّ أُولَاها على أُخْراها؛ لئلا يَتَقدَّموا في المَسِيرِ، كما تصنعُ الملوكُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: [ثنا الحسينُ، قال] (٣): ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: يردُّ أوَّلُهم على آخرِهم (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: فهم يُساقُون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: ﴿يُوزَعُونَ﴾: يُساقُون (٥). وقال آخرون: بل معناه: فهم يَتَقدَّمون.

стр. 12125

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: ﴿يُوزَعُونَ﴾: يتقدَّمون (١). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: يُرَدُّ أَوَّلُهم على آخِرهم. وذلك أن الوازِعَ في كلامِ العربِ هو الكافُّ، يقالُ منه: وَزَعَ فلانٌ فلانًا عن الظلمِ. إذا كَفَّه عنه، كما قال الشاعرُ (٢): ألم يَزَعِ الهَوَى إِذْ لم يُؤَاتِ؟ … بلى وسَلَوْتُ عن طَلَبِ الفَتاةِ (٣) وقولُ الآخرِ (٤): على حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا … وقُلْتُ أَلَمَّا تصْحُ (٥) والشَّيْبُ وَازِعُ وإنما قيل للذين يدفَعون الناسَ عن الوُلاةِ والأمراءِ: وَزَعَةٌ. لِكَفِّهم إيَّاهم عنهم (٦). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾. يعني تعالي ذكرُه بقولِه: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾: حتى إِذا أَتَى سليمانُ وجنودُه على وادى النملِ، ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا

стр. 12126

يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾. يقولُ: لا يَكْسِرنَّكم ويَقْتُلَنَّكم سليمانُ وجنودُه، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يعلَمون أنهم يَحْطِمُونكم. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن الأعْمشِ، عن رجلٍ يقالُ له: الحَكَمُ. عن نوفٍ في قولِه: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ﴾. قال: كان نملُ سليمانَ بن داودَ مثلَ الذِّئابِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فتبسَّم سليمانُ ضاحكًا من قولِ النملةِ التي قالت ما قالت، وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. يعنى بقولِه: ﴿أَوْزِعْنِي﴾: أَلْهِمْنى. وبنحوِ ذلك (٢) قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ

стр. 12127

في قولِه: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾. يقولُ: اجْعَلْنى (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾. قال: في كلامِ العربِ، تقولُ: أوزَع فلانٌ بفلانٍ. يقولُ: حرَّضه عليه. وقال ابن زيدٍ: ﴿أَوْزِعْنِي﴾: أَلْهِمْنى وحرِّضْنى على أن أَشْكُرَ نعمتَك التي أَنْعَمْتَ عليَّ وعلى والديَّ (٢). وقولُه: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. يقولُ: وأَوْزِعْنى أَن أَعْمَلَ بطاعتِك وما ترضاه، ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. يقولُ: وأَدْخِلْنى برحمتِك مع عبادِك الصالحين الذين اختَرتَهم لرسالتِك، وانتخَبتَهم لوَحْيِك. يقولُ: أَدْخِلْنى من الجنةِ مداخلهَم. وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: مع عبادِك الصالحين؛ الأنبياءِ والمؤمنين (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾.

стр. 12128

يقولُ تعالى ذكرُه: وتفقَّدَ سليمانُ الطيرَ، فقال: ما لي لا أرَى الهُدْهُدَ؟ وكان سببُ تفقُّدِه الطيرَ وسؤالِه عن الهدهدِ خاصةً مِن بين الطيرِ ما حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عِمرانَ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: جلَس ابن عباسٍ إلى عبدِ اللهِ بن سَلَامٍ، فسأَله عن الهدهدِ لم تفقَّده سليمانُ من بين الطيرِ؟ فقال عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: إن سليمانَ نزَل منزِلَةً في مسيرٍ له، فلم يَدْرِ ما بُعْدُ الماءِ، فقيل له: مَن يَعْلَمُ بُعْدَ الماءِ؟ قالوا: الهدهدُ. فذاك حينَ تفقَّده (١). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا عمرانُ بن حُدَيرٍ، عن أبي مجلزٍ، عن ابن عباسٍ وعبدِ اللهِ بن سلامٍ بنحوِه. حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان سليمانُ بن داودَ يُوضَعُ له ستُّمائةِ ألفِ (٢) كرسيٍّ، ثم يجِيءُ أشرافُ الإنسِ فيَجْلسِون مما يليه، ثم تَجيءُ أشرافُ الجنِّ فيَجْلِسون مما يلى الإنسَ. قال: ثم يَدْعو الطيرَ فتُظِلُّهم، ثم يدعو الريحَ فتحمِلُهم. قال: فيسيرُ في الغَداةِ الواحدةِ مسيرةَ شهرٍ. قال: فبينا هو في مسيرِه إذ احتاج إلى الماءِ وهو في فلاةٍ من الأرضِ. قال: فدعا الهدهدَ، فجاءه فنقَر الأرضَ، فيُصيبُ موضعَ الماءِ. قال: ثم تجئُ الشياطينُ، فيَسْلَخونه كما يُسْلَخُ الإهابُ. قال: ثم يَسْتَخْرجون الماءَ. فقال له نافعُ بنُ الأزرقِ: [قِفْ يا وقَّافُ] (٣)، أرأيتَ قولَك: الهدهدُ يَجِيءُ فيَنْقُرُ الأَرضَ فيُصِيبُ الماءَ. كيف يُبْصِرُ هذا ولا يُبْصِرُ الفخَّ يجئُ حتى يقَعَ في عنقِه! قال: فقال له ابن عباسٍ: ويحَك إن القدَرَ إِذا جاء حال دونَ البصرِ (٤).

стр. 12129

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبهٍ، قال: كان سليمانُ بنُ داودَ إِذا خرَج مِن بيتِه إلى مجلسِه عكَفت عليه الطيرُ، وقام له الجنُّ والإنسُ حتى يَجْلِسَ على سريرِه، حتى إذا كان ذاتَ غَداةٍ في بعضِ زمانِه، غدا إلى مجلسِه الذي كان يَجْلِسُ فيه، فتفَقَّد الطيرَ. وكان فيما يَزْعُمون يأتيه نُوَبًا، من كل صنفٍ مِن الطيرِ طائرٌ، فنظَر فرأى مِن أصنافِ الطيرِ كلِّها قد حضَره إلا الهدهدَ، فقال: ما لي لا أرى الهدهدَ (١)؟ حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: أولُ ما فقَد سليمانُ الهدهدَ نزَل بوادٍ، فسأَل الإنسَ عن مائِه، فقالوا: ما نَعْلَمُ له ماءً، فإِن يَكُنْ أَحدٌ مِن جنودِك يَعْلَمُ له ماءً فالجنُّ. فدعا الجنَّ فسأَلهم، فقالوا: ما نَعْلَمُ له ماءً، وإن يَكُنْ أحدٌ من جنودِك يَعْلَمُ له ماءً فالطيرُ. فدعا الطيرَ فسأَلهم، فقالوا: ما نَعْلَمُ له ماءً، وإن يَكُنْ أحدٌ من جنودِك يَعْلَمُه فالهدهدُ. فلم يَجِدْه، قال: فذاك أول ما فقَد الهدهدَ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. قال: تَفَقَّد الهدهدَ مِن أجلِ أنه كان يَدُلُّه على الماءِ إذا ركِب، وإن سليمانَ ركب ذاتَ يومٍ، فقال: أين الهدهدُ ليدُلَّنا على الماءِ؟ فلم يَجِدْه، فمن أجلِ ذلك تَفَقَّده، فقال ابن عباسٍ: إن الهدهدَ كان يَنْفَعُه الحذَرُ ما لم يَبْلُغ الأجلَ، فلما بلَغ الأجلَ لم يَنْفَعه الحذرُ، وحال القدَرُ دونَ البصرِ (٢).

стр. 12130

فقد اختلَف عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ والقائلون بقولِه، ووهبُ بنُ منبِّهٍ، فقال عبدُ اللهِ: كان سببُ تفقُّدِه الهدهدَ وسؤالِه عنه، ليَسْتَخبِرَه عن بُعدِ الماءِ في الوادى الذي نزَل به في مَسيرِه. وقال وهبُ بنُ منبِّهٍ: كان تَفَقُدُه إياه وسؤالُه عنه لإخلالِه بالنَّوْبةِ التي كان يَنُوبُها. واللهُ أعلمُ بأيِّ ذلك كان؛ إذ لم يأتِنا بأيِّ ذلك كان؛ في (١) تنزيلٍ، ولا خبرٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحٍ. فالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله أخبَر عن سليمانَ أنه تَفَقَّد الطيرَ؛ إما للنَّوبةِ التي كانت عليها وأخلَّت بها، وإما لحاجةٍ كانت إليها عن بعدِ الماءِ. وقولُه: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. يعنى بقولِه: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾: أخطأهُ بصرى، فلا أراه وقد حضَر، أم هو غائبٌ فيما غاب من سائرِ أجناسِ الخلقِ فلم يَحْضُرُ؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾: أخطأَه بصرى في الطيرِ، أم غاب فلم يَحْضُرْ (٢)؟ وقولُه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: فلما أُخْبِر سليمانُ عن الهدهدِ لم يَحْضُرْ، وأنه غائبٌ غيرُ شاهدٍ، أَقْسَم: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. وكان تَعذيبُه الطيرَ فيما ذُكِر عنه إذا عذَّبها، أن يَنْتِفَ رِيشَها.

стр. 12131

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحمّانيُّ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُ ريشِه (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيَّةَ (٢)، عن شريكٍ، عن عطاءٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: عذابُه نَتْفُه وتَشْمِيسُه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُ ريشِه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نتفُ ريشِه كلِّه (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُ ريشِ الهدهدِ. كلِّه، فلا

стр. 12132

يَعْفُو (١) سنةً. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ، قال: نتفُ ريشِه (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: نَتْفُ ريشِه (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن رُومانَ، أنه حدَّث أن عذابَه الذي كان يُعَذِّبُ به الطيرَ، نَتْفُ جناحِه (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قيل لبعضِ أهلِ العلمِ: هذا الذبحُ، فما العذابُ الشديدُ؟ قال: يَنْتِفُ ريشَه، يُتْركُه بِضْعَةً تنزو (٥). حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، [عن عمرِو بن دينارٍ] (٦)، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: نَتْفُه (٧). حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ] (٨)، عن [حُصينٍ، عن ابن شدَّادٍ] (٩)،

стр. 12133

قال: نتفُه وتشميسُه، ﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾. يقولُ: أو لأقتُلَنَّهُ (١). كما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾. يقولُ: أو لأقتُلنَّه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن حُصَينٍ، عن عبدِ اللهِ بن شدادٍ: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾ الآية. قال: فتَلَقَّاه الطيرُ فأخبَره، فقال: ألم يَسْتَثْنِ (٣)؟ وقولُه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: أو ليَأْتِينِّي بحجةٍ يَبِينُ لسامعِها صحتُها وحقيقتُها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ (٤) الأزديُّ، قال: ثنا المعافَى بنُ عمرانَ، عن سفيانَ، عن عمَّارِ الدُّهنيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ سلطانٍ في القرآنِ فهو حجةٌ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: ببينةٍ أعذِرُه

стр. 12134

بها (١)، وهو مثلُ قولِه: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٣٥]. يقولُ: بغيرِ بيِّنةٍ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن عكرِمةَ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ سلطانٌ، فهو حجةٌ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ، عَن قَبَاثِ بن رَزِينٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كلُّ سلطانٍ في القرآنِ فهو حجةٌ، كان للهدهدِ سلطانٌ (٣)! حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. قال بعذرٍ بيِّنٍ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. أي: بحجةٍ؛ عذرٍ له في غَيبتِه. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ ببيِّنةٍ، وهو قولُ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾: [غافر: ٣٥] بغيرِ بيِّنةٍ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. قال: بعذرٍ أعذِرُه فيه.

стр. 12135

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: فمكَث سليمانُ غير طويلٍ، من حينَ سأَل عن الهدهدِ، حتى جاء الهدهدُ. واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَمَكَثَ﴾، فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ: (فَمَكُثَ) بضمِّ الكافِ. وقرأه عاصمٌ بفتحِها (١). وكلتا القراءتينِ عندَنا صوابٌ؛ لأنهما لغتان مشهورتان، وإن كان الضمُّ فيها أعجبَ إليَّ؛ لأنها أشهرُ اللغتين وأفصحُهما. وقولُه: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾. يقولُ: فقال الهدهدُ حينَ سأَله سليمانُ عن تخلُّفِه وغَيبته: أحطْتُ بعلمِ ما لم تُحِطْ به أنت يا سليمانُ. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾. قال: ما لم تَعْلَمْ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: ثم جاء الهدهدُ، فقال له سليمانُ: ما خلَّفك عن نَوْبتِك؟ قال: أحَطْتُ بما لم تُحِطْ به. وقولُه: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. يقولُ: وجئتُك مِن سبأِ بخبرٍ يقينٍ. وهو ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبِّهٍ: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾: أي: أَدْرَكْتُ مُلْكًا لم يَبْلُغْه مُلْكُك.

стр. 12136

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿مِنْ سَبَإ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالإجراءِ (١)، لمعنى أنه رجلٌ اسمُه سبأٌ. وقرَأه بعضُ قرأَةِ أهلِ مكةَ والبصرةِ: (مِن سَبَأَ). بتركِ الإجراءِ (٢)، على أنه اسمُ قبيلةٍ، أو لامرأةٍ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. والإجراءُ في "سبأ"، وغيرُ الإجراءِ صوابٌ؛ لأن "سبأ" إن كان رجلًا كما جاء به الأثرُ، فإنه إذا أريد به اسمُ الرجلِ أُجْرِى، وإن أريدَ به اسمُ القبيلةِ لم يُجْرَ، كما قال الشاعرُ في إجرائِه (٣): الواردون وتَيْمٌ (٤) في ذَرَا سبأ … قد عَضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجواميسِ يُروى: ذَرَا، وذُرَى. وقد حُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، عن الرؤاسيِّ، أنه سأَل أبا عمرِو بن العلاءِ: كيف لم تُجْرِ "سبأ"؟ قال: لستُ أدرى ما هو (٥). فكأنَّ أبا عمرٍو ترَك إجراءَه إذ لم يَدْرِ ما هو، كما تَفْعَلُ العربُ بالأسماءِ المجهولةِ التي لا تعرِفُها، من تركِ الإجراءِ. حُكِى عن بعضِهم (٦): هذا أبو صُعرورَ (٧) قد جاء. فترَك إجراءَه، إذ لم يَعْرِفُه في أسمائِهم. وإن كان "سبأ" جبلًا فأُجرِى؛ فلأنَّه يُرادُ به الجبلُ بعينِه، وإن لم يُجْرَ فلأنَّه يُجْعَلُ اسمًا للجبلِ وما حولَه من البقعةِ.

стр. 12137

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الهدهدِ لسليمانَ، مخبِرًا بعذرِه في مغيبِه عنه: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾. يعنى: تَمْلِكُ سبأً. وإنما صار هذا الخبرُ للهدهدِ عُذْرًا وحُجَّةً عندَ سليمانَ، ذرَأ به عنه ما كان أوعَدَه (١) به؛ لأن سليمانَ كان لا يرى أن في الأرضِ أحدًا له مملكةٌ معه، وكان مع ذلك ﷺ رجلًا حُبِّب إليه الجهادُ والغزوُ، فلما دلَّه الهدهدُ على مُلْكٍ بموضعٍ مِن الأرضِ هو لغيرِه، وقومٍ كفرةٍ يعْبُدون غيرَ اللهِ، له في جهادِهم وغزوِهم الأجرُ الجزيلُ والثوابُ العظيمُ في الآجلِ، وضمُّ مملكةٍ لغيرِه إلى ملكِه - حُقَّت للهدهدِ المعذرةُ، وصحَّت له الحجةُ في مغَيبِه عن سليمانَ. وقولُه: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: وأُوتيَت من كلِّ شيءٍ يُؤْتاه الملِكُ في عاجلِ الدنيا، مما يكونُ عندَهم من العتادِ والآلةِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي عُبَيدةَ الباجيِّ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يعنى: مِن كلِّ أمرِ الدنيا. وقولُه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: ولها كرسيٌّ عظيمٌ. وعَنَى بالعظيمِ

стр. 12138

في هذا الموضعِ العظيمَ في قَدْرِه، وعِظَمَ خطرِه، لا عِظَمَه في الكِبَرِ والسَّعةِ. وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. قال: سريرٌ كريمٌ. قال: حَسَنُ الصَّنعةِ، وعرشُها: سريرٌ من ذهبٍ، قوائمُه من جوهرٍ ولؤلؤٍ (١). قال: ثني حجاجٌ، عن أبي عُبَيدةَ الباجيِّ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. يعني: سريرٌ عظيمٌ. وقولُه: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وجَدتُ هذه المرأةَ مَلِكة سبأِ وقومَها من سبأِ، يَسْجُدون للشمسِ فيَعْبُدُونها من دونِ اللهِ. وقولُه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: وحسَّن لهم إبليسُ عبادتَهم الشمسَ وسجودَهم لها من دونِ اللهِ، وحبَّب ذلك إليهم، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: فمنَعهم بتزيينهِ ذلك لهم أن يَتَّبِعوا الطريقَ المستقيمَ، وهو دينُ اللهِ الذي بعَث به أنبياءَه، ومعناه: فصدَّهم (٢) عن سبيلِ الحقِّ، ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: فهم لما قد زَيَّن لهم الشيطانُ ما زيَّن؛ من السجودِ للشمسِ من دونِ الله والكفر به، لا يَهْتَدون لسبيلِ الحقِّ، ولا يَسْلُكونه، ولكنَّهم في ضلالِهم الذي هم فيه يتردَّدون.

стр. 12139

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾؛ فقرَأ بعضُ المكيِّين وبعضُ المدنيِّين والكوفيِّين: (ألَا) بالتخفيفِ (١)، بمعنى: ألَا يا هؤلاء اسجُدوا. فأضمَروا "هؤلاء" اكتفاءً بدلالةِ "يا" عليها. وذكر بعضُهم (٢) سماعًا من العربِ: ألَا يا ارْحَمْنَا، أَلَا يا تَصَدَّقْ علينا. واستشهدَ أيضًا ببيتِ الأخطلِ (٣): ألا يا اسْلَمي يا هندُ هندَ بنى بدرِ … وإن كان حيَّانا عِدًى آخِرَ الدهرِ فعلى هذه القراءةِ، اسجُدوا في هذا الموضعِ جزمٌ، ولا موضع لقولِه: "ألَا" في الإعرابِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بتشديدِ ﴿أَلَّا﴾ (٤)، بمعنى: وزيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم لئلَّا يَسْجُدُوا اللهِ. ﴿أَلَّا﴾ في موضعِ نصبٍ، لما ذكَرتُ من معناه أنه "لئلا"، ﴿يَسْجُدُوا﴾ في موضعِ نصبٍ بـ"أن". والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مُستفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القَرَأةِ، مع صحةِ معنيَيْهما.

стр. 12140

واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ "يا" في قراءةِ من قرَأه على وجهِ الأمرِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: من قرَأ ذلك كذلك، فكأنه جعله أمرًا، كأنه قال لهم: اسجُدوا. وزاد "يا" بينهما (١) التي تكونُ للتنبيهِ، ثم أَذْهَبَ أَلِفَ الوصلِ التي في "اسجدوا"، وأُذهِبت الألفُ التي في "يا" لأنها ساكنةٌ لقِيَت السينَ، فصارت "ألا يَسْجُدوا". وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: هذه "يا" التي تَدْخُلُ للنداءِ، يُكتَفى بها من الاسمِ، ويُكتَفى بالاسمِ منها، فتقولُ: يا أقبِلْ. و: زيدُ أقْبِلْ. وما سقَط من السواكنِ فعلى هذا. ويعنى بقولِه: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾: يُخْرِجُ المخبوءَ، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ من غيثٍ في السماءِ، ونباتٍ في الأرضِ، ونحوِ ذلك. وبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت عبارتُهم (٢) عنه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المبارَكِ، عن ابن جريجٍ، قراءةً عن مجاهدٍ: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. قال: الغيثَ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾. قال: الغيثَ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خبءُ السماءِ والأرضِ ما جعَل اللهُ

стр. 12141

فيهما (١) من الأرزاقِ؛ والمطرُ من السماءِ، والنباتُ من الأرضِ، كانتا رَتْقًا؛ لا تُمطِرُ هذه، ولا تُنْبِتُ هذه، ففتَق السماءَ وأنزَل منها المطرَ، وأخرَج النباتَ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٣)، [قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن حكيمِ بن جابرٍ] (٤) في قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يَعْلَمُ كلَّ خفيةٍ في السماواتِ والأرضِ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا أسامةُ بنُ زيدٍ، عن معاذِ بن عبدِ اللهِ، قال: رأَيتُ ابنَ عباسٍ على بغلةٍ يَسْأَلُ تبعًا ابنَ امرأةِ كعبٍ: هل سأَلتَ كعبًا عن البذرِ، تُنبِتُ الأرضُ العامَ لم يُصَبِ العامَ الآخَرَ؟ قال: سمِعتُ كعبًا يقولُ: البذرُ يَنزِلُ من السماءِ، ويَخْرُجُ من الأرضِ. قال: صدَقتَ (٦). قال أبو جعفرٍ: إنما هو تُبَيعٌ، ولكن هكذا قال محمدٌ. وقيل: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: [معناه يُخْرِجُ الحَبءَ مِن السماواتِ والأرضِ] (٧)؛ لأن العربَ تَضَعُ "من" مكانَ "في"، و "في" مكانَ "من" في الاستخراجِ.

стр. 12142

﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. يقولُ: ويَعْلَمُ السرَّ من أمورٍ خَلْقِه، هؤلاء الذين زيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم، والعلانيةَ منها. وذلك على قراءةِ من قرَأ ﴿أَلَّا﴾ بالتشديدِ. وأما على قراءةِ من قَرأه بالتخفيفِ فإن معناه: ويعلمُ ما يُسِرُّه خلقُه الذين أمَرَهم بالسجودِ بقولِه: ألَا يا هؤلاء اسجُدوا. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ أُبَيٍّ: (أَلَا تَسْجُدون (١) للهِ الذي يَعْلَمُ سرَّكم وما تُعْلِنون) (٢). وقولُه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا معبودَ سواه تَصْلُحُ له العبادةُ، فأَخْلِصوا له العبادةَ، وأَفرِدوه بالطاعةِ، ولا تُشْرِكوا به شيئًا. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. يعنى بذلك: مالكُ العرشِ العظيمِ، الذي كلُّ عرشٍ وإن عظُم فدونَه، لا يُشبِهُه عرشُ مَلكةِ سبأٍ ولا غيرُه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: هذا كلُّه كلامُ الهدهدِ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ بنحوِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال سليمانُ للهدهدِ: سنَنْظُرُ فيما اعتذَرتَ به من العذرِ، واحتجَجتَ به من الحجةِ لغَيبتِك عنا، وفيما جئْتَنا به من الخبرِ، ﴿أَصَدَقْتَ﴾ في

стр. 12143

ذلك كلِّه، ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فيه ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾. فاختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: اذهبْ بكتابي هذا، فألقِه إليهم، فانظُرْ ماذا يَرْجِعون، ثم تولَّ عنهم مُنصرِفًا إليَّ. فقال: هو من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: فأجابه سليمانُ؛ يعنى أجاب الهدهدَ لما فرَغ: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾. وانظُرْ ماذا يرجعون، ثم تولَّ عنهم منصرِفًا إليَّ. وقال: وكانت لها كَوَّةٌ مستقبلةٌ الشمسَ، ساعةَ تَطْلُعُ الشمسُ تَطْلُعُ فيها فتَسْجُدُ لها، فجاء الهدهدُ حتى وقَع فيها فسدَّها، واستَبْطَأتِ الشمسَ فقامت تَنْظُرُ، فرمَى بالصحيفةِ إليها من تحتِ جناحِه، وطار حتى قامت تَنْظُرُ الشمسِ (١). قال أبو جعفرٍ: فهذا القولُ من قولِ ابن زيدٍ يَدُلُّ على أن الهدهدَ تولَّى إلى سليمانَ راجعًا بعد إلقائِه الكتابَ، وأنَّ نظرَه إلى المرأةِ ما الذي تَرْجِعُ وتَفْعَلُ كان قبلَ إلقائِه كتابَ سليمانَ إليها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: اذهَبْ بكتابي هذا فأَلْقِه إليهم ثم تولَّ عنهم، فكنْ قريبًا منهم، وانظُرْ ماذا يَرْجِعون. قالوا: وفعَل الهدهدُ، وسمِع مراجعةَ المرأةِ أهلَ مملكتِها وقولَها لهم: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وما بعدَ ذلك من مراجعة بعضِهم بعضًا.

стр. 12144

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قولَه: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾. أي: كُنْ قريبا، ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ (١). وهذا القولُ أَشْبَهُ بتأويل الآية؛ لأن مراجعةَ المرأةِ قومها كانت بعد أن أُلقى إليها الكتاب، ولم يَكُن الهدهد ليَنْصَرِفَ وقد أمر بأن يَنْظُرَ إلى مراجعة [القوم بينهم ما يتراجعونه] (٢)، قبل أن يَفْعَلَ ما أمره به سليمان. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾. يقول تعالى ذكره: فذهَب الهدهدُ بكتاب سليمان إليها، فألقاه إليها، فلما قرأته قالت لقومها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: كتب [سليمانُ؛ يعنى] (٣) مع الهدهد: بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان بن داود إلى بلقيس بنتِ ذى شرحٍ وقومها، أما بعد، فلا تَعْلُوا عليَّ، وأتونى مسلمين. قال (٤): فأخَذ الهدهد الكتاب برجله فانطلق به حتى أتاها،

стр. 12145

وكانت لها كَوَّةٌ في بيتِها، إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها، فأتى الهدهدُ الكَوَّةَ فسدَّها بجناحَيْه، حتى ارتفعت الشمسُ ولم تَعْلَمْ، ثم أَلقَى الكتابَ من الكَوَّةِ، فوقع عليها في مكانها الذي هي فيه فأخَذَتْه (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادةَ، قال: بلغنى (٢) أنها امرأة يقال لها: بلقيس - أَحْسَبُه قَالَ: ابنةُ شَرَاحِيلَ - أحدُ أبويها من الجنِّ، مُؤَخَّرُ أحد قدميها كحافرِ الدابة، وكانت في بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائةٍ واثنى عشر، كل رجل منهم على عشرة آلافٍ، وكانت بأرض يقال لها: مأرِب. من صنعاء على ثلاثة أيام، فلما جاء الهدهد بخبرها إلى سليمان بن داودَ، كتب الكتابَ وبعث به مع الهدهدِ، فجاء الهدهد وقد غلَّقت الأبواب، وكانت تُغَلِّقُ أبوابها وتضعُ مفاتيحها تحتَ رأسها، فجاء الهدهد فدخل من كَوَّةٍ، فألقَى الصحيفة عليها (٣) فقرأتها، فإذا فيها: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾. وكذلك كانت تكتُب الأنبياء لا تُطْنِبُ، إنما تَكْتُبُ جَمْلًا (٤). قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: لم يَزِدْ سليمان على ما قصَّ الله في كتابه: [﴿إِنَّهُ]، ﴿وَإِنَّهُ﴾ (٥).

стр. 12146

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ له فمضَى الهدهدُ بالكتاب حتى إذا حاذَى الملكةَ وهى على عرشها، ألقى إليها الكتاب (١). وقوله: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ والملاُ: أشراف قومها. يقول تعالى ذكرُه: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾. واختلف أهل العلم في سبب وصفها الكتاب بالكريم؛ فقال بعضُهم: وصفته بذلك لأنَّه كان مختومًا. وقال آخرون: وصَفتْه بذلك لأنَّه كان من ملك، فوصفته بالكرم صاحبه. وممن قال ذلك ابن زيدٍ. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾. قال: هو كتاب سليمانَ حيثُ كتب إليها. وقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ كُسرت "إن" الأولى والثانية على الردِّ على ﴿إِنِّي﴾ من قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾. ومعنى الكلامِ: قالت: يأيُّها الملأُ، إنى أُلقِي إليَّ [من سليمانَ، وإنه] (٢). وقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾. يقولُ: أُلْقى إليَّ كتابٌ كريمٌ: أَلَّا تعلوا عليّ. ففى "أنْ" وجهانِ من العربية؛ إن جُعِلت بدلًا من "الكتابِ"، كانت رفعا بما

стр. 12147

رفع (١) به "الكتاب"، و (٢) بدلًا منه. وإن جعل معنى الكلامِ: إني أُلقى إليَّ كتابٌ كريمٌ ألَّا تعلوا عليّ. كانت نصبًا بتعلُّقِ "الكتاب" بها. وعَنَى بقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: ألَّا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه. كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: ألَّا تَمْتَنِعوا من الذي دعوتكم إليه، إن امتنعتم جاهدتكم، فقلت لابنِ زيدٍ: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أَلَّا تتكبَّروا عليَّ؟ قال: نعم (٣). قال: وقال ابن زيد: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾: ذلك في كتاب سليمانَ إليها. وقوله: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وأَقْبِلوا إليَّ مُذعنين للَّه بالوحدانية والطاعة. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾. يقول تعالى ذكرُه: قالت ملكة سبأ لأشرافِ قومِها: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾. تقولُ: أشيرُوا عليَّ في أمرى الذي قد (٤) حضرني من أمر صاحب هذا الكتابِ الذي ألْقِيَ إليَّ. فجعلت المشورة فُتيا.

стр. 12148

وقوله: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾: تقول: ما كُنْتُ قاضيةً أمرًا في ذلك حتى تَشْهَدونِ فَأُشاوِرَكم فيه. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ: دعت قومها فشاورتهم (١): أيُّها المَلأُ ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾. فقال: في الكلام: ما كنتُ لأقطع أمرًا دونك، ولا كنتُ لأقضِىَ أمرًا. فلذلك قالت: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ بمعنى: قاضيةً. وقوله: ﴿قَالُوا نَحْنُ أَولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. يقول تعالى ذكره: قال الملأُ من قوم ملكة سبأ إذ شاورتهم في أمرها وأمر سليمان: نحن ذوو (٢) القوة على القتال، والبأس الشديد في الحرب (٣)، والأمر أيتها الملكةُ إليكِ في القتال وفي تركه، فانظُرِى من الرأي ما تَرَيْنَ، فَمُرِينا نَأْتِيرُ لأمرِكِ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: عرضوا لها القتال، يُقاتِلون لها، والأمرُ إليكِ بعد هذا، فانظُرِى ماذا تَأْمُرين (٤). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن

стр. 12149

مجاهد، قال: كان مع ملكةِ سبأ اثنا عشر ألفَ قَيْوِلٍ (١)، مع كلِّ قَيْوِلٍ مائة ألفٍ (٢). حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس، قال: كان مع بِلقيسَ مائة ألفِ قَيْلٍ، مع كلِّ قَيْلٍ مائة ألفٍ (٣). قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمشُ، قال: سمعتُ مجاهدا يقولُ: كانت تحتَ يد ملكة سبأ اثنا عشر ألفَ قَيْوِلٍ - والقَيْوِلُ بلسانهم الملك - تحتَ يد كلِّ ملِك مائة ألف مقاتل. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾. يقول تعالى ذكره: قالت صاحبة سبأ للملأ من قومها إذ عرضوا عليها أنفسهم لقتال سليمانَ، إن أمرتهم بذلك -: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ عَنْوَةً وغَلَبَةً ﴿أَفْسَدُوهَا﴾. يقولُ: خَرَّبوها، ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةٌ﴾؛ وذلك باستعبادِهم الأحرار واسترقاقهم إياهم. وتناهى الخبرُ منها عن الملوكِ في هذا الموضع، فقال الله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وكما قالت صاحبة سبأ، تَفْعَلُ الملوكُ إذا دخلوا قريةً عَنوَةً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

стр. 12150

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر في قوله: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَةً﴾. قال أبو بكر: هذا عَنْوَةً. حدثنا أبو هشام الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا الأعمش، عن مسلم، ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾. قال: إذا دخَلوها عَنْوَةً خَرَّبوها (١). حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾. قال ابن عباس: يقولُ اللهُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٢). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾. ذكر أنها قالت: إنى مرسلةٌ إلى سليمان. لتَخْتَبِرَه بذلك وتعرفَه به، أملكٌ هو أم نبيٌّ؟ وقالت: إن يَكُنْ نبيًّا لم يَقْبَلِ الهدية، ولم يُرْضِه منا إلا أن نَتَّبِعَه على دينه، وإن يَكُنْ مِلِكًا قَبِل الهدية وانصرَف.
следующие страницы →