← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12076–12115 · переход к 12081.

стр. 12076

أنْقِذوا (١) أنفسَكم من النار، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أَنْقِذى (٢) نفسَك مِن النارِ، إلَّا أن لكم رحمًا سأَبُلُّها (٣) ببِلالِها". حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن زائدةَ، عن عبدِ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، عن موسى بن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، قال: لما نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. دَعا رسولُ اللهِ ﷺ قريشًا، فعَمَّ وخَصَّ، فقال: "يا معشرَ قريشٍ، اشْتَرُوا أنفسَكم مِن اللهِ، يا معشرَ بني كعبِ بن لُؤَيٍّ، يا معشرَ بني عبدِ مَنَافٍ، يا معشرَ بني هاشمٍ، يا معشرَ بني عبدِ المطلبِ - يقولُ لكُلِّهم - أنْقِذُوا (٤) أنفسَكم مِن النارِ، يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أنْقِذى نفسَك مِن النارِ، فإني واللهِ ما أَمْلِكُ لكم مِن اللهِ شيئًا، إلَّا أن لكم رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِها" (٥). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا أبو عثمانَ، عن زُهَيرِ بن عمرٍو وقبِيصةَ بن مُخارقٍ، أنهما قالا: أنزَل اللهُ على نبيِّ اللهِ ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. فحُدِّثْنا عن نبيِّ اللهِ ﷺ ، أنه عَلا صخرةً مِن جبلٍ، فَعَلا أَعْلَاها حَجَرًا، ثم قال: "يا آلَ عَبْدِ مَنَافَاهْ، يا صَبَاحَاهْ، إني نذيرٌ، إن مَثَلِى ومَثَلَكم مَثَلُ رجلٍ أتَى الجيشَ، فخَشِيَهم علَى

стр. 12077

أهْلِه، فذهَب يَرْبَؤُهم (١)، فخَشِيَ أَن يَسْبِقوه إلى أَهْلِهِ، فَجَعَل يَهْتِفُ بهم: يا صَبَاحَاهُ". أو كما قال (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن عوفٍ، عن قَسَامة بن زُهَيرٍ، قال: بَلَغني أنه لمَّا نزَل على رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ كما جاء فوضَع إصْبَعَه في أُذُنِه، ورفَع مِن صوتِه، وقال: "يا بني عبدِ منافٍ، وَاصَبَاحَاهُ" (٣). قال: ثني أبو عاصمٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن قَسَامَةَ بن زُهَيْرٍ، قال: أَظُنُّه عن الأشعريِّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا أبو زيدٍ الأنصاريُّ سعد بنُ أوسٍ، عن عوفٍ، قال: قال قَسَامةُ بنُ زُهَيرٍ: حدَّثنى الأشعريُّ، قال: لمَّا نزلَت. ثم ذكَر نحوَه، إلَّا أنه قال: وضَع إصْبَعَيه في أُذُنَيه (٤).

стр. 12078

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قامَ رسولُ اللهِ ﷺ على الصَّفَا، ثم نادَى: "يا صَبَاحَاهُ". فاجتَمع الناسُ إليه، فبينَ رجلٍ يَجِيءُ، وبينَ آخَرَ يبعَثُ رسولَه، فقال: "يا بني هاشمٍ، يا بنى عبدِ المُطَّلِبِ، يا بنى فِهْرٍ، يا بَنِي، يا بَنِي، أرأَيْتَكُم لو أخبَرْتُكم أن خَيلًا بِسَفْحِ هذا الجبلِ تريدُ أن تُغِيرَ عليكم صَدَّقْتُموني؟ ". قالوا: نعم. قال: "فإني نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لَهَبٍ: تبًّا لكم سائرَ اليومِ، ما دَعَوْتُمونى إلا لهذا؟ فنزلَت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) [المسد: ١]. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن سعيدِ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: صَعِد رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ الصَّفا، فقال: "يا صَباحَاهْ". فاجتَمعَت إليه قريشٌ فقالوا له: ما لَك؟ فقال: "أرأيْتَكُم إن أخْبَرْتُكم أن العدوَّ مُصَبِّحُكم أو مُمَسِّيكم، ألَا كنتُم تُصَدِّقونني؟ ". قالوا: بلى. قال: "فإنى نذيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لَهَبٍ: تَبًّا لك، ألهذا دَعَوْتَنا، أو جَمَعْتَنا؟ فأنزل اللهُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ المسد: ١] إلى آخرِ السورةِ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بنُ مُرَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ: (وأنْذِرْ عشيرتَك

стр. 12079

الأقربين. ورهْطَك منهم المُخْلَصين) (١). خرَج رسولُ اللهِ ﷺ حتى صَعِدَ الصَّفا، فهَتَف: "يا صَبَاحاهْ". فقالوا: مَن هذا الذي يَهْتِفُ؟ فقالوا: محمدٌ. فاجتَمَعوا إليه، فقال: "يا بَنى فُلَانٍ، يا بَنِي فُلَانٍ، يا بَنِي عبدِ المُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ". فاجتَمعَوا إليه، فقال: "أَرَأَيْتَكم إن أَخْبَرْتُكم أن خَيْلًا تخرُجُ بِسَفْحِ هذا الجبلِ أكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ ". قالوا: ما جَرَّبْنا عليك كَذِبًا. قال: "فإني نذيرٌ لكم بينَ يَدَيْ عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لَهَبٍ: تَبًّا لك، ما جَمَعْتَنا إلا لهذا؟ ثم قامَ فنزَلت هذه السورةُ: (تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وقَد تبَّ) (٢). كذا قرأ الأعمشُ إلى آخرِ السورةِ (٣). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن حبيبٍ، سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. خرَج رسولُ اللهِ ﷺ فقامَ على الصَّفا، فقال: "يا صَبَاحاهْ". قال: ثنا خالدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قام رسولُ اللهِ ﷺ على الصَّفَا، فقال: "يا صَبَاحاهْ". فجعَل يُعدِّدُهم: "يا بَنِي فُلَانٍ، ويا بَنى فُلَانٍ، ويا بَنِي عبدِ مَنَافٍ" (٤).

стр. 12080

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن عمرِو بن مُرَّةَ الجَمَليِّ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال: أَتَى جَبَلًا فجعَل يَهْتِفُ: "يا صَبَاحاهْ". فأتاه مَن خَفَّ مِن الناسِ، وأرسَل إليه المُتَثاقِلون مِن الناسِ رُسُلًا، فجعَلوا يَجِيئُون يَتَّبِعون الصوتَ، فلما انتهوا إليه قال: "إنَّ منكم مَن جَاءَ ليَنْظُرَ، ومنكم مَن أُرْسِل ليَنْظُرَ مَن الهاتِفُ". فلما اجتَمَعوا وكَثُروا قال: "أَرَأَيْتَكم (١) لو أخبَرْتُكم أن خَيْلًا مُصَبِّحتُكم مِن هذا الجبلِ، أكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟ ". قالوا: نعم، ما جَرَّبْنا عليك كَذِبًا. فقرَأ عليهم هذه الآياتِ التي أُنْزِلْنَ، وأَنْذَرَهم كما أُمِر، فجَعَل يُنَادِى: "يا قريشُ، يا بني هاشمٍ". حتى قال: "يا بنى عبدِ المُطَّلِبِ، إني نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَىْ عذابٍ شديدٍ" (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عمرٍو أنه كان يقرأُ: (وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، ورَهْطَكَ المُخْلَصين) (٢). قال: ثنا سلَمَةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الغفارِ بن القاسمِ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنُ الحارثِ بن نوفلِ بن الحارثِ بن عبدِ المطلبِ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دَعاني رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال لي: "يا عليُّ، إِنَّ الله أَمَرَنِى أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرتى الأَقْرَبِين". قال: "فَضِقْتُ بذلك ذَرْعًا، وعَرَفْتُ أني متى ما أُنادِهم بهذا الأمرِ أَرَ منهم ما أكرَهُ، فصَمَتُّ حتى جاء جبريلُ، فقال: يا محمدُ، إنك إلَّا تَفْعَلْ ما تُؤْمَرُ به يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ. فَاصْنَعْ لنا صاعًا مِن طعامٍ، واجْعَلْ

стр. 12081

عليه رِجْلَ شاةٍ، وامْلأْ لنا عُسًّا (١) من لبنٍ، ثم اجْمَعْ لى بني عبد المطلبِ حتى أُكَلِّمهم وأبلِّغَهم (٢) ما أُمِرْتُ به". ففعَلْتُ ما أَمَرَنى به، ثم دعَوْتُهم له، وهم يومَئذٍ أربعون رجلًا، يَزِيدون رجلًا أو ينْقُصونه، فيهم أعمامُه؛ أبو طالبٍ، وحمزةُ، والعباسُ، وأبو لهبٍ، فلمَّا اجْتَمَعوا إليه دعانى بالطعامِ الذي صنَعْتُ لهم، فجئتُ به، فلما وضَعْتُه تَناوَل رسولُ اللهِ ﷺ حِذْيةً (٣) مِن اللحمِ، فشقَّها، بأسنانِه، ثم ألقاها في نَواحي الصَّحْفة، ثم قال: "خُذوا باسمِ اللهِ. فأكَل القومُ حتى ما لهم بشيءٍ حاجةٌ، وما [أرَى إلا مواضعَ] (٤) أيديهم، وايمُ اللهِ الذي نفسُ عليٍّ بيدِه، إن كان الرجلُ الواحدُ لَيَأْكُلُ ما قدَّمْتُ لجميعِهم، ثم قال: "اسْقِ الناسَ". فجئْتُهم بذلك العُسِّ، فشرِبوا حتى رَوُوا منه جميعًا، وايْمُ اللهِ إِن كان الرجلُ الواحدُ منهم لَيَشْرَبُ مثلَه، فلمَّا أراد رسولُ اللهِ ﷺ أن يُكَلِّمَهم، بدَرَه أبو لهبٍ إلى الكلامِ، فقال: لَهَدَّ (٥) ما سحَرَكم به صاحبُكم. فتفَرَّق القومُ، ولم يُكَلِّمْهم رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: "الغدَ يا عليُّ، إن هذا الرجلَ قد سبَقَنى إلى ما قد سمِعْتَ مِن القولِ، فتفَرَّق القومُ قبل أن أُكَلِّمَهم، فعدَّ (٦) لنا مِن الطعامِ مثلَ الذي صنَعْتَ، ثم اجْمَعْهم لى". قال: ففَعَلْتُ، ثم جمَعْتُهم، ثم دعانى بالطعامِ، فقرَّبْتُه لهم، ففعَل كما فعل بالأمسِ، فأكَلوا حتى

стр. 12082

ما لهم بشيءٍ حاجةٌ، ثم قال: "اسْقِهم". فجئتُهم بذلك العُسِّ، فشرِبوا حتى رَوُوا منه جميعًا، ثم تكَلَّم رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: "يا بني عبدِ المطلبِ، إني واللهِ لي ما أَعْلَمُ شابًّا في العربِ جاء قومَه بأفضلَ مما جئْتُكم به، إني قد جئْتكم بخيرِ الدنيا والآخرةِ، وقد أمرَنى الله أن أَدْعُوكم إليه، فأيُّكم يُؤَازِرُني على هذا الأمرِ، على أن يكونَ أخى وكذا وكذا؟ ". قال: فأحْجَم القومُ عنها جميعًا، وقلتُ، وإنى لأَحْدَثُهم سنًّا، وأَرْمَصُهم (١) عينًا، وأعْظَمُهم بطنًا، وأَحْمَشُهم (٢) ساقًا: أنا يا نبيَّ اللهِ أكونُ وزيرَك (٣). فأخَذ برقبتي، ثم قال: "إن هذا أخي وكذا وكذا، فاسْمَعوا له وأَطِيعوا". قال: فقام القومُ يَضْحَكون، ويقولون لأبي طالبٍ: قد أمَرَك أن تَسْمَعَ لابنِك وتُطِيعَ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، عن عمرِو بن عبيدٍ، عن الحسنِ بن أبي الحسنِ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ

стр. 12083

عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسولُ اللهِ ﷺ بالأبْطَحِ، ثم قال: "يا بني عبد المطلبِ، يا بني عبدِ مَنافٍ، يا بنى قُصَيٍّ - قال: ثم فخَّذ (١) قريشًا قبيلةً قبيلةً، حتى مرَّ على آخرهم - إنى أَدْعُوكم إلى اللهِ، وأُنْذِرُكم عذابَه". حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال: أُمِر محمدٌ أن يُنْذِرَ قومَه ويَبْدَأَ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه، قال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ (٢) [الأنعام: ٦٦]. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: لما نزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال النبيُّ ﷺ : "يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، يا صفيةُ بنتَ عبد المطلبِ، اتَّقُوا النارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ" (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: بدَأ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لَما نزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جمَع النبيُّ ﷺ بنى هاشم، فقال: "يا بني هاشمٍ، ألا [لا أُلْفِيَنَّكم] (٤) تأْتونى تحْمِلون الدنيا، ويَأتى الناسُ يَحْمِلون الآخرةَ، ألا إن أوليائى منكم المُتَّقون، فاتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ" (٥).

стр. 12084

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ بدأ بأهلِ بيتِه وفَصيلتِه. قال: وشَقَّ ذلك على المسلمين، فأنْزَل اللهُ تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقولُه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾. يقولُ: وأَلِنْ جانبَك وكلامَكَ ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: يقولُ: لِنْ (٢) لهم (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن عصَتْك يا محمدُ عشيرتُك الأقْرَبون، الذين أمَرْتُك بإنذارِهم، وأبَوْا إلا الإقامةَ على عبادةِ الأوثانِ، والإشراكَ بالرحمنِ، فقلْ لهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ مِن عبادةِ الأصنامِ، ومعصيةِ بارئِ الأنامِ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ﴾ في نقمتِه مِن أعدائِه، ﴿الرَّحِيمِ﴾ بمَن أناب (٤) إليه، وتاب (٥) مِن مَعاصِيه، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾. [يقولُ: الذي يرَاك حينَ تقومُ] (٦) إلى صلاتِك.

стр. 12085

وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾. قال: أينَما كنتَ (١). ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ويَرَى (٢) تقلبَك في صلاتِك حينَ تقومُ، ثم حينَ (٣) تَرْكَعُ، وحينَ تَسْجُدُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. يقولُ: قيامَك وركوعَك وسجودَك (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعْتُ أبى وعليَّ بنَ بَذِيمةَ يُحَدِّثان عن عكرمة في قولِه: ﴿يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: قيامَه وركوعَه وسجودَه (٥). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال:

стр. 12086

قال عكرمةُ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: قائمًا و [راكعًا وساجدًا] (١) وجالسًا (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويَرَى تقلُّبَك في المُصَلِّين، وإبصارَك منهم مَن خلفَك، كما تُبْصِرُ مَن هو بينَ يديك منهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال (٣): كان يَرَى مَن خلفَه، كما يَرَى مَن قُدَّامَه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: المُصَلِّين، كان يَرَى مَن خلفَه في الصلاةِ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن

стр. 12087

مجاهدٍ قولَه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: المصلِّين. قال: كان يَرَى في الصلاةِ مَن خلفَه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. أي (١): تصرُّفَك معَهم (٢)؛ في الجلوسِ والقيامِ والقعودِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، [قال: قال] (٣) ابن جريجٍ: أخبَرني عطاء الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: [يرَاك وأنت] (٤) مع الساجدين تَقَلَّبُ وتقومُ وتَقْعُدُ معهم (٥). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: في المصلِّين (٦). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: هو ﴿السَّاجِدِينَ﴾: المصلِّين. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويَرَى تصرُّفَك في الناسِ.

стр. 12088

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: في الناسِ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتصرُّفَك في أحوالِك، كما كانت الأنبياءُ من قبلك تَفْعَلُه. والساجدون في قولِ قائلِ هذا القولِ: الأنبياءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ الآية. قال: كما كانت الأنبياءُ (٢) قبلَك (٣). قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بتأويلِه قولُ مَن قال: تأويلُه: ويَرَى تقلُّبَك مع الساجدين في صلاتِهم معك، حينَ تَقومُ معهم وتَرْكَعُ وتَسْجُدُ. لأن ذلك هو الظاهرُ من معناه. فأما قولُ مَن وجَّهه إلى أن معناه: وتقلُّبَك في الناسِ. فإنه قولٌ بعيدٌ مِن المفهومِ بظاهرِ التلاوةِ، وإن كان له وجهٌ؛ لأنه وإن كان لا شيءَ إلا وظلُّه يَسْجُدُ للهِ، فإنه ليس المفهومُ مِن قولِ القائلِ: فلانٌ مع الساجدين، أو في الساجدين. أنه مع الناسِ أو فيهم، بل المفهومُ بذلك أنه مع قومٍ سجودٍ (٤) السجودَ المعروفَ،

стр. 12089

وتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلى الأغلبِ أولى من توجيهِه إلى الأنكرِ. وكذلك أيضًا في قولِ مَن قال: معناه: تَتَقَلَّبُ في أبصارِ الساجدين. وإن كان له وجهٌ، فليس ذلك الظاهرَ مِن معانيه. فتأويلُ الكلامِ إذن: وتوَكَّلْ على العزيزِ الرحيمِ، الذي يراك حينَ تقومُ إلى صلاتِك، ويَرَى تقلُّبَك في المُؤْتَمِّين بك فيها، بينَ قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ وجلوسٍ. وقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك هو السميعُ تلاوتَك يا محمدُ، وذِكْرَك في صلاتِك ما تَتْلُو وتَذْكُرُ، العليمُ بما تَعْمَلُ فيها ويَعْمَلُ فيها مَن يَتَقَلَّبُ فيها معك، مُؤْتَمًّا بك. يقولُ: فرتِّلْ (١) فيها القرآنَ، وأقِمْ حدودَها، فإنك بمَرْأًى مِن ربِّكَ ومَسْمَعٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هل أُنَبِّئُكم أيُّها الناسُ على مَن تَنَزَّلُ الشياطينُ مِن الناسِ؟ ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾. يعني: كذَّابٍ بَهَّاتٍ، ﴿أَثِيمٍ﴾. يعنى: آثِمٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 12090

في قولِه: ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. قال: كلِّ كَذَّابٍ مِن الناسِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. قال: كذَّابٍ مِن الناسِ. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. قال: هم الكَهَنةُ؛ تَسْتَرِقُ الجنُّ السمعَ، ثم يَأْتون به إلى أوليائِهم مِن الإنسِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسَدِيُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن وهبٍ، قال: كنتُ عندَ عبدِ اللهِ بن الزُّبيرِ، فقيل له: إن المُخْتارَ يزعُمُ أنه يُوحَى إليه. فقال: صدَق، ثم تَلا: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٣). وقولُه: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُلْقِى الشياطينُ ﴿السَّمْعَ﴾، وهو ما يسمَعون مما اسْتَرَقُوا سَمْعَه مِن حينَ حَدَث من السماءِ إلى كلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ مِن أوليائِهم مِن بنى آدمَ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12091

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾. قال: الشياطينُ؛ ما سمِعتَه ألقَتْه على كلِّ أفَّاكٍ كذَّابٍ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾: الشياطينُ؛ ما سمِعَته أَلقَتْه على كلِّ أَفَّاكٍ. قال: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾. قال: القولَ (٢). وقولُه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. يقولُ: وأكثرُ من تَنزَّلُ (٣) عليه الشياطينُ كاذِبون فيما يقولون ويُخْبِرون. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾: عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: الشياطينُ تَسْتَرِقُ السمعَ، فتَجِيءُ بكلمةِ حقٍّ، فيَقْذِفُها في أُذُنِ وَلِيِّه. قال: ويَزِيدُ فيها أكثرَ مِن مِائةِ كَذْبةٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي

стр. 12092

كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والشعراءُ يتَّبِعُهم (١) أهلُ الغَيِّ، لا أهلُ الرشادِ والهُدى. واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين وُصِفوا بالغَيِّ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: رُوَاةُ الشِّعْرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسينُ (٢) بن يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا قيسٌ، عن يَعْلَى، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، وحدَّثني أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن قيسٍ، و [حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عَطِيَّةَ، بن قيسٍ] (٣)، عن يَعْلَى [بن النُّعْمانِ] (٣)، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: الرُّواةُ (٤). وقال آخرون: هم الشياطينُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني

стр. 12093

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾: الشياطينُ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، [قال: أخبَرنا] (٢) مَعْمَرٌ، عن قتَادةَ في قولِه: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: يَتَّبِعُهم الشياطينُ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن عكرِمةَ في قولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: عُصَاةُ الجِنِّ (٤). وقال آخرون: هم السُّفَهَاءُ. وقالوا: نزَل ذلك في رَجُلَين تَهاجَيَا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 12094

أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: كان رَجُلان على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ أحدُهما مِن الأنصارِ، والآخرُ من قومٍ آخَرين، وأنهما تَهاجَيَا، وكان مع كلِّ واحدٍ منهما غُوَاةٌ من قومِه، وهم السُّفَهَاءُ، فقال اللهُ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: كان رَجُلان على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ أحدُهما مِن الأنصارِ، والآخرُ مِن قومٍ آخرين، تَهاجَيَا، مع كلِّ واحدٍ منهما غُواةٌ مِن قومِه، وهم السُّفَهَاءُ (٢). وقال آخرون: هم ضُلَّالُ الجنِ والإنسِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: هم الكفارُ، يَتَّبِعُهم ضُلَّالُ الجنِّ والإنسِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ:

стр. 12095

﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: الغاوُون المُشْرِكون (١). قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ فيه ما قال اللهُ جلّ ثناؤُه: إن شعراءَ المشركين يَتَّبِعُهم غُوَاةُ الناسِ، ومَرَدةُ الشياطينِ، وعُصاةُ الجنِّ. وذلك أن الله عَمَّ بقولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فلم يَخْصُصْ بذلك بعضَ الغُواةِ دونَ بعضٍ، فذلك على جميعِ أصْنافِ الغُواةِ التي دخَلَت في عُمُومٍ الآيةِ. وقولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألم تَرَ يا محمدُ ﴿أَنَّهُمْ﴾. يعنى الشعراءَ، في كلِّ وادٍ يذهَبون، كالهائمِ على وَجْهِه على غيرِ قَصْدٍ، بل جائزًا (٢) عن (٣) الحقِّ وطريقِ الرَّشادِ وقَصْدِ السبيلِ. وإنما هذا مثَلٌ ضَرَبَه اللهُ لهم في افتنانِهم في الوُجُوهِ التي يَفْتَنُّون (٤) فيها بغيرِ حَقٍّ، فَيَمْدَحون بالباطلِ، قومًا، ويَهْجُون آخَرِين كذلك، بالكَذِبِ والزُّورِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. يقولُ: في كلِّ لَغْوِ يَخوضُون (٥).

стр. 12096

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. قال: في كلِّ فَنٍّ يَفْتَنُّون (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾. قال: فَنٍّ، ﴿يَهِيمُونَ﴾. قال: يقولون (٢). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾. قال: يَمْدَحون قومًا بباطلٍ، ويَشْتُمون قومًا بباطلٍ (٣). وقولُه: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: وأن أكثرَ قِيلِهم باطلٌ وكَذِبٌ. كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: أكثرُ قولِهم يَكْذِبون (٤). وعُنى بذلك شُعَرَاءُ المُشْرِكين. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ

стр. 12097

زيدٍ: قال رجلُ لأبي: يا أبا أُسامةَ، أرأيتَ قولَ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾؟ فقال له أبى: إنما هذا لشُعَراءِ المُشْرِكين، وليس شعراءَ المؤمنين، ألَا تَرَى أنه يقولُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى آخِرِه. فقال: فَرَّجْتَ عنى يا أبا أُسامةَ، فَرَّجَ اللهُ عنك (١). وقولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وهذا استثناءٌ مِن قولِه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وذُكر أن هذا الاستثناءَ نزَل في شعراءِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ كحسانَ بن ثابتٍ، وكعبِ بن مالكٍ، ثم هو لكلِّ مَن كان بالصفةِ التي وصَفه اللهُ بها. وبالذي قُلنا في ذلك جاءتِ الأخبارُ. ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المُخْتارِ، عن ابن إسحاق، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ (٢)، عن أبي الحسنِ سالمٍ البَرَّادِ مولى تَميمٍ الدَّارِيِّ، قال: لمَّا نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. قال: جاء حسانُ بنُ ثابتٍ وعبدُ اللهِ بنُ رواحةَ وكعبُ بنُ مالكٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، وهم يَبْكُون، فقالوا: قد علِم اللهُ حينَ أنزَل هذه الآيةَ أنَّا شُعراءُ. فتَلا النبيُّ ﷺ : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٣).

стр. 12098

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يَسارٍ، قال: نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخرِ السورةِ، في حسَّانَ بن ثابتٍ، وعبدِ اللهِ بن رَوَاحةَ، وكعبِ بن مالكٍ. قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ وطاوسٍ، قالا: قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾، فَنَسَخ من ذلك واسْتَثْنَى، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم استَثْنَى المؤمنين منهم، يعنى الشعراءَ، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ. فذكَر مثلَه. حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. قال: هم الأنصارُ الذين هاجَوْا (٢) مع رسولِ اللهِ ﷺ (٣).

стр. 12099

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي حسنٍ البَرَّادِ، قال: لمَّا نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن حُمَيدٍ، عن سَلَمةَ. وقولُه: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في حالِ الذكرِ الذي وصَف اللهُ به هؤلاء المُسْتَثْنَين مِن الشعراءِ؛ فقال بعضُهم: هي حالُ منطقِهم ومُحاورتِهم الناسَ. وقالوا: معنى الكلامِ: وذكَروا الله كثيرًا في كلامِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: فِي كلامِهم (١). وقال آخرون: بل ذلك في شِعْرِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قال: ذكَروا الله في شِعْرِهم (٢). قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله وصَف هؤلاء

стр. 12100

الذين اسْتَثْناهم من شعراءِ المؤمنين بذِكْرِ اللهِ كثيرًا، ولم يَخُصَّ [ذِكْرَهم الله] (١) على حالٍ دونَ حالٍ في كتابِه، ولا على لسانِ رسولِه، فصِفَتُهم أنهم يذكُرون الله كثيرًا في كلِّ أحْوالِهم. وقولُه: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. يقولُ: وانتَصَروا مِمَّن هَجَاهُم مِن شُعراءِ المُشْرِكين ظُلْمًا، بشِعْرِهم وهِجائِهم إيَّاهم، وإجابتِهم عما هَجَوْهم به. وبنحوِ الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. قال: يَرُدُّون على الكفارِ الذين كانوا يَهْجُون المؤمنين (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَانْتَصَرُوا﴾: من المشركين، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. وقيل: عنَى بذلك كلِّه الرَّهْطُ الذين ذَكَرْتُ.

стр. 12101

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا [سلمةُ و] (١) عليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المُخْتارِ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي الحسنِ سالمٍ البَرَّادِ مولى تَميمٍ الدَّارِيِّ، قال: لمَّا نزلَت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. جاء حسَّانُ بنُ ثابتٍ وعبدُ اللهِ بن رَوَاحةً وكعبُ بنُ مالكٍ إلى النبيِّ ﷺ وهم يَبْكُون، فقالوا: قد عَلِم اللهُ حينَ أنزَل هذه الآيةَ أنَّا شعراءُ. فتَلا النبيُّ ﷺ : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي حسنٍ البَرَّادِ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. ثم ذكَر نحوَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. قال: عبدُ اللهِ بنُ رَوَاحةَ وأصحابُه (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. قال: عبدُ اللهِ بن رَوَاحَةَ. وقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسيعلمُ الذين ظلَموا

стр. 12102

أنفسَهم بشِرْكِهم باللهِ من أهلِ مكةَ، ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. يقولُ: أَيَّ مَرْجِعٍ يَرْجِعُون إليه، وأيَّ مَعادٍ يعودون إليه بعدَ مَماتِهم، فإنَّهم يصيرون إلى نارٍ لا يُطفأُ سعيرُها، ولا يَسْكُنُ لهبُها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ وإبراهيمُ بنُ المختارِ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي الحسنِ سالمٍ البرَّادِ مولى تميمٍ الداريِّ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾: يعنى أهلَ مكةَ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. قال: وسيعلمُ الذين ظلموا من المشركين، أيَّ منقَلَبٍ ينقلبون. آخرُ تفسيرِ سورةِ الشعراءِ

стр. 12103

تفسيرُ سورةِ النَّملِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾. قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا القولَ فيما مضى من كتابِنا هذا، فيما كان من حروفِ المعجمِ في فواتحِ السورِ، فقولُه: ﴿طس﴾ مِن ذلك. وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أَنَّ قولَه: ﴿طس﴾. قَسَمٌ أقسَمه اللهُ، هو من أسماءِ اللهِ. حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ (١). فالواجبُ على هذا القولِ أن يكونَ معناه: والسميعِ اللطيفِ، إنَّ هذه الآياتِ التي أنزَلتُها إليك يا محمدُ، لآياتُ القرآنِ، وآياتُ ﴿كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقولُ: يبينُ لمن تدَبَّره وفكَّر فيه بفَهمٍ، أنه من عندِ اللهِ، أنزَله إليك، لم تتخرَّصْه أنت ولم تتقوَّلْه، ولا أحدٌ سواك من خَلقِ اللهِ؛ لأنه لا يقدرُ أحدٌ من الخلْقِ أنْ يأتيَ بمثلِه، ولو

стр. 12104

تظاهرَ عليه الجنُّ والإنسُ. وخُفِض قولُه: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾. عطفًا به على "القرآنِ". وقولُه: ﴿هُدًى﴾. من صفةِ "القرآن". يقولُ: هذه آياتُ القرآنِ بيانٌ مِن اللهِ، بيَّن (١) به طريقَ الحقِّ وسبلَ (٢) السلامِ، ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وبشارةٌ لمن آمَن به وصدَّق بما أُنزِل فيه، بالفوزِ العظيمِ في المعادِ. وفي قولِه: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾. وجهان من العربيةِ؛ الرفعُ على الابتداءِ، بمعنى: هو هدًى وبُشرى. والنصبُ على القطعِ من: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾. فيكونُ معناه: تلك آياتُ القرآنِ الهُدَى (٣) والبشْرى للمؤمنين. ثم أُسقِطت الألفُ واللامُ من "الهدى" و "البشرى"، فصارا نكرةً، وهما صفةٌ للمعرفةِ، فنُصِبا. وقولُه: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: هو هدًى وبشرى لمن آمَن بها، وأقام الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها. وقولُه: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: ويؤدّون (٤) الزكاة المفروضةَ. وقيل: معناه: ويطهِّرون أجسادَهم من دنسِ المعاصى. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى بما أغنَى عن إعادِته في هذا الموضعِ (٥). ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. يقولُ: وهم مع إقامتِهم الصلاةَ المفروضةَ (٦)، وإيتائِهم الزكاةَ الواجبةَ، بالمعادِ إلى اللهِ بعد المماتِ يُوقنون، فيذِلُّون في طاعةِ اللهِ؛

стр. 12105

رجاءَ جزيلِ ثوابِه، وخوفَ عظيمِ عقابِه، وليسوا كالذين يُكذِّبون بالبعثِ ولا يبالُون؛ أحسَنوا أم أساءوا، وأطاعوا أم عَصَوا (١)؛ لأنهم إنْ أحسنوا لم يرجُوا ثوابًا، وإنْ أساءوا لم يخافوا عقابًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: إِنَّ الذين لا يُصدِّقون بالدارِ الآخرةِ، وقيامِ الساعةِ، وبالمعادِ إلى اللهِ بعدَ المماتِ، والثوابِ والعقابِ، ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: حبَّبنا إليهم قبيحَ أعمالِهم، وسهَّلْنا ذلك عليهم، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾. يقولُ: فهم في ضلالِ أعمالِهم القبيحةِ التي زيَّنَّاها لهم، يتردَّدون حيارَى، يحسَبون أنَّهم يحسِنون. وقولُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: هؤلاء الذين لا يُؤمنون بالآخرةِ لهم سوءُ العذابِ في الدنيا، وهم الذين قُتِلوا ببدرٍ من مشركي قريشٍ، ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. يقولُ: وهم يومَ القيامةِ هم الأوضَعون تجارةً، والأَوكَسُونها (٢)؛ باشترائِهم الضلالَة بالهدَى، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)﴾.

стр. 12106

يقولُ تعالى ذِكرُه: وإنَّك يا محمدُ، لَتُحَفَّظُ القرآنَ وتُعَلَّمُه، ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾. يقولُ: من عندِ حكيمٍ بتدبيرِ خلْقِه، عليمٍ بأنباءِ خلْقِه ومصالِحهم، والكائنِ من أمورِهم، والماضى من أخبارِهم، والحادثِ منها، ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾. و ﴿إِذْ﴾ من صلةِ ﴿عَلِيمٍ﴾. ومعنى الكلامِ: عليمٌ حينَ قال موسى لأهلِه وهو في مسيرِه من مَدْيَنَ إلى مصرَ، وقد آذاهم بَرْدُ ليلهم لما أصلَدَ زَنْدُه (١): ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. أي: أبصرتُ نارًا أو أحْسَستُها، فامكُثوا مكانَكم، ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾. يعنى: من النارِ. والهاءُ والألفُ مِن ذِكرِ "النارِ". ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾. واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (بِشِهابِ قَبَسٍ). بإضافةِ "الشهابِ" إلى "القَبَسِ"، وتركِ التنوينِ (٢)، بمعنى: أو آتيكم بشُعلةِ نارٍ أقتبسُها منها. وقرَأ ذلك عامةُ قرأة أهلِ الكوفةِ: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بتنوينِ "الشهابِ"، وتركِ إضافتِه إلى "القَبْسِ" (٣)، يعنى: أو آتيكم بشهابٍ مقَتبَسٍ. والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأةِ الأمصارِ، متقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وكان بعضُ نحويّى البصرة يقولُ: إذا جعلَ "القبسَ" بدلًا من "الشِّهابِ"، فالتنوينُ في "الشهابِ"، وإِنْ أضاف "الشهابَ" إلى "القبسِ"، لم ينوَّنِ "الشهابَ". وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٤): إذا أُضيف الشهابُ إلى القبسِ، فهو بمنزلةِ

стр. 12107

قولِه: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]. مما يضافُ إلى نفسِه إذا اختلَف اسماه ولفظاه، تَوَهُّمًا بالثانى أنه غيرُ الأَوَّلِ. قال: ومثلُه: حَبَّةُ الخضراءِ، وليلةُ القَمْراءِ، ويومُ الخميسِ، وما أشبَهَه. وقال آخرُ منهم: إنْ كان "الشهابُ" هو "القَبَسَ" لم تجزِ الإضافةُ؛ لأنَّ "القَبَسَ" نعتٌ، ولا يُضافُ الاسمُ إلى نعتِه إلا في قليلٍ من الكلامِ، وقد جاء: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةُ﴾، ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [الأنعام: ٣٢]. والصوابُ من القولِ في ذلك أنَّ "الشهابَ" إذا أُريدَ به أنه غيرُ "القبَسِ"، فالقراءةُ فيه بالإضافةِ؛ لأنَّ معنى الكلامِ حينئذٍ ما بَيَّنَا من أنه شُعْلَةُ قَبَسٍ، كما قال الشاعرُ (١): في كَفَّهِ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ … فيها سنانٌ كشُعْلَةِ القَبَسِ وإذا أُريد بالشهابِ أنه هو "القبَسُ"، أو أنه نعتٌ له، فالصوابُ في "الشهابِ" التنوينُ؛ لأنَّ الصحيحَ في كلام العربِ تركُ إضافةِ الاسمِ إلى نعتِه، وإلى نفسِه، بل الإضافاتُ في كلامِها المعروفةُ (٢) إضافةُ الشيءِ إلى غيرِ نفسِه، وغيرِ نعتِه. وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. يقولُ: كي تصطَلوا بها من البردِ. [كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. قال: من البردِ] (٣). وقولُه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾. يقولُ: فلما جاء موسى النارَ التي آنسَها، ﴿نُودِيَ أَنْ

стр. 12108

بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. كما حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. يقولُ: قُدِّس (١). واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى ﷻ بذلك نفسَه، وهو الذي كان في النارِ، وكانت النارُ نُورَه تعالى ذِكرُه، في قولِ جماعةٍ من أهلِ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: يعنى نفسَه. قال: كان نورُ ربِّ العالمين في الشجرةِ (٢). حدَّثني إسماعيلُ بنُ الهيثمِ أبو العاليةِ العبديُّ، قال: ثنا أبو قُتيبةَ، عن ورقاءَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في قولِ اللهِ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: ناداه وهو في النارِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٤)، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال: هو النورُ (٥).

стр. 12109

قال معمرٌ قال قتادةُ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: نورُ اللهِ بُورك (١). قال: ثنا الحسينُ (٢)، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال الحسنُ البصريُّ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. وقال آخرون: بل معنى ذلك: بورِكَتِ النارُ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الأشْيبُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: بورِكت النارُ. قال: كذلك قال ابن عباسٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: بُورِكَتِ النارُ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: بورِكَتِ النارُ. حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا مكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا موسى، عن محمدِ بن كعبٍ في قولِه: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال: نورُ الرحمنِ،

стр. 12110

والنورُ هو اللهُ، سبحانَ اللهِ ربِّ العالمين (١). واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى النارِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه النورُ، كما ذكَرتُ عمن ذكَرتُ ذلك عنه. وقال آخرون: معناه النارُ لا النورُ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ أنه قال: حِجابُ العزّةِ، وحجابُ الملكِ، وحجابُ السلطانِ، وحجابُ النارِ، وهى تلك النارُ التي نُودىَ منها. قال: وحجابُ النورِ، وحجابُ الغَمامِ، وحجابُ الماءِ (٢). وإنما قيل: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. ولم يقلْ: بُورك في من في النار. على لغةِ الذين يقولون: باركَك اللهُ. والعربُ تقولُ: باركَك اللهُ، وبارَك فيك. وقولُه: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. يقولُ: ومَن حولَ النارِ. وقيل: عنَى بمن حولَها الملائكةَ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 12111

أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال: يعنى الملائكةَ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الحسنِ مثلَه (٢). وقال آخرون: هو موسى والملائكةُ. حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا مكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا موسى، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال: موسى النبيُّ والملائكةُ. ثم قال: يا مُوسَى، إنى أنا اللهُ الْعَزِيزُ الحَكيمُ (٣). وقولُه: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. [يقولُ: وتنزيهًا للهِ ربِّ العالمين] (٤) مما يصفُه به الظالمون. القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِه لموسى: إنه أنا اللهُ العزيزُ في نقمتِه من أعدائِه، الحكيمُ في تدبيرِه في خلقِه. والهاءُ التي في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾ هاءُ عمادٍ، وهو اسمٌ لا يظهرُ في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ (٥).

стр. 12112

وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ: هي الهاءُ المجهولةُ، ومعناها: إنَّ الأمرَ والشأنَ، أنا اللهُ. وقولُه: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾. وفى الكلامِ محذوفٌ تُرِك ذكرُه؛ استغناءً بما ذُكِر عما حُذِف، وهو: فألقاها، فصارت حيةً تهتزُّ، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾. يقولُ: كأنها حيةٌ عظيمةٌ. والجانُّ جنسٌ من الحياتِ معروفٌ. وقال ابن جُرَيْجٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾. قال: حينَ تحوَّلت حيةً تسعى (١). وهذا الجنسُ من الحياتِ عَنى الراجزُ بقولِه (٢): يَرْفَعْنَ (٣) باللَّيْلِ إِذَا مَا أَسْدَفا (٤) أعناقَ جِنَّانٍ وَهامًا رُجَّفَا وَعَنَقًا باقي (٥) الرَّسِيمِ خَيْطَفا وقولُه: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ولَّى موسى هاربًا خوفًا منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. يقولُ: ولم يرجِعْ من قولِهم: عَقَّب فلانٌ. إذا رجَع على عقِبهِ إلى حيثُ بدَأ.

стр. 12113

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. قال: لم يرجِعْ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: لم يلتفِتْ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. قال: لم يرجِعْ (٣)، لما ألقَى العصا صارت حيةً، فرُعِب منها وجزِع، فقال اللهُ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: فلم يرعوِ لذلك. قال: فقال اللهُ له: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]. قال: فلم يقفْ أيضًا على شيءٍ من هذا حتى قال: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١]. قال: فالتفَت فإذا هي عصًا كما كانت، فرجَع فأخَذها، ثم قوِى بعدَ ذلك عليها (٤)، حتى صار يُرسلُها على فرعونَ ويأخُذُها (٥).

стр. 12114

وقوله: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فناداه ربُّه: يا موسى، لا تَخَفْ مِن هذه الحيةِ، ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. يقولُ: إنى لا يخافُ عندى رسلى وأنبيائى الذين أَخْتَصُّهم بالنبوةِ، إلا من ظلَم منهم، فعمِل بغيرِ الذي أُذِن له في العمل به. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال قولَه: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. قال: لا يُخيفُ اللهُ الأنبياءَ إلا بذنبٍ يُصِيبُه أحدُهم، فإنْ أصَابه أخافه يَأْخُذَه منه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو (٢) عبدِ اللهِ الفَزاريُّ، عن عبدِ اللهِ بن المباركِ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، قال قولَه: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. قال: إنى إنما أخَفْتُك لقتلِك النفسَ. قال: وقال الحسنُ: كانت الأنبياءُ تُذنِبُ فتُعاقَبُ، [ثم تُذنبُ واللهِ فتعاقَبُ] (٣). واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ، وهو استثناءٌ، إِلَّا مع وعدِ اللهِ الغُفْرانَ المُسْتَثْنَى من قولِه: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾. [بقولِه: ﴿فَإِنِّي] (٤) غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وحكمُ الاستثناءِ أن يكونَ ما بعدَه بخلافِ معنى ما قبلَه، وذلك أن يكونَ ما بعدَه - إن كان ما قبلَه منفيًّا - مُثْبَتًا، كقولِه: ما قام إلا زيدٌ.

стр. 12115

فـ"زيدٌ" مثبَتٌ له القيامُ؛ لأنه مُسْتَثْنًى مما قبلَ "إلا"، وما قبلَ "إلا" منفيٌّ عنه القيامُ، و (١) أن يكونَ ما بعَده - إن كان ما قبلَه مثبَتًا - منفيًّا، كقولِهم: قام القومُ إلا زيدًا. فـ "زيدٌ" منفيٌّ عنه القيامُ، ومعناه: إن زيدًا لم يَقُمْ. والقومُ مثبَتٌ لهم القيامُ. و (١) ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، فقد أمَّنه اللهُ بوعدِه الغفرانَ والرحمةَ، وأَدْخَله في عِدادِ مَن لا يَخافُ لديه من المرسَلين؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُدْخِلَت "إلا" في هذا الموضعِ؛ لأن "إلا" تَدْخُلُ في مثلِ هذا الكلامِ، كمثلِ قولِ العربِ: ما أشْتَكِى إلا خيرًا. فلم يَجْعَلْ قولَه: إلا خيرًا، على الشكوى، ولكنه علِم أنه إذا قال: ما أشْتَكِى شيئًا. أنه يَذْكُرُ عن نفسِه خيرًا، كأنه قال: ما أَذْكُرُ إلا خيرًا. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٢): يقولُ القائلُ: كيف صُيِّر خائفًا من ظلَم، ثم بَدَّل حسنًا بعدَ سوءٍ، وهو مغفورٌ له؟ فأقولُ له: في هذه الآيةِ وجهان؛ أحدُهما، أن يقولَ: إن الرسلَ معصومةٌ (٣)، مغفورٌ لها، آمِنةٌ يومَ القيامةِ، ومَن خلَط عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا فهو يَخافُ ويَرْجو. فهذا وجه. والآخرُ، أن يجعل الاستثناءَ من الذين تُركوا في الكلمةِ؛ لأن المعنى: لا يخافُ لديَّ المُرْسَلون، إنما الخوفُ على مَن سِواهم. ثم اسْتَثْنَى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. يقولُ: كان مُشْرِكًا فتابَ مِن الشِّرْكِ، وعمِل حُسْنًا، فذلك مغفورٌ له، وليس بخائفٍ (٤). قال: وقد قال بعضُ النحويِّين (٥): إن "إلَّا" في اللغةِ بمنزلةِ "الواوِ"، وإنما معنى هذه الآيةِ: لا يخافُ لديَّ المُرسَلون، ولا مَن ظلَم ثم بدَّل حُسْنًا. قال:
следующие страницы →