حدَّثني أحمد بن الوليدِ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنى هشامُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن سعيد بن بشيرٍ، عن قتادة، عن النضر بن أنسٍ، عن بشرِ بن نَهيكٍ، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "كان أحَدُ أَبَوَى صاحبةِ سَبأَ جِنِّيًّا" (١).
قال: ثنا صفوانُ بن صالحٍ، قال: ثنى الوليدُ، عن سعيد بن بشيرٍ، عن قتادة، عن بشير بن نهيكٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ . ولم يذكر النضر بن أنسٍ (٢).
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. يقولُ: فلما رأت المرأةُ الصَّرْحَ حسبته - لبياضه واضطراب دوابِّ الماءِ تحته - لجة بحرٍ، وكشَفَت عن ساقيها؛ لتخوضه إلى سليمان.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. قال: وكان من قوارير، وكان الماءُ من خلفه، فحسبته لجةً (٣).
стр. 12182
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. قال: بحرًا.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا ابن سواءٍ (١)، قال: ثنا روحُ بنُ القاسمِ، عن عطاءِ بن السائب، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾: فإذا هما شعراوان، فقال: ألا شيءَ يُذْهب هذا؟ قالوا: الموسَى. قال: لا، الموسَى له أثرٌ. فأمر بالنُّورَةِ فصنعت (٢).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، عن عمران بن سليمان، عن عكرمة وأبى صالحٍ، قالا: لما تزوَّج سليمانُ بِلقيس قالت له: لم تَمسَّنى حديدةٌ قطُّ. قال سليمانُ للشياطين: انظُروا ما يُذْهِبُ الشعرَ؟ قالوا: النُّورةُ. فكان أوّلَ من صنع النُّورة (٣).
وقوله: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قال سليمانُ لها: إن هذا ليس ببحرٍ، ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ [مِنْ قَوَارِيرَ﴾] (٤). يقول: إنما هو بناءٌ مبنيٌّ مُشيَّدٌ من قوارير.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
стр. 12183
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: [﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ] (١) مُمَرَّدٌ﴾. قال: مُشَيَّدٌ.
وقوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ الآية. يقول تعالى ذكره: قالت المرأة صاحبة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ في عبادتى الشمس، وسجودى لما دونَك، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾. تقولُ: وانقدتُ مع سليمانَ، مُذعِنةً للَّهِ بالتوحيدِ، مُفرِدةً له بالألوهة والربوبية، دون كلِّ من سواه.
وكان ابن زيد يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾. ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾: فعرفت أنها قد غُلبت، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا بأن (٢) اعبدوا الله وحده لا شريك له، ولا تجعلوا معه إلهًا غيره، ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. يقولُ: فلما أتاهم صالحٌ داعيًا لهم إلى الله، صار قومه من ثمود فيما دعاهم إليه فريقين يَخْتَصِمون؛ ففريقٌ مصدِّقٌ صالحًا مؤمنٌ به، وفريق مكذِّبٌ به، كافرٌ بما جاء به.
стр. 12184
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. قال: مؤمنٌ وكافرٌ؛ قولهم: صالحٌ مُرسَلٌ. وقولُهم: صالحٌ ليس بمُرسَلٍ، ويعنى بقوله: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾: يختلفون (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. قال: مؤمنٌ وكافرٌ (١).
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال صالحٌ لقومه: يا قوم، لأيِّ شيءٍ تستَعْجِلون بعذابِ اللهِ قبل الرحمةِ؟
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾. قال: السيئةُ العذابُ، ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: قبل الرحمة (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن
стр. 12185
مجاهدٍ: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. [قال: بالعذابِ] (١)، ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾، قال: العافية (٢).
وقوله: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقول: هلَّا تتوبون إلى الله من كفركم، فيَغْفِرَ لكم ربكم عظيمَ جُرمِكم، ويصفح لكم عن عقوبته إياكم على ما قد أتيتُم من عظيم الخطيئة.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقول: ليرحمكم ربُّكم باستغفاركم إياه من كفركم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: قالت ثمودُ لرسولها صالح: ﴿طَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾. أي: تشاءمنا بك وبمن معك من أتباعنا، وزجَرْنا الطير، بأنا سيُصيبُنا [بك وبهم] (٣) المكارهُ والمصائبُ. فأجابهم صالحٌ فقال لهم: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. أي: ما زجَرْتم من الطير لما يُصِيبُكم من المكاره عند الله علمُه، لا يُدْرَى أيُّ ذلك كائنٌ؛ أما تظنون من المصائب والمكاره، أم ما لا ترجُونه من العافية والرجاء والمحابِّ؟
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
стр. 12186
ذكر من قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: مصائبكم (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ عن قتادة قوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: علمكم عندَ اللهِ (٢).
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: بل أنتم قوم تختبرون (٣)، يختبِرُكم ربُّكم إذ أرسلنى إليكم؛ أَتُطيعونه فتعملون بما أمركم به، فيجزيكم الجزيل من ثوابه، أم تعصُونه فتعملون (٤) بخلافه فيحِلَّ بكم عقابُه؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾.
يقول تعالى ذكره (٥): وكان في مدينة قوم (٦) صالحٍ، وهى حجر ثمود، تسعةُ أنفسٍ يُفْسِدون في الأرضِ ولا يُصْلِحون. وكان إفسادُهم في الأرضِ كُفرهم بالله ومعصيتهم إياه، وإنما خصَّ الله جلَّ ثناؤُه هؤلاء التسعة الرهط بالخبر عنهم أنهم
стр. 12187
كانوا يُفسدون في الأرضِ ولا يُصْلِحون، وإن كان أهلُ الكفرِ كلُّهم [في الأرضِ] (١) مفسدين؛ لأن هؤلاء التسعة هم الذين سَعَوْا - فيما بلغنا - في عقر الناقة وتعاونوا (٢) عليه، وتحالفوا على قتل صالحٍ من بين قومهم (٣) ثمود. وقد ذكرنا قصصهم وأخبارهم فيما مضى من كتابنا هذا (٤).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾. قال: من قومِ صالحٍ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه:، عن ابن عباس قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: هم الذين عقروا الناقةَ، وقالوا حين عقروها: نُبَيِّتُ صالحًا وأهله فنقتُلُهم، ثم نقولُ لأولياء صالحٍ: ما شهدنا من هذا شيئًا، وما لنا به
стр. 12188
علمٌ. فدمَّرهم الله أجمعين (١).
وقوله: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾. يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء التسعةُ الرهط الذين يُفْسِدون في أرضِ حِجْرِ ثمود ولا يُصلحون: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾: تحالفوا بالله: أيُّها القوم، ليحلف بعضُكم لبعضٍ: لنُبيِّتَنَّ (٢) صالحًا وأهله فلنقتُلَنَّه، ثم لنقولَنَّ لوليِّه (٣): ما شهدْنا مَهْلِكَ أَهلِه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾. قال: تحالفوا على إهلاكه فلم يصلوا إليه، حتى هلكوا وقومُهم أجمعون (٤).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه.
ويتوجه قوله: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾. إلى وجهين؛ أحدهما، النصب على وجه الخبر، كأنه قيل: قالوا مُتقاسمين. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: (ولا
стр. 12189
يُصْلِحون، تقاسموا بالله) (١). وليس فيها ﴿قَالُوا﴾. فذلك من قراءته يَدلُّ على وجه النصب في ﴿تَقَاسَمُوا﴾، على ما وصفتُ. والوجه الآخرُ، الجزم (٢). كأنهم قال بعضُهم لبعض: أَقسموا بالله. فعلى هذا الوجه الثاني تَصْلُحُ قراءة (٣): ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالتاء والنونِ؛ لأن القائل لهم: تقاسموا. وإن كان هو الآمر، فهو في من أقسم، كما يقالُ في الكلام انهضوا بنا نَمضِ إلى فلانٍ. وانهضوا تمضُوا (٤) إليه. وعلى الوجه الأول الذي هو وجهُ النصب، القراءة فيه بالنون أفصحُ؛ لأن معناه: قالوا متقاسمين: لَنُبَيِّتنَّه. وقد تجوز الياءُ على هذا الوجه، كما يقالُ في الكلام: قالوا: لنُكرِمَنَّ أباك، ولَيُكرِمُنَّ (٥) أباك. وبالنونِ قرأ ذلك قرأةُ المدينة وعامة قرأةِ البصرة وبعضُ الكوفيِّين. وأما الأغلب على قرأةِ أهل الكوفة، فقراءتُه بالتاءِ وضمِّ التاءين جميعًا. وأما بعضُ المكيِّين فقرأه بالياء (٦).
وأعجبُ القراءاتِ في ذلك إليَّ النونُ؛ لأن ذلك أفصحُ الكلام على (٧) الوجهين اللَّذين بيَّنتُ من النصب والجزم، وإن كان كل ذلك صحيحًا غير فاسدٍ؛ لما وصفتُ، وأكرهُها إليَّ [القراءة بها] (٨) الياءُ؛ لقلة قارئ ذلك كذلك
стр. 12190
وقوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾. قال: ليُبَيِّتُنَّ (١) صالحًا، ثم يَفْتِكوا (٢) به.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: قال التسعةُ الذين عقروا الناقةَ: هلمَّ فلنَقْتُلْ صالحًا، فإن كان صادقًا - يعنى فيما وعدهم من العذابِ بعد الثلاثِ - عَجَّلْناه قبلَه، وإن كان كاذبًا، نكون قد ألحقناه بناقتِه. فأتوه ليلًا ليُبَيِّتوه في أهلِه، فدمغتهم (٣) الملائكةُ بالحجارة، فلما أبطَئوا (٤) على أصحابهم، أتوا منزِلَ صالحٍ، فوجدوهم مُشَدَّخين (٥) قد رُضِخوا (٦) بالحجارة (٧).
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: [نقولُ لوليِّه: إنا لصادِقون] (٨) أنَّا ما شهدنا مَهْلِكَ أهلِه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وغدَر هؤلاء التسعةُ الرهط الذين يُفسدون في الأرض بصالح، بمصيرهم (٩) إليه ليلًا ليقتلوه وأهله، وصالحٌ لا يَشْعُرُ بذلك، ﴿وَمَكَرْنَا
стр. 12191
مَكْرًا﴾. يقولُ: فأَخَذْناهم بعقوبتِنا إياهم، وتعجيلنا للعذاب لهم، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمكرنا.
وقد بيَّنا فيما مضى معنى مكْرِ الله بمن مكر به، وما وجهُ ذلك، وأنه أَخْذُه من أخذه منهم على غِرَّةٍ، أو استدراجه من استدرج منهم على كفره به ومعصيته إياه، ثم إحلاله العقوبة به على غِرَّةٍ وغفلةٍ (١).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن رجلٍ، عن عليٍّ، قال: المكرُ غَدرُ، والغَدرُ كفرٌ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾. قال: احتالوا لأمرهم، واحتال الله لهم مكروا بصالح مكرًا، ومكرنا بهم مكرًا، وهم لا يشعرون بمكرنا، وشعرنا بمكرهم، قالوا: زعَم صالحٌ أنه يَفْرُغُ منا إلى ثلاثٍ، فنحن نَفْرُغُ منه وأهله قبل ثلاثٍ. وكان مسجدٌ له في الحجر في شِعْبٍ ثَمَّ يُصَلِّي فيه، فخرجوا إلى كهفٍ، وقالوا: إذا جاء يُصَلِّي قتَلْناه، ثم رجَعْنا إذا فرَغْنا منه إلى أهله ففرَغْنا منهم. وقرأ قولَ الله ﵎: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. فبعث الله صخرةً من الهَضْبِ (٢) حِيالَهم، فخَشُوا أَن تَشْدَخَهم، فبادروا الغار (٣)، فطَبَّقت (٤) الصخرةُ عليهم فم ذلك الغارِ، فلا يَدْرِى قومُهم أين هم،
стр. 12192
ولا يدرُون ما فُعِل بقومِهم، فعذَّب الله ﵎ هؤلاء ههنا، وهؤلاء ههنا، وأنجى الله صالحًا ومن معه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾. قال: فسلَّط الله عليهم صخرةً فقتلتهم (٢).
وقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾. يقول تعالى ذكره: فانظُر يا محمدُ بعين قلبك [إلى عاقبة غَدْرِ ثمود بنبيِّهم صالحٍ] (٣)، كيف كانت؟ وما الذي أورثها اعتداؤُهم وطغيانهم وتكذيبهم؟ فإن ذلك سُنتُنا في من كذَّب رسلنا، وطغى علينا من سائر الخلقِ، فَحَذِّرْ قومك من قريشٍ أن ينالهم بتكذيبهم إياك ما نال ثمود بتكذيبهم صالحًا من المَثُلاتِ (٤).
وقوله: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: أنا دمَّرنا التسعة الرهط الذين يُفسدون في الأرضِ من قومِ صالحٍ وقومهم من ثمود أجمعين، فلم تُبق منهم أحدًا.
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿أَنَّا﴾؛ فقرأ بكسرها عامةُ قرأَةِ الحجاز والبصرة على الابتداء، وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾. بفتح الألف (٥). وإذا فُتحت كان في ﴿أَنَّا﴾ وجهان من الإعراب؛ أحدهما، الرفعُ
стр. 12193
على ردِّها على "العاقبة"، على الإتباع لها. والآخرُ، النصبُ على الردِّ على موضع ﴿كَيْفَ﴾؛ لأنها في موضع نصبٍ إن شئت، وإن شئت على تكرير ﴿كَانَ﴾ عليها، على وجه: فانظُرْ كيف كان عاقبةُ مكرهم؟ كان عاقبةُ مكرهم تدميرنا إياهم.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القول في ذلك عندى أن يُقال: إنهما قراءتانِ مشهورتان في قرأَةِ الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾: فتلك مساكنُهم خاويةً خاليةً منهم، ليس فيها منهم أحدٌ، قد أهلكهم الله فأبادهم، ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾. يقولُ: بظلمهم أنفسهم، بشركهم بالله وتكذيبهم رسولهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك يا محمدُ من القصة، لَعِظَةً لمن يَعْلَمُ فِعلَنا ما فعلنا، من قومك الذين يُكَذِّبونك فيما جئتهم به من عند ربِّك، وعبرةً، ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
يقولُ: وأنجينا من نقمتنا وعذابنا الذي أحلَلْناه بثمود، رسولنا صالحًا والمؤمنين به، ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: وكانوا يَتَّقون بإيمانهم وبتصديقهم صالحًا، الذي حلَّ بقومهم من ثمود، ما حلَّ بهم من عذاب الله، فكذلك نُنْجِيك يا محمد تُبَاعَك (١) عندَ إحلالنا عقوبتنا بمُشرِكى قومِك من بين أظهرهم.
وذُكِر أن صالحًا لما أحل الله بقومه ما أحلَّ، خرج هو والمؤمنون به إلى الشامِ،
стр. 12194
فنزل رملة فلسطين.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: وأرسلنا لوطًا إلى قومه، إذ قال لهم: يا قومِ، ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أنها فاحشةٌ؛ لعلمكم بأنه لم يسبقكم إلى ما تفعلون من ذلك أحدٌ؟
وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾. [يقولُ: أئنَّكم لتأتون الرجال شهوة] (١) منكم بذلك من دونِ (٢) فروج النساء التي أباحَها الله لكم بالنكاح!
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. يقول: ما [ذلك منكم إلا أنكم] (٣) قومٌ سفهاءُ جهلةٌ بعظم (٤) حقِّ الله عليكم، فخالفتم لذلك أمره، وعصيتم رسوله.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فلم يَكُنْ لقوم لوط جوابٌ له، إذ نهاهم عما أمره (٥) الله بنهيهم عنه من إتيان الرجال، إلا قيلُ بعضهم لبعض: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. عما نَفْعَلُه نحن من إتيانِ الذُّكْرانِ في أدبارهم.
стр. 12195
كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: سَمِعْتُ الحسن بن عُمارة يَذْكُرُ عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: من إتيان الرجال والنساء في أدبارهن (١).
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: مِن أدبار الرجال وأدبار النساء؛ استهزاءً بهم (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: يَتَطَهَّرون من أدبار الرجال والنساءِ؛ استهزاء بهم، يقولون ذلك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة أنه تلا: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. قال: عابوهم بغير عيبٍ، أي: إنهم يَتَطَهَّرون من أعمالِ السُّوءِ (٣).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: فأنجينا لوطًا وأهله سوى امرأته من عذابنا، حينَ أحْلَلْناه بهم، ثمَّ ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾. يقول: فإنَّ امرأته قدَّرناها: جعَلْناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: من الباقين،
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾. وهو إمطارُ الله عليهم من
стр. 12196
السماء حجارةً من سِجِّيلٍ، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. يقولُ: فساء ذلك المطرُ مطرُ القوم الذين أنذرهم الله عقابه، على معصيتهم إياه، وخوَّفهم بأسه، بإرسال الرسول إليهم بذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيه محمدٍ ﷺ : قل يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على نعمه علينا، وتوفيقه إيَّانا لما وفَّقنا من الهداية، ﴿وَسَلَامٌ﴾. يقولُ: وأَمَنَةٌ منه من عقابِه الذي عاقب به قوم لوطٍ (١) وصالح (٢). الذين اصطفاهم. يقولُ: الذين اجتباهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ ، فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدين الذي بعثه بالدعاء إليه، دونَ المشركين به، الجاحدين نُبوَّةَ نبيِّه.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ - يعنى ابنَ غَنَّامٍ (٣) - عن ابن ظُهَيرٍ (٤)، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. قال: أصحاب محمدٍ، اصْطَفاهم الله لنبيه (٥).
стр. 12197
حدَّثنا عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ، قال: قلتُ لعبدِ اللهِ بن المبارك: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. مَن هؤلاء؟ فحدَّثنى عن سفيان الثوريِّ، قال: هم أصحاب رسول الله ﷺ (١).
وقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء الذين زيَّنا لهم أعمالهم من قومك، فهم يَعْمَهُون: الله الذي أنعم على أوليائه هذه النِّعم التي قصَّها عليكم في هذه السورة، وأهلك أعداءه بالذي أهلكهم به من صنوف العذابِ التي ذكرها لكم فيها - خيرٌ، أمَّا تُشْرِكون من أوثانكم التي لا تَنْفَعُكم ولا تَضُرُّكم، ولا تَدْفَعُ عن أنفسها ولا عن أوليائها سُوءًا، ولا تجلبُ إليها ولا إليهم (٢) نفعًا. يقولُ: إِنَّ هذا الأمر ما (٣) يُشكلُ على مَن له عقلٌ، فكيف تَسْتَجِيزون أنْ تُشْرِكوا عبادةَ مَن لا نفع عنده لكم، ولا دفع ضرٍّ عنكم في عبادة من بيده النفعُ والضرُّ، وله كل شيءٍ.
ثم ابتدأ تعالى ذكره تعديدَ نعمه عليهم وأياديه عندهم، وتعريفهم بقلة شكرهم إياه، على ما أولاهم من ذلك، فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾.
стр. 12198
يقولُ تعالى ذكره للمشركين به من قريش: أعبادةُ ما تَعْبُدون مِن أوثانكم التي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، خيرٌ أم عبادةُ من خلق السماوات والأرضَ؟ ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعنى: مطرًا. وقد يجوزُ أن يكونَ مُريدًا به العيونَ التي فجرها في الأرضِ؛ لأن كلَّ ذلك من خلقِه، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾. يعنى: بالماءِ الذي أُنزل من السماءِ ﴿حَدَائِقَ﴾. وهى جمعُ حديقةٍ، والحديقةُ البُستانُ عليه حائطٌ مُحَوَّطٌ، وإن لم يَكُن عليه حائطٌ لم يَكُن حديقةً.
وقوله: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾. يقولُ: ذات منظرٍ حسنٍ. وقيل: ﴿ذَاتَ﴾ كله بالتوحيد. وقد قيل: ﴿حَدَائِقَ﴾. كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقد بيَّنتُ ذلك فيما مضى (١).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾. قال: البهجة الفُقَّاحُ (٢) مما يأكلُ الناسُ والأنعامُ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾. قال: مِن كلِّ شيءٍ يأكله (٤) الناسُ
стр. 12199
والأنعامُ.
وقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾. يقول تعالى ذكرُه: أنبتنا بالماء الذي أنزلناه من السماء لكم هذه الحدائق، إذ (١) لم يَكُن لكم - لولا أنه أنزل عليكم الماء من السماء - طاقةٌ أن تُنْبِتُوا شجر هذه الحدائق، ولم تكونوا قادرين على إنبات (٢) ذلك؛ لأنه لا يصلُحُ ذلك إلا بالماء.
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: أمعبودٌ مع اللهِ أَيُّها الجَهَلَةُ خلق ذلك، وأنزلَ مِن السماءِ الماء فأنبت به لكم الحدائق؟
فقوله: ﴿أَإِلَهٌ﴾ مردودٌ على تأويل: أمع الله إلهٌ؟
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: بل هؤلاء المشركون قوم ضُلَّالٌ، يَعْدِلون عن الحقِّ، ويَجُورُون (٣) عليه على عَمْدٍ منهم لذلك، مع علمهم بأنهم على خطأ وضلالٍ، ولم يعدلوا عن جهلٍ منهم بأنَّ مَن لا يقدرُ على نفعٍ ولا ضرٍّ خيرٌ ممن خلق السماوات والأرضَ، وفعل هذه الأفعال، ولكنهم عَدَلوا على علمٍ منهم ومعرفة؛ اقتفاءً منهم سُنَّةَ مَن مضى قبلهم من آبائهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أعبادةُ ما تُشْرِكون أيُّها الناسُ بربِّكم خيرٌ، وهو لا يضُرُّ ولا ينفعُ، أم الذي جعَل الأرضَ لكم قرارًا تَسْتقرون عليها لا تميدُ بكم؟
стр. 12200
﴿وَجَعَلَ﴾ لكم ﴿خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾. يقولُ: بينها (١) أنهارًا، ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ وهى ثوابت الجبالِ، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾: بين العذبِ والمِلْحِ، أن يُفْسِدَ أحدُهما صاحبه، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. [يقولُ: أإلهٌ مع الله] (٢) سواه فعل هذه الأشياءَ، فأشْرَكتُموه في عبادتكم إيَّاه؟
وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: بل أكثرُ هؤلاء المشركين لا يعلمون قَدْرَ عَظَمَةِ اللهِ، وما عليهم مِن الضرِّ في إشراكهم في عبادة الله غيره، وما لهم من النفع في إفرادِهم الله بالألوهة، وإخلاصهم له العبادة، وبراءتهم من كلِّ معبود سواه.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: أما تُشركون بالله خيرٌ، أم الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشفُ السُّوءَ (٣) النازل به عنه؟
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. قال: الضُّرَّ (٤).
وقولُه: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ويستخلِفُ بعد أُمرائكم في الأرض منكم خُلَفَاءَ أحياءً يخلفونهم.
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. يقولُ: أإله مع الله سواه يفعلُ هذه الأشياء بكم،
стр. 12201
ويُنْعِمُ عليكم هذه النِّعم؟
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: تَذَكُّرًا (١) قليلًا من عظمة الله وأياديه عندكم، تذكَّرون وتَعْتَبِرون حُجَجَ الله عليكم يسيرًا، فلذلك أشْرَكتُم بالله غيره في عبادته.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا (٢) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: أمّا تُشركون بالله خيرٌ، أم الذي يَهْدِيكُم في ظُلُماتِ البَرِّ والبحر إذا أضْلَلْتُم (٣) فيهما الطريق، فأظلمت عليكم السُّبُلُ فيهما؟
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: وظُلمات (٤) البرِّ: ضَلالةُ الطريقِ، والبحرِ: ضَلالةُ طريقه، وموجُه، وما يكونُ فيه (٥).
قولُه: (ومَن يُرْسِلُ الرياحَ نُشْرًا بينَ يَدَى رَحْمَتِهِ). يقولُ: والذي يرسلُ الرياحَ نُشْرًا لِمَوَتانِ الأرض، ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾. يعنى: قدَّام الغيث الذي يُحْيِى مَواتَ الأَرضِ.
стр. 12202
وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إلهٌ مع الله سوى الله يفعلُ بكم شيئًا من ذلك فتعبُدوه مِن دونِه، أو تُشْرِكوه في عبادتِكم إياه؟ ﴿تَعَالَى اللَّهُ﴾. يقولُ: للهِ العُلُوُّ والرِّفْعَةُ عن شركِكم الذي تشركون به، وعبادتكم معه ما تعبدون.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: أما تُشْرِكون أيُّها القومُ خيرٌ، أم الذي يبدأُ الخلق ثم يُعِيدُه، فيُنْشِئَه من غيرِ أصلٍ، ويَبْتَدِعَه (١) ثم يُفْنِيَه إذا شاء، ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل أن يُفْنيه، والذي يرزقكم من السماء والأرضِ، فيُنْزِلَ مِن هذه الغيثَ، ويُنْبِتَ مِن هذه النبات لأقواتِكم وأقواتِ أَنْعامِكم، أإلهٌ مع الله سوى الله يفعل ذلك؟ وإن زعموا أن إلهًا غير الله يفعل ذلك أو (٢) شيئًا منه، فقل لهم يا محمدُ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
أي: حُجَّتكم على أن شيئًا سوى الله يفعل ذلك، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم.
و"من" التي في ﴿أَمَّنْ﴾ [و "ما"] (٣) مبتدأٌ، في (٤) قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، والآياتُ بعدها إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. بمعنى "الذي"، لا بمعنى الاستفهام؛ وذلك أن الاستفهام لا يدخلُ على الاستفهام.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿(٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ
стр. 12203
هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قُلْ يا محمد لسائليك من المشركين عن الساعة متى هي قائمةٌ؟ لا يعلمُ مَن في السماوات والأرض الغيب الذي قد استأثر الله بعلمه وحَجَب عنه خلقه - غيرُه، والساعةُ من ذلك، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. يقول: وما يدرى من في السماواتِ والأرض من خلقه، متى هم مبعوثون مِن قُبُورِهم لقيام الساعة؟
وقد حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا داودُ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: قالت عائشةُ: مَن زَعَم أنه يُخْبِرُ الناسَ بما يكون في غدٍ، فقد أعظم على الله الفِرْيَةَ، والله يقولُ: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١).
واختلف أهل العربية في وَجْهِ رفعِ ﴿اللَّهُ﴾؛ فقال بعض البصريِّين: هو (٢) كما تقولُ (٣): ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]. وفي حرف ابن مسعودٍ: (قليلًا) (٤) بدلًا من الأوَّلِ؛ لأنك نَفَيْتَه عنه، وجعلته للآخرِ.
وقال بعض الكوفيِّين (٥): إن شئتَ أن تَتَوَهَّم في ﴿مَنْ﴾ المجهول، فتكونَ معطوفة على (٦): قُلْ لا يعلم أحدٌ الغيب إلا الله. قال: ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾
стр. 12204
معرفةً، ونزَل (١) ما بعدَ ﴿إِلَّا﴾ عليه، فيكونَ عَطْفًا، ولا يكونَ بدلًا؛ لأن الأوَّلَ مَنْفِيٌّ، والثانيَ مُثْبَتٌ، فيكونَ في النَّسَقِ، كما تقولُ: قامَ زيدٌ إلا عمرٌو. فيكونُ الثاني عطفًا على الأوَّلِ، والتأويلُ جَحْدٌ، ولا يكونُ أن يكونَ الخبرُ جَحْدًا، أو (٢) الجحدُ خبرًا. قال: وكذلك ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]. و (قليلًا). مَن نَصَب فعلى الاستثناءِ في (٣) عبادتِكم إيَّاه، ومَن رفَع فعلى العطفِ، ولا يكونُ (٤) بدلًا (٥).
وقولُه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ سِوى أبى جعفرٍ وعامةِ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ بكسر اللامِ مِن ﴿بَلِ﴾، وتَشْدِيدِ الدالِ مِن ﴿ادَّارَكَ﴾ (٦)، بمعنى: بل تَدارَكَ علمُهم. أي: تتابع علمُهم بالآخرةِ، هل هي كائنةٌ أم لا؟ ثم أُدغمت التاءُ في الدالِ، كما قيل: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. وقد بَيَّنا ذلك فيما مضَى بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه (٧).
وقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ مكةَ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (٨). بسكونِ الدالِ وفتحِ الألفِ، بمعنى: هل أدْرَك علمُهم علمَ الآخرةِ.
وكان أبو عمرِو بنُ العلاءِ يُنكِرُ - فيما ذُكر عنه - قراءةَ مَن قرَأ: (بَلْ أَدْرَكَ) (٩)
стр. 12205
ويقولُ: إن "بل" إيجابٌ، والاستفهامُ في هذا الموضعِ إنكارٌ. ومعنى الكلام إذا قُرِئ كذلك: (بل آدْرَكَ): لم يَكُنْ ذلك، لم يُدْرِكْ علمُهم في الآخرةِ. وبالاستفهامِ قرَأ ذلك ابن مُحَيْصِنٍ على الوجهِ الذي ذكرتُ أن أبا عمرٍو أنكَره.
وبنحوِ الذي ذَكَرتُ عن المكيِّين أنهم قرءوه، ذُكر عن مجاهدٍ أنه قَرأه، غيرَ أنه كان يقرأُ في موضعِ "بل": (أم).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ موسى، قال: ثنا عثمانُ (١) بنُ الأسودِ، عن مجاهدٍ أنه قرَأ: (أَمْ أَدْرَكَ عِلْمُهم) (٢).
وكان ابن عباس فيما ذُكر عنه يقرؤُه (٣) بإثباتِ ياءٍ في "بل" ثم يبتدئُ: (أدّارك)؟ بفتحِ ألفِها، على وجهِ الاستفهامِ، وتشديدِ الدالِ (٤).
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ([بلَى أدَّارَكَ] (٥) عِلْمُهم في الآخِرَةِ) أي: لم يُدرك (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ: (بَلَى أَدَّارَكَ علْمُهم في الآخرةِ) إنما هو
стр. 12206
استفهامٌ أنه لم يُدْرِكْ.
وكأن ابنَ عباسٍ وجَّه ذلك إلى أن مَخْرَجَه مَخرجَ الاستهزاءِ بالمكذِّبين بالبعثِ.
والصوابُ مِن القراءاتِ عندَنا في ذلك القراءتان اللتان ذكَرتُ إحداهما عن قرأَةِ أهلِ مكةِ والبصرةِ، وهى: (بَلْ أَدْرَكَ علمُهم) بسكونِ لامِ "بل" وفتحِ ألفِ "أدْرَك" وتخفيف دالِها. والأخرى منهما عن قرأةِ الكوفةِ، وهى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ بكسرِ اللامِ وتشديدِ الدال مِن ﴿ادَّارَكَ﴾؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ عندَنا، فأما القراءةُ التي ذكرتُ عن ابن عباسٍ، فإنها وإن كانت صحيحة المعنى والإعرابِ، فخلافٌ لِما عليه مصاحفُ المسلمين، وذلك أن في "بلى" زيادةً ياءٍ في قراءتِه (١) ليست في المصاحفِ، وهى مع ذلك قراءة لا نعلمها قرأ بها أحدٌ مِن قرأة الأمصار، وأما القراءةُ التي ذكرتُ عن ابن مُحَيْصِنٍ، فإن الذي قال فيها أبو عمرٍو قولٌ صحيحٌ؛ لأن العربَ تُحَقِّقُ بـ "بل" ما بعدَها لا تَنْفِيه، والاستفهامُ في هذا الموضعِ إنكارٌ لا إثباتٌ، وذلك أن الله قد أخبرَ عن المشركين أنهم مِن الساعةِ في شَكٍّ، فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: بل أدرَك علمُهم في الآخرةِ، فأيْقَنوها إذ عايَنوها، حينَ لم ينفعْهم يقينُهم بها، إذْ كانوا بها في الدنيا مُكَذِّبين.
стр. 12207
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ الخُراسانيُّ، عن ابن عباسٍ: (بل أَدْرَكَ عِلْمُهم). قال: بصرُهم في الآخرةِ حينَ لم ينفعْهم العلمُ والبصرُ (١).
وقال آخرون: بل معناه: بل غابَ علمُهم في الآخرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهم في الآخرةِ). يقولُ: غابَ علمُهم (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولهِ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ (٣) عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. قال: يقولُ: ضَلَّ علمُهم في الآخرةِ، فليس لهم فيها علمٌ (٤)، هم منها عَمُون.
وقال آخرون: معنى ذلك: لم يَبْلُغْ لهم فيها علمٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، عن جَدِّى، قال: ثنا
стр. 12208
الحسينُ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. قال: كان يقرؤُها: (بل أدْرَكَ عِلْمُهم في الآخرةِ). قال: لم يبلُغْ لهم فيها علمٌ، ولا يَصِلُ إليها منهم رغبةٌ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: بل أدْرَك: أم أدْرَك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: (بل أدْرَكَ عِلْمُهُم). قال: أم أدْرَك (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن مجاهدٍ: (بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ) قال: أم أدرَك علمُهم؟ مِن أين يُدْرِكُ علمُهم؟ (٣)
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريَجٍ، عن مجاهدٍ بنحوهِ.
قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ، على قراءةِ مَن قرَأ: (بَلْ أَدْرَكَ). القولُ الذي ذكَرناه عن عطاءٍ الخُرساني، عن ابن عباسٍ، وهو أن معناه إذا قُرِئ كذلك: بل (٤) وما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون، بل أدرَك علمهم نفسَ وقتِ ذلك في الآخرةِ، حينَ يُبْعَثُون، فلا ينفعُهم علمهم به حينَئِذٍ، فأما في الدنيا فإنهم منها في شكٍّ، بل هم منها عَمُون.
стр. 12209
وإنما قلتُ: هذا القولُ أُولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ، على القراءةِ التي ذَكَرتُ؛ لأن ذلك أظهرُ معانِيه. وإذ (١) كان ذلك معناه، كان في الكلامِ محذوفٌ قد اسْتُغْنِيَ بدلالةِ ما ظهَر منه عنه. وذلك أن معنى الكلامِ: وما يَشعُرون أيَّانَ يُبعثون، بل يَشعُرون ذلك في الآخرة، فالكلامُ إذا كان ذلك معناه: وما يشعرُون أيَّان يُبْعَثون، بل أدرَك علمُهم ذلك (٢) في الآخرةِ، بل هم في الدنيا في شكٍّ منها.
وأمَّا على قراءةِ مَن قرَأه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾. بكسرِ اللامِ وتشديدِ الدالِ، فالقولُ الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو أن يكون معنى "بل": أم. والعربُ تَضَعُ "أم" موضعَ بل"، وموضعَ "بل" "أم". إذا كان في أول الكلام استفهامٌ، كما قال الشاعرُ (٣):
فواللهِ ما أَدْرِى أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ … أم النومُ أم كلٌّ إلى حَبِيبُ
يعنى بذلك: بل كلٌّ إلى حبيبٌ. فيكونُ تأويلُ الكلامِ: وما يشعُرون أيَّانَ يُبْعَثون، بل تَدارَك علمُهم في الآخرةِ. بمعنى: تَتابَع علمُهم في الآخرةِ. أي: بعلمٍ الآخرةِ. أي: لم يَتَابَعْ بذلك ولم يعلَموه، بل غابَ علمُهم عنه، وضَلَّ فلم يَبْلُغوه ولم يُدْرِكوه.
وقولُه: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾. يقولُ: بل هؤلاء المُشرِكون الذين يَسْأَلُونك عن الساعةِ في شكٍّ مِن قيامِها، لا يُوقنون بها ولا يُصَدِّقون بأنهم مَبْعوثون من بعدِ الموتِ، ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾. يقولُ: بل هم مِن العلمِ بقيامِها عَمُون.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾.
стр. 12210
يقولُ تعالى ذكرُه: قال الذين كفَروا باللهِ: أئنا لمُخْرَجون مِن قبورِنا أحياءً كهَيْئتِنا، مِن بعدِ مَماتِنا، بعدَ أن كُنَّا فيها ترابًا قد بَلِينا؟
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: لقد وُعِدْنا هذا مِن قبلِ محمدٍ؛ واعِدون وعَدوا ذلك آباءَنا، فلم نَرَ لذلك حقيقةً، ولم نَتَبَيَّنْ له صحةً، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: قالوا: ما هذا الوعدُ إلا ما سَطَّر الأولون من الأكاذيب في كُتُبِهم، فأثْبَتوه فيها وتحدَّثوا به، مِن غيرِ أن يكونَ له صحةٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المُكذِّبين ما جئتَهم به مِن الأنباءِ مِن عندِ ربِّك: سِيروا في الأرضِ، فانظُروا إلى ديارِ مَن كان قبلكم مِن المُكذِّبين رسلَ اللهِ ومساكنِهم، كيف هي؟ ألم يُخْرِبُها الله، ويُهْلِكُ أهلها بتَكْذيبِهم رُسُلَهم، ورَدِّهم عليهم نصائحَهم، فخَلَتْ منهم الديارُ، وتَعَفَّت (١) منهم الرسومُ والآثارُ، فإن ذلك كان عاقبةَ إجْرامِهم، وذلك سُنَّةُ ربِّكم في كلِّ مَن سلَك سبيلَهم، في تَكْذيبِ رُسُلِ ربِّهم، واللهُ فاعلٌ ذلك بكم إن أنتم لم تُبادِروا الإنابةَ مِن كفرِكم، وتَكذيبِكم رسولَ ربِّكم.
وقولُه: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه
محمدٍ ﷺ : ولا تحزنْ على إدْبارِ هؤلاء المشركين عنك، وتَكْذيبِهم لك، ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾. يقولُ: ولا يَضِقُ صدرُك مِن مَكْرِهم بك، فإن الله ناصرك عليهم، ومُهْلِكُهم قَتْلًا بالسيفِ.
стр. 12211
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ويقولُ مُشْرِكو قومك يا محمدُ، المُكَذِّبوك فيما أتيتَهم به من عند ربِّك: متى يكونُ هذا الوعدُ الذي تعِدُناه مِن العذابِ الذي هو بِنا فيما تقولُ حالٌّ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تَعِدونَنا به؟ ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾. يقولُ ﷻ : قلْ لهم يا محمدُ: عسى أن يكونَ اقتَرب لكم ودَنا ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ مِن عذابِ اللهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾. يقولُ: اقتَرب لكم (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. يقولُ: اقْتَرَب لكم بعضُ الذي تَسْتَعْجِلون.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾. قال: ﴿رَدِفَ﴾: أعْجَل لكم (٢).
стр. 12212
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. قال: أزِفَ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾: اقْتَرب لكم (٢).
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ اللامِ في قولِه: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾. وكلامُ العربِ المعروفُ: ردِفه أمرٌ، وأرْدفه. كما يقالُ: تبِعه وأتْبَعه؛ فقال بعضُ نحويي البصرةِ: أدْخل اللامَ في ذلك، فأضاف بها الفعلَ، كما يقالُ: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]. و ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤].
وقال بعضُ نحويى الكوفةِ (٣): أدْخَل اللامَ في ذلك للمعنى؛ لأن معناه: دنا لهم. كما قال الشاعرُ:
* فقلتُ لها الحاجاتُ يَطْرَحْنَ بالفتى *
فأدْخَل الياءَ في "يَطْرَحْنَ"، وإنما يقالُ: طرَحَتْه؛ لأن معنى الطرحِ الرميُ، فأدْخَل الياءَ للمعنى، إذ كان معني ذلك: يَرْمِين بالفتى.
وهذا القولُ الثاني هو أوْلاهما عندى بالصوابِ، وقد مضَى البيانُ عن نظائرِه في غيرِ موضعٍ مِن الكتابِ، بما أغْنَى عن تِكرارِه في هذا الموضعِ (٤).
стр. 12213
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. قال: مِن العذابِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن ربَّك يا محمدُ لذو فضلٍ على الناسِ، بتركِه معاجلتَهم بالعقوبةِ، على معصيتِهم إياه وكفرِهم به، وذو إحسانٍ إليهم، في ذلك وفي غيرِه من نعمِه عندَهم، ولكن أكثرَهم لا يَشْكُرونه على ذلك؛ مِن إحسانِه وفضله عليهم، فيُخلصوا له العبادةَ، ولكنهم يُشْرِكون معه في العبادةِ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم، ومَن لا فضلَ له عندَهم ولا إحسانَ.
وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. يقولُ: وإِن رَبَّك لَيعْلمُ ضمائرَ صدورِ خلقِه، ومكنونَ أنفسِهم، وخَفِيَّ أسرارِهم، وعلانيةَ أمورِهم الظاهرةِ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك، وهو مُحْصِيها عليهم، حتى يُجازِىَ جميعَهم بالإحسانِ إحسانًا، وبالإساءةِ جزاءَها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَإِنَّ
стр. 12214
رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾. قال: السرَّ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما مِن مكتومِ سرٍّ، وخفيِّ أمرٍ، يَغِيبُ عن أبصارِ الناظرين في السماءِ والأرضِ، ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. وهو أمُّ الكتابِ الذي أثْبَت ربُّنا فيه كلَّ ما هو كائنٌ مِن لَدُنِ ابْتَدَأ خلْقَ خلقِه إلى يومِ القيامةِ.
ويعنى بقولِه: ﴿مُبِينٍ﴾. أنه يَبِينُ لمن نظَر إليه وقرَأه ما فيه مما أثْبَت فيه ربُّنا جلَّ ثناؤُه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: ما مِن شيءٍ في السماءِ والأرضِ؛ سرٌّ ولا علانيةٌ، إلا يَعْلَمُه (٢).
وقولُه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القرآنَ الذي أنْزَلْتُه إليك يا محمدُ، يَقُصُّ على بني إسرائيلَ الحقَّ في أكثرِ الأشياءِ التي اخْتَلَفوا فيها، وذلك كالذى اخْتَلَفوا فيه مِن أمرِ عيسى؛ فقالتِ اليهودُ فيه ما قالت، وقالتِ النصارى فيه ما قالت، وتبَرَّ
стр. 12215
لاختلافِهم فيه هؤلاء مِن هؤلاء، وهؤلاء مِن هؤلاء، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ التي اخْتَلَفوا فيها. فقال جلَّ ثناؤُه لهم: إن هذا القرآنَ يَقُصُّ عليكم الحقَّ فيما اخْتَلَفْتُم (١)، فاتَّبِعُوه، وأقِرُّوا لما فيه؛ فإنه يَقُصُّ عليكم بالحقِّ، ويَهْدِيكم إلى سبيلِ الرَّشادِ.
القولَ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القرآنَ ﴿لَهُدًى﴾. يقولُ: لَبيانٌ مِن اللهِ، بَيَّنَ به الحقَّ فيما اخْتَلَف فيه خلقُه مِن أمورِ دينِهم، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ورحمةٌ لمن صدَّق به وعمِل بما فيه،
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: إن ربَّكَ يَقْضِى بينَ المختلِفين مِن بني إسرائيلَ ﴿بِحُكْمِهِ﴾، فيهم، فيَنْتَقِمُ مِن المُبْطِلِ منهم، ويُجازِى المحسنَ منهم المحِقَّ (٢) بجزائِه، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: وربُّك العزيزُ في انتقامِه مِن المُبْطِلِ منهم ومِن غيرِهم، لا يَقْدِرُ أحدٌ على منعِه مِن الانتقامِ منه إذا انْتَقَم، العليمُ بالمحقِّ المحسنِ من هؤلاء المختلِفين مِن بني إسرائيلَ فيما اخْتَلَفوا فيه، ومِن غيرِهم، مِن المُبطِلِ الضالِّ عن الهدى.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ففَوِّضْ إلى اللهِ يا محمدُ أمورَك، وثِقْ به فيها؛ فإنه كافِيك، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ لمن تأمَّله وفكَّر (٣) فيه بعقلٍّ، وتدَبَّره
стр. 12216
بفهمٍ، أنه الحقُّ دونَ ما عليه اليهودُ والنصارى المختلفون مِن بني إسرائيلَ، ودونَ ما عليه أهلُ الأوثانِ المُكَذِّبوك فيما أتَيْتَهم به مِن الحقِّ. يقولُ: فلا يَحْزُنْك تكذيبُ مَن كذَّبك، وخِلافُ مَن خالَفك، وامْضِ لأمرِ ربِّك الذي بعَثَك به.
وقولُه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. يقولُ: إنك يا محمدٌ لا تَقْدِرُ أن تُفْهِمَ الحقَّ مَن طبَع اللهُ على قلبِه فأماته؛ لأن الله قد ختَم عليه ألا يَفْهَمَه، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾. يقولُ: ولا تَقْدِرُ أن تُسْمِعَ ذلك مَن أصَمَّ اللهُ عن سماعِه سَمْعَه، ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾. يقولُ: إذا هم أدْبَروا مُعْرِضِين عنه، لا يَسْمَعون له؛ لغَلَبَةِ دِينِ الكفرِ على قلوبِهم، ولا يُصغون للحقِّ ولا يَتَدَبَّرونه، ولا يُنْصِتون لقائلِه، ولكنهم يُعْرِضون عنه، ويُنكِرون القولَ به والاستماعَ له.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾.
اختَلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي﴾. بالباءِ والألفِ، وإضافتِه إلى ﴿الْعُمْيِ﴾ (١) بمعنى: لستَ يا محمدُ بهادِى مَن عمِى عن الحقِّ عن ضلالتِه.
وقرأَتْه عامةُ قرأةِ الكوفِة: (وما أنت تَهْدِى العُمْيَ). بالتاءِ. ونصبِ "العُمْى" (٢) بمعنى: ولسْتَ تَهْدِيهم عن ضلالتِهم، ولكنَّ الله يَهْدِيهم إن شاء (٣).
стр. 12217
والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُتَقارِبتا المعنى، مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ الكلامِ ما وصَفْتُ: وما أنت يا محمدُ بهادى مَن أعْماه اللهُ عن الهدى والرشادِ، فجعَل على بَصَرِه غِشاوةً عن (١) أن يَتَبيَّنَ سبيل الرشادِ عن ضلالته التي هو فيها، إلى طريقِ الرشادِ وسبيلِ الرشادِ.
وقولُه: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: ما تَقْدِرُ أَن تُفْهِمَ الحقَّ وتوعيَه سَمْعَ (١) أحدٍ، إلا سَمْعَ مَن يُصَدِّقُ ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يعنى: بأدلتِه وحججِه وآيِ تنزيلِه، ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾. فإن أولئك يَسْمَعون. منك ما تقولُ ويَتَدَبَّرونه، ويُفَكِّرون (٢) فيه، ويَعْمَلُون به، فهم الذين يَسْمَعون.
ذكرُ مَن قال مثلَ الذي قلنا في قولِه تعالى: ﴿وَقَعَ﴾ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: قولَه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. قال: حَقَّ عليهم (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: إذا وجَب القولُ عليهم (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:
стр. 12218
﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. قال: حقَّ العذابُ. قال ابن جريجٍ: القولُ: العذابُ.
ذكرُ مَن قال قولَنا في معنى ﴿الْقَوْلُ﴾
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾: والقولُ: الغَضبُ (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامٍ، عن حفصةَ، قالت: سألتُ أبا العاليةِ عن قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. فقال: أَوْحَى اللهُ إلى نوحٍ أنه لن يُؤْمِنَ مِن قومِك إلا مَن قد آمَن. قالت (٢): فكأنما كان على وجهى غطاءٌ فكُشِف (٣).
وقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: خروجُ هذه الدابةِ التي ذكَرَها حينَ لا يَأْمُرُ النَّاسُ بمعروفٍ ولا يَنْهَوْن عن منكر.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن عطيةَ العوفيِّ، عن ابن عمرَ في قولِه (٤): ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: هو حينَ لا يَأْمُرون بمعروفٍ، ولا يَنْهَوْن عن منكرٍ (٥).
стр. 12219
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ الحسنِ أبو الحسنِ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائِيُّ، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: ذاك إذا تُرِك الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: حينَ لا يَأْمُرون بالمعروفِ ولا يَنْهَوْن عن المنكرِ.
[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو المقدسيُّ، قال: ثنا أشعثُ بنُ عبدِ اللهِ السَّجِسْتانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: إذا لم يَعْرفوا معروفًا ولم يُنْكِروا منكرًا.
وذُكِر أن الأرضَ التي تَخْرُجُ منها الدابةُ مكةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشْجَعيُّ، عن فُضَيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن
стр. 12220
ابن عمرَ، قال: تَخْرُجُ الدابةُ مِن صَدْعٍ في الصفا كجَرْيِ الفرسِ ثلاثةَ أيامٍ، وما خرَج ثلثُها (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن الفُرَاتِ القَزَّازِ، عن عامرِ بن واثلةَ (٢) أبي الطُّفَيلِ، عن حذيفةَ بن أسِيدٍ (٣) الغِفاريِّ قال: إن الدابةَ حينَ تَخْرُجُ يَراها بعضُ الناسِ فيقولون: واللهِ لقد رأيْنا الدابةَ. حتى يَبْلُغَ ذلك الإمامَ، فيَطْلُبَ فلا يَقْدِرَ على شيءٍ. قال: ثم تَخْرُجُ فيراها الناسُ، فيقولون: والله لقد رأيْناها، فيَبْلُغُ ذلك الإمامَ، فيَطْلُبُ فلا يَرَى شيئًا، فيقولُ: أما إنى [إن أخذتُ] (٤) الذي يَذْكُرُها. قال: حتى يَعِدَ فيها القتلَ، قال: فتَخْرُجُ، فإذا رأها الناسُ دخَلوا المسجدَ يُصَلُّون، فتجيءُ إليهم فتقولُ: الآن تُصَلُّون! فتَخْطِمُ الكافرَ، وتَمْسَحُ على جبين المسلمِ غُرَّةً. قال: فيَعِيشُ الناسُ زمانًا، يقول هذا: يا مؤمنُ، ويقولُ (٥) هذا: يا كافرُ (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عثمانُ بنُ مطرٍ، عن واصلٍ مولى أبي عُيَيْنَةَ، عن أبي الطُّفَيْلِ، عن حذيفةَ، وأبو (٧) سفيانَ، ثنا عن معمرٍ، عن قيسِ بن