← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12216–12255 · переход к 12221.

стр. 12216

بفهمٍ، أنه الحقُّ دونَ ما عليه اليهودُ والنصارى المختلفون مِن بني إسرائيلَ، ودونَ ما عليه أهلُ الأوثانِ المُكَذِّبوك فيما أتَيْتَهم به مِن الحقِّ. يقولُ: فلا يَحْزُنْك تكذيبُ مَن كذَّبك، وخِلافُ مَن خالَفك، وامْضِ لأمرِ ربِّك الذي بعَثَك به. وقولُه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. يقولُ: إنك يا محمدٌ لا تَقْدِرُ أن تُفْهِمَ الحقَّ مَن طبَع اللهُ على قلبِه فأماته؛ لأن الله قد ختَم عليه ألا يَفْهَمَه، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾. يقولُ: ولا تَقْدِرُ أن تُسْمِعَ ذلك مَن أصَمَّ اللهُ عن سماعِه سَمْعَه، ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾. يقولُ: إذا هم أدْبَروا مُعْرِضِين عنه، لا يَسْمَعون له؛ لغَلَبَةِ دِينِ الكفرِ على قلوبِهم، ولا يُصغون للحقِّ ولا يَتَدَبَّرونه، ولا يُنْصِتون لقائلِه، ولكنهم يُعْرِضون عنه، ويُنكِرون القولَ به والاستماعَ له. القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾. اختَلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي﴾. بالباءِ والألفِ، وإضافتِه إلى ﴿الْعُمْيِ﴾ (١) بمعنى: لستَ يا محمدُ بهادِى مَن عمِى عن الحقِّ عن ضلالتِه. وقرأَتْه عامةُ قرأةِ الكوفِة: (وما أنت تَهْدِى العُمْيَ). بالتاءِ. ونصبِ "العُمْى" (٢) بمعنى: ولسْتَ تَهْدِيهم عن ضلالتِهم، ولكنَّ الله يَهْدِيهم إن شاء (٣).

стр. 12217

والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُتَقارِبتا المعنى، مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ الكلامِ ما وصَفْتُ: وما أنت يا محمدُ بهادى مَن أعْماه اللهُ عن الهدى والرشادِ، فجعَل على بَصَرِه غِشاوةً عن (١) أن يَتَبيَّنَ سبيل الرشادِ عن ضلالته التي هو فيها، إلى طريقِ الرشادِ وسبيلِ الرشادِ. وقولُه: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: ما تَقْدِرُ أَن تُفْهِمَ الحقَّ وتوعيَه سَمْعَ (١) أحدٍ، إلا سَمْعَ مَن يُصَدِّقُ ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يعنى: بأدلتِه وحججِه وآيِ تنزيلِه، ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾. فإن أولئك يَسْمَعون. منك ما تقولُ ويَتَدَبَّرونه، ويُفَكِّرون (٢) فيه، ويَعْمَلُون به، فهم الذين يَسْمَعون. ذكرُ مَن قال مثلَ الذي قلنا في قولِه تعالى: ﴿وَقَعَ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: قولَه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. قال: حَقَّ عليهم (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: إذا وجَب القولُ عليهم (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:

стр. 12218

﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. قال: حقَّ العذابُ. قال ابن جريجٍ: القولُ: العذابُ. ذكرُ مَن قال قولَنا في معنى ﴿الْقَوْلُ﴾ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾: والقولُ: الغَضبُ (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامٍ، عن حفصةَ، قالت: سألتُ أبا العاليةِ عن قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾. فقال: أَوْحَى اللهُ إلى نوحٍ أنه لن يُؤْمِنَ مِن قومِك إلا مَن قد آمَن. قالت (٢): فكأنما كان على وجهى غطاءٌ فكُشِف (٣). وقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: خروجُ هذه الدابةِ التي ذكَرَها حينَ لا يَأْمُرُ النَّاسُ بمعروفٍ ولا يَنْهَوْن عن منكر. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن عطيةَ العوفيِّ، عن ابن عمرَ في قولِه (٤): ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: هو حينَ لا يَأْمُرون بمعروفٍ، ولا يَنْهَوْن عن منكرٍ (٥).

стр. 12219

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ الحسنِ أبو الحسنِ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائِيُّ، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: ذاك إذا تُرِك الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن عطيةَ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: حينَ لا يَأْمُرون بالمعروفِ ولا يَنْهَوْن عن المنكرِ. [حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو المقدسيُّ، قال: ثنا أشعثُ بنُ عبدِ اللهِ السَّجِسْتانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: إذا لم يَعْرفوا معروفًا ولم يُنْكِروا منكرًا. وذُكِر أن الأرضَ التي تَخْرُجُ منها الدابةُ مكةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشْجَعيُّ، عن فُضَيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن

стр. 12220

ابن عمرَ، قال: تَخْرُجُ الدابةُ مِن صَدْعٍ في الصفا كجَرْيِ الفرسِ ثلاثةَ أيامٍ، وما خرَج ثلثُها (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن الفُرَاتِ القَزَّازِ، عن عامرِ بن واثلةَ (٢) أبي الطُّفَيلِ، عن حذيفةَ بن أسِيدٍ (٣) الغِفاريِّ قال: إن الدابةَ حينَ تَخْرُجُ يَراها بعضُ الناسِ فيقولون: واللهِ لقد رأيْنا الدابةَ. حتى يَبْلُغَ ذلك الإمامَ، فيَطْلُبَ فلا يَقْدِرَ على شيءٍ. قال: ثم تَخْرُجُ فيراها الناسُ، فيقولون: والله لقد رأيْناها، فيَبْلُغُ ذلك الإمامَ، فيَطْلُبُ فلا يَرَى شيئًا، فيقولُ: أما إنى [إن أخذتُ] (٤) الذي يَذْكُرُها. قال: حتى يَعِدَ فيها القتلَ، قال: فتَخْرُجُ، فإذا رأها الناسُ دخَلوا المسجدَ يُصَلُّون، فتجيءُ إليهم فتقولُ: الآن تُصَلُّون! فتَخْطِمُ الكافرَ، وتَمْسَحُ على جبين المسلمِ غُرَّةً. قال: فيَعِيشُ الناسُ زمانًا، يقول هذا: يا مؤمنُ، ويقولُ (٥) هذا: يا كافرُ (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عثمانُ بنُ مطرٍ، عن واصلٍ مولى أبي عُيَيْنَةَ، عن أبي الطُّفَيْلِ، عن حذيفةَ، وأبو (٧) سفيانَ، ثنا عن معمرٍ، عن قيسِ بن

стр. 12221

سعدٍ، عن أبي الطُّفَيْلِ، عن حذيفةَ بن أسِيدٍ في قولِه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: للدابة ثلاثُ خَرَجاتٍ؛ خرْجةٌ في بعضِ البَوادِى ثم تَكْمُنُ، وخَرْجةٌ في بعضِ القُرَى، حتى (١) يُهَرِيقَ فيها الأمراءُ الدماءَ، ثم تَكْمُنُ، فبينا الناسُ عندَ أشرفِ (٢) المساجدِ وأعظمِها وأفضلِها، إذ ارْتَفَعَت بهم الأرضُ، فانْطَلَق الناسُ هُرَّابًا، وتَبَقَّى طائفةٌ مِن المؤمنين، ويقولون: إنه لا يُنْجِينا مِن اللهِ شيءٌ. فتَخْرُجُ عليهم الدابةُ تَجْلُو وجوهَهم مثلَ الكوكبِ الدُّرِّيِّ، ثم تَنْطَلِقُ فلا يُدْرِكُها طالبٌ، ولا يَفوتُها هاربٌ، وتأْتى الرجلَ يُصَلِّي فتقولُ: واللهِ ما كنتَ من أهلِ الصلاةِ. فيَلْتَفِتُ إليها فتَخْطِمُه، قال: تَجْلو وجهَ المؤمنِ، وتَخْطِمُ الكافرَ. قلنا: فما للناسِ يومَئذٍ؟ قال: جِيرانٌ في الرِّباعِ، وشركاءُ في الأموالِ، وأصحابٌ في الأسْفارِ (٣). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ (٤)، عن الوليدِ بن جُمَيْعٍ، عن عبدِ الملكِ (٥) بن المغيرةِ، عن عبدِ الرحمنِ بن البَيْلمانيِّ، عن ابن عمرَ: يَبِيتُ الناسُ يَسِيرون إلى جَمْعٍ (٦)، وتبيتُ دابةُ الأرضِ تُسايرُهم، فيُصبحون وقد خَطَمَتْهم مِن

стр. 12222

رأسِها وذَنَبِها، فما مِن (١) مؤمنٍ إلا مَسَحَتْه، ولا مِن كافرٍ ولا منافقٍ إلا تَخْبِطُه (٢). حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الجُرَيْرِيُّ (٣)، عن حَيَّانَ بن عُمَيرٍ، عن حسانَ بن حِمَّصَةَ، قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو (٤) يقولُ: لو شئتُ لانْتَعَلْتُ بنَعْلَيَّ هاتين، فلم أمَسَّ الأرضَ قاعدًا حتى أقِفَ على الأحْجارِ التي تخرُجُ الدابةُ مِن بينِها، ولكأني بها قد خرَجَت في عَقِبِ رَكْبٍ مِن الحاجِّ، قال: فما حَجَجْتُ قَطُّ إِلا خِفْتُ تخرُجُ بِعَقِبِنا (٥). حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن هشامٍ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عطاءٍ، قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو، وكان منزلُه قريبًا مِن الصَّفا، رفَع قَدَمَهُ وهو قائمٌ، وقال: لو شئتُ لم أضَعُها حتى أضَعَها على المكانِ الذي تخرُجُ منه الدابةُ. حدَّثنا عصام بن روادِ بن الجراحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ الثَّوْرِيُّ، قال: ثنا منصورُ بنُ المُعْتَمِر، عن رِبْعِيِّ بن حِراشٍ (٦)، قال: سمعتُ حُذيفةَ

стр. 12223

ابنَ اليَمانِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ ، يقولُ (١) وذكَر الدابةَ، فقال حُذَيفةُ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، مِن أين تخرُجُ؟ قال: "مِن أعظمِ المساجدِ حرمةً على اللهِ، بينَما عيسى يَطُوفُ بالبيتِ ومعه المسلمون، إذ تضطرِبُ الأرضُ تحتَهم، تُحَرِّكُ القِنْديلَ، ويَنْشَقُّ الصَّفا مما يَلِى المَسْعَى، وتخرجُ الدَّابةُ مِن الصَّفا، أولَ ما يَبْدُو رأسُها مُلَمَّعَةً ذاتَ وَبَرٍ ورِيشٍ، لن (٢) يُدْرِكَها طالبٌ، ولن (٣) يَفُوتَها هارِبٌ، تَسِمُ الناسَ؛ مؤمنٌ وكافرٌ، أما المؤمنُ فتتركُ وَجْهَه كأنه كوكبٌ دُرَّيٌّ، وتكتبُ بينَ عينَيه: مؤمنٌ (٤)، وأما الكافرُ فتَنْكُتُ بينَ عينَيه نُكْتَةً سوداءَ: كافرٌ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو الحسينِ، عن حمادِ بن سَلَمةَ، عن عليّ بن زيدِ بن جُدْعَانَ، عن أوسِ بن خالدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "تخرُجُ الدَّابَّةُ معها خاتمُ سليمانَ، وعَصا موسى، فتَجْلُو وَجْهَ المؤمِنِ بالعصَا، وتَخْتِمُ (٦) أنْفَ الكافرِ بالخاتمِ، حتى إن أهلَ البيتِ ليَجْتَمِعون، فيقولُ هذا: يا مؤمنُ. ويقولُ هذا: يا كافرُ" (٧).

стр. 12224

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سُفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: هي دابةٌ ذاتُ زَغَبٍ وريشٍ، ولها أربعُ قوائمَ، تخرُجُ مِن بعضِ أوْديةِ تِهامَةَ (١). قال: و (٢) قال عبدُ اللِه بنُ عمرَ: إنها تَنْكُتُ في وَجْهِ الكافِرِ نُكْتَةً سوداءَ، فتَفْشُو في وَجْهِه، فيَسْوَدُّ وَجْهُه، وتَنْكُتُ في وَجْهِ المؤمنِ نُكْتةً بيضاءَ، فتَفْشُو في وَجْهِه، حتى يَبْيَضَّ وجهُه، فيجلِسُ أهلُ البيتِ على المائدةِ، فيعرِفون المؤمنَ مِن الكافرِ، ويَتبايَعون في الأسواقِ، فيعرِفون المؤمنَ مِن الكافرِ (٣). حدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ (٤) البَرْقيُّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا ابن لَهيعةَ ويحيى بنُ أيوبَ، قالا: ثنا ابن الهادِ، عن عمرَ (٥) بن الحكمِ، أنه سمعَ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو يقولُ: تخرجُ الدابةُ مِن شِعْبٍ، فيَمَسُّ رأسُها السَّحابَ، ورِجْلاها في الأرضِ ما خرَجَتا، فتَمُرُّ بالإنسانِ يصلِّى، فتقولُ: ما الصلاةُ مِن حاجتِك. فتَخْطِمُه (٦). حدَّثنا صالحُ بنُ مِسْمارٍ، قال: ثنا ابن أبي فُدَيكٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ عياضٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، أنه بلَغه عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: تخرجُ دابةُ الأرضِ

стр. 12225

ومعها خاتمُ سليمانَ، وعصا موسى، فأما الكافرُ فتَخْتِمُ بينَ عينَيه بخاتمِ سليمانَ، وأما المؤمنُ فتَمْسَحُ وجْهَه بعَصا موسى فيَبيضُّ. واختلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بضَمِّ التاءِ وتشديدِ اللامِ، بمعنى: تُخبرُهم وتحدِّثُهم. وقرَأه أبو زُرْعةَ بنُ عمرٍو: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بفتحِ التاءِ وتخفيفِ اللامِ، بمعنى: تَسِمُهم (١). والقراءةُ التي لا أستجيزُ غيرَها في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: تحدِّثُهم (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾: وهى في بعض القراءةِ: (تحدِّثُهم أن الناسَ كانوا بآياتِنا لا يوقِنون) (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن

стр. 12226

عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾. قال: كلامُها: (تُنَبَّئُهم أن الناس كانوا بآياتِنا لا يُوقِنون) (١). وقولُه: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. اختَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرأتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ والشامِ: (إِنَّ النَّاسَ) بكسرِ الألفِ مِن "إن" (٢) على وَجْهِ الابتداءِ بالخبرِ عن الناسِ أنهم كانوا بآياتِ اللهِ لا يُوقِنُون. وهى وإن كُسرت في قراءةِ هؤلاء، فإن الكلامَ لها مُتَناوِلٌ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة وبعضُ أهل البصرة: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا﴾ بفتحِ ﴿أَنَّ﴾ (٣). بمعنى: تُكلِّمُهم بأن الناسَ. فيكونُ حينَئذٍ نصبًا بوقوعِ الكلامِ عليها. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قِراءتان (٤) مُتقارِبتا المعنى، مُسْتفيضتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ (٥). القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ نَجْمَعُ مِن كلِّ قرنٍ وملةٍ ﴿فَوْجًا﴾. يعنى: جماعةً منهم وزُمْرةً، ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: ممَّن يُكَذِّبُ بأدلتِنا وحُجَجِنا، فهو

стр. 12227

يَحْبِسُ أوَّلَهم على آخرِهم؛ ليَجْتَمِعَ جميعُهم، ثم يُساقُون إلى النارِ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. يعنى: الشِّيعةَ عندَ الحشْرِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾. قال: زُمرةً (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾. قال: زُمرةً زُمرةً، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: يقولُ: فهم يُدْفَعون (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: يُحْبَسُ أَوَّلُهم على آخرِهم (٣).

стр. 12228

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: وَزَعةٌ تَرُدُّ أُولَاهم على أُخْرَاهم (١) وقد بَيَّنْتُ معنى قولِه: ﴿يُوزَعُونَ﴾. فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حتى إذا جاء مِن كلِّ أمةٍ فوجٌ ممن يُكذِّبُ بآياتِنا، فاجْتَمَعوا، قال اللهُ لهم (٣): ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ أي: بحُجَجِى وأدِلَّتى، ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾. يقولُ: ولم تَعْرِفوها حقَّ مَعْرِفتِها، ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيها (٤)؛ مِن تكذيبٍ أو تصديقٍ؟ القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ووجَب السَّخَطُ والغَضَبُ مِن اللهِ على المكذِّبين بآياتِه ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾. يَعْنى: بتَكْذيبِهم بآياتِ اللهِ، يومَ يُحْشَرون، ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾. يقولُ: فهم لا يَنْطِقون بحُجَّةٍ يَدْفَعون بها عن أنفسِهم عظيمَ ما حلَّ بهم، ووقَع عليهم مِن القولِ. وقولُه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يرَ

стр. 12229

هؤلاء المكذِّبون بآياتِنا تَصْرِيفَنا الليلَ والنهارَ، ومُخالَفَتنا بينَهما؛ بتصْييرِنا هذا سَكَنًا لهم يَسْكُنون فيه ويَهْدَءُون، لراحةِ (١) أبدانِهم مِن تَعَبِ التصرُّفِ والتقلُّبِ نهارًا، وهذا مُضِيئًا يُبْصِرون فيه الأشياءَ ويُعاينونها، فيتَقلَّبون فيه لمعايشِهم، فيتَفَكَّروا في ذلك ويَتَدبَّروا، ويَعْلَموا أن مُصَرِّفَ ذلك كذلك هو الإلهُ الذي لا يُعْجِزُه شيءٌ، ولا يَتَعذَّرُ عليه إماتةُ الأحياءِ، وإحياءُ الأمواتِ بعدَ المماتِ، كما لم يتَعذَّرْ عليه الذَّهابُ بالنهارِ والمَجيءُ بالليلِ، والمَجئُ بالنهارِ والذَّهابُ بالليلِ، مع اختلافِ أحْوالِهما، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في تَصْييرِنا الليلَ سَكنًا والنهارَ مُبْصِرًا، لدَلالةً لقومٍ يُؤمنون باللهِ، على قدرتِه على ما آمنوا به مِن البَعْثِ بعدَ الموتِ، وحجةً لهم على توحيدِ اللهِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. وقد ذكَرْنا اختلافَهم فيما مضى، وبيَّنا الصوابَ مِنَ القولِ في ذلك عندَنا بشَواهدِه (٢)، غيرَ أنَّا نَذْكرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم يُذْكرْ هناك من الأخبارِ؛ فقال بعضُهم: هو قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه. ذِكْرُ بعضِ مَن لمْ يُذْكرْ فيما مضَى قبلُ من الخبرِ عن ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن

стр. 12230

مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. قال: كهيئةِ البُوقِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الصُّورُ البُوقُ. قال: هو البوقُ، صاحبُه آخذٌ به، يَقْبِضُ قَبْضَتَينْ بكَفَّيْه على طَرَفِ القرنِ، بينَ طرَفِه وبينَ فِيهِ قَدْرُ قَبْضَةٍ (٢) أو نحوها، قد برَك على رُكْبَةِ إحدى رجليْه، فأشار، فبرَك على رُكْبةِ يَسارِه مُقْعِيًا على قَدَمِهَا، عَقِبُها تحتَ فَخِذِه وألْيَتِه، وأطرافُ أصابِعِها في الترابِ (٣). قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: الصُّورُ كهيئةِ القَرْنِ، قد حَجَن (٤) إحدى رُكْبَتَيْه إلى السماءِ، وخفَض الأخرى، لم يُلقِ جفونَ عَينيْه (٥) على غُمْضٍ (٦) منذُ خلَق اللهُ السماواتِ، مَسْتعِدًا مُسْتَجِدًّا، قد وضَع الصُّورَ على فِيهِ يَنْتَظُرُ متى يُؤْمَرُ أَن يَنْفُخَ فِيه. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بن (٧) رافعٍ المدنيِّ، عن يزيدَ بن زيادٍ - قال أبو جعفرٍ: والصوابُ يزيدُ بنُ أبي زيادٍ - عن محمدِ بن كعبٍ القُرَضَى، عن رجلٍ مِن الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، أنه قال لرسولِ الله ﷺ : يا رسولَ اللهِ، ما الصُّورُ؟ قال: "قَرْنٌ". قال: وكيف هو؟ قال:

стр. 12231

"قرنٌ عظيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثلاثُ نَفَحَاتٍ؛ الأُولى، نَفْحَةُ الفَزَعِ، والثانيةُ، نفخةُ الصَّعْقِ، والثالثةُ، نَفْخةُ القيامِ للهِ ربِّ العالمين، يَأْمُرُ الله إسرافيلَ بالنفخةِ الأولى، فيقولُ: انْفُخُ نفخةَ الفَزَعِ. فيَنْفُخُ نفخةَ الفَزَعِ، فيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأَرضِ، إلا مَن شاء اللهُ، ويَأْمُرُه اللهُ فيَمُدُّ بها ويُطَوَّلُها، فلا يَفْتُرُ، وهى التي يقولُ اللهُ: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]. فيُسَيرُ اللهُ الجبالَ، فتكونُ سرَابًا، وتُرَجُّ الأرضُ بأهلِها رَجًّا، وهى التي يقولُ اللهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٨]. فتكونُ الأرضُ كالسفينةِ المُوثقَةِ في البحرِ، تَضْرِبُها الأمواجُ، تَكَفَّأُ بأهلِها، أو كالقِنْديلِ المُعَلَّقِ بالوَتَرِ، تَرَجَّحُه الأرْياحُ، فتَمِيدُ الناسُ على ظهرِها، فتَذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَواملُ، وتَشِيبُ الوِلْدانُ، وتَطيرُ الشياطينُ هاربةً، حتى تَأْتىَ الأقْطارَ، فتَتَلَقَّاها الملائكةُ، فتَضْرِبُ، وجوهَها، فتَرْجِعُ، ويُوَلِّي الناسُ مُدْبِرين، يُنادِى بعضُهم بعضًا، وهو الذي يقولُ اللهُ: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣]. فبينَما هم على ذلك إذ تصَدَّعَتِ الأرضُ مِن قُطْرِ إلى قُطْرٍ، فرَأَوْا أمرًا عظيمًا، فأخَذَهم لذلك مِن الكربِ ما اللهُ أعلمُ به، ثم نظَروا إلى السماء، فإذا هي كالمُهْلِ، ثم خُسِف شمسُها وقمرُها، وانْتَثَرَتْ نُجُومُها، ثم كُشِطَت عنهم". قال رسولُ اللهِ ﷺ : "والأمواتُ لا يَعْلَمون بشيءٍ مِن ذلك". فقال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، فمَن اسْتَثْنَى اللهُ حينَ يقولُ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾؟ قال: "أولئك الشهداءُ، وإنما يَصِلُ الفَزَعُ إلى الأحياءِ، أولئك أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرْزَقون، وقاهم اللهُ فَزَعَ ذلك اليومِ وآمَنهم، وهو عذابُ اللهِ يَبْعَثُه على شِرارِ خلقِه" (١).

стр. 12232

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، [قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ] (١)، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ رافعٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن الله ﵎ لما فرَغ مِن السماواتِ والأرضِ خلق الصُّورَ، فأعْطاه مَلَكًا، فهو واضعُه على فِيه، شاخصٌ ببصرهِ إلى العرشِ يَنْتَظِرُ متى يُؤْمَرُ". قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، وما الصُّورُ؟ قال: "قرنٌ". قال: قلتُ: فكيف هو؟ قال: "عظيمٌ، والذي نفسي بيدِه، إن عِظَمَ دائرةٍ فيه (٢) لكعرضِ السماواتِ والأرضِ، يَأْمُرُه فَيَنْفُخُ نفخةَ الفزعِ، فيَفْرَعُ أهلُ السماواتِ والأرضِ إلا منَ شاء اللهُ" (٣). ثم ذَكَر (٤) باقيَ الحديثِ نحو حديثِ أبي كُرَيْبٍ، عن المُحارِبيِّ، غيرَ أنه قال في حديثِه: "كالسفينةِ المُرْفَأةِ في البحرِ". وقال آخرون: [بل معنى ذلك: ونُفِخ في صورِ الخلْقِ] (٥). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. أي: في الخلْقِ (٦). قولُه: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يقولُ: ففزِع مَن في

стр. 12233

السماواتِ من الملائكةِ، ومَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ والشياطينِ، مِن هَوْلِ ما يُعاينون ذلك اليومَ. فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَفَزِعَ﴾، فجعل "فزِع"، وهى "فَعَل" مردودةً على ﴿يُنْفَخُ﴾، وهى "يَفْعَلُ"؟ قيل: العربُ تَفْعَلُ ذلك في المواضعِ التي تَصْلُحُ فيها "إذا"؛ لأن "إذا" يَصْلُحُ معها "فعل" و"يَفْعَلُ"، كقولِك: أزُورُك إذا زُرْتَنى. و: أَزُورُكَ إِذا تَزُورُني. فإذا وُضِع مكانَ "إذا" (١) "يوم"، أُجْرِى مُجرَى "إذا". فإن قيل: فأين جوابُ قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾؟ قيل: جائزٌ أن يكونَ مُضْمَرًا مع الواوِ، كأنه قيل: ووقَع القولُ عليهم بما ظلَموا فهم لا ينطِقون، وذلك يومَ يُنْفَخُ في الصورِ. وجائزٌ أن يكونَ متروكًا، اكْتُفِى بدَلالةِ الكلامِ عليه منه، كما قيل: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٦٥] فتُرِك جوابُه. وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. قيل: إن الذين اسْتَثْناهم اللهُ في هذا الموضعِ مِن أن يَنالَهم الفزعُ يومَئذِ، الشهداءُ، وذلك أنهم أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرْزَقون، وإن كانوا في عِدادِ الموتى عندَ أهلِ الدنيا. وبذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وقد ذكَرْناه في الخبرِ الماضي. وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ، عمَّن حدَّثه، عن أبي هريرةَ، أنه قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. قال: هم الشهداءُ (٢). وقولُه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. يقولُ: وكلٌّ أَتَوْه صاغِرِين.

стр. 12234

وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. يقولُ: صَاغِرِين (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ قال: صاغرين (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. قال: الداخرُ: الصاغرُ الراغمُ. قال: لأن المرءَ الذي يَفْزَعُ، إذا فزِع إنما هِمَّتُه الهربُ مِن الأمرِ الذي فزِع منه. قال: فلما نُفِخ في الصورِ فزِعوا، فلم يَكُنْ لهم مِن اللهِ مَنْجًى (٣). واختَلَفَت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾. فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: (وكلٌّ آتُوه). بمدِّ الألفِ مِن (آتُوه). على مثالِ "فاعِلوه" (٤)، سوى ابن مسعودٍ، فإنه قرَأه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾. على مثالِ "فعَلُوه". واتَّبعه على القراءةِ به المتأخرون؛ الأعمشُ وحمزةُ (٥).

стр. 12235

واعْتلَّ الذين قرَءوا ذلك على مثالِ "فاعِلُوه" بإجماعِ القرأةِ على قولِه: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ [مريم: ٩٥]. قالوا: فكذلك قولُه: (آتُوه) في الجمعِ. وأما الذين قرَءوا على قراءةِ عبدِ اللهِ، فإنهم ردُّوه على قولِه: ﴿فَفَزِعَ﴾. كأنهم وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: ويومَ يُنْفَخُ في الصورِ ففزِع من في السماواتِ ومن في الأرضِ، وأتَوه كلُّهم داخرين. كما يقالُ في الكلامِ: [رآني ففَرَّ] (١) وعاد وهو صاغرٌ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٢) (٨٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَى الجبالَ يا محمدُ يومَئِذٍ تَحْسَبُها قائمةً، وهى تَمرُّ. كالذى حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾. يقولُ: قائمةً (٣). وإنما قيل: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ لأنها تُجمَعُ، ثم تَسيرُ، فيَحْسَبُ رائيها لكثرتِها أنها واقفةٌ، وهي تَسِيرُ سيرًا حثيثًا، كما قال الجَعْدِيُّ (٤):

стр. 12236

بأَرْعَنَ (١) مثل الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم … وُقوفٌ لحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ (٢) قولُه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: وأَوْثَقِ خلقَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: أَحْكَم كلَّ شيءٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: أَحْسَن كلَّ شيءٍ خلقه وأوْثَقه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قال: أَتْرَصَ (٥) كلَّ شيءٍ وسوَّى (٦).

стр. 12237

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَتْقَنَ﴾: أَتْرَصَ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ [قولَه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قال: أحسنَ كلَّ شيءٍ (١). وقولُه] (٢): (إنَّهُ خَبِيرٌ بما يفعلُون). يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله ذو علمٍ وخبرةٍ بما يَفْعَلُ عبادُه مِن خيرٍ وشرٍّ، وطاعةٍ له ومعصيةٍ، وهو مُجازى جميعِهم على جميعٍ ذلك؛ على الخيرِ الخيرَ، وعلى الشرِّ الشرَّ نظيرَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَن جاء الله بتوحيدِه والإيمانِ به، وقولِ: لا إلهَ إلا اللهُ. مُوقِنًا به قلبُه، فله مِن هذه الحسنةِ عندَ اللهِ خيرٌ يومَ القيامةِ، وذلك الخيرُ أن يُثِيبَه اللهُ منها الجنةَ، ويُؤَمِّنَه مِن فَزَعِ الصَّيْحةِ الكبرى، وهى النفخُ في الصورِ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. يقولُ: ومَن جاء بالشركِ به يومَ يَلْقاه، وجُحودِ وَحْدانيتِه، ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ في نارِ جهنمَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنى الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، قال: ثنا

стр. 12238

يحيى بنُ أيوبَ البَجَليُّ، قال: سمِعْتُ أبا زرعةَ، قال: قال أبو هريرةَ - قال يحيى: أحْسَبُه عن النبيِّ ﷺ قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾. قال: وهى لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. قال: وهى الشرْكُ (١). حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا أبو يحيى الحِمَّانيُّ، عن النضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾. قال: مَن جاء بـ: لا إله إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. قال: بالشركِ. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. يقولُ: مَن جاء بـ: لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. وهو الشركُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: بالشركِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: كلمةِ الإخلاصِ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾.

стр. 12239

قال: الشركِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (٢). قال ابن جريجٍ: وسمعْتُ عطاءً يقولُ فيها: الشركِ. يعنى في قولِه: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي المُحَجَّل، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: كان يَحْلِفُ ما يَسْتَثْنى، أن ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. قال: الشركِ (٥). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصٌ، قال: ثنا سعدُ (٦) بنُ سعيدٍ، عن عليّ بن

стр. 12240

الحسينِ - وكان رجلًا غَزَّاءً - قال: بينا هو في بعض خَلَواتِه، حتى رفَع صوتَه: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يُحْيى ويُمِيتُ، بيدِه الخيرُ، وهو على كلَّ شيءٍ قديرٌ. قال: فردَّ عليه رجلٌ: ما تقولُ يا عبدَ اللهِ؟ قال: أقولُ ما تَسْمَعُ. قال: أما إنها الكلمةُ التي قال اللهُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: الإخلاصِ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. يعنى: الشركِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ومن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ. يقولُ: الشركِ (٤). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. قال: السيئةُ الشركُ، الكفرُ (٥). حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ،

стр. 12241

قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: السيئةُ الشركُ (١). قال الحكمُ: قال عكرمةُ: كلُّ شيءٍ في القرآنِ السيئةُ فهو الشركُ. وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا: فمنها وصل إليه الخيرُ. يعنى ابن عباسٍ بذلك: مِن الحسنةِ وصَل إلى الذي جاء بها، الخيرُ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا [حبيبُ بنُ] (٣) الشهيدِ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. قال: له منها. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ قال: مَن جاء بـ: لا إلهَ إلا اللهُ، فلهُ (٤) منها خيرٌ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. يقولُ: له منها حظٌّ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿مَنْ جَاءَ

стр. 12242

بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. قال: له منها خيرٌ، فأما أن يكون له (١) خيرٌ من الإيمانِ فلا، ولكن منها (٢) خيرٌ: يُصِيبُ منها خيرًا (٣). حدَّثنا سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. قال: ليس شيءٌ خيرًا من لا إلهَ إلا الله، ولكن له مِنها خيرٌ (٤). وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. قال: أعطَاه اللهُ بالواحدةِ عشرًا، فهذا خيرٌ منها (٥). واختلفتِ القرآةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾. فقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرةِ: (وَهُمْ مِن فَزَعِ يَوْمِئِذٍ آمَنُون) بإضافةِ (فَزَعِ) إلى "اليومِ" (٦). وقرَأ ذلك جماعةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾. بتنوين ﴿فَزَعٍ﴾ (٧). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنّهما قراءتان مشهورتانِ في قرَأةِ الأمصارِ، متقاربَتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أَنَّ الإِضافةَ أعجبُ

стр. 12243

إليَّ؛ لأنَّه فَزَعٌ معلومٌ. وإذا كان ذلك كذلك كان معرفةً، على أن ذلك في سياقِ قولِه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. فإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه عُنِى بقولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾. مِن الفَزَعِ الذي قد جَرَى ذكرُه قبلَه. وإذا كان (١) كذلك، كان لا شكَّ أنه مَعْرفةٌ، وأَنَّ الإضافةَ إذا كان مَعْرفةً، به أولى مِن تركِ الإضافةِ، وأُخرى، أنَّ ذلك إذا أُضِيفَ فهو أبينُ أنَّه خبرٌ عن أمانِه مِن كلِّ أهوالِ ذلك اليومِ، منه إذا لم يُضَفْ ذلك، وذلك أنه إذا لم يُضَفْ كان الأغلبَ عليه أنه جعَل الأمانَ من فزعِ بعضِ أهوالِه. وقولُه: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ لهم: هل تُجزونَ أَيُّها المشركون إلا ما كنتم تَعْمَلون، إذ كَبَّكمُ اللهُ لوجوهِكم في النارِ، وإلَّا جزاءَ ما كنتم تَعْمَلون في الدنيا بما يُسْخِطُ ربَّكم. وتَرَك: يقالُ لهم. اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يا محمدُ، قُلْ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾. وهى مكةُ، الذي حرَّمها على خلقِه أن يَسْفِكُوا فيها دمًا حرامًا، أو يَظْلِموا فيها أحدًا، أو يُصادَ صيدُها، أو يُخْتَلَى خَلاها، دونَ الأوثانِ التي تعبدُونها أيها المشركون. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12244

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: يعنى مكةَ (١). وقولُه: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: ولربِّ هذه البلدةِ الأشياءُ كلُّها مِلْكًا، فإيَّاه أُمِرْتُ أن أعبدَ، لا مَن لا يملكُ شيئًا. وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾. فخصَّها بالذِّكرِ دونَ سائرِ البلدانِ، وهو ربُّ البلادِ كلِّها؛ لأنَّه أراد تعريفَ المشركين مِن قومِ رسولِ اللهِ ﷺ ، الذين هم أهلُ مكةَ - بذلك نعمتَه عليهم، وإحسانَه إليهم، وأنَّ الذي يَنْبَغى لهم أن يَعبدُوه هو الذي حرَّم بلَدَهم، فمنَع الناسَ منهم، وهم في سائرِ البلادِ يأكل بعضُهم بعضًا، ويَقْتلُ بعضُهم بعضًا، لا مَن لم تَجْرِ له عليهم نعمةٌ، ولا يَقْدرُ لهم على نفع ولا ضرٍّ. وقولُه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وأَمرنى ربِّي أَن أُسْلِمَ وجْهِى له حنيفًا، فأكونَ من المسلمين الذين دانُوا بدينِ خليلِه إبراهيمَ وجدِّكم أيها المشركون، لا من خالف دينَ جدِّه المحقِّ، ودان دينَ إبليسَ عدوِّ اللهِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قلْ: إنما أُمرتُ أن أعبدَ ربَّ هذه البلدةِ، وأنْ أكونَ من المسلمين، ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى﴾. يقولُ: فمَن اتَّبَعَنى وآمَن بي وبما

стр. 12245

جئتُ به، فسلَك طريقَ الرشادِ، ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: فإِنما يَسْلُكُ سبيلَ الصوابِ، باتِّباعِه إيَّاى، وإيمانِه بى، وبما جئتُ به - لنفسِه؛ لأنه بإيمانِه بي، وبما جئتُ به، يأمنُ نقمتَه في الدنيا، وعذابَه في الآخرةِ. وقولُه: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾. يقولُ: ومَن جار عن قصدِ السبيلِ، بتكذيبِه بي، وبما جئتُ به مِن عندِ اللهِ، ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقلْ يا محمدُ لِمَن ضلَّ عن قصدِ السبيلِ، وكذَّبك، ولم يصدِّقْ بما جئتَ به مِن عندى إنما أنا ممَّن يُنْذِرُ قومَه عذابَ اللهِ وسخَطَه، [على مَعْصيتِهم إيَّاه، وقد أنذَرْتُكم ذلك معشرَ كفارِ قُريشٍ، فإنْ قَبِلْتُم وانتَهَيْتُم عما يكرَهُه اللهُ مِنكم من الشركِ به] (١)، فحظوظَ أنفسِكم تُصيبون، وإن رَدَدْتُم وكذَّبْتُم، فعلى أنفسِكم جَنَيْتُم، وقد بلَّغتُكم ما أُمِرتُ بإبلاغه إيَّاكم، ونصحتُ لكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : و (٢) قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين لك من مشركي قومِك: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؟ [النمل: ٧١]: الحمدُ للهِ على نعمتِه علينا، بتوفيقِه إيَّانا للحقِّ الذي أنتم عنه عَمُون، سيُريكم ربُّكم آياتِ عذابه وسَخَطِه، فتَعْرِفون بها حقيقةَ نُصْحى كان لكم، ويَتَبَيَّنُ صدقُ ما دعَوْتُكم إليه من الرشادِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12246

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدٌ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾. قال: في أنفسِكم، وفي السماءِ والأرضِ والرزقِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾. قال: في أنفسِكم والسماءِ والأرضِ والرزقِ. وقولُه: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما ربُّك يا محمدُ بغافلٍ عمَّا يَعملُ هؤلاءِ المشركون، ولكن لهم أَجَلٌ هم بالِغُوه، فإذا بلَغوه، فلا يَسْتَأْخِرون ساعةً ولا يَسْتَقدمون. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: فلا يَحْزُنك تكْذيبُهم إيَّاك، فإنى مِن وراءِ إهلاكِهم، وإنى لهم بالمرصادِ، فأيْقِنْ لنفسِك بالنصرِ، ولعدوِّك بالذلِّ والخِزْى. آخرُ تفسيرِ سورةِ "النملِ" [وللهِ الحمدُ والمِنَّةُ، وبه الثِّقةُ والعِصمةُ] (٢)

стр. 12247

تفسيرُ سورةِ القصصِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢)﴾. قال أبو جعفرٍ: قد بَيَّنا فيما مضَى قبلُ تأويلَ قولِ اللهِ : ﴿طسم﴾. وذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في تأويلِه (١). وأما قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. فإنه يَعنى: هذه آياتُ الكتابِ الذي أنزَلتُه إليك يا محمدُ، المُبِينُ أنه من عندِ اللهِ، وأنك لم تَتَقَوَّلْه ولم تَتَخَرَّصْه. وكان قتادةُ فيما ذُكِر عنه يقولُ في ذلك ما حدَّثني بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. يَعنى: مُبِينٌ واللهِ بركتَه ورُشده وهداه (٢). وقولُه: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾. يقولُ: نَقْرأُ عليك ونَقُصُّ في هذا القرآنِ من خبرِ موسى وفرعونَ بالحقِّ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: في هذا القرآنِ نَبَؤُهم (٣).

стр. 12248

وقولُه: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: لقومٍ يُصَدِّقون بهذا الكتابِ؛ ليَعْلَموا أن ما نَتْلُو عليك من نَبئهم فيه نَبَؤُهم، وتَطْمَئِنَّ نفوسُهم بأن سُنَّتَنا في من خالَفَك وعاداك من المشركين سنّتُنا في من عادَى موسى ومن آمن به من بنى إسرائيلَ، من فرعونَ وقومِه؛ أن نُهْلِكَهم كما أهْلَكناهم، ونُنْجِيَهم منهم كما أنجيناهم منهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: إن فرعونَ تَجَبَّر في أرضِ مصرَ وتَكَبَّر، وعلا أهلَها وقهَرَهم، حتى أقَرُّوا له بالعُبُودةِ. كما حدَّثنا موسى (١) بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: تَجَبَّر في الأرضِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي: بغَى في الأرضِ (٣). وقولُه: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. يعنى بالشِّيَعِ الفِرَقَ. يقولُ: وجعَل أهلَها فِرَقًا متفرِّقين. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلَ

стр. 12249

أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. أي: فِرَقًا؛ يُذَبِّحُ طائفةً منهم، ويَسْتَحْيِي طائفةً، ويُعَذِّبُ طائفةً، ويَسْتَعْبِدُ طائفةً، قال الله : ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١). حدَّثني موسى بنُ هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان من شأنِ فرعونَ أنه رأى رؤيا في منامِه، أن نارًا أَقْبَلتْ من بيتِ المقدسِ حتى اشتَمَلتْ على بُيوتِ مصرَ، فأحرَقَتِ القِبْطَ، وتركت بني إسرائيلَ، وأحرَقت بيوتَ مصرَ، فدَعا السحرةَ والكهنةَ والقافَةَ والحازَةَ، فسألهم عن رُؤياه، فقالوا له: يَخْرُجُ من هذا البلدِ الذي جاء بنو إسرائيلَ منه - يَعْنُون بيتَ المقدس - رجلٌ يكونُ على وجْهِه هلاكُ مصرَ. فأَمَر ببنى إسرائيلَ ألَّا يُولَدَ لهم غلامٌ إلا ذبَحوه، ولا تُولَدَ لهم جاريةٌ إلا تُركَت، وقال للقِبْطِ: انظُروا مَمْلُوكِيكم الذين يَعْمَلون خارجًا فأدْخِلوهم، واجْعَلوا بني إسرائيلَ يَلُون تلك الأعمالَ القذرة. فجعَل بني إسرائيلَ في أعمالِ غِلمانِهم، وأدْخَلوا غلمانَهم، فذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. يعنى بنى إسرائيلَ، حينَ جعَلهم في الأعمالِ القذرةِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. قال: فَرَّق بينَهم (٣).

стр. 12250

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾. قال: فِرَقًا. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قولِه: وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا. قال: الشِّيَعُ الفِرَقُ (١). وقولُه: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾. ذُكِر أن استضعافَه إياها كان استعبادَه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: يَسْتَعْبِدُ طائفةً منهم، ويُذَبِّحُ طائفةً، ويُقَتِّلُ طائفةً، ويَسْتَحْيِي طائفةً (٢). وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: إنه كان ممن يُفْسِدُ في الأرضِ؛ بقتلِه من لا يَسْتَحِقُّ منه القتلَ، واستعبادِه من ليس له استعبادُه، وتَجَبُّرِه في الأرضِ على أهلِها، وتَكَبُّرِه على عبادةِ ربِّه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ وقوله: ﴿وَنُرِيدُ﴾. عطفٌ على قولِه: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾. ومعنى الكلامِ: إن فرعونَ علا في الأرضِ، وجعَل أهلَها من بني إسرائيلَ فِرَقًا، يَسْتَضْعِفُ طائفةً منهم، ونحن نُرِيدُ أن نَمُنَّ على الذين استَضْعَفهم فرعونُ في الأرضِ من بنى إسرائيلَ، ونَجْعَلَهم أئمةً.

стр. 12251

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: بنو إسرائيلَ (١). وقولُه: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾. أي (٢): وُلاةً وملوكًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾. أي: ولاةَ الأمرِ (٣). وقولُه: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. يقولُ: ونَجْعَلَهم وُرّاثَ آلِ فرعونَ، يَرثُون الأرضَ مِن بعدِ مَهْلِكهم (٤). وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. أي: يَرِثُون الأرضَ بعدَ فرعونَ وقومِه (٥).

стр. 12252

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. يقولُ: يَرِثون الأرضَ بعدَ فرعونَ (١). وقولُه: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ونُوَطِّئَ لهم في أرضِ الشامِ ومصرَ، ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾. كانوا قد أُخبروا أن هلاكَهم على يدِ رجلٍ من بني إسرائيلَ، فكانوا مِن ذلك على وَجلٍ منهم؛ ولذلك كان فرعونُ يُذَبِّحُ أبناءهم، ويَستَحْيى نساءَهم، فأَرَى اللهُ فرعونَ وهامانَ وجنودَهما (٢) من بنى إسرائيلَ، على يدِ موسى بن عِمرانَ نبيِّه، ما كانوا يَحْذَرُونه منهم؛ من هلاكِهم، وخرابِ منازلِهم ودُورِهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾: شيئًا ما حَذِر القومُ. قال: وذُكِر لنا أن حازيًا حَزَا لعدوِّ اللهِ فرعونَ، فقال: يُولَدُ في هذا العامِ غلامٌ من بني إسرائيلَ، يَسْلُبُك ملكَك. فتَتَبَّعَ أبناءَهم ذلك العامَ، يُقَتِّلُ أبناءَهم، ويَستَحْيى نساءَهم؛ حَذرًا مما قال له الحازِى (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: كان لفرعونَ رجلٌ ينْظُرُ له ويُخبِرُه - كأنه (٤) يعني أنه (٥) كاهنٌ - فقال له: إنه يُولَدُ في هذا العامِ غلامٌ يَذْهَبُ مُلْكِكم. فكان فرعونُ يُذَبِّحُ أبناءَهم، ويَسْتَحْيى

стр. 12253

نساءَهم حذرًا. فذلك قولُه: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (١). واختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأةِ الحجازِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفيين: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾. بمعنى: ونُرِيَ نحن. بالنونِ عطفًا بذلك على قولِه: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ﴾ (٢). وقرأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ الكُوفَةِ: (ويَرَى فِرْعَوْنُ). على أن الفعلَ لفرعونَ، بمعنى: ويُعاينَ فرعونُ. بالياءِ من "يَرَى"، ورَفْعِ "فرعونَ" و"هامان" و"الجنودِ" (٣). والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ، متقاربَتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القَرَأَةِ، فبأيَّتهما قرأ القارئُ فهو مصيبٌ؛ لأنه معلومٌ أن فرعونَ لم يكنْ لِيَرَى من موسى ما رأى إلا بأن يُرِيَه اللهُ منه، ولم يكنْ لِيُريَه اللهُ تعالى ذكرُه ذلك منه إلا رآه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأوْحيْنا إلى أُمِّ موسى حينَ ولَدت موسى أن أرْضِعيه. وكان قتادةُ يقولُ في معنى ذلك: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾: قذَفنا في قلبِها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ

стр. 12254

مُوسَى﴾: وحيًا جاءَها من اللهِ، فقَذَف في قلبِها - وليس يوحي نبوةٍ - أن أرْضِعى موسى، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ الآية (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾. قال: قذَف في نفسِها (٢). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أمرَ فرعونُ أن يُذْبَحَ مَن وُلِد من بنى إسرائيلَ سنةً، ويُترْكوا سنةً، فلما كان في السنةِ التي يَذْبَحون فيها حمَلت بموسى، فلما أرادت وضعَه، حَزنت من شأنِه، فأَوْحَى اللهُ إليها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٣). واختَلَف أهلُ التأويلِ في الحالِ التي أُمِرَتْ أُمُّ موسى أن تُلْقِيَ موسى في اليَمِّ؛ فقال بعضُهم: أُمِرَتْ أن تُلْقِيَه فيه بعدَ ميلادِه بأربعةِ أشهرٍ، وذلك حالَ طلبِه من الرَّضاع أكثرَ مما يَطْلُبُ الصبيُّ بعد حالِ سقوطِه من بطنِ أمِّه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾. قال: إذا بلَغ أربعةَ أشهرٍ وصاح، وابْتَغَى من الرَّضاعِ أكثرَ من ذلك، ﴿فَأَلْقِيهِ﴾ حينَئذٍ ﴿فِي الْيَمِّ﴾. فذلك قولِه: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ (٤).

стр. 12255

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، قال: لم يَقُلْ لها: إذا وَلَدتيه فألْقِيه في اليَمِّ. إنما قال لها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾. بذلك أُمِرَت. قال: جعَلَتْه في بستانٍ، فكانت تَأتِيه كلَّ يومٍ فتُرْضِعُه، وتَأتِيه كلَّ ليلةٍ فَتُرْضِعُه، فيَكْفِيه ذلك. وقال آخرون: بل أُمِرَت أن تُلْقِيَه في اليَمِّ بعدَ وِلادِها إياه وبعدَ رَضاعِها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما وضَعتْه أرْضَعتُه، ثم دعَت له نجارًا، فجعَل له تابوتًا، وجعَل مِفتاحَ التابوتِ من داخلٍ، وجعَلَتْه فيه، وألقَتْه في اليَمِّ (١). وأَولَى قولٍ قيل في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أمَر أمَّ موسى أن تُرْضِعَه، فإذا خافت عليه من عدوِّ اللهِ فرعونَ وجندِه أَن تُلْقِيَه في اليَمِّ. وجائزٌ أن تكونَ خافَتْهم عليه بعدَ أشهرٍ من وِلادِها إياه. وأيُّ ذلك كان، فقد فعَلَت ما أَوْحَى اللهُ إليها فيه، ولا خبرَ قامت به حجةٌ، ولا [في فطرةِ] (٢) العقلِ بيانُ (٣) أيِّ ذلك كان من أيٍّ، فأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يقالَ كما قال جلَّ ثناؤُه. واليَمُّ الذي أُمِرَت أن تُلْقيَه فيه هو النيلُ. كما حدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾. قال: هو البحرُ، وهو النيلُ (٤).
следующие страницы →