← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الموضِعِ (١). وإنما اختَرنا هذا التأويلَ؛ لأن المتَّبِعَةَ ما تَلَتْه الشياطينُ في عهدِ سليمانَ وبعدَه، إلى أن بعَث اللهُ نبيَّه بالحقِّ، [من السحرةِ لم تَزَلْ] (٢) في اليهودِ، ولا دلالةَ في الآيةِ أن اللهَ أراد بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾. بعضًا منهم دونَ بعضٍ، إذ كان جائزًا فصيحًا في كلامِ العربِ إضافةُ ما وصَفنا مِن اتِّباعِ أسلافِ المُخبَرِ عنهم بقولِه: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ). إلى أخلافِهم بعدَهم، ولم يكنْ بخصوصِ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ أثرٌ منقولٌ، ولا حجةٌ تدلُّ عليه، فكان الواجبُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: كلُّ مُتَّبِعٍ ما تَلَتْه الشياطينُ على عهدِ سليمانَ مِن اليهودِ داخلٌ في معنى الآيةِ. على النحوِ الذى قلنا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾. ويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿مَا تَتْلُو﴾: الذى تَتلو. فتأويلُ الكلامِ إذن: واتَّبَعوا الذى تَتلو الشياطينُ. واختلَف [أهلُ التأويلِ] (٣) في تأويلِ قولِه: ﴿تَتْلُو﴾، فقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿تَتْلُو﴾: تُحدِّثُ وتَروِى وتتكلَّمُ به وتخبِرُ، نحوَ تلاوةِ الرجلِ القرآنَ، وهى قراءتُه. ووجَّه قائلو هذا القولِ تأويلَهم ذلك إلى أن الشياطينَ هى التى علَّمت الناسَ السحرَ ورَوَته لهم.

стр. 1227

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال: كانت الشياطينُ تستَمِعُ الوحىَ، فما سمِعوا مِن كلِمةٍ زادوا فيها مائتين مثلَها، فأرسَل سليمانُ إلى ما كتَبوا مِن ذلك (١)، فلما توفِّى سليمانُ وجَدَتْه الشياطينُ فعلَّمَته الناسَ، وهو السحرُ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. قال (٣): مِن الكهانةِ والسحرِ. قال (٣): وذُكِر لنا، واللهُ أعلمُ، أن الشياطينَ ابتَدعتْ كتابًا فيه سحرٌ وأمرٌ عظيمٌ، ثم أفشَوْه في الناسِ وعلَّموهم إيَّاه (٤). وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: قولُه: ﴿مَا تَتْلُو﴾. قال: نُراه ما تُحدِّثُ (٥). وحدَّثنى سَلْمُ (٦) بنُ جُنادةَ السُّوائىُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انطلَقت الشياطينُ في الأيامِ التى ابتُلى فيها سليمانُ، فكتبَتْ فيها كتبًا فيها سحرٌ وكفرٌ، ثم دفَنوها تحتَ كرسىِّ

стр. 1228

سليمانَ، ثم أخرَجوها فقرَءوها على الناسِ (١). وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿مَا تَتْلُو﴾: ما [تتَّبِعُ وتأتمُّه] (٢) وتعمَلُ به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا [الحسينُ بنُ عمرِو بنِ محمدٍ العَنْقزىُّ] (٣)، قال: حدَّثنا أبى، عن أسباطَ، عن السدىِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَتْلُو﴾. قال: تتَّبِعُ (٤). وحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأودىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن سفيانَ الثورىِّ، عن منصورٍ، عن أبى رزينٍ مثلَه. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخبَر عن الذين أخبَر عنهم أنهم اتَّبعوا ما تَتلوا الشياطينُ على عهدِ سليمانَ؛ باتباعِهم ما تَلَته الشياطينُ. ولقولِ القائلِ: هو يتلو كذا. في كلامِ العربِ معنيان: أحدُهما: الاتِّباعُ، كما يقالُ: تَلوتُ فلانًا. إذا مشَيْتَ خلفَه وتبِعتَ أَثرَه، كما قال جلَّ ثناؤه: (هُنالِك تَتْلُو (٥) كلُّ نفسٍ ما أسلَفَتْ) [يونس: ٣٠]. يعنى بذلك: تتَّبِعُ. والآخرُ: القراءةُ والدراسةُ، كما يقالُ: فلانٌ يَتلو القرآنَ. بمعنى أنه يقرَؤه ويدرُسُه، كما قال حسانُ بنُ ثابتٍ (٦): نَبىٌّ يَرى ما لا يَرى الناسُ حولَه … ويَتْلو كتابَ اللهِ في كلِّ مَشهَدِ

стр. 1229

ولم يخبرْنا اللهُ تعالى ذكرُه بأىِّ مَعْنَيَىِ (١) التلاوةِ كانت تلاوةُ الشياطينِ الذين تَلَوْا ما تَلَوْه مِن السحرِ على عهدِ سليمانَ، بخبرٍ يقطَعُ العذرَ، وقد يجوزُ أن تكونَ الشياطينُ تَلَت ذلك دراسةً وروايةً وعملًا به (٢)، فتكونَ كانت له (٢) متَّبِعةً (٣) بالعملِ، ودِراسةً (٤) بالروايةِ، فاتَّبعتِ اليهودُ منهاجَها في ذلك فعمِلتْ به ورَوَته. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾: في ملكِ سليمانَ. وذلك أن العربَ تضَعُ "فى" موضعَ "على"، و "على" (٥) موضعَ "فى". مِن ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. يعنى به: على جذوعِ النخلِ، وكما يقالُ: فعلتُ كذا في عهدِ كذا، وعلى عهدِ كذا. بمعنًى واحدٍ. وبما قلنا فى (٦) ذلك كان ابنُ جريجٍ وابنُ إسحاقَ يقولان في تأويلِه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. يقولُ: في ملكِ سليمانَ (٧). وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ في قولِه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. أى: فى ملكِ سليمانَ (٨).

стр. 1230

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. إن قال لنا قائلٌ: وما هذا الكلامُ مِن قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. ولا خبرَ مضَى (١) قبلُ عن أحدٍ أنه أضاف الكفرَ إلى سليمانَ، بل إنما ذكَر اتباعَ مَن اتبعَ مِن اليهودِ ما تَلَته الشياطينُ، فما وجهُ نفىِ الكفرِ عن سليمانَ بعقبِ الخبرِ عن اتباعِ مَن اتبعَ (٢) الشياطينَ في العملِ بالسحرِ وروايتِه مِن اليهودِ؟ قيل: وجهُ ذلك أن الذين أضاف اللهُ جلّ ثناؤُه إليهم اتباعَ ما تلَته الشياطينُ على عهدِ سليمانَ من السحرِ والكفرِ من اليهودِ، نسَبوا ما أضافه الله تعالى ذكرُه إلى الشياطينِ من ذلك إلى سليمانَ بنِ داودَ، وزعَموا أن ذلك كان مِن عملِه (٣) وروايتِه، وأنه إنما كان يستعبِدُ من كان (٤) يستَعبِدُ من الإنسِ والجنِّ والشياطينِ وسائرِ خلقِ اللهِ بالسحرِ (٥)، فحسَّنوا بذلك -من ركوبِهم ما حرَّم اللهُ عليهم مِن السحرِ- لأنفسِهم عندَ من كان جاهلًا بأمرِ اللهِ ونهيِه، وعندَ من كان لا علمَ له بما أنزَل اللهُ فى ذلك مِن التوراةِ. وتبرَّأ -بإضافةِ ذلك إلى سليمانَ- من سليمانَ، وهو نبىُّ اللهِ صلى الله عليه، منهم بشرٌ، وأنكَروا أن يكونَ كان للهِ رسولًا، وقالوا: بل كان ساحرًا. فبرَّأ اللهُ جلَّ ثناؤُه سليمانَ بنَ داودَ من السحرِ والكفرِ عندَ من كان منهم يَنْسِبُه إلى السحرِ والكفرِ، لأسبابٍ ادَّعَوْها عليه قد ذكَرنا بعضَها قبلُ، وسنذكُرُ

стр. 1231

باقىَ ما حضَرَنا ذكرُه منها، وأكذَبَ الآخرين الذين كانوا يعمَلون بالسحرِ، مُتَزيِّنِين عندَ أهلِ الجهلِ في علمِهم (١) ذلك بأن سليمانَ كان يعمَلُه، فنفَى اللهُ عن سليمانَ ﵇ أن يكونَ كان ساحرًا أو كافرًا، وأعلَمهم أنهم إنما اتَّبَعوا في عملِهم بالسحرِ ما تَلته الشياطينُ في عهدِ سليمانَ، دونَ ما كان سليمانُ يأمُرُهم به (٢) مِن طاعةِ اللهِ، واتِّباعِ ما أمَرهم به في كتابِه الذى أنزَله على موسى صلى اللهُ عليه. ذكرُ الدّلالةِ (٣) على صحةِ ما قلنا من الأخبارِ والآثارِ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان سليمانُ يتَتبَّعُ ما في أيدى الشياطينِ من السحرِ، فيأخُذُه فيدفِنُه تحتَ كرسيِّه في بيتِ خَزائنِه (٤)، فلم تقدِرِ الشياطينُ أن يصِلوا إليه، فدنَت (٥) إلى الإنسِ فقالوا لهم: أتريدون العلمَ الذى كان سليمانُ يسخِّرُ به الشياطينَ والرياحَ وغيرَ ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه فى بيتِ خَزائنِه (٤) وتحتَ كرسيِّه. فاستَثارته الإنسُ فاستَخرَجوه فعمِلوا به، فقال أهلُ الحِجا (٦): كان سليمانُ يعمَلُ بهذا، وهذا سحرٌ. فأنزَل اللهُ على لسانِ نبيِّه محمدٍ ﷺ براءةَ سليمانَ فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية. [فأبرَأ اللهُ] (٧) سليمانَ على لسانِ نبيِّه ﷺ (٨).

стр. 1232

حدَّثنى أبو السائبِ السُّوائىُّ، قال: حدّثناه أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الذى أصاب سليمانَ بنَ داودَ فى سببِ أناسٍ من أهلِ امرأةٍ يقال لها: جَرادَةُ. وكانت مِن أكرمِ نسائِه عليه، قال: فكان هَوَى سليمانَ أن يكونَ الحقُّ لأهلِ الجَرادَةِ فيَقْضِىَ لهم، فعوقِب حينَ لم يكنْ هواه فيهم واحدًا. قال: وكان سليمانُ إذا أراد أن يدخُلَ الخلاءَ، أو يأتىَ شيئًا مِن نسائِه، أعطَى الجَرادَةَ خاتَمَه، فلما أراد اللهُ أن يَبْتَلِىَ سليمانَ بالذى ابتَلاه به، أعطَى الجَرادَةَ ذاتَ يومٍ خاتَمَه، فجاء الشيطانُ فى صورةِ سليمانَ فقال لها: هاتى خاتمى. فأخَذه فلبِسه، فلما أُلبسه دانتْ له الشياطينُ والجنُّ والإنسُ. قال: فجاء سليمانُ فقال: هاتى خاتمى. فقالت: كذَبتَ لسْتَ سليمانَ. قال: فعرَف سليمانُ أنه بلاءٌ ابتُلِى به. قال: فانطلَقت الشياطينُ فى تلك الأيامِ فكتَبتْ كُتُبًا فيها سحرٌ وكفرٌ، ثم دفَنوها تحتَ كرسىِّ سليمانَ، ثم أخرَجوها فقرءوها على الناسِ، وقالوا: إنما كان سليمانُ يغلِبُ الناسَ بهذه الكتبِ. قال: فبرِئ الناسُ مِن سليمانَ وأكفَروه حتى بعَث اللهُ محمدًا ﷺ ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. يعنى: الذى كتَب الشياطينُ مِن السحرِ والكفرِ، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. فأنزَل اللهُ عذرَه (١). وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصنعانىُّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عمرانَ بنَ حُدَيرٍ (٢)، عن أبى مِجْلَزٍ، قال: أخَذ سليمانُ من كلِّ دابةٍ عهدًا،

стр. 1233

فإذا أصِيب رَجلٌ فسُئل (١) بذلك العهدِ، خُلِّى (٢) عنه، فزاد (٣) الناسُ السَّجعَ والسحرَ وقالوا: هذا كان يعمَلُ به سليمانُ. فقال اللهُ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٤). وحدَّثنا ابنُ (٥) حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عمرانَ، [وهو عمرانُ] (٦) بنُ الحارثِ، قال: بينا نحن عندَ ابنِ عباسٍ، إذ جاءه رجلٌ فقال له ابنُ عباسٍ: مِن أين جئتَ؟ قال: مِن العراقِ. قال: مِن أيِّه؟ قال: مِن الكوفةِ. قال: فما الخبرُ؟ قال: ترَكتُهم يتحدَّثون أن عليًّا خارجٌ إليهم. ففزِع [ثم قال] (٧): ما تقولُ لا أبا لك! لو شعَرنا ما نكَحنا نساءَه، ولا قسَّمنا ميراثَه، أمَا [إنى سأُحدِّثُكم عن] (٨) ذلك، إنَّه كانت الشياطينُ يَستَرِقون السمع مِن السماءِ، فيجِئُ (٩) أحدُهم بكلمةِ حقٍّ قد سمِعها، فإذا جُرِّبَ (١٠) منه صِدْقٌ، كذَب معها سبعين كِذْبةً. قال: فيُشرِبُها قلوبَ الناسِ، فأطلَع اللهُ عليها سليمانَ فدفَنها تحتَ كرسيِّه، فلمّا توفِّى سليمانُ قام شيطانٌ بالطريقِ فقال: ألَا أدلُّكم على كَنزِه المُمَنَّعِ الذى لا كنزَ له (١١) مثلُه؟

стр. 1234

تحتَ الكرسىِّ. فأخرَجوه فقالوا: هذا سحرٌ. فتَناسَخها الأممُ -حتى بَقاياها (١) ما يتحدَّثُ به أهلُ العراقِ- فأنزَل اللهُ عذرَ سليمانَ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢). وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا، واللهُ أعلمُ، أن الشياطينَ ابتَدعَت كتابًا فيه سحرٌ وأمرٌ عظيمٌ، ثم أفشَوْه فى الناسِ وعلَّموهم (٣) إياه، فلما سمِع بذلك سليمانُ نبىُّ اللهِ، تتَبَّع (٤) تلك الكتبَ، فأتَى بها فدفَنها تحتَ كرسيِّه، كراهيةَ أن يَتَعَلَّمَها الناسُ، فلمَّا قبَض اللهُ نبيَّه سليمانَ، عمَدت الشياطينُ فاستَخرَجوها مِن مكانِها التى كانت فيه فعلَّموها الناسَ، فأخبَروهم أن هذا علمٌ كان يكتُمُه سليمانُ ويستأثِرُ به، فَعَذَرَ اللهُ (٥) سليمانَ وبرَّأه مِن ذلك، فقال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (٦). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كتَبت الشياطينُ كتُبًا فيها سحرٌ وشركٌ، ثم دفَنتْ تلك الكتبَ تحتَ كرسىِّ سليمانَ، فلما مات استَخرجَ الناسُ تلك الكتبَ فقالوا: هذا علمٌ كتَمَناه سليمانُ. فقال اللهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٧).

стр. 1235

وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا [الحسينُ، قال: حدَّثنى] (١) حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية (٢). قال: كانت الشياطينُ تستَمِعُ الوحىَ من السماءِ، فما سمِعوا مِن كلِمةٍ زادوا فيها مثلَها، وإن سليمانَ أخَذ ما كتَبوا مِن ذلك فدفَنه تحت كرسيِّه، فلما توفِّى وجَدَته الشياطينُ فعلَّمَته الناسَ (٢). وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن أبى بكرٍ، عن شهرِ بنِ حَوْشبٍ، قال: لمَّا سُلِب سليمانُ مُلكَه، كانتِ الشياطينُ تكتُبُ السحرَ فى غَيْبةِ سليمانَ، فكتَبَت: مَن أراد أن يأتىَ كذا وكذا، فليستَقبِلِ الشمسَ ولْيقلْ كذا وكذا، ومن أراد أن يفعَلَ كذا وكذا، فليستَدبِرِ الشمسَ ولْيقلْ كذا وكذا. فكتَبَتْه وجعلَتْ عُنوانَه: هذا ما كتَب آصَفُ بنُ بَرْخِيَا للملكِ سليمانَ بنِ داودَ مِن ذخائرِ كنوزِ العلمِ. ثم دفَنَته تحتَ كرسيِّه، فلما مات سليمانُ قام إبليسُ خطيبًا فقال: يا أيُّها الناسُ، إن سليمانَ لم يكنْ نبيًّا، إنما كان ساحرًا، فالتَمِسوا سحرَه فى متاعِه وبيوتِه. ثم دلَّهم على المكانِ الذى دُفِن فيه، فقالوا: واللهِ لقد كان سليمانُ ساحرًا، هذا سحرُه، بهذا تعبَّدَنا، وبهذا قهَرَنا. فقال المؤمنون: بل كان نبيًّا مؤمنًا. فلما بعَث اللهُ النبىَّ ﷺ ، جعَل يذكُرُ الأنبياءَ حتى ذكَر داودَ وسليمانَ، فقالتِ اليهودُ: انظُروا إلى محمدٍ، يخلِطُ الحقَّ بالباطلِ، يذكُرُ سليمانَ مع الأنبياءِ، وإنما كان ساحرًا يركَبُ الريحَ. فأنزَل اللهُ عذرَ سليمانَ، فقال (٣): ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الآية (٤).

стр. 1236

وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدثنا سلمةُ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾: وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ -فيما بلَغنى- لمَّا ذكَر سليمانَ بنَ داودَ فى المرسَلين، قال بعضُ أحبارِ يهودَ: ألَا تعجَبون مِن محمدٍ، يزعُمُ أن ابنَ داودَ كان نبيًّا، واللهِ ما كان إلا ساحرًا. فأنزَل اللهُ فى ذلك مِن قولِهم: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. أى: باتباعِهم السحرَ، [وعملِهم] (١) به، ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (٢). فإذ (٣) كان الأمرُ فى ذلك ما وصَفنا، وتأويلُ قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. ما ذكَرنا، فبيِّنٌ (٤) أن فى الكلامِ متروكًا، ترِك ذكرُه اكتفاءً بما ذكِر منه، وأن معنى الكلامِ: واتَّبَعوا ما تَتْلو الشياطينُ مِن السحرِ على مُلْكِ سليمانَ، فتُضِيفُه إلى سليمانَ، وما كفَر سليمانُ فيعمَلَ بالسحرِ، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا يعلِّمون الناسَ السحرَ. وقد كان قتادةُ يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. على [نحوِ ما ذكرْنا] (٥). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن

стр. 1237

قتادةَ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: ما كان عن مشورتِه، ولا عن رضًا منه، ولكنه شيءٌ افتَعَلَته الشياطينُ دونَه (١). وقد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على اختلافِ المختلِفين فى معنى: ﴿تَتْلُو﴾. وتوجيهِ مَن وجَّه ذلك إلى أنه (٢) بمعنى "تلَت"، إذ كان الذى قبلَه خبرًا ماضيًا، وهو قولُه: ﴿تَتْلُو﴾. وتوجيهِ الذين وجَّهوا ذلك إلى خلافِ ذلك، وبيَّنا فيه وفى نظيرِه الصوابَ مِن القولِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه فى هذا الموضِعِ (٣). وأمَّا معنى قولِه: ﴿مَا تَتْلُو﴾. فإنه: بمعنى: الذى تتلو، وهو السحرُ. كما (٤) حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. أى: السحرَ. ولعلَّ قائلًا أن يقولَ: أوَ ما كان السحرُ إلا أيامَ سليمانَ؟ قيل له: بل (٥) قد كان ذلك قبلَ ذلك، وقد أخبرَ اللهُ عن سَحَرةِ فرعونَ بما (٦) أخبرَ عنهم، وقد كانوا قبلَ سليمانَ، وأخبرَ عن قومِ نوحٍ أنهم قالوا لنوحٍ إنه ساحرٌ. فإن (٧) قال: فكيف أخبرَ عن اليهودِ أنهم اتبَعوا ما تَلَته الشياطينُ فى (٨) عهدِ

стр. 1238

سليمانَ، [دون الخبرِ عنهم أنهم اتَّبَعوا ما تَلَته الشياطينُ من ذلك أيامَ نوحٍ وأيامَ موسى؟ قيل: إنما أخبَر اللهُ بذلك، تعالى ذكرُه، عن اتِّباعِهم ما تَلَتْهُ الشياطينُ على عهدِ سليمانَ] (١)؛ لأنهم أضافوا ذلك إلى سليمانَ -على ما قد قدَّمنا البيانَ عنه- فأراد اللهُ تعالى ذكرُه تَبرئةَ سليمانَ مما نَحَلُوه وأضافوا إليه مما كانوا وجَدوه، إما فى خزائنِه (٢) وإما تحتَ كرسيِّه، على ما جاءت به الآثارُ التى قد ذكَرناها من ذلك، فخصّ (٣) الخبرَ عما كانت اليهودُ اتبَعتْه مما (٤) تَلَته الشياطينُ أيَّامئذٍ (٥) دونَ غيرِه لذلك من (٦) السببِ، وإن كانت الشياطينُ قد كانت تاليةَ السحرِ والكفرِ قبلَ ذلك. القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. قال أبو جعفرٍ: اختَلف أهلُ التأويلِ (٧) فى تأويلِ "ما" التى فى قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناها (٨) الجحدُ، وهى بمعنى "لَمْ".

стр. 1239

ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. فإنه يقولُ: لَمْ يُنزِلِ اللهُ السِّحرَ (١). وحَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا حكَّامٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. قال: ما أنزَل اللهُ عليهما السحرَ (٢). فتأويلُ الآيةِ على هذا المعنى الذى ذكَرناه عن ابنِ عباسٍ والربيعِ -مِن توجيهِهما معنى قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. أى (٣): ولم ينزِلْ على الملَكين: واتَّبَعوا الذى تَتلو الشياطينُ على مُلكِ سليمانَ مِن السحرِ، وما كفَر سليمانُ، ولا أنزَل اللهُ السحرَ على المَلَكَينِ، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا، يعلِّمون الناسَ السحرَ ببابلَ هاروتَ وماروتَ. فيكونُ حينئذٍ قولُه: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. مِن المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ. فإن قال لنا قائلٌ: وكيف وجهُ تقديمِ ذلك؟ قيل: وجهُ تقديمِه أن يقالَ: واتبَعوا ما تَتلو الشياطينُ على ملكِ سليمانَ، [وما كفَر سليمانُ] (٤)، وما أنزِل على المَلَكَين، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا، يعلِّمون الناسَ السحرَ ببابلَ هاروتَ وماروتَ. فيكونُ معنيًّا بـ ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ جبريلُ وميكائيلُ؛

стр. 1240

لأَنَّ سحَرةَ اليهودِ، فيما ذكِر، كانت تزعُمُ أن اللهَ أنزَل السحرَ على لسانِ جبريلَ وميكائيلَ إلى سليمانَ بنِ داودَ، فأكذَبها اللهُ بذلك، وأخبرَ نبيَّه محمدًا ﷺ أن جبريلَ وميكائيلَ لَمْ ينزِلا بسحرٍ قطُّ، وبرَّأ سليمانَ مما نحَلوه من السحرِ، وأخبرَهم أن السحرَ مِن عملِ الشياطينِ، وأنها تعلِّمُ الناسَ ذلك (١) ببابلَ، وأن الذين يعلِّمونهم ذلك رجُلان؛ اسمُ أحدِهما هاروتُ، واسمُ الآخرِ ماروتُ، فيكونُ هاروتُ وماروتُ على هذا التأويلِ ترجمةً عن (٢) الناسِ وردًّا عليهم. وقال آخرون (٣): تأويلُ "ما" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: الذى. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال معمرٌ: قال قتادةُ والزهرىُّ، عن عُبيدِ (٤) اللهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. كانا ملَكَينِ مِن الملائكةِ، فأُهبِطا ليحكُما بينَ الناسِ؛ وذلك أن الملائكةَ سخِروا مِن حكّامِ (٥) بنى آدمَ. قال: فحاكَمتْ إليهما (٦) امرأةٌ، فَحافَا (٧) لها، ثم ذهَبا يصعَدان فحِيل بينَهما وبينَ ذلك، وخُيِّرا بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا عذابَ

стр. 1241

الدنيا. قال معمرٌ: وقال قتادةُ: فكانا يعلِّمان الناسَ السحرَ، فأخِذ عليهما ألا يعلِّما (١) أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٢). وحَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما قولُه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. فهذا سحرٌ آخرُ خاصَموه به أيضًا. يقولُ: خاصَموه بما أنزِل على المَلَكَين، وأن كلامَ الملائكةِ فيما بينَهم، إذا علِمتْه الإنسُ فصُنِع وعمِل به كان سحرًا (٣). وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: فالسحرُ سِحران: سحرٌ تعلِّمُه الشياطينُ، وسحرٌ يعلِّمُه هاروتُ وماروتُ (٤). وحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. قال: التفريقُ بينَ المرءِ وزوجِه (٥). وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾. قال: الشياطينُ والمَلَكان يعلِّمون الناسَ

стр. 1242

السحرَ. فمعنى الآيةِ على تأويلِ هذا القولِ الذى ذكَرناه عمَّن ذكَرنا عنه: واتبَعتِ اليهودُ الذى تَلتِ الشياطينُ في مُلكِ سليمانَ والذى أنزِل على الملكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ. [وقال قائلو هذه المقالةِ: إن اللهَ أنزَل السحرَ على هاروتَ وماروتَ ببابلَ] (١). وهما ملَكان مِن ملائكةِ اللهِ، سنذكُرُ ما روِى مِن الأخبارِ في شأنِهما بعدُ (٢) إن شاء اللهُ. وقالوا: إن قال لنا قائلٌ: وهل يجوزُ أن يُنزِلَ اللهُ السحرَ، أم هل يجوزُ لملائكتِه أن تعلِّمَه الناسَ؟ قلنا له: إنَّ اللهَ ﵎ قد أنزَل الخيرَ والشرَّ كلَّه، وبيَّن جميعَ ذلك لعبادِه، فأوحاه إلى رسلِه، وأمَرهم بتعليمِ خلقِه وتعريفِهم ما يحِلُّ لهم مما يحرُمُ عليهم، وذلك كالزِّنَا والسَّرَقِ (٣) وسائرِ المعاصى التى عرَّفَهُموها (٤) ونهَاهم عن ركوبِها، فالسحرُ أحدُ تلك المعانى (٥) التى أخبرَهم بها ونَهاهم عن العملِ بها. وقالوا: ليس في العلمِ بالسحرِ إثمٌ، كما لا إثمَ في العلمِ بصنعةِ الخمرِ ونحتِ الأصنامِ والطَّنابيرِ (٦) والملاعبِ، وإنما الإثمُ في عملِه وتسويتِه.

стр. 1243

قالوا: وكذلك لا إثمَ في العلمِ بالسحرِ، وإنما الإثمُ في العملِ به، وأن يَضُرَّ به مَن لا يَحِلُّ ضَرُّه به. قالوا: فليس في إنزالِ اللهِ إياه على الملَكَين، ولا في تعليمِ الملَكَين مَن علَّماه مِن الناسِ إثمٌ؛ إذ (١) كان تعليمُهما مَن علَّما ذلك بإذنِ اللهِ لهما بتعليمِه، بعدَ أن يُخبِراه أنَّهما فتنةٌ، وينهياه عن السحرِ والعملِ به والكفرِ، وإنما الإثمُ على مَن يتعلَّمُه منهما ويعمَلُ به؛ إذ كان اللهُ تعالى ذكرُه قد نَهى (٢) عن تعلُّمِه والعملِ به. قالوا: ولو كان اللهُ أباح لبنى آدمَ أن يتعلَّموا ذلك، لَمْ يكنْ مَن تعلَّمَه (٣) حَرِجًا، كما لَمْ يكونا حَرِجَين (٤) لعلمِهما به؛ إذ كان علمُهما بذلك عن تنزيلِ اللهِ إليهما. وقال آخرون: معنى "مَا"، معنى "الذى"، وهى عطفٌ على "مَا"، الأُولي، غيرَ أن الأُولى في معنى السحرِ، ومعنى (٥) الآخِرةِ في معنى التفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه. فتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: واتَّبَعوا السحرَ الذى تَتلو الشياطينُ في مُلكِ سليمانَ، والتفريقَ (٦) بينَ المرءِ وزوجِه الذى أُنزِل على المَلَكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ.

стр. 1244

ذكر من قال ذلك حَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: وهما يعلِّمان ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، وذلك قولُ اللهِ - [وقالوا: كفَر سليمانُ] (١) -: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. فكان يقولُ: أمَّا السحرُ فإنما تُعلِّمُه الشياطينُ، وأما الذى يعلِّمه الملَكان فالتفريقُ بينَ المرءِ وزوجِه، كما قال اللهُ تعالى (٢). وقال آخرون: جائزٌ أن تكونَ "مَا" بمعنى "الذى"، وجائزٌ أن تكونَ بمعنى "لَمْ". ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حَدَّثَنِي الليثُ بنُ سَعْدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، وسأله رجلٌ عن قولِ اللهِ: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. فقال الرجلُ: يعلِّمان الناسَ ما أنزِل عليهما، أم يعلِّمان الناسَ ما لَمْ يَنزِلْ عليهما؟ قال القاسمُ: ما أبالى أيَّتهما كانت (٣). وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: حَدَّثَنِي أنسُ (٤) بنُ عياضٍ، عن بعضِ أصحابِه، أن

стр. 1245

القاسمَ بنَ محمدٍ سُئل عن قولِ اللهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. فقيل له: أُنزِل أو لَمْ يُنزَلْ؟ فقال: لا أبالى أىَّ ذلك كان، إلَّا أنى آمنتُ به (١). والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا قولُ من وجَّه "ما" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. إلى (٢) معنى "الذى" دونَ معنى "ما" التى هى بمعنى الجحدِ. وإنما اختَرتُ ذلك من أجلِ أن "مَا" إن وجِّهت إلى معنى الجَحدِ فنَفَى (٣) عن الملَكَين أن يكونا مُنْزلًا إليهما، لَمْ (٤) يَخلُ الاسمان اللذان بعدَهما -أعنى هاروتَ وماروتَ - مِن أن يكونا بدلًا منهما وترجمةً عنهما، أو بدلًا من "الناسِ" في قولِه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وترجمةً عنهم (٥). فإن جُعِلا بدلًا من "المَلَكَين" وترجمةً عنهما، بطَل معنى قولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. لأنهما إذا لَمْ يكونا عالِمَين بما يُفرَّقُ به بينَ المرءِ وزوجِه، فما الذى يُتعلَّمُ منهما مما (٦) يفرِّقُ بينَ المرءِ وزوجِه؟ وبعدُ، فإن "مَا" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. إن كانت بمعنى (٧) الجَحْدِ عطفًا على قولِه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾. فإن اللهَ جلّ ثناؤُه نفَى بقولِه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾. عن سليمانَ أن يكونَ السحرُ من عملِه أو من علمِه أو تعليمِه، فإن كان الذى نفَى عن الملَكَين من ذلك نظيرَ الذى نفَى عن سليمانَ

стр. 1246

منه -وهاروتُ وماروتُ هما الملَكان- فمَن المتعلَّمُ منه إذن ما يفرَّقُ به بينَ المرءِ وزوجِه؟ وعمَّن الخبرُ الذي أخبرَ عنه بقولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾؟ إنَّ خطأَ هذا القولِ لواضحٌ بيِّنٌ. وإن كان قولُه: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. ترجمةً عن "الناسِ" الذين في قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. فقد وجَب أن تكونَ الشياطينُ هى التى تعلِّمُ هاروتَ وماروتَ السحرَ، وأن (١) تكونَ السحرةُ إنما تعلَّمت السحرَ من هاروتَ وماروتَ عن تعليمِ الشياطينِ إياهما. فإن يكنْ ذلك كذلك، فلنْ يخلوَ هاروتُ وماروتُ عندَ قائلى (٢) هذه المقالةِ من أحدِ أمرين؛ إما أن يكونا ملَكَين، فإن كانا عندَهم (٣) ملَكَين، فقد أوجَبوا (٤) لهما مِن الكفرِ باللهِ والمعصيةِ له - بنسبتِهم (٥) إياهما إلى أنهما يتعلَّمان مِن الشياطينِ السحرَ [والكفرَ] (٦) ويعلِّمانه الناسَ، وإصرارِهما على ذلك ومُقامِهما عليه- أعظمَ مما ذكِر عنهما أنهما أتَياه مِن المعصيةِ التى استَحقَّا عليها العقَابَ. وفي خبرِ اللهِ تعالى ذكرُه عنهما أنهما لا يعلِّمان أحدًا ما يَتعلَّمُ منهما حتى يقولا له: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. ما يُغنى عن الإكثارِ في الدَّلالةِ على خطأِ هذا القولِ، أو أن يكونا كانا (٧) رجلين من بنى آدمَ، فإن يكن ذلك كذلك فقد كانا يجبُ أن يكونَ بهلاكِهما قد

стр. 1247

ارتفَع السحرُ والعلمُ به والعملُ من بنى آدمَ؛ لأَنه إذا كان علمُ ذلك مِن قِبَلِهما يُؤخذُ، ومنهما يُتعلَّمُ، فالواجبُ أن يكونَ بهلاكِهما وعدمِ وجودِهما عدمُ السبيلِ إلى الوصولِ إلى المعنى الذي كان لا يوصَلُ إليه إلا بهما. وفي وجودِ السحرِ في كلِّ زمانٍ ووقتٍ، أبيَنُ الدَّلالةِ على فسادِ هذا القولِ. أو (١) يزعُمُ قائلُو (٢) ذلك أنهما رجلان مِن بنى آدمَ لم يُعْدَما مِن الأرضِ منذُ خُلِقت الأرضُ (٣)، ولا يُعدَمان (٤) ما وجِد السحرُ في الناسِ، فيدَّعى ما لا يَخفى بُطُولُه. فإذ (٥) فسَدتْ هذه الوجوهُ التى دلَّلنا على فسادِها، فبيِّنٌ أن معنى "ما" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. بمعنى "الذي" وأن هاروتَ وماروتَ مُترجَمٌ بهما عن "الملَكَين"، ولذلك فُتِحت أواخرُ أسمائِهما؛ لأنهما في موضعِ خَفضٍ بالرَّدِّ (٦) على "الملَكَين"، ولكنهما لمّا كانا لا يُجْريان (٧) فُتِحت أواخرُ أسمائِهما. فإن التَبَس على ذى غباءٍ ما قلنا، فقال: وكيف يجوزُ لملائكةِ اللهِ أن تعلِّمَ الناسَ التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه؟ أم كيف يجوزُ أن يُضافَ إلى اللهِ إنزالُ ذلك على الملائكةِ؟ قيل له: إن اللهَ جلّ ثناؤُه عرَّف عبادَه جميعَ ما أمَرهم به، وجميعَ ما نهاهم عنه، ثم أمَرهم ونهاهم بعدَ العلمِ منهم بما يؤمَرون به ويُنهَون عنه، ولو كان الأمرُ

стр. 1248

على غيرِ ذلك، لَما كان للأمرِ والنهْىِ معنًى مفهومٌ، فالسحرُ مما قد نهَى عبادَه من بنى آدمَ عنه، فغيرُ منكَرٍ أن يكونَ جلّ ثناؤُه علَّمه الملَكَين اللذين سمَّاهما في تنزيلِه، وجعَلهما فتنةً لعبادِه من بنى آدمَ، كما أخبرَ عنهما أنهما يقولان لمَن يَتعلَّمُ ذلك منهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. ليَختَبِرَ بهما عبادَه الذين نهاهم عن التفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه، وعن السحرِ، فيمحِّصَ المؤمنَ بترْكِه التعلُّمَ منهما، ويُخزِىَ الكافرَ بتعلُّمِه السحرَ والكفرَ منهما، ويكونُ المَلَكان في تعليمِهما مَن علَّما ذلك، للهِ مُطِيعَين، إذ كانا عن إذنِ اللهِ لهما بتعليمِ ذلك من علَّماه يُعلِّمان، وقد عُبِد من دونِ اللهِ جماعةٌ من أولياءِ اللهِ، فلم يكنْ ذلك لهم ضائرًا، إذ لم يكنْ ذلك بأمرِهم إياهم به، بل عُبِد بعضُهم والمعبودُ عنه نَاهٍ، فكذلك المَلَكان غيرُ ضائرِهما سحرُ مَن سحَر ممن تعلَّم ذلك منهما بعدَ نهْيِهما إياه عنه، وعظَتِهما له بقولِهما: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. إذ كانا قد أدَّيَا ما أمِرا به بقيلِهما ذلك. كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. إلى قولِه: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾. [قال: قولُه: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾] (١): أُخِذ عليهما ذلك (٢). ذكرُ بعضِ الأخبارِ التى [جاءت في شأْنِ] (٣) الملَكين [وأمرِهما] (١)، ومَن قال: إن هاروتَ وماروتَ هما الملَكان اللذان ذكَر اللهُ في قولِه: ﴿[وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ] (١) بِبَابِلَ﴾.

стр. 1249

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدَّثنى أبي، عن قتادةَ، قال: حدثنا أبو شعبةَ العدوىُّ في جنازةِ يونسَ بنِ جبيرٍ أبى غَلَّابٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللهَ ﵎ أفرَج السماءَ لملائكتِه ينظُرون إلى أعمالِ بنى آدمَ، فلما أبصَروهم يعمَلون بالخطايَا، قالوا: ياربِّ، هؤلاء بنو آدمَ الذي خلَقتَ بيدِك، وأسجَدتَ له ملائكتَك، وعلَّمتَه أسماءَ كلِّ شيءٍ، يعمَلون بالخطايا. قال: أمَا إنكم لو كنتم مكانَهم لعمِلتُم مثلَ أعمالِهم. قالوا: سبحانَك ما كان ينبغى لنا. قال: فأمِروا أن يَختاروا [ملَكين ليهبِطَا] (١) إلى الأرضِ. قال: فاخْتاروا هاروتَ وماروتَ، فأُهبِطا إلى الأرضِ، وأحِلَّ لهما ما فيها مِن شيءٍ، غيرَ ألا يُشْرِكَا باللهِ شيئًا، ولا يسرِقا، ولا يزنِيا، ولا يشرَبا الخمرَ، ولا يقتُلا النفسَ التى حرَّم اللهُ إلا بالحقِّ. قال: فما أشْهرا (٢) حتى عرِّض لهما بامرأةٍ (٣) قد قُسِم لها نصفُ الحسنِ، يقالُ لها: بِيذُخْتْ (٤). فلما أبصَراها كشَرا (٥) بها إِرْبًا (٦)، فقالت: لا، إلَّا أن تُشرِكا باللهِ، وتشرَبا الخمرَ، وتقتُلا النفسَ، وتسجُدا لهذا الصنمِ. فقالا: ما كنا لنشرِكَ باللهِ شيئًا. فقال أحدُهما للآخرِ: ارجِعْ إليها. فقالت: لا، إلَّا أن تشرَبا الخمرَ. فشرِبا حتى ثَمِلا (٧)، ودخَل عليهما سائلٌ فقتَلاه، فلما وقَعا فيما وقَعا فيه مِن الشرِّ، أفرَج اللهُ

стр. 1250

السماءَ لملائكتِه، فقالوا: سبحانَك كنتَ أنتَ (١) أعلمَ. قالْ فأوحَى اللهُ إلى سليمانَ ابنِ داودَ أن يُخيِّرَهما بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا عذابَ الدنيا، فكُبِّلا مِن أكعبِهما إلى أعناقِهما بمثلِ أعناقِ البُخْتِ (٢)، وجُعِلا ببابلَ (٣). حدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدَّثنا حمادٌ (٤)، عن (٥) عليِّ بنِ زيدٍ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ أنهما قالا: لمّا كثُر بنو آدمَ وعصَوْا، دعَت الملائكةُ عليهم والأرضُ والسماءُ والجبالُ: ربَّنا [ألَا تهلِكُهم] (٦)؟ فأوحَى اللهُ إلى الملائكةِ: إنى لو أنزَلتُ الشهوةَ والشيطانَ مِن قلوبِكم، ولو نزَلتم لفعَلتُم أيضًا قال: فحدَّثوا أنفسَهم أن لو (٧) ابتُلوا اعتصَموا. فأوحَى اللهُ إليهم أن اختاروا ملَكين مِن أفضلِكم. فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فأهبِطا إلى الأرضِ، وأنزِلت الزُّهَرةُ إليهما في صورةِ امرأةٍ مِن أهلِ فارسَ، كان أهلُ فارسَ يسمُّونها بِيذُختْ. قال: فوقَعا بالخطيئةِ، وكانت الملائكةُ يستغفِرون للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. فلما وقَعا بالخطيئةِ استغفَروا لمَن في الأرضِ: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥]. فخُيِّرا بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا

стр. 1251

عذابَ الدنيا (١) حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عميرِ (٢) بنِ سعيدٍ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ: كانت الزُّهَرةُ امرأةً جميلةً من أهلِ فارسَ، وإنها خاصَمت إلى الملَكَين هاروتَ وماروتَ، فراوَداها عن نفسِها، فأبَت عليهما إلا أن يعلِّمَاها الكلامَ الذي إذا تُكُلِّم به يُعرَجُ به إلى السماءِ، فعلَّماها، فتكلَّمَت، فعرَجَت إلى السماءِ فمُسِخَت كوكبًا (٣). وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن الثورىِّ، عن موسى (٤) بنِ عقبةَ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، عن كعبٍ، قال: ذكَرت الملائكةُ أعمالَ بنى آدمَ وما يأتُون من الذنوبِ، فقيل لهم: اخْتاروا منكم اثنين -وقال الحسنُ بنُ يحيى في حديثِه: اختاروا ملَكَين- فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فقيل لهما: إنى أرسِلُ إلى بنى آدمَ رُسُلًا، وليس بينى وبينَكما رسولٌ، انزِلا، لا تُشرِكا بى شيئًا، ولا تزنِيا، ولا تشرَبا الخمرَ. قال كعبٌ: فواللهِ ما أمسَيا مِن (٥) يومِهما الذي أُهبِطا فيه إلى الأرضِ

стр. 1252

حتى استكمَلا جميعَ ما نُهِيا عنه. وقال الحسنُ بنُ يحيى في حديثِه: فما استَكمَلا يومَهما الذي أنزِلا فيه حتى عَمِلا ما حرَّم اللهُ عليهما (١). وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا معلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن موسى بنِ عقبةَ، قال: حدَّثنى سالمٌ، أنه سمِع عبدَ اللهِ يحدِّثُ عن كعبِ الأحبارِ، أنه حدَّث أن الملائكةَ أنكَروا أعمالَ بنى آدمَ وما يأْتُون في الأرضِ مِن المعاصى، فقال اللهُ لهم: إنكم لو كنتم مكانَهم أتيتم ما يأتون مِن الذنوبِ، فاختاروا منكم ملَكَين. فاختاروا هاروتَ وماروتَ اخْتيارًا (٢)، فقال اللهُ لهما: إنى أرسِلُ رُسلى إلى الناسِ، وليس بينى وبينَكما رسولٌ، انزِلا إلى الأرضِ، ولا تُشرِكا بى شيئًا ولا تزنِيَا. فقال كعبٌ: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، ما استكمَلا يومَهما الذي نزَلا فيه حتى أتَيا كلَّ (٣) ما حُرِّم عليهما. وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: إنه كان مِن أمرِ هاروتَ وماروتَ أنهما طعَنا على أهلِ الأرضِ في أحكامِهم، فقيل لهما: إنى أعطَيتُ بنى (٤) آدمَ عشرًا مِن الشهواتِ فبها يعصوننى. قال هاروتُ وماروتُ: ربَّنا لو أعطَيتنا تلك الشهواتِ ثم نزَلنا، لحكمْنا بالعدلِ. فقال لهما: انزِلا، فقد أعطَيتُكما تلك الشهواتِ العشرَ، فاحكُما بينَ الناسِ. فنزَلا ببابلِ دُنْباوَنْدَ (٥)،

стр. 1253

فكانا (١) يحكُمان، حتى إذا أمسَيا عَرَجا، فإذا أصبَحا هبَطا، فلم يزالا بذلك حتى أتَتْهما امرأةٌ تخاصِمُ زوجَها، فأعجَبهما حسنُها -واسمُها بالعربيةِ الزُّهَرةُ، واسمُها (٢) بالنَّبطيةِ بِيذُخْتْ، واسمُها بالفارسيةِ أناهِيذ- فقال أحدُهما لصاحبِه: إنها لتُعجِبُنى. قال الآخرُ: قد أردتُ أن أذكرَ لك ذلك (٢) فاستحييتُ منك. فقال الآخرُ: هل لك أن أذكرَها لنفسِها؟ قال: نعم، ولكن كيف لنا بعذابِ اللهِ؟ قال الآخرُ: إنا نرجُو رحمةَ اللهِ. فلما جاءت تخاصِمُ زوجَها ذكَرا لها (٣) نفسَها، فقالت: لا، حتى تقضِيا لى على زوجى. فقضَيا لها على زوجِها، ثم واعَدتْهما خَرِبةً من الخَرِبِ يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذى يواقعُها، قالت: ما أنَا بالذى أفْعَلُ حتى تخبرانى بأىِّ كلامٍ تصعَدان إلى السماءِ، وبأىِّ كلامٍ تنزِلان منها. فأخبَراها فتكلَّمت فصعِدت، فأنساها اللهُ ما تَنْزِلُ به، فبقِيت مكانَها، وجعَلها اللهُ كوكبًا -فكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ كلما رآها لعَنها وقال: هذه التى فتَنت هاروتَ وماروتَ- فلما كان الليلُ أرادا أن يصعَدا فلم يُطِيقا (٤)، فعرَفا الهَلكةَ (٥)، فخُيِّرا [عذابَ الدنيا من عذابِ] (٦) الآخرةِ، فاختارا عذابَ الدنيا (٧)، فعُلِّقا ببابلَ، وجعَلا يكلِّمان الناسَ كلامَهما، وهو السحرُ (٨). وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: لما وقَع الناسُ مِن بعدِ آدمَ فيما وقَعوا فيه مِن المعاصِى والكفرِ باللهِ، قالت

стр. 1254

الملائكةُ فى السماءِ: أىْ ربّ، هذا العالَمُ إنما خلقتَهم لعبادتِك وطاعتِك، وقد ركِبوا الكفرَ، وقتلَ النفسِ الحرامِ، وأكلَ المالِ الحرامِ، والسرقةَ، والزنا، وشرْبَ الخمرِ. فجعَلوا يدعون عليهم ولا يَعْذِرونهم، فقيل لهم: إنهم فى غَيْبٍ. فلم يعذِروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم ملَكَين آمرُهما بأمرى، وأنْهاهما عن معصيتى. فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فأُهبِطا إلى الأرضِ، وجعِل لهما (١) شهواتُ بنى آدمَ، وأمِرا أن يعبُدا اللهَ، وألا يشرِكا به شيئًا، ونُهِيا عن قتلِ النفسِ الحرامِ، وأكلِ المالِ الحرامِ، والسرقةِ، والزنا، وشربِ الخمرِ، فلبِثا فى الأرضِ على ذلك زمانًا يحكُمان بينَ الناسِ بالحقِّ -وذلك فى زمانِ إدريسَ- وفى ذلك الزمانِ امرأةٌ حسنُها فى سائرِ النساءِ (٢) كحسنِ الزُّهَرةِ فى سائرِ الكواكبِ، وأنها أتَت عليهما، فخضَعا لها بالقولِ، وأراداها على نفسِها، وأنها أبَت إلا أن يكونا على أمرِها ودينِها، وأنهما سأَلاها عن دينِها الذى (٣) هى عليه، فأخرَجت لهما صنمًا، فقالت: هذا أعبُدُ. فقالا: لا حاجةَ لنا فى عبادةِ هذا. فذهَبا فصبَرا ما شاء اللهُ، ثم أتَيا عليها فخضَعا لها بالقولِ، وأراداها على نفسِها، فقالت: لا، إلَّا أن تكونا على ما أنا عليه. فقالا: لا حاجةَ لنا فى عبادةِ هذا. فلما رأتْ أنهما قد (٤) أبَيا أن يعبُدا الصنمَ، قالت لهما: اختارا إحدَى الخِلالِ الثلاثِ؛ إما أن تعبُدا الصنمَ، أو تقتُلا النفسَ، أو تشرَبا هذه (٤) الخمرَ. فقالا: كلُّ هذا لا ينبغى، وأهونُ الثلاثِ شُرْبُ الخمرِ. فسقَتْهما الخمرَ حتى إذا (٥) أخَذتِ الخمرُ فيهما (٦)، وقَعا بها، فمرَّ بهما إنسانٌ وهما فى ذلك، فخشِيا أن يُفشِىَ عليهما

стр. 1255

فقتَلاه، فلما أن ذهَب عنهما السكرُ، عرَفا ما قد (١) وقَعا فيه مِن الخطيئةِ، وأرادا أن يصعَدا إلى السماءِ فلم يستطِيعا، فحِيل بينَهما وبينَ ذلك، وكُشِف الغطاءُ فيما (٢) بينهما وبينَ أهلِ السماءِ، فنظَرتِ الملائكةُ إلى ما قد (١) وقَعا فيه مِن الذنبِ، فعجِبوا كلَّ العَجَبِ، و [عرَفوا أنه] (٣) مَن كان فى غَيْبٍ فهو أقلُّ خشيةً (٤)، فجعَلوا بعدَ ذلك يستغفِرون لمَن فى الأرضِ. وإنهما لمّا وقَعا فيما وقَعا فيه مِن الخطيئةِ، قيل لهما: اختارا عذابَ الدنيا أو عذابَ الآخرةِ. فقالا: أمَّا عذابُ الدنيا فإنه ينقطِعُ [ويذهَبُ] (٥)، وأمَّا عذابُ الآخرةِ فلا انقطاعَ له. فاختارا عذابَ الدنيا، فجُعِلا ببابلَ، فهما يعذَّبان (٦). وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا فرجُ بنُ فَضالةَ، عن معاويةَ ابنِ صالحٍ، عن نافعٍ، قال: سافَرتُ مع ابنِ عمرَ، فلما كان مِن آخرِ الليلِ، قال: يا نافعُ، انظُرْ، طلعتِ الحمراءُ؟ [قلتُ: لا] (٧). مرَّتين أو ثلاثًا، ثم قلتُ: قد طلَعت. قال: لا مرحبًا بها (٨) ولا أهلًا. قلت: سبحانَ اللهِ، نجمٌ مسخَّرٌ سامعٌ مطيعٌ! قال: ما قلتُ لك إلا ما سمِعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ أو (٩) قال: قال لى (١٠) رسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 1256

"إنَّ الملائكةَ قالت: يا ربِّ، كيف صبرُك على بنى آدمَ فى الخطايا والذنوبِ؟ قال: إنى ابتَليتُهم وعافَيتُكم. قالوا: لو كنا مكانَهم ما عصَيناك. قال: فاختارُوا ملَكَين منكم". قال: "فلم يألُوا أن يختارُوا، فاختارُوا هاروتَ وماروتَ" (١). وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: أمّا شأنُ هاروتَ وماروتَ، فإن الملائكةَ عجِبت من ظلمِ بنى آدمَ، وقد جاءتْهم الرسلُ والكتبُ والبيناتُ، فقال لهم ربُّهم: اختاروا منكم ملَكَين أُنزِلْهما يحكُمان فى الأرضِ بين بنى آدمَ. فاختاروا - [فلم يألُوا] (٢) - هاروتَ وماروتَ. فقال لهما حينَ أنزَلهما: أَعجِبتما مِن بنى آدمَ ومِن ظلمِهم ومعصيتِهم، وإنما تأتِيهم الرسلُ والكتبُ مِن وراءَ وراءَ؟! وأنتما ليس بينى وبينَكما رسولٌ، فافعَلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا. فأمَرهما بأمرٍ ونهاهما، ثم نزَلا على ذلك، ليس أحدٌ أطوعَ للهِ منهما، فحكَما فعدَلا، فكانا يحكُمان النهارَ بين بنى آدمَ، فإذا أمسَيا عَرَجا وكانا مع الملائكةِ، وينزِلان حين يصبِحان فيحكُمان فيعدِلان، حتى أُنزِلت عليهما الزُّهَرةُ فى أحسنِ صورةِ امرأةٍ تخاصِمُ، فقضَيا عليها، فلما قامت وجَد كلُّ واحدٍ منهما فى نفسِه، فقال أحدُهما لصاحبِه: وجَدتَ مثلَ ما وجَدتُ؟ قال: نعم. فبعَثا إليها: أنِ ائتِينا نَقْضِ لكِ. فلما رجَعت، قالا لها -وقضيا لها-: ائتِينا. فأتتهما، فتكشَّفا لها عن عورتِهما، وإنما كانت شهوتُهما فى أنفسِهما، ولم يكونا كبنى آدمَ فى شهوةِ النساءِ ولذَّتِها، فلما بلَغا ذلك واستحلَّاه وافتُتِنا، طارتِ الزُّهَرةُ فرجَعت حيث كانت، فلما

стр. 1257

أمسَيا عَرَجا فزُجِرا (١) فلم يؤذنْ لهما، ولم تحمِلْهما أجنِحَتُهما، فاستغاثا برجلٍ من بنى آدمَ، فأتَياه فقالا: ادعُ لنا ربَّك. فقال: كيف يشفَعُ أهلُ الأرضِ لأهلِ السماءِ؟ قالا: سمِعنا ربَّك يذكُرُك بخيرٍ فى السماءِ. فوعَدهما يومًا وعْدًا (٢)؛ يدعو لهما، فدَعا لهما فاستُجيب له، فخيِّرا بين عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فنظَر أحدُهما إلى صاحبِه [فقال: ألا تعلمُ] (٣) أن أفواجَ (٤) عذابِ اللهِ فى الآخرةِ كذا وكذا فى الخلدِ (٥)، ومع الدنيا سبعَ (٦) مراتٍ مثلَها. فأُمِرا أن ينزِلا ببابلَ، فثَمَّ عذابُهما، وزُعِم أنهما معلَّقان فى الحديدِ مَطويَّان؛ يصطَفِقان (٧) بأجنِحَتِهما (٨). قال أبو جعفرٍ: وحُكِى عن بعضِ القرأةِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وما أُنزِل على المَلِكينِ). يعنى به: رجلين مِن بنى آدمَ (٩).

стр. 1258

وقد دلَّلْنا على خطأِ القراءةِ بذلك مِن جهةِ الاستدلالِ (١)، فأما مِن جِهَةِ النقلِ، فإجماعُ الحجةِ على خطأِ القراءةِ بها من الصحابةِ والتابعين وقرأةِ الأمصارِ. وكفَى بذلك شاهدًا على خطَئِها. وأما قولُه: ﴿بِبَابِلَ﴾. فإنه اسمُ قريةٍ أو موضعٍ مِن مواضعِ الأرضِ. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فيها؛ فقال بعضُهم: إنها ببابلِ دُنْباوَنْدَ. حَدَّثنى بذلك موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ (٢). وقال بعضُهم: بل ذلك ببابلِ العراقِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ أبى الزنادِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ فى قصةٍ ذكَرتها عن امرأةٍ قدِمت المدينةَ، فذكَرت أنها صارت بالعراقِ ببابلَ، فأتَت بها هاروتَ وماروتَ، فتعلَّمت منهما السحرَ (٣). واختُلف فى معنى السحرِ؛ فقال بعضُهم: هو خُدَعٌ ومَخاريقُ ومعانٍ يفعَلُه الساحرُ، حتى يُخَيَّلَ إلى المسحورِ الشئُ أنه بخلافِ ما هو به، نظيرَ الذى يرى السَّرابَ مِن بعيدٍ، فيُخَيَّلُ إليه أنه ماءٌ، ويرَى الشئَ مِن بعيدٍ [فيه، فيتبيَّنُه] (٤) بخلافِ ما هو به (٥) على حقيقتِه، وكراكبِ السفينةِ السائرةِ سيرًا حثيثًا يُخَيَّلُ إليه أن ما عاين مِن

стр. 1259

الأشجارِ والجبالِ سائرٌ معه. قالوا: فكذلك المسحورُ، ذلك صفتُه، يحسَبُ بعدَ الذى وصَل إليه مِن سحرِ الساحرِ أن الذى يراه أو يفعلُه بخلافِ الذى هو به على حقيقتِه. كالذى حدَّثنى أحمدُ بنُ الوليدِ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أن النبىَّ ﷺ لمّا سُحِر، كان يُخَيَّلُ إليه أنه يفعلُ الشئَ ولم يَفْعَلْه (١). وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: سحَر رسولَ اللهِ ﷺ يهودىٌّ مِن يهودِ بنى زُرَيقٍ، يقالُ له: لبيدُ ابنُ الأعصمِ. حتى كان رسولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إليه أنه يفعلُ الشئَ وما يَفْعَلُه (٢). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: كان عروةُ بنُ الزبيرِ وسعيدُ بنُ المسيّبِ يحدِّثان أن يهودَ بنى زُرَيقٍ عقَدوا عُقَدَ سِحْرٍ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فجعَلوها فى بئرِ حَرْمٍ (٣)، حتى كان رسولُ اللهِ ﷺ يُنكِرُ (٤) بصرَه، ودلَّه اللهُ على ما صنَعوا، فأرسَل رسولُ اللهِ ﷺ إلى بئرِ حرْمٍ التى فيها العُقَدُ فانْتزَعها، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: "سحرَتْنى يهودُ بنى زريقٍ" (٥).

стр. 1260

وأنكَر قائلو هذه المقالةِ أن يكونَ الساحرُ يَقدِرُ بسحْرِه على قلبِ شيءٍ عن حقيقتِه، أو (١) استسخارِ (٢) شيءٍ مِن خلقِ الله إلا نظيرَ الذى يقدِرُ عليه مِن ذلك سائرُ بنى آدمَ، أو إنشاءِ شيءٍ مِن الأجسامِ سوى المخاريقِ والخُدَعِ المتخيَّلةِ لأبصارِ الناظرين، بخلافِ حقائقِها التى وصَفنا. وقالوا: لو كان في وُسعِ السحرةِ إنشاءُ الأجسامِ، وقلبُ حقائقِ الأعيانِ عما هى به مِن الهيئاتِ، لم يكنْ بينَ الباطلِ والحقِّ فصلٌ (٣)، ولجاز أن تكونَ جميعُ المحَسّاتِ (٤) مما سحَرته السحرةُ فقلَبت أعيانَها. قالوا: وفى وصفِ الله جلَّ وعزَّ سحرَ (٥) سحَرةِ فرعونَ بقولِه: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وفى خبرِ عائشةَ عن رسولِ الله ﷺ أنه كان إذ (٦) سُحِر يخيَّلُ إليه أنه يفعَلُ الشئَ وهو لا يفعلُه -أوضحُ الدَّلالةِ على بُطُولِ دعْوَى المدَّعِين- أن الساحرَ يُنشئُ أعيانَ الأشياءِ بسحرِه، ويستسْخِرُ ما يتعذَّرُ استسخارُه على غيرِه مِن بنى آدمَ، كالمواتِ والجمادِ والحيوانِ- وصحةِ ما قلنا. وقال آخرون: قد يقدِرُ الساحرُ بسحرِه أن يحوِّلَ الإنسانَ حمارًا، وأن يَسحَرَ

стр. 1261

[الحيوانَ والجمادَ] (١)، وينشِئَ أعيانًا وأجسامًا. واعتلُّوا في ذلك بما حدَّثنا به الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى ابنُ أبى الزنادِ، قال: حدَّثنى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالت: قدِمت عليَّ امرأةٌ مِن أهلِ دُومَةِ الجندلِ (٢)، جاءت تَبتغى رسولَ الله ﷺ بعدَ موتِه (٣) حَدَاثةَ ذلك، تسألُه عن شيءٍ دخَلتْ فيه من أمرِ السحرِ ولم تعمَلْ به. قالت عائشةُ لعروةَ: يا بنَ أختى، فرأيتُها تبكى حينَ لم تجِدْ رسولَ الله ﷺ فيشفِيَها، كانت تبكى حتى إنى لأرحَمُها، وتقولُ: إنى لأخافُ أن أكونَ قد هلَكْتُ، كان لى زوجٌ فغاب عنى، فدخَلَت عليَّ عجوزٌ فشكَوتُ ذلك إليها، فقالت: إن فعَلتِ ما آمرُكِ به، فأجعلُه يأتيك. فلما كان الليلُ جاءتْنى بكلبَين أسودَين، فركِبتْ أحدَهما وركِبتُ الآخرَ، فلم يكنْ كشيءٍ (٤) حتى وقَفنا ببابلَ، فإذا برجلَين، معلَّقَين بأرجلِهما، فقالا: ما جاء بكِ؟ فقلتُ: أتعلَّمُ السحرَ. فقالا: إنما نحن فتنةٌ، فلا تكفُرى وارجِعى. فأبَيْتُ، وقلتُ: لا. قالا: فاذهَبى إلى ذلك التنُّورِ فبُولى فيه. فذهَبتُ ففزِعتُ فلم أفعلْ، فرجَعتُ إليهما، فقالا: أفعَلتِ؟ فقلتُ: نعم. قالا: فهل رأيتِ شيئًا؟ قلتُ: لم أرَ شيئًا. فقالا: لم تفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك ولا تكفُرى. [فأرْبَبْتُ وأبيتُ] (٥)، فقالا: اذهَبى إلى ذلك التنورِ فبولى فيه. فذهَبتُ فاقشعرَرْتُ وخفتُ، ثم رجعتُ إليهما فقلتُ: قد فعلتُ.

стр. 1262

فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: لم أرَ شيئًا. فقالا: كذَبتِ لم تَفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك ولا تكفُرى، فإنك على رأسِ أمرِكِ (١). فأرْبَبْتُ وأبيتُ، فقالا: اذهَبى إلى ذلك التنُّورِ فبولى فيه. فذهَبتُ إليه فبُلتُ فيه، فرأيتُ فارسًا مُتقنِّعًا بحديدٍ خرَج منه (٢) حتى ذهَب في (٣) السماءِ، وغاب عنى حتى ما أراه. فجئتُهما فقلتُ: قد فعلتُ. فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: رأيتُ (٤) فارسًا مُتقنِّعًا خرَج منه (٢)، فذهَب في السماءِ حتى ما أراه. فقالا: صدَقتِ، ذلك إيمانُكِ خرَج منك، اذهبى. فقلتُ للمرأةِ: واللهِ ما أعلمُ شيئًا، وما قالا لى شيئًا. فقالت: بلى، لن تريدى شيئًا إلا كان، خُذى هذا القمحَ فابذُرى. فبذَرتُ، فقلتُ: أطْلِعى. فأطْلَعتْ، وقلت: أحْقِلى. فأحْقَلت، ثم قلت: [أفْرِكى. فأفْرَكَتْ] (٥)، ثم قلت: أيْبِسى. فأيْبَست، ثم قلت: أطْحِنى. فأطْحَنَتْ، ثم قلتُ: أخبزِى. فأخبَزتْ. فلمّا رأيتُ أنى لا أريدُ شيئًا إلا كان، سُقِط في يدِى وندِمتُ، واللهِ يا أمَّ المؤمنين (٦) ما فعلتُ شيئًا قطُّ ولا أفعلُه أبدًا (٧). فقال أهلُ هذه المقالةِ بما وصَفنا، واعتلُّوا بما ذكَرنا، وقالوا: لولا أن الساحرَ يقدِرُ على فعلِ ما ادّعى أنه يقدِرُ على فعلِه، ما قدَر أن يفرِّقَ بينَ المرءِ وزوجِه. قالوا: وقد أخبرَ اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يتعلَّمون مِن الملَكَين ما يفرِّقون به بينَ المرءِ

стр. 1263

وزوجِه، وذلك لو كان على غيرِ الحقيقةِ، وكان على وجهِ التخييلِ والحُسبانِ، لم يكنْ تفريقًا على صحةٍ، وقد أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يفرِّقون على صحةٍ. وقال آخرون: بل السحرُ أخْذٌ بالعينِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. وتأويلُ ذلك: وما يعلِّمُ الملَكان من أحدٍ مِن الناسِ الذى أُنزِل عليهما مِن التَّفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه، حتى يقولا له: إنما نحن بلاءٌ وفتنةٌ لبنى آدمَ، فلا تكفُرْ بربِّك. كما حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: إذا أتاهما -يعنى هاروتَ وماروتَ- إنسانٌ يريدُ السحرَ، وعَظاه وقالا له: لا تكفُرْ، إنما نحن فتنةٌ. فإذا أبَى، قالا له: ائتِ هذا الرمادَ فبُلْ عليه. فإذا بال عليه خرَج منه نورٌ يسطَعُ حتى يدخُلَ السماءَ، وذلك الإيمانُ، وأقبَل (١) شيءٌ أسودُ كهيئةِ الدُّخَانِ حتى يدخُلَ في مسامعِه وكلِّ شيءٍ منه، فذلك غضبُ الله، فإذا أخبرَهما بذلك علَّماه السحرَ، فذلك قولُ الله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ الآية (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ: ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. قالا: أُخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٣).

стр. 1264

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال قتادةُ: كانا يعلِّمان الناسَ السحرَ، فأخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال غيرُ قتادةَ: أخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يَتقدَّما إليه فيقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾. حدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: أخِذ عليهما أن يقولا ذلك. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخِذ الميثاقُ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾: لا يَجترِئُ على السحرِ إلا كافرٌ (٢). وأما "الفتنةُ" في هذا الموضعِ، فإن معناها الاختبارُ والابتلاءُ، مِن ذلك قولُ الشاعرِ (٣): [وقد فُتن] (٤) الناسُ في دينِهم … وخَلَّى ابنُ عفّانَ شَرًّا طَوِيلا

стр. 1265

ومنه يقالُ: فتَنتُ الذهبَ في النارِ -إذا امتَحنتَها لتعرِفَ جَوْدَتَها مِن رَداءتِها- أفتِنُها (١) فتنةً وفتونًا. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾. أى: بلاءٌ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. وقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾. خبرٌ مبتدأٌ عن المتعلِّمين مِن الملَكَين ما أُنزِل عليهما، وليس بجوابٍ لقولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾. بل هو خَبرٌ مستأنفٌ، فلذلك رفِع فقيل: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾. فمعنى الكلامِ إذن: وما يعلِّمان مِن أحدٍ حتى يقولا: إنما نحنُ فتنةٌ. فيأبَون قبولَ ذلك منهما، فيتعلَّمون منهما ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه. وقد قيل: إن قولَه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾. خبرٌ عن اليهودِ معطوفٌ على قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ - ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وجعَلوا ذلك مِن المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ. والذى قلنا أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن إلحاقَ ذلك بالذى يليه مِن الكلامِ، ما كان للتأويلِ وجهٌ صحيحٌ، أولَى مِن إلحاقِه بما قد حِيل بينه وبينه من معْترَضِ الكلامِ. والهاءُ والميمُ والألفُ، مِن قولِه: ﴿مِنْهُمَا﴾. من ذكرِ الملَكَين. ومعنى ذلك: فيتعلَّمُ الناسُ من الملَكَين الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه.
следующие страницы →