← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

[الحيوانَ والجمادَ] (١)، وينشِئَ أعيانًا وأجسامًا. واعتلُّوا في ذلك بما حدَّثنا به الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى ابنُ أبى الزنادِ، قال: حدَّثنى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالت: قدِمت عليَّ امرأةٌ مِن أهلِ دُومَةِ الجندلِ (٢)، جاءت تَبتغى رسولَ الله ﷺ بعدَ موتِه (٣) حَدَاثةَ ذلك، تسألُه عن شيءٍ دخَلتْ فيه من أمرِ السحرِ ولم تعمَلْ به. قالت عائشةُ لعروةَ: يا بنَ أختى، فرأيتُها تبكى حينَ لم تجِدْ رسولَ الله ﷺ فيشفِيَها، كانت تبكى حتى إنى لأرحَمُها، وتقولُ: إنى لأخافُ أن أكونَ قد هلَكْتُ، كان لى زوجٌ فغاب عنى، فدخَلَت عليَّ عجوزٌ فشكَوتُ ذلك إليها، فقالت: إن فعَلتِ ما آمرُكِ به، فأجعلُه يأتيك. فلما كان الليلُ جاءتْنى بكلبَين أسودَين، فركِبتْ أحدَهما وركِبتُ الآخرَ، فلم يكنْ كشيءٍ (٤) حتى وقَفنا ببابلَ، فإذا برجلَين، معلَّقَين بأرجلِهما، فقالا: ما جاء بكِ؟ فقلتُ: أتعلَّمُ السحرَ. فقالا: إنما نحن فتنةٌ، فلا تكفُرى وارجِعى. فأبَيْتُ، وقلتُ: لا. قالا: فاذهَبى إلى ذلك التنُّورِ فبُولى فيه. فذهَبتُ ففزِعتُ فلم أفعلْ، فرجَعتُ إليهما، فقالا: أفعَلتِ؟ فقلتُ: نعم. قالا: فهل رأيتِ شيئًا؟ قلتُ: لم أرَ شيئًا. فقالا: لم تفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك ولا تكفُرى. [فأرْبَبْتُ وأبيتُ] (٥)، فقالا: اذهَبى إلى ذلك التنورِ فبولى فيه. فذهَبتُ فاقشعرَرْتُ وخفتُ، ثم رجعتُ إليهما فقلتُ: قد فعلتُ.

стр. 1262

فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: لم أرَ شيئًا. فقالا: كذَبتِ لم تَفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك ولا تكفُرى، فإنك على رأسِ أمرِكِ (١). فأرْبَبْتُ وأبيتُ، فقالا: اذهَبى إلى ذلك التنُّورِ فبولى فيه. فذهَبتُ إليه فبُلتُ فيه، فرأيتُ فارسًا مُتقنِّعًا بحديدٍ خرَج منه (٢) حتى ذهَب في (٣) السماءِ، وغاب عنى حتى ما أراه. فجئتُهما فقلتُ: قد فعلتُ. فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: رأيتُ (٤) فارسًا مُتقنِّعًا خرَج منه (٢)، فذهَب في السماءِ حتى ما أراه. فقالا: صدَقتِ، ذلك إيمانُكِ خرَج منك، اذهبى. فقلتُ للمرأةِ: واللهِ ما أعلمُ شيئًا، وما قالا لى شيئًا. فقالت: بلى، لن تريدى شيئًا إلا كان، خُذى هذا القمحَ فابذُرى. فبذَرتُ، فقلتُ: أطْلِعى. فأطْلَعتْ، وقلت: أحْقِلى. فأحْقَلت، ثم قلت: [أفْرِكى. فأفْرَكَتْ] (٥)، ثم قلت: أيْبِسى. فأيْبَست، ثم قلت: أطْحِنى. فأطْحَنَتْ، ثم قلتُ: أخبزِى. فأخبَزتْ. فلمّا رأيتُ أنى لا أريدُ شيئًا إلا كان، سُقِط في يدِى وندِمتُ، واللهِ يا أمَّ المؤمنين (٦) ما فعلتُ شيئًا قطُّ ولا أفعلُه أبدًا (٧). فقال أهلُ هذه المقالةِ بما وصَفنا، واعتلُّوا بما ذكَرنا، وقالوا: لولا أن الساحرَ يقدِرُ على فعلِ ما ادّعى أنه يقدِرُ على فعلِه، ما قدَر أن يفرِّقَ بينَ المرءِ وزوجِه. قالوا: وقد أخبرَ اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يتعلَّمون مِن الملَكَين ما يفرِّقون به بينَ المرءِ

стр. 1263

وزوجِه، وذلك لو كان على غيرِ الحقيقةِ، وكان على وجهِ التخييلِ والحُسبانِ، لم يكنْ تفريقًا على صحةٍ، وقد أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يفرِّقون على صحةٍ. وقال آخرون: بل السحرُ أخْذٌ بالعينِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. وتأويلُ ذلك: وما يعلِّمُ الملَكان من أحدٍ مِن الناسِ الذى أُنزِل عليهما مِن التَّفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه، حتى يقولا له: إنما نحن بلاءٌ وفتنةٌ لبنى آدمَ، فلا تكفُرْ بربِّك. كما حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: إذا أتاهما -يعنى هاروتَ وماروتَ- إنسانٌ يريدُ السحرَ، وعَظاه وقالا له: لا تكفُرْ، إنما نحن فتنةٌ. فإذا أبَى، قالا له: ائتِ هذا الرمادَ فبُلْ عليه. فإذا بال عليه خرَج منه نورٌ يسطَعُ حتى يدخُلَ السماءَ، وذلك الإيمانُ، وأقبَل (١) شيءٌ أسودُ كهيئةِ الدُّخَانِ حتى يدخُلَ في مسامعِه وكلِّ شيءٍ منه، فذلك غضبُ الله، فإذا أخبرَهما بذلك علَّماه السحرَ، فذلك قولُ الله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ الآية (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ: ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. قالا: أُخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٣).

стр. 1264

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال قتادةُ: كانا يعلِّمان الناسَ السحرَ، فأخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال غيرُ قتادةَ: أخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يَتقدَّما إليه فيقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾. حدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: أخِذ عليهما أن يقولا ذلك. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخِذ الميثاقُ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾: لا يَجترِئُ على السحرِ إلا كافرٌ (٢). وأما "الفتنةُ" في هذا الموضعِ، فإن معناها الاختبارُ والابتلاءُ، مِن ذلك قولُ الشاعرِ (٣): [وقد فُتن] (٤) الناسُ في دينِهم … وخَلَّى ابنُ عفّانَ شَرًّا طَوِيلا

стр. 1265

ومنه يقالُ: فتَنتُ الذهبَ في النارِ -إذا امتَحنتَها لتعرِفَ جَوْدَتَها مِن رَداءتِها- أفتِنُها (١) فتنةً وفتونًا. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾. أى: بلاءٌ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. وقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾. خبرٌ مبتدأٌ عن المتعلِّمين مِن الملَكَين ما أُنزِل عليهما، وليس بجوابٍ لقولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾. بل هو خَبرٌ مستأنفٌ، فلذلك رفِع فقيل: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾. فمعنى الكلامِ إذن: وما يعلِّمان مِن أحدٍ حتى يقولا: إنما نحنُ فتنةٌ. فيأبَون قبولَ ذلك منهما، فيتعلَّمون منهما ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه. وقد قيل: إن قولَه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾. خبرٌ عن اليهودِ معطوفٌ على قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ - ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وجعَلوا ذلك مِن المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ. والذى قلنا أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن إلحاقَ ذلك بالذى يليه مِن الكلامِ، ما كان للتأويلِ وجهٌ صحيحٌ، أولَى مِن إلحاقِه بما قد حِيل بينه وبينه من معْترَضِ الكلامِ. والهاءُ والميمُ والألفُ، مِن قولِه: ﴿مِنْهُمَا﴾. من ذكرِ الملَكَين. ومعنى ذلك: فيتعلَّمُ الناسُ من الملَكَين الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه.

стр. 1266

و ﴿مَا﴾ التى مع ﴿يُفَرِّقُونَ﴾ بمعنى الذى. وقيل: إن (١) معنى ذلك: السحرُ الذى يفرِّقون به. وقيل: هو معنًى غيرُ السحرِ. وقد ذكَرنا اختلافَهم في ذلك فيما مضَى قبلُ (٢). وأما "المرءُ"؛ فإنه بمعنى رجلٍ، من أسماءِ بنى آدمَ، والأُنثى منه المرأةُ. يوحَّدُ ويثنَّى، ولا يجمعُ ثلاثتُه (٣) على صورتِه، يقالُ منه: هذا امرؤٌ صالحٌ، وهذان امرآن صالحان. ولا يقالُ: هؤلاء امرؤو صِدقٍ. ولكن يقالُ: هؤلاء رجالُ صِدقٍ، وقومُ صِدقٍ. وكذلك المرأةُ تُوحَّدُ وتُثنَّى، ولا تُجْمَعُ على صورتِها، يقالُ: هذه امرأةٌ، وهاتان امرأتان. ولا يقالُ: هؤلاء امرآتٌ. ولكن: هؤلاء نسوةٌ. وأما "الزوجُ"، فإن أهلَ الحجازِ يقولون لامرأةِ الرجلِ: هى زوجُه. بمنزلةِ الزوجِ الذَّكرِ، ومِن ذلك قولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وتميمٌ وكثيرٌ من قيسٍ وأهلُ نجدٍ يقولون: هى زوجتُه (٤). قال الشاعرُ (٥): فإن [الذى يمشِى يُحَرِّشُ (٦)] (٧) زَوْجَتى … كماشٍ إلى أُسْدِ الشَّرَى (٨) يَسْتبِيلُها (٩)

стр. 1267

فإن قال قائلٌ: وكيف يفرِّقُ الساحرُ بينَ المرءِ وزوجِه؟ قيل: قد دلَّلنا فيما مضَى على أن معنى السحرِ تخييلُ الشئِ إلى المرءِ بخلافِ ما هو به في عَينِه وحقيقتِه، بما فيه الكفايةُ لمَن وفِّق لفهمِه (١). فإذ كان ذلك صحيحًا بالذى عليه استشهَدْنا، فتفريقُه بينَ المرْءِ وزوجِه، تخييلُه بسحرِه إلى كلِّ واحدٍ منهما شخصَ الآخرِ على خلافِ ما هو به في حقيقتِه مِن حسنٍ وجمالٍ، حتى يقبِّحَه عندَه، فينصرِفَ بوجهِه ويعرِضَ عنه، حتى يُحدِثَ الزوجُ لامرأتِه فِراقًا. فيكونُ الساحرُ مفرِّقًا بينَهما بإحداثِه السببَ الذى كان عنه (٢) فُرْقَةُ ما بينَهما. وقد دلَّلنا في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا على أن العربَ تضيفُ الشئَ إلى مُسبِّبِه من أجلِ تَسْبِيبِه (٣)، وإن لم يكنْ باشرَ فعل ما حدَث عن السببِ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤). فكذلك تفريقُ الساحرِ بسحْرِه بينَ الزوجَين (٥). وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قاله عددٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾: وتفريقُهما أن يؤَخَّذَ (٦)

стр. 1268

كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبِه، ويُبغَّضَ كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه (١). وأما الذين نفَوا (٢) أن يكونَ الملَكان يعلِّمان الناسَ التفريقَ يينَ المرء وزوجِه، فإنهم وجَّهوا تأويلَ قولِه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾. إلى: فيتعلَّمون مكانَ ما علَّماهم ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، كقولِ القائلِ: ليت لنا [من كذا، كذا وكذا] (٣) كما قال الشاعرُ (٤): جَمَعْتَ من الخيراتِ وَطْبًا وعُلبَةً (٥) … وصَرًّا لأخْلافِ (٦) المُزَمَّمَةِ (٧) البُزْلِ (٨) ومِن كلِّ أخْلاقِ الكِرامِ نَميمةً … وَسَعْيًا على الجارِ المُجاوِرِ بالمَحْلِ (٩) يريدُ بقولِه: جَمَعْتَ (١٠) مكانَ خيراتِ الدنيا هذه الأخلاقَ الرديئةَ والأفعالَ الدنيئةَ. ومنه قولُ الآخرِ: صَلَدَتْ (١١) صَفَاتُك (١٢) أن تَلِينَ حُيُودُها (١٣) … وَوَرِثْتَ من سَلَفِ الكِرَامِ عُقُوقا

стр. 1269

يعنى: وَرِثتَ مكانَ سلفِ الكرامِ عُقوقًا مِن ولدِك (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: وما المتعلِّمون مِن الملَكَين هاروتَ وماروتَ ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، بضارِّين بالذى تعلَّموه منهما مِن المعنى الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، من أحدٍ من الناسِ، إلا من قد قضَى اللهُ عليه أن ذلك يضُرُّه، فأما مَن دفَع اللهُ عنه ضُرَّه وحفِظه مِن مكروهِ السحرِ والنَّفْثِ والرُّقى، فإن ذلك غيرُ ضارِّه ولا نائلِه أذَاه. وللإذْنِ في كلامِ العربِ أوجهٌ؛ منها الأمرُ على غيرِ وجهِ الإلزامِ، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ منه قولُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ لأن اللهَ جلّ ثناؤُه قد حرَّم التفريقَ بينَ الرجلِ (٢) وحليلتِه بغيرِ سحرٍ -فكيف به على وجهِ السحرِ- على لسانِ الأُمةِ؟ ومنها التخليةُ بينَ المأذونِ له والمخلَّى بينَه وبينَه. ومنها العلمُ (٣) بالشئِ، يقالُ منه: قد أذِنْتُ بهذا الأمرِ، إذا علِمتَ به، آذَنُ به إذنًا. ومنه قولُ الحطيئةِ (٤): ألا يا هِنْدُ إن جَدَّدْتِ وَصْلًا … وإلَّا فائْذنِينى بانْصِرامِ يعنى: فأعلِمينى.

стр. 1270

ومنه قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. وهذا هو معنى الآيةِ، كأنه قال جلّ ثناؤُه: وما هم بضارين بالذى تعلَّموا مِن الملَكَين مِن أحدٍ إلا بعلمِ اللهِ. يعنى: بالذى سبَق له في علمِ اللهِ أنه يضرُّه. كما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: بقضاءِ اللهِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾. يعنى [جلَّ ثناؤُه بقولِه] (٢): ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾. أى: الناسُ الذين يتعلَّمون من الملَكَين، ما أنزِل إليهما (٣) من المعنى الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، يتعلَّمون منهما السحرَ الذى يضرُّهم في دينِهم، ولا ينفعُهم في مَعادِهم؛ فأما في العاجلِ في الدنيا، فإنهم قد كانوا يكسِبون به ويُصيبون به معاشًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. الفريقَ الذين [أخبرَ عنهم أنهم] (٤) لمَّا جاءهم رسولٌ من عندِ اللهِ مصدِّقٌ لما معهم، نبَذوا كتابَ اللهِ وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلمون، واتَّبَعوا ما تتلو الشياطينُ على ملكِ سليمانَ. فقال جلَّ ثناؤُه: لقد علِم النابِذون مِن يهودِ بنى إسرائيلَ،

стр. 1271

كتابي وراءَ ظهورِهم تجاهلًا منهم، التاركون العملَ بما فيه، من اتباعِك يا محمدُ واتباعِ ما جئتَ به، بعدَ إنزالى إليك كتابى مصدِّقًا لما معهم، وبعدَ إرساليك إليهم بالإقرارِ بما معهم وما في أيديهم، المؤثِرون عليه اتباعَ السحرِ الذى تَلته الشياطينُ على عهدِ سليمانَ، والذى أنزِل على الملَكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ - لمن اشتَرى السحرَ بكتابي الذى أنزَلتُه على رسولى فآثرَه عليه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. [أى: لمَن استحبَّه] (١)، ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ يقولُ: قد علِم ذلك أهلُ الكتابِ في عهدِ اللهِ إليهم؛ أن الساحرَ لا خلاقَ له عندَ اللهِ يومَ القيامةِ (٢). وحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ يعنى: اليهودَ، يقولُ: قد علِمَت اليهودُ أن من تعلَّمه و (٣) اختاره ما له في الآخرةِ من خلاقٍ (٤). وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: لمن اشتَرى ما يفرِّق به بينَ المرءِ وزوجِه (٥).

стр. 1272

وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: قد علِمت يهودُ أن في كتابِ اللهِ في التوراةِ، أن من اشتَرى السحرَ، وترَك دينَ اللهِ، ما له في الآخرةِ من خلاقٍ، [ومن لم يكنْ له خَلاقٌ] (١)، فالنارُ مثْواه ومأْواه (٢). وأما قولُه: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. فإن "مَن" في موضعِ رفعٍ، وليس قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. بعاملٍ فيها؛ لأن قولَه: ﴿عَلِمُوا﴾. بمعنى اليمينِ، فلذلك كانت "مَن" (٣) في موضعِ رفعٍ؛ لأن الكلامَ بمعنى: واللهِ لَمن اشتَرى السحرَ ما له في الآخرةِ من خلاقٍ. ويكونُ (٤) قولُه: ﴿عَلِمُوا﴾. بمعنى اليمينِ، أُجِيبَ (٥) بلامِ اليمينِ، فقيل: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. كما يقالُ: أقسِمُ لَمَن قام خيرٌ ممن قعَد. وكما يقالُ: قد علمتَ لعمرٌو خيرٌ من أبيك. وأما "مَن" فهو حرفُ جَزاءٍ، وإنما قيل: اشتَراه. ولم يقلْ: يشترِه (٦)؛ لدخولِ لامِ القسمِ على "مَن"، ومِن شأنِ العربِ إذا أحدَثت على حرفِ الجزاءِ لامَ القسمِ، ألا ينطِقوا في الفعلِ معه إلا بـ "فَعَل" دونَ " يفْعَل" إلا قليلًا؛ كراهةَ أن يُحدِثوا على الجزاءِ حادثًا وهو مجزومٌ، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]. وقد يجوزُ إظهارُ فعلِه بعدَه على "يفعلُ" مجزومًا، كما قال الشاعرُ (٧):

стр. 1273

لَئن تكُ قد ضاقَتْ عليكم بُيوتُكمْ … لَيَعْلَمُ ربِّى أنَّ بَيتىَ واسِعُ واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾؛ فقال بعضُهم: الخلاقُ في هذا الموضعِ النصيبُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. يقولُ: من نصيبٍ (١). وحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: من نصيبٍ (٢). وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: قال سفيانُ: سمِعنا في قولِه: ﴿مَا (٣) لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. أنه: ما له في الآخرةِ من نصيبٍ. وقال آخرون (٤): الخَلاقُ هاهنا: الجِهةُ (٥). ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن

стр. 1274

قتادةَ: ﴿مَا (١) لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: ليس له في الآخرةِ جهةٌ (٢). وقال آخرون: الخَلاقُ الدينُ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال: ليس له دينٌ (٣). وقال آخرون: الخلاقُ هاهنا القِوامُ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: قِوامٌ (٤). وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ من قال: معنى الخلاقِ في هذا الموضعِ النصيبُ. وذلك أن ذلك معناه في كلامِ العربِ. ومنه قولُ النبيِّ ﷺ : "لَيُؤيِّدنَّ اللهُ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خلاقَ لهم" (٥). يعنى: لا نصيبَ لهم ولا حظَّ في الإسلامِ والدينِ. ومنه قولُ أميةَ بنِ أبي الصلتِ (٦):

стр. 1275

يَدْعون بالوَيْلِ فيها لا خلاقَ لهم … إلا سرابيلُ مِن قِطْرٍ (١) وأغلالُ يعنى بذلك: لا نصيبَ لهم ولا حظَّ إلا السرابيلُ [والأغلالُ] (٢). فكذلك قولُه: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: ما له في الدارِ الآخرةِ حظٌّ من الجَنةِ، من أجلِ أنه لم يكنْ له إيمانٌ ولا دينٌ ولا عملٌ صالحٌ يجازَى به الجنةَ ويثابُ عليه، فيكونَ له حظٌّ ونصيبٌ من الجنةِ. وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. فوصَفه بأنه لا نصيبَ له في الآخرةِ، وهو يعنى به: لا نصيبَ له من جزاءٍ وثوابٍ وجنةٍ، دونَ نصيبِه من النارِ؛ إذ كان قد دلَّ بذمِّه (٣) جلَّ ثناؤه أفعالَهم التى نفَى من أجلِها أن يكونَ لهم في الآخرةِ نصيبٌ، على مرادِه من الخيرِ، وأنه إنما يعنى بذلك أنه لا نصيبَ لهم فيها من الخيراتِ، فأما من الشرورِ فإن لهم منها (٤) فيها [أنصباءَ وأنصباءَ] (٥). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾. قد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على أن معني: ﴿شَرَوْا﴾: باعُوا (٦). فمعنى الكلامِ إذن: ولبئسَ ما باع به نفْسَه مَن تعلَّم السحرَ لو كان يعلمُ سوءَ عاقبتِه. كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ:

стр. 1276

﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقولُ: بئس ما باعوا به أنفسَهم (١). فإن قال لنا قائل: وكيف قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقد قال قبلُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. فكيف يكونون عالِمين بأن من تعلَّم السحرَ فلا خلاقَ له (٢)، وهم يجهَلون أنهم بئسَ ما شرَوْا بالسحرِ أنفسَهم؟ قيل: معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى توهَّمتَه من أنهم مرصوفون [بجهلِ ما] (٣) هم موصوفون بالعلمِ به، ولكنَّ ذلك من المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، وإنما معنى الكلامِ: وما هم بضارِّين به من أحدٍ إلا بإذنِ اللهِ، ويتعلَّمون ما يضرُّهم ولا ينفعُهم، ولبئس ما شرَوْا به أنفسَهم لو كانوا يعلَمون، ولقد علِموا لمن اشتَراه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ. فقولُه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ذمٌّ من اللهِ تعالى ذكرُه فعْلَ المتعلِّمين من المَلَكَين التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه، وخبرٌ منه جلَّ ثناؤه عنهم أنهم بئس ما باعوا (٤) أنفسَهم، برضاهم بالسحرِ عِوضًا من (٥) دينِهم الذى به نجاةُ أنفسِهم من الهلكةِ، جهلًا منهم بسوء عاقبةِ فعلِهم، وخسارةِ صفقةِ بيعِهم؛ إذ كان قد يتعلَّمُ ذلك منهما من لا يعرِفُ اللهَ، ولا يعرِفُ حلالَه وحرامَه، وأمرَه ونهيَه. ثم عاد إلى الفريقِ الذى أخبَر عنهم أنهم نبَذوا كتابَه وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلَمون، واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشياطِينُ على ملْكِ سليمانَ وما أُنْزِل على الملَكَينِ، فأخبَر عنهم أنهم قد علِموا أن من اشتَرى السحرَ ما له في الآخرةِ من

стр. 1277

خلاقٍ، ووصَفهم بأنهم يركَبون معاصىَ اللهِ على علمٍ منهم بها، ويكفُرون باللهِ ورسلِه، ويُؤْثِرون اتباعَ الشياطينِ والعملَ بما أحدَثَتْهُ من السحرِ، على العملِ بكتابِه ووحيِه وتنزيلِه، عنادًا منهم له (١)، وبغيًا على رسلِه، وتعدِّيًا منهم حُدودَه، على معرفةٍ منهم بما لِمَنْ فعَل ذلك عندَ اللهِ من العقابِ والعذابِ. فذلك تأويلُ ذلك (٢). وقد زعَم بعضُ الزاعِمين أن قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. معنىٌّ (٣) به الشياطينُ، وأن قولَه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ معنيٌّ (٣) به الناسُ. وذلك قولٌ [لقولِ جميعِ] (٤) أهلِ التأويلِ مخالفٌ. وذلك أنهم مُجْمِعون على أن قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾. معنىٌّ به اليهودُ دونَ الشياطينِ، ثم هو مع ذلك خلافُ ما دلَّ عليه التنزيلُ؛ لأن الآياتِ قبلَ قولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. وبعدَ قولِه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ جاءت من اللهِ بذَمِّ اليهودِ، وتوبيخِهم على ضلالِهم [ذَهابِهم عن] (٥) وحىِ اللهِ وآياتِ كتابِه (٦)، مع علمِهم بخطأِ فعلِهم، فقولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. أحدُ تلك الأخبارِ عنهم. وقال بعضُهم: إن الذين وصَف اللهُ بقولِه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ

стр. 1278

أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فنفَى عنهم العلمَ، هم الذين وصَفهم اللهُ بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. وإنما نفَى عنهم جلّ ثناؤُه العلمَ بقولِه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. بعدَ وصفِه إياهم بأنهم قد علِموا بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. من أجلِ أنهم لم يعمَلوا بما علِموا، وإنما العالِمُ، العاملُ بعلمِه، فأما إذا خالَف عملُه علمَه، فهو في معانى الجهَّالِ. قالوا (١): وقد يقالُ للفاعلِ الفعلَ بخلافِ ما ينبغى أن يفعلَ، وإن كان بفعلِه عالِمًا: لو علِمتَ لأقصَرتَ. كما قال كعبُ بنُ زهيرٍ المزنيُّ، وهو يصِفُ ذئبًا وغُرابًا تبِعاه لينالا من طعامِه وزادِه (٢): إذا حضَرانى قلتُ لو تَعْلَمانه … ألم تَعْلَما أنى مِن الزَّادِ مُرْمِلُ (٣) فأخبرَ أنه قال لهما: لو تعلَمانه. فنفَى عنهما العلمَ، ثم استخبرَهما فقال: ألم تعلَما. قالوا: فكذلك قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. و: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وهذا تأويلٌ، وإن كان له مخرَجٌ ووجهٌ، فإنه خلافُ الظاهرِ المفهومِ بنفسِ الخطابِ، أعنى بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾. وقولِه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وإنما هو استخراجٌ. وتأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظاهرِ بالخطابِ دونَ الخفيِّ الباطنِ منه -حتى تأتىَ دَلالةٌ من الوجهِ الذى يجبُ التسليمُ له، بمعنًى خلافِ دليلِه الظاهرِ المتعارَفِ في أهلِ اللسانِ الذين بلسانِهم نزَل القرآنُ- أَولى (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

стр. 1279

خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾: لو أن الذين يتعَلَّمون من الملَكَين ما يُفَرِّقون به بينَ المرءِ وزَوْجِه ﴿آمَنُوا﴾ فصدَّقوا اللهَ ورسولَه، وما جاءهم به من عندِ ربِّهم ﴿وَاتَّقَوْا﴾ ربَّهم فخافُوه، وخافوا عقابَه، فأطاعوه بأداءِ فرائِضه، وتجنُّبِ (١) معاصِيه - لكان جزاءُ اللهِ إياهم، وثوابُه لهم على إيمانِهم به وتقواهم إياه، خيرًا لهم من السحرِ وما اكْتَسَبوا به، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أن ثوابَ اللهِ إيَّاهم على ذلك خيرٌ لهم من السحرِ ومما اكْتَسَبوا به. وإنما نفَى بقولِه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. العلمَ عنهم أن يكونوا عالِمين بمَبْلَغِ ثوابِ اللهِ وقَدْرِ جزائِه على طاعتِه. والمَثُوبَةُ في كلامِ العربِ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أثَبْتُك إثابةً وثَوابًا ومَثوبةً. وأصلُ ذلك مِن: ثاب إليك الشئُ. بمعنى: رجَع. ثم يقال: أثَبتُه إليك. أى: أرجَعْتُه (٢) إليك وردَدْتُه. فكأنَّ (٣) معنى إثابةِ الرجلِ الرجلَ على الهَدِيَّةِ وغيرِها، إرجاعُه إليه (٤) منها بَدَلًا، ورَدُّه عليه منها عِوَضًا. ثم جُعِل كلُّ مُعَوِّضٍ غيرَه من عملِه أو هديَّتِه أو يدٍ له سلَفت منه إليه مُثِيبًا له. ومنه ثوابُ اللهِ عبادَه على أعمالِهم، بمعنى إعطائِه إياهم العِوَضَ والجزاءَ عليه، حتى يَرْجِعَ إليهم بَدَلٌ مِن عملِهم الذى عمِلوه له. وقد زعَم بعضُ نحويِّى أهلِ (٥) البصرةِ أن قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ

стр. 1280

مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. مما اكْتُفى بدَلالةِ الكلامِ على معناه عن ذكرِ جوابِه، وأن معناه: ولو أنهم آمَنوا واتَّقَوْا لأُثِيبوا. ولكنه اسْتُغْنى بدَلالةِ الخبرِ على المثوبةِ عن قولِه: لأُثِيبوا. وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ (١) ينكِرُ ذلك، ويرَى أن جوابَ قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ - ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ وأن "لو" إنما أُجِيبت بالمثوبةِ، وإن كانت أجْوِبتُها (٢) بالماضى مِن الفعلِ، لتقارُبِ معناها مِن معنى "لئن" في أنهما جزاءان، وأنهما جوابان للإيمانِ، فأُدْخِل جوابُ كلِّ واحدةٍ منهما على صاحبتِها، فأجِيبت "لو" بجوابِ "لئن" و "لئن" بجواب "لو"، لذلك، وإن اخْتَلَفت أجوبتُهما، وكانت "لو" مِن حكمِها وحظِّها أنْ تُجابَ بالماضى مِن الفعلِ، وكانت "لئن" مِن حكمِها وحظِّها أن تجابَ بالمستقبلِ مِن الفعلِ، لِما وصَفْنا من تقارُبهما. فكان يتَأوّلُ معنى قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾: ولئن آمَنوا واتَّقَوا لمثوبةٌ مِن عندِ اللهِ خيرٌ. وبما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يقولُ: ثوابٌ مِن عندِ اللهِ (٣). وحدَّثنى موسى (٤)، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أما المثوبةُ فهو الثوابُ (٥).

стр. 1281

وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. يقولُ: لثوابٌ مِن عندِ اللهِ (١). *القولُ فى تأويلِ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأْويلِ قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: لا تقولوا خِلافًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. قال: لا تقولوا خِلافًا (٢). وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾: لا تقولوا خِلافًا (٣). وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 1282

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازِىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخَرون: تأويلُه: أَرْعِنا سمْعَك. أىْ: اسْمَعْ مِنَّا ونسمَعَ منك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿رَاعِنَا﴾. أى: أرْعِنا سمْعَك (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو (٢)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. لا تقولوا: اسمعْ منَّا ونَسْمَعَ منك (٣). وحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفَرَجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رَاعِنَا﴾. قال: كان الرجلُ مِن المشركين يقول: أرْعِنى سمْعَك. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجْلِه نهَى اللهُ المؤمنين أن يقولوا:

стр. 1283

راعِنا؛ فقال بعضُهم: هى كلمةٌ كانت اليهودُ تقولُها على وجْهِ الاستهزاءِ والسبِّ (١)، فنهَى الله تعالى ذكرُه المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبىِّ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾: قولٌ كانت تقولُه اليهودُ استهزاءً، فزجَر اللهُ المؤمنين أن يقولوا كقولِهم (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيْرِىُّ، عن فُضَيْلِ (٣) بنِ مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. قال: كان أناسٌ مِن اليهودِ يقولون: أرْعِنا سمْعَك. حتى قالها أناسٌ مِن المسلمين، فكرِه اللهُ لهم ما قالت اليهودُ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. كما قالت اليهودُ والنصارَى (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾. قال: كانوا يقولون: راعِنا سمْعَك. فكان اليهودُ يأتون فيقولون مثلَ ذلك مستهْزِئين، فقال اللهُ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (٥). وحُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ،

стр. 1284

عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. قال: كانوا يقولون للنبيِّ ﷺ : راعِنا سمْعَك. وإنما ﴿رَاعِنَا﴾ كقولِك: عاطِنا (١). وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ (٢) زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ قال: ﴿رَاعِنَا﴾ القولُ الذى قاله القومُ؛ قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]. قال: قال: هذا الراعِنُ -والراعِنُ الخطأُ (٣) - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطأً (٤) كما قال القومُ، وقولوا: انظُرْنا واسْمَعوا. قال: كانوا يَنْظُرون إلى النبىِّ ﷺ ويُكَلِّمونه ويَسْمَعُ منهم، ويسأَلونه ويُجِيبُهم. وقال آخَرون: بل هى كلمةٌ كانت الأنصارُ في الجاهليَّةِ تقولُها، فنهاهم اللهُ فى الإسلامِ أن يقولوها لنبيِّه ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ (٥)، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال: كانت لغةً فى الأنصارِ فى الجاهليَّةِ، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ ولكن ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ إلى

стр. 1285

آخرِ الآيةِ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. قال: كانت لغةً في الأنصارِ. حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه. وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ فى قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. قال: إن مُشرِكى العربِ كانوا إذا حدَّث بعضُهم بعضًا يقولُ أحدُهم لصاحبِه: أرْعِنى سمْعَك. فنُهُوا عن ذلك (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: ﴿رَاعِنَا﴾ قولُ الساخِرِ، فنَهاهم أن يَسْخَروا مِن قولِ محمدٍ ﷺ . وقال بعضُهم: بل كان ذلك كلامَ يهودىٍّ مِن اليهودِ بعينِه، يقال له: رفاعةُ بنُ زيدٍ. كان يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ به (٣) على وجْهِ السَّبِّ له، وكان المسلمون أخَذوا عنه ذلك، فنهَى اللهُ المؤمنين عن قِيلِه للنبيِّ ﷺ . ذكر من قال ذلك حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 1286

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: كان رجلًا مِن اليهودِ، مِن قبيلةٍ مِن اليهودِ يقالُ لهم: بنو قَيْنُقَاعَ. كان يُدْعَى رفاعةَ بنَ زيدِ بنِ السائبِ -قال أبو جعفرٍ: هذا خطأٌ، إنما هو ابنُ التابوتِ، ليس ابنَ السائبِ- كان يأتى النبىَّ ﷺ ، فإذا لقِيَه فكلَّمَه فقال: أرْعِنى سمْعَك، واسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ. فكان المسلمون يَحْسَبون أن الأنبياءَ كانت تُفَخَّمُ (١) بهذا، فكان ناسٌ منهم يقولون: اسمعْ غيرَ مُسْمَعٍ. كقولِك: اسمعْ غيرَ صاغرٍ. هى (٢) التى فى "النساءِ": ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء: ٤٦]. يقولُ: إنما يُرِيدُ بقولِه طَعْنًا فِى الدّينِ. ثم تقدَّم إلى المؤمنين فقال: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ (٣). والصوابُ مِن القولِ في نهْىِ اللهِ جلَّ ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيِّه: ﴿رَاعِنَا﴾ أن يقالَ: إنها كلمةٌ كرِهها اللهُ لهم أن يقولوها لنبيِّه ﷺ ، نظيرَ الذى ذُكِر عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا تَقُولُوا للعِنَبِ الكَرْمَ، ولكِن قولوا الحَبَلَةَ" (٤). و"لا تَقُولُوا عَبْدِى، ولكِنْ قُولُوا فتَاىَ" (٥). وما أشبهَ ذلك مِن الكلمتينِ اللَّتينِ تكونان مستعمَلتين بمعنًى واحدٍ فى كلامِ العربِ، فتأتى الكراهةُ أو النهىُ باستعمالِ إحداهما، واختيارِ الأُخْرَى عليها فى المخاطَباتِ.

стр. 1287

فإن قال (١) قائلٌ: فإنَّا قد علِمْنا معنى نَهْىِ النبيِّ ﷺ فى العِنَبِ أن يقالَ له: كَرْمٌ. وفى العبدِ أن يقالَ له: عبدٌ. فما المعنى في قولِه: ﴿رَاعِنَا﴾. حينئذٍ الذى مِن أجلِه كان النهىُ مِن اللهِ جل ثناؤه المؤمنين عن أن يقولوه، حتى أمَرَهم أن يُؤْثِروا قولَهم (٢): ﴿انْظُرْنَا﴾ عليه (٣)؟ قيل: الذى فيه مِن ذلك نظيرُ الذى فى قولِ القائلِ: الكَرْمُ. للعنبِ، و: العبدُ. للمملوكِ. وذلك أن قولَ القائلِ: عبدٌ. [صفةُ جميعِ] (٤) عبادِ اللهِ، فكرِه النبىُّ ﷺ أن يُضَافَ بعضُ عبادِ اللهِ -بمعنى المعبودِ (٥) - إلى غيرِ (٦) اللهِ، وأمَر أنَ يُضَافَ ذلك إلى غيرِه، بغيرِ المعنى الذى يُضافُ إلى اللهِ ، فيقال: [فتى اللهِ] (٧). وكذلك وجهُ نهيِه في العنبِ أن يقالَ لها: كَرْمٌ. [لأن الكَرْمَ مصدرٌ من كرَم كرْمًا] (٨)، وإن كانت راؤُها (٣) مُسَكَّنةً، فإن العربَ قد تُسَكِّنُ بعضَ الحركاتِ إذا تتابَعت على [نوعٍ واحدٍ] (٩)، فَكرِه أن يُوصفَ (١٠) بذلك العنبُ. فكذلك نهَى اللهُ المؤمنين أن يقولوا: راعِنا. لما كان قولُ القائل: راعِنا. محتمِلًا أن يكونَ بمعنى: احْفَظْنا ونَحْفَظَك، وارْقُبْنا ونَرْقُبَك. مِن قولِ العربِ بعضِهم لبعضٍ: رعاك

стр. 1288

اللهُ. بمعنى: حفِظك اللهُ وكَلأك. ومحتمِلًا أن يكونَ بمعنى: أرْعِنا سمْعَك. مِن قولِهم: أرْعَيتُ به (١) سمعِى إرعاءً. أو: راعَيْتُه سمعِى رِعاءً أو مُراعاةً. بمعنى: فرَّغْتُه لسماعِ كلامِه. كما قال الأَعْشى ميمونُ بنُ قيسٍ (٢): يُرْعِى إلى قَوْلِ ساداتِ الرِّجالِ إذَا … أبْدَوْا لهُ الحَزْمَ أو ما شاءَه ابْتَدَعا يعنى بقولِه يُرْعِى: يُصْغِى سمعَه إليه مُفَرِّغَه لذلك. وكأنَّ اللهَ جل ثناؤه قد أمَر المؤمنين بتوقيرِ نبيِّه ﷺ وتعظيمِه، حتى نهاهم جلّ ذكرُه فيما نهاهم عنه، عن رفعِ أصواتِهم فوقَ صوتِه، وأن يَجْهَرُوا له بالقوْلِ كجَهْرِ بعضِهم لبعضٍ، وخوَّفَهم على ذلك حبوطَ أعمالِهم، تقدَّم (٣) إليهم بالزجرِ لهم عن أن يقولُوا له من القولِ ما فيه جَفاءٌ، وأمَرَهم أن يَتَخَيَّرُوا لخطابِه من الألفاظِ أحسنَها، ومن المعاني أَرَقَّها، فكان من ذلك قولُهم: ﴿رَاعِنَا﴾. لِمَا فيه (٤) احتمالُ معنى: ارْعَنا نَرْعَك. إذ كانت المفاعلةُ لا تكونُ إلا مِن اثنين، كما يقولُ القائلُ: عاطِنا وحادِثْنا وجالِسْنا. بمعنى: افعَلْ بنا نَفْعَلْ بك. ومعنى: أَرْعِنا سمعَك حتى نَفهمَك وتَفهمَ عنا. فنَهَى اللهُ تعالى ذكرُه أصحابَ محمدٍ أن يقولوا ذلك كذلك، وأمرَهم (٥) أن يُفْرِدُوا مسألَتَه بانتظارِهم وإمهالِهم؛ ليَعْقِلوا عنه، بتَبْجِيلٍ منهم له وتعظيمٍ، وألَّا يَسألُوه ما سأَلوه من ذلك على وجهِ الجَفاءِ والتَّجَهُّمِ منهم له، ولا بالفظاظةِ والغِلْظةِ، تَشْبيهًا منهم باليهودِ في خطابِهم نبيَّ اللهِ ﷺ بقولِهم له: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا﴾ [النساء: ٤٦]. يَدُلُّ على صحةِ ما قُلْنا في ذلك قولُه:

стр. 1289

﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]. فدلَّ بذلك أن الذي عاتَبهم (١) عليه مما يَسُرُّ اليهودَ والمشركِين. فأما التأويلُ الذي حُكِى عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿رَاعِنَا﴾. أنه بمعنى: خِلافًا. فما (٢) لا يُعْقَلُ في كلامِ العربِ، لأنَّ "رَاعَيْتُ" في كلامِ العربِ إنما هو على أحدِ وجهَيْن؛ أحدُهما، بمعنى: فاعَلْتُ، من الرِّعْيةِ، وهي [الرِّقْبةُ والكَلاءةُ] (٣). والآخرُ، بمعنى إفراغِ السمعِ، بمعنى: أَرْعَيْتُه سمعى. وأما "راعَيْتُ" بمعنى: "خالَفْتُ"، [فما لا] (٤) وجهَ له مفهومٌ في كلامِ العربِ، إلا أن يكونَ قَرأ ذلك بالتنوينِ، ثم وَجَّهه إلى معنى الرُّعُونةِ والجهلِ والخطأ، على النحوِ الذي قال في ذلك عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ، فيكونُ لذلك -وإن كان مخالفًا قراءةَ القَرَأةِ- معنى مفهومٌ حينئذٍ. وأما القولُ الآخرُ الذي حُكِيَ عن عطيةَ ومَن حُكِيَ ذلك عنه أن قولَه: ﴿رَاعِنَا﴾. كانت كلمةً لليهودِ بمعنى السبِّ والسخريةِ، فاستعملَها المؤمنون أَخْذًا منهم ذلك عنهم، فإن ذلك غيرُ جائزٍ في صفةِ المؤمنين أن يأخُذوا مِن كلامِ أهلِ الشركِ كلامًا لا يَعْرِفون معناه، ثم يَسْتعملُونه بينهم وفي خطابِ نبيِّهم ﷺ . ولكنه جائزٌ أن يكونَ ذلك كما (٥) رُوِى عن قتادةَ، أنها كانت كلمةً صحيحةً مفهومةً من كلامِ العربِ، وافقَتْ كلمةً من كلامِ اليهودِ بغيرِ اللسانِ العربيِّ، هي عند اليهودِ

стр. 1290

سَبٌّ، وهي عند العربِ: أَرْعِني سمعَك وفرِّغْه لي (١)؛ لتَفْهَمَ عني. فعلَّم اللهُ جلَّ ثناؤُه معنى اليهودِ في قيلِهم ذلك للنبيِّ ﷺ ، وأن معناها منهم خلافُ معناها في كلامِ العربِ، فنَهَى اللهُ المؤمنين عن قيلِها للنبيِّ ﷺ ، لئلا يَجْتَرِئَ مَن كان معناه في ذلك غيرَ معنى المؤمنين فيه، أن يُخاطِبَ رسولَ اللهِ ﷺ به. وهذا تأويلٌ لم يَأْتِ الخبرُ بأنه كذلك مِن الوجهِ الذي تقومُ به الحجةُ. وإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ ما وصَفْنا، إذ كان ذلك هو الظاهرَ المفهومَ بالآيةِ دون غيرِه. وقد حُكِيَ عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يقرؤُه: (لا تقولوا راعنًا) (٢). بالتنوينِ، بمعنى: لا تقولوا قولًا راعنًا. من الرُّعونةِ، وهي الحُمْقُ والجهلُ. وهذه قراءةٌ لقَرأةِ المسلمين مخالِفةٌ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ القراءةُ بها، لشذوذِها وخروجِها من قراءةِ المتقدِّمين والمتأخِّرين، وخلافِها ما جاءت به الحجّةُ من المسلمين. ومن نَوَّن (راعنًا) نَوَّنه بقولِه: ﴿لَا تَقُولُوا﴾، لأنه حينئذٍ عاملٌ فيه، ومن لم يُنَوِّنْه فإنه تَرَك تنوينَه لأنه أمرٌ مَحْكِيٌّ؛ لأن القومَ كأنهم كانوا يقولون للنبيِّ ﷺ : راعِنا. بمعنى مَسألتِه؛ إمّا أن يُرْعِيَهم سمعَه (٣)؛ وإمّا أن يرعاهم ويَرْقُبَهم -على ما قد بَيَّنْتُ فيما مضَى- فقيل لهم: لا تقولُوا في مسألتِكم إياه: ﴿رَاعِنَا﴾. فتكونُ الدلالةُ على معنى الأمر في ﴿رَاعِنَا﴾ حينئذٍ سقوطَ الياءِ التي كانت تكونُ في "راعَيتُه" (٤)، ويدلُّ عليها -أَعنى على الياءِ الساقطةِ- كسرةُ العينِ مِن ﴿رَاعِنَا﴾.

стр. 1291

وقد ذُكر أن (١) قراءةَ ابنِ مسعودٍ: (لا تقولوا راعونا) (٢). بمعنى حكايةِ أميرٍ (٣) صالحةٍ لجماعةٍ بمراعاتِهم (٤). فإن كان ذلك من قراءتِه صحيحًا، وُجِّه (٥) أن يكونَ القومُ كأنهم نُهُوا عن استعمالِ ذلك بينهم في خطابِ بعضِهم بعضًا، كان خطابُهم للنبيِّ ﷺ أو لغيرِه، ولا نعلمُ ذلك صحيحًا من الوجهِ الذي تصحُّ منه الأخبارُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾. يعني بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: وقولوا أيها المؤمنون لنبيِّكم ﷺ : انتظِرْنا وارقُبْنا، نَفْهَمْ ونتبيَّنْ ما تقولُ لنا وتُعلِّمُنا. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: فقِّهْنا (٦)، بَيِّنْ لنا يا محمدُ (٧). حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: أفْهِمْنا، بَيِّنْ لنا يا محمدُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. يقالُ منه: نظَرْتُ الرجلَ، أَنظُرُه نَظِرةً. بمعنى: انتظرْتُه ورقَبْتُه. ومنه قولُ

стр. 1292

الحُطَيئةِ (١): وقد نَظَرْتُكُمُ [أعْشاءَ صادِرَةٍ] (٢) … للخِمْسِ (٣) طالَ بها حَوْزِي (٤) وتَنْساسِي (٥) ومنه قولُ اللهِ : ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. يَعنى به: انتظِرُونا. [وقد قُرِئ: (أنظِرونا نَقتَبِسْ من نُورِكم) (٦). يعنى به: انْتَظِرونا. وقد قُرِئَ: (أنظِرونا)] (٧). وقد قرِئ: (أنظِرْنا) (٨). بقطْعِ الألفِ في الموضِعَيْن جميعًا. فمَن قَرأ ذلك كذلك، أراد: أَخِّرْنا. كما قال جلَّ ثناؤُه ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: ٧٩]. أي: أخِّرْني. ولا وجهَ لقراءةِ ذلك كذلك في هذا الموضعِ؛ لأن أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ إنما أُمِروا بالدنوِّ من رسولِ اللهِ ﷺ ، والاستماعِ منه، وإلطافِ الخطابِ له، وخَفْضِ الجناحِ، لا بالتأخُّرِ عنه، ولا بمسألتِه تأخيرَهم عنه. فالصوابُ -إذ كان ذلك كذلك- من القراءةِ، قراءةُ مَن وصَل الألفَ من قولِه: ﴿انْظُرْنَا﴾ ولم يَقْطَعْها، بمعنى: انتظِرْنا. وقد قيل: إن معنى: (أَنْظِرْنا) بقطعِ الألفِ بمعنى: أَمْهِلْنا. حُكِي عن بعضِ

стр. 1293

العربِ سماعًا: أَنْظِرْني أكلِّمْك. وذكَر سامعُ ذلك من بعضِهم أنه استَثْبته في معناه، فأخبرَه أنه أراد: أَمْهِلْني. فإن لم (١) يكُنْ ذلك صحيحًا عنهم، فـ "انظُرْنا" و"أَنظِرْنا"، بقطعِ الألفِ ووصلِها متقاربتا المعنى، غير أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن القراءةَ التي لا (٢) أستجيزُ غيرَها قراءةُ مَن قرَأه: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾. بوصلِ الألِفِ، بمعنى: انتظِرْنا. لإجماعِ الحجةِ على تصويبِها، ورفضِهم غيرَها من القراءاتِ [في ذلك] (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾. يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: اسمَعُوا ما يقالُ لكم، ويُتْلَى عليكم من كتابِ ربِّكم، وعُوه وافهمُوه. كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: اسمَعُوا ما يقالُ لكم (٤). فمعنى الآيةِ إذن: يأيُّها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيِّكم: راعِنا سمعَك وفرِّغْه لنا، نَفْهَمْك وتَفْهَمْ عنا ما نقولُ، ولكن قولوا: انتظِرْنا وتَرَقَّبْنا حتى نَفهمَ عنك ما تُعلِّمُنا وتبينُه لنا. واسمَعوا منه ما يقولُ لكم فعُوه واحفظُوه وافهمُوه. ثم أخبرَهم جل ثناؤُه أن لمن جحَد منهم ومِن غيرِهم آياتِه، وخالفَ أمرَه ونَهْيَه، وكذَّب برسولِه -العذابَ الموجعَ في الآخرةِ، فقال: وللكافرين بي وبرسولي عذابٌ أليمٌ. يعنى بقولِه: "الأليم". الموجِعَ. وقد ذكَرْنا الدلالةَ على ذلك فيما مضَى قبلُ وما فيه مِن الآثارِ (٥).

стр. 1294

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى بقولِه: ﴿مَا يَوَدُّ﴾: ما يُحِبُّ. أي: ليس يَوَدُّ (١) كثيرٌ مِن أهلِ الكتابِ. يقالُ منه: وَدَّ فلانٌ كذا، يَوَدُّ، وُدًّا ووَدًّا ووِدًّا (٢) ومَودَّةً. وأما "المشركون" فإنهم في موضعِ خَفْضٍ بالعطفِ على "أهلِ الكتابِ". ومعنى الكلامِ: ما يَوَدُّ (٣) الذين كفروا من أهلِ الكتابِ ولا من (٤) المشركين أن يُنَزَّلَ عليكم من خيرٍ من ربِّكم. وأما "أنْ" في قولِه: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾ فنُصِب بقولِه: ﴿يَوَدُّ﴾. وقد دلَّلْنا على (٥) دخولِ "مِن" فى قولِه: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾. وما أَشبهَ ذلك من الكلامِ الذي يكونُ في أولِه جَحْدٌ فيما مضَى، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٦). فتأويلُ الكلامِ: ما يحبُّ الكافرون من أهلِ الكتابِ ولا من (٤) المشركين باللهِ من عَبَدَةِ الأوثانِ، أن يُنَزِّلَ اللهُ (٤) عليكم شيئًا (٤) مِن الخيرِ الذي [هو عندَه. والخيرُ الذي كان] (٧) اللهُ يُنزِّلُه عليهم فتَمنَّى المشركون، وكَفَرةُ أهلِ الكتابِ ألَّا يُنَزِّلَه (٨) اللهُ عليهم -الفرقانُ وما أوحاه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ من حُكْمِه وآياتِه، وإنما أحبَّتِ

стр. 1295

اليهودُ وأتباعُهم مِن المشركين ذلك حسدًا وبَغْيًا منهم على المؤمنين. وفى هذه الآيةِ دلالةٌ بَيِّنةٌ على أنَّ اللهَ ﵎ نَهَى المؤمنين عن الرُّكونِ إلى أعدائِهم من أهلِ الكتابِ والمشركين، والاستماعِ من قولِهم، وقَبولِ شيءٍ مما يَأتونهم (١) به على وجهِ النصيحةِ لهم منهم، بإطْلاعِه جلّ ثناؤُه إياهم على ما يَستبطِنُه لهم أهلُ الكتابِ والمشركون مِن الضِّغْنِ والحسدِ، وإن أظهَرُوا بألسنتِهم خلافَ ما هم [مُستبطِنوه لهم] (٢). القولُ في تأويلِ قولِهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾. يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ واللَّهُ يختصُّ مَن يشاءُ لنبوَّتِه ورسالاتِه، فيُرسِلُه إلى من يشاءُ من خلقِه، ويتفضّلُ بالإيمانِ به (٣) على مَن أحبَّ فيَهْديه له. واختصاصُه إياهم بها، إفرادُهم (٤) بها دونَ غيرِهم من خلقِه. وإنما جعَل اللهُ رسالتَه إلى من أرسَل إليه من خلقِه، وهدايَتَه مَن هدَى من عبادِه رحمةً (٥) منه له؛ ليُصَيِّرَه بها إلى رضاه ومحبتِه، وفوزِه بها بالجنةِ، واستحقاقِه بها ثناءَه (٦)، وكلُّ ذلك رحمةٌ من اللهِ له. وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ [جل ثناؤُه] (٧)

стр. 1296

[عن أن كلَّ خيرٍ ناله عبادُه فى دينِهم ودنياهم، فإنه مِن عندِه ابتداءً، وتفضُّلًا منه عليهم من غيرِ استحقاقٍ منهم ذلك عليه. وفي قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. تعريضٌ مِن اللهِ] (١) تعالى ذِكرُه بأهلِ الكتابِ أن الذى آتى نبيَّه محمدًا ﷺ والمؤمنين به من الهدايةِ تَفَضُّلٌ (٢) منه، وأن نعمَه لا تُدْرَكُ بالأمانيِّ، ولكنها مواهبُ منه يَختصُّ بها مَن يشاءُ من خلقِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. [ما ننقُلْ مِن حكمِ آيةٍ] (٣) إلى غيرِه، فنغيِّرْه ونبدِّلْه. وذلك أن يحوِّلَ الحلالَ حرامًا، والحرامَ حلالًا، والمباحَ محظورًا، والمحظورَ مباحًا. ولا يكونُ ذلك إلَّا في الأمرِ والنهىِ، والحظرِ والإطلاقِ، والمنعِ والإباحةِ. فأما الأخبارُ فلا يكونُ منها (٤) ناسخٌ ولا منسوخٌ. وأصلُ النسخِ من نَسْخِ أصلِ (٥) الكتابِ، وهو نقلُه مِن نسخةٍ إلى أُخرَى غيرِها. فكذلك معنى نَسْخِ الحكمِ إلى غيرِه، [إنما هو تحويلُه ونقلُ عبادِه (٦) عنه إلى غيرِه] (٧). فإذ كان ذلك معنى نسخِ الآيةِ، فسواءٌ -إذا نُسِخَ حكمُها فغُيِّر وبُدِّل فرضُها، ونُقِل (٨) العبادُ عن اللازمِ كان لهم بها- [أُقِرَّ خطُّها] (٩) فتُرِك، أو مُحِىَ أثرُها

стр. 1297

فعُفِّىَ و (١) نُسِي، إذ هى حينئذٍ في كلتى حالتَيْها منسوخةٌ، والحُكْمُ الحادثُ المُبْدَلُ به الحكمُ الأولُ والمنقولُ إليه فرضُ العبادِ هو الناسخُ. يقالُ منه: نسَخ اللهُ حكمَ (٢) آيةِ كذا وكذا، يَنْسَخُه نَسْخًا، والنُّسخةُ الاسمُ. وبمثلِ الذى قلنا في ذلك كان الحسنُ البصرىُّ يقولُ (٣). حَدَّثَنَا سَوّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (٤) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ قال (٥): أُقْرِئَ قرآنًا ثم نُسِّيَه، فلم يكنْ شيئًا، ومن القرآنِ ما قد نُسِخ وأنتم تقرءُونه (٦). اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: أما نسخُها فقبضُها (٧). وقال آخرون بما حَدَّثَنِي به المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. ما نُبَدِّل من آيةٍ (٨).

стр. 1298

وقال آخرون بما حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن أصحابِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنهم قالوا: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. نُثْبِتْ خَطَّها، ونُبَدِّلْ حُكمَها (١). وحَدَّثَنِي المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. نُثْبِتْ خطَّهَا، ونُبَدِّلْ حكمَها. حدِّثْت به عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ، حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنِي بكرُ بنُ شرودٍ (٢)، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: نُثْبِتْ خطَّها. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. اختَلف أهلُ القراءةِ في قراءةِ ذلك، فقرَأها قَرَأةُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٣). ولقراءةِ مَن [قرأهَا كذلك] (٤) وجهانِ من التأويلِ: أحدُهما، أن يكونَ تأويلُه: ما نَنْسَخْ يا محمدُ مِن آيةٍ فنُغَيِّرْ حكمَها أو نُنْسِكَها (٥) - وقد ذُكِر أنَّها في مصحفِ عبدِ اللهِ (ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو

стр. 1299

نَنْسخْها) (١) - نجِئْ بمثلِها. فذلك تأويلُ النسيانِ. وبهذا التأويلِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾: كان ينسَخُ الآيةَ بالآيةِ بعدَها، ويقرأُ نبيُّ اللهِ ﷺ الآيةَ أو أكثرَ مِن ذلك ثم يُنَسَّى وتُرْفَعُ (٢). حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال: كان اللهُ تعالى ذِكْرُه يُنْسِى نبيَّه ﷺ ما شاء، ويَنْسَخُ ما شاء (٣). حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: ﴿نُنْسِهَا﴾: نَرْفَعْها مِن عندِكم (٤). حَدَّثَنَا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا (٥)﴾. قال: إن نبيَّكم ﷺ أُقْرِئ قرآنًا ثم نُسِّيه. وكذلك كان سعدُ بنُ أبى وقَّاصٍ [يتأوَّلُ الآيةَ] (٦)، [إلَّا أنه] (٧) كان يَقْرَؤها:

стр. 1300

(أو تَنْسَها (١)). بمعنى الخطابِ لرسولِ الله ﷺ ، كأنه عنَى: أو تَنْسَها أنت يا محمدُ. ذكرُ الأخبارِ [عن ذلك] (٢) حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا يَعْلَى بنُ عطاءٍ، عن القاسمِ بنِ ربيعةَ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ يقولُ: (مَا نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو تَنْسَها). قال (٣): قلتُ له: فإن سعيدَ بنَ المُسَيِّبِ يقرؤُها: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال: فقال سعدٌ: إن القرآنَ لَمْ يَنْزِلْ على المُسَيِّبِ ولا على آلِ المسيَّبِ، قال اللهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٤) [الكهف: ٢٤]. حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، قال: حَدَّثَنَا يَعْلَى بنُ عطاءٍ، قال: حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ ربيعةَ بنِ قانفٍ الثَّقَفيُّ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ يَذْكُرُ نحوَه (٥). حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، [قال: حَدَّثَنَا ابنُ مهديٍّ، وحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا] (٦) آدمُ العَسْقلانِيُّ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن يَعْلَى بنِ عطاءٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ ربيعةَ الثقفيَّ يقولُ: قلتُ لسعدِ بنِ أبي وقاصٍ: إنى سمعتُ ابنَ المُسَيِّبِ
следующие страницы →