← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12356–12395 · переход к 12361.

стр. 12356

وقولُه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وألزَمْنا فرعونَ وقومَه في هذه الدنيا خِزيًا وغضبًا منا عليهم، فحَتَّمْنا لهم فيها بالهلاكِ والبَوارِ والثناءِ السَّيِّيء، ونحن مُتْبِعُوهم لعنةً أخرى يومَ القيامةِ، فمُخْزُوهم بها الخزىَ الدائمَ، ومُهِينوهم بها (١) الهوانَ اللازم. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: لُعِنوا في الدنيا والآخرةِ. قال: هو كقولِه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لعنةً أُخرى، ثم استَقبَل فقال: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (٣). وقولُه: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هم مِن القومِ الذين قَبَّحهم اللهُ، فأهْلَكهم بكفرِهم بربِّهم، وتكذيبهم رسولَه موسى ﵇، فجعَلهم عبرةً للمُعْتبرين، وعِظَةً للمُتَّعظين. القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾.

стр. 12357

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتَينا موسى التوراةَ مِن بعد ما أهَلَكْنا الأممَ التي كانت قبلَه؛ كقومِ نوحٍ، وعادٍ، وثمودَ، وقومِ لوطٍ، وأصحابِ مَدينَ ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: ضياءً لبنى إسرائيلَ فيما بهم إليه الحاجةُ مِن أمرِ دينِهم، ﴿وَهُدًى﴾. يقولُ: وبيانًا لهم ورحمةً لمن عَمِل به منهم؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لِيَتَذَكَّرُوا نِعَمَ اللهِ بذلك عليهم، فيَشْكُروه عليها ولا يَكْفُرُوا. وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ وعبدُ الوهابِ، قالا: ثنا عوفٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: ما أَهْلَك اللهُ قومًا بعذابٍ مِن السماءِ ولا مِن الأرضِ بعدَ ما أُنزِلت التوراةُ على وجهِ الأرضِ غير القريةِ التي مُسِخوا قردةً، ألم تَرَ أن الله يقولُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وما كنتَ يا محمدُ بجانبِ غربيِّ الجبلِ ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. يقولُ: إذ فرَغنا (٢) إلى موسى الأمرَ فيما ألزمناه وقومَه، وعهِدنا إليه مِن عهدٍ، ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. يقولُ: وما كنتَ

стр. 12358

لذلك مِن الشاهدين. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾. يقولُ: بجانب غربيِّ الجبلِ، ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: غربيِّ الجبلِ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مدركٍ، عن أبي زرعةَ بن عمرٍو، قال: إنكم أمةَ محمدٍ ﷺ قد أُجِبتم قبلَ أن تَسألوا. وقرأ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (٢). القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾: ولكنا خلَقْنا أُممًا فأحدَثناها مِن بعدِ ذلك، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾.

стр. 12359

وقولُه: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾. يقولُ: وما كنتَ مقيمًا في أهلِ مدينَ. يقالُ: ثويتُ بالمكانِ أثْوِى به ثَواءً، قال أعشى ثعلبةَ (١): أثْوَى وَقَصَّرَ (٢) لَيْلةً (٣) لِيُزَوَّدا … فَمَضَى وأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾. قال: الثاوِى المقيمُ، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ: تقرأُ عليهم كتابَنا، ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. يقولُ: لم تشهدْ شيئًا مِن ذلك يا محمدُ، ولكنا كنا نحن نفعلُ ذلك، ونرسلُ الرسلَ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما كنتَ يا محمدُ بجانبِ الجبلِ إذ نادينا بأن: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧،١٥٦] الآية.

стр. 12360

كما حدَّثنا عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مُدْركٍ، عن أبي زُرْعَةَ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نادى: يا أمةَ، محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تَسألوني، وأجبتُكم قبلَ أن تَدْعونى (١). حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تسألوني، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعونى. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حرملةُ بنُ قيسٍ النخعيُّ، قال: سمعتُ هذا الحديثَ مِن أبي زُرْعةَ بن عمرِو بن جريرٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تسألونى، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعونى. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرٌ، عن سليمانَ، و (٢) سفيانُ، عن سليمانَ، وحجاجٌ، عن حمزةَ الزياتِ، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مُدْرِكٍ، عن أبي زرعةَ بن عمرٍو، عن أبي هريرةَ في قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تَسألوني، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعوني. قال: وهو قولُه حينَ قال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآية (٣):

стр. 12361

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ مثلَ ذلك. وقولُه: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لم تشهدْ شيئًا ذلك يا محمدُ فتعلَمَه، ولكنا عرّفناكه، وأنزَلنا إليك، فاقتصَصنا ذلك كلَّه عليك في كتابِنا، وابتعثناك بما أنزلنا إليك من ذلك رسولًا إلى من ابتعثناك إليه من الخلقِ، رحمةً منا لك ولهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ما قصَصنا عليك؛ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ الآية (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ (٢): ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: كان رحمةً مِن ربِّك النبوَّةُ. وقولُه: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنْ أرسلْناك بهذا الكتابِ وهذا الدينِ، لتنذرَ قومًا لم يأتِهم قبلَك نذيرٌ، وهم العربُ الذين بُعث إليهم رسولُ الله ﷺ ، بعَثه الله إليهم رحمةً، لينذرَهم بأسَه على عبادتهم الأصنامَ، وإشراكِهم به الأوثانَ والأندادَ. وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: ليتذكَّروا فيَتَبَيَّنوا (٣) خطأَ ما هم عليه مقيمون، من كفرِهم بربِّهم، فيُنيبوا (٤) إلى الإقرارِ للهِ بالواحدانيةِ، وإفرادِه بالعبادةِ، دونَ كلِّ مِن سواه من الآلهةِ.

стр. 12362

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكر مِن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: الذي أنزَلنا عليك مِن القرآنِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أن يقولُ هؤلاءِ الذين أرسلتُك يا محمدُ إليهم، لو حلَّ بهم بأسُنا، أو أتاهم عذابُنا، مِن قبل أن نرسلَك إليهم، على كفرِهم بربِّهم، واكتسابِهم الآثامَ، واجترامهم المعاصىَ: ربَّنا هلَّا أرسلتَ إلينا رسولًا مِن قبلِ أن يَحِلَّ بنا سَخَطُكَ وينزلَ بنا عذابُك، فتتَّبع أدلَّتَك وآىَ كتابِك الذي تُنزِّلُه على رسولك، ونكونَ مِن المؤمنين بأُلوهِتك، المصدِّقين رسولَك فيما أمرتَنا ونهيتَنا - لعاجلْنَاهم العقوبةَ على شركِهم مِن قَبْلِ إرسالِناك إليهم، ولكِنَّا بعَثْناك إليهم نذيرًا بأسَنا على كفرِهم، لئلَّا يكونَ للناسِ على الله حجةٌ بعدَ الرسلِ. والمصيبةُ في هذا الموضعِ العذابُ والنقمةُ. ويعنى بقولِه: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: بما اكتسَبوا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)﴾.

стр. 12363

يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاء هؤلاءِ الذين لم يأتِهم من قبلك يا محمدُ نذيرٌ، فبعثناك إليهم نذيرًا، ﴿الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾، وهو محمدٌ ﷺ ، بالرسالة من اللهِ إليهم، قالوا، تمرُّدًا على اللهِ، وتماديًا في الغيِّ: هلا أوتِى هذا الذي أُرِسل إلينا - وهو محمدٌ. مثلَ ما أوتى موسى بنُ عمرانَ مِن الكتابِ. يقولُ الله تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لقومِك من قريشٍ، القائلين لك: لولا أوتيتَ مثل ما أُوتى مُوسَى: أولم يكفرِ (١) الذين علِموا هذه الحجةَ مِن اليهودِ بما أُوتىَ موسى مِن قبلِك. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكر مِن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾] (٢). قال: يهودُ تأمرُ قريشًا أن تسألَ محمدًا مثلَ ما أوتىَ موسى. يقولُ الله لمحمدٍ ﷺ : قل لقريشٍ يقولوا لهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾. قال: اليهودُ تأمرُ قريشًا. ثم ذكَر نحوَه. ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ

стр. 12364

قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (قالوا ساحِرَانِ تَظَاهَرَا) (١). بمعنى: أولم يكفروا بما أُوتى موسى مِن قبلُ، وقالوا له ولمحمدٍ ﷺ ، في قولِ بعضِ المفسرين، وفي قولِ بعضِهم، لموسى وهارونَ ﵉، وفى قولِ بعضِهم، لعيسى ومحمدٍ: ساحِران تعاوَنا، وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٢) بمعنى: وقالوا للتوراةِ والفرقانِ، في قولِ بعضِ أهلِ التأويلِ، وفى قولِ بعضِهم للإنجيلِ والفُرقانِ. واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك على قدرِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه. ذكرُ مِن قال: عُنِى بالساحرَين اللذَين تظاهرا: محمدٌ وموسى صلى اللهُ عليهما حدَّثنا سليمانُ بنُ محمدِ بن مَعْدِيكَرِبَ الرُّعينيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ، قال: سمِعتُ مسلمَ بنَ يسارٍ (٣) يحدثُ عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: (ساحِران تَظاهَرا). قال: موسى ومحمدٌ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ جارِهم (٥)، قال: سمعتُ مسلمَ بنَ يسارٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ: (ساحِرَانِ تظاهرا). قال: موسى ومحمدٌ. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن أبي حمزةَ، عن

стр. 12365

مسلمِ بن يَسارٍ، أن ابنَ عباسٍ قرأ: (ساحِرَانِ). قال: موسى ومحمدٌ ﵉. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن كيسانَ أبي حمزةَ، عن مسلمِ بن يسارٍ، عن ابنَ عباسٍ مثلَه (١). ومن قال: موسى وهارونُ ﵉ حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: (ساحِرانِ تَظاهَرَا). قال: يهودُ لموسى وهارونَ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: (قالُوا ساحِرَان تَظاهَرَا): قولُ يهود لموسى وهارونَ ﵉. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وأبى رَزين، أن أحدَهما قرَأ: (ساحِرَان تَظاهَرَا). والآخرَ: ﴿سِحْرَانِ﴾. قال الذي قرأ: ﴿سِحْرَانِ﴾، قال: التوراةُ والإنجيلِ. وقال الذي قرأ: (ساحِرَان)، قال: موسى وهارون وهارونُ (٣). وقال آخرون: عَنَوا بالساحرَين عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم.

стр. 12366

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ قولَه: (ساحِرَانِ تَظاهَرَا). قال: عيسى ومحمدٌ. أو قال: موسى، صلى اللهُ عليهم (١). ذكر مِن قال: عَنَوا بذلك التوراةَ (٢) والفرقانَ. ووجهَ تأويلَه إلى قراءةِ من قرأ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. حدَّثني عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنَ عباسٍ قولَه ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. يقولُ: التوراةُ والقرآنُ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. يعنى التوراةَ والفرقانَ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (قالُوا سِحْرَانِ تَظاهَرَا). قال: كتابُ موسى وكتابُ رسولِ اللهِ ﷺ (٤). ذكرُ مَن قال: عَنَوا به التوراةَ والإنجيلِ حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ (٥)، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال:

стр. 12367

كنتُ إلى جنبِ ابن عباسٍ وهو يتعوَّذُ بينَ الركنِ والمقامِ، فقلتُ: كيف تقرأُ؛ ﴿سِحْرَانِ﴾، أو (ساحران)؟ فلم يردُّ على شيئًا، فقال عكرمة: (ساحران). وظننتُ أنه لو كرِه ذلك أنكرَه عليَّ. قال حميدٌ: فلقيتُ عكرمةَ بعدَ ذلك، فذكرتُ ذلك له، وقلتُ: كيف كان يقرؤُها؟ قال: كان يقرأُ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ التوراةُ والإنجيلُ (١). ذكرُ مَن قال: عَنَوْا به الفُرْقَانَ والإنجيلَ حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ أنه قرَأ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. يعنون: الإنجيلُ والفرقانُ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾: قالت ذلك أعداءُ اللهِ اليهودُ، للإنجيلِ والفرقانِ، فمَن قال: (ساحِران) فيقولُ: محمدٌ وعيسى ابن مريمَ (٣). قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين في ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرأه: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٤). بمعنى: كتابُ موسى وهو التوراةُ، وكتابُ عيسى وهو الإنجيلُ. وإنما قلنا: ذلك أولى القراءتين بالصواب؛ لأن الكلامَ مِن قبلِه جرَى بذكرِ الكتابِ، وهو قوله: ﴿قَالُوا (٥) لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ والذي يليه مِن

стр. 12368

بعدِه ذكرُ الكتابِ، وهو قولُه: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْه﴾. فالذى بينَهما بأن يكونَ مِن ذكرِه أولى وأشبَهُ بأن يكونَ مِن ذكرِ غيرِه. وإذ كان ذلك هو الأوْلَى بالقراءةِ، فمعلومٌ أن معنى الكلامِ: قل يا محمدُ: أوَ لم يَكْفُرْ هؤلاء اليهودُ بما أُوتِى موسى مِن قبلُ، وقالوا لما أُوتِى موسى مِن الكتابِ، ولما أُوتِيتَه أنت: سحرانِ تعاونا. وقولُه: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقالت اليهودُ: إنا بكلِّ كتابٍ في الأرضِ؛ مِن توراةٍ، وإنجيلٍ، وزَبورٍ، وفُرقانٍ، كافرون. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلُ التأويلِ، وخالَفه فيه مُخالفون. ذكرُ مِن قال مثل الذي قلْنا في ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. قالوا: نَكْفُرُ أيضًا بما أُوتِى محمدٌ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. قال: يهودُ أيضًا، تَكْفُرُ بما أُوتِى محمد أيضًا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقالوا: إنا بكلِّ الكتابين؛ [التوراةِ و] (٢) الفرقانِ والإنجيلِ، كافرون.

стр. 12369

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. قال: يقولُ: بالإنجيلِ والقرآنِ (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾: يعنون الإنجيلَ والفرقانَ حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ. يقولُ: بالكتابين؛ التوراةِ والفرقانِ (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾: الذي جاء به موسى، والذي جاء به محمدٌ، صلى الله عليهما وسلم (٣). القول في تأويلِ قولِه تعالى ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل يا محمدُ للقائلين للتوراةِ والإنجيلِ: هما ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾: ائْتُوا بكتابٍ مِن عندِ اللهِ هو أهدى منهما لطريقِ الحقِّ وسبيلِ الرَّشادِ، ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمِكم أن هذين الكتابين سِحْران، وأن الحقَّ في غيرِهما.

стр. 12370

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ، قال: فقال الله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ الآية. حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: فقال اللهُ: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾: مِن هذين الكتابين؛ الذي بُعث به موسى، والذي بعث به محمدٌ، صلى الله عليهما وسلم (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن لم يُجِبْك هؤلاء القائلون للتوراة والإنجيل: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾. الزاعمون أن الحقَّ في غيرِهما، مِن اليهودِ، يا محمدُ - إلى أن يَأْتُوك بكتابٍ مِن عندِ اللهِ، هو أهدى منهما، فاعْلَمْ أنما يَتَّبِعون أهواءَهم، وأن الذي يَنْطِقون به ويقولون في الكتابين، قولٌ كَذِبٌ وباطلٌ لا حقيقةَ له. ولعل قائلًا أن يقولَ: أو لم يَكُنِ النبيُّ ﷺ يَعْلمُ أن ما قال القائلون من اليهودِ وغيرِهم في التوراةِ والإنجيلِ مِن الإفكِ والزُّورِ والمُسَمُّوهما سِحْرين - باطلٌ مِن القولِ، إلا بأن لا يُجِيبوه إلى إتيانِه (٢) بكتابٍ هو أهْدَى منهما؟

стр. 12371

قيل: هذا كلامٌ خرَج مَخْرَجَ الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ ، والمرادُ به المقولُ لهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ مِن كفارِ قريشٍ. وذلك أنه قيل للنبيِّ ﷺ : قلْ يا محمدُ لمشركي قريشٍ أولم يَكْفُرْ هؤلاء الذين أمَروكم أن تقولوا: هلَّا أُوتِيَ محمدٌ مثلَ ما أُوتِى موسى. بالذي أوتِى موسى مِن قبلِ هذا القرآنِ، ويقولوا للذى أُنْزِل عليه وعلى عيسى: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾؟ فقولوا لهم: إن كنتم صادقين أن ما أُوتِى موسى وعيسى سحرٌ، فأْتوا بكتابٍ مِن عندِ اللهِ هو أهدى مِن كتابيهما. فإن هم لم يُجِيبوكم إلى ذلك فاعْلَموا أنهم كَذَبَةٌ، وأنهم إنما يَتَّبِعون في تكذيبِهم محمدًا، وما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، أهواءَ أنفسِهم، ويَتْرُكون الحقَّ وهم يَعْلَمون. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أَضَلُّ عن طريقِ الرَّشادِ وسبيلِ السَّدادِ، ممن اتَّبَع هوى نفسِه بغيرِ بيانٍ مِن عندِ اللهِ، وعهدٍ مِن الله، ويَتْرُكُ عهدَ اللهِ الذي عهِده إلى خلقِه في وحيِه وتنزيلِه؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله لا يُوَفِّقُ لإصابةِ الحقِّ وسبيلِ الرشدِ القومَ الذين خالَفوا أمرَ اللهِ، وترَكوا طاعتَه، وكذَّبوا رسولَه، وبدَّلوا عهدَه، واتَّبعوا أهواءَ أنفسهم؛ إيثارًا منهم لطاعةِ الشيطانِ على طاعةِ ربِّهم. القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد وصَّلْنا يا محمدُ لقومِك مِن قريشٍ ولليهودِ مِن بنى إسرائيلَ القولَ بأخبارِ الماضين، والنبأَ عما أحْلَلْنا بهم مِن بأسِنا، إذ كذَّبوا رسلَنا،

стр. 12372

وعما نحن فاعلون بمَن اقْتَفَى آثَارَهم، واحْتَذَى في الكفرِ باللهِ وتكذيبِ رسلِه مِثالَهم؛ ليَتَذَكَّروا فيَعْتَبِرُوا ويَتَّعِظوا. وأصلُه مِن وَصْلِ الحبالِ بعضِها ببعضٍ، ومنه قولُ الشاعرِ (١): فقلْ لبنى مَرْوانَ ما بالُ ذمةٍ … وحبلٍ ضعيفٍ ما يَزالُ يُوَصَّلُ وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اخْتَلَفت ألفاظُهم ببيانهم عن تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: بيَّنا. وقال بعضُهم: معناه: فصَّلْنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾. قال: فصَّلْنا لهم القولَ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾. قال: وصَّل اللهُ لهم القولَ في هذا القرآنِ؛ يُخْبِرُهم كيف صنَع بمَن مضَى، وكيف هو صانعٌ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا محمدُ بنُ عيسى أبو جعفرٍ، عن سفيانَ بن عُيَيْنةَ: ﴿وَصَّلْنَا﴾: بيَّنَّا (٤). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ﴾

стр. 12373

وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾. [قال: وصَّلْنا لهم] (١) الخبرَ؛ خبرَ الدنيا بخبرِ الآخرةِ، حتى كأنهم عايَنوا الآخرةَ، وشهِدوها في الدنيا، بما نُريهم مِن الآياتِ في الدنيا وأشباهها. وقرَأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال (٢): إنا سوف تُنْجِزُ (٣) ما وعَدْناهم في الآخرةِ، كما أنْجَزْنا للأنبياءِ ما وعَدْناهم، نَقْضى بينَهم وبينَ قومِهمِ (٤). واختلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنى بالهاءِ والميمِ مِن قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾؛ فقال بعضُهم: غنى بهما قريشٌ (٥). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾. قال: قريشٍ (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾. قال: لقريشٍ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 12374

أبيه، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. قال: يعني محمدًا ﷺ (١). وقال آخرون: عُنِى بهما (٢) اليهودُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ دينارٍ، عن يَحْيَى بن جَعْدَةَ، عن رفاعةَ القُرَظيِّ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ في عَشَرةٍ أنا أحدُهم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣). حدَّثنا ابن سِنانٍ، قال: ثنا حَيَّانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرٍو، عن يحيى بن جَعْدةَ، عن رِفاعةَ (٤) القُرظى، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ حتى بلَغ: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ في عَشَرَةٍ أنا أحدُهم. فكأن ابنَ عباسٍ أراد بقوله: يعنى محمدًا. لعلهم يتذكرون عهدَ اللهِ في محمدٍ إليهم، فيُقرون بنبوته ويصدِّقونه. وقولُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه قومًا مِن أهل الكتابِ آمنوا برسولِه وصدَّقوه، فقال: الذين آتيناهم

стр. 12375

الكتابَ مِن قبلِ هذا القرآنِ، هم بهذا القرآنِ يؤمنون، فيُقِرّون أنه حقٌّ مِن عندِ اللهِ، ويكذِّبُ جهلةُ الأميين الذين لم يأتِهم مِن اللهِ كتابٌ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. قال: يعنى مِن آمَن بمحمدٍ ﷺ مِن أهل الكتابِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: في مُسْلِمة أهلِ الكتابِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿الْجَاهِلِينَ﴾. قال: هم مُسلِمةُ أهل الكتابِ. قال ابن جريجٍ: أخْبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، أن يحيى بن جَعْدَة، أخبره عن عليٍّ بن رِفاعةَ، قال: خرج عشرةُ رَهْطٍ مِن أهلِ الكتابِ، منهم أبو رفاعةَ - يعنى أباه - إلى النبيِّ ﷺ ، فآمَنوا، فأُوذوا، فنزلتْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾: قبلِ

стр. 12376

القرآنِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. قال: كنا نُحدَّث أنها نزلت في أناسٍ (٢) مِن أهلِ الكتابِ كانوا على شريعةٍ مِن الحقِّ يأخذون بها وينتهون إليها، حتى بعَث اللهُ محمدًا ﷺ ، فآمَنوا به وصدَّقوا به، فأعطاهم اللهُ أجرَهم مرتين؛ بصبرِهم على الكتابِ الأوّلِ، واتباعِهم محمدًا ﷺ وصبرِهم على ذلك، وذُكر لنا أن منهم سَلْمَانَ وعبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ (٣). حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: ناسٌ مِن أهلِ الكتابِ آمنوا بالتوراةِ والإنجيلِ، ثم أدركوا محمدًا ﷺ فآمَنوا به، فأتَاهم اللهُ أجرَهم مرتين بما صبروا؛ بإيمانهم بمحمدٍ ﷺ قبل أن يُبعَثَ، وباتباعهم إياه حينَ بُعث، فذلك قولُهم (٤): ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا يُتلى هذا القرآنُ على الذين آتيناهم الكتابِ مِن قبلِ نزولِ هذا القرآنِ، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾. يقولُ: يقولون: صدَّقنا به، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ

стр. 12377

رَبِّنَا﴾. يعني: مِن عندِ ربِّنا نزَل، إنا كنا مِن قبل نزول هذا القرآنِ مسلمين. وذلك أنهم كانوا مؤمنين بما جاءتْ به الأنبياءُ قبلَ مجيءِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ من الكتبِ، وفى كتبِهم صفةُ محمدٍ ونعتُه، فكانوا به وبمبعثِه وبكتابِه مصدِّقين قبلَ نزول القرآنِ، فلذلك قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وَصَفتُ صِفَتَهم، يُؤْتَوْن ثوابَ عملِهم مرتَيْن بما صَبَروا. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الصبرِ" الذي وعد اللهُ [عليه ما وعَد] (١)؛ فقال بعضُهم: وعَدَهم ما وعَد جلَّ ثناؤُه بصبرِهم على الكتابِ الأوَّلِ، واتِّباعِهم محمدًا ﷺ ، وصبرِهم على ذلك. وذلك قولُ قتادةَ، وقد ذكرْناه قَبْلُ. وقال آخرون: بل وعَدهم بصبرِهم بإيمانهم بمحمد ﷺ قَبْلَ أَن يُبْعَثَ، وباتِّباعهم إياه حينَ بُعِث. وذلك قولُ الضَّحَّاكِ بن مُزاحمٍ، وقد ذكرْناه أيضًا قبلُ، ومِمَّن وافق قتادةَ على قولِه عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: على دينِ عيسى، فلمَّا جاء النبيُّ ﷺ أسْلَموا، فكان لهم أجرُهم مرتَيْن؛ بما صبروا أوَّلَ مرةٍ، ودخَلوا مع النبيِّ ﷺ في الإسلامِ (٢). وقال قومٌ في ذلك بما حدَّثنا به ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾. قال: إن قومًا كانوا مشركين

стр. 12378

أسْلَموا، فكان قومُهم يُؤذونَهم، فنَزَلَتْ ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (١). وقولُه: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾. يقولُ: ويَدْفَعون بحسناتِ أفْعالِهم التي يَفْعَلونها سيئاتِهم، ومما رَزَقْناهم مِن الأموالِ يُنْفِقُون في طاعةِ اللهِ؛ إمَّا في جهادٍ في سبيلِ اللهِ، وإمَّا في صدقةٍ على محتاجٍ، أو في صلةِ رحمٍ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: قال الله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ وأَحْسَنَ اللهُ عليهم الثَّناءَ كما تَسْمَعون فقال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾. القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا سمِع هؤلاء القومُ الذين آتيناهم الكتابَ - ﴿اللَّغْوَ﴾، وهو الباطِلُ مِن القولِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: لا يُحاورون (٢) أهلَ الجهلِ والباطلِ في باطلِهم، أتاهم مِن أمِر اللهِ ما

стр. 12379

وَقَذَهم (١) عن ذلك (٢). وقال آخرون: عَنى باللغوِ في هذا الموضعِ ما كان أهل الكتابِ ألْحَقوه في كتابِ اللهِ ممَّا ليس هو منه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هذه لأهلِ الكتابِ، إذا سمِعوا اللغوَ الذي كتب القومُ بأيديِهم مع كتابِ اللهِ، وقالوا: هو مِن عنِد اللهِ. إذا سمِعه الذين أسْلموا، ومَرُّوا به يَتْلُونَه، أعْرَضوا عنه وكأنهم لم يَسْمَعوا ذلك قبل أن يُؤمنوا بالنبيِّ ﷺ ؛ لأنهم كانوا مسلمين على دينِ عيسى، ألا تَرَى أنهم يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (٣). وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. قال: نَزَلَتْ في قومٍ كانوا مشركين فأسْلَموا، فكان قومُهم يُؤْذُونَهم. [حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ (٤)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله:] (٥)

стр. 12380

[﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. قال: كان ناسٌ مِن أهلِ الكتابِ أسْلَموا، فكان المشركون يُؤْذُونَهم] (١)، فكانوا يَصْفَحون عنهم؛ يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٢). وقولُه: ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾. يقولُ: لم يُصْغوا إليه ولم يَسْتَمِعوه، ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. وهذا يدلُّ على أن اللغوَ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ إنما هو ما قاله مجاهدٌ، مِن أنه سَماعُ القومِ ممّن (٣) يُؤذيهم بالقول، ما يَكْرَهون منه في أنفُسِهم، وأنهم أجابوهم بالجميلِ مِن القولِ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا﴾ قد رضينا بها لأنفسِنا، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ قد رَضِيتم بها لأنفسِكم. وقولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: أمَنَةٌ لكم منا أن نُسَابَّكم، أو تَسْمعوا منا ما لا تُحبون، ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. يقولُ: لا نريدُ مُحاوَرَةَ أهلِ الجهلِ ومُسَابَّتَهم (٤). القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايتَه، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أَن يَهْدِيَهِ مِن خَلْقِه، بتوفيقِه للإيمانِ بالله وبرسوله. ولو قِيل: معناه: إنك لا تَهْدِى مَن أحببته؛ لقَرَابَتِه منك، ولكنَّ الله يهدى مَن يشاءُ - كان مَذْهَبًا، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللهُ أعلمُ مَن سَبَق له في علمِه أنه يَهْتَدى للرَّشادِ، ذلك الذي يَهْدِيه اللهُ

стр. 12381

فيُسَدِّدُه ويُوَفِّقُه. وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلتْ على رسولِ اللهِ ﷺ مِن أجْلِ امتناعِ أبي طالبٍ عمِّه مِن إجابته إذ دَعاه إلى الإيمانِ باللهِ، إلى ما دعاه إليه مِن ذلك. ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ والحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قالا: ثنا الوليدُ بنُ القاسمِ، عن يزيدَ بن كَيْسانَ، عن أبي حازم، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لعمِّه عند الموتِ: "قُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. أَشْهَدُ لك بها يومَ القِيامةٍ". قال: لولا أن تُعَيِّرَني قُريشٌ لأقْرَرْتُ عينَك. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآيةَ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يزيد بن كَيْسان، قال: ثني أبو حازمٍ الأشْجَعيُّ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لعمِّه: "قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ". ثم ذكَر مثلَه (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن يزيدَ بن كيسانَ، سمِع أبا حازمٍ الأشْجَعيَّ يَذْكُرُ عن أبي هريرة، قال: لمَّا حَضَرْت وفاة أبي طالبٍ، أتاه رسولُ الله ﷺ فقال: "يا عَمَّاهُ، قلْ: لا إلهَ إلا الله". فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: لولا أن تُعَيِّرنى قريشٌ؛ يقولون: ما حمَله عليه إلا جَزَعُ الموتِ (٣).

стр. 12382

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن يزيدَ بن كيسانَ، عن أبي حازمٍ أبي هُريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ . فذكَر نحوَ حديثِ أبي كُريبٍ والصُّدائيِّ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن بن وهبٍ، قال: ثنى عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: ثني يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: ثني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، عن أبيه، قال: لمَّا حَضَرَتْ أبا طالبٍ الوفاةُ، جاءَه رسول الله ﷺ ، فوجَد عندَه أبا جهلِ بنَ هشامٍ وعبدَ اللهِ بنَ أبي أُمَيَّةَ بن المُغيرةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "يا عَمِّ، قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ. كلمةً أشْهَدُ لك بها عندَ اللهِ". فقال أبو جهلٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبى أُميةَ: يا أبا طالبٍ، أَتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلب؟ فلم يَزَلْ رسولُ الله ﷺ يَعْرِضُها عليه. ويُعيدُ له تلك المقالةَ، حتى قال أبو طالبٍ آخِرَ ما كَلَّمهم: هو على ملِة عبدِ المطلبِ. وأبَى أن يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أما والله، لأسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أَنْهَ عنك". فأنْزَل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]. وأَنْزَل الله في أبي طالبٍ، فقال لرسولِ اللهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيّبِ، عن أبيه بنحوِه (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو، عن أبي سعيدِ بن رافعٍ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ (٤): ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾؛ نَزَلَتْ في أبي طالبٍ؟ قال:

стр. 12383

نعم (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. قال: قولُ محمدٍ لأبي طالبٍ: "قُلْ كلمةَ الإخلاصِ، أُجادِلُ عنك بها يومَ القيامةِ". قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: قال يابنَ أخي، مِلَّةَ الأشياخِ. أو: سُنَّةَ الأشياخ. وقال الحارثُ في حديثِه: قال: يابنَ أخي، مِلَّةَ الأشياخِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. قال: قال محمدٌ ﷺ لأبي طالبٍ: اشْهَدْ بكلمةِ الإخلاصِ، أُجادِلْ عنك بها يومَ القيامةِ". قال: أي بنَ أخى، ملةَ الأشياخِ. فأَنْزَل اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. قال: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في أبي طالبٍ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: ذُكِر لنا أنها نَزَلتُ في أبي طالبٍ. قال: ألاصَه (٣) عندَ موتِه يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. لكيما تَحِلَّ له بها الشفاعةُ، فأبَى عليه (٤).

стр. 12384

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ: لمَّا حضَر أبا طالبٍ الموتُ، قال له النبيُّ ﷺ : "يا عَمَّاهُ، قُلْ: لا إله إلا اللهُ. أَشْهَدُ لك بها يومَ القيامةِ". فقال له: يابنَ أخى، إنه لولا أن يكونَ عليك عارٌ، لم أَبالِ أن أفْعَلَ. فقال له ذلك مرارًا، فلمَّا مات اشتدَّ ذلك على النبيِّ ﷺ ، وقالوا: ما تَنْفَعُ قرابةُ أبي طالبٍ منك. فقال: "بلى والذي نَفْسي بيده، إنه الساعةَ لفي ضَحْضَاحٍ (١) مِن النارِ، عليه نَعْلان من نارٍ، تَغْلى منهما أُمُّ رأسِه، وما مِن أهلِ النارِ مِن إنسانٍ هو أَهْوَنُ عذابًا منه". وهو الذي أنْزَل الله فيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: وهو أعلمُ بمَنْ قُضِى له الهدى. كالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. قال: بَمَنْ قَدَّر له الهُدَى والضَّلالَة (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ

стр. 12385

أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقالت كفارُ قريشٍ: إن نَتَّبِعِ الحقَّ الذي جِئْتَنا به معك، ونَتَبَرَّأْ من الأندادِ والآلهةِ، يَتَخَطَّفْنا الناسُ مِن أرضنا، بإجماع جميعهم على خِلافِنا وحربِنا. يقولُ اللهُ لنبيِّه: فقُلْ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾؟ يقولُ: أولم نُوَطِّئْ (١) لهم بلدًا حَرَّمنا على الناسِ سفكَ الدماءِ فيه، ومَنَعْناهم مِن أَن يَتَناولوا سُكَّانَه فيه بسوءٍ، وأمْنًا على أهلِه من أن يُصيبهم بها غارةٌ، أو قتلٌ، أو سباءٌ؟ وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبد اللهُ بن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ، أن الحارثَ بنَ نَوْفَلٍ، الذي قال: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾. وزعموا أنهم قالوا: قد عَلِمْنا أنك رسولُ اللهِ ولكِنَّا نَخافُ أن نُتَخَطَّفَ مِن أرضِنا. ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ الآيةَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾. قال: هم أُناسٌ مِن قريشٍ قالوا لمحمدٍ ﷺ : إن نَتَّبِعْكَ يَتَخَطَّفْنا الناسُ. فقال اللهُ:

стр. 12386

﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. قال: كان يُغير بعضُهم على بعضٍ (٢). وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾: قال اللهُ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: أولم يَكونوا آمِنِين في حَرَمِهِم؟ لا يُغْزَوْن فيه ولا يَخافون، يُجْبَى إليه ثمرات كلِّ شيءٍ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾. قال: كان أهلُ الحرمِ آمِنين يَذْهبون حيثُ شاءُوا، وإذا خرَج أحدُهم فقال: إنى مِن أهلِ الحرمِ. لم يُعْرَضُ (٤) له، وكان غيرُهم مِن الناسِ إذا خرَج أحدُهم قُتِل (٥).

стр. 12387

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾. قال: آمَنَّاكم به. قال: هي مكةُ، وهم قُريشٌ (١). وقولُه: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: يُجْمَعُ إليه. وهو مِن قولِهم: جَبَيْتُ الماءَ في الحوضِ. إذا جَمَعْتَه فيه. وإنما أُرِيدَ بذلك: يُحْمَلُ إليه ثمراتُ كلِّ بلدٍ. كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن شَرِيكٍ، عن عثمانَ بن أبى زُرْعَةَ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال: ثمراتُ الأرضِ (٢). وقولُه: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾. يقولُ: ورزقًا رَزَقْنَاهُم مِن لَدُنَّا. يعنى: مِن عِندِنا، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين، القائِلِين لرسولِ اللهُ ﷺ : ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾. لا يَعْلَمون أنَّا نحن الذين مَكَّنَّا لهم حرمًا آمنًا، ورَزَقْناهم فيه، وجَعَلْنَا الثمراتِ مِن كلِّ أرضٍ تُجْبَى إليهم، فهم بجهلهم بمَن فعل ذلك بهم يَكْفُرون، لا يَشْكرون مَن أنْعَم عليهم بذلك. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكم أهْلَكُنا من قريةٍ أبْطَرَتْها معيشتُها، فبَطِرَتْ وأُشِرَتْ (٣)

стр. 12388

وطَغَتْ، فَكَفَرَتْ بربِّها. وقيل: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ فَجَعَل الفِعلَ للقريةِ، وهو في الأصلِ للمعيشةِ، كما يُقالُ: أَسْفَهَك رَأيك فسَفِهْتَه، وأَبْطَرَك مالُك فبَطِرْتَه. و "المعيشةُ" منصوبةٌ على التفسير. وقد بَيَّنَّا نظائرَ ذلك في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا (١). وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾. قال: البَطَرُ الأشرُ (٢)، أهلُ الغَفْلَةِ وأهلُ الباطل والرُّكُوبِ لمعاصى اللهِ. وقال: ذلك البَطَرُ في النِّعْمةِ (٣). ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: فتلك دُورُ القومِ الذين أهْلَكْناهم بكفرهم بربِّهم، ومنازِلُهم، ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: خَرِبَتْ مِن بعدِهم، فلم يُعْمَرُ منها إلا أقَلُّها، وأكثرُها خَرابٌ. ولفظُ الكلامِ وإن كان خارجًا على أن مساكنَهم قد سُكِنَتْ قليلًا، فإن معناه: فتلك مساكنُهم لم تُسْكَنْ من بعدهم إلا قليلًا منها. كما يُقالُ: قَضَيتُ حقَّك إلَّا قليلًا منه. وقولُه: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾. يقولُ: ولم يَكُنْ لِمَا خَرَّبْنَا مِن مساكنِهم منهم وارِثٌ، وعادتْ كما كانت قبلَ سُكْناهم فيها، لا مالكَ لها إلا اللهُ الذي له

стр. 12389

ميراثُ السماواتِ والأرضِ. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ يا محمدُ ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ التي حَوالَيْ مكةَ في زمانِك وعصرِك، ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾. يقولُ: حتى يَبْعَثَ في مكةَ رسولًا، وهى أُمُّ القُرى، يَتْلو عليهم آياتِ كتابِنا. والرسولُ: محمدٌ ﷺ . وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾: وأُمُّ القُرَى مكةُ، وبعَث اللهُ إليهم رسولًا؛ محمدًا ﷺ (١). وقولُه: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾. يقولُ: ولم نكنْ لِنهْلِكَ قريةً وهى باللهِ مؤمنةٌ، إنما نُهْلِكُها بِظُلْمِها أَنْفُسَها؛ بكفرِها باللهِ، وإنما أَهْلَكْنا أهلَ مكةَ بكفرِهم بربِّهم، وظُلْمِهم (٢) أنفسَهم. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12390

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾. قال: اللهُ لم يُهلك قريةً بإيمانٍ، ولكنَّه يُهْلِكِ القُرَى بظلمٍ، إِذا ظَلَم أهلُها، ولو كانت قريةٌ (١) آمَنَتْ؛ لم يَهْلِكُوا مع مَن هَلَك، ولكنَّهم كَذَّبوا وظَلَموا، فبذلك أُهْلِكوا (٢). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما أُعْطِيتُم أَيُّها الناسُ مِن شيءٍ مِن الأموالٍ والأولادِ، فإنما هو مَتَاعٌ تَتَمَتَّعون به في هذه الحياةِ الدنيا، وهو مِن زينتها التي يُتَزَيَّنُ به فيها، لا يُغْنى عنكم عندَ اللهُ شيئًا، ولا يَنْفَعُكم شيءٌ منه في مَعادِكم. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لأهلِ طاعتِه ووَلايتِه ﴿خَيْرٌ﴾ مما أُوتِيتُمُوه أنتم في هذه الدنيا من متاعِها وزينتِها، ﴿وَأَبْقَى﴾. يقولُ: وأبْقَى لأهلِه؛ لأنه دائمٌ لا نَفادَ له. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ

стр. 12391

خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. قال: خيرٌ ثوابًا، وأبقَى عِندَنا. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفلا عُقُولَ لكم أيها القومُ تَتَدَبَّرون بها، فتَعْرِفون بها الخيرَ مِن الشَّرِّ، وتَخْتارون لأنفُسِكم خيرَ المَنْزِلَتَين على شَرِّهما، وتُؤْثِرون الدائمَ الذي لا نفادَ له مِن النعيمِ، على الفاني الذي لا بَقاءَ له. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾ مِن خَلْقِنا على طاعتِه إيانا - الجنةَ فآمن بما وعدْناه وصَدَّق وأطاعَنا، فاسْتَحَقَّ بطاعته إيانا أن نُنْجِزَ له ما وعدناه، فهو لاقٍ ما وُعِد، وصائرٌ إليه، ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ﴾ في الحياةِ الدنيا مَتَاعَها، فتَمَتَّع به، ونَسِيَ العملَ بما وعدْنَا أهلَ الطاعةِ، وترَك طَلَبَه، وآثَرَ لَذَّةً عاجِلةً على آجِلَةٍ، ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إذا وَرَد على اللهِ ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. يَعْنى: مِن المُشْهَدِينَ عذابَ اللهِ وأليمَ عقابِه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾. قال: هو المؤمنُ، سمِع كتابَ اللهِ فَصَدَّق به وآمَن بما وعَد اللهُ فيه، ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. و (١) هو هذا الكافرُ، ليس واللهِ كالمؤمنِ، ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. أي: في عذابِ اللهِ (٢).

стр. 12392

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال ابن عمرٍو في حديثِه: قولُه: ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: أُحْضِرُوها. وقال الحارثُ في حديثِه: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: أهلُ النارِ، أُحِضْروها (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: أهلُ النارِ، أُحْضِروها. واخْتلَف أهلُ التأويلِ في من نَزَلتْ فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نَزَلَتْ في النبيِّ ﷺ وفي أبي جهلِ بنِ هشامٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النُّعْمانِ الحَكَمُ بنُ عبدِ اللهِ العِجْليُّ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن أبانِ بن تَغْلبَ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: نزلتْ في النبيِّ ﷺ وفي أبي جهلِ بنِ هشامٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾. قال: النبيُّ ﷺ .

стр. 12393

وقال آخرون: نزَلتْ فى حمزةَ وعلىٍّ ﵄، وأبي جهلٍ لعَنهُ اللهُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا بدلُ بنُ المُحَبَّرِ التميميُّ (١)، قال: ثنا شعبةُ، عن أبانِ ابنِ تَغْلِبَ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: نزَلتْ في حمزةَ وعلىِّ بنِ أبي طالبٍ وأبي جهلٍ (٢). قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبانِ بنِ تَغْلِبَ، عن مجاهدٍ، قال: نزَلتْ في حمزةَ وأبي جهلٍ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يُنادى ربُّ العِزَّةِ الذين أشْرَكوا به الأنْدادَ والأوثْانَ فى الدنيا، فيقولُ لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم لي في الدنيا شُركاءُ؟ ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. يقولُ: قال الذين وجب عليهم غضبُ اللهِ ولعنتُه، وهم الشياطينُ الذين كانوا يُغْوُون بني آدمَ: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾.

стр. 12394

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾. قال: هم الشياطينُ (١). وقولُه: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ: تبرَّأْنا مِن وَلايتهم ونُصْرَتِهم إليك، ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾. يقولُ: لم يكونوا يَعْبُدوننا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾. يقولُ تعالى ذكره: وقيلَ للمشركين باللهِ الآلهةَ والأنْدادَ في الدنيا: ادْعُوا شركاءَكم الذين كنتم تَدْعون مِن دونِ اللهِ. ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾. يقولُ: فلم يُجيبوهم، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾. يقولُ: وعَاينوا العذابَ، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: فَوَدُّوا حينَ رَأوُا العذابَ لو أنهم كانوا في الدنيا مُهْتَدِين للحقِّ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾. يقولُ تعالى ذكره: ويومَ يُنادى اللهُ هؤلاء المشركين فيقولُ لهم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ فيما أَرْسَلْناهم به إليكم، مِن دُعائِكم إلى توحيدِنا، والبراءةِ مِن

стр. 12395

الأوثانِ والأصنامِ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾. يقولُ: فَخَفِيَتْ عليهم الأخبارُ. مِن قولهم: قد عَمِيَ عنى خبرُ القومِ. إذا خَفِيَ. وإنما عَنَى بذلك أنهم عَمِيَتْ عليهم الحُجَّةُ، فلم يَدْرُوا ما يَحْتَجُّون؛ لأن اللهَ تعالى ذكره قد كان أبْلَغ إليهم فى المَعْذِرَةِ، وتابع عليهم الحجَّةَ، فلم تَكُنْ لهم حُجَّةٌ يَحْتَجُّون بها، ولا خبرٌ يُخْبِرون به، مما يكون لهم به نجاةٌ ومَخْلَصٌ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾. قال: الحُجَجُ. يَعْنى الحُجَّة (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾. قال: الحججُ. قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ في قولِه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: بلا إلهَ إلا اللهُ، التوحيدِ. وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. [قيلَ: فهم لا يَتَساءَلون] (٢) بالأنْسابِ والقَرابَةِ.
следующие страницы →