ابنه يثرونَ، وأختُها شرفا، ويُقالُ: ليا. وهما اللتان كانتا تَذُودان (١).
وأما أبوهما ففى اسمه اختلافٌ؛ فقال بعضُهم: كان اسمه يثرونَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمش، عن عمرو بن مرَّةَ، عن أبي عُبيدةً، قال: كان الذي استأجر موسى ابن أخى شُعيب يثرونَ (٢)
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرَّةً، عن أبي عبيدة، قال: الذي استأجر موسى يثرونُ ابن أخى شُعيب ﵇.
وقال آخرون: بل اسمه: يثرى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن أبي جَمْرةً (٣)، عن ابن عباس، قال: الذي استأجر موسى يثرى صاحبُ مَدينَ (٤).
حدَّثني أبو العالية العَبْديُّ إسماعيل بن الهيثم، قال: ثنا أبو قتيبة، عن حماد بن سلمة، عن أبي جَمْرةَ (٣)، عن ابن عباسٍ، قال (٥): اسمُ أبي المرأةِ يَثْرى (٤).
стр. 12322
وقال آخرون: بل اسمه شعيبٌ. وقالوا: هو شعيبٌ النبيُّ ﵇.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا قرة بن خالد، قال: سمعتُ الحسن يقولُ: يقولون: شُعَيبٌ صاحب (١) موسى (٢). ولكنه سيدُ أهلِ الماءِ يومَئِذٍ (٣).
قال أبو جعفر: وهذا مما لا يُدرَكُ عِلْمُه إلا بخبرٍ، ولا خبر بذلك تجبُ حُجَّتُه، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾.
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾. تعنى بقولها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾: ليَرْعَى عليك ماشيتك، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. تقولُ: إِن خير من تَسْتأجِرُه للرَّعْي القويُّ على حفظ ماشيتك، والقيام عليها في إصلاحها وصلاحها، الأمين الذي لا تخافُ خيانته فيما تَتَّمِنُه (٤) عليه منها (٥).
وقيل: إنها لمَّا قالت ذلك لأبيها، استنكر أبوها ذلك من وصفها إيَّاه، فقال لها: وما عِلْمُكِ بذلك؟ فقالت: أما قوَّتُه فما رأيتُ مِن علاجه ما عالج عندَ السَّقْي على البئر، وأما الأمانة فما رأيتُ من غَضِّ البصر عنى.
وبنحو ذلك جاءت الأخبار عن أهل التأويل.
стр. 12323
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسمِ بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس، قال: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: فَأَحْفَظَتْه الغَيْرَةُ أَن قال: وما يُدريك ما قوَّتُه وأمانته؟! قالت: أما قوتُه فما رأيتُ منه حينَ سَقَى لنا، لم أرَ رجلًا قَطُّ أقوى في ذلك السَّقى منه، وأما أمانته فإنه نظر حين أقتلتُ إليه وشَخَصتُ له، فلمَّا عَلِم أنى امرأةٌ، صَوَّب رأسَه فلم يَرْفَعُه، ولم يَنْظُرْ إليَّ حتى بلَّغتُه رسالتك، ثم قال لى (١): امشى خَلْفى، وانْعَتى لى الطريق. ولم يفعل ذلك إلا وهو أمينٌ. فسُرِّيَ عن أبيها، وصدقها، وظنَّ به الذي قالت (٢).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله لموسى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. يقولُ: أمينٌ فيما وَلِيَ، أمين على ما اسْتُودِع (٣).
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: إن موسى لما سَقَى لهما، ورأت قوَّته، وحرَّك حَجَرًا على الرَّكِيَّةِ (٤) لم يستطعه ثلاثون رجلًا، فأَزَاله عن الرَّكِيَّةِ، وانطلق مع الجارية
стр. 12324
حينَ دعَتْه، فقال لها: امْشِى خَلْفى وأنا أمامَكِ. كراهيةَ أن يَرَى شيئًا مِن خلفِها مما حرَّم اللهُ أن يُنظر إليه، وكان يومًا فيه ريحٌ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي نُعْمٍ في قولِه: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال لها أبوها: ما رأيتِ من أمانيِه؟ قالت: لمَّا دَعَوْتُه مَشَيتُ بينَ يدَيه، فَجَعَلتِ الريحُ تَضْرِبُ ثيابي، فَتَلْزَقُ بجَسدِى، فقال: كُونى خَلْفى، فإذا بلَغَتِ الطريقَ فَآذِنِينى (١). قالت: ورأيتُه يَمْلأُ الحوضَ بسَجْلٍ واحدٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: غَضَّ طَرْفَه عنهما، قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: حينَ أو حتى سقَى لهما فصدَرتا. وقال الحارثُ في حديثِه: حتى سقَى. بغير شكٍّ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ، قال: فتح عن بئرٍ حَجَرًا على فيها، فسَقَى لهما بها، والأمينُ أنه غَضٌ بصرَه عنهما حينَ سقَى لهما فصدَرتا (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عن الحجاجِ، عن القاسمِ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: رفع
стр. 12325
حجرًا لا يرفعه إلا فِئامٌ مِن الناسِ (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، قال (٢): قال عمرُو بنُ ميمونٍ في قولِه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: كان يومَ ريحٍ، فقال: لا تَمشِى أمامي، فيَصِفَك الريحُ لى، ولكن امْشِى خَلْفى، ودُلِّينى على الطريقِ. قال: فقال لها: كيف عرَفتِ قوَّتَه؟ قالت: كان الحَجرُ لا يُطِيقُه إِلَّا عَشَرَةٌ، فرفَعه وحدَهُ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن الحجاجِ بن أرطاةَ، عن الحكمِ، عن شُرَيحٍ في قولِه: ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: أما قوَّتُه؛ فانْتَهى إلى حجَرٍ لا يَرْفعُه إِلا عَشَرةٌ، فرفَعه وحدَه، وأما أمانتُه؛ فإنها مشَت أمامَه، فوصَفَها الريحُ، فقال لها: امْشِى خَلْفى، وصِفى لىَ الطريقَ (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [معاويةُ بنُ عمرٍو] (٤)، عن زائدةَ، عن الأعمشِ، قال: سأل (٥) تميمٌ (٦) إبراهيمَ: بمَ عَرَفَتْ أمانته؟ قال: في طَرْفِه، بغضِّ طَرْفِه عنها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ
стр. 12326
اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: القويُّ في الصَّنعةِ، الأمينُ فيما وَلِى. قال: وذُكِر لنا أن الذي رأت من قوَّتِه أنه لم تَلْبَثْ ماشيتُها أن (١) أرْوَاها، وأن الأمانةَ التي رأت منه، أنها حينَ جاءت تدعوه قال لها: كُوني ورائى. وكَرِه أَن يَسْتَدْبِرَها، فذلك ما رأت من قوَّتِه وأمانتَه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ قولِه: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: بلَغنا أن قوَّتَه كانت سرعةَ ما أرْوَى غنمَهما، وبلَغنا أنه ملأ الحوضَ بدَلْوٍ واحدٍ، وأما أمانتُه فإنه أمَرها أن تمشِىَ خلفَه (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ: عن السُّدِّيُّ: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: وهى الجاريةُ التي دعَته، قال الشيخُ: هذه القُوَّةُ قد رأيتِ حينَ اقتلَع الصخرةَ، أرأيتِ أمانتَه، ما يُدْرِيك ما هي؟ قالت: مَشَيْتُ قُدَّامَه، فلم يُحِبُّ أن يَخُونَني في نفسِي، فأمَرني أن أَمْشِي خلْفَه (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: فقال لها: وما عِلْمُك بقوَّتِه وأمانتِه؟ فقالت: أما قوَّتُه فإنه كشَف الصخرةَ التي على بئرِ آلِ فلانٍ، وكان لا يكشِفُها دونَ سبعةِ نفرٍ، وأما أمانتُه فإني لمَّا جئتُ أدعوه، قال:
стр. 12327
كُوني خلفَ ظَهْرِى، وأشِيرى لى إلى منزلِك. فعرفتُ أن ذلك منه أمانةٌ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: لما رأت من قوَّتِه وقولِه لها ما قال؛ أَنِ امْشِي خَلْفى. لئلَّا يَرَى منها شيئًا مما يكْرَهُ، فزاده ذلك فيه رغبةً (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال أبو المرأتين اللتين سَقَى لهما موسى لموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾. يعنى بقولِه: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾: على أن تُثيبنى [مِن تزويجِكها] (٣) رَعْيَ ماشيتى ثمانِيَ حِجَجٍ. من قولِ الناسِ: أَجَرك الله فهو يأجُرُك. بمعنى: أثابَك اللهُ. والعربُ تقولُ: أجَرْتُ الأجيرَ أَجْرَه. بمعنى: أعطيتُه ذلك، كما يقالُ: أَخَذْتُه فأنا آخُذُه.
وحكَى بعضُ أهلُ العربيةِ من أهل البصرةِ، أنّ لغةَ العربِ: أجَرْتُ غلامي، فهو مأجورٌ، وأَجَرْتُه فَهو مُؤجَرٌ. يريد: أفعلتُه. قال: وقال بعضُهم: آجَرَه، فهو مؤاجَرٌ. أراد: فاعَلْتُه.
وكأنّ أباها عندى جعَل صداقَ ابنتِه التي زوَّجها موسى رَعْىَ موسى عليه ماشيتَه ثمانيَ حِجَجٍ، والحِجَجُ السِّنونُ.
وقولُه: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾. يقولُ: فإِن أَتمَمْتَ الثمانيَ
стр. 12328
الحِجَج التي شرَطتُها عليك، بإنكاحِي إِيَّاك (١) ابنتي، فَجَعَلْتَها عَشْرَ حِجَجٍ، فإحسانٌ من عندك، وليس مما اشترَطتُه عليك بسبب تَزْويجِك ابنتِي، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ باشتراطِ الثمانِي الحَجَجِ عَشْرًا عليك، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في الوفاءِ بما قلتُ لك.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. أي: في حُسنِ الصُّحبةِ والوفاءِ بما قلتُ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى لأبي المرأتين: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾. أي: هذا الذي قلتَ من أنك تُزوِّجُنى إحدَى ابنتَيك على أن آجُرَك ثمانيَ حِجَج - واجبٌ بيني وبينَك، على كلِّ واحدٍ منا الوفاءُ لصاحبِه بما أوجَبه (٣) له على نفسِه.
وقولُه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾. يقولُ: أَيَّ الأجلين من الثماني الحِجَج والعشر الحججِ، ﴿قَضَيْتُ﴾. يقولُ: فرَعْتُ منها، فوفَّيْتُكَها رعىَ غنمِك وماشيتِك، ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾. يقولُ: فليس لك أن تَعْتدِىَ عليَّ فتطالبَني بأكثرَ منه.
و "ما" في قولِه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾. صلةٌ يوصَلُ بها "أيّ [عدوانَ عليَّ] (٤).
стр. 12329
وزعم أهلُ العربيةِ (١) أن هذا أكثرُ في كلامِ العربِ من "أيّما" (٢). وأنشَد قولَ الشاعر:
وأَيُّهما ما أَتْبَعَنَّ فَإِنَّني … حَرِيصٌ على إثْرِ الذي أنا تابعُ
وقال عباسُ بن مِرداسٍ (٣):
فأَيِّى ما وأيُّكَ كان شَرًا … فَقِيدَ إلى المَقامَةِ لا يَراها
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. كان ابن إسحاقَ يرَى هذا القولَ من أبى المرأتين.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال موسى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾. قال: نَعم ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. فزوَّجه، وأقام معه يَكْفِيه، ويَعْمَلُ له في رعايةِ غنمِه، وما يَحتاجُ إليه منه (٤).
وزوجةُ موسى صَفُوراءُ، أو أختُها شرفا أو ليا.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي، قال: قال ابن عباسٍ: الجاريةُ التي دعَتُه هي التي تزوَّجَ (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال له: ﴿إِنِّي
стр. 12330
أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: وأيَّتُهما تريدُ أن تُنكِحَنى؟ قال: التي دَعَتْك. قال: لا، إلَّا وهى بريئةٌ مما دخَل نفسَك عليها. فقال: هي عندك كذلك. فزوَّجَهُ (١).
وبنحوِ الذي قُلنا في قولِه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾: إما ثمانيًا، وإما عَشْرًا (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن لهيعةَ، عن عُمارة بن غَزِيَّةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسمِ بن محمدٍ، وسأله رجلٌ، قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾. قال: فقال القاسمُ: ما أُبالى أيُّ ذلك كان، إنما هو موعدٌ وقضاءٌ.
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. يقولُ: والله على ما أوجب كلُّ واحد منا لصاحبه على نفسه بهذا القولُ - شهيدٌ وحفيظٌ.
كالذي حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال: شهيدٌ على قولِ موسى وخَتَنِه (٣).
وذُكِر أن موسى وصاحبَه لمَّا تَعاقَدا بينَهما هذا العقدَ، أمَر إحدى ابنتَيه أن
стр. 12331
تُعطِىَ موسى عصًا من العِصيِّ التي تكونُ مع الرعاةِ، فأعْطَته إيّاها (١)؛ فذكَر بعضُهم أنها العصا التي جعَلها الله له آيةً، وقال بعضُهم: بل (٢) تلك عصًا أعطاه إيَّاها جبريلُ ﵇.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ:، عن السُّدِّي، قال: أَمَر - يَعنى أبا المرأتين - إحْدَى ابنتَيْه أن تأتِيَه - يعنى أن تأتىَ موسى - بعصًا، فأتَته بعصًا، وكانت تلك العصا عصًا اسْتَودَعها إياه مَلَكٌ في صورةِ رجلٍ فدَفعها إليه، فدخَلت الجاريةُ فأخَذتِ العصا، فأتَته بها، فلمَّا رآها الشيخُ قال: لا، ائتيه بغيرِها. فألقْتَها تريدُ أن تأخذَ غيرَها، فلا يَقَعُ في يدِها إلَّا هي، وجعَل يَرْدُدُها، وكلُّ ذلك لا يَخْرُجُ في يدِها غيرُها، فلما رأى ذلك عمَد إليها فأخرَجها معه (٣)، فرَعَى بها، ثم إن الشيخَ نَدِم وقال: كانت وديعةً. فخرَج يتلَقَّى موسى، فلما لَقِيه قال: أعْطِني العصا. فقال موسى: هي عَصَاى. فأبى أن يُعطِيَه، فاخْتَصما، فرضِيا أن يجعَلا بينهما أولَ رجلٍ يَلْقاهما، فأتاهما مَلَكٌ يمشى، [فقضَى بينَهما] (٤) فقال: ضَعوها في الأرضِ، فمَن حمَلها فهى له. فعالَجها الشيخُ فلم يُطِقْها، وأخَذها موسى بيدِه فرَفَعها، فترَكها له الشيخُ، فرعَى له عشرَ سنينَ. قال عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ: كان موسى أحقُّ بالوفاءِ (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال - يعني أبا الجاريةِ لمَّا زوَّجها موسى - لموسى: ادخُلْ ذلك البيتَ، فخُذ عصًا فتوكَّأْ عليها.
стр. 12332
فدخَل، فلما وقَف على بابِ البيتِ، طارت إليه تلك العصا فأخَذها، فقال: ارْدُدْها وخُذْ أُخرى مكانَها. قال: فردَّها، ثم ذَهَب ليأخذَ أخرى، فطارت إليه كما هي، فقال: [لا، ارْدُدْها] (١). حتى فعل ذلك ثلاثًا، فقال: ارْدُدُها. فقال: لا آخُذُ (٢) غيرَها اليومَ. فالْتَفَت إلى ابنتِه، فقال: [يا بُنَيَّةُ] (٣)، إن زوجَك لنبيٌّ.
ذكرُ مَن قال: التي كانت آيةً عصًا أعطاها موسى جبريلُ ﵉
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، قال: سألتُ عكرِمةَ، فقال: أما عصا موسى، فإنها خرج بها آدم من الجنَّةِ، ثم قبَضها بعدَ ذلك جبريلُ ﵇، فلَقِى موسى بها ليلًا فدفعَها إليه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما وفَّى موسى صاحبَه الأجلَ الذي فارَقه عليه عندَ إنكاحِه إياه ابنته. وذُكِر أن الذي وفَّاه من الأجلين أتمُّهما وأكملُهما، وذلك العَشْرُ الحِجَج، على أن بعضَ أهلِ العلمِ قد رُوِى عنه أنه قال: زاد مع العشرِ عَشْرًا أُخرى.
ذكرُ مَن قال: الذي قضَى من ذلك هو الحِجَجُ العَشْرُ
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟
стр. 12333
قال: خيرَهما وأوفاهما (١)
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، سُئل: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قال: أتَمَّهما وأخْيَرَهما.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: ثنا موسى بنُ عُبَيدةَ، عن أخيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قضَى موسى آخِرَ (٢) الأجلين.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ (٣)، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، سُئل ابن عباسٍ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قال: أتمَّهما وأوفاهما (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن حكيمِ بن جُبَيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال يهوديٌّ بالكوفةِ وأنا أَتَجَهَّز للحجِّ: إنى أَراك رجلًا يَتَّبِعُ (٥) العِلمَ؛ أخْبِرْنِى أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قلتُ: لا أعلمُ، وأنا الآنَ قادمٌ على حَبْرِ العرب - يعنى ابنَ عباسٍ - فسائلُه عن ذلك. فلما قدِمتُ مكةَ سألتُ ابنَ عباسٍ عن ذلك، وأخبَرتُه بقولِ اليهوديِّ، فقال ابن عباسٍ: قضَى أكثرَهما وأطيبَهما؛ إن النبيَّ إذا وعَد لم يُخلِف. قال سعيدٌ: فقَدِمتُ
стр. 12334
العراقَ، فلَقِيتُ اليهوديَّ فأخبَرتُه، فقال: صدَق - وما أَنزَل على موسى - هذا. واللهُ العالم (١).
[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٢)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سألنى رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قلتُ: لا أعلم، وأنا يومئذٍ لا أعلم، فَلَقِيتُ ابنَ عباسٍ، فذكرتُ له الذي سألني عنه النصرانيُّ، فقال: أما كنتَ تَعْلَمُ أن ثمانيًا واجبٌ عليه، لم يكنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ (٣) منها شيئًا؟ وتعلمُ أن الله كان قاضيًا عن موسى عِدَتَه التي وعَدَه؟ فإنه قضَى عَشْرَ سنين (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾. قال: حدَّث ابن عباسٍ، قال: رَعَى عليه نبيُّ اللهِ أكثرَها وأطيبَها (٥).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي معشر، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: سُئل رسولُ اللهِ ﷺ : أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ فقال: "أوْفاهما وأَتَمَّهما" (٦).
حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا الحُمَيْديُّ أبو بكرٍ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى إبراهيمُ بنُ يحيى بن أبي يعقوبَ، عن الحكمِ بن أبانٍ،
стр. 12335
عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، أن رسول الله ﷺ قال: "سألْتُ جبريلَ: أَي الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسى؟ قال: أتَمَّهُما وأكمَلَهُما" (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: إن النبيَّ ﷺ سأل جبريلَ: "أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: سوف أسألُ إسرافيلَ. فسَألَه، فقال: سوف أسألُ الله ﵎. فسَأله، فقال: أبرَّهما وأوفاهُما" (٢).
ذكرُ مَن قال: قضَى العَشْرَ الحِجَجِ وزاد على العَشْرِ عَشْرًا أخرى
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾. قال: عَشر سنين، ثم مكَث بعد ذلك عَشْرًا أُخرى (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: قضَى الأجلَ عشرَ سنين، ثم مكَث بعد ذلك عَشْرًا أُخرى.
حدَّثنا ابن (٤) المثنى، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، قال: ثنا أنسٌ، قال: لمَّا دعا نبيُّ اللهِ موسى صاحبَه إلى الأجلِ الذي كان بينَهما، قال له
стр. 12336
صاحبه: كلُّ شاةٍ ولَدت على غيرَ لونها، فلك ولدُها. فعمَد، فرفَع خيالًا على الماءِ، فلما رأت الخيالَ فزِعَت، فجالت جَوْلةً، فولَدْن كلُّهنَّ بُلقًا، إلا شاةً واحدةً، فذهَب بأولادِهِنَّ ذلك العامَ (١).
وقولُه: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما قضَى موسى الأجلَ وسار بأهلِه شاخِصًا بهم إلى منزلِه من مصرَ، ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّور﴾. يعنى بقوله: ﴿آنَسَ﴾: أبْصَر وأحَسَّ، كما قال العَجَّاجُ (٢):
آنَسَ خِرْبانَ (٣) فضاءٍ فانكَدَرْ … دانَى جَناحَيْه من الطُّورِ فمَرّ
وبنحوِ الذي قلُنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك فيما مضَى قبلُ (٤)، غيرَ أنا نذكُرُ ههنا بعضَ ما لم نذكرْ قبلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. أيَّ: أَحْسَسْتُ نارًا (٥).
وقد بيَّنا معنى "الطورِ" فيما مضَى بشواهدِه وما فيه من الروايةِ عن أهلِ
стр. 12337
التأويلِ (١).
وقولُه: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. يقولُ: قال موسى لأهلِه: تَمَهَّلوا وانتَظِروا، إنى أبصَرتُ نارًا، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا﴾. يعنى: من النارِ، ﴿بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. يقولُ: أو أتِيكم بقطعةٍ غليظةٍ من الحطبِ فيها النارُ. وهى مِثلُ الجِذْمةِ من أصلِ الشجرةِ. ومنه قولُ ابن مقبلٍ (٢):
باتَتْ حَواطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْن لها … جَزْلَ الجِذَا غيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرِ (٣)
وفى "الجذْوةِ" لغاتٌ للعربِ ثلاثٌ؛ جِذوةٌ بكسرِ الجيمِ، وبها قرَأت قَرَأَةُ الحجازِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ، وهى أشهرُ اللغات الثلاثِ فيها، وجَذْوةٌ بفتحِ الجيمِ، وبها قرَأ أيضًا بعضُ قَرَأةِ الكوفةِ، [وجُذوةٌ بضمِّ الجيمٍ] (٤)، وهذه اللغاتُ الثلاثُ وإن كُنَّ مشهوراتٍ في كلامِ العربِ، فالقراءةُ بأشهرِها أعجبُ إليَّ، وإن لم أُنكِر قراءةَ مَن قرَأ بغيرِ الأشهرِ منهن.
وبنحوِ الذي قلْنا في معنى "الجذوةِ" قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. يقولُ: شهابٍ (٥).
стр. 12338
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾: والجَذوةُ أصلُ شجرةٍ فيها نارٌ.
حدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. قال: أصلُ الشجرةِ في طَرَفِها النارُ، فذلك قولُه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. قال: السَّعَفُ فيه النارُ. قال مَعْمرٌ: وقال غيرُ (١) قتادةَ: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾: أو شُعْلةٍ من النارِ (٢)
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. قال: أصلُ شجرةٍ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. قال: أصلُ شجرةٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. قال: الجَذوةُ العودُ منِ الحطبِ الذي فيه النارُ، ذلك الجذوةُ (٤).
стр. 12339
وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. يقولُ: لعلكم تَتَسَخَّنون (١) بها من البَردِ. وكان في شتاءٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما أتَى موسى النارَ التي آنَس من جانبِ الطورِ، ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾. يعنى بالشاطئ الشَّطَّ. وهو جانبُ الوادى وعُدْوَتُه، والشاطئُ يُجْمَعُ شَواطئَ وشُطَانَ، والشَّطُّ الشُّطُوطَ. و "الأيمن" [من نعتِ] (٢) الشاطئ، عن يمينِ موسى.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾. قال ابن عمرو في حديثِه: عندَ الطورِ. وقال الحارثُ في حديثِه: من شاطئ الوادى الأيمنِ عندَ الطورِ، عن يمين موسى (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾. قال: شِقِّ الوادى عن
стр. 12340
يمينِ موسى، عندَ الطورِ.
وقولُه: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ من صلةِ الشاطئ.
وتأويلُ الكلامِ: فلما أتاها نادَى اللهُ موسى من شاطئ الوادى الأيمنِ، في البقعةِ المباركةِ منه، ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقيل: إن معنى قوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾: عند الشجرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾. قال: نُودِى مِن عندِ الشجرةِ: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
وقيل: إن الشجرةَ التي نادى موسى منها ربُّه شجرةُ عَوْسَجٍ. وقال بعضُهم: بل كانت شجرةَ العُلَّيقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾. قال: الشجرةُ عَوْسَجٌ. قال معمرٌ: [وقال غيرُ] (٢) قتادةَ: عصا موسى من العَوْسَجِ، والشجرةُ مِن العَوْسَجِ (٣).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ مَن
стр. 12341
لا يَتَّهِمُ، عن [وهبِ بن مُنَبِّهٍ] (١): ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. قال: خرَج نحوَها فإذا هي شجرةٌ مِن العُليق، وبعضُ أهلِ الكتابِ يقولُ: هي عَوْسَجةٌ (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةً، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: رأيتُ الشجرةَ التي نُودِى منها موسى؛ شجرةَ سَمُرَةٍ (٣) حضراءَ تَرفُّ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: نُودِى موسى: أن يا موسى إنِّي أنا اللهُ ربُّ العالمين، وأن ألْقِ عصاك. فألقاها موسى، فصارت حيةً تَسْعَى، فلما رآها موسى ﴿تَهْتَزُّ﴾. يقولُ: تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾. والجانُّ: واحد الجنَّانِ، وهى نوعٌ معروفٌ مِن أنواعِ الحيَّاتِ، وهى منها عظامٌ. ومعنى الكلام: كأنها جانٌّ مِن الجنَّان (٥)، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾. يقولُ: وَلَّى موسى هاربًا منها.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَّى
стр. 12342
مُدْبِرًا﴾: فارا منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. يقولُ: ولم يَرْجِعْ على عَقِبَيهِ (١).
وقد ذكَرنا الروايةَ في ذلك، وما قالَه أهلُ التأويلِ، فيما مضَى (٢)، فكَرِهْنا إعادتَه، غير أنا نَذْكُرُ في ذلك بعضَ ما لم نذكُرْه هنالك.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾.
يقولُ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. أيَّ: لم يَلْتَفِتْ مِن الفَرَقِ (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. يقولُ: لم يَنْتَظِرُ (٤).
وقولُه: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فنُودِى موسى: يا موسى، أقِبلْ إليَّ ولا تَخَفْ مِن الذي تَهْرُبُ منه، ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ مِن أن يَضُرَّك، إنما هو (٥) عَصاك.
وقولُه: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾. يقولُ: أَدخِلْ يَدَك. وفيه لغتان: سَلَكْتُه وأَسْلَكْتُه ﴿فِي جَيْبِكَ﴾. يقولُ: في جَيْبِ قميصِك.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾. أي: في جَيْبِ قميصك (٦).
وقد بَيَّنَّا فيما مضَى السببَ الذي مِن أجلِه أَمر أَن يُدْخِلَ يدَه في
стр. 12343
الجيب دونَ الكُمِّ (١).
وقولُه: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. يقولُ: تخرج بيضاءَ مِن غيرِ بَرَصٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا قُرَّةُ بن خالدٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. قال: فخرَجَت كأنها المصباحُ، فأيقن موسى أنه لَقِى ربَّه (٢).
وقولُه: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ يقولُ: واضْمُم إليك يَدَك.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾. قال: يَدَك (٣).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾. قال: وجَناحاه الذراعُ، والعَضُد هو الجَناحُ، والكَفُّ اليدُ، ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ (٤) [طه: ٢٢].
وقولُه: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾. يقولُ: من الخوف والفَرَقِ الذي قد نالَك مِن مُعاينتِك ما عاينتَ مِن هَوْلِ الحيَّةِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
стр. 12344
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾. قال: من الفَرَقِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيَّ: مِن الرُّعْبِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾. قال: مما دخَله مِن الفَرَقِ مِن الحَيَّةِ والخوف. وقال: ذلك الرَّهْبُ. وقرأ قولَ الله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. قال: خوفًا وطَمَعًا (٣).
واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قَرَأةِ أهل الحجاز والبصرة: (مِنَ الرَّهَبِ) بفتحِ الراءِ والهاءِ (٤). وقرأَته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (مِنَ الرُّهْبِ) بضَمِّ الراءِ وتَسْكينِ الهاءِ (٥).
والقول في ذلك أنهما قراءتان مُتَّفقتا المعنى مشهورتان في قَرَأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قَرأ القارى فمُصِيبٌ.
وقولُه: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فهذان اللذان
стр. 12345
أرَيْتُكهما يا موسى مِن تَحوُّلِ العصا حَيَّةً، ويَدِك وهى سمراءُ، بيضاءَ تَلمَعُ مِن غيرِ بَرَصٍ ﴿بُرْهَانَانِ﴾. يقولُ: آيتان وحُجَّتان.
وأصلُ البرهان البيانُ، يقال للرجل يقولُ القولُ إذا سُئل الحُجَّةَ عليه: هاتِ بُرْهانَك على ما تقولُ. أي: هاتِ تِبْيانَ ذلك ومِصْداقَه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: العَصا واليدُ آيتانِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: [حدَّثنا أبو عاصمٍ قال: قال: حدَّثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال] (٢): ثنا الحسنُ (٣)، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا (٤) عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: تِبْيانان مِن ربِّك (٥).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: هذان بُرهانان (٦).
стр. 12346
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾. فقَرأ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤]: هاتُوا (١) على ذلك آيةً نعرفُها. وقال: ﴿بُرْهَانَانِ﴾: آيتان مِن اللهِ (٢).
واختلَفت القرأة في قراءةِ قولِه: ﴿فَذَانِكَ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ، سِوى ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو: ﴿فَذَانِكَ﴾ بتَخْفيفِ النونِ (٣)؛ لأنها نونُ الاثنين. وقرأه ابن كثيرٍ وأبو عمرو: (فَذَانَّكَ) بتشديدِ النونِ.
واختَلف أهلُ العربيةِ في وَجْهِ تَشْدِيدِها؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ (٤): ثَقَّلَ النونَ مَن ثَقَّلها للتوكيدِ، كما أدخَلوا اللامَ في "ذلك". وقال بعضُ نَحْوِيِّى الكوفةِ (٥): شُدِّدَت فَرْقًا بينها وبينَ النونِ التي تَسْقُطُ للإضافة؛ لأن "هاتان وهذان" لا تضافُ. وقال آخرُ منهم (٦): هو مِن لغةِ مَن قال: [هذا قال ذلك] (٧). فزادَ على الألفِ ألفًا، كذا زادَ على النونِ نونًا؛ ليَفْصلَ بينَها وبينَ الأسماءِ المُتَمَكِّنة. وقال في "ذانِك" (٨): إنما كانت ذلك (٩) في مَن قال: هاذاني (١٠): يا هذا. فَكرِهوا تثنيةَ الإضافةِ، فأعقَبوها باللامِ؛ لأن الإضافةَ تُعَقَّبُ باللام. وكان أبو عَمْرٍو يقولُ:
стр. 12347
التشديدُ في النونِ في: (ذَانِّك) مِن لغةِ قريشٍ.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾. يقولُ: إلى فرعونَ وأشرافِ قومِه، حُجَّةً عليهم، ودلالةً على حقيقة نُبُوَّتِك يا موسى؛ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
قولُ: إن فرعونَ وملأهَ كانوا قومًا كافرين.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى: ربِّ إني قَتَلْتُ مِن قومِ فرعونَ نفسًا، فَأَخَافُ إن أتيتُهم فلم أُبِنْ عن نفسى بحجةٍ، أن يَقْتُلُونى؛ لأن في لساني عُقْدَةً، ولا أُبِينُ معها ما أريدُ من الكلامِ،
﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾. يقولُ: أحسنُ بَيانًا عما يريدُ أن يُبَيِّنَه، ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾. يقولُ: عَوْنًا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾. أيَّ: يُبيِّنُ لهم عنى ما أخاطبُهم به.
كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. أي: يُبَيِّنُ لهم عنى ما أُكَلِّمُهم به، فإنه يَفْهَمُ ما لا يَفْهَمون (١).
وقيل: إنما سأل موسى ربَّه أن يُؤَيِّده بأخيه؛ لأن الاثنين إذا اجْتَمعا على الخبرِ، كانت النفسُ إلى تَصْديِقِهما أسْكَنَ منها إلى تصديقِ خبر الواحدِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَرْسِلْهُ
стр. 12348
مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾: لأن الاثنين أُحْرَى أن يُصَدَّقا من واحدٍ.
وبنحوِ الذي قلْنا في "الرِّدْء" (١) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. قال: عَوْنًا (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. أي: عونًا (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: كيما يُصَدِّقني.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن علي، عن ابن عباسٍ: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. يقولُ: كي يُصَدِّقَنى (٤).
стр. 12349
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. يقولُ: كيما يُصَدِّقَنى (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾. يقولُ: كيما يُصَدِّقَنى.
و"الرِّدْءُ" في كلامِ العربِ هو العَونُ، يقالُ منه: قد أردأتُ فلانًا على أمرِه. أي: أَكْنَفْتُه (٢) وأعَنْتُه.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الحجازِ
والبصرةِ: (رِدْءًا يُصَدِّقْنى) بجزم "يُصَدِّق" (٣). وقَرأ عاصمٌ وحمزةُ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ برفعِه. فمَن رفَعه جعلَه صلة لـ "الردءِ"، بمعنى: فأرسِلْه معى رِدْءًا، مِن صفتِه يُصَدِّقُنى. ومَن جزَمه جعَله جوابًا لقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ﴾؛ فإنك إذا أرسَلْتَه صَدَّقَنى. على وجهِ الخبرِ. والرفعُ في ذلك أحبُّ القراءتَين إلى؛ لأنه مسألةٌ مِن موسى ربَّه أن يُرْسِلَ أخاه عونًا له بهذه الصفة.
وقولُه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾. يقولُ: إني أخافُ ألا يُصَدِّقونى على قولى لهم: إنى أُرسلتُ إليكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال الله لموسى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ أي: نُقَوِّيك
стр. 12350
ونُعِينُك بأخيك. تقولُ العربُ إذا أعَزَّ رجلٌ رجلًا وأعانه ومنَعه ممن أرادَه بظلم: قد شَدَّ فلانٌ على عَضُدِ فلان. وهو مِن: عاضَدَه على أمره: إذا أعانَه. ومنه قولُ ابن مُقْبِلٍ (١):
عاضَدْتُها بعنودٍ غيرِ مُعْتَلَثٍ (٢) … كأنه وَقْفُ عاجٍ (٣) باتَ مَكْنُونا
يعنى بذلك: قوسًا عاضَدَها بسهمٍ.
وفى العضدِ لغاتٌ أربعُ، أجودها: العَضُدُ، ثم العَضُدُ، ثم العُضْدُ، والعَضِدُ (٤). يُجْمعُ جميع ذلك على أعضادٍ.
وقولُه: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾. يقولُ: ونَجْعَلُ لكما حُجَّةً.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: حُجَّةً (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ: ﴿وَنَجْعَلُ
стр. 12351
لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: والسلطانُ الحُجَّةُ (١).
وقولُه: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يَصِلُ إليكما فرعونُ وقومه بسُوءٍ.
وقولُه: ﴿بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا يَصِلُ إليكما فرعونُ، ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾. فالباءُ في قولِه: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ من صلة "غالبون". ومعنى الكلامِ: أنتما ومَن اتبعكما الغالِبون فرعونَ وملاه ﴿بِآيَاتِنَا﴾، أي: بحُجَّتِنا وسُلطانِنا الذي نَجْعَلُه لكما.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاء موسى فرعونَ وملأه بأدلَّتِنا وحُجَحِنا بيناتٍ أنها حُجَجٌ شاهِدةٌ بحقيقةِ (٢) ما جاء به موسى مِن عندِ ربِّه، قالوا لموسى: ما هذا الذي جئتنَا به إلا سحرٌ افتريته مِن قِبَلِك، وتَخرَّصْتَه كذبًا وباطلًا، وما سَمِعنا بهذا الذي تَدْعُونا إليه، من عبادةِ مَن تَدعونا إلى عبادتِه، في أسلافِنا وآبائِنا الأولين الذين مَضَوا قَبْلَنا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال موسى مُجيبًا لفرعونَ: رَبِّي أعلمُ بالحقِّ مِنَّا يا فرعونُ مِن المُبْطِل، ومن الذي جاء بالرشادِ إلى سبيلِ الصوابِ، والبيانِ عن واضحِ الحُجَّةِ مِن عندِه، ومَن الذي له العُقْبَى المحمودةُ في الدار الآخرة مِنَّا. وهذه مُعارضةٌ من نبيِّ
стр. 12352
اللهِ موسى ﵇ لفرعونَ، وجميلٌ مُخاطبةٍ، إذ ترك أن يقولُ له: بل الذي غَرَّ قومَه، وأهلَك جنودَه، وأضلَّ أتباعَه، أنت لا أنا. ولكنه قال: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ثم بالَغ في ذمِّ عدوِّ اللهِ بأجملَ مِن (١) الخطابِ، فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: إِنه لا يُنْجِحُ ولا يُدْرِكُ طَلِبَته (٢) الكافرون باللهِ. يَعنِي بذلك فرعونَ، أنه لا يُفْلِحُ ولا يُنْجِحُ؛ الكُفْرِه بربِّه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال فرعونُ لأشرافِ قومهِ وسادتِهم: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ فتَعْبُدوه وتُصَدِّقوا (٤) موسى فيما جاءَكم به؛ مِن أن له ولكم ربًّا غيرى ومعبودًا، سِواىَ، ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾. يقولُ: فاعْمَلْ لى آجُرًّا. وذُكر أنه أوَّلُ مَن طبخ الآجُرَّ وبَنَى به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾. قال: على المَدَرِ يكونُ لَبِنًا مطبوحًا.
стр. 12353
قال ابن جُرَيج: أَوَّلُ مَن أمر بصنعةِ الآجُرّ وبَنَى به فرعونُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾. قال: فكان أوَّلَ مَن طبخ الآجُرَّ يَبنى به الصَّرْحَ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾. قال: المطبوحُ الذي يُوقَدُ عليه هو من طينٍ يَبْنون به البنيانَ (٣).
وقولُه: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾. يقولُ: ابْنِ لى الآجُرَّ (٤) بناءً. وكلُّ بناءٍ مُسَطَّحٍ فهو صَرْحٌ؛ كالقصرِ، ومنه قولُ الشاعرِ (٥):
بِهِنَّ نَعَامُ (٦) بَناها الرجالُ … تَحْسَبُ أعْلامهن الصُّرُوحا
يعنى بالصُّرُوحِ جمعَ صَرْح.
وقولُه: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾. يقولُ: أنْظُرُ إلى معبودِ موسى الذي يعبُدُه ويَدْعو إلى عبادتِه، ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ﴾ فيما يقولُ مِن أن له معبودًا يَعْبُدُه في السماءِ، وأنه هو الذي يُؤَيِّده ويَنْصُرُه، وهو الذي أرسله إليْنا - ﴿مِنَ
стр. 12354
الْكَاذِبِينَ﴾.
فذُكِر لنا أن هامانَ بنَى له الصَّرْحَ، فارتقَى فوقَه، فكان مِن قصتِه وقصةِ ارتقائِه ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي، قال: قال فرعونُ لقومِه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ لعلى أذهبُ في السماءِ فأنظرَ إلى إلهِ موسى. فلما بَنَى له الصرحَ، ارتقَى فوقَه، فأَمر بِنُشَّابةٍ، فرمَى بها نحوَ السماءِ، فرُدَّتْ إِليه وهي مُتَلَطِّخةٌ دَمًا، فقال: قد قتَلتُ إلهَ موسى (١). تعالى اللهُ عما يقولون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واستَكْبَر فرعونُ وجنودُه في أرضِ مصرَ عن تصديقِ موسى واتباعِه على ما دَعاهم إليه مِن توحيدِ اللهِ، والإقرارِ بالعبودةِ له، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. يعنى: تَعَدِّيًا وعُتُوًّا على ربِّهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وحَسِبوا أنهم بعدَ مَماتِهم لا يُبْعَثون، ولا ثوابَ ولا عقابَ، فركِبوا أهواءَهم، ولم يَعْلَموا أن الله لهم بالمرصادِ، وأنه لهم مُجازٍ على أعمالِهم الخبيثةِ.
وقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فجمَعْنا فرعونَ وجنودَه من القِبْطِ، ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾. يقولُ: فألقَينا (٢) جميعَهم في البحرِ، فغَرَّقْناهم فيه. كما قال أبو الأسودِ الدُّؤليُّ (٣):
стр. 12355
نَظَرْتَ إِلى عُنوانِه فنبذته … كنَبْذِك نَعْلًا أَخْلَقَتْ مِن نِعالِكا
وذُكر أن ذلك بحرٌ مِن وراءِ مصرَ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾. قال: كان اليَمُّ بحرًا يقالُ له: إسافٌ. مِن وراء مصرَ، غرَّقهم اللهُ فيه (١).
وقولُه: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فانظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك كيف كان أمرُ هؤلاء الذين ظلَموا أنفسَهم، فكفَروا بربِّهم ورَدُّوا على رسولِه نصيحتَه، ألم نُهْلِكُهم فنُوَرِّثَ ديارَهم وأموالَهم أولياءَنا، ونُخَوِّلهم ما كان لهم مِن جناتٍ وعيونٍ، وكنوزٍ ومَقامٍ كريمٍ؟ بعد أن كانوا مُسْتَضْعفين، تُقَتَّلُ أبناؤُهم، وتُسْتَحْيا نساؤُهم؟ فإنا كذلك بك وبمَن آمَن بك وصَدَّقك فاعلون؛ مُخَوِّلوك وإياهم ديارَ مَن كذَّبك ورَدَّ عليك ما أتيتَهم به مِن الحقِّ، وأموالَهم، ومُهْلِكوهم قتلًا بالسيفِ، سنةَ الله في الذين خَلَوا مِن قبلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا فرعونُ وقومَه أئمةً يأتمُّ بهم أهلُ العُتُوِّ على اللهِ والكفرِ به، يَدْعون الناسَ إلى أعمالِ أهلِ النارِ، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ويومَ القيامةِ لا يَنْصُرُهم مِن الله إذا عذَّبهم ناصرٌ، وقد كانوا في الدنيا يَتَناصَرون، فاضمَحَلَّت تلك النُّصْرة يومَئذٍ.
стр. 12356
وقولُه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وألزَمْنا فرعونَ وقومَه في هذه الدنيا خِزيًا وغضبًا منا عليهم، فحَتَّمْنا لهم فيها بالهلاكِ والبَوارِ والثناءِ السَّيِّيء، ونحن مُتْبِعُوهم لعنةً أخرى يومَ القيامةِ، فمُخْزُوهم بها الخزىَ الدائمَ، ومُهِينوهم بها (١) الهوانَ اللازم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: لُعِنوا في الدنيا والآخرةِ. قال: هو كقولِه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لعنةً أُخرى، ثم استَقبَل فقال: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ (٣).
وقولُه: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هم مِن القومِ الذين قَبَّحهم اللهُ، فأهْلَكهم بكفرِهم بربِّهم، وتكذيبهم رسولَه موسى ﵇، فجعَلهم عبرةً للمُعْتبرين، وعِظَةً للمُتَّعظين.
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾.
стр. 12357
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتَينا موسى التوراةَ مِن بعد ما أهَلَكْنا الأممَ التي كانت قبلَه؛ كقومِ نوحٍ، وعادٍ، وثمودَ، وقومِ لوطٍ، وأصحابِ مَدينَ ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: ضياءً لبنى إسرائيلَ فيما بهم إليه الحاجةُ مِن أمرِ دينِهم، ﴿وَهُدًى﴾. يقولُ: وبيانًا لهم ورحمةً لمن عَمِل به منهم؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لِيَتَذَكَّرُوا نِعَمَ اللهِ بذلك عليهم، فيَشْكُروه عليها ولا يَكْفُرُوا.
وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدٌ وعبدُ الوهابِ، قالا: ثنا عوفٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: ما أَهْلَك اللهُ قومًا بعذابٍ مِن السماءِ ولا مِن الأرضِ بعدَ ما أُنزِلت التوراةُ على وجهِ الأرضِ غير القريةِ التي مُسِخوا قردةً، ألم تَرَ أن الله يقولُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وما كنتَ يا محمدُ بجانبِ غربيِّ الجبلِ ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. يقولُ: إذ فرَغنا (٢) إلى موسى الأمرَ فيما ألزمناه وقومَه، وعهِدنا إليه مِن عهدٍ، ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. يقولُ: وما كنتَ
стр. 12358
لذلك مِن الشاهدين.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾. يقولُ: بجانب غربيِّ الجبلِ، ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: غربيِّ الجبلِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مدركٍ، عن أبي زرعةَ بن عمرٍو، قال: إنكم أمةَ محمدٍ ﷺ قد أُجِبتم قبلَ أن تَسألوا. وقرأ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (٢).
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾: ولكنا خلَقْنا أُممًا فأحدَثناها مِن بعدِ ذلك، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾.
стр. 12359
وقولُه: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾. يقولُ: وما كنتَ مقيمًا في أهلِ مدينَ. يقالُ: ثويتُ بالمكانِ أثْوِى به ثَواءً، قال أعشى ثعلبةَ (١):
أثْوَى وَقَصَّرَ (٢) لَيْلةً (٣) لِيُزَوَّدا … فَمَضَى وأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾. قال: الثاوِى المقيمُ، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾. يقولُ: تقرأُ عليهم كتابَنا، ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. يقولُ: لم تشهدْ شيئًا مِن ذلك يا محمدُ، ولكنا كنا نحن نفعلُ ذلك، ونرسلُ الرسلَ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما كنتَ يا محمدُ بجانبِ الجبلِ إذ نادينا بأن: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧،١٥٦] الآية.
стр. 12360
كما حدَّثنا عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مُدْركٍ، عن أبي زُرْعَةَ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نادى: يا أمةَ، محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تَسألوني، وأجبتُكم قبلَ أن تَدْعونى (١).
حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تسألوني، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعونى.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حرملةُ بنُ قيسٍ النخعيُّ، قال: سمعتُ هذا الحديثَ مِن أبي زُرْعةَ بن عمرِو بن جريرٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تسألونى، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعونى.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرٌ، عن سليمانَ، و (٢) سفيانُ، عن سليمانَ، وحجاجٌ، عن حمزةَ الزياتِ، عن الأعمشِ، عن عليٍّ بن مُدْرِكٍ، عن أبي زرعةَ بن عمرٍو، عن أبي هريرةَ في قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾. قال: نُودوا: يا أمةَ محمدٍ، أعطيتُكم قبلَ أن تَسألوني، واستجبتُ لكم قبلَ أن تَدْعوني. قال: وهو قولُه حينَ قال موسى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآية (٣):