فالهاءُ والميمُ فى قولِه: ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ﴾ على هذا التأويلِ لـ ﴿مَنْ﴾ الذي في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾. وعلى التأويلِ الأوّلِ الذى قاله مجاهدٌ وقتادةُ لـ "المجرمين"، وهى بأن تكونَ من ذكرِ "المجرمين" أولى؛ لأن اللهَ تعالى ذكره غيرُ سائلٍ عن ذنوبِ مذنبٍ غيرَ مَن أذنَب؛ لا مؤمنٍ ولا كافرٍ. فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه لا معنى لخصوصِ المجرمين لو كانت الهاءُ والميمُ اللتان فى قولِه: ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ﴾ لـ ﴿مَنْ﴾ الذي في قولِه: ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ دونَ المؤمنين، يعنى لأنه غيرُ مسئولٍ عن ذلك مؤمنٌ ولا كافرٌ، إلا الذين ركِبوه واكتسَبوه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فخرَج قارونُ على قومِه في زينتِه، وهي فيما ذُكر ثيابُ الأُرْجُوَانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: في القِرْمِزِ (١).
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: في ثيابٍ حُمْرٍ (٢).
стр. 12427
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: على بَرَاذِينَ بِيضٍ، عليها سروجُ الأُرْجُوَانِ، عليهم المُعَصْفَراتُ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: عليه ثوبانِ معصفرانِ.
وقال ابنُ جريجٍ: على بغلةٍ شهباءَ عليها الأرجوانُ، وثلاثُمائةِ جاريةٍ على البغالِ الشُّهْبِ، عليهن ثيابٌ حمرٌ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي ويحيى (٣) بنُ يمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: فى ثيابٍ حُمرٍ وصُفرٍ (٤).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ أنه سمِع إبراهيمَ النخَعِيَّ، قال في هذه الآيةِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: في ثيابٍ حمرٍ (٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ النخعيِّ مثلَه.
стр. 12428
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرَ (١) بنِ عليٍّ المُقَدَّميُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ حكيمٍ، قال: دخَلنا على مالكِ بن دينارٍ عشيةً، وإذا هو في ذكرِ قارونَ، قال: وإذا رجلٌ من جيرانِه عليه ثيابٌ مُعصفرةٌ، قال: فقال مالكٌ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: في ثيابٍ مثلِ ثيابِ هذا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتَادةَ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾: ذُكر لنا أنهم خرَجوا على أربعةِ آلافِ دابةٍ، عليهم وعلى دوابِّهمُ الأرجُوانُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. قال: خرَج في سبعين ألفًا، عليهم المعصفراتُ، فيما كان أبي يَذْكُرُ لنا (٣).
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: قال الذين يريدون زينةَ الحياةِ الدنيا مِن قومِ قارونَ: يا ليتَنا أُعطِينا مثلَ ما أُعْطِى قارونُ مِن زينتِها، ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: إِن قارونَ لذو نصيبٍ مِن الدنيا عظيمٍ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾.
стр. 12429
يقولُ تعالى ذكره: وقال الذين أُوتوا العلمَ باللهِ حينَ رَأَوا قارونَ خارجًا عليهم فى زينتِه، للذين قالوا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾: ويلَكم، اتَّقوا اللهَ وأطِيعوه، فثوابُ اللهِ وجَزاؤُه لمَنْ آمَن به وبرُسُلِه، وعمِل بما جاءت به رُسُلُه مِن صالحاتِ الأعمالِ، في الآخرةِ، خيرٌ مما أُوتى قارونُ من زينتِه ومالِه لقارونَ.
وقولُه: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. يقولُ: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾. أى: ولا يوفَّقُ لقيلِ هذه الكلمةِ، وهى قولُه: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. والهاءُ والألفُ كنايةٌ عن الكلمةِ. وقال: ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. يعنى بذلك: الذين صَبَروا عن طلبِ زينةِ الحياةِ الدنيا، وآثَروا ما عندَ اللهِ مِن جزيلِ ثوابِه على صالحاتِ الأعمالِ، على لَذَّاتِ الدنيا وشَهَواتِها، فجَدُّوا في طاعةِ اللهِ، ورفَضوا الحياةَ الدنيا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فخَسَفْنا بقارونَ وأهلِ دارِه.
وقيل: ﴿وَبِدَارِهِ﴾. لأنه ذُكِر أن موسى إذ أمَر الأرضَ أن تأخذَه، أمَرها بأَخْذِه وأخذِ مَن كان معه مِن جُلسائِه فى دارِه، وكانوا جماعةً جُلُوسًا معه، وهم على مثلِ الذى هو عليه مِن النفاقِ والمُؤازرةِ على أذَى موسى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن المِنْهالِ
стр. 12430
ابن عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزلَت الزكاةُ أتَى قارونُ موسى، فصالَحه على كلِّ ألفِ دينارٍ دينارًا، وكلِّ ألفِ شيءٍ شيئًا، أو قال: وكلِّ ألفِ شاةٍ شاةً -الطبريُّ يشكُّ- قال: ثم أتَى بيتَه فحَسَبَه، فوجَده كثيرًا، فجمَع بني إسرائيلَ، فقال: يا بني إسرائيلَ، إن موسى قد أمَركم بكلِّ شيءٍ فأطَعْتُموه، وهو الآنَ يريدُ أن يأخُذَ مِن أموالِكم. فقالوا: أنت كبيرُنا، وأنت سَيِّدُنا، فمُرْنا بما شئتَ. فقال: آمُرُكم أن تَجِيئُوا بفلانةَ البغيِّ، فتَجْعَلُوا لها جُعْلًا، فتَقْذِفُه بنفسِها. فدَعَوها، فجَعَل لها جُعْلًا على أن تَقْذِفَه بنفسِها، ثم أتَى موسى، فقال لموسى: إن بني إسرائيلَ قد اجتَمعوا لتأمُرَهم ولتَنْهاهم. فخرج إليهم وهم في بَراحٍ مِن الأرضِ (١)، فقال: يا بني إسرائيلَ، مَن سَرَق قطَعْنا يدَه، ومَن افتَرى جَلَدْناه ثمانين (٢)، ومَن زنَى وليس له امرأةٌ جلَدْناه مائةً، ومَن زنَى وله امرأةٌ جلَدْناه يموتَ -أو: رَجَمْناه حتى يموتَ- الطبريُّ يشكُّ. فقال له قارونُ: وإن كنتَ أنت؟ قال: وإن كنتُ أنا. قال: فإن بني إسرائيلَ يزعُمون أنك فجَرْت بفلانةَ. قال: ادْعُوها، فإن قالت فهو كما قالت. فلما جاءتْ قال لها موسى: يا فلانةُ. قالت: يا لبَّيك. قال: أنا فعلتُ بكِ ما يقولُ هؤلاء؟ قالت: لا وكذَبوا، ولكن جعَلوا لي جُعْلًا على أنى أقْذِفُك بنفسى. فوثَب، فسجَد وهو بينَهم، فأوحى اللهُ إليه: مُرِ الأَرضَ بما شئتَ. قال: يا أرضُ خُذِيهم. فأخذَتهم إلى أقْدامِهم، ثم قال: يا أرضُ خُذِيهم. فأخذَتهم إلى رُكبِهم، ثم قال: يا أرضُ خذِيهم. فأخذتهم إلى حِقِيِّهم (٣)، ثم قال: يا أرضُ خُذِيهم. فأخَذَتهم إلى أعْناقِهم، قال: فجعَلوا يقولون: يا موسى يا موسى.
стр. 12431
ويتضرَّعون إليه، قال: يا أرضُ خُذِيهم. فأطبقَت (١) عليهم، فأوحَى اللهُ إليه: يا موسى، يقولُ لك عبادى: يا موسى يا موسى. فلا ترحمُهم، أمَا لو إيَّاى دَعَوا، لوجَدوني قريبًا مُجِيبًا. قال: فذلك قولُ اللهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾. وكانت زينتُه أنه خرَج على دوابَّ شُقْرٍ عليها سُرُوجٌ حُمْرٌ، عليهم ثيابٌ مُصْبَغةٌ بالبَهْرَمانِ (٢)، ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ يا محمدُ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا أمَر اللهُ موسى بالزكاةِ قال: رَمَوه بالزِّنى، فجَزِع مِن ذلك، فأرسَلوا إلى امرأةٍ كانوا (٤) قد أعْطَوها حُكْمَها على أن تَرْمِيَه بنفسِها، فلما جاءتْ عَظَّمَ عليها، وسألَها بالذى فلَق البحر لبنى إسرائيلَ، وأنزَل التوراةَ على موسى إلا صَدَقَت، قالت: إذ قد استحلفتَني، فإنى أشهَدُ أنك بَرِئٌ، وأنك رسولُ اللهِ. فخَرَّ ساجدًا يَبْكى، فأوحَى اللهُ إليه: ما يُبْكِيك؟ قد سَلَّطناك على الأرضِ، فمُرْها بما شئتَ. فقال: خُذِيهم. فأخذَتهم إلى ما شاء اللهُ. فقالوا: يا موسى يا موسى. فقال: خُذِيهم. فأخذَتهم إلى ما شاء اللهُ، فقالوا: يا موسى يا موسى. فخسَفتهم. قال: وأصابَ بنى إسرائيلَ بعدَ ذلك شِدَّةٌ وجوعٌ شديدٌ، فأتَوا موسى، فقالوا: ادْعُ لنا ربَّك. قال: فدَعا لهم، فأوحَى اللهُ إليه: يا موسى، أتُكَلِّمُنى في قومٍ قد
стр. 12432
أظلمَ ما بينى وبينَهم خَطاياهم، وقد دَعَوك فلم تُجِبْهم، أما لو إيَّاى دَعَوا لأجَبْتُهم (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. قال: قيل للأرضِ: خُذِيهم. فأخذَتْهم إلى أعْقابِهم، ثم قيل لها: خُذِيهم. فأخذَتْهم إلى ركبِهم. ثم قيل لها: خذيهم. فأخَذتهم إلى أحْقيهم، ثم قيل لها: خذيهم. فأخذتهم إلى أعناقِهم، ثم قيل لها: خذيهم. فَخُسِف بهم، فذلك قولُه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عليُّ بنُ هاشمِ بنِ البَرِيدِ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾. قال: كان ابنَ عمِّه، وكان موسى يقضِى في ناحيةِ بني إسرائيلَ، وقارونُ فى ناحيةٍ. قال: فدَعا بَغِيَّةً كانت في بني إسرائيلَ، فجعَل لها جُعْلًا على أن تَرْمِيَ موسى بنفسِها، فتَرَكَتْه حتى (٣) إذا كان يومٌ يجتمعُ فيه بنو إسرائيلَ إلى موسى، أتاه قارونُ فقال: يا موسى، ما حَدُّ مَن سَرَق؟ قال: أن تُقْطَعَ (٤) يَدُه. قال: وإن كنتَ أنت؟ قال: نعم. قال: فما حَدُّ مَن زنَى؟ قال: أَن يُرْجَمَ. قال: وإن كنتَ أنت؟ قال: نعم. قال: فإنك قد فعَلت. قال: وَيْلَك، بمَن؟ قال: بفُلانةَ. فدَعاها موسى، فقال: أَنْشُدُكِ بالذى أنزَل التوراةَ، أَصَدَق قارونُ؟ قالت: اللهمَّ إذ نشدْتَنى، فإني أشهدُ أنك برئٌ، وأنك رسولُ اللهِ، وأن عدوَّ اللهِ قارونَ جعَل
стр. 12433
لى جُعْلًا على أن أرْمِيَك بنَفْسى. قال: فوثَب موسى، فخَرَّ ساجدًا للهِ، فأوحَى اللهُ إليه: أن ارفَعْ رأسَك، فقد أمرتُ الأرضَ أن تُطِيعَك. فقال موسى (١): خُذِيهم. فأَخَذَتهم حتى بَلَغوا الحِقْوَ، قال: يا موسى. قال: خُذِيهم. فأَخَذَتهم حتى بلَغوا الصدورَ، قال: يا موسى. قال: خُذِيهم. قال: فذهَبوا. قال: فأوحَى اللهُ إليه: يا موسى، اسْتَغاثَ بك فلم تُغِثْه، أمَا لو اسْتغاثَ بي لأجَبْتُه ولأغَثْتُه (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ هلالٍ الصَّوَّافُ، قال: ثنا جعفرُ بن سليمانَ الضُّبَعِيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ زيدِ بن جُدْعانَ، قال: خرج عبدُ اللهِ بنُ الحارثِ مِن الدارِ، ودخَل المقصورةَ، فلما خرَج منها، جلَس وتَسانَد عليها، وجَلَسْنا إليه، فذكَر سليمانَ بن داودَ وقال: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٣٨ - ٤٠]. ثم سكَت عن ذكر سليمانَ، فقال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾. وكان قد أُوتى من الكنوزِ ما ذكَر اللهُ في كتابِه: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. قال: وعادَى موسى، وكان مُؤْذِيًا له، وكان موسى يصفحُ عنه ويعفُو للقرابةِ، حتى بنَى دارًا، وجعَل بابَ دارِه مِن ذَهَبٍ، وضرَب على [جُدُرِ دارِه] (٣) صفائحَ الذهبِ، وكان الملأُ من بني إسرائيلَ يَغْدُون عليه ويَرُوحون، فيُطْعِمُهم الطعامَ، ويحدِّثونه ويُضْحِكونه، فلم تَدَعْه شِقْوتُه والبَلاءُ، حتى أرسَل إلى امرأةٍ مِن بنى إسرائيلَ مشهورةٍ بالخَنَا، مشهورةٍ بالسَّبِّ، فأرسَل إليها فجاءت فقال لها: هل لكِ أن أُمَوِّلَكِ وأُعْطِيَكِ وأَخْلِطَكِ بنسائِى، على أن تأتِيَنى والملأُ من بني إسرائيلَ عندى
стр. 12434
فتقولى: يا قارونُ، أَلَا تَنْهَى عَنِّى موسى، قالت: بلى. فلما جلَس قارونُ وجاءه الملأُ من بنى إسرائيلَ، أرسَل إليها، فجاءتْ فقامَت بينَ يدَيه، فقَلَّب اللهُ قلبَها، وأحْدَث لها توبةً، فقالت في نفسها: أُحْدِثُ (١) اليوم توبةً أَفضلُ مِن أن أُوذِيَ رَسولَ اللهِ ﷺ ، وأُكذِّبُ (٢) [عدوًّا له] (٣). فقالت: إن قارونَ قال لي: هل لك أن أُمَوِّلَكِ وأُعْطِيَك وأَخْلِطَكِ بنِسائِي، على أن تأتِيَنى والملأُ من بنى إسرائيلُ عندى، فتقولى: يا قارونُ، ألا تَنْهَى عنى موسى، فلم أجِدْ توبةً أفضلَ مِن ألا أُوذِيَ رسولَ اللهِ ﷺ ، وأُكَذِّبَ (٢) عدوَّ اللهِ. فلما تكلَّمَت بهذا الكلامِ، سُقِط فى يَدَيْ قارونَ، ونَكَّس رأسَه، وسكَت الملأُ، وعرَف أنه قد وَقَع فى هَلَكَةٍ، وشاعَ كلامُها فى الناسِ، حتى بلَغ موسى، فلما بلَغ موسى اشتدَّ غضبُه، فتوضَّأَ من الماءِ، وصلَّى وبكَى، وقال: يا ربِّ، عدوُّك لي مُؤْذٍ، أراد فَضِيحتى وشَينى، يا ربِّ سَلِّطْنى عليه. فأوحى اللهُ إليه أَن مُرِ الأَرضَ بما شئتَ تُطِعْك، فجاء موسى إلى قارونَ، فلما دخَل عليه، عرف الشَّرَّ في وَجْهِ موسى له، فقال: يا موسى ارحَمْنى. قال: يا أرضُ خُذِيهم. قال: فاضطَرَبت دارُه، وساخَت بقارونَ وأصحابِه إلى الكعبَين، وجعَل يقولُ: يا موسى، [ارحمْنى. قال: يا أرضُ خذيهم. فاضطربت دارُه وساخت، وخُسِف بقارونَ وأصحابِه] (٤) إلى رُكَبِهم، وهو يَتضرَّعُ إلى موسى: يا موسى ارحَمْنى. قال: يا أرضُ خُذِيهم. قال: فاضطرَبَت دارُه وساخَت، وخُسِف بقارونَ وأصحابِه إلى سُرَرِهم، وهو يَتضرَّعُ إلى موسى: يا موسى ارحَمْنى. قال: يا أرضُ خُذِيهم. فخُسِف به وبدارِه وأصحابِه. قال: وقيل لموسى ﷺ : يا موسى ما أفَظَّك، أما وعِزَّتى لو إيَّاى نادَى لأجبْتُه (٥).
стр. 12435
حدَّثنى بشرُ بنُ هلالٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ، قال: بلَغنى أنه قيل لموسى: لا أُعَبِّدُ الأَرضَ لأحدٍ بعدَك أبدًا (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ وعبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن سفيانَ، عن الأغَرِّ بنِ الصباحِ، عن خليفةَ بنِ حُصَينٍ، قال عبدُ الحميدِ: عن أبي نصرٍ، عن ابنِ عباسٍ، ولم يذكُرِ ابنُ مهديٍّ أبا نصرٍ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. قال: الأرضَ السابعةَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: بلَغَنا أنه يُخْسَفُ به كلَّ يومٍ (٣) قامةً، ولا يبلُغُ أسفلَ الأرضِ إلى يومِ القيامةِ، فهو يَتجَلْجَلُ فيها إلى يومِ القيامةِ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ (٥)، عن جعفرِ بنِ سليمانَ، قال: سمِعتُ مالكَ بن دينارٍ، قال: بلَغَنى أن قارونَ يُخْسَفُ به كلَّ يومٍ [مائةَ قامةٍ] (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾: ذُكر لنا أنه يُخْسَفُ به كلَّ يومٍ قامةً، وأنه يتجلجلُ فيها، لا يبلغُ قعرَها
стр. 12436
إلى يومِ القيامةِ (١).
وقولُه: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فلم يَكُنْ له جندٌ يرجِعُ إليهم ويفئُ (٢)، ينصُرونه لمّا نزَل به مِن اللهِ (٣) سخطُه، بل تَبَرَّءُوا منه، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾. يقولُ: ولا كان هو ممن ينتصِرُ مِن اللهِ إذا أحلَّ به نِقْمَتَه، فيَمْتنِعَ لقوَّتِه منها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أى: جندٌ ينصُرونه، وما عندَه مَنَعَةٌ يمتنعُ بها مِن اللهِ (٤).
وقد بَيَّنَّا معنى "الفئةِ" فيما مضَى (٥)، وأنها الجماعةُ مِن الناسِ، وأصلُها الجماعةُ التي يَفِيءُ إليها الرجلُ عندَ الحاجةِ إليهم، للعَوْنِ على العدوِّ، ثم تَستعملُ ذلك العربُ فى كلِّ جماعةٍ كانت عونًا للرجلِ وظَهْرًا له، ومنه قولُ خُفَافٍ (٦):
فلم أرَ مِثْلَهم (٧) حَيًّا لَقاحًا … [وجَدِّكَ] (٨) بين ناضحةٍ (٩) وحَجْرٍ
стр. 12437
أشَدَّ على صُرُوفِ الدَّهْرِ آدًا … وآمرُ (١) مِنهُمُ فِئَةٌ (٢) بِصَبْرِ
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وأصبَح الذين تمنَّوْا مكانَه (٣) مِن الدنيا وغِناه وكثرةَ مالِه وما بُسِط له منها، ﴿بِالْأَمْسِ﴾ يعنى قبلَ أن ينزلَ به ما نزَل مِن سَخَطِ اللهِ وعِقابِه، يقولون: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾.
اختُلف في معنى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾. فأما قتادةُ فإنه رُوِى عنه في ذلك قولان؛ أحدُهما، ما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ خالدٍ، ابنُ عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بشيرٍ، عن قتادةَ، قال في قولِه: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾. قال: ألم تَرَ أنه (٤)!
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾: أَوَ لَا تَرى أنه (٥).
وحدَّثني إسماعيلُ بن المُتوكَّلِ الأشْجَعيُّ، قال: ثنا محمدُ بن كثيرٍ، قال: ثنى مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾. قال: ألم تَرَ أنه.
والقولُ الآخرُ، ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن
стр. 12438
مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾. قال: أو لا (١) يعلمُ أن اللهَ، ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾: أوَ لا يعلمُ أنه (٢).
وتأوَّل هذا التأويلَ الذي ذكَرناه عن قتادةَ في ذلك أيضًا بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (٣)، واستَشهَد لصحةِ تأويلِه ذلك كذلك بقولِ الشاعرِ (٤):
سَأَلَتانِي الطَّلاقَ أنْ [رَأتاني … قَلَّ مالي] (٥) قد جِئْتُمانى (٦) بِنُكْرِ
وَيْكَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَه نَشَبٌ … يُحْبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٧): "وَيْكَأَنَّ" في كلامِ العربِ تَقْريرٌ، كقولِ الرجلِ: أما تَرى إلى صُنْعِ اللهِ وإحسانِه! وذكَر أنه أخبَره مَن سمِع أعرابيةً تقولُ لزوجِها: أينَ ابنُكَ (٨)؟ فقال: وَيْكَأَنَّه وراءَ البيتِ. معناه: أما تَرَيْنَه وراءَ البيتِ؟ قال: وقد يذهبُ بها بعضُ النحويِّين إلى أنهما (٩) كلمتان، يريدُ: وَيْكَ أَنَّه. كأنه أرادَ "وَيْلَك"، فحذَف اللامَ، فتُجعل "أنَّ" مفتوحةً بفعلٍ مضمرٍ، كأنه قال:
стр. 12439
وَيْلَك، أعلمُ أنه وراء البيتِ (١). فأضمَر "أعلمْ". قال: ولم نجدِ العربَ تُعْمِلُ الظَّنَّ مُضْمَرًا، ولا العلمَ وأشْباهَه فى "أنَّ"؛ وذلك أنه يبطُلُ إذا كان بينَ الكلمتَين، أو في آخرِ الكلمةِ، فلما أُضمر جرَى مَجْرَى التركِ (٢)، ألَا تَرى أنه لا يجوزُ في الابتداءِ أن تَقولَ: يا هذا، إنك قائمٌ، و: يا هذا أَنْ قُمْتَ. تريدُ: علِمتُ، أو أعلمُ، أو ظننتُ، أو أظنُّ. وأما حذفُ اللامِ من قولِك: وَيْلَك. حتى تصيرَ: وَيْكَ. فقد تقولُه العربُ؛ لكثرتِها في الكلامِ، قال عنترةُ (٣):
ولقد شَفَى نَفْسى وأَبْرَأَ سُقْمَها … قَوْلُ الفَوَارسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ
قال: وقال آخرون: إن معنى قولِه: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾. "وى" منفصلةٌ من "كأنَّ"، كقولِك للرجلِ: وَىْ، أما ترى ما بينَ يدَيك؟ فقال: "وَىْ" ثم استأنَف: "كأن اللهَ يبسطُ الرزقَ". وهى تَعَجَّبٌ، و "كأنَّ" في معنى الظنِّ والعلمِ، فهذا وَجْهٌ يستقيمُ. قال: ولم تكتُبْها العربُ منفصلةً، ولو كانت على هذا لكَتَبوها منفصلةً، وقد يجوزُ أن تكونَ كثُر بها الكلامُ، فوُصِلَت بما ليست منه.
وقال آخرُ منهم: إن "وَىْ" تنبيهٌ، و "كأن" حرفٌ آخر غيرُه، بمعنى: لعل الأمرَ كذا، وأظنُّ الأمرَ كذا؛ لأن "كأنَّ" بمنزلةِ "أظنُّ وأحسبُ وأعلمُ".
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ القولُ الذى ذكَرنا عن قتادةَ، مِن أن معناه: ألم تَرَ، ألم تعلَمْ. للشاهدِ الذى ذكَرنا فيه مِن قولِ الشاعرِ والروايةِ عن العربِ، وأن "ويكأنَّ" فى خطِّ المصحفِ حرفٌ واحدٌ.
ومتى وُجِّه ذلك إلى غيرِ التأويلِ الذى ذكَرنا عن قتادةَ، فإنه يصيرُ حرفَين، وذلك
стр. 12440
أنه إن وُجِّهَ إلى قولِ مَن تأوَّله بمعنى: وَيْلَك أعلمُ أن اللهَ. وجَب أَن يَفْصِلَ "وَيْكَ" مِن "أنَّ"، وذلك خلافُ خطِّ جميعِ المصاحفِ، مع فسادِه في العربيةِ، لما ذكَرنا. وإن وُجِّهَ إلى قولِ مَن يقولُ: "وَىْ" بمعنى التَّنْبيهِ، ثم استأنَف الكلامَ بـ "كأَنَّ"، وجَب أن يُفْصَلَ "وَىْ" من "كأنَّ"، وذلك أيضًا خلافُ خطوطِ المصاحفِ كلِّها.
فإذ كان ذلك حرفًا واحدًا، فالصوابُ مِن التأويلِ ما قالَه قتادةُ، وإذ كان ذلك هو الصوابَ، فتأويلُ الكلامِ: وأصبَح الذين تَمَنَّوا مكانَ قارونَ وموضعَه مِن الدنيا بالأمسِ، يقولون لمَّا عايَنوا ما أحَلَّ اللهُ به من نِقْمَتِهِ: أَلم تَرَ يا هذا أن اللهَ يبسطُ الرزقَ لمَن يشاءُ مِن عبادِه، فيُوَسِّعَ عليه، لا لفضلِ منزلتِه عندَه، ولا لكرامتِه عليه، كما كان بسَط من ذلك لقارونَ، لا لفضلِه ولا لكرامتِه عليه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾. يقولُ: ويُضَيِّقُ على مَن يشاءُ من خلقِه ذلك ويُقَتِّرُ عليه، لا لهوانه عليه (١) ولا لسُخْطِه عملَه.
وقولُه: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾. يقولُ: لولا (٢) أن تفضَّلَ اللهُ علينا، فصرَف عَنَّا ما كنَّا نَتَمَنَّاه بالأمسِ ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾.
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سِوى شيبةَ: (لخُسِفَ بِنَا). بضَمِّ الخاءِ وكسرِ السينِ (٣)، وذُكِر عن شيبةَ والحسنِ: ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾. بفتحِ الخاءِ والسينِ (٤)، بمعنى: لخسَف اللهُ بنا.
وقولُه: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: ألم يعلمْ أنه لا يُفلِحُ الكافرون، فتُنْجِحَ طَلِباتُهم.
стр. 12441
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: تلك الدارُ الآخرةُ نجعلُ نعيمَها للذين لا يُريدون تكَبُّرًا عن الحقِّ في الأرضِ وتَجَبُّرًا عنه، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾. يقولُ: ولا ظُلْمَ الناسِ بغيرِ حقٍّ، وعملًا بمعاصى اللهِ فيها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن زيادِ ابنِ أبي زيادٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾. قال: العُلُوُّ التَّجَبُّرُ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾. قال: العُلُوُّ التَّكَبُّرُ فى الحقِّ، والفسادُ الأخْذُ بغيرِ الحقِّ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: التكبرَ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾: أخذَ المالِ بغيرِ حقٍّ.
قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿لِلَّذِينَ لَا
стр. 12442
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: البَغْيَ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾. قال: تَعَظُّمًا وتَجَبُّرًا، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ عملًا بالمَعاصي (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أشْعثَ السَّمانِ، عن أبي سلَّامٍ (٣) الأعرجِ، عن عليٍّ ﵁، قال: إن الرجلَ ليُعْجِبُه مِن شراكِ نَعْلِه أن يكونَ أجودَ مِن شِراكِ صاحبِه، فيدخلُ في قولِه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤).
وقولُه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: والجنةُ للمتقين، وهم الذين اتقَوا معاصىَ اللهِ، وأدَّوا فرائضَه.
وبنحوِ الذي قلنا في [معنى العاقبةِ] (٥) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الجنةُ للمتقين (٦).
стр. 12443
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: مَن جاء اللهَ يومَ القيامةِ بإخلاصِ التوحيدِ، فله منها خيرٌ، وذلك الخيرُ هو الجنةُ والنعيمُ الدائمُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾، وهى الشركُ باللهِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. أى: له منها حظُّ خيرٍ، والحسنةُ الإخلاصُ، والسيئةُ الشركُ (١).
وقد بيَّنا ذلك باختلافِ المختلِفين، ودلّلنا على الصوابِ من القولِ فيه (٢).
وقولُه: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾. يقولُ: فلا يثابُ الذين عمِلوا السيئاتِ على أعمالِهم السيئةِ، ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إلا جزاءَ ما كانوا يَعْمَلُون.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: إِنَّ الذى أنزَل (٣) عليك يا محمدُ القرآنَ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾. قال: الذي أعْطاك
стр. 12444
القرآنَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾. قال: الذى أعْطاكَه (١).
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لَمُصَيِّرُك إلى الجنةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عتابُ بنُ بشيرٍ (٢)، عن خُصَيفٍ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى مَعْدِنِكَ مِن الجنةِ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إلى الجنةِ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي، عن إبراهيمَ بنِ حيانَ (٤)، سمِعتُ أبا جعفرٍ، يحدِّثُ (٥) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: معادُه آخرتُه،
стр. 12445
الجنةُ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ فى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى الجنةِ ليسألَك عن القرآنِ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ، قال: الجنةُ (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى الجنة.
حدَّثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن السدىِّ، عن أبي مالكٍ، قال: يردُّك إلى الجنةِ، ثم يسألُك عن القرآنِ (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ، قالا: إلى الجنةِ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ وعطاءٍ ومجاهدٍ، وأبى قَزَعةَ، عن (٥) الحسنِ، قالوا: يومَ القيامةِ (٦).
стр. 12446
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: يجيءُ بك يومَ القيامةِ.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن الحسنِ والزهريِّ، قالا: معادُه يومَ القيامةِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: يُحيِيك (٢) يومَ القيامةِ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ (٤)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: معادُك من الآخرةِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: كان الحسنُ يقولُ: إى واللهِ، إن له لمعادًا يبعثُه اللهُ يومَ القيامةِ، ويُدخِلُه الجنةَ (٥).
وقال آخرون: معنى ذلك: لرادُّك إلى الموتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الزبيريُّ،
стр. 12447
قال: ثنا سفيانُ بن سعيدٍ الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن سعيد بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: الموتِ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إلى الموتِ.
قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، عن أبي (٢) سعيدٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى الموتِ (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ، قال: إلى الموتِ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: إلى الموتِ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: الموتِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن (٤) عديِّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إلى الموتِ، أو إلى مكةَ (٥).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لرَادُّك إلى الموضعِ الذى خرَجتَ منه، وهو مكةُ.
стр. 12448
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يعلى بنُ عبيدٍ، عن سفيانَ العُصْفُريِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى مكةَ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: يقولُ: لرادُّك إلى مكةَ كما أخرَجك منها (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: أخبرَنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، عن مجاهدٍ، قال: مولدُه بمكةَ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يونسَ بن أبي إسحاقَ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى مولدِك بمكةَ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ عمرٍو، وهو ابنُ أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى مولدِك بمكةَ.
حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبي، عن الفُضَيلِ بنِ
مرزوقٍ، عن مجاهدٍ أبى الحجاجِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ
стр. 12449
الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. قال: إلى مولدِه بمكةَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى بنُ يونسَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ، قال: إلى مولدِك، [إلى مكة] (١).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى قولُ مَن قال: لرادُّك إلى عادتِك مِن الموتِ، أو إلى عادتِك حيثُ وُلدتَ. وذلك أن المعادَ في هذا الموضعِ المَفْعِلُ مِن العادةِ، ليس مِن العَوْدِ، إلا أن يُوَجِّهَ مُوَجِّهٌ تأويلَ قولِه ﴿لَرَادُّكَ﴾: لمُصَيِّرُك. فيتوجَّهُ حينَئذٍ قولُه: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾. إلى معنى العَوْدِ، ويكونُ تأويلُه: إن الذى فرَض عليك القرآنَ لمُصَيِّرُك إلى أن تعودَ إلى مكةَ مفتوحةً لك.
فإن قال قائلٌ: فهذه الوجوهُ التي وصَفتَ فى ذلك قد فهِمناها، فما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّله بمعنى: لَرَادُّك إلى الجنةِ؟ قيل: ينبغى أن يكونَ وجهُ تأويلِه ذلك كذلك على هذا الوجهِ الآخرِ، وهو: لمُصَيِّرك إلى أن تعودَ إلى الجنةِ.
فإن قال قائلٌ: أوَ كان أُخرج مِن الجنةِ، فيقال له: نحن نُعِيدُك إليها؟ قيل: لذلك وجهان؛ أحدُهما، أنه إن كان أبوه آدمُ صلى اللهُ عليهما أُخرج منها، فكأن ولدَه بإخراجِ اللهِ إِيَّاه منها قد أُخرجوا منها، فمَن دخَلها فكأنما يُرَدُّ إليها بعدَ الخروجِ. والثاني، أن يقالَ: إنه كان ﷺ دخَلها ليلةَ أُسْرِى به، كما رُوى عنه أنه قال: "دخَلْتُ الجنةَ، فرأيتُ فيها قَصْرًا، فقلتُ: لمَن هذا؟ فقالوا: لعمرَ بنِ الخطابِ" (٢) ونحوُ ذلك مِن الأخبارِ التى رُويت عنه بذلك، ثم رُدَّ إلى الأرضِ، فيقالُ له: إن
стр. 12450
الذى فرَض عليك القرآن لرادُّك؛ لمصيِّرُك إلى الموضعِ الذى خرجتَ منه مِن الجنةِ، إلى أن تعودَ إليه، فذلك إن شاء اللهُ قولُ مَن قال ذلك.
وقولُه: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: ربِّي أعلمُ مَن جاء (١) بالهُدى الذي مَن سَلَكه نَجا، ومَن هو في جَوْرٍ عن قصد السبيلِ مِنَّا ومنكم.
وقولُه: ﴿مُبِينٍ﴾ يعنى أنه يُبِينُ للمفكرِ الفهِمِ إذا تأمَّله وتَدبَّره، أنه ضلالٌ وجَوْرٌ عن الهُدى.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وما كنتَ تَرْجو يا محمدُ أن يُنَزَّلَ عليك هذا القرآنُ، فتَعْلَمَ الأنباءَ والأخبارَ عن الماضِين قبلَك، والحادثةَ بعدَك، مما لم يَكُنْ بعدُ، مما لم تشهَدْه ولا تشهدُه، ثم تَتْلو ذلك على قومِك من قريشٍ، إلا أن ربَّك رحِمك، فأنزَله عليك. فقولُه: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ.
وقولُه: ﴿فَلَا (٢) تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ يقولُ: فاحمدْ ربَّك على ما أنعَم به عليك مِن رحمتِه إيَّاك، بإنزالِه عليك هذا الكتابَ، ولا تَكُونَنَّ عَوْنًا لمَن كَفَر بربِّك على كفرِه به (٣).
وقيل: إن ذلك من المُؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، وإن معنى الكلامِ: إن الذى فرض عليك القرآنَ فأنزَله عليك، وما كنتَ تَرْجو أن يُنَزَّلَ عليك فتكونَ نبيًّا قبلَ
стр. 12451
ذلك، لرادُّك إلى مَعادٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ولا يَصْرِفنَّك عن تَبْليغِ آياتِ اللهِ وحُجَجِه، بعدَ أن أنزلَها إليك ربُّك يا محمدُ، هؤلاء (١) المشركون، بقولِهم: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص: ٤٨]. ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ وبلِّغْ رسالتَه إلى مَن أرسَلك (٢) إليه بها، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: ولا تَتْرُكَنَّ الدعاءَ إلى ربِّك، وتبليغَ المشركين رسالتَه، فتكونَ ممن فعَل فِعْلَ المشركين بمعصيتِه ربَّه، وخلافِه أمرَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ولا تعبدْ يا محمدُ مع معْبودِك الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ معبودًا آخرَ سِواه.
وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ تصلُحُ له العبادهُ إلا اللهُ الذى كلُّ شيءٍ هالكٌ إِلا وَجْهَه.
واختُلف في معنى قولِه: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كلُّ شيءٍ هالكٌ (٣) إلا هو.
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما أُريد به وجهُه. واستَشهدوا لتأويلِهم ذلك كذلك بقولِ الشاعرِ (٤):
стр. 12452
أستغفرُ اللهَ ذَنْبًا لستُ مُحْصِيَه … ربُّ العبادِ إليه الوَجْهُ وَالعَمَلُ
وقولُه: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾. يقولُ: له الحكمُ بينَ خلقِه، دونَ غيرِه، ليس لأحدٍ غيرِه معه فيهم حكمٌ، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه تُرَدُّونَ مِن بعدِ مَماتِكم، فيَقْضِى بينَكم بالعدلِ، فيُجازِى مُؤمِنيكم جزاءَهم، وكفَّارَكم ما وَعَدهم.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "القصص"
стр. 12453
تفسيرُ سورةِ العنكبوت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿الم﴾. وذكَرْنا أقوالَ أهلِ التأويلِ فى تأويلِه، والذى هو أولى بالصواب من أقوالِهم عندَنا، بشواهدِه فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وأما قولُه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. فإن (٢) معناه: أظَنَّ الذين خرَجوا يا محمدُ من أصحابِك من أذى المشركين إياهم، أن نَتْرُكَهم بغيرِ اختبارٍ، ولا ابتلاءِ امتحانٍ، بأن قالوا: آمنا بك يا محمدُ، وصدَّقْناك فيما جئْتَنا به مِن عندِ اللهِ؟ كلا، لنَخْتَبِرَنَّهم؛ ليتبيَّنَ الصادقُ منهم من الكاذبِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 12454
فى قولِ اللهِ: ﴿آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُبْتَلَوْن فى أنفسِهم وأموالِهم (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. أى: لا يُبْتَلَوْن (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. قال: لا يُبْتَلَوْن (٣).
[و ﴿أَنْ﴾] (٤) الأولى منصوبةٌ بـ "حسب"، والثانيةُ منصوبةٌ في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ بتعلُّقِ ﴿يُتْرَكُوا﴾ بها، وأن معنى الكلامِ على قولِه: أحسِب الناسُ أن يتركوا لِأن يقولوا: آمَنا. فلمَّا حُذِفَت اللامُ الخافضةُ من "لأِن" نُصِبَت على ما ذكَرْتُ.
وأما على قولِ غيرِه، فهى فى موضعِ خفضٍ بإضمارِ الخافضِ، ولا تكادُ العربُ تقولُ: [ترَكْتُ فلانًا أن يَذْهَبَ. فَتُدْخِلُ "أن" في الكلامِ، وإنما تقولُ] (٥): ترَكْتُه يَذْهَبُ. وإنما أُدْخِلَت ﴿أَنْ﴾؛ هاهنا؛ لاكتفاءِ الكلامِ بقولِه: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾. إذ كان معناه: أحسِب الناسُ أن يُتْرَكوا وهم لا يُفْتَنون؛ مِن أجلِ أن يقولوا:
стр. 12455
آمَنَّا. فكان قولُه: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾. مكتفيةً بوقوعِها على "الناسِ"، دونَ أخبارِهم.
وإن جُعِلَت ﴿أَنْ﴾ فى قولِه: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ منصوبةٌ بنيةِ تكريرِ ﴿أَحَسِبَ﴾، كان جائزًا، فيكونُ معنى الكلامِ: [أحَسِب الناسُ] (١) أن يُتْرَكوا، أحسِبوا أن يقولوا: آمنا. وهم لا يُفْتَنون.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ولقد اخْتَبَرْنا الذين مِن قبلِهم مِن الأممِ، ممَّن أَرْسَلْنا إليهم رسلَنا، فقالوا مثلَ ما قالتْه أمتُك يا محمدُ -بأعدائِهم، وتمكينِنا إياهم مِن أذاهم؛ كموسى إذ أرْسَلْناه إلى بنى إسرائيلَ، [فابتلَيْناهم بفرعونَ وملئِهم، وكعيسى إذ أَرْسَلْناه إلى بنى إسرائيلَ] (٢)، فَابْتَلَيْنا مَن اتَّبَعه بمَن تَوَلَّى عنه، فكذلك ابْتَلَيْنَا تُباعَك بمُخالِفيك (٣) مِن أعدائِك، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ منهم (٤) في قيلِهم: آمَنَّا. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ منهم (٤) في قيلِهم ذلك، واللهُ عالمٌ بذلك منهم قبلَ الاختبارِ، وفى حالِ الا ختبارِ، وبعدَ الاختبارِ، ولكنَّ معنى ذلك: ولَيُظْهِرَنَّ اللهُ صدقَ الصادقِ منهم فى قيلِه: آمَنَّا بِاللهِ. مِن كَذِب الكاذبِ منهم (٤)، بابتلائِه إياه بعدوِّه؛ ليَعْلَمَ صدقَه مِن كذبِه أولياؤُه. على نحوِ ما قد بيَّناه فيما مضَى قبلُ (٥).
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزلَت في قومٍ مِن المسلمين عذَّبهم المشركون، ففُتِن بعضُهم، وصبَر بعضُهم على أذاهم، حتى أتاهم اللهُ (٤) بفرجٍ مِن عندِه.
стр. 12456
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ بن عبيدِ بنِ عميرٍ يقولُ: نزَلَت -يعنى هذه الآيةَ- ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ - في عمارِ بنِ ياسرٍ، إذ كان يُعَذَّبُ في اللهِ (١).
وقال آخرون: بل نزَل ذلك مِن أجلِ قومٍ كانوا قد أظْهَروا الإسلامَ بمكةَ وتخَلَّفوا عن الهجرةِ. والفتنةُ التى فُتِن بها هؤلاء القومُ على مقالةِ هؤلاء هي الهجرةُ التي امْتُحِنوا بها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، عن الشعبيِّ، قال: إنها نزَلَت -يعنى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيتين- فى أُناسٍ كانوا بمكةَ أقَرُّوا بالإسلامِ، فكتَب إليهم أصحابُ رسولِ (٢) اللهِ ﷺ مِن المدينةِ: إنه لا يُقْبَلُ منكم إقرارٌ (٣) بالإسلامِ حتى تُهاجِروا. فخرَجوا عامِدين إلى المدينةِ، فاتَّبَعهم المشركون، فرَدُّوهم، فنزَلَت فيهم هذه الآيةُ، فكتَبوا إليهم: إنه قد نزَلَت فيكم آيةُ كذا وكذا. فقالوا: نَخْرُجُ، فإن اتَّبَعَنا أحدٌ قاتَلْناه. قال: فخرَجوا، فاتَّبَعهم المشركون، فقاتَلوهم ثَمَّ، فمنهم مَن قُتِل، ومنهم مَن نجا، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ
стр. 12457
لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) [النحل: ١١٠].
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾. قال: ابْتَلَيْنا (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال: ابْتَلَيْنا الذين مِن قبلِهم (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. أي: ابتلَيْنا (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا
стр. 12458
سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: أم حَسِب الذين يُشْرِكون باللهِ فيعبُدون معه غيرَه، وهم المَعْنِيُّون بقولِه: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ - ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾. يقولُ: أن يُعْجِزونا فيَفُوتُونا (١) بأنفسِهم، فلا نقدِرَ عليهم، فنَنْتقِمَ منهم لشِرْكِهم باللهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. أى: الشِّرْكَ، ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾: أَن يُعْجِزونا (٣).
وقولُه: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ساء حُكْمُهم الذى يَحْكُمون بأن هؤلاء الذين يعمَلون السيئاتِ يَسْبِقوننا بأنفسِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ
стр. 12459
الْعَالَمِينَ (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: مَن كان يَرْجُو [اللهَ يومَ لِقائِه] (١)، ويطمعُ في ثوابِه، فإن أجلَ اللهِ الذى أجَّله لبَعْثِ خلقِه للجزاءِ والعقابِ - لآتٍ قريبًا.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾. يقولُ: واللهُ الذى يَرْجو هذا الراجي بلقائِه ثوابَه، السميعُ لقولِه: آمَنَّا باللهِ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصدقِ قِيلِه: إنه قد آمَن. مِن كذبِه فيه.
وقولُه: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: ومَن يجاهدْ عدوَّه مِن المشركين، فإنما يجاهِدُ لنفسِه؛ لأنه يفعلُ ذلك ابتغاءَ الثوابِ مِن اللهِ على جهادِه، والهَرَبِ من العقابِ، فليس باللهِ إلى فعلِه ذلك حاجةٌ، وذلك أن اللهَ غنيٌّ عن جميعِ خلقِه، له الملْكُ والخلقُ والأمرُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: والذين آمنوا باللهِ ورسولِه، فصَحَّ إيمانُهم عندَ ابتلاءِ اللهِ إيَّاهم، وفِتْنتِه لهم، ولم يرتدُّوا عن أدْيانِهم بأذَى المشركين إياهم، وعمِلوا الصالحاتِ، ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التى سلَفَت منهم في شِرْكِهم، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ولَنُثِيبَنَّهم على صالحاتِ أعمالِهم في إسْلامِهم، أحسنَ ما كانوا يعمَلون في حالِ شِرْكِهم، مع تكْفيرِنا سيِّئَه (٢).
стр. 12460
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ووَصَّيْنا الإنسانَ فيما أنزَلْنا إلى رسولِنا بوالديه، أن يفعلَ بهما حُسْنًا.
واختَلَف أهلُ العربيةِ فى وَجْهِ نَصْبِ "الحُسْنِ"؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِب ذلك على (١) نِيَّةِ تكْريرِ "وصينا". وكأن معنى الكلامِ عندَه: ووصَّيْنا الإنسانَ بوالدَيه، وصَّيناه (٢) حُسْنًا. وقال: قد يقولُ الرجلُ: وصَّيتُه خيرًا. أى: بخيرٍ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: معنى ذلك: ووصَّيْنا الإنسانَ أن يفعلَ حُسْنًا. ولكن العربَ تُسْقِطُ من الكلامِ بعضَه، إذا كان فيما بَقِى الدلالةُ على ما سقَط، وتُعمِلُ ما بَقِى فيما كان يَعْمَلُ فيه المحذوفُ، فنُصِب قولُه: ﴿حُسْنًا﴾، وإن كان المعنى ما وصفتُ "وَصَّينا"؛ لأنه قد نابَ عن الساقطِ. وأنشَد في ذلك (٣):
عَجِبْتُ مِن دَهْمَاءَ إِذ تَشْكُونا
ومن أبي دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينا
خَيْرًا بها كأنَّنا جافُونا
وقال: معنى قولِه: يُوصِينا خيرًا: أن نفعلَ بها خيرًا. فاكْتَفَى بـ "يوصِينا" منه. وقال: ذلك نحوُ قولِه: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ [ص: ٣٣]. أى: يَمْسَحُ مَسْحًا.
وقولُه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.
стр. 12461
يقولُ: ووَصَّينا الإنسانَ، فقلنا له: إن جاهَدَاك (١) والِداك لتُشْرِكَ بي ما ليس لك به علمٌ أنه ليس لى شَرِيكٌ، فلا تُطِعْهما، فتُشْرِكَ بي ما ليس لك به علمٌ؛ اتباعَ (٢) مَرْضاتِهما، ولكن خالِفْهما في ذلك.
﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إليَّ معادُكم ومَصِيرُكم يومَ القيامةِ، ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فأُخْبِرُكم بما كنتُم في الدنيا تعمَلون، مِن صالحِ الأعمالِ وسيئاتِها، ثم أُجازِيكم عليها؛ المُحْسِنَ بالإحسانِ، والمُسِيءَ بما هو أهلُه.
وذُكر أن هذه الآيةَ نزلَت على رسولِ اللهِ ﷺ بسببِ سعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ إلى قولِه: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: نزلَت في سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، لمَّا هاجَر قالت أمُّه: واللهِ لا يُظِلُّنى بيتٌ حتى يرجِعَ. فأنزَل اللهُ في ذلك أن يُحْسِنَ إليهما، ولا يُطِيعَهما في الشركِ (٣)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: والذين آمنوا باللهِ ورسولِه، وعمِلوا الصالحاتِ مِن الأعمالِ؛ وذلك أن يُؤَدُّوا فرائضَ اللهِ، ويَجْتَنِبوا مَحارمَه، ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي
стр. 12462
الصَّالِحِينَ﴾ فى مُدْخَلِ الصالحين، وذلك الجنةُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ومِن الناسِ مَن يقولُ: أَقْرَرْنا باللهِ فوحَّدْناه، فإذا آذاه المشركون في إقرارِه باللهِ، جعَل فتنةَ الناسِ إياه في الدنيا كعذابِ اللهِ في الآخرةِ، فارْتَدَّ عن إيمانِه باللهِ راجعًا على الكفرِ به، ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ يا محمدُ أهلُ الإيمانِ به، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هؤلاء المُرْتَدُّون عن إيمانِهم، الجاعِلون فتنةَ الناسِ كعذابِ اللهِ -: ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿مَعَكُمْ﴾ نَنْصُرُكم على أعدائكم. كذبًا وإفْكًا. يقولُ اللهُ: أو ليس اللهُ بأعْلَمَ أَيُّها القومُ مِن كلِّ أحدٍ بما في صُدُورِ جميعِ خلقِه؛ القائلين: آمَنَّا باللهِ. فإذا أُوذِى فى اللهِ ارْتَد عن دينِ اللهِ، وغيرِهم؟ فكيف يُخادِعُ مَن كان لا يَخْفَى عليه خافيةٌ، ولا يَسْتَتِرُ عنه سرٌّ ولا علانيةٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. قال: فتنتُه أَن يَرْتَدَّ عن دينِ اللهِ إذا أُوذِى فى اللهِ (١).
стр. 12463
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾. قال: أُناسٌ يُؤْمنون بألسنتِهم، فإذا أصابهم بلاءٌ مِن اللهِ، أو مصيبةٌ في أنفسِهم، افتَتَنوا، فجعَلوا ذلك في الدنيا كعذابِ اللهِ فى الآخرةِ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في (٢) قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ﴾ الآية (٣): ناسٌ مِن المنافقين بمكةَ كانوا يُؤْمنون، فإذا أُوذُوا وأصابهم بلاءٌ من المشركين، رجَعوا إلى الكفرِ؛ مخافةَ مَن يُؤْذِيهم، وجعلوا أذَى الناسِ فى الدنيا كعذابِ اللهِ (٤).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. قال: هو المنافقُ، إذا أُوذِى في اللهِ رجَع عن الدينِ وكفَر، وجعَل فتنةَ الناسِ كعذابِ اللهِ (٥).
وذُكِر أن هذه الآية نزَلَت في قومٍ مِن أهلِ الإيمانِ كانوا بمكةَ، فخرَجوا مُهاجرين، فأُدْرِكوا وأُخِذوا، فأَعْطَوُا المشركين لمَّا نالهم أذاهم ما أرادوا منهم.
стр. 12464
ذكرُ الخبرِ بذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيْريُّ، قال: ثنا محمدُ ابنُ شَرِيكٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن أهلِ مكةَ أسْلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُون بالإسلامِ (١)، فأَخْرَجهم المشركون يومَ بدرٍ معهم، فأُصِيب بعضُهم و [قُتلَ بعضُهم] (٢)، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين وأُكْرِهوا. فاسْتَغْفَروا لهم، فنزَلَت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى آخرِ الآيةِ. قال: فكُتِب إلى مَن بقِى بمكةَ من المسلمين بهذه الآيةِ ألا عذرَ لهم، فخرَجوا، فلحِقهم المشركون، فأَعْطَوْهم الفتنةَ، فنزَلَت فيهم هذه الآيةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، فكتَب المسلمون إليهم بذلك، فخرَجوا وأيِسُوا من كلِّ خيرٍ، ثم نزَلَت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ [النحل: ١١٠]. فكتَبوا إليهم بذلك: إن اللهَ قد جعَل لكم مخرجًا. فخرَجوا، فأدْركَهم المشركون، فقاتَلوهم، حتى نجا مَن نجا، وقُتِل من قُتِل (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾. قال: هذه الآياتُ أُنزِلَت في القومِ الذين ردَّهم (٤) المشركون إلى مكةَ، وهذه الآياتُ العشْرُ مَدَنيةٌ
стр. 12465
إلى هاهنا، وسائرُها مكيٌّ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ولَيَعْلَمَنَّ (٢) أولياءُ اللهِ وحِزْبُه أَهلَ الإيمانِ باللهِ منكم أيُّها القومُ، وليَعْلَمُنَّ المنافقين منكم، حتى يَمِيزُوا؛ كلَّ فريقٍ منكم مِن الفريقِ الآخرِ، بإظهارِ اللهِ ذلك منكم بالمحنِ والابتلاءِ والاختبارِ، وبمسارعةِ المُسارِعِ منكم إلى الهجرةِ من دارِ الشركِ إلى دارِ الإسلامِ، وتَثَاقُلِ المُتَثاقِلِ منكم عنها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وقال الذين كفَروا باللهِ مِن قريشٍ للذين آمنوا باللهِ منهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾. يقولُ: قالوا: كونوا على مثلِ ما نحن عليه من التَّكْذيبِ بالبعثِ بعدَ المماتِ، وجُحُودِ الثوابِ والعقابِ على الأعمالِ، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. يقولُ: قالوا: فإنكم إن اتَّبَعْتُم سبيلَنا في ذلك، فبُعِثْتُم (٣) بعدَ المَماتِ، وجُوزِيتُم على الأعْمالِ، فإنا نتحمَّلُ آثامَ (٤) خطاياكم حينَئذٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.