← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12461–12500 · переход к 12466.

стр. 12461

يقولُ: ووَصَّينا الإنسانَ، فقلنا له: إن جاهَدَاك (١) والِداك لتُشْرِكَ بي ما ليس لك به علمٌ أنه ليس لى شَرِيكٌ، فلا تُطِعْهما، فتُشْرِكَ بي ما ليس لك به علمٌ؛ اتباعَ (٢) مَرْضاتِهما، ولكن خالِفْهما في ذلك. ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إليَّ معادُكم ومَصِيرُكم يومَ القيامةِ، ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فأُخْبِرُكم بما كنتُم في الدنيا تعمَلون، مِن صالحِ الأعمالِ وسيئاتِها، ثم أُجازِيكم عليها؛ المُحْسِنَ بالإحسانِ، والمُسِيءَ بما هو أهلُه. وذُكر أن هذه الآيةَ نزلَت على رسولِ اللهِ ﷺ بسببِ سعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ إلى قولِه: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: نزلَت في سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، لمَّا هاجَر قالت أمُّه: واللهِ لا يُظِلُّنى بيتٌ حتى يرجِعَ. فأنزَل اللهُ في ذلك أن يُحْسِنَ إليهما، ولا يُطِيعَهما في الشركِ (٣) القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾. يقولُ تعالى ذكره: والذين آمنوا باللهِ ورسولِه، وعمِلوا الصالحاتِ مِن الأعمالِ؛ وذلك أن يُؤَدُّوا فرائضَ اللهِ، ويَجْتَنِبوا مَحارمَه، ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي

стр. 12462

الصَّالِحِينَ﴾ فى مُدْخَلِ الصالحين، وذلك الجنةُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكره: ومِن الناسِ مَن يقولُ: أَقْرَرْنا باللهِ فوحَّدْناه، فإذا آذاه المشركون في إقرارِه باللهِ، جعَل فتنةَ الناسِ إياه في الدنيا كعذابِ اللهِ في الآخرةِ، فارْتَدَّ عن إيمانِه باللهِ راجعًا على الكفرِ به، ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ يا محمدُ أهلُ الإيمانِ به، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هؤلاء المُرْتَدُّون عن إيمانِهم، الجاعِلون فتنةَ الناسِ كعذابِ اللهِ -: ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿مَعَكُمْ﴾ نَنْصُرُكم على أعدائكم. كذبًا وإفْكًا. يقولُ اللهُ: أو ليس اللهُ بأعْلَمَ أَيُّها القومُ مِن كلِّ أحدٍ بما في صُدُورِ جميعِ خلقِه؛ القائلين: آمَنَّا باللهِ. فإذا أُوذِى فى اللهِ ارْتَد عن دينِ اللهِ، وغيرِهم؟ فكيف يُخادِعُ مَن كان لا يَخْفَى عليه خافيةٌ، ولا يَسْتَتِرُ عنه سرٌّ ولا علانيةٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. قال: فتنتُه أَن يَرْتَدَّ عن دينِ اللهِ إذا أُوذِى فى اللهِ (١).

стр. 12463

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾. قال: أُناسٌ يُؤْمنون بألسنتِهم، فإذا أصابهم بلاءٌ مِن اللهِ، أو مصيبةٌ في أنفسِهم، افتَتَنوا، فجعَلوا ذلك في الدنيا كعذابِ اللهِ فى الآخرةِ (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في (٢) قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ﴾ الآية (٣): ناسٌ مِن المنافقين بمكةَ كانوا يُؤْمنون، فإذا أُوذُوا وأصابهم بلاءٌ من المشركين، رجَعوا إلى الكفرِ؛ مخافةَ مَن يُؤْذِيهم، وجعلوا أذَى الناسِ فى الدنيا كعذابِ اللهِ (٤). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾. قال: هو المنافقُ، إذا أُوذِى في اللهِ رجَع عن الدينِ وكفَر، وجعَل فتنةَ الناسِ كعذابِ اللهِ (٥). وذُكِر أن هذه الآية نزَلَت في قومٍ مِن أهلِ الإيمانِ كانوا بمكةَ، فخرَجوا مُهاجرين، فأُدْرِكوا وأُخِذوا، فأَعْطَوُا المشركين لمَّا نالهم أذاهم ما أرادوا منهم.

стр. 12464

ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيْريُّ، قال: ثنا محمدُ ابنُ شَرِيكٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن أهلِ مكةَ أسْلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُون بالإسلامِ (١)، فأَخْرَجهم المشركون يومَ بدرٍ معهم، فأُصِيب بعضُهم و [قُتلَ بعضُهم] (٢)، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين وأُكْرِهوا. فاسْتَغْفَروا لهم، فنزَلَت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى آخرِ الآيةِ. قال: فكُتِب إلى مَن بقِى بمكةَ من المسلمين بهذه الآيةِ ألا عذرَ لهم، فخرَجوا، فلحِقهم المشركون، فأَعْطَوْهم الفتنةَ، فنزَلَت فيهم هذه الآيةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، فكتَب المسلمون إليهم بذلك، فخرَجوا وأيِسُوا من كلِّ خيرٍ، ثم نزَلَت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ [النحل: ١١٠]. فكتَبوا إليهم بذلك: إن اللهَ قد جعَل لكم مخرجًا. فخرَجوا، فأدْركَهم المشركون، فقاتَلوهم، حتى نجا مَن نجا، وقُتِل من قُتِل (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾. قال: هذه الآياتُ أُنزِلَت في القومِ الذين ردَّهم (٤) المشركون إلى مكةَ، وهذه الآياتُ العشْرُ مَدَنيةٌ

стр. 12465

إلى هاهنا، وسائرُها مكيٌّ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكره: ولَيَعْلَمَنَّ (٢) أولياءُ اللهِ وحِزْبُه أَهلَ الإيمانِ باللهِ منكم أيُّها القومُ، وليَعْلَمُنَّ المنافقين منكم، حتى يَمِيزُوا؛ كلَّ فريقٍ منكم مِن الفريقِ الآخرِ، بإظهارِ اللهِ ذلك منكم بالمحنِ والابتلاءِ والاختبارِ، وبمسارعةِ المُسارِعِ منكم إلى الهجرةِ من دارِ الشركِ إلى دارِ الإسلامِ، وتَثَاقُلِ المُتَثاقِلِ منكم عنها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكره: وقال الذين كفَروا باللهِ مِن قريشٍ للذين آمنوا باللهِ منهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾. يقولُ: قالوا: كونوا على مثلِ ما نحن عليه من التَّكْذيبِ بالبعثِ بعدَ المماتِ، وجُحُودِ الثوابِ والعقابِ على الأعمالِ، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. يقولُ: قالوا: فإنكم إن اتَّبَعْتُم سبيلَنا في ذلك، فبُعِثْتُم (٣) بعدَ المَماتِ، وجُوزِيتُم على الأعْمالِ، فإنا نتحمَّلُ آثامَ (٤) خطاياكم حينَئذٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12466

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. قال: قولُ كفارِ قريشٍ بمكةَ لمَن آمَن منهم، يقولُ: قالوا: لا نُبْعَثُ نحن ولا أنتم، فاتَّبِعونا، إن كان عليكم شيءٌ فهو علينا (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هم القادةُ مِن الكفارِ، قالوا لمَن آمَن مِن الأتْباعِ: اترُكوا دينَ محمدٍ واتَّبِعوا دينَنا (٢). وهذا -أعنى قولَه: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ - وإن كان خرَج مَخْرَجَ الأمرِ، فإن فيه تأويلَ الجزاءِ، ومعناه ما قلتُ: إن اتَّبَعتُم سبيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم. كما قال الشاعرُ (٣): فقُلْتُ ادْعِى وأَدْعُ فَإِنَّ أَنْدَى … لِصَوْتٍ أَنْ يُنادِيَ دَاعِيَانِ يريدُ: ادْعِى ولأَدْعُ. ومعناه: إِن دَعَوْتِ دَعَوتُ. وقولُه: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وهذا

стр. 12467

تَكْذيبٌ مِن اللهِ للمشركين القائِلين للذين آمَنوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكَذَبوا في قِيلِهم ذلك لهم، ما هم بحامِلِين مِن آثامِ (١) خَطاياهم من شيءٍ، ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما قالوا لهم ووَعَدوهم، مِن حَمْلِ خَطاياهم إن هم اتَّبَعوهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾. يقولُ تعالى ذكره: وليحْمِلُنَّ هؤلاء المشركون باللهِ القائلون للذين آمنوا به: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ - أوزارَ أنفسِهم وآثامَها، وأوزارَ من أضلُّوا وصدُّوا عن سبيلِ اللهِ مع أوزارِهم، ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا﴾ يَكْذِبونهم في الدنيا، بوعدِهم إياهم الأباطيلَ، وقيلِهم لهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. فيفتَرون الكذبَ بذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾. أى: أوزارَهم، ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾. يقولُ: وأوزارَ مَن أَضَلُّوا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾. وقَرأ قولَه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ

стр. 12468

كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. قال: فهذا قولُه: ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾. وهذا وعيدٌ مِن اللهِ تعالى ذكره لهؤلاء المشركين مِن قريشٍ، القائلين للذين آمنوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : لا يَحْزُنْك (١) يا محمدُ ما تَلْقَى مِن هؤلاء المشركين أنت وأصحابُك من الأذَى، فإنى وإن أملَيتُ لهم، فأطَلتُ إملاءَهم، فإن مصيرَ أمرِهم إلى البَوارِ، ومصيرَ أمرِك وأمرِ أصحابِك إلى العُلُوِّ والظَّفَرِ بهم، والنَّجَاةِ مما يَحِلُّ بهم من العقابِ؛ كفعلِنا ذلك بنوحٍ، إذ أرسَلناه إلى قومِه، فلَبِثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى توحيدِ اللهِ وفِراقِ الآلهةِ والأوثانِ، فلم يَزِدْهم ذلك مِن دُعائه إياهم إلى اللهِ، مِن الإقبال إليه، وقبولِ ما أتاهم به من النصيحةِ من عندِ اللهِ - إلا فِرارًا. وذُكر أنه أُرسل إلى قومِه وهو ابنُ ثلاثمائةٍ وخمسين سنةً. كما حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا عونُ ابنُ أَبي شَدَّادٍ، قال: إن اللهَ أرسَل نوحًا إلى قومِه وهو ابنُ خمسين وثلاثِمائةِ سنةٍ، فلَبِث فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، ثم عاشَ بعد ذلك خمسين وثلاثَمائةِ سنةٍ (١) ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فأهْلَكهم الماءُ الكثيرُ. وكلُّ

стр. 12469

ماءٍ كثيرٍ فاشٍ طامٍّ فهو عندَ العربِ طُوفانٌ؛ سَيْلًا كان أو غيرَه، وكذلك الموتُ إذا كان فاشيًا كثيرًا، فهو أيضًا عندَهم طُوفانٌ، ومنه قولُ الراجزِ (١): أَفْنَاهُمُ طُوفانُ موتٍ جارِفِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾. قال: هو الماءُ الذى أُرسل عليهم (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: الطوفانُ الغَرَقُ (٣). وقولُه: ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. يقولُ: وهم ظالِمون أنفسَهم بكفرِهم بربِّهم (٤). القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأنْجَينا نوحًا وأصحابَ سفينتِه، وهم الذين حمَلهم في سفينتِه من ولدِه وأزواجِهم. وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضَى قبلُ، وذكَرنا الرواياتِ فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه

стр. 12470

في هذا الموضعِ (١). ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وجعلنا السفينةَ التي أنْجَيناه وأصحابَه فيها عبرةً وعظةً للعالمين، وحُجَّةً عليهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ الآية. قال: أبْقاها اللهُ آيةً للناسِ بأعلَى الجُودِيِّ (٢). ولو قيل: معنى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾: وجعَلنا عقوبتنا إياهم آيةً للعالَمين. وجُعِل الهاءُ والألفُ فى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ كنايةً عن العقوبةِ أو السَّخَطِ ونحوِ ذلك، إذ كان قد تقدَّم ذلك (٣) قولُه: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ - كان وَجْهًا مِن التأويلِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : واذْكُر أيضًا يا محمدُ إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ، إذ قال لقومِه: اعبُدوا اللهَ أيُّها القومُ، دونَ غيرِه من الأوثانِ والأصنامِ، فإنه لا إلهَ لكم غيرُه، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾. يقولُ: واتَّقوا سَخَطَه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ

стр. 12471

معاصيه، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما هو خيرٌ لكم مما هو شرٌّ لكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ خليلِه إبراهيمَ لقومِه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ﴾ أيها القومُ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾. يعنى: مُثُلًا. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾: أصنامًا (١). واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وتصنعون كذبًا. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾. يقولُ: تصنعون كذبًا (٢). وقال آخرون: وتقولون كذبًا.

стр. 12472

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾. يقولُ: وتقولون إفكًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾. يقولُ: تقولون كذبًا (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتَنْحِتون إفكًا. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُرَاسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾. قال: تَنْحِتون، تُصوِّرون إفكًا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ أي: تصنَعون أصنامًا (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾: الأوثانَ التي ينحِتونها بأيديهم. وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: وتصنعون كذبًا. وقد

стр. 12473

بيَّنا معنى "الخَلْقِ" فيما مضى بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). فتأويلُ الكلامِ إذن: إنما تعبدون من دونِ اللهِ أوثانًا، وتصنعون كذبًا وباطلًا. و "إنما" في قولِه: ﴿إِفْكًا﴾ (٢). مردودٌ على ﴿إِنَّمَا﴾، كقولِ القائلِ: إنما تفعلون كذا، وإنما تفعلون كذا وقرَأ جميعُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ بتخفيفِ الخاءِ من قولِه: ﴿وَتَخْلُقُونَ﴾ وضمِّ اللامِ، من "الخَلْقِ". وذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ أنه قرَأ: (وَتَخَلَّقُونَ إفْكًا) بفتح الحاء وتشديد اللامِ، من "التخلُّقِ" (٣). والصوابُ من القراءةِ عندنا في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجَّةِ من القرأةِ عليه. وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إنَّ أوثانَكم التى تعبدونها لا تَقْدِرُ أنْ ترزقَكم شيئًا، ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾. يقولُ: فالتمسوا عندَ اللهِ الرزقَ، لا مِن عندِ أوثانِكم، تُدركوا ما تبتغون من ذلك، ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾. يقولُ: وذِلُّوا له، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على رزقِه إياكم، ونعمِه التي أنعمَها عليكم. يقالُ: شكرتُه. و "شكرتُ له" أفصحُ من "شكرتُه". وقولُه: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: إلى اللهِ تُرَدّون من بعدِ مماتِكم، فيُسائلُكم (٤) عما أنتم عليه من عبادتِكم غيرَه، وأنتم عبادُه وخلْقُه، وفي نعَمِه

стр. 12474

تتقلَّبون، ورزقَه تأكلون. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وإن تُكَذِّبوا أيها الناسُ رسولَنا محمدًا ﷺ فيما دعاكم إليه من عبادَةِ ربِّكم الذى خلَقكم ورزَقكم، والبراءةِ من الأوثانِ، فقد كَذَّبت جماعاتٌ من قبلِكم رسلَها، فيما دعَتهم إليه الرسلُ من الحقِّ، فحَلَّ بها من اللهِ سخطُه، ونزَل بها منه عاجلُ عقوبةٍ، فسبيلُكم سبيلُها فيما هو نازلٌ بكم بتكذيبِكم إياه، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. يقولُ: وما على محمدٍ إلا أنْ يبلِّغَكم عن اللهِ رسالتَه، ويؤدِّيَ إليكم ما أمَره بأدائِه إليكم ربُّه. ويعني بـ: ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: الذى يَبِينُ لمن سمِعه ما يُرادُ به، ويُفهَمُ به ما يُعنَى به. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: أو لم يروا كيف يستأنفُ اللهُ خَلْقَ الأشياءِ طِفلًا صغيرًا، ثم غلامًا يافعًا، ثم رجلًا مجتمِعًا، ثم كَهلًا؟ يقالُ منه: أبدَأ وأعاد، وبدَأ وعاد. لغتان بمعنًى واحدٍ. وقولُه: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. يقولُ: ثم هو يُعيدُه من بعدِ فنائه وبِلاه، كما بدَأه أوَّلَ مرّةٍ خَلْقًا جديدًا، لا يتعذَّرُ ذلك عليه، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾؛ سهلٌ كما كان يسيرًا عليه إبداؤُه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12475

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: البَعْثُ (١) بعدَ الموتِ (٢). وقولُه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكره لمحمدٍ ﷺ : قُلْ يا محمدُ للمُنْكرِين البعثَ (٣) بعدَ المَماتِ، الجاحِدِين الثوابَ والعقابَ: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ﴾ اللهُ ﴿الْخَلْقَ (٤)﴾؛ الأشياءَ، وكيف أنشَأها وأَحْدَثها، وكما أوجَدها وأحْدَثها ابتداءً فلم يَتَعَذَّرْ عليه إحْداثُها مُبْدِئًا، فكذلك لا يَتَعذَّرُ عليه إنشاؤُها (٥) مُعِيدًا. ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ: ثُمَّ اللهُ يُبْدِئُ ذلك (٦) البَدْأَةَ الآخِرَةَ بعدَ الفناءِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾: خَلْقَ السماواتِ والأرضِ، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾. أى: البعثَ بعدَ الموتِ (٧).

стр. 12476

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾. قال: هي الحياةُ بعدَ الموتِ، وهو النشورُ (١). وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إن اللهَ على إنْشاءِ جميعِ خلقِه بعدَ إفْنائِه، كهيئتِه قبلَ فَنائِه، وعلى غيرِ ذلك مما يشاءُ فِعْلَه - قادرٌ، لا يُعْجِزُه شيءٌ أرادَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكره: ثم اللهُ يُنْشِئُ النشأةَ الآخِرةَ خَلْقَه مِن بعدِ فَنَائِهم، فيعذِّبُ مَن يشاءُ منهم على ما أسْلَفَ مِن جُرْمِه فى أيام حياتِه، ويرحمُ مَن يشاءُ منهم مِمَّن تابَ وآمنَ وعمِل صالحًا، ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾. يقولُ: وإليه تُرجَعون وتُرَدُّون. وأما قولُه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. [فَإِن ابنَ زِيدٍ قال فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾] (٢). قال: لا يُعْجِزُه أَهلُ الأَرَضِين فى الأَرضِين، ولا أهلُ السماواتِ فى السماواتِ، إن عصَوه. وقرَأ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣) [سبأ: ٣].

стр. 12477

وقال في ذلك بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ البصرةِ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ [وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. أى: لا يُعجِزُوننا مع ذلك، ما أنتم بمعجزين في الأرضِ] (١)، ولَا مَنْ فِي السماءِ مُعْجِزِين. قال: وهو مِن غامضِ العربيةِ؛ للضميرِ الذي لم يظهَرْ فى الثانى. قال: ومثلُه قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ (٢): أَمَنْ يَهْجُو رسولَ اللهِ مِنْكُمْ … ويَمْدَحُه ويَنْصُرُه سَوَاءُ أراد: ومَن ينصُرُه ويمدَحُه. فأضمَر (مَنْ). قال: وقد يقعُ في وَهْمِ السامعِ أن النصرَ والمدحَ [لـ"مَن"] (٣) هذه الظاهرةِ، ومثلُه فى الكلامِ: أكرِمْ مَن أتاك وأتَى أباك، وأكرِمْ مَن أتاك ولم يأتِ زيدًا. تريدُ: ومن لم يأتِ زيدًا. فيَكْتَفى باخْتلافِ الأفعالِ مِن إعادةِ "مَن"، كأنه قال: أمَنْ يَهْجُو، ومَن يمدَحُه، ومَن يَنصُرُه. ومنه قولُ اللهِ : ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]. وهذا القولُ (٤) أصحُّ عندى فى المعنى من القولِ الآخَرِ. ولو قال قائلٌ (٥): معناه: ولا أنتم بمُعْجزين في الأرضِ، ولا أنتم لو كنتُم في السماءِ بمُعْجزِين. كان مذهبًا. وقولُه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: وما كان لكم أيُّها الناسُ مِن دونِ اللهِ مِن ولىٍّ يَلى أمورَكم، ولا نصيرٍ ينصُرُكم مِن اللهِ، إن أرادَ بكم سُوءًا، ولا يمنعُكم (٦) منه إن أحلَّ بكم عقوبتَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ

стр. 12478

يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾. يقولُ تعالى ذكره: والذين كفَروا بحُجَجِ اللهِ، وأنكَروا أدلَّتَه، وجحَدوا لقاءَه والورودَ عليه يوم تقومُ الساعةُ، ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾. يقول تعالى ذكره: أولئك يَئِسوا مِن رحمتِي فى الآخرةِ؛ لمَّا عايَنوا ما أُعِدَّ لهم مِن العذابِ، فأولئك لهم فيها (١) عذابٌ مُوجِعٌ. فإن قال قائلٌ: وكيف اعْتَرَضَ بهذه الآياتِ من قولِه: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وترَك ضميرَ قولِه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾. وهو مِن قصةِ إبراهيمَ. وقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؟ قيل: فعَل ذلك كذلك؛ لأن الخبرَ عن أمرِ نوحٍ وإبراهيمَ وقومِهما، وسائرِ مَن ذَكَر اللهُ مِن الرسلِ والأممِ فى هذه السورةِ وغيرِها، إنما هو تذكيرٌ مِن اللهِ تعالى ذكره به الذين يبتدئُ بذِكْرِهم قبلَ الاعْتراضِ بالخبرِ، وتحذيرٌ منه لهم أن يَحِلَّ بهم ما حَلَّ بهم، فكأنه قيل فى هذا الموضعِ: فاعبُدوه واشكُروا له إليه ترجعون، فكذَّبْتُم أنتم معشرَ قريشٍ رسولكم محمدًا، كما كَذَّب أولئك إبراهيمَ. ثم جعَل مكانَ "فَكَذَّبْتُم": ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. إذ كان ذلك يدُلُّ على الخبرِ عن تَكْذيبِهم رسولَهم، ثم عادَ إلى الخبرِ عن إبراهيمَ وقومِه، وتَتْمِيمِ قصتِه وقصتِهم بقولِه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾.

стр. 12479

يقولُ تعالى ذكره: فلم يكن جوابَ قومِ إبراهيمَ له إذ قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. إلا أن قال بعضُهم لبعضٍ: اقتُلوه أو حرِّقوه بالنارِ. ففعَلوا، فأرَادوا إحراقَه بالنارِ، فأضرَموا له النارَ، فألْقوه فيها: فأنجاه اللهُ منها، ولم يُسَلِّطْها عليه، بل جعَلها عليه بَرْدًا وسلامًا. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: فما كان جوابَ قومِ إبراهيمَ ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾. قال: قال كعبٌ: ما حَرَقت منه إلا وَثاقَهُ (١). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: إن في إنجائِنا لإبراهيمَ من النارِ وقد أُلقى فيها وهى تَسَعَّرُ، وتَصْييرِناها عليه بردًا وسلامًا - لأدلةً وحُجَجًا لقومٍ يُصدِّقون بالأدلةِ والححجِ، إذا عايَنوا ورأَوا. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ إبراهيمَ لقومِه: وقال إبراهيمُ لقومِه: يا قومِ، ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾. واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والشام وبعضُ الكوفيين: (مَوَدَّةً). بنصب "مودة" بغير إضافةٍ، "بينَكم" بنصبِها (٢).

стр. 12480

وقرَأ ذلك بعضُ الكوفيين: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾. بنصبِ "المودَّةِ" وإضافتِها إلى قوله: ﴿بَيْنِكُمْ﴾، وخفضِ ﴿بَيْنِكُمْ﴾ (١). وكأنَّ هؤلاء الذين قرءوا قوله: (مَوَدَّة). نصبًا، وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: إنما اتخذتم أيُّها القومُ أوثانًا مودةً بينَكم. فجعَلوا "إنما" حرفًا واحدًا، وأوقَعوا قولَه: ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾ على الأوثانِ، فنصَبوها، بمعنى: اتخَذتموها مودّةً بينَكم في الحياةِ الدنيا، تتحابُّون على عبادتِها، وتَتَوادُّون على خدمتِها، فتتواصَلون عليها. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ والبصرةِ: (مودَّةُ بَيْنِكُمْ). برفعِ "المودةِ"، وإضافتِها إلى "البينِ"، وخفضِ "البينِ" (٢). وكأن الذين قرَءوا ذلك كذلك، جعَلوا "إِنَّ مَا" حرفين، بتأويلِ: إن الذين اتخذَتم من دونِ اللهِ أوثانًا، إنما هو مودّتُكم للدنيا. فرفعوا "مودة" على خبرِ إنَّ. وقد يجوزُ أن يكونوا على قرَاءتِهم ذلك رفعًا بقولِه: "إنما" أن تكونَ حرفًا واحدًا، ويكونَ الخبرُ متناهيًا عندَ قولِه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾. ثم يبتدئُ الخبرَ فيقالُ: ما مودتُكم تلك الأوثانَ بنافعتِكم، إنما مَوَدَّةُ بينِكم في حياتِكم الدنيا، ثم هي منقطعةٌ. وإذا أُريد هذا المعنى كانت المَودَّةُ مرفوعةً بالصفةِ بقولِه: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وقد يجوزُ أن يكونوا نوَوا (٣) برفعِ المَودَّةِ، رفعَها على ضميرِ "هي" وهذه القراءاتُ الثلاثُ مُتقارباتُ المعانى؛ لأن الذين اتَّخَذوا الأوثانَ آلهةً يعبدونها، اتَّخَذوها مودةَ بَيْنهم، وكانت لهم فى الحياةِ الدنيا مودةً، ثم هي عنهم منقطعةٌ. فبأىِّ ذلك قرَأ القارئُ فمُصيبٌ؛ لتقارُبِ معانى ذلك، وشهرةِ

стр. 12481

القراءةِ بكلِّ واحدةٍ منهنَّ في قرأةِ الأمصارِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. قال: صارتْ كلُّ خُلَّةٍ فى الدنيا عَداوةً على أهْلِها يومَ القيامةِ، إلا خُلَّةَ المُتَّقِين (١). وقولُه: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. يقولُ تعالى ذكره: ثم يومَ القيامةِ أيُّها المُتَوادُّون على عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، والمُتواصِلون على خِدْماتِها عندَ وُرُودِكم على ربِّكم، ومُعاينتِكم ما أعَدَّ اللهُ لكم على التَّواصُلِ والتَّوَادِّ فى الدنيا، مِن أليمِ العذابِ، ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾. يقولُ: يَتبرَّأُ بعضُكم مِن بعضٍ، ويلعنُ بعضُكم بعضًا. وقولُه: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: ومصيرُ جميعِكم أيُّها العابِدون الأوثانَ، وما تعبُدون - النارُ. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لكم أيُّها (٢) المُتَّخِذون الآلهةَ مِن دونِ اللهِ مودةَ بينِكم، مِن أنصارٍ ينصُرونكم مِن اللهِ، حينَ يُصْلِيكم نارَ جهنمَ، فيُنْقِذوكم (٣) مِن عذابِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ

стр. 12482

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾. يقولُ تعالى ذكره: فصدَّق إبراهيم خليلَ اللهِ لوطٌ، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. يقولُ: وقال إبراهيمُ: إنى مُهاجِرٌ دارَ قومى ﴿إِلَى رَبِّي﴾، إلى الشامِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. قال: صدَّق لوطٌ، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. قال: هو إبراهيمُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. أى: فصدَّقه لوطٌ، ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. قال: هاجَرا جميعًا مِن كُوثَى، وهى مِن سَوادِ الكوفةِ إلى الشامِ. قال: وذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إنَّها سَتَكُونُ هِجْرةٌ بعدَ هِجْرةٍ، يَنْحازُ أهلُ الأَرضِ إِلى مُهاجَرِ إبراهيمَ، ويَبْقَى فى الأرضِ شِرارُ أهْلِها، حتى تَلْفِظُهم وتَقْذَرَهم، وتَحْشُرَهم النارُ مع القِرَدةِ والخنازيرِ" (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. قال: صدَّقه لوطٌ، صدَّق إبراهيمَ. قال: أرأيتَ المؤمنين، أليس آمنوا

стр. 12483

لرسولِ اللهِ ﷺ ما جاء به؟ قال: فالإيمانُ التَّصْديقُ. وفي قولِه: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. قال: كانت هِجْرتُه إلى الشامِ. وقال ابنُ زيدٍ في حديثِ الذئبِ الذى كلَّم الرجلَ، فأَخبَر به النبيَّ ﷺ ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "فآمَنْتُ له (١) وأبو بكرٍ وعمرُ" (٢). وليس أبو بكرٍ ولا عمرُ معه. يعني "آمنتُ له": صَدَّقْتُه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ في قولِه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. قال: إلى حَرَّانَ، ثم أُمِر بعدُ بالشامِ الذى هاجَر إبراهيمُ، وهو أوَّلُ مَن هاجَر. يقولُ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ﴾، إبْراهِيمُ: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ الآية (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾: إبراهيمُ القائلُ: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (٤). وقولُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: إن ربِّى هو العزيزُ الذي لا يَذِلُّ مَن نَصَرَه، ولكنه يمنعُه مِمَّن أرادَه بسُوءٍ، وإليه هِجْرتُه، الحكيمُ في تَدْبيرِه خلقَه، وتَصْريفِه إياهم فيما صَرَّفهم فيه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.

стр. 12484

يقولُ تعالى ذكره: ورَزَقْناه مِن لَدُنَّا إسحَاقَ ولدًا، وَيَعْقُوبَ مِن بعدِه وَلَدَ وَلَدٍ. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾. قال: هما ولدا إبراهيمَ (١). وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾. بمعنى الجمعِ؛ يرادُ به الكتبُ، ولكنه خرَجَ مَخْرَجَ قولِهم: كَثُر الدرهمُ والدينارُ عندَ فلانٍ. وقولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. يقولُ تعالى ذكره: وأعْطيناه ثوابَ بلائِه فينا فى الدنيا، ﴿وَإِنَّهُ﴾ مع ذلك ﴿فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فله هنالك أيضًا جزاءُ الصالحين، غيرَ مُنْتَقَصٍ حَظُّه بما أُعطِى في الدنيا مِن الأجرِ على بلائِه في اللهِ، عما له عندَه في الآخرةِ. وقيل: إن الأَجْرَ الذى ذكَره اللهُ أنه آتاه إبراهيمَ في الدنيا، هو الثناءُ الحسنُ، والولدُ الصالحُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. قال: الثناءُ (٢). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن لَيْثٍ، قال: أرسَل مجاهدٌ رجلًا

стр. 12485

يقالُ له: قاسمٌ. إلى عكرمةَ يسألُه عن قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال: فقال: أجرُه في الدنيا أن كلَّ مِلَّةٍ تتولَّاه، وهو عندَ اللهِ مِن الصالحين. قال: فرجَع إلى مجاهدٍ، فقال: أصابَ. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن مِنْدَلٍ، عمَّن ذكَره، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. قال: الولدُ الصالحُ والثناءُ (١). حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. يقولُ: الذِّكْرُ الحسنُ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. قال: عافيةً، وعملًا صالحًا، وثناءً حَسَنًا، فلستَ تلَاقى (٣) أحدًا مِن المِلَلِ إلا يَرضَى (٤) إبراهيمَ ويَتَولَّاه، ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٥). القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : واذكُرْ لوطًا إذ قال لقومِه: أئنَّكم لَتأتون الذُّكْرانَ، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾ - يعنى بالفاحشةِ التي كانوا يأتونها، وهى إتيانُ الذُّكْرانِ، ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12486

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بنِ خداشٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ علَيَّةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ فى قولِه: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ما نَزَا ذَكَرٌ على ذَكَرٍ حتى كان قومُ لوطٍ (١). القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) [قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ] (٢) (٣٠)﴾. يقولُ تعالى ذكره مُخبرًا عن قيلِ لوطٍ لقومِه: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ أيُّها القومُ، ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ فى أدْبارِهم، ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾. يقولُ: وتقطَعون المُسافرين عليكم (٣) بفعلِكم الخبيثِ. وذلك أنهم فيما ذُكِر عنهم كانوا يفعلون ذلك بَمَن مَرَّ عليهم من المُسافرين، ومَن وَرَد بلدَهم (٤) مِن الغُرباءِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾. قال: السبيلُ الطريقُ. المسافرُ إذا مرَّ بهم، وهو ابنُ السبيلِ، قَطَعوا به، وعمِلوا به ذلك العمل الخبيثَ (٥).

стр. 12487

وقولُه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في المنكرِ الذي عَناه اللهُ، الذى كان هؤلاء القومُ يأتُونه في نادِيهم؛ فقال بعضُهم: كان ذلك أنهم كانوا يَتَضارَطُون في مجالسِهم. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ غُطَيفٍ (١) الثقفىُّ، عن عمرَ (٢) بنِ مُصْعبٍ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ في قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قالت (٣): الضُّراطَ (٤). وقال آخرون: بل كان ذلك أنهم كانوا يَحْذِفون مَن مَرَّ بهم. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو أُسامةَ، عن حاتمِ بنِ أبي صَغيرةَ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن أبي صالحٍ، عن أمِّ هانئ، قالت: سألتُ النبيَّ ﷺ عن قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: "كانوا يَحْذِفُون أهل الطريقِ، ويَسْخَرون منهم". فهو المنكرُ الذي كانوا يأتُون (٥). حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ مثلَه.

стр. 12488

حدَّثنا أحمد بن عبدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا سُلَيمُ (١) بنُ أَخضرَ، قال: ثنا أبو يونسَ القُشَيرِيُّ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن أبي صالحٍ مولى أمِّ هانئٍ، أن أمَّ هانئٍ سُئِلت عن هذه الآيةِ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. فقالت: سألتُ عنها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "كانوا يَحْذِفُون أَهْلَ الطَّريقِ، ويَسْخَرون مِنهم" (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ أبي زائدةَ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: كانوا يُؤْذُون أهلَ الطريقِ؛ يحذِفون مَن مَرَّ بهم (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عمرَ بنِ أبي زائدةَ، قال: سمِعتُ عكرمةَ قال: الحَذْفُ (٤). حدَّثنا موسي، قال: أخبَرنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: كان كلُّ مَن مَرَّ بهم حَذَفوه، فهو المنكرُ (٥). حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا حاتمُ بنُ أبي صَغيرةَ، قال: ثنى سِماكُ بنُ حربٍ، عن باذامَ (٦) أبي صالحٍ، مولى أمِّ هانئٍ، عن أمِّ هانئٍ، قالت: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآيةِ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: "كانوا يَجْلِسون بالطريقِ فيَحْذِفون أبناءَ السبيلِ

стр. 12489

ويَسْخَرون منهم" (١). وقال بعضُهم: بل كان ذلك إتيانهم الفاحشة في مجالسِهم. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يأتى بعضُهم بعضًا في مجالسِهم. يعنى قولَه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (٢). حدَّثنا سليمانُ بنُ عبد الجبار، قال: ثنا ثابتُ بنُ محمدٍ الليثىُّ، قال: ثنا فُضَيلُ ابنُ عِياضٍ، عن منصورِ بنِ المعتمرِ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: كان يجامعُ بعضُهم بعضًا في المجالسِ (٣). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: كان يأتى بعضُهم بعضًا في المجالسِ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يُجامِعون الرجالَ (٤) في مجالسِهم (٥).

стр. 12490

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: المجالسِ، والمنكرُ: إتيانُهم الرجالَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: كانوا يأتُون الفاحشةَ في نادِيهم (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. قال: نادِيهم: المجالسُ، والمنكرُ: عملُهم الخبيثُ الذى كانوا يعمَلونه؛ كانوا يَعْتَرِضون بالراكبِ فيأخُذونه ويركَبونه. وقرَأ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: ٥٤]. وقرَأ: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. يقولُ: فى مجالسِكم (٤). وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: وتحذِفون في مجالسِكم المَارَّةَ بكم، وتسخرون منهم. لِما ذكَرنا مِن الروايةِ بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ .

стр. 12491

ممم وقولُه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: فلم يَكُنْ جوابَ قومِ لوطٍ إذ نَهاهم عما يَكْرَهُه اللهُ مِن إتيانِ الفواحشِ التي حرَّمها اللهُ، إلا قِيلُهم: ائْتِنا بعذابِ اللهِ الذي تَعِدُنا، إن كنتَ مِن الصادِقين فيما تقولُ، والمُنْجزِين لِما تَعِدُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى (١): ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكره: لما جاءَتْ رُسُلُنا [من الملائكةِ] (٢) إبراهيمَ بالبُشْرى مِن اللهِ بإسحاقَ، ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ، ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾. [يقولُ: قالت رُسُلُ اللهِ لإبراهيمَ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾] (٣)؛ قريةِ سَدُومَ، وهى قريةُ قومِ لوطٍ، ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. يقولُ: إن أهلَها كانوا ظالِمي أنفسِهم بمعصيتِهم اللهَ، وتَكْذِيبِهم رسولَه ﷺ . حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ إلى قولِه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾. قال: فجادَل إبراهيمُ الملائكةَ في قومِ لوطٍ أن يُتْرَكوا. قال: فقال: أرأيتُم إن كان فيها عشَرَةُ أبياتٍ مِن المسلمين أتتركُونهم؟ فقالت الملائكةُ: ليس فيها عشَرَةُ أبياتٍ، ولا خمسةٌ، ولا أربعةٌ،

стр. 12492

ولا ثلاثةٌ، ولا اثنان. قال: فحَزِن على لوطٍ وأهلِ بيتِه، فقال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. فذلك قولُه: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٤، ٧٥]. فقالت الملائكةُ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦]. فبعَث اللهُ إليهم جبريلَ ﷺ ، فانتَسَف المدينةَ وما فيها بأحدِ جَناحَيه، فجعَل عاليَها سافلَها، [وتَتَبَّعَتهم الحجارةُ] (١) بكلِّ أرضٍ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾. يقولُ تعالى ذكره: قال إبراهيمُ للرسلِ مِن الملائكةِ، إذ قالوا له: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. فلم يَسْتَثْنُوا منهم أحدًا، إذ وصَفوهم بالظلمِ: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾، وليس مِن الظالِمين، بل هو مِن رُسُلِ اللهِ، وأهلِ الإيمانِ به، والطاعةِ له. فقالت الرسلُ له: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ مِن الظالِمين الكافرين بالله منك، وإن لوطًا ليس منهم، بل هو كما قلتَ مِن أولياءِ اللهِ، ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ مِن الهلاكِ الذى هو نازلٌ بأهلِ قريتِه، ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الذين أبْقَتْهم الدُّهورُ والأيامُ، وتطاوَلَت أعمارُهم وحياتُهم، وإنها هالكةٌ مِن بينِ أهلِ لوطٍ مع قومِها.

стр. 12493

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولما أن جاءَت رُسُلُنا لوطًا، مِن الملائكةِ، ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾. يقولُ: ساءَتْه الملائكةُ بمَجِيئهم إليه، وذلك أنهم تَضَيَّفُوه فساءُوه بذلك، فقولُه: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: فُعِل بهم. مِن: ساءَه (١) بذلك. وذُكر عن قتادةَ أنه كان يقولُ: ساءَ ظنُّه بقومِه، وضاقَ بضَيْفِه ذَرْعًا. حدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ عنه: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾. يقولُ: وضاقَ ذرعُه بضِيافتِهم؛ لِما عَلِم مِن خُبْثِ فعلِ قومِه (٢). كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾. قال: بالضيافةِ؛ مخافةً عليهم مما يعلَمُ مِن شرِّ قومِه (٣). وقولُه: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالت الرسلُ للوطٍ: لا تَخَفْ علينا أن يَصِلَ إلينا قومُك، ولا تَحْزَنْ مما أخبَرْناك مِن

стр. 12494

أنَّا مُهْلِكوهم. وذلك أن الرسلَ قالت له: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]. ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ مِن العذابِ الذى هو نازلٌ بقومِك، ﴿وَأَهْلَكَ﴾. يقولُ: ومُنَجُّو أهلِك معك، ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فإنها هالكةٌ في مَن يَهْلِكُ مِن قومِها، كانت مِن الباقِين (١) الذين طالَت أعْمارُهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾. يقول تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الرسلِ للوطٍ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ﴾ يالوطُ، ﴿عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾؛ سَدُومَ، ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. يعني: عذابًا. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا﴾، أي: عذابًا (٢). وقد بَيَّنَّا معنى الرجزِ وما فيه مِن أقوالِ (٣) أهلِ التأويلِ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤). وقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. يقولُ: بما كانوا يأتُون من معصيةِ اللهِ، ويركَبون مِن الفاحشةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أبقَيْنا مِن فَعْلتِنا التي فَعَلْنا بهم ﴿آيَةً﴾. يقولُ:

стр. 12495

عِبرةً بيِّنةً، وعِظَةً، واعظةً، ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عن اللهِ حُجَجَه، ويتفكَّرون في مواعظه، وتلك الآية البيِّنةُ هى عندى عُفُوُّ آثارِهم، ودُرُوسُ معالِمهم. وذُكر عن قتادةَ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال: هى الحجارةُ التي أُمطِرت عليهم (١). حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾. قال: عِبْرةً (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأرسَلتُ إلى مَدينَ أخاهم شُعيبًا، فقال لهم: يا قومِ اعبُدوا الله وحده، وذِلُّوا له بالطاعةِ، واخضَعوا له بالعبادةِ، ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. يقولُ: وارْجُوا بعبادتِكم إياه جزاء اليومِ الآخرِ، وذلك يومُ القيامةِ. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يقولُ: ولا تُكْثِروا فى الأرضِ معصيةَ اللهِ، ولا تُقِيموا عليها، ولكن توبوا إلى اللَّهِ منها وأَنِيبوا. وقد كان بعضُ أهل العلم بكلامِ العربِ (٣) يتأوَّلُ قولَه: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ بمعنى: واخْشَوا اليومَ الآخرَ.

стр. 12496

وكان غيرُه مِن أهلِ العلمِ بالعربيةِ (١) يُنكِرُ ذلك ويقولُ: لم نجدِ الرجاءَ بمعنى الخوفِ في كلامِ العربِ إلا إذا قارَنه الجَحْدُ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فَكَذَّب أَهلُ مَدينَ شُعَيبًا فيما أَتاهم به عن اللَّهِ مِن الرسالةِ، فأَخَذَتْهم رَجْفَةُ العذابِ، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ جُثُومًا بعضُهم على بعضٍ؛ مَوْتَى. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. أى: مَيِّتِين (٣) القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واذكُروا أيُّها القومُ عادًا وثمودَ وقد تَبَيَّن لكم من مساكِنِهم خَرابُها وخَلاؤُها منهم بوقائعِنا بهم، وحلولِ سَطوتِنا بجميعِهم، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: وحَسَّنَ لهم الشيطانُ كفرَهم باللهِ، وتكذيتهم رُسُلَه، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: فرَدَّهم بتَزْيينِه لهم ما زَيَّنَ مِن الكفرِ عن سبيلِ اللهِ، التى هى الإيمانُ به ورسلِه، وما جاءوهم به مِن عندِ

стр. 12497

ربِّهم، ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾. يقولُ: وكانوا مُسْتَبْصِرين في ضلالتِهم، مُعْجَبِين بها، يَحْسَبون أنهم على هُدًى وصوابٍ، وهم على الضلالِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾. يقولُ: كانوا مُستبصرِين في دينِهم (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: في الضلالةِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: في ضلالتِهم، مُعْجَبين بها (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾. يقولُ: في دينِهم.

стр. 12498

القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ قارونَ وفرعونَ وهامانَ، ولقد جاء جميعَهم موسى ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، يعنى بالواضحاتِ مِن الآياتِ، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ عن التَّصْديقِ بالبيناتِ مِن الآياتِ، وعن اتِّباعِ موسى صلواتُ اللهِ عليه، ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما كانوا سابِقينا بأنفسِهم فيَفُوتُونا، بل كنا مُقْتدرِين عليهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأخَذنا جميعَ هذه الأممِ التي ذكَرناها لك يا محمدُ بعذابِنا؛ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾. وهم قومُ لوطٍ الذين أمطَر اللهُ عليهم حجارةً مِن سِجِّيلٍ مَنْضودٍ. والعربُ تُسمِّى الريحَ العاصفَ التي فيها الحَصَى الصغارُ، أو الثلجُ، أو البَرَدُ والجليدُ، حاصِبًا، ومنه قولُ الأخطلِ (١): ولقد عَلِمْتِ إِذا العِشارُ تَرَوَّحَتْ … هَدَجَ الرِّئَالِ تَكُبُهُنَّ شَمالا تَرْمِي العِضاهَ بحاصِبٍ مِن ثَلْجِها … حتى يَبِيتَ على العِضاهِ جُفالا

стр. 12499

وقال الفرزدقُ (١): مُسْتَقْبِلِين شَمالَ الشامِ تَضْرِبُنا … بحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾: قومُ لوطٍ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾: وهم قومُ لوطٍ (٣) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بذلك؛ فقال بعضُهم: هم ثمودُ قومُ صالحٍ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾: ثمودُ. وقال آخرون: بل هم قومُ شُعَيبٍ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ

стр. 12500

الصَّيْحَةُ﴾: قومُ شعيبٍ (١). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن اللهَ قد أخبَر عن ثمودَ وقومِ شعيبٍ مِن أهلِ مَدْينَ أنه أهْلَكهم بالصَّيْحةِ في كتابِه في غيرِ هذا الموضعِ، ثم قال: جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ : فمِن الأممِ التى أَهْلَكناهم مَن أرسَلنا عليهم حاصبًا، ومنهم مَن أخذَتْه الصيحةُ. فلم يَخْصُصِ الخبر بذلك عن بعضِ مَن أخذَتْه الصيحةُ مِن الأممِ دونَ بعضٍ، وكِلا الأُمَّتَين -أعنى ثمودَ ومَدْينَ- قد أخذَتْهما (٢) الصَّيحةُ. وقولُه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾. يعنى بذلك قارونَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: قارونُ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾. يعنى قومَ نوحٍ وفرعونَ وقومَه. واختَلف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك قومُ نوحٍ ﵇. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال
следующие страницы →