← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12531–12570 · переход к 12536.

стр. 12531

فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن عبادِه: يا عبادي الذين وحَّدوني وآمَنوا بي وبرسولي محمدٍ ﷺ ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. واختَلف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى أُريد من الخبرِ عن سِعَةِ الأرضِ؛ فقال بعضُهم: أُريد بذلك: أنها لم تَضِقْ عليكم، فتُقِيموا بموضعٍ منها لا يَحِلُّ لكم المُقامُ فيه، ولكن إذا عُمِل بمكانٍ منها بمعاصى اللهِ، فلم تقدِروا على تَغْييرِه، فاهرُبوا منه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. قال: إذا عُمِل فيها بالمعاصي فأخرج منها (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. قال: إذا عُمِل فيها بالمعاصى، فاخْرج منها (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: اهرُبوا؛ فإن أرضى واسعةٌ.

стр. 12532

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَرِيكِ، عن منصورٍ، عن عطاءٍ، قال: إذا أُمِرتم بالمعاصى فاهرُبوا؛ فإن أرضى واسعةٌ (١). [حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ، عن عطاءٍ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. قال: مُجانَبةُ أهلِ المعاصى. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾] (٢): فهاجِروا وجاهِدوا (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. فقلتُ: يريدُ بهذا مَن كان بمكةَ مِن المؤمنين؟ فقال: نعم (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: إن ما أُخْرِجُ مِن أرضى لكم مِن الرزق واسعٌ لكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنى زيدُ بنُ الحُبابِ، عن شَدَّادِ بن سعيدِ بنِ مالكٍ أبي طلحةَ الرَّاسِبيِّ، عن غَيْلَانَ بنِ جريرٍ المِعْوَلىِّ، عن مُطَرْفِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ العامِرِىِّ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. قال: إن رِزْقى لكم واسعٌ (٥).

стр. 12533

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [زيدُ بنُ حُبابٍ] (١)، عن شَدَّادٍ، عن غَيْلَانَ بنِ جريرٍ، عن مُطَرِّفٍ بنِ الشَّخِّيرِ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. قال: رِزْقى لكم واسعٌ. وأَولى القولَين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إن أرضى واسعةٌ، فاهرُبوا مِمَّن منَعكم مِن العملِ بطاعتى؛ لدلالةِ قولِه: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. على ذلك، وأن ذلك هو أظهرُ مَعْنَيَيْه (٢)، وذلك أن الأرضَ إذا وصفها بسَعَةٍ، فالغالبُ من وصفِه إياها بذلك أنها لا تَضِيقُ جميعُها على مَن ضاق عليه منها موضعٌ، لا أنه وصَفها بكثرةِ الخيرِ والخِصْبِ. وقولُه: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. يقولُ: فأخْلِصوا لي عبادتَكم وطاعتَكم، ولا تُطِيعوا في مَعصيتى أحدًا مِن خَلْقى. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحاب نبيِّه: هاجِرُوا مِن أرضِ الشركِ مِن مكةَ، إلى أرضِ الإسلامِ إلى (٣) المدينةِ؛ فإن أرضى واسعةٌ، فاصْبِروا على عبادتي، وأَخْلِصوا طاعتى، فإنكم مَيِّتون، وصائِرون إلىَّ؛ لأن كلَّ نفسٍ حيةٍ ذائقةُ الموتِ، ثم إلينا بعدَ الموتِ تُرَدُّون. ثم أخبَرهم جل ثناؤُه، عما أعَدَّ للصابرِين منهم على طاعتِه، من كرامتِه عندِه، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. يعنى: صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، فيما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعمِلوا بما أمَرهم اللهُ

стр. 12534

فأطاعوه فيه، وانتهوا عما نَهاهم عنه، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ يقولُ: لمُنْزِلَنَّهم مِن الجنةِ عَلَاليَّ. واختَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفييِّن: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ بالباءِ، وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ بالثاء: (لَنُثْوِيَنَّهُمْ) (١). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنهما قِراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصارِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصِيبٌ؛ وذلك أن قولَه: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾. من: بَوَّأْتُه مُنزِلًا، أي: أنزَلتُه، وكذلك: (لنُثْوِيَنَّهم)؛ إنما هو مِن: أثْويتُه مَسْكَنًا. إذا أَنزَلْتَه مُنزلًا، مِن الثَّواءِ، وهو المُقامُ. وقولُه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: تَجْرِى مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: ماكِثين فيها إلى غير نهايةٍ، ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. [يقولُ: نعمَ جزاءُ العامِلين] (٢) بطاعةِ اللهِ هذه الغُرَفُ التي يُثْوِيهُموها اللهُ فى جَنَّاتِهِ، تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ، ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذَى المشركين في الدنيا، وما كانوا يَلْقَون منهم، وعلى العملِ بطاعةِ اللهِ وما يُرْضِيه، وجهادِ أعدائِه، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. [يقولُ: وعلى ربِّهم يتوكلون] (٣) في أرْزاقِهم وجهادِ أعدائِهم، فلا يَنْكُلون (٤) عنهم؛ [ثقةً منهم] (٥) بأن اللهَ مُعْلِى كلمتِه، ومُوهِنُ كيدِ

стр. 12535

الكافرين، وأن ما قُسِم لهم من الرزقِ فلن يَفُوتَهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه من أصحابِ محمدٍ ﷺ : هاجِروا وجاهِدوا فى اللهِ، أيُّها المؤمنون -أعداءَه، ولا تَخافوا عَيْلةً ولا إِقْتارًا، فكم مِن دابةٍ ذاتِ حاجةٍ إلى غذاءٍ ومطعمٍ ومشربٍ لا تحملُ رزقَها، يعنى غذاءَها، لا تحمِلُه فترفَعُه في يومِها لغدِها؛ لعجزِها عن ذلك، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ يومًا بيومٍ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالِكم: نَخْشَى بفِراقِنا أوطانَنا العَيْلةَ. ﴿الْعَلِيمُ﴾ ما في أنفسِكم، وما إليه صائرٌ أمرُكم، وأمرُ عدوِّكم من إذْلالِ اللهِ إياهم (١)، ونُصْرتِكم عليهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِكم، لا يَخْفى عليه شيءٌ مِن أمورِ خلقِه. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾. قال: الطيرُ والبهائمُ لا تحمِلُ الرزقَ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ عِمْرانَ،

стр. 12536

عن أبى مِجْلَزٍ فى هذه الآيةِ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. قال: مِن الدوابِّ ما لا يستطيعُ أن يدَّخِرَ لَغَدٍ، يُوَفَّقُ لرزقِه كلَّ يومٍ حتى يموتَ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عليِّ بنِ الأقْمرِ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾. قال: لا تَدَّخِرُ شيئًا لغدٍ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن سألتَ يا محمدُ هؤلاء المشركين باللهِ: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فَسَوَّاهن، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لعبادِهِ، يَجْرِيان دائبَين لمصالحِ خلقِ اللهِ؟ لَيَقُولُنَّ: الذى خلَق ذلك وفَعَلَه اللهُ. ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فأَنَّى يُصْرَفون عمن صنَع ذلك، فيَعْدِلون عن إخلاصِ العبادةِ له. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. أى: يَعْدِلُونَ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يُوَسِّعُ مِن رزقِه لَمَن يشاءُ مِن خلقِه، ويُضَيِّقُ فَيُقَتِّرُ لمَن يشاءُ منهم. يقولُ: فأَرْزاقُكم وقِسْمتُها بينَكم، أيُّها الناسُ، يبَدِى دونَ كلِّ أحدٍ

стр. 12537

سِواى، أَبْسُطُ لمَن شئتُ منها، وأُقَتِّرُ على مَن شئتُ، فلا يُخَلِّفنَّكم عن الهجرةِ وجهادِ عدوِّكم خوفُ العَيْلةِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إِن اللهَ عليمٌ بمصالحِكم، ومَن لا [يَصْلُحُ له] (١) إلا البسطُ فى الرزقِ، ومَن لا يصلُحُ له إلا التَّقْتِيرُ عليه، وهو [العالمُ بكلِّ ذلك] (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ولئن سألتَ، يا محمدُ، هؤلاء المشركين باللهِ مِن قومِك: ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، وهو المطرُ الذي يُنْزِلُه اللهُ من السحابِ، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾. يقولُ: فأحْيَا بالماءِ الذى أنزَله (٣) من السماءِ الأرضَ. وإحْياؤُها: إنباتُه النباتَ فيها، ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾: مِن بعدِ جُدُوبِها وقُحُوطِها. وقولُه: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. يقولُ: ليَقُولُنَّ: الذي فعَل ذلك، اللهُ الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ. وقولُه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: وإذا قالوا ذلك فقُلْ: الحمدُ للهِ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: بل أكثرُ هؤلاء المشركين باللهِ لا يَعْقِلون ما لهم فيه النَّفْعُ مِن أمرِ دينِهم، وما فيه الضُّرُّ، فهم لجَهْلِهم يحسَبون أنهم لعبادتِهم الآلهةَ دونَ اللهِ، يَنالون بها عندَ اللهِ زُلْفةً وقُرْبةٌ، ولا يعلَمون أنهم بذلك هالِكون، مُسْتوجِبون الخلودَ في النارِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ

стр. 12538

الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما هذه الحيَاةُ الدنيا التي يتمتعُ منها هؤلاء المشركون ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾. يقولُ: إلا تعليلُ النفوسِ بما تَلْتَذُّ به، ثم هو مُنْقَضٍ عن قريبٍ، لا بقاءَ له ولا دوامَ، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، يقولُ: وإن الدارَ الآخرة لفيها الحياةُ الدائمةُ، التى لا زوالَ لها، ولا انقطاعَ ولا موتَ معها. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: حياةٌ لا موتَ فيها (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. قال: لا موتَ فيها (٢). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. يقولُ: باقيةٌ (٣). وقولُه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: لو كان هؤلاء المشركون يعلَمون أن ذلك كذلك، لقَصَّروا عن تكْذيبِهم باللهِ، وإشْراكِهم غيرَه في عبادتِه، ولكنهم لا يعلَمون ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾.

стр. 12539

يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا ركِب هؤلاء المشركون السفينةَ في البحرِ، فخافوا الغرَقَ والهلاكَ فيه، ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ: أخْلَصوا للهِ -عندَ الشِّدَّةِ التي نزلَت بهم- التوحيدَ، وأفْرَدوا له الطاعةَ، وأذْعَنوا له بالعبودةِ، ولم يَسْتَغِيثوا بآلهتِهم وأنْدادِهم، ولكن باللهِ الذى خَلَقَهم، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾. يقولُ: فلمَّا خَلَّصهم مما كانوا فيه وسَلَّمهم، فصاروا إلى البَرِّ، إذا هم يجعَلون مع اللهِ شريكًا في عبادتِهم، ويَدْعون الآلهةَ والأوثانَ معه أربابًا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾: فالخلقُ كلُّهم يُقِرُّون للهِ أنه ربُّهم، ثم يُشركون بعدَ ذلك (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما نجَّى اللهُ هؤلاء المشركين مما كانوا فيه في البحرِ من الخوفِ والحَذَرِ مِن الغَرَقِ إلى البَرِّ، إذا هم بعد أن صاروا إلى البَرِّ، يُشركون باللهِ الآلهة والأنْدادَ، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾. يقول: ليَجْحَدوا نعمةَ اللهِ التي أنعَمها عليهم في أنفسِهم وأموالِهم. ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾. اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بكسرِ "اللامِ"، بمعنى: وكي يَتَمَتَّعوا آتَيناهم ذلك (٢). وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيِّين: (وَلْيَتَمَتَّعُوا) بسكونِ "اللامِ"، على وَجْهِ الوعيدِ

стр. 12540

والتوبيخِ، أي: اكفُروا؛ فإنكم سوف تعلَمون ماذا تَلْقَون (١) مِن عذابِ اللهِ بكفرِكم (٢) به (٣). وأَولى القراءتين عندى فى ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بسكونِ "اللامِ" (٤) على وجهِ التهديدِ والوعيدِ، وذلك أن الذين قرَءوه بكسرِ "اللامِ" زعَموا أنهم إنما اخْتاروا كسرَها عطفًا بها على "اللامِ" التى فى قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾. وأن قولَه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾. لمّا كان معناه: كى يكفُروا كان الصوابُ في قولِه: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ أن يكونَ: وكى يَتَمتَّعوا، إذ كان عطفًا على قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾. عندَهم. وليس الذى (٥) ذهَبوا مِن ذلك بمذهبٍ، وذلك لأن "لامَ" قولِه: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾. صلُحت أن تكونَ بمعنى "كي"؛ لأنها شرطٌ لقولِه: إذا هم يُشركون باللهِ، كى يكفُروا بما آتيناهم من النِّعَمِ. وليس ذلك كذلك في قولِه: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾. لأن إشْراكَهم باللهِ كان كُفْرًا بنعمتِه، وليس إشْراكُهم به تَمَتُّعًا بالدنيا، وإن كان الإشْراكُ به يُسَهِّلُ لهم سبيلَ التَّمَتُّعِ بها، فإذ كان ذلك كذلك فتَوْجِيهُه إلى معنى الوعيدِ أَولى وأحقُّ مِن تَوْجِيهِه إلى معنى: وكي يَتَمتَّعوا. وبعدُ، فقد ذُكر أن ذلك فى قراءةِ أُبَيٍّ: (وَتَمَتَّعُوا) (٦). وذلك دليلٌ على صحةِ قراءةِ من قرَأه بسكونِ "اللامِ"، بمعنى الوعيدِ. وقولُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾، يقولُ تعالى ذكرُه مُذَكَّرًا هؤلاء

стр. 12541

المشركينِ مِن قريشٍ، القائلين: لولا أُنزِل عليه (١) آيةٌ مِن ربِّه- نِعْمَتَه عليهم، التي خَصَّهم بها دونَ سائرِ الناسِ غيرِهم، مع كفرِهم بنعمتِه، وإشْراكِهم في عبادتِه الآلهة والأنْدادَ: أولم يَرَ هؤلاء المشركون مِن قريشٍ، ما خَصَصْناهم به من نعمتِنا عليهم دونَ سائرِ عبادِنا، فيَشْكُرونا على ذلك، ويَنْزجِروا عن كفرِهم بنا، وإشْراكِهم ما لا ينفعُهم ولا يَضُرُّهم في عبادتِنا؛ ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدهم ﴿حَرَمًا﴾ حَرَّمْنا على الناس أن يدخُلوه بغارةٍ أو حربٍ، ﴿آمِنًا﴾ يأْمَنُ فيه من سكَنه، فأَوَى إليه، من السِّبَاءِ والخوفِ والحرامِ الذي لا يأمَنُه غيرُهم مِن النَّاسُ؟! ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. يقولُ: ويُسْلَبُ الناسُ مِن حولِهم قتلًا وسِبَاءً. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. قال: كان لهم في ذلك آيةٌ أن الناسَ يُغْزَون ويُتَخَطَّفون، وهم آمِنون (٢). وقولُه: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ﴾. يقولُ: أفبالشِّرْكِ باللهِ يُقرُّون بألُوهةِ الأوثانِ، بأن يُصَدِّقوا، وبنعمةِ اللهِ التى خَصَّهم بها، مِن أن جعَل بلدَهم حَرَمًا آمِنًا يكفُرون؟! يعنى بقولِه: ﴿يَكْفُرُونَ﴾. يَجْحَدون. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بالشِّرْكِ، ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. أي: يجحَدون (٣).

стр. 12542

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أظلمُ أيُّها الناسُ، ممن اختَلَق على اللهِ كَذِبًا؛ فقالوا إذا فعَلوا فاحشةً: وجَدنا عليها آباءَنا، واللهُ أمرَنا بها. واللهُ لا يأمُرُ بالفحشاءِ - ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾. يقولُ: أو كذَّب بما بعَث اللهُ به رسولُه محمدًا ﷺ مِن توحيدِه، والبراءةِ مِن الآلهةِ والأندادِ، لمّا جاءَه هذا الحقُّ مِن عِندِ اللهِ، ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: أليس فى النارِ مَثْوًى ومَسْكَنٌ لمن كفَر باللهِ وجَحَد توحيدَه وكذَّب رسولَه ﷺ . وهذا تقريرٌ وليس باستفهامِ، إنما هو كقولِ جريرٍ (١): ألسْتُم خَيْرَ مَن رَكِب المَطايا … وأنْدَى العالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ إنما أخبرَ أن للكافرين باللهِ مَسْكَنًا في النارِ، ومَنزِلًا يَثْوُون فيه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين قاتلَوا هؤلاء المُفْتَرِين على اللهِ كذبًا، من كفارِ قريشٍ، المُكذِّبين بالحقِّ لما جاءَهم- فينا، مُبْتَغين بقتالهم عُلُوَّ كلمتِنا، ونُصْرةَ دينِنا، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. يقولُ: لنُوَفِّقَنَّهم لإصابةِ الطُّرُقِ المستقيمةِ، وذلك إصابةُ دينِ اللهِ، الذى هو الإسلامُ، الذي بَعث اللهُ به محمدًا ﷺ ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: وإن اللهَ لمع مَن أحسَن مِن خلقِه، فجاهَد فيه أهلَ الشركِ، مُصَدِّقًا رسولَه فيما جاء به من عندِ اللهِ، بالعَوْنِ له والنُّصْرِةِ على مَن جَاهَد مِن أعدائِه.

стр. 12543

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾. فقلتُ له: قاتَلوا فينا؟ قال: نعم (١). آخرُ تفسيرِ سورةِ "العنكبوتِ"

стр. 12544

تفسيرُ "سورةِ الرومِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾. قال أبو جعفرٍ: قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ معنى قولِه: ﴿الم﴾. وذكَرنا ما فيه من أقوالِ أهلِ التأويلِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ. وقولُه: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. اختَلَفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بضمِّ الغينِ، بمعنى أن فارسَ غَلَبت الرومَ. ورُوى عن ابن عمرَ وأبى سعيدٍ في ذلك ما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الحسنِ الجُفْرِيِّ، عن سَلِيطٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقرأُ: (الم غَلَبَتِ الرُّومُ). فقيل له: يا أبا عبدِ الرحمنِ، على أيِّ شيءٍ غَلَبوا؟ قال: على ريفِ الشامِ (١) والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا الذى لا يجوزُ غيرُه: ﴿الم (١)

стр. 12545

غُلِبَتِ﴾ (١)، بضمِّ الغين؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: غَلَبت فارسُ الرومَ، ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: من أرضِ الشامِ إلى أرضِ فارسَ، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾. يقولُ: والرومُ من بعدِ غلبةِ فارسَ إياهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارسَ، ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ من قبلِ غلَبَتِهِم فارسَ، ومن بعدِ غلَبَتِهم إياها، يقضى فى خلقِه ما يشاءُ، ويحكُمُ ما يريدُ، ويُظهِرُ مَن شاء منهم على مَن أحبَّ إظهارَه عليه، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ:: ويومَ يغلِبُ الرومُ فارسَ يفرحُ المؤمنون باللهِ ورسولِه بنصرِ الله إياهم على المشركين، ونُصْرةِ الرومِ على فارسَ، ﴿يَنْصُرُ﴾ اللهُ تعالى ذكرُه ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من خلقِه على مَن يشاءُ، وهو نُصرةُ (٢) المؤمنين على المشركين ببدرٍ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. يقولُ: واللهُ الشديدُ فى انتقامِه من أعدائِه، لا يمنعُه من ذلك مانعٌ، ولا يَحولُ بينَه وبينَه حائلٌ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمَن تاب من خلقِه وراجَع طاعتَه أن يعذبَه. وبنحوِ الذى قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا [محمدُ بنُ أسعدَ، أبو سعيدٍ التغلبيُّ، الذي يقالُ له أبو سعيدٍ] (٣)؛ من أهلِ طَرَسُوسَ (٤)، قال: ثنا أبو إسحاقَ الفزاريُّ، عن سفيانَ بنِ سعيدٍ

стр. 12546

الثوريِّ، عن حبيبِ بن أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان المسلمون يحبُّون أن تَغلبِ الرومُ أهلُ الكتابِ، وكان المشركون يحبُّون أن يغلبَ أهلُ فارسَ؛ لأنهم أهلُ أوثانٍ. قال: فذكَروا ذلك لأبى بكرٍ، فذكَره أبو بكرٍ للنبيِّ ﷺ ، فقال: "أمَا إنهم سيَهزِمون". قال: فذكَر ذلك أبو بكرٍ للمشركين. قال: فقالوا: أفنجعلُ (١) بينَنا وبينَكم أجلًا، فإن غلَبوا كان لك كذا وكذا، وإن غلَبنا كان لنا كذا وكذا؟ قال: فجعَلوا بينَهم وبينَه أجلًا؛ خمسَ سنينَ. قال: فمضَت ولم يَغلِبوا. قال: فذكَر ذلك أبو بكرٍ للنبيِّ ﷺ ، فقال له: "أفلا جعَلتَه دونَ العَشْرِ". قال سعيدٌ: والبِضْعُ: ما دونَ العشرِ. قال: فغُلِب الرومُ، ثم غَلَبت. قال: فذلك قولُه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. قال: البِضْعُ: ما دونَ العشرِ. ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. قال سفيانُ: فبلَغني أنهم غَلَبوا يومَ بدرٍ (٢). حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا موسى بنُ هارونَ البرْدِيُّ، قال: ثنا معنُ بنُ عيسى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما نزَلت: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ الآية، ناحَب أبو بكرٍ قريشًا، ثم أتى النبيَّ ﷺ ، فقال له: إني قد

стр. 12547

ناحَبتُهم. فقال له النبيُّ ﷺ : "هَلَّا احْتَطْتَ؛ فإن البِضْعَ ما بينَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ". قال الجُمَحِيُّ: المناحبَةُ: المراهنةُ، وذلك قبلَ أن يكونَ تحريمُ ذلك (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. قال: قد مضى؛ كان ذلك في أهلِ فارسَ والرومِ، وكانت فارسُ قد غلَبَتهم، ثم غلَبت الرومُ بعدَ ذلك، ولقِي نبيُّ اللهِ ﷺ مشركي العربِ يومَ التقَت الرومُ وفارسُ، فنصَر اللهُ النبيَّ ﷺ ومَن معه من المسلمين على مشركي العربِ، ونصر أهلَ الكتابِ على مشركي العجمِ، ففرِح المؤمنون بنصرِ اللهِ إياهم، ونصرِ أهلِ الكتابِ على العجمِ. قال عطيةُ: فسأَلتُ أبا سعيدٍ الخُدْريَّ عن ذلك، فقال: التقَينا مع (٢) رسولِ اللهِ ﷺ ومشرِكى العربِ، والتقَت الرومُ وفارسُ، فنصَرنا اللهُ على مشرِكى العربِ، ونصَر اللهُ أهلَ الكتابِ على المجوسِ، ففرِحنا بنصرِ الله إيانا على المشركين، وفرِحنا بنصرِ اللهِ أهلَ الكتابِ على المجوسِ، فذلك قولُه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (٣). حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾: غَلَبتهم فارسُ، ثم غَلَبت الرومُ (٤).

стр. 12548

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: خمسٌ قد مضَين؛ الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشةُ، والقَمَرُ، والرُّومُ (١). حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: قد مضَى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: ذكَر غلَبَةَ فارس إياهم، وإدالةَ الرومِ على فارسَ، وفرِح المؤمنون بنصرِ الرومِ أهلِ الكتابِ على فارسَ من أهلِ الأوثانِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن عكرمةَ: أن الرومَ وفارسَ اقتتَلوا فى أدنى الأرضِ. قال: وأدنى الأرضِ يومَئذٍ أَذْرِعاتٌ (٣)، بها التقَوا فهُزِمت الرومُ، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ وأصحابَه، وهم بمكةَ، فشقَّ ذلك عليهم، وكان النبيُّ ﷺ يكرهُ أن يَظهرَ الأمِّيون من المجوسِ على أهلِ الكتابِ من الرومِ، وفرِح الكفارُ بمكةَ وشمِتوا، فلَقُوا أصحابَ النبيِّ ﷺ ، فقالوا: إنكم أهلُ كتابٍ، والنصارى أهلُ كتابٍ، ونحن أمِّيون، وقد ظهَر إخوانُنا من أهلِ

стр. 12549

فارسَ على إخوانِكم من أهلِ الكتاب، وإنكم إن قاتَلتمونا لنَظهرَن عليكم. فأنزَل اللهُ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ (١)﴾ الآيات، فخرَج أبو بكرٍ الصديقُ إلى الكفارِ، فقال: أفرِحتم بظهورِ إخوانِكم على إخوانِنا؟ فلا تَفْرَحوا، ولا يُقرَّنَّ اللهُ أعينَكم، فواللهِ لتظهرَنَّ الرومُ على فارسَ، أخبَرنا بذلك نبيُّنا ﷺ ، فقام إليه أُبَيُّ بنُ خلفٍ فقال: كذَبتَ يا أبا فُضَيلٍ. فقال له أبو بكرٍ ﵁: أنت أكذبُ يا عدوَّ اللهِ. فقال: أُنَاحِبُك (٢)؛ عشرُ قلائصَ (٣) منى، وعشرُ قلائصَ منك، فإن ظهَرت الرومُ على فارسَ غرِمتُ. وإن ظهَرت فارسُ (٤) غرِمتَ، إلى ثلاثِ سنينَ. ثم جاء أبو بكرٍ إلى النبي ﷺ فأخبَره، فقال: "ما هكذا ذكَرتُ، إنما البِضْعُ ما بينَ الثلاثِ إلى التسعِ. فزايِدْه في الخَطَرِ (٥)، ومادِّه (٦) في الأجلِ". فخرَج أبو بكرٍ، فلقِى أُبَيًّا، فقال: لعلك ندِمتَ؟ قال: لا، تعال أُزايِدْك فى الخطرِ، وأُمادَّك في الأجلِ، فاجعَلْها مائةَ قَلوصٍ [لمائةِ قلوصٍ] (٧)، إلى تسعِ سنينَ. قال: [قد فعلتُ] (٨). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمةَ. قال] (٩): كانت فى فارسَ امرأةٌ لا تَلِدُ إلا الملوكَ الأبطالَ، فدعاها كِسْرَى،

стр. 12550

فقال: إنى أُرِيدُ أن أَبْعَثَ إلى الرومِ جيشًا، وأستعمِلَ عليهم رجلًا من بَنيكِ، فَأَشِيرى على، أَيُّهم أستعمِلُ؟ فقالت: هذا فلانٌ، وهو أروغُ من ثعلبٍ، وأحذرُ من صقرٍ (١)، وهذا فَرُّحَانُ، وهو أنفذُ من سنانٍ، وهذا شَهْرَبرَازُ (٢)، وهو أحلمُ من كذا، فاستعمِلْ أيَّهم شئْتَ. قال: إني قد استعمَلتُ الحليمَ. فاستعمَل شَهْرَبَرَازَ (٢)، فسار إلى الرومِ بأهلِ فارسَ، وظهَر عليهم، فقتَلهم، وخرَّب مدائنَهم، وقطَّع زيتونَهم. قال أبو بكرٍ: فحدَّثتُ بهذا الحديثِ عطاءً الخراسانيَّ، فقال: أما رأيتَ بلادَ الشامِ؟ قلت: لا قال: أما إنك لو رأَيتَها (٣)، لرأَيتَ المدائنَ التي خُرِّبت، والزيتونَ الذي قُطِّع. فأتيتُ الشامَ بعد ذلك فرأيتُه. قال عطاءٌ الخراسانيُّ: ثني يحيى بنُ يَعْمَرَ: أن قيصرَ بعَث رجلًا يُدعَى قطمةَ بجيشٍ من الرومِ، وبعث كسرَى شهربرازَ (٢)، فالْتَقيا بأذْرِعاتٍ وبُصْرَى، وهي أدنى الشام إليكم، فلقِيَتْ فارسُ الرومَ، فغلَبتهم، فارسُ، ففرِح بذلك كفارُ قريشٍ، وكرِهه المسلمون، فأنزَل اللهُ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيات. ثم ذكَر مثلَ حديثِ عكرمةَ، وزاد: فلم يبرَحْ (٤) شهَربرازُ يَطَؤُهم، ويُخرِّبُ مدائنَهم، حتى بلَغ الخليجَ (٥)، ثم مات كسرَى، فبلَغهم، موتُه، فانهَزم شهرَبرازُ وأصحابُه، [وأُدِيلَتْ عليهم] (٦) الرومُ عندَ ذلك، فأَتْبَعوهم يَقْتُلونهم. قال: وقال عكرمةُ في حديثِه: لما ظهَرت فارسُ على الرومِ جلَس فرُّخانُ يشربُ، فقال لأصحابِه: لقد رأيتُ كأني

стр. 12551

جالسٌ على سريرِ كسرَى. فبلَغت كسرَى، فكتَب إلى شهرَبرازَ: إذا أتاك كتابى، فابعَثْ إليَّ برأسِ فَرُّخان، فكتَب إليه: أيُّها الملِكُ، إنك لن تَجِدَ مثلَ فَرُّحانَ، إن له نكايةً وصوتًا (١) في العدوِّ، فلا تَفْعَلْ. فكتَب إليه: إن فى رجالِ فارسَ خلفًا منه، فعجِّلْ إليَّ برأسِه. فراجَعه، فغضِب كسرَى فلم يُجِبْه، وبعَث [بريدًا إلى أهلِ] (٢) فارسَ: إنى قد نَزَعتُ عنكم شهرَبرازَ (٣)، واستعمَلتُ عليكم فرُّخانَ، ثم دفَع إلى البريدِ صحيفةً صغيرةً: إذا وَليَ فرُّخانُ الملْكَ، وانقادَ له أخوه، فأَعْطِه هذه (٤). فلما قرَأ شهرَبرازُ الكتابَ، قال: سمعًا وطاعةً. ونزَل عن سريرِه، وجلَس فَرُّخانُ، ودُفِع الصحيفةُ إليه، قال: ائتونى بشهرَبرازَ. فقدَّمه ليَضْرِبَ عنقَه، قال: لا تعجَلْ حتى أكتبَ وصيَّتى. قال: نعم. فدعا بالسَّفَطِ (٥)، فأعطاه ثلاثَ صحائف وقال: كلُّ هذا راجَعتُ فيك كسرَى، وأنت أردتَ أن تَقْتُلَنى بكتابٍ واحدٍ! فردَّ المُلكَ، وكتب شهرَبرازُ إلى قيصرَ ملكِ الرومِ: إن لى إليك حاجةَ لا تَحْمِلُها البُرُدُ (٦)، ولا تُبلِّغُها الصحفُ، فالْقَنى، ولا تَلْقَنى إلَّا فى خمسين روميًّا، فإنى ألقاك (٧) في خمسين فارسيًّا. فأقبَل قيصرُ فى خمسِمائة ألفِ روميٍّ، وجعَل يَضَعُ العيونَ بينَ

стр. 12552

يديه في الطريقِ، وخاف أن يكونَ قد مكَر به، حتى أتاه (١) عيونُه أن ليس معه إلَّا خَمْسون رجلًا، ثم بُسِط لهما، والتَقَيا في قبةِ ديباجٍ، ضُرِبت لهما، مع كلِّ واحدٍ منهما سِكِّينٌ، فدعَيا (٢) تُرْجُمانًا بينَهما، فقال شهرَبرازُ: إن الذين خرَّبوا مدائنَك (٣) أنا وأخى، بكيدِنا وشجاعتِنا، وإن كسرَى حسَدنا، فأراد أن أقتُلَ أخى فَأَبَيْتُ، ثم أمَر أخى أن يقتلَنى، فقد خلَعْناه (٤) جميعًا، فنحن نُقاتِلُه معك. فقال: قد أصَبتما، ثم أشار أحدُهما إلى صاحبِه أن السرَّ (٥) بينَ اثنينِ، فإذا جاوز اثنينِ فشا. قال: أجلْ. فقتَلا التُّرْجُمانَ جميعًا بسكينَيْهما، فأهلَك اللهُ كسرَى، وجاء الخبرُ إلى رسول الله ﷺ يومَ الحديبيةِ، ففرِح ومَن معه (٦). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. قال: غلبَتْهم (٧) فارسُ على أدنى الشامِ، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ الآية. قال: لما أنزَل اللهُ هؤلاء الآياتِ صدَّق المسلمون ربَّهم، وعلِموا أن الرومَ سيَظهَرون على فارسَ، فاقتَمَروا هم والمشركون؛ خمسَ قلائصَ خمسَ قلائصَ، وأَجَّلُوا بينَهم خمسَ سنين، فوَلِى قِمارَ المسلمين أبو بكرٍ ﵁، وولِى قِمارَ المشركين [أُبَيُّ بنُ خلفٍ؛ وذلك قبلَ أن يُنْهَى عن القمارِ، فحلَّ الأجلُ، ولم تَظْهَرِ الرومُ على فارسَ، وسأَل المشركون قِمارَهم] (٨)، فذكَر ذلك أصحابُ النبيِّ

стр. 12553

للنبيِّ (١) ﷺ ، فقال: "لم يكونوا (٢) أحِقَّاءَ أن يُؤَجِّلوا (٣) دونَ العشرِ؛ فإن البِضعَ ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ، وزايِدوهم فى القمارِ، ومادُّوهم فى الأجلِ". ففعَلوا ذلك، فأظهَر اللهُ الرومَ على فارسَ عندَ رأسِ البضعِ سنين من قمارِهم الأولِ، وكان ذلك مرجِعَه من الحديبيةِ، ففرح المسلمون بصلحِهم الذى كان، وبظهورِ أهلِ الكتابِ على المجوسِ، وكان ذلك مما شدَّد اللهُ به الإسلامَ، وهو قولُه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ الآية (٤). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال: كان النبىُّ ﷺ أخبَر الناسَ بمكةَ أن الروم ستَغْلِبُ، قال: فنزَل القرآنُ بذلك، قال: وكان المسلمون يُحِبُّون ظهورَ الرومِ على فارسَ؛ لأنهم أهلُ الكتابِ (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: كان فارسُ ظاهرًا على الرومِ، [وكان المشركون يُحبُّون أن تظهرَ فارسُ على الرومِ، وكان المسلمون يُحبُّون أن تظهر الرومُ] (٦) على فارسَ؛ لأنهم أهلُ كتابٍ، وهم أقربُ إلى دينِهم، فلما نزَلتْ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. قالوا: يا أبا بكرٍ: إن صاحبَك يقولُ: إن الرومَ تَظهرُ على فارسَ في بضعِ سنين! قال: صدَق. قالوا: هل لك أن تُقامِرَك؟ فبايَعوه على أربعِ قلائصَ

стр. 12554

إلى سبعِ سنين، فمضَت السبعُ ولم يَكُنْ شيءٌ، ففرِح المشركون بذلك. وشقَّ على المسلمين، فذكَروا ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: "ما بضعُ سِنِينَ عندَكم؟ قالوا: دونَ العشرِ. قال: "اذْهَبْ فزايِدْهم وازدَدْ سنتَينِ". قال: فما مضَت السنتانِ، حتى جاءت الركبانُ بظهورِ الرومِ على فارسَ، ففرح المسلمون بذلك، وأنزَل اللهُ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ وفِطْرٍ، عن أبى الضُّحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ قال: مضَتِ الرومُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. [قال: أدنى الأرضِ] (٣) الشَّامُ، ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾. قال: كانت فارسُ قد غلَبت الرومَ، ثم أُدِيلَ الرومُ على فارسَ، وذُكِر أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إن الرومَ ستَغلِبُ فارسَ". فقال المشركون: هذا مما يَتَخَرَّصُ (٤) محمدٌ. فقال أبو بكرٍ: تُناحِبونني؟ - والمناحبةُ: المُجاعَلةُ - قالوا: نعم. فناحَبهم أبو بكرٍ، فجعَل السنينَ أربعًا أو خمسًا، ثم جاء إلى النبيِّ ﷺ فأخبَره (٥) فقال له (٦) رسولُ اللهِ ﷺ : "إن البضعَ فيما بينَ الثلاثِ إلى التسعِ، فارجِعْ إلى القوم، فزِدْ فى المناحبةِ". فرجَع إليهم، فقالوا، فناحَبهم وزاد (٧). قال: فغلَبت الرومُ، فارسَ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ

стр. 12555

الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾: يوم أُديلَت الرومُ على فارسَ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ عمرٍو، عن أبي إسحاقَ الفزاريِّ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي عمرةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾. قال: غُلِبت وغَلَبت (١). وأما الذين قرءُوا ذلك: (غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتحِ الغينِ، فإنهم قالوا: نزلت هذه الآيةُ خبرًا من اللهِ نبيَّه ﷺ عن غَلَبَةِ الرومِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن سليمانَ -يعنى الأعمشَ- عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ (٢) ظَهَر الرومُ على فارسَ، فأعجَب ذلك المؤمنين، فنزَلت: (الم غَلَبَتِ الرُّومُ): على فارسَ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن سليمانَ، عن عطيةَ، عن أبى سعيدٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ، غَلَبت الرومُ على فارسَ، ففرِح المسلمون بذلك، فأنزَل اللهُ: (الم غَلَبَتِ الرُّومُ)، إلى آخرِ الآيةِ. حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن

стр. 12556

الأعمشِ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: لما كان [يومُ بدرٍ] (١)، ظهَرت الرومُ على فارسَ، فأعجَب ذلك المؤمنين؛ لأنهم أهلُ كتابٍ، فأنزَل اللهُ: (الم. غَلَبت الرومُ فى أدنى الأرض). قال: كانوا قد غُلبوا قبلَ ذلك. ثم قرَأ حتى بلَغ: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. وقولُه: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. قد ذكَرتُ قولَ بعضِهم فيما تقدَّم قبلُ، وأَذْكُرُ قولَ مَن لم يُذْكَرْ قولُه. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. يقولُ: فى طَرَفِ الشَّامِ (٢). ومعنى قولِه: ﴿أَدْنَى﴾: أقربُ، وهو أفعَلُ من الدنوِّ والقربِ. وإنما معناه: في أدنى الأرضِ من فارسَ، فترَك ذكرَ فارسَ استغناءً بدلالةِ ما ظهَر من قولِه: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ عليه منه. وقولُه: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾. يقولُ: والرومُ من بعدِ غَلَبةِ فارسَ إياهم، سيَغْلِبون فارسَ. وقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾. مصدرٌ، من قولِ القائلِ: غَلَبْتُه غَلَبَةً. فحُذِفت الهاءُ من الغَلَبَةِ. وقيل: من بعدِ غَلَبِهم. ولم يُقَلْ: من بعدِ غَلَبَتِهم للإضافةِ، كما حُذِفت من قولِه: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: ٣٧]. للإضافة. وإنما الكلامُ: وإقامةِ الصلاةِ.

стр. 12557

وأما قولُه: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾. فإن القرَأةَ أجمعينَ على فتحِ الياءِ فيها، والواجبُ على قراءةِ مَن قرَأ (الم غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتحِ الغينِ، أن يَقْرَأَ قولَه: (سَيُغْلَبُونَ) بضمِّ الياءِ (١)، فيَكونَ معناه: وهم من بعدِ غلبتِهم فارسَ، سيَغْلِبُهم المسلمون؛ حتى يَصِحَّ معنى الكلامِ، وإلا لم يَكُنْ للكلامِ كبيرُ معنًى إن فُتِحت الياءُ؛ لأن الخبرَ عما قد كان يصيرُ إلى الخبرِ عن أنه سيكونُ، وذلك إفسادُ أحدِ الخبرَينِ بالآخرِ. وقولُه: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. قد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في معنى "البِضعِ" فيما مضَى، [وأتَيْنا على] (٢) الصحيحِ من أقوالِهم، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣). وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا خلادُ بنُ مسلمٍ الصّفارُ، عن عبدِ اللهِ بنِ عيسى، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ ابن عمرٍو، قال: قلتُ له: ما البضعُ؟ قال: زعم أهلُ الكتابِ أنه تسعٌ أو سبعٌ (٤). وأما قولُه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. فإن القاسمَ حدَّثنا، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ من قبلِ دولةِ فارسَ على الرومِ، [و [من بعدِ دولةِ] (٥) الرومِ] (٦) على فارسَ (٧).

стр. 12558

وأما قولُه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾. فقد ذكَرْنا الروايةَ في تأويلِه قبلُ، وبيَّنا معناه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وعْدَ اللهِ جلَّ ثناؤُه؛ وعَد أن الرومَ ستَغْلِبُ فارسَ من بعدِ غَلَبَةِ فارس لهم. ونُصِب ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ على المصدرِ من قولِه: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾؛ لأن ذلك وعدٌ من اللهِ لهم أنهم سيَغْلِبون، فكأنه قال: وعَد اللهُ ذلك المؤمنين وعدًا، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِن اللهَ يَفِى بوعدِه للمؤمنين أن الرومَ سَيغْلِبون فارسَ، لا يُخلِفُهم وعدَه ذلك؛ لأنه ليس في مواعيدِه خُلفٌ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ قريشٍ الذين يُكَذِّبون بأن اللهَ منجزٌ وعدَه المؤمنين من أن الرومَ تَغْلِبُ فارسَ -لا يَعْلَمون أن ذلك كذلك، وأنه لا يَجوزُ أن يَكونَ في وعدِ اللهِ إخلافٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يعلمُ هؤلاء المكذِّبون بحقيقةِ خبرِ اللهِ أن الرومَ ستَغْلِبُ فارسَ- ﴿ظَاهِرًا﴾ مِن أمرِ (١) حياتِهم الدنيا وتدبيرِ (٢) معايشِهم فيها، وما يُصْلِحُهم، رهم عن أمرِ آخرتِهم، وما لهم فيه النجاةُ من عقابِ (٣) اللهِ هنالك غافلون، لا يُفَكِّرون فيه.

стр. 12559

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ يحيى بنُ واضحٍ الأنصاريُّ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: ثنا يزيدُ النحويُّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. [يعنى: معايشَهم؛ متى يحصُدون، ومتى يغرِسون (١). حدَّثني أحمد بنُ الوليدِ الرمليُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ عثمانَ بنِ عمرَ، عن عاصمِ ابنِ عليٍّ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، قال: ثنا ابنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾] (٢). قال: متى يَزْرعون، متى يَغْرِسون. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى شَرَقيٌّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: هو السرَّاجُ أو نحوُه (٣). حدَّثنا أبو هريرةَ محمدُ بنُ فِراسٍ الضُّبَعِيُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن شَرَقيٍّ، عن عكرِمةَ فى قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: السرَّاجون. حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرمليُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا شعبةُ،

стр. 12560

عن شَرَقيٍّ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: الخرَّازون والسرَّاجون. حدَّثنا بشرٌ بنُ آدمَ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: معايشَهم، وما يُصْلِحُهم. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مخلدٍ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ؛ وعن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. [قال: معايشَهم. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾] (١). يعنى: الكفارُ، يعرفون عُمرانَ الدنيا، وهم فى أمرِ الدِّينِ جُهَّالٌ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: معايشَهم، وما يصلحُهم (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا

стр. 12561

مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: من حرفتِها وتصرُّفِها (١) وبُغْيتِها، ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ (٣)، قال: يَعْلَمون متى زرعُهم، ومتى حصادُهم (٤). قال: ثنا حفصُ بنُ راشدٍ الهلاليُّ، عن شعبةَ، عن شَرَقيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: السَّرَّاجُ ونحوُه (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: صرفَها في معيشتِها. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال: تَسْتَرِقُ الشياطينُ السمعَ، فيَسْمَعون الكلمةَ التي قد نزَلت، يَنْبَغى لها أن تكونَ في الأرضِ. قال: ويُرْمون بالشهُبِ، فلا يَنْجو أن يَحترِقَ، أو يُصيبَه شرٌّ (٦) منه. قال: فيَسْقُطُ (٧) فلا يَعودُ (٨) أبدًا. قال: ويَرْمى بذاك الذي سمِع إلى أوليائِه من الإنسِ. قال:

стр. 12562

فيَحْمِلون عليه ألفَ كَذْبةٍ. قال: فما رأَيتَ الناسَ يقولون: يكونُ كذا وكذا. قال: فيَجِيءُ الصحيحُ منه، كما يقولون، الذي سمِعوه في (١) السماءِ، وبقيَّتُه (٢) من الكذبِ الذي يخوضون فيه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يتفكَّرْ هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ يا محمدُ من قومِك، فى خلقِ اللهِ إياهم، وأنه خلَقهم ولم يَكونوا شيئًا، ثم صرَفهم أحوالًا وتاراتٍ، حتى صاروا رجالًا؛ فيَعْلَموا أن الذي فعل ذلك قادرٌ أن يُعيدَهم بعدَ فنائِهم خلقًا جديدًا، ثم يُجازىَ المحسنَ منهم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، لا يَظْلِمُ أحدًا منهم فيُعَاقِبَه بجُرمِ غيرِه، ولا يَحرِمُ أحدًا منهم جزاءَ عملِه؛ لأنه العدلُ الذى لا يجورُ، ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ إلا بالعدلِ وإقامةِ الحقِّ (٤)، ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: وبأجلٍ مُؤقَّتٍ مُسَمًّى، إذا بلَغَتْ ذلك الوقتَ، أفنَى ذلك كلَّه، وبدَّل الأرضَ غيرَ الأرضِ والسماواتِ، وبَرزوا للهِ الواحدِ القهَّارِ، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ جاحِدون مُنكِرون (٥) -جهلًا منهم- بأن معادَهم إلى اللهِ بعدَ فنائِهم، وغفلةً منهم عن الآخرةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ

стр. 12563

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يَسِرْ (١) هؤلاء المكذِّبون باللهِ الغافِلون عن الآخرةِ من قريشٍ، في البلادِ التي يسلُكُونها (٢) تَجْرًا (٣)، فينظُروا إلى آثارِ اللهِ فِيمَن كان قبلَهم من الأممِ المكذبةِ، كيف كانت عاقبةُ أمرِها في تكذيبِها رسلَها؛ فقد كانوا أشدَّ منهم قوَّةً، ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾. يقولُ: واستخرَجوا الأرضَ وحرَثوها، وعمَروها أكثرَ مما عمرَ هؤلاء، فأهلَكهم اللهُ بكفرِهم وتكذيبِهم رسلَهم، فلم يَقْدِروا على الامتناعِ، مع شدَّةِ قُواهم، مما نزَل بهم من عقابِ اللهِ، ولا نفَعَتهم عمارتُهم ما عمَروا من الأرضِ، إذ جاءتهم رسلُهم بالبيناتِ من الآياتِ، فكذبوهم، فأحلَّ اللهُ بهم بأسَه، فما كان اللهُ ليَظْلِمَهم بعقابِه إياهم على تكذيبِهم رسلَه وجحودِهم آياتِه، ولكن كانوا أنفسَهم يَظْلِمون بمعصيتِهم ربَّهم. وبنحوِ الذى قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾.

стр. 12564

قال: مُلِّكوا الأرضَ وعمروها. حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾. قال: حرَّثوها (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا في الْأَرْضِ﴾. إلى قوله: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا﴾، كقوله: ﴿وَآثَارًا فِي] (٢) الْأَرْضِ﴾ [غافر: ٢١]. وقولُه: ﴿وَعَمَرُوهَا﴾: أكثَرَ مما عمَر هؤلاء، ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ثم كان آخرَ أمرٍ مَن كفّر من هؤلاء الذين أثاروا الأرضَ وعمروها، وجاءتهم رسلهم بالبيناتِ، بالله وكذَّبوا رسلَه، فأساءوا بذلك من فعليهمِ ﴿السُّوأَى﴾. يعنى: الخَلَّةُ التى هى أسوأُ من فعلِهم؛ أما في الدنيا فالبوارُ والهلاكُ، وأمَّا في الآخرة فالنارُ، لا يُخْرَجون منها ولا هم يُستعتَبون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ

стр. 12565

الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾: [الذين أشركوا، ﴿السُّوأَى﴾] (١). أي: النارُ (٢). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن علي، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾. يقولُ: الذين كفروا جزاؤهم العذاب (٣). وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: السُّوأَى في هذا الموضع مصدرٌ، مثل: البُقْوَى (٤). وخالفه في ذلك غيرُه فقال: هي اسمٌ. وقوله: ﴿أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يقولُ: كانت لهم السُّوأَى؛ لأنهم كذَّبوا في الدنيا بآياتِ اللَّهِ، ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ﴾. يقولُ: وكانوا بحُجَجِ اللَّهِ، وهم أنبياؤُه ورسله، يَسْخَرون. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدُؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الله تعالى يَبْدَأُ إنشاءَ جميع الخلقِ مُنْفَرِدًا بإنشائه من غيرِ شريكٍ ولا ظهيرٍ، فيُحْدِثُه من غير شيءٍ، بل بقدرته ، ثم يُعيده خلقا جديدا بعد إفنائه وإعدامه (٥)، كما بدأه خلقا سَوِيًّا ولم يك شيئًا، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: ثم إليه من بعد إعادتهم خَلْقًا جديدًا يُرَدُّون، فيُحْشَرون لفصلِ القضاء بينَهم، و ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا

стр. 12566

بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ويومَ تجِيءُ الساعةُ التي فيها يفصِلُ الله بين خلقِه، ويَنْشُرُ فيها الموتَى من قبورهم، فيحشُرُهم إلى مَوْقِفِ الحسابِ، ﴿يُلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾. يقولُ: يَيْأَسُ الذين أشركوا بالله، واكتسبوا في الدنيا مساوئَ الأعمال من كلِّ شَرٍّ (١)، ويكتئبون ويتندَّمون، كما قال العجاج (٢): يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا قال نَعَمْ أعْرِفُه وأبلَسا (٣) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُبْلِسُ﴾. قال: يكتئِبُ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أي في النارِ.

стр. 12567

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال: المُبْلِسُ: الذي قد نزل به الشرُّ. إذا أبلَس الرجلُ، فقد نزل به بلاءٌ. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ويوم تقومُ الساعةُ لم (١) يكُنْ لهؤلاء المجرمين الذين وصف جلَّ ثناؤه صفتهم، من شركائهم الذين كانوا يتَّبِعونَهم، على ما دَعوهم إليه من الضلالة، فيُشاركونهم في الكفرِ بالله، والمعاونة على أذَى رُسُلِه، ﴿شُفَعَاءُ﴾ يشفعون لهم عندَ اللهِ، فيستنقذوهم من عذابه، ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾. يقولُ: وكانوا بشركائهم في الضلالة، والمعاونة في الدنيا على أولياء الله، كافرين؛ يجحدون ولايتهم، ويتبرعون منهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧]. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويوم تجيءُ الساعةُ التي يُحشَرُ فيها الخلق إلى اللَّهِ، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. يقولُ: في ذلك اليوم ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾. يعنى: يتفرَّقُ أهلُ الإيمان بالله، وأهل الكفر به؛ فأما أهل الإيمان، فيُؤخَذُ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأما أهل الكفر فيُؤخَذُ ذاتَ الشمال إلى النارِ، فهنالك يَميزُ اللَّهُ الخَبيثَ من الطيب.

стр. 12568

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾. قال: فُرقة والله لا اجتماع بعدها (١). ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بالله ورسوله، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه، ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. يقولُ: فهم في الرياحين والنباتات (٢) الملتفَّةِ، وبين أنواع الزهرِ في الجنانِ، يُسَرُّون، ويُلَذَّذون بالسماع، وطيب العيش الهنيِّ. وإنما خَصَّ جلَّ ثناؤه ذكرَ الروضة في هذا الموضع؛ لأنَّه لم يكن عند الطرفين أحسنُ منظرًا، ولا أطيبُ نَشْرًا (٣) من الرياض، ويدلُّ على أن ذلك كذلك، قولُ أعشَى بنى ثعلبة (٤): ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ (٥) مُعْشِبَةٌ … خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ (٦) يُضَاحِكُ الشَّمسَ مِنهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ … مُؤَذِّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ (٧)

стр. 12569

يَوْمًا بأطْيَبَ مِنْها نَشْرَ رائحَةٍ … ولَا بِأَحْسَنَ مِنْها إِذ دَنا الأُصُلُ (١) فأعلمهم بذلك تعالى، أن الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، من المنظر الأنيقِ، واللذيذِ من الأرابيح، والعيشِ الهنيِّ، فيما يُحبون، ويُسَرُّون به، ويُغبَطون عليه. والحَبَّرةُ عند العرب: السرورُ والغبْطَةُ. قال العجاج (٢): فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَى الخَبَرْ … مَوالِىَ الحَقِّ إن المَوْلى شَكَرْ (٣) واختلَف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: فهُم في روضة يُكرمون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. قال: يُكرمون (٤). وقال آخرون: معناه: يُنعَّمون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 12570

في قوله: ﴿يُحْبَرُونَ﴾. قال: يُنعَّمون (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. قال: يُنعَّمون (٢). وقال آخرون: يُلذَّذون بالسماعِ والغناءِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ (٣)، قال: ثنى عامرُ بنُ يِسافٍ، قال: سألتُ يحيَى بن أبي كثير عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. قال: الحَبْرَةُ: اللَّذَّة والسماعُ (٤). حدَّثنا عبيد الله بن محمد الفريابيُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ بن ربيعةَ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبى كثير في قوله: ﴿يُحْبَرُونَ﴾. قال: السماعُ في الجنةِ (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن الأوزاعي، عن يحيى بنِ أبى كثيرٍ مثلَه.
следующие страницы →