بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ويومَ تجِيءُ الساعةُ التي فيها يفصِلُ الله بين خلقِه، ويَنْشُرُ فيها الموتَى من قبورهم، فيحشُرُهم إلى مَوْقِفِ الحسابِ، ﴿يُلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾. يقولُ: يَيْأَسُ الذين أشركوا بالله، واكتسبوا في الدنيا مساوئَ الأعمال من كلِّ شَرٍّ (١)، ويكتئبون ويتندَّمون، كما قال العجاج (٢):
يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا
قال نَعَمْ أعْرِفُه وأبلَسا (٣)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُبْلِسُ﴾. قال: يكتئِبُ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أي في النارِ.
стр. 12567
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال: المُبْلِسُ: الذي قد نزل به الشرُّ. إذا أبلَس الرجلُ، فقد نزل به بلاءٌ.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ويوم تقومُ الساعةُ لم (١) يكُنْ لهؤلاء المجرمين الذين وصف جلَّ ثناؤه صفتهم، من شركائهم الذين كانوا يتَّبِعونَهم، على ما دَعوهم إليه من الضلالة، فيُشاركونهم في الكفرِ بالله، والمعاونة على أذَى رُسُلِه، ﴿شُفَعَاءُ﴾ يشفعون لهم عندَ اللهِ، فيستنقذوهم من عذابه، ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾. يقولُ: وكانوا بشركائهم في الضلالة، والمعاونة في الدنيا على أولياء الله، كافرين؛ يجحدون ولايتهم، ويتبرعون منهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧].
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويوم تجيءُ الساعةُ التي يُحشَرُ فيها الخلق إلى اللَّهِ، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. يقولُ: في ذلك اليوم ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾. يعنى: يتفرَّقُ أهلُ الإيمان بالله، وأهل الكفر به؛ فأما أهل الإيمان، فيُؤخَذُ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأما أهل الكفر فيُؤخَذُ ذاتَ الشمال إلى النارِ، فهنالك يَميزُ اللَّهُ الخَبيثَ من الطيب.
стр. 12568
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾. قال: فُرقة والله لا اجتماع بعدها (١).
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بالله ورسوله، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه، ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. يقولُ: فهم في الرياحين والنباتات (٢) الملتفَّةِ، وبين أنواع الزهرِ في الجنانِ، يُسَرُّون، ويُلَذَّذون بالسماع، وطيب العيش الهنيِّ. وإنما خَصَّ جلَّ ثناؤه ذكرَ الروضة في هذا الموضع؛ لأنَّه لم يكن عند الطرفين أحسنُ منظرًا، ولا أطيبُ نَشْرًا (٣) من الرياض، ويدلُّ على أن ذلك كذلك، قولُ أعشَى بنى ثعلبة (٤):
ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ (٥) مُعْشِبَةٌ … خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ (٦)
يُضَاحِكُ الشَّمسَ مِنهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ … مُؤَذِّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ (٧)
стр. 12569
يَوْمًا بأطْيَبَ مِنْها نَشْرَ رائحَةٍ … ولَا بِأَحْسَنَ مِنْها إِذ دَنا الأُصُلُ (١)
فأعلمهم بذلك تعالى، أن الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، من المنظر الأنيقِ، واللذيذِ من الأرابيح، والعيشِ الهنيِّ، فيما يُحبون، ويُسَرُّون به، ويُغبَطون عليه. والحَبَّرةُ عند العرب: السرورُ والغبْطَةُ. قال العجاج (٢):
فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَى الخَبَرْ … مَوالِىَ الحَقِّ إن المَوْلى شَكَرْ (٣)
واختلَف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: فهُم في روضة يُكرمون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. قال: يُكرمون (٤).
وقال آخرون: معناه: يُنعَّمون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 12570
في قوله: ﴿يُحْبَرُونَ﴾. قال: يُنعَّمون (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. قال: يُنعَّمون (٢).
وقال آخرون: يُلذَّذون بالسماعِ والغناءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ (٣)، قال: ثنى عامرُ بنُ يِسافٍ، قال: سألتُ يحيَى بن أبي كثير عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾. قال: الحَبْرَةُ: اللَّذَّة والسماعُ (٤).
حدَّثنا عبيد الله بن محمد الفريابيُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ بن ربيعةَ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبى كثير في قوله: ﴿يُحْبَرُونَ﴾. قال: السماعُ في الجنةِ (٥).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن الأوزاعي، عن يحيى بنِ أبى كثيرٍ مثلَه.
стр. 12571
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عامرِ بنِ يسافٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ مثله (١).
وكلُّ هذه الألفاظ التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه، تعود إلى معنى ما قلنا.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأما الذين جحَدوا توحيدَ اللَّهِ، وكذَّبوا رسلَه، وأنكروا البعثَ بعدَ المماتِ، والنشور للدار الآخرة، فأولئك في عذابِ اللَّهِ مُحضَرونَ، وقد أحضَرهم الله إياها، فجمعهم فيها، ليَذُوقوا العذاب، الذي كانوا به (٢) في الدنيا يكذِّبون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فسبِّحوا الله أيها الناسُ: أي صَلُّوا له حين تُمْسون؛ وذلك صلاة المغرب، وحين تُصبحون؛ وذلك صلاة الصبح، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: وله الحمدُ من جميع خلْقِه، دونَ غيره، في السماوات؛ من سكَّانها من الملائكة، والأرض؛ من أهلها من جميع أصناف خلقه فيها، ﴿وَعَشِيًّا﴾. يقولُ: وسَبْحوه أيضًا عشيًّا، وذلك صلاة العصرٍ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾. يقول: وحين تَدْخُلون في وقتِ الظهْرِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 12572
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبى رَزين، قال: سأل نافعُ بنُ الأَزرَقِ ابن عباسٍ: [هل تجِدُ] (١) ميقاتَ الصلواتِ (٢) الخمس في كتابِ اللَّهِ؟ قال: نعم؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الفجرُ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: الظهر. قال: ﴿وَمِن بَعدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتِ لَكُمْ﴾ (٣) [النور: ٥٨].
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزينٍ، قال: سأل نافع بنُ الأَزرَقِ ابن عباس عن الصلوات الخمس في القرآن، قال: نعَم. فقرأ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾. قال: صلاة المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾. قال: صلاة الصبحِ، ﴿وَعَشِيًّا﴾. قال: صلاة العصرِ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: صلاة الظهر. ثم قرأ: ﴿وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ (٤).
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، عن الحكمِ عن (٥) أبي عياضٍ، عن ابن عباس، قال: جمَعتْ هاتان الآيتان مواقيت الصلاةِ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾. قال: المغربُ والعشاءُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الفجرُ،
стр. 12573
﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: الظهرُ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن الحكمٍ، عن أبى عياض، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.
حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ليث، عن الحكمِ، عن أبى عياضٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾. قال: جمعت الصلواتِ؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغربُ والعشاءُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: صلاةُ الصبحِ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: صلاة الظهر (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاق بن سليمان الرازيُّ، عن أبي سنانٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب والعشاء، ﴿وحين تُصْبِحُونَ﴾: الفجرُ، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصر، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: الظهرُ، وكلُّ سجَدة في القرآن فهي صلاةٌ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: الصلاةِ المغربِ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الصلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾: لصلاةِ العصرِ، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: صلاة الظهرِ، أربعُ صلواتٍ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِ اللَّهِ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ
стр. 12574
وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾. قال: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾: صلاة المغرب، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: صلاةُ الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾: صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظهِرُونَ﴾: صلاةُ الظهرِ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: صَلُّوا في هذه الأوقاتِ التي أمركم بالصلاة فيها، أيها الناسُ للَّهِ الذى يُخرج الحيَّ من الميِّتِ؛ وهو الإنسان الحى من الماء الميت، ويُخْرِجُ الماء الميِّتَ من الإنسانِ الحيِّ، ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ فيُنبتُها، ويُخرِجُ زَرْعَها بعدَ خرابها وجدوبها، ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. يقولُ: كما يُحيى الأرض بعدَ موتِها، فيُخرِجُ نباتها وزَرْعَها، كذلك يُحييكم من بعد مماتكم، فيُخرِجُكم أحياءً من قبورِكم، إلى مَوْقِفِ الحسابِ.
وقد بيَّنا فيما مضى قبل تأويل قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. وذكرنا اختلاف أهلِ التأويل فيه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضعِ (١)، غيرَ أنا نذكُرُ بعضَ ما لم نذكُرْ من الخبرِ هنالِك إن شاءَ اللهُ.
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: يُخْرِجُ من الإنسانِ ماءً مَيِّتًا، فيخلُقُ منه بشرًا، فذلك الميت من الحيِّ، ويُخرِج الحيَّ من الميِّت، فيعنى بذلك أنه يخلُقُ من الماء بشرًا، فذلك الحى من الميِّتِ (٢).
стр. 12575
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قولَه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: المؤمنَ من الكافر، والكافرَ من المؤمن (١).
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير وأبو معاويةَ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿ويُخرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: النُّطْفَةَ مِنْ (٢) الرجل مَيِّتةً وهو حتى، ويُخْرِجُ الرجل منها حَيًّا وهي ميتةٌ (٣).
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ومن حُجَجه على أنه القادِرُ على ما يشاءُ أيها الناسُ، من إنشاء وإفناء، وإيجاد وإعدامٍ، وأن كلَّ موجود فخلقُه- [خَلْقُهُ إِيَّاكم] (٤) من تراب. يعنى بذلك خَلْقَ آدم [من ترابٍ] (٥)، فوصَفهم بأنه خلَقهم من ترابٍ، إذ كان ذلك فِعله بأبيهم آدم، كنحوِ الذى قد بينا فيما مضى من خطاب العربِ مَن خَاطَبَتْ بما فعلت بسلفه؛ من قولهم: فعلنا بكم وفعلنا (٦).
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾. يقولُ: ثم إذا أنتم معشرَ ذُريَّةِ من خلَقناه مِنْ ترابٍ، ﴿بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾. يقولُ: تتصرّفون.
стр. 12576
وبنحوِ الذى قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾: خلق آدم ﷺ مع من ترابٍ، ﴿ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾. يعني ذُريَّتَه (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجه وأدلته على ذلك أيضًا خَلْقُه لأبيكم آدمَ مِن نفسه زوجةً؛ ليسكُن إليها. وذلك أنه خلق حوّاءَ مِن ضِلَعِ مِن أضلاعِ آدم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾: خلقها لكم مِن ضِلَعِ مِن أضلاعه (٢).
وقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. يقولُ: وجعل بينكم بالمصاهرة والخُتونةِ مودّةً تتوادُّون بها، وتتواصلون من أجلها، ورحمة رحمكم بها، فعطَّف بعضكم بذلك على بعض، ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إن في فعلِه ذلك لعِبرًا وعظاتٍ لقوم يتفكرون (٣) في حجج الله وأدلتِه، فيعلمون أنه الإله الذى لا يُعجزه شيء أرادَه، ولا يتعذَّرُ عليه فعلُ شيءٍ
стр. 12577
شاءَه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾.
يقولُ تعالَى ذِكرُه: ومِن حُججِه أيضًا وأدلتِه على أنه لا يُعجزه شيءٌ، وأنَّه إذا شاء أمات من كان حيًّا من خلقه، ثم إذا شاء أنشَره وأعادَه، كما كان قبل إماتتِه إياه - خَلْقُه السماوات والأرضَ مِن غير شيءٍ أحدث ذلك منه، بل بقدرته التي لا يمتنع معها عليه شيءٌ أَرادَه، ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾. يقولُ: واختلافُ منطق ألسنتكم ولغاتها، ﴿وَأَلْوَنكُمْ﴾. يقولُ: واختلافُ ألوان أجسامِكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾. يقول: إن في فعله ذلك كذلك لعبرًا وأدلةً لخلقه الذين يعقلون أنه لا يُعييه إعادتُهم لهيئتهم التي كانوا بها قبلَ مماتِهم، من بعدِ فنائِهم.
وقد بيَّنا معنى العالمين فيما مضَى قبلُ (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومن حُججِه عليكم، أيُّها القومُ، تقديرُه الساعاتِ والأوقاتِ، ومخالفتُه بينَ الليلِ والنهارِ، فجعل الليل لكم سَكَنا تسكُنون فيه، وتنامون فيه (٢)، وجعَل النهار مضيئًا لتصرُّفكم في معايشِكم والتماسِكم فيه من رزقِ ربِّكم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إِنَّ في فعل الله ذلك كذلك، لَعِبرًا وذكرًا (٣) وأدلةً على أن فاعلَ ذلك لا يُعجزه شيءٌ أَرادَه،
стр. 12578
لقوم يسمعون مواعظَ الله، فيتعظون بها ويعتبرون، فيفهمون حجج الله عليهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجه ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ لكم إذا كنتم سَفْرًا، أن تُمطروا فتتأذَّوا به، ﴿وَطَمَعًا﴾ لكم إذا كنتم في إقامةٍ، أن تُمْطَروا، فتحيوا وتُخْصِبوا، ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاءً﴾. يقولُ: وينزِّلُ مِن السماء مطرًا، فيُحيى بذلك الماءِ الأرض الميتةَ، فتنبت ويخرُجُ زرعُها ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. يعنى: بعد جُدوبِها ودروسها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾. يقولُ: إن في فعله ذلك كذلك لعبرًا وأدلةً ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عن اللهِ حججَه وأدلتَه.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ له قال أهلُ التأويل.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. قال: خوفًا للمسافرِ، وطمعًا للمقيمِ (١).
واختلَف أهلُ العربية في وجهِ سقوطِ "أن" في قوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة: لم يذكرْ هاهنا "أنْ"؛ لأنَّ هذا يدلُّ على المعنى، وقال الشاعرُ (٢):
стр. 12579
ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِى أَحْضُرُ الوَغَى … وأنْ أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَل أَنْتَ مُخْلِدى
قال: وقال آخرُ (١):
لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ تِيثَمِ (٢) … يَفْضُلُها في حَسَبٍ وميسَم (٣)
وقال: يريدُ: ما في قومِها أحدٌ.
وقال بعضُ نحويِّي الكوفيين (٤): إذا أظهرت "أن" فهي في موضع رفعٍ؛ كما قال: ﴿وَمِنْ ءَايَاتْهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾، و ﴿مَنَامُكُم﴾. فإذا حذفت جُعِلت ﴿مِن﴾ مؤدّية عن اسم متروكٍ، يكون الفعل صلة له (٥)، كقولِ الشاعرِ (٦):
ومَا الدَّهْرُ إِلَّا تَارَتانِ فَمِنْهُما … أموتُ وأُخْرَى أَبْتَغى العَيْشَ أَكْدَحُ
كأنه أراد: فمنهما ساعةٌ أموتُها، وساعة أعيشُها، وكذلك: ومن آياته يُريكم آية للبرقِ (٧)، وآيةً لكذا. وإن شئتَ أردتَ: ويُريكم من آياتِه البرقَ. فلا تُضْمَرُ "أنْ" ولا غيرُه.
وقال بعضُ مَن أنكر قولَ البصريِّ: إنما ينبغى أن تُحذفَ "أنْ" من الموضعِ الذى يدلُّ على حذفِها، فأما في كلِّ موضعٍ فلا، فأما مع: "أَحْضُرَ الوغى" (٨)، فلما
стр. 12580
كان: زجرتُك أن تَقُومَ. و: زجَرتُك لأنْ تَقُومَ. يدلُّ على الاستقبالِ، جاز حذفُ "أنْ"؛ لأن الموضعَ معروفٌ، لا يقعُ في كلِّ الكلام، فأما قوله: ومن آياته أنك قائمٌ. و: أنك تقوم. و: أن تقومَ. فهذا الموضعُ لا يُحذف؛ لأنَّه لا يدلُّ على شيء واحدٍ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك: أن "مِنْ" في قوله: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ﴾، تدلُّ على المحذوفِ، وذلك أنها تأتى بمعنى التبعيض، [وإذا كانت] (١) كذلك، كان معلومًا أنها تقتضى البعض، فلذلك تَحذِفُ العربُ معها الاسم لدلالتها عليه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ومِن حُججه أيُّها القومُ، على قدرته على ما يشاءُ -قيامُ السماء والأرض بأمره، خضوعا له بالطاعة، بغيرِ عَمَدٍ تُرى، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. يقولُ: إذا أنتم تَخْرجون من الأرضِ إذا دعاكم دعوةً، مستجيبين لدعوتِه إياكم.
وبنحو الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾: قامتا بأمره بغير عمدٍ، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. قال: دعاهم فخرجوا من الأرض (٢).
стр. 12581
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِذا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. يقولُ: مِن الأَرضِ.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: وللَّهِ مَنْ في السماواتِ والأَرض؛ مِن مَلَكِ وجنٍّ وإِنسٍ، عبيدٍ ومُلَّكٍ، ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. يقولُ: كلُّهم (١) له مطيعون. فيقول قائلٌ: وكيف قيل: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَاِنتُونَ﴾. وقد علِم أن أكثرَ الإنس والجنِّ له عاصون؟ فنقولُ: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فنذكُرُ اختلافهم، ثم تُبَيِّنُ الصوابَ عندَنا في ذلك مِن القولِ؛ فقال بعضُهم: ذلك كلامٌ مَخْرِجُه مَخْرِجُ العموم، والمراد به الخصوص، ومعناه: كلّ له قانتون في الحياة والبقاءِ والموتِ، والفناءِ والبعثِ والنشور، لا يمتنع عليه شيءٌ من ذلك، وإن عصاه بعضُهم في غيرِ ذلك.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس / قولَه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ إلى: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. يقولُ: مطيعون، يعنى الحياةَ والنشورَ والموتَ، وهم عاصون له فيما سوى ذلك مِن العبادةِ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كلٌّ له قانتون بإقرارهم بأنه ربهم وخالقُهم.
стр. 12582
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾: مطيعٌ مقرٌّ بأن الله ربُّه وخالقُه (١).
وقال آخرون: هو على الخصوصِ، والمعنى: وله مَن في السماواتِ والأرضِ؛ مِن مَلِكٍ وعبدٍ مؤمنٍ للهِ مطيع دونَ غيرِهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿كُلُّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾. قال: كلٌّ له مطيعون، المطيعُ: القانتُ. قال: وليس شيءٌ إلا وهو مطيع، إلا ابنَ آدمَ، وكان أحقَّهم أن يكون أطوعَهم لله. وفى قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قال: هذا في الصلاة، لا تتكلموا في الصلاة كما يتكلمُ أهلُ الكتاب في الصلاةِ. قال: وأهل الكتابِ يمشى بعضُهم إلى بعض في الصلاة. قال: ويتقاتلون (٢) في الصلاة، فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: لكي تذهب الشحناءُ من قلوبنا، و (٣) تَسْلَمَ قلوبُ بعضنا لبعضٍ، فقال الله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ لا تزولا كما يزولون، ﴿قَانِتِينَ﴾: لا تتكلَّموا كما يتكلَّمون. قال: فأما ما سِوى هذا كلِّه في القرآنِ مِن القنوتِ، فهو الطاعةُ، إلا هذه الواحدة (٤).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي ذكرناه عن ابن عباس، وهو أنَّ
стр. 12583
كلَّ مَن في السماوات والأرض من خلقٍ للَّهِ، مطبع في تصرفه فيما أراد تعالى ذِكرُه من حياةٍ وموتٍ، وما أشبه ذلك، [وإن عصاه فيما [يكتسبه بقواه] (١)، وفيما له السبيلُ إلى اختياره، وإيثاره على خلافه.
وإنما قلتُ: ذلك] (٢) أولى بالصواب في تأويل ذلك؛ لأن العصاة من خلقه فيما لهم السبيلُ إلى اكتسابه كثيرٌ عددُهم، وقد أخبر تعالى ذكرُه عن جميعهم أنهم له قانتون، فغير جائزٍ أن يُخبِرَ عمَّن هو عاصٍ، أنه له قانتٌ فيما هو له عاصٍ. وإذا كان ذلك كذلك، فالذى فيه عاصٍ هو ما وصَفتُ، والذى هو له قانتٌ ما بينتُ.
وقولُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذى له هذه الصفاتُ ﵎، هو الذى يبدأُ الخلقَ مِن غير أصل، فينشتُه ويُوجِدُه، بعد أن لم يكن شيئًا، ثم يُفْنيه بعد ذلك، ثم يعيده؛ كما بدأه بعدَ فنائِه، وهو أهونُ عليه.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وهو هيِّنٌ عليه.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطارُ، عن سفيانَ، عمَّن ذكره، عن منذرٍ الثوريِّ، عن الربيع بن حُثَيْمٍ (٣): ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. قال: ما شيءٌ عليه بعزيز (٤).
стр. 12584
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: كلُّ شيءٍ عليه هينٌ (١).
وقال آخرون: معناه: وإعادةُ الخلقِ بعد فنائهم أهون عليه من ابتداء خلقهم.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علي، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. قال: يقولُ: أيسرُ عليه (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. قال: الإعادة أهونُ عليه من البداءة، والبَداءةُ عليه هينٌ (٣).
حدَّثنى ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ قرأ هذا الحرفَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. قال: تعجَّبَ الكفارُ مِن إحياءِ اللَّهِ الموتى. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾: إعادةُ الخَلقِ أهونُ عليه
стр. 12585
من إبداء الخلقِ (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غندرٌ، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرمة بنحوِه، إلا أنه قال: إعادةُ الخَلْقِ أهون عليه من ابتدائِه (١).
حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: إعادتُه أهون عليه من بديه، وكلٌّ على الله هينٌ (٢).
[وفي بعض القراءةِ: (وكلٌّ على الله هينٌ)] (٣).
وقد يحتمل هذا الكلام وجهين غير القولين اللذين ذكرتُ، وهو أن يكون معناه: وهو الذى يبدأُ الخلق ثم يعيده، وهو أهون على الخلقِ. أي إعادة الشيءِ أهون على الخلقِ مِن ابتدائه. والذى ذكرنا عن ابن عباس في الخبر الذي حدَّثني به ابنُ سعدٍ، قول أيضًا له وجهٌ.
وقد وجَّه غيرُ واحدٍ من أهل العربية قولَ ذي الرُّمةِ (٤):
أخى قَفَرَاتٍ دَبَّبَتْ فِي عِظامِه … شُفافاتُ أعْجازِ الكَرَى فهُوَ أَخْضَعُ
إلى أنه بمعنى: خاضعٌ. وقولَ الآخرِ:
لَعَمرُكَ إِنَّ الزِّبرقانَ لبَاذِلٌ … لِمَعْرُوفِه عِنْدَ السِّنِينَ وأَفْضَلُ
كَرِيمٌ لَهُ عَنْ كُلِّ ذَمٍّ تَأْخُرٌ … وفِي كُلِّ أَسْبابِ المَكارِمِ أَوَّلُ
стр. 12586
إلى أنه بمعنى: وفاضلٌ. وقولَ مَعْنٍ (١).
لَعَمْرُكَ ما أَدْرِى وَإِنِّي لَأَوْجَلُ … على أيِّنا تَعْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ
إلى أنه بمعنى: وإني لوَجِلٌ. وقول الآخرِ (٢):
تَمَنَّى مُرَئُ القَيْسِ مَوْتى وإِنْ أُمُتْ … فتَلكَ سَبِيلٌ لستُ فيها بأَوْحَدِ
إلى أنه بمعنى: لستُ فيها بواحدٍ. وقول الفرزدق (٣):
إنَّ الَّذى سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنا … بَيْتًا دَعائمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ
إلى أنه بمعنى: عزيزةٌ طويلةٌ. قالوا: ومنه قولُهم في الأذانِ: الله أكبرُ. بمعنى: الله كبيرٌ. وقالوا: إنْ قال قائلٌ: إنَّ اللَّهَ لا يُوصَفُ بهذا، وإنما يُوصَفُ به الخلقُ. فزعَم أنه: وهو أهون على الخلق - فإن الحجةَ عليه قولُ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠]. وقوله: ﴿وَلَا يَئُوَدُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]: أي لا يُثْقِلُه حفظُهما.
وقولُه: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. يقولُ: ولله المثل الأعلى في السماواتِ والأرض، وهو أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء، فذلك المثلُ الأعلى، تعالى ربُّنا وتقدَّسَ.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس
стр. 12587
قولَه: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ﴾. يقولُ: ليس كمثله شيءٌ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مَثَلُه أنه لا إله إلا هو، ولا ربَّ غيره (٢).
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وهو العزيز في انتقامه من أعدائِه، الحكيمُ في تدبيره خلقَه، وتصريفهم فيما أراد؛ من إحياء وإماتةٍ، وبعث ونشرٍ، وما شاء.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: مَثْل لكم أيُّها القومُ ربُّكم مَثَلًا من أنفسكم؛ ﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم﴾. يقولُ: مِن مماليككم ﴿مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ مِن مالٍ، ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ وهم. يقولُ: فإذا لم ترضّوْا بذلك لأنفسِكم، فكيف رضيتُم أن تكونَ آلهتكم التى تعبدونها لي شركاءَ في عبادتِكم إياى، وأنتم وهم عبيدى ومماليكي، وأنا مالكُ جميعِكم.
وبنحو الذى قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: عن قتادة قوله: ﴿ضَرَبَ لَكُم
стр. 12588
مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. قال: مثلٌ ضرَبه الله لمن عدّل به شيئًا من خلقه، يقولُ: أكان أحدكم مشاركًا مملوكه في فراشه وزوجته؟! فكذلكم الله لا يرضَى أَن يُعْدِّل به أحدٌ مِن خلقه (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾. قال (٢): تجدُ أحدًا يجعلُ عبده هكذا في ماله؟! فكيف تعمدُ أنت، وأنت تشهَدُ أنهم عبيدى وخَلْقى، وتجعلُ لهم نصيبا في عبادتي، كيف يكونُ هذا؟! قال: وهذا مَثَلٌ ضرَبه الله لهم. وقرَأ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: تخافون هؤلاء الشركاء مما ملكت أيمانكم، أن يرِثُوكم أموالكم من بعد وفاتكم، كما يرِثُ بعضُكم بعضًا.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدِّثت عن حجاجٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: في الآلهة، وفيه يقولُ: تخافونهم أن يرِثوكم كما يرِثُ بعضُكم بعضًا (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: تخافون هؤلاء الشركاءَ مما ملَكت أيمانُكم،
стр. 12589
أن يقاسموكم أموالَكم، كما يقاسِمُ بعضُكم بعضًا.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ عمرانَ قال: قال أبو مِجْلَرٍ: إن مملوكَك لا تخافُ أن يقاسمك مالك، وليس له ذلك، كذلك الله لا شريك له.
وأولى القولين بالصوابِ في تأويل ذلك هذا (١) القول الثاني؛ لأنَّه أشبهُهما بما دلَّ عليه ظاهرُ الكلامِ، وذلك أنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤُه وبَّخ هؤلاء المشركين في (٢) الذين جعلوا (٣) له من خلقه آلهةً يعبدونها، وأشركوهم في عبادتهم إياه (٤)، وهم مع ذلك يُقِرُّون بأنَّها خلقُه وهم عبيدهُ، وعيَّرهم بفعلهم ذلك، فقال لهم: هل لكم من عبيدكم (٥) شركاء فيما خوَّلناكم من نعمنا، فهم سواءٌ وأنتم في ذلك، تخافون أن يقاسموكم ذلك المالَ الذى هو بينَكم وبينَهم، كخيفة بعضكم بعضًا أن يقاسمه ما بينه وبينَه مِن المال شركةً؟! فالخيفةُ التى ذكرها تعالى ذكرُه بأن تكونَ خيفةً مما يخافُ الشريكُ من مقاسمة شريكه المال الذي بينهما إياه، أشبه من أن تكون خيفةً منه بأن يرِثَه؛ لأن ذكرَ الشركة لا يدلُّ على خيفة الوراثة، وقد يدلُّ على خيفةِ الفراقِ والمقاسمةِ.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه:
стр. 12590
كما بيَّنا لكم أيها القومُ، حججنا في هذه الآياتِ مِن هذه السورة على قدرتنا على ما نشاءُ؛ مِن إنشاء ما نشاء وإفناء ما نحبُّ وإعادةِ ما نريد إعادته بعد فنائه، ودلَّلنا على أنه لا تصلحُ العبادة إلا للواحد القهار، الذى بيده ملكوت كلِّ شيءٍ - كذلك نبين حججنا في كلِّ حقٍّ لقومٍ يعقلون، فيتدبَّرونها إذا سمعوها، ويعتبرون فيتعظون بها.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ما ذلك كذلك، ولا أشرَك هؤلاء المشركون في عبادة الله الآلهة والأوثان لأنَّ لهم شركًا فيما رزقهم اللهُ مِن مِلْكِ أيمانهم، فهم وعبيدهم فيه سواءٌ، يخافونهم (١) أن يقاسِموهم ما هم شركاؤُهم فيه، فرضُوا اللَّهِ مِن أجل ذلك بما رضُوا به لأنفسهم، فأشركوهم في عبادته، ولكن الذين ظلموا أنفسهم فكفَروا باللَّهِ اتبعوا أهواءَهم؛ جهلًا منهم لحق الله عليهم، فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته، ﴿فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾. يقولُ: فمن يُسَدِّدُ للصواب من الطرق؟! يعنى بذلك: مَن يُوَفِّقُ للإسلام مَن أَضلَّ اللَّهُ الاستقامة والرشادِ؟! ﴿وَمَا هُم مِّن نَاصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لمن أضلَّ اللَّهُ مِن ناصرين ينصرونه فينقذونه من الضلال الذى يبتليه به تعالى ذكرُه.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فسدِّد وجهَك نحوَ الوجهِ الذى وجَّهك إليه ربُّك
стр. 12591
يا محمدُ، لطاعته -وهى الدينُ- ﴿حَنِيفاً﴾. يقول: مستقيمًا لدينه وطاعته، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. يقولُ: صنعةَ اللهِ التي خلق الناس عليها. ونُصبت ﴿فِطْرَتَ﴾ على المصدرِ من معنى قولِه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾. وذلك أن معنى ذلك: فطَر الله الناس على ذلك فطرةً.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، قال: الإسلامُ، مذْخلَقهم اللَّهُ مِن آدمَ جميعًا يُقِرُّون بذلك. وقرَأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (١) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال: فهذا قولُ اللهِ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] بعدُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. قال: الإسلامُ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بن أبي صالح (٣)، عن يزيد بن أبي مريمَ، قال: مرَّ عمرُ بمُعاذ بن جَبَلٍ فقال: ما قوام هذه الأُمَّةِ؟ قال معاذٌ: ثلاثٌ، وهنَّ المنجياتُ: الإخلاص، وهو الفطرةُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
стр. 12592
عَلَيْها﴾، والصلاةُ، وهى الملةُ، والطاعةُ، وهى العصمةُ. فقال عمرُ: صدقت (١).
حدَّثني يعقوب، قال: ثنى ابنُ عُلَيةَ، قال: ثنا أيوب، عن أبي قِلابةَ، أن عمرَ قال لمعاذٍ: ما قوامُ هذه الأمة؟ ثم ذكر نحوَه (٢).
وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. يقولُ: لا تغيير لدينِ اللهِ. أي لا يصلُحُ ذلك، ولا ينبغى أن يُفْعَلَ.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم نحو الذي قلنا في ذلك.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: لدينِه (٣).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: أرسل مجاهدٌ رجلا يقال له: قاسم. إلى عكرمة يسأله عن قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: إنما هو الدين. وقرأ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٤).
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن حسين بن واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. قال: الإسلامُ.
قال: ثنا أبي، عن نضر بن عربيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾.
стр. 12593
قال: لدينِ اللهِ.
قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهدٍ، قال: لدينِ الله (١).
قال: ثنا أبي، عن عبدِ الجبارِ بن الوردِ، عن القاسم بن أبي بزَّةَ، قال: قال مجاهد: فسلْ عنها عكرمةَ. فسألته، فقال عكرمةُ: دينُ اللهِ تعالى (٢)، ما له أخزاه الله، ألم يسمع إلى قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٣).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: أي لدينِ اللَّهِ (٤).
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفصُ بن غياثٍ، عن ليثٍ، عن عكرمة، قال: لدينِ اللَّهِ.
قال: ثنا ابن عيينةَ، عن حُمَيْدِ الأعرجِ، قال: قال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: ﴿لَا تَبَدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: لدينِ اللّهِ (٥).
قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: لدين الله (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ
стр. 12594
لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: دينِ اللَّهِ (١).
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن مسْعَرٍ وسفيانَ، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيمَ، قال: ﴿لَا تَبَدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال: لدينِ اللَّهِ.
قال: ثنا أبى، عن جعفر الرازي، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لدينِ اللهِ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تغييرَ الخلقِ اللَّهِ مِن البهائم، بأن يُخْصَى الفحولُ منها.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فُضَيْل، عن مُطَرِّفٍ، عن رجلٍ، سأَل ابنَ عباسٍ، عن خِصاءِ البهائم، فكرِهه، وقال: ﴿لَا تَبَدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٢).
قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن حميد الأعرجِ، قال: قال عكرمة: الإخصاء (٣).
قال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن مجاهد، قال: الإخصاءُ (٤).
وقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إِنَّ إقامتك وجهك للدين حنيفا غير مغير ولا مبدَّلٍ هو الدِّينُ القيم، يعنى: المستقيم، الذي لا عِوَجَ فيه عن الاستقامة، من الحنيفية إلى اليهودية والنصرانية وغير ذلك من الضلالات والبدعِ المحدثة.
وقد وجَّه بعضُهم معنى الدين في هذا الموضعِ إلى الحساب.
стр. 12595
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ (١) اللَّهِ بن موسى، قال: أخبرنا أبو لَيْلَى، عن بُريدةَ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. قال: الحساب القيمُ، ﴿وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون أن الدين الذي أمَرتُك يا محمد به بقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾. هو الدين الحقُّ، دونَ سائرِ الأديانِ غيرِه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾.
يعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾: تائبين راجعين إلى الله مقبلين.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾. قال: المنيبُ إلى اللَّهِ: المطيعُ للَّهِ، الذي أناب إلى طاعةِ اللَّهِ وأمره، ورجع عن الأمور التي كان عليها قبل ذلك؛ كان القومُ كفارًا، فنزَعوا ورجعوا إلى الإسلام (٢).
وتأويل الكلام: فأقم وجهَك يا محمد للدين حنيفًا، ﴿مُنيبِينَ إِلَيْهِ﴾: إلى اللَّهِ. فالمنيبون حالٌ مِن الكاف التي في ﴿وَجْهَكَ﴾.
فإن قال قائل: وكيفَ يكونُ حالا منها، والكاف كنايةٌ عن واحد، والمنيبون صفة لجماعةٍ؟ قيل: لأن الأمر لمنِ (٣) الكافُ كنايةُ اسمِه مِن اللَّه في هذا الموضعِ، أمرٌ
стр. 12596
منه له ولأمتِه، فكأنه قيل له: فأقم وجهك أنت وأمتُك للدين حنيفًا لله، منيبين إليه.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وخافوا الله وراقبوه أن تُفرِّطوا في طاعتِه، وتركبوا معصيتهِ، ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: ولا تكونوا من أهل الشرك بالله بتضييعكم، فرائضَه، وركوبكم معاصيه، وخلافكم الدين الذي دعاكم إليه.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾. يقولُ: ولا تكونوا مِن المشركين الذين بدلوا دينهم وخالفوه ففارقوه، ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾. يقولُ: وكانوا أحزابا فِرَقًا كاليهود والنصارى.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾: وهم اليهودُ والنصارى (١).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ إلى آخر الآية. قال: هؤلاء يهود.
فلو وجه قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾. إلى أنه خبر مستأنف منقطعٌ عن قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وأن معناه: من الذين فرَّقوا دِينَهُم وكانُوا شِيَعًا أحزابًا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ - كان وجهًا يحتمله الكلام.
وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. يقولُ: كل طائفة وفرقةٍ مِن هؤلاء
стр. 12597
الذين فارقوا دينهم الحقَّ، فأحدثوا البدع التي أحدثوا، ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. يقولُ: بما هم به متمسكون من المذهب فرحون مسرورون، يحسبون أن الصوابَ معهم دون غيرهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وإذا مسَّ هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع الله إلهًا آخرَ - ضرٌّ، فأصابتهم شدَّةٌ وجُدوبٌ وقُحوطٌ، ﴿دَعَوْا رَبَّهُم﴾. يقولُ: أخلصوا لربهم التوحيدَ، وأفردوه بالدعاء والتضرع إليه، واستغاثوا به ﴿منِيبِينَ إِلَيْهِ﴾: تائبين إليه من شركهم وكفرهم، ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مَّنْهُ رَحْمَةً﴾. يقولُ: ثم إذا كشف ربُّهم تعالى ذكره عنهم ذلك الضرَّ، وفرَّجه عنهم، وأصابَهم برخاء وخضبٍ وسَعَةٍ؛ ﴿إِذَا فَرِيقٌ مَّنهُم﴾. يقول: إذا جماعة منهم ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾. يقول: يعبدون معه الآلهة والأوثانَ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكره متوعدًا لهؤلاء المشركين الذين أخبر عنهم أنه إذا كشَف الضر كفَروا به: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ بما أعطيناهم (١). يقول: إذا هم بربهم يشركون، كى يكفروا، أي يجحدوا النعمةَ التي أنعمتها عليهم، بكشفى عنهم الضرَّ الذي كانوا فيه، وإبدالي ذلك لهم بالرخاء والخصبِ والعافية. وذلك الرخاء والسعة هو الذي أتاهم تعالى ذكره، الذي قال: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾. وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾. يقولُ: فتمتعوا أيها القومُ، بالذي آتيناكم من الرخاءِ والسَّعةِ في هذه
стр. 12598
الدنيا، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا ورَدتُّم على ربِّكم ما تلقون من عذابه، وعظيم عقابه، علي كفركم به في الدنيا. وقد قرأ بعضُهم (١): (فَسَوْفَ يَعْلَمُون) بالياء، بمعنى: ليكفروا بما آتيناهم، فقد تمتعوا - على وجه الخبر - فسوف يعلمون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره: أم أنزلنا على هؤلاء الذين يُشركون في عبادتنا الآلهة والأوثان، كتابًا بتصديق ما يقولون*، وبحقيقة ما يفعلون، ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: فذلك الكتاب ينطقُ بصحة شركهم. وإنما يعنى جلَّ ثناؤه بذلك أنه لم يُنْزِل بما يقولون ويفعلون كتابًا، ولا أرْسَل به رسولا، وإنما هو شيءٌ افتعلوه واختلقوه؛ اتباعًا منهم لأهوائهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: أمْ أنزَلنا عليهم كتابا فهو ينطقُ بشركهم (٢).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾.
стр. 12599
يقول تعالى ذكره: وإذا أصاب الناسَ منا خصب ورخاء، وعافية في الأبدان والأموال، فرحوا بذلك، وإن تُصِبهم منا شدَّةٌ من جَدْب وقحط وبلاء في الأموال والأبدان، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: بما أسلفوا من سيِّيء الأعمال بينهم وبين الله، وركبوا من المعاصى، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾. يقول: إذا هم ييأسون من الفرح. والقنوط هو الإياسُ؛ ومنه قول حميد الأرقط (١).
قَدْ وَجَدُوا الحَجَّاج غير قانِطِ
وقوله: ﴿إذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾. هو جوابُ الجزاء؛ لأنَّ "إذا" نابت عن الفعل بدلالتها عليه، فكأنَّه قيل: وإن تصبهم سيئة بما قدَّمتْ أيديهم وجدتهم يقنطون. أو: تجدهم. أو: رأيتهم. أو: تَرَهم (٢).
وقد كان بعض نحويى البصرة (٣) يقول (٤): كانت "إذا" جوابا؛ لأنها متعلقة (٥) بالكلام الأوَّلِ، بمنزلة الفاء.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: أولم يرَ هؤلاء الذين يفرحون عند الرخاء يُصيبهم والخصبُ، وييأسون من الفرج عند شدَّةٍ تنالهم - بعيون قلوبهم، فيعلموا أنَّ الشدة والرخاء بيد الله، وأنَّ الله يبسُطُ الرزق (٦) لمن يشاء من عباده فيوسعه عليه،
стр. 12600
ويَقْدِرُ على من أراد فيضيقه عليه؟! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: إنَّ في بسطه ذلك على من بسطه عليه، وقَدْرِه على من قدره عليه، ومخالفته بينَ مَنْ خالف بينه من عباده في الغنى والفقر - لدلالةً واضحةً لمن صدَّق حججَ اللَّهِ، وأقرَّ بها إذا عاينها ورآها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : فأَعْطِ يا محمد ذا القرابة منك حقه عليك من الصلة والبرّ، والمسكين وابن السبيل ما فرض الله لهما في ذلك.
كما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن عوف، عن الحسنِ: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. قال: هو أن تُوفِّيهم حقَّهم إن كان عندك يسرٌ، وإن لم يكن عندك فقل لهم قولا ميسورًا؛ قُلْ لهم الخير (١).
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: إيتاءُ هؤلاء حقوقهم التي أَلزمها الله عباده خير للذين يريدون الله بإتيانهم ذلك، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾. يقولُ: ومَنْ يفعل ذلك مبتغيا وجه الله به، فأولئك هم المنجحون، المدركون طلباتهم عند الله، الفائزون بما ابتغوا والتمسوا بإبتائهم (٢) إياهم ما آتوا.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾.
стр. 12601
يقول تعالى ذكره: وما أعطيتم أيها الناسُ بعضُكم بعضا من عطية؛ لتزداد في أموال الناس، برجوع ثوابها إليه، ممن أعطاه ذلك، ﴿فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ﴾. يقولُ: فلا يزدادُ ذلك عندَ اللَّهِ؛ لأنَّ صاحبَه لم يُعطِه مَنْ أعطاه مبتغيا به وجهَه. ﴿وَمَا آتَيْتُم مَّن ذَكَاةٍ﴾. يقولُ: وما أعطيتم من صدقة تريدون بها وجه الله. ﴿فَأُولَئِكَ﴾، يعنى الذين يتصدَّقُون بأموالهم ملتمسين بذلك وجه الله، ﴿هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾. يقولُ: هم الذين لهم الضِّعفُ من الأجر والثواب. من قول العرب: أصبح القومُ مُسمِنين مُعْطِشين. إذا سمنت إبلهم وعطشتْ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: هو ما يُعْطى الناسُ بينهم بعضُهم بعضًا، يُعْطى الرجلُ الرجل العطية، يُريدُ أن يُعْطَى أكثرَ منها (١).
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور بن صفية، عن سعيد بن جبير: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. قال: هو الرجل يُعْطى الرجل العطية ليثيبه (٢).
قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن منصور ابن صَفِيَّةَ، عن سعيد بن جبيرٍ مثله.
стр. 12602
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنى أبي، عن سفيان، عن منصور ابن صفية، عن سعيد بن جبير: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: الرجلُ يُعْطِى ليُثاب عليه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. قال: الهدايا.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنى أبي، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: هي الهدايا.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. قال: يُعْطِى مالَه يَبْتَغِي أفضل منه (١).
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن ابن أبي خالد، عن إبراهيم، قال: هو الرجلُ يُهْدِى إلى الرجل الهدية، ليثيبه أفضل منها (٢).
قال: ثنا محمد بن حميد المعمريُّ، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: هو الرجلُ يُعْطِى العطية ويُهْدِى الهديةَ؛ ليثابَ أفضل من ذلك، ليس فيه أجرٌ ولا وِزْرٌ (٣).
стр. 12603
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: ما أَعْطَيْتَ مِن شَيْءٍ تُرِيدُ مَثَابَةَ الدنيا، ومجازاة الناسِ، ذاك الربا الذي لا يَقْبَلُه الله، ولا يَجزِى به (١).
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيد، قال: سَمِعْتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. فهو ما يَتعاطى الناسُ بينهم ويَتَهادَوْن؛ يُعْطِى الرجل العطية؛ ليُصِيبَ منه أفضل منها، وهذا للناس عامة، وأما قوله: ﴿وَلَا تَمتُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. فهذا للنبيِّ ﷺ خاصةً، لم يَكُن له أن يُعْطى إلا لله، ولم يَكُنْ يُعْطِى ليُعْطَى أكثرَ منه (٢).
وقال آخرون: إنما عُنى بهذا الرجلُ يُعْطِى ماله الرجلَ ليُعِينَه بنفسه، ويَخْدُمَه ويعود عليه نفعُه، لا لطلب أجرٍ من الله.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى ومحمد بنُ فُضَيْلٍ، عن زكريا، عن عامرٍ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. قال: هو الرجلُ يَلتزِقُ (٣) بالرجل، فيَخِفُّ له، ويَخْدُمُه، ويسافر معه، فيَجْعَلُ له ربح بعض ماله؛ ليَجْزِيَه، وإنما أعطاه التماس عونه، ولم يُرِدْ وجه الله (٤).
وقال آخرون: هو إعطاء الرجل ماله؛ ليُكثِّرَ به مالَ مَن أعطاه ذلك، لا لطلب
стр. 12604
ثواب الله.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن أبي حصين، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾. قال: ألم تر إلى الرجل يقولُ للرجلِ: لأمَوِّلَنَّك. فيُعْطِيه، فهذا لا يَرْبو عندَ اللَّهِ؛ لأنَّه يُعْطِيه لغيرِ اللَّهِ، ليُثْرِيَ مالَه (١).
قال: ثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الأمليُّ، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، قال: سمعتُ إبراهيم النخعيَّ يقولُ في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: كان هذا في الجاهلية، يُعْطى أحدهم ذا القرابة المال يُكثرُ به ماله (٢).
وقال آخرون: ذلك للنبي ﷺ خاصةً، وأما لغيره فحلالٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن وكيع، ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن ابن (٣) أبي رَوَّادٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: هذا للنبي ﷺ ، هذا الربا الحلالُ (٤).
وإنما اخْتَرْنا القولَ الذي اخْتَرْناه في ذلك؛ لأنَّه أظهر معانيه.
стр. 12605
واختَلَفَت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الكوفة والبصرة وبعضُ أهل مكةَ: ﴿لَيَرْبُوَا﴾. بفتح الياء من "يربو"، بمعنى: وما آتَيْتُم مِن ربًا لِيَرْبُوَ ذلك الربا في أموال الناسِ (١).
وقرأ ذلك عامة قرأةِ أهل المدينة: (لتُربُوا). بالتاءِ مِن "تُربو" وضمِّها، بمعنى: وما آتَيْتُم من ربًا لتُرْبوا أنتم في أموال الناسِ (٢).
والصوابُ مِن القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصار، مع تقارب معنيتهما؛ لأن أرباب المال إذا أَرْبَوْا رَبا المالُ، وإذا رَبَا المالُ فبإرباء أربابه إياه ربا. فإذ كان ذلك (٣)، فبأى القراءتين قرأ القارئ فمصيبٌ.
وأما قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾. فإِنَّ أهلَ التأويل قالوا في تأويله نحو الذي قلنا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾. قال: هذا الذي يَقْبَلُه اللَّهُ ويُضْعِفُه لهم عشر أمثالها، وأكثرَ مِن ذلك (٤).
حُدِّثْتُ عن عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، قال: قال ابن عباس قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: هي