حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَثّامُ بنُ عليٍّ، عن إسماعيل بن أبى خالدٍ، عن شعيبِ بن يسارٍ، عن عكرمةَ، قال: لهوُ الحديث: الغناءُ (١).
حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قال: ثنا عَثّامٌ، عن إسماعيل بن أبى خالدٍ، عن شُعيب بن يسارٍ: هكذا قال عكرمةُ، عن عبيدٍ مثله.
حدَّثنا الحسنُ (٢) بن الزِّبرقان النخعيُّ، قال: ثنا أبو أسامة وعبيد الله، عن أسامة، عن عكرمة في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال: الغناءُ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أسامة بن زيدٍ، عن عكرمة، قال: الغناء (٣).
وقال آخرون: عنى باللهو الطَّبل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ الأعورُ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: اللهوُ: الطبلُ (٤).
وقال آخرون: عنى بلهو الحديث الشركَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ
стр. 12637
الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: يعنى الشرك (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكفر، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾، فليس هكذا أهلُ الإسلام. قال: وناسٌ يقولون: هي فيكم. وليس كذلك. قال: وهو (٢) الحديثُ الباطلٌ الذي كانوا يلغُون فيه (٣).
والصواب من القول في ذلك أن يقال: عنى به كلَّ ما كان من الحديثِ مُلْهيًا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه أو رسولُه؛ لأن الله تعالى ذكرُه عَمَّ بقوله: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، ولم يخصص بعضًا دونَ بعضٍ، فذلك على عمومه، حتى يأتي ما يدلُّ على خصوصه، والغناء والشركُ من ذلك.
وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ليصُدَّ ذلك الذي يَشترِى مِن لهوِ الحديث عن دين الله وطاعته، وما يقرِّبُ إليه؛ من قراءة قرآنٍ، وذكرِ اللهِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: سبيلُ اللَّهِ: قراءةُ القرآنِ،
стр. 12638
وذكر الله إذا ذكره، وهو رجلٌ من قريشٍ اشتَرى جاريةً مُغَنِّيةً (١).
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. يقولُ: فعل ما فعل من اشترائه لهوَ الحديثِ، جهلًا منه بما له في العاقبة عندَ اللهِ من وِزْرِ ذلك وإثْمِه.
وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾. اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والبصرة، وبعضُ أهل الكوفة: (ويَتَّخِذُها) رفعًا (٢)، عطفًا به على قوله: ﴿يَشْتَرِي﴾، كأن معناه عندهم: ومن الناس من يشترى لهوَ الحديثِ، ويتَّخِذُ آيات الله هزوًا. وقرأَ ذلك عامةُ قرأة الكوفة: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ نصبًا (٣)؛ عطفًا على "يُضِلَّ"، بمعنى: ليُضِلَّ عن سبيل الله، وليتخِذَها هُزُوًا.
والصوابُ من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصواب في قراءته.
والهاءُ والألفُ في قوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ من ذكرِ ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾. قال: سبيلُ اللَّهِ (٤).
وقال آخرون: بل ذلك من ذكر آيات الكتاب.
стр. 12639
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: بحَسْبِ المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديثِ الحقِّ، وما يضرُّ على ما ينفَعُ (١).
﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾: يستهزِئُ بها ويكذِّبُ بها. وهما من أن يكونا من ذكرِ سَبِيلِ الله أشبه عندى؛ لقُربهما منها، وإن كان القولُ الآخرُ غير بعيدٍ من الصواب. واتخاذُه ذلك هُزُوًا هو استهزاؤُه به.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا أنهم يشترون لهو الحديث ليُضِلُّوا عن سبيل الله، لهم يومَ القيامةِ عذابٌ مُذِلٌّ مُخْزٍ في نَارِ جَهَنَّمَ.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: وإذا تُتلى على هذا الذي اشترى لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله، آيات كتابِ اللهِ، فقُرِئت عليه، ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾. يقولُ: أدبر عنها (٢)، و [أغرض استكبارًا] (٣) عن سماع الحقِّ والإجابة عنه، كأن لم يسمعها، ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾. يقولُ: ثِقْلًا، فلا يُطِيقُ من أجلِه سماعه.
كما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾. قال: ثِقلًا (٤).
стр. 12640
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبَشِّرْ هذا المعرِضَ عن آياتِ اللَّهِ إذا تُلِيَتْ عليه استكبارًا - بعذابٍ له من الله يومَ القيامةِ مُوجع، وذلك عذاب النار.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله فوحَّدُوه، وصدَّقوا رسوله واتَّبعوه، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: فأطاعوا الله، فعملوا بما أمرهم في كتابه وعلى لسان رسوله، وانتهوا عما نهاهم عنه، ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾. يقول: لهؤلاء بساتين النعيم.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقول: ماكثين فيها إلى غير نهاية، ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾. يقولُ: وعدهم الله وغدًا حقًّا، لا شكَّ فيه، ولا خُلْفٌ له، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. يقولُ: وهو الشديدُ في انتقامه من أهل الشرك به، والصادِّين عن سبيله، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبير خلقه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: ومن حكمته أنه خلق السماوات السبع ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. وقد ذكرتُ فيما مضى اختلاف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، وبيَّنا الصواب من القول في ذلك عندنا (١).
وقد حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا معاذُ بن معاذٍ، عن عمران بن حديرٍ، عن
стр. 12641
عكرمة، عن ابن عباسٍ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: لعلَّها بِعَمَدٍ لا تَروْنَها (١).
وقال: ثنا العلاء بنُ عبدِ الجبارِ، عن حماد بن سلمة، عن حميدٍ، عن الحسن بن مسلمٍ، عن مجاهد، قال: إنها بعمَدٍ لا تَرَوْنَها (٢).
قال: ثنا يحيى بنُ آدم، عن شَرِيكٍ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لعلَّها بعمدٍ لا تَروْنَها (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدٌ، عن سماكٍ، عن عكرمة في هذا الحرف: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: تَرَونَها بغير عمدٍ، وهى بعَمَدٍ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: قال الحسن وقتادةُ: إنها بغير عمدٍ تَرَوْنَها، ليس لها عمدٌ (٥). وقال ابن عباسٍ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾. قال: لها عمَدٌ لا تَروْنَها.
وقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. يقولُ: وجعل على ظهرِ الأرض رواسي، وهى ثوابتُ الجبالِ، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أن لا تميد بكم. يقولُ: أن لا تضطرب بكم، ولا تتحرَّك يمنةً ولا يسرةً، ولكن تستقرُّ بكم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: أي: جبالًا، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أثبتها بالجبال، ولولا ذلك ما
стр. 12642
أقرَّت عليها خَلْقًا (١).
وذلك كما قال الراجِزُ (٢).
والمُهرُ يَأْتِي أَنْ يَزَالَ مُلْهِبَا
بمعنى: لا يزالُ.
وقولُه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾. يقولُ: وفرَّق في الأرضِ من كلِّ أنواعِ الدوابِّ. وقيل: الدوابُّ اسمٌ لكلِّ ما أكَل وشرِب. وهو عندِى لكلِّ ما دَبَّ على الأرضِ.
وقولُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنزلنا من السماءِ مطرًا، فأنبتنا بذلك المطرِ في الأرضِ ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾. يعني: من كلِّ نوعٍ من النباتِ، ﴿كَرِيمٍ﴾، وهو الحَسَنُ النِّبْتةِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. أي: حسَن (٣).
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي عَدَّدتُ عليكم أيها الناسُ أنى خلَقْتُه في هذه الآيةِ، ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ الذي له أُلوهةُ كلِّ شيءٍ، وعبادةُ كلِّ خَلْقٍ، الذي لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا تنبَغِى لشيءٍ سواه، ﴿فَأَرُونِي﴾ أيها المشركون في عبادتِكم إياه
стр. 12643
مَنْ دونَه مِن الآلهةِ والأوثانِ، أيَّ شيءٍ خلَق الذين مِن دونِه من آلهتِكم وأصنامِكم، حتى استَحَقَّت عليكم العبادةُ فعبَدتُموها من دونِه، كما استحَقَّ ذلك عليكم خالِقُكم وخالقُ هذه الأشياءِ التي عدَّدتُها عليكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾: ما ذكَر من خلْقِ السماواتِ والأرضِ، وما بثَّ من الدوابِّ، وما أنبَت من كلِّ زوجٍ كريمٍ، ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: الأصنامُ الذين تدعون من دونِه (١).
وقولُه: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ تعالَى ذكرُه: ما عبَد هؤلاءِ المشركون الأوثانَ والأصنامَ من أجلِ أنها تخلُقُ شيئًا، ولكنهم دعاهم إلى عبادتِها ضَلالُهم، وذَهابُهم عن سبيلِ الحقِّ، فهم ﴿فِي ضَلَالٍ﴾. يقولُ: فهم في جَوْرٍ عن الحقِّ، وذَهابٍ عن الاستقامةِ، ﴿مُبِينٍ﴾. يقولُ: يُبِينُ لَمَنْ تأَمَّلَه، ونظَر فيه، وفكَّر بعَقْلٍ، أنه ضلالٌ لا هدًى.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقْد آتينا لقمانَ الفقهَ في الدينِ، والعقلَ، والإصابةَ في القولِ.
стр. 12644
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. قال: الفقهَ والعقلَ والإصابةَ في القولِ، من غيرِ نُبوَّةٍ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. أي: الفقهَ في الإسلامِ. قال قَتادةُ: ولم يكُنْ نبيًّا، ولم يُوْحَ إليه (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يونُسُ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. قال: الحكمةُ: الصوابُ (٣). وقال غيرُ أبى بشرٍ: الصوابُ، في غيرِ النبوَّةِ.
حدَّثنا ابن المثنى، ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، أنه قال: كان لقمانُ رجلًا صالحًا، ولم يكُنْ نبيًّا (٤).
стр. 12645
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا حَكّامٌ، عن سعيدٍ الزُّبَيْدِيِّ، عن مجاهدٍ، قال: كان لقمانُ الحكيمُ عبدًا حَبشيًّا، غليظَ الشَّفَتَيْنِ، مُصفَّحَ (١) القدمَيْنِ، قاضيًا على بني إسرائيلَ (٢).
حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: كان لقمانُ عبدًا أسودَ، عظيمَ الشفتَيْنِ، مُشقَّقَ القَدَمَيْنِ (٣).
حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: ثني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ يقولُ: كان لقمانُ الحكيمُ أسودَ من سودانِ مصرَ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أشعثَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان لقمانُ عبدًا حبشيًّا (٥).
حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرنا أبى، قال: ثنا الأوزاعيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ حَرْملَةَ، قال: جاء أسودُ إلى سعيدِ بن المسيِّبِ يسأَلُ، فقال له سعيدٌ: لا تحزَنْ من أجلِ أنك أسودُ، فإنه كان مِن خيرِ الناسِ ثلاثةٌ من السودانِ؛ بلالٌ، ومِهْجَعٌ مولَى عمرَ بن الخطابِ، ولُقمانُ الحكيمُ، كان أسودَ نوبيًّا ذا
стр. 12646
مَشافِرَ (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي الأشهَبِ، عن خالدٍ الرَّبَعِيِّ، قال: كان لقمانُ عبدًا حبشيًّا نجَّارًا، فقال له مَوْلَاه: اذبَحْ لنا هذه الشاةَ. فذبَحها، قال: أخرِجْ أطيبَ مُضْغَتَين فيها. فأخرَج اللسانَ والقلْبَ، ثم مكَث ما شاء الله، ثم قال: اذبَحْ لنا هذه الشاةَ. فذبَحها، فقال: أخرِجْ أخبَثَ مُضْغَتَين فيها. فأخرَج اللسانَ والقلْبَ، فقال له مَوْلاه: أَمَرْتُك أن تُخْرِجَ أطيبَ مُضْعَتين فيها فأخرَجْتَهما، وأمرْتُك أن تُخرِجَ أَخبَثَ مُضْعَتين فيها فأخرَجْتَهما! فقال له لقمانُ: إنه ليس من شيءٍ أطيبَ منهما إذا طابا، ولا أخبَثَ منهما إذا خبُثا (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكَمُ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، قال: كان لقمانُ عبدًا أسودَ، غليظَ الشفتَين، مُصفَّحَ القدمَينِ، فأتاه رجُلٌ وهو في مجلِسِ أُناسٍ يُحدِّثُهم، فقال له: ألسْتَ الذي كنتَ ترْعَى معى الغنمَ في مكانِ كذا وكذا؟ قال: نعَم. قال: فما بلَغ بك ما أرى؟ قال: صِدْقُ الحديثِ، والصَّمْتُ عما لا يَعْنِيني (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. قال: القرآنَ (٤).
стр. 12647
قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحكمةُ الأمانةُ.
وقال آخرون: كان نبيًّا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، قال: كان لقمانُ نبيًّا (١).
وقولُه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد آتينا لقمانَ الحكمةَ، أنِ احمَدِ الله على ما آتاكَ من فَضْلِه. وجعَل قولَه: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ ترجمةً عن الحكمةِ؛ لأن مِن الحكمةِ التي كان أوتِيَها، كان شُكْرُه الله على ما آتاه.
وقولُه: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: ومَن يشكرِ الله على نِعَمِه عندَه فإنما يشكُرُ لنفسِه؛ لأن الله يُجزِلُ له على شُكرِه إياه الثوابَ، ويُنقِذُه به من الهَلَكةِ، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. يقولُ: ومن كفَر نعمةَ اللهِ عليه، إلى نفسِه أساء؛ لأن الله معاقِبُه على كفرانِه إياه، والله غنيٌّ عن شكرِه إياه على نِعَمِه، لا حاجةَ به إليه؛ لأن شكرَه إياه لا يَزيدُ في سلطانِه، ولا يُنْقِصُ كفرانُه إياه من مُلكِه. ويعنى بقولِه: ﴿حَمِيدٌ﴾: مَحْمودٌ على كلِّ حالٍ، له الحمدُ على نعَمِه؛ كفَر العبدُ نعمتَه أو شكَره عليها. وهو مصروفٌ من مفعولٍ إلى فَعِيلٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : واذكُرْ يا محمدُ ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِ
стр. 12648
وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: الخطأٌ من القولِ عظيمٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأمَرْنا الإنسانَ ببرِّ والدَيه، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. يقولُ: ضَعْفًا على ضعفٍ، وشدةً على شدةٍ. ومنه قولُ زُهيرٍ (١):
فلن يقولوا بحبلٍ واهنٍ خَلَقٍ … لو كان قومُكَ في أسبابِه هلَكوا
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أنهم اختلَفوا في المعنيِّ بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِىَ به الحَمْلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. يقولُ: شدةً بعدَ شدةٍ، وخلْقًا بعدَ خَلْقٍ (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. يقولُ: ضَعْفًا على ضَعْفٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
стр. 12649
وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. أي: جَهْدًا على جَهْدِ (١).
وقال آخرون: بل عُنِىَ بذلك وَهْنُ الولدِ وضَعْفُه على وَهْنِ (٢) الأمِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.
﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾. قال: وَهْنُ الولدِ على وَهْنِ الوالدةِ وضَعْفِها (٣).
وقولُه: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾. يقولُ: وفِطامُه في انقضاءِ عامَين.
وقيل: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾. وتُرِك ذكرُ "انقضاء"؛ اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]، يُرادُ به: أهلُ القريةِ.
وقولُه: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. يقولُ: وعهِدْنا إليه أنِ اشْكُرْ لى على نِعَمى عليك، ولوالدَيك تربيتَهما إياك، وعلاجَهما فيك ما عالجا مِن المشقةِ، حتى استَحكَم قُوَاك.
وقولُه: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: إلى الله مصيرُك أيُّها الإنسانُ، وهو سائلُك عما كان من شُكرِك له على نعمِه عليك، وعما كان من شكرِك لوالدَيك، وبِرِّك بهما على ما لقِيا منك من العناءِ والمشقةِ في حالِ طفولتِك وصِباك، وما اصطَنعا إليك في برِّهما بك، وتَحَنُّنِهما عليك.
стр. 12650
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في شأنِ سعدِ بن أبى وقَّاصٍ وأمِّه.
ذكرُ الروايةِ الواردةِ في ذلك
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكِ بن حربٍ، عن مصعبِ بن سعدٍ، قال: حلَفتْ أمُّ سعدٍ ألّا تَأْكُلَ ولا تَشْرَبَ حتى يَتَحَوَّلَ سعدٌ عن دينِه. قال: فأبى عليها، فلم تَزَلْ كذلك حتى غُشِىَ عليها. قال: فأتاها بَنوها فسَقَوها. قال: فلما أفاقت دعَتِ الله عليه، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن مصعبِ بن سعدٍ، عن أبيه، قال: قالت أمُّ سعدٍ لسعدٍ: أليس الله قد أمَر بالبرِّ؟ فواللهِ لا أَطْعَمُ طعامًا ولا أَشْرَبُ شرابًا حتى أَمُوتَ أو تَكْفُرَ، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعِموها شَجَروا فاها (١) بعصًا، ثم أَوْجَروها (٢)، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سماكِ بن حربٍ، قال: قال سعدُ بنُ مالكٍ: نزَلت فيَّ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. قال: لما أَسلَمتُ حلَفت أمى
стр. 12651
لا تَأْكُلُ طعامًا ولا تَشْرَبُ شرابًا. قال: فناشَدتُها أولَ يومٍ فأبت وصبَرت، فلما كان اليومُ الثاني ناشَدتُها فأَبَت، فلما كان اليومُ الثالثُ ناشَدتُها فأبَت، فقلتُ: واللهِ لو كانت لكِ مِائَةُ نَفْسٍ، لخرَجت قبلَ أن أَدَعَ دينى هذا. فلما رأَت ذلك وعرَفت أنى لستُ فاعلًا، أكَلت (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ هُبَيرةَ (٢) قال: نزَلت هذه الآيةُ في سعدِ بن أَبي وقّاصٍ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ الآية.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ أيُّها الإنسانُ والداك ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ في عبادتِك إياىَ معى غيرِى، مما لا تَعْلَمُ أنه لى شريكٌ - ولا شريكَ له، تعالى ذكرُه علوًّا كبيرًا - فلا تُطِعْهما فيما أراداك عليه من الشركِ بى، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. يقولُ: وصاحِبْهما في الدنيا بالطاعةِ لهما، فيما لا تَبِعةَ عليك فيه فيما بينَك وبيَن ربِّك، ولا إثمَ.
وقولُه: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾. يقولُ: واسلُكْ طريقَ مَن تاب مِن شركِه، ورجَع إلى الإسلامِ، واتَّبَعَ محمدًا ﷺ .
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 12652
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾. أي: مَن أقبَل إليَّ (١).
وقولُه: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: فإن إليَّ مصيرَكم ومعادَكم بعدَ مماتِكم، فأُخبِرُكم بجميعِ ما كنتم في الدنيا تَعْمَلون من خيرٍ وشرٍّ، ثم أُجازِيكم على أعمالِكم، المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.
فإن قال لنا قائلٌ: ما وجهُ اعتراضِ هذا الكلامِ بينَ الخبرِ عن وصيَّتَىْ لقمانَ ابنَه؟ قيل: ذلك أيضًا، وإن كان خبرًا مِن الله تعالى ذكرُه عن وصيتِه عبادَه به، [وأنه] (٢) إنما أوصَى به لقمانُ ابنَه، فكان معنى الكلامِ: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، ولا تُطِعْ في الشرِكِ به والدَيك، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ فإن الله وصَّى بهما، فاستُؤْنِف الكلامُ على وجهِ الخبرِ الله، وفيه هذا المعنى، فذلك وجهُ اعتراضِ ذلك بينَ الخبرَينِ عن وصيتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾.
اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى الهاءِ والألفِ اللتين في قولِه: ﴿إِنَّهَا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: ذلك كنايةٌ عن المعصيةِ والخطيئةِ. ومعنى الكلامِ عندَه: يا بُنيَّ، إن المعصيةَ إن تكُ مثقالَ حبةٍ من خردلٍ، أو: إن الخطيئةَ.
стр. 12653
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (١): هذه الهاءُ عمادٌ. وقال: أنَّت ﴿تَكُ﴾؛ لأنه يُرادُ بها الحبةُ، فذهَب بالتأنيثِ إليها، كما قال الشاعرُ (٢):
وتَشْرَقُ بالقولِ الذي قد أَذَعْتَهُ … كما شَرِقَت صَدْرُ القَناةِ من الدمِ
وقال صاحبُ هذه المقالةِ: يجوزُ نصبُ المثقالِ ورفعُه. قال: فمن رفَع رفعَه بـ "تَكنُ"، واحتمَلت النكرةُ ألَّا يكونَ لها فعلٌ في "كان" و "ليس" وأخواتِها، ومن نصَب جعَل في "تكن" اسمًا مضمرًا مجهولًا، مثلَ الهاءِ التي في قولِه: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ﴾ قال: ومثلُه قولُه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦]. قال: ولو كان: إن يكُ (٣) مثقالَ حبةٍ. كان صوابًا، وجاز فيه الوجهان. وأما صاحبُ المقالةِ الأولى فإن نَصْبَ ﴿مِثْقَالَ﴾ في قولِه؛ على أنه خبرٌ وتمامُ "كان"، وقال: رفَع بعضُهم فجعَلها "كان" التي لا تحتاجُ إلى خبر.
وأولى القولين بالصوابِ عندِى القولُ الثاني؛ لأنَّ الله تعالى ذكرُه لم يَعِدْ عبادَه أن يُوفِّيَهم جزاءَ سيئاتِهم دونَ جزاءِ حسناتِهم، فيقالَ: إن المعصيةَ إن تكُ مثقالَ حبةٍ من خردلٍ يأتِ بها الله. بل وعَد كِلا العامِلَين أن يُوفِّيِه جزاءَ أعمالِهما. فإذا كان ذلك كذلك كانت الهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهَا﴾ بأن تَكونَ عمادًا أشبهَ منها بأن تكونَ كنايةً عن الخطيئةِ والمعصيةِ. وأما النصبُ في "المثقالِ"، فعلى أن في ﴿تَكُ﴾ مجهولًا، والرفعُ فيه على أن الخبرَ مضمرٌ، كأنه قيل: إن تكُ في موضعٍ مثقالُ حبةٍ. لأن النكراتِ تُضْمَرُ أخبارُها، ثم يُترجَمُ عن المكانِ الذي فيه مثقالُ الحبةِ.
وعَنَى بقولِه: ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾: زِنةَ حبةٍ. فتأويلُ الكلامِ إذن: إِنَّ الأمرَ إن يكُ زِنةَ حبةٍ من خردلٍ من خيرٍ أو شرٍّ عمِلتَه، ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ
стр. 12654
فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ يومَ القيامةِ، حتى يوفِّيَك جزاءَه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾: من خيرٍ أو شرٍّ (١).
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بها الصخرة التي عليها الأرضُ. وذلك قولٌ رُوى عن ابن عباس وغيره، وقالوا: هي صخرةٌ خضراءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسِ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ قال: الصخرةُ خضراءُ على ظهرٍ حُوتٍ.
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : خلَق اللهُ الأرضَ على حوتٍ، والحوتُ هو النونُ الذي ذكَر الله في القرآنِ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]، والحوتُ في الماءِ، والماءُ على ظهرِ صفاةٍ، والصفاةُ على ظهرِ مَلَكٍ، والملَكُ على صخرةٍ، والصخرةُ في الريحِ، وهي الصخرةُ التي ذكَر لقمانُ، ليست في السماءِ ولا في الأرضِ (٢).
стр. 12655
وقال آخرون: عنَى بها الجبالَ. قالوا: ومعنى الكلامِ: فتَكُنْ في جبلٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾. أي: جبلٍ (١).
وقولُه: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾. كان بعضُهم يوجِّهُ معناه إلى: يَعْلَمُه اللهُ. ولا أعرفُ "يَأْتى به" بمعنى "يَعْلَمُه" إلَّا أن يكون قائلُ ذلك أراد أنَّ لقمانَ إنما وصف اللَّهَ بذلك؛ لأنَّ الله يَعْلَمُ أماكنَه، لا يَخفَى عليه مكانُ شيءٍ منه، فيكونَ وجْهًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا أبو سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾. قال: يَعْلَمُها اللهُ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ مثلَه.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. يقولُ: إن الله لطيفٌ باستخراجِ الحبة من موضعِها حيث كانت، خبيرٌ بموضعِها.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ
стр. 12656
خَبِيرٌ﴾. أي: لطيفٌ باستخراجِها، خبيرٌ بمستقرِّها (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مُخبرًا عن قيلِ لقمانَ لابنِه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. بحدودها، ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: وأْمرِ الناسَ بطاعةِ اللهِ واتباعِ أمرِه، ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. يقولُ: وانْهَ الناسَ عن معاصى اللهِ ومُواقَعةِ محارمِه، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾. يقولُ: واصبِرْ على ما أصابك من الناسِ في ذاتِ اللهِ، إذا أنت أمَرتَهم بالمعروفِ ونهَيتَهم عن المنكرِ، ولا يَصُدَّنَّك عن ذلك ما نالك منهم، ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: إن ذلك مما أمَر اللهُ به من الأمورِ عزمًا منه. وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
[حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال] (٢): حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ في قولِه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾. قال: اصبِرْ على ما أصابك من الأذى في ذلك، ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال: إن ذلك مما عزَم اللهُ عليه ﴿مِنْ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: مما أمرَ اللهُ به من الأمورِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾.
стр. 12657
اختلَفت القرأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ (١)﴾؛ فقرَأه بعضُ قرأَةِ الكوفةِ والمدنيِّين والكوفيِّين (٢): ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ على مثالِ "تُفَعِّل" (٣). وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين وعامةُ قَرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: (ولا تُصاعِرْ) على مثالِ "تُفاعِل".
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقال: إنهما قراءَتان قد قرَأ بكلِّ واحدةً منهما علماءُ من القرأَةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ الكلامِ: ولا تُعْرِضْ بوجهِك عمن كلَّمتَه؛ تكبُّرًا واستحقارًا لمن تُكَلِّمُه. وأصلُ الصَّعَر: داءٌ يَأْخُذُ الإبلَ في أعناقِها أو رءوسِها، حتى تَلْفِتَ أعناقَها عن رءوسِها، فيُشَبَّه به الرجلُ المتكبرُ على الناسِ، ومنه قولُ عمرِو بن [حُنَيٍّ التَّغْلِبيِّ] (٤):
وكُنَّا إِذا الجبَّارُ صعَّر خَدَّهُ … أَقَمْنا له من مَيلِه فَتَقَوَّما
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلْنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: لا تتكبَّر، فتَحْقِرَ عبادَ اللَّهِ، وتُعْرِضَ عنهم بوجهِك إذا كلَّموك (٥).
стр. 12658
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: ولا تُعرِضْ بوجهِك عن الناسِ تكبُّرًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: الصدودُ والإعراضُ بالوجهِ عن الناسِ (٢).
حدَّثني عليٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أبى الزرقاءِ، عن جعفرٍ بن بُرقانَ، عن يزيدَ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: إذا كلَّمك الإنسانُ لَوَيْتَ وجْهَك وأعرَضتَ عنه، مَحْقَرَةً له.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حيانَ الرقيُّ، عن جعفرٍ، عن (٣) ميمونِ بن مهرانَ، قال: هو الرجل يُكَلِّمُ الرجلَ، فيلوى وجهَه.
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، قال: ثنا أبو مَكينٍ، عن عكرمةَ في قولَه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: لا تُعْرِضُ بوجهِك (٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولَه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: لا تُعرِضْ عن الناسِ. يقولُ: أقبل على الناس بوجهِك وحُسنِ خُلُقِك (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا
стр. 12659
تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: تصعير الخدِّ: التجبُّرُ والتكبُّرُ على الناسِ ومَحْقَرَتُهم.
حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن أبي مَكِينٍ، عن عكرمةَ، قال: الإعراضُ.
وقال آخرون: إنما نهاه عن ذلك أن يَفْعَلَه لمن بينه وبينَه صَعَرٌ، لا على وجهِ التكبُّرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: الرجلُ يكون بينَه وبينَ أخيه الحِنَةُ (١)، فيراه فيُعْرِضُ عنه (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾. قال: هو الرجلُ بينَه وبينَ أخيه جنَّةٌ، فيُعْرِضُ عنه.
وقال آخرون: هو التشديقُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن أبي (٣) جعفرٍ الرازيِّ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: هو التشديقُ (٤).
стр. 12660
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: هو التشديقُ أو التشدُّقُ. الطبريُّ يَشُكُّ.
حدَّثنا يحيى بن طلحةَ، قال: ثنا فُضيل بن عياضٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ بمثلِه.
وقولُه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ يقولُ: ولا تَمْشِ في الأرضِ مُختالًا.
كما حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ يقولُ: بالخُيَلاءِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. قال: نهاه عن التكبُّرِ (١).
قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾: مُتَكبرٍ ذى فَخْرٍ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. قال: متكبرٍ. وقولَه: ﴿فَخُورٍ﴾. قال: يُعَدِّدُ ما أَعْطَى اللَّهُ، وهو لا يَشْكُرُ الله (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾.
стр. 12661
يقولُ: وتواضَعْ في مشيِك إذا مَشَيْتَ، ولا تَسْتَكبِرْ ولا تَستعجِلْ، ولكن اتَّئدْ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أن منهم من قال: أمَره بالتواضُعِ في مَشيه، ومنهم مَن قال: أمَره بتركِ السُّرْعةِ فيه.
ذكرُ مَن قال: أمَره بالتواضُعِ في مشيِه
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾. قال: التواضُعُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾. قال: نهاهُ عن الخُيَلاءِ (٢).
ذكرُ مَن قال: نهاه عن السُّرْعةِ
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُقبةَ، عن يزيدَ بن أبى حبيبٍ في قولِه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾. قال: من السرعةِ (٣).
قولَه: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾. يقولُ: واخفِضْ من صوتِك، فاجعَلْه قَصْدًا إذا تكلَّمتَ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ
стр. 12662
صَوْتِكَ﴾. قال: أمَره بالاقتصادِ في صوتِه (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيد في قولِه: وَ ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾. قال: اخفِضْ من صوتِك.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إِنَّ أقبحَ الأصواتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ وابن المثنى، قالا: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ وأبانِ بن تغلبَ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن جوبيرٍ، عن الضحَّاك: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾. قال: إن أقبحَ الأصواتِ، ﴿لَصَوْتُ الْحَمِير﴾.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. أي: أقبحَ الأصواتِ لصوتُ الحميرِ؛ أوله زفيرٌ، وآخرُه شهيقٌ، أمَره بالاقتصاد في صوته (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمعتُ الأعمشَ يقولُ: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ صوتُ الحميرِ (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن أشرَّ الأصواتِ.
стр. 12663
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن يحيى بن واضحِ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ والحكمِ ابن عتيبةَ: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾. قالا (١): أشرَّ الأصواتِ.
قال جابرٌ: وقال الحسنُ بنُ مسلمٍ: أشدَّ (٢) الأصواتِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. قال: لو كان رفعُ الصوتِ هو خيرًا ما جعَله للحميرِ (٣).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إِنَّ أقبحَ أو أشرَّ (٤) الأصواتِ، وذلك نظيرُ قولِهم إذا رأَوا وجهًا قبيحًا أو منظرًا شنيعًا: ما أنكَر وجهَ فلانٍ، وما أنكرَ منظرَه!
وأما قولُه: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. فأُضِيف الصوتُ وهو واحدٌ إلى الحميرِ وهى جماعةٌ؛ فإن بذلك وجهين؛ إن شِئْتَ قلْتَ: الصوتُ بمعنى الجمعِ، كما قيل: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. وإن شِئْتَ قلْتَ: معنى الحميرِ معنى الواحدِ؛ لأن الواحدَ في مثل هذا الموضِعِ يُؤَدِّي عما يُؤَدِّي عنه الجمعُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا
стр. 12664
كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أيُّها الناسُ، ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ من شمسٍ وقمرٍ ونَجمٍ وسَحابٍ، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ من دابةٍ وشجرٍ وماءٍ وبحرٍ [وفُلكٍ] (١) وغير ذلك من المنافع، يُجْرَى ذلك كُلُّه لمنافِعكم ومصالِحكم؛ لغذائِكم وأقواتِكم وأرزاقِكم ومَلاذِّكم، تتَمتعون ببعضِ ذلك كلِّه، وتنتفِعون بجميعِه، ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾.
واختلفتِ القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ المكيِّين وعامةُ الكوفيِّين: (وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً) على الواحدةِ، ووجَّهوا معناها إلى أنه الإسلامُ، أو إلى أنها شهادةُ أن لا إله إلا اللهُ. وقرَأتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿نِعَمَهُ﴾ على الجماعِ (٢)، ووجَّهوا معنى ذلك، إلى أنها النِّعمُ التي سخَّرها اللهُ للعبادِ، مما في السماواتِ والأرضِ، واستشهَدوا الصحةِ قراءتِهم ذلك كذلك بقولِه: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١]. قالوا: فهذا جمعُ النِّعم.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا: أنهما قراءتان مشهورتان في قرَأةِ الأمصارِ، متقاربِتا المعنى، وذلك أن النعمةَ قد تكونُ بمعنى الواحدةِ، ومعنى الجماعِ، وقد يَدخلُ في الجماعِ الواحدةَ. وقد قال جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، فمعلومٌ أنه لم يَعْنِ بذلك نعمةً واحدةً. وقال في موضعٍ آخَرَ: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل:١٢٠، ١٢١]، فجمَعها، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئ ذلك فمصيبٌ.
стр. 12665
ذِكرُ بعضِ مَن قرَأ ذلك على التوحيدِ، وفسَّره على ما ذكَرنا عن قارئيه أنهم يفسرونه.
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنى [مَسْتُورٌ الهنائيُّ] (١)، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، أنه قرَأها: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ (٢) ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. وفسَّرها؛ الإسلامَ (٣).
حُدِّثتُ عن الفرَّاءِ، قال: ثنى شَرِيكُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، أنه قرَأ: (نِعْمَةً) واحدةً. قال: ولو كانت نِعَمَه، لكانت نِعمَةً دونَ نعمَةٍ، أو نِعمةً فوقَ نِعمةٍ - الشكُّ مِن الفرّاءِ (٤).
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا حميدٌ، قال: قرَأ مجاهد: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ (٢) ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٥).
حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا ابن أبي بَكَيرٍ، عن شِبْلٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ (٢) ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. قال: كان يقولُ: هي لا إلهَ إلا اللهُ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ:
стр. 12666
(وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَةً (١) ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً). قال: لا إلهَ إِلا اللَّهُ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدَمَ، عن سفيانَ، عن عيسى، عن قَيْسٍ، عن ابن عباسٍ: (نِعَمَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً). قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٢).
وقولُه: ﴿ظَاهِرَةً﴾. يقولُ: ظاهرةً على الألسُنِ قولًا، وعلى الأبدانِ وجوارحِ الجسدِ عملًا.
وقولُه: ﴿وَبَاطِنَةً﴾. يقولُ: وباطنةً في القلوبِ اعتقادًا ومعرفةً.
وقولُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن الناسِ مَن يُخاصِمُ في توحيدِ اللهِ، وإخلاصِ الطاعةِ والعبادةِ له بغيرِ علمٍ عندَه بما يُخاصِمُ، ﴿وَلَا هُدًى﴾. يقولُ: ولا بيانٍ يُبَيِّنُ به صحةَ ما يقولُ، ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِير﴾. يقولُ: ولا بِتنزيلٍ من اللَّهِ جَاء بِما يَدَّعِي، يُبَيِّنُ حَقِّيةَ دَعواه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾: ليس معه من اللهِ برهانٌ ولا كتابٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾.
стр. 12667
يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل لهؤلاء الذين يُجادِلون في توحيدِ اللَّهِ، جهلًا منهم بعظمةِ اللَّهِ: اتَّبعوا أيُّها القومُ ما أنزَل اللهُ على رسولِه، وصَدَّقوا به، فإنه يَفْرُقُ بينَ المحقِّ منا والمبطِلِ، ويَفْصِلُ بَينَ الضالِّ والمهندى. فقالوا: بل نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عليه آباءَنا من الأديانِ؛ فإنهم كانوا أهلَ حقٍّ. قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ بتزيِينِه لهم سوءَ أعمالِهم، واتِّباعِهم إياه على ضلالتِهم، وكفرِهم باللهِ، وتركهم اتِّباعَ ما أنزَل اللهُ من كتابِه على نبيِّه - ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. يعني: عذابِ النارِ التي تَتَسَعَّرُ وتَلْتَهِبُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُعَبِّدُ وَجْهَهُ مُتَذلِّلًا بالعبودةِ، مُقِرًّا له بالألوهةِ، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يقولُ: وهو مُطيعٌ الله في أمَره ونهِيه ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. يقولُ: فقد تمسَّك بالطَّرَفِ الأوثقِ الذي لا يخافُ انقطاعَه مَن تَمَسَّك به، وهذا مَثَلٌ. وإنما يعنى بذلك أنه قد تمسَّك مِن رضا اللهِ يإسلامِه وجهَه إليه وهو مُحسِنٌ - ما لا يَخافُ معه عذابَ الله يومَ القيامةِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي السَّوداء، عن جعفرٍ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (١).
стр. 12668
وقولُه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: وإلى اللَّهِ مَرْجِعُ عاقبةِ (١) كلِّ أمرٍ؛ خيرِه وشرِّه، وهو المُسائِلُ أهلَه عنه، ومُجازِيهم عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن كفر بالله فلا يَحْزُنُك كفرُه، ولا تَذْهَبْ نفسُك عليهم حَسْرةً؛ فإنَّ مرجِعَهم ومصيرَهم يومَ القيامةِ إلينا، ونحن نُخْبِرُهم بأعمالِهم الخبيثةِ التي عمِلوها في الدنيا، ثم نُجازِيهم عليها جزاءَهم؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ: إن الله ذو علمٍ بما تُكِنُّه صدورُهم مِن الكفرِ باللهِ وإيثارِ طاعةِ الشيطانِ.
وقولُه: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾. يقولُ: نُمْهِلُهم في هذه الدنيا مَهْلًا قَلِيلًا يَتَمَتَّعون فيها. ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. يقولُ: ثم نُورِدُهم على كُرْهٍ منهم عذابًا غليظًا، وذلك عذابُ النارِ، نعوذُ باللهِ منها ومن عملٍ يُقَرِّبُ منها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن سألتَ يا محمدُ هؤلاء المشرِكين باللهِ مِن قومِك: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: فإذا قالوا ذلك، فقُل لهم: الحمدُ للهِ الذي خلَق ذلك، لا لمن لا يَخْلُقُ شيئًا
стр. 12669
وهم يُخلقون.
ثم قال تعالى ذكرُه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: بل أكثرُ هؤلاء المشركين لا يَعْلَمون من الذي له الحمدُ، وأين موضِعُ الشكرِ.
وقولُه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: للهِ كلُّ ما في السماواتِ والأرضِ من شيءٍ، مُلْكًا كائنًا ما كان ذلك الشيءُ؛ من وَثنٍ وصنمٍ وغيرِ ذلك مما يُعْبَدُ أو لا يُعْبَدُ. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. يقولُ: إن الله هو الغنيُّ عن عبادِة هؤلاء المشركين به الأوثانَ والأندادَ، وغيرِ ذلك منهم ومن جميعِ خلقِه؛ لأنهم مِلْكٌ له، وبهم الحاجةُ إليه، ﴿الْحَمِيدُ﴾. يعني: المحمودُ على نعمِه التي أنعَمها على خلقِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولو أن شجرَ الأرضِ كلِّها بُرِيَت أقلامًا، ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾. يقولُ: والبحرُ له مدادٌ. والهاءُ في قولَه: ﴿يَمُدُّهُ﴾. عائدةٌ على البحرِ. وقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. وفي هذا الكلامِ محذوفٌ استغنى بدَلالةِ الظاهرِ عليه منه، وهو: يُكْتَبُ كلامُ اللهِ بتلك الأقلامِ، وبذلك المِدادِ، لتكسَّرت تلك الأقلامُ، ولنفِد ذلك المدادُ، ولم تَنْقَدْ كلماتُ اللَّهِ وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سألتُ الحسنُ عن هذه الآيةِ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ﴾. قال: لو جَعَل شجرَ الأَرضِ
стр. 12670
أقلامًا، وجعَل البحورَ مدادًا. وقال اللهُ: إن مِن أمرى كذا، ومن أمرى كذا، لنَفِد ماءُ البحورِ، وتكسَّرتِ الأقلام (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرٌو في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾. قال: لو بُرِيت أقلامًا والبحرُ مدادًا، فكُتِب بتلك الأقلامِ منه، ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ولو مدَّه سبعةُ أبحرٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. قال: قال المشركون: إنما هذا كلامٌ يُوشِكُ أَن يَنْفَدَ. قال: لو كان شجرُ البرِّ (٢) أقلامًا، ومع البحرِ سبعةُ أبحرٍ ما كان لِتَنْفَدَ عجائبُ ربِّي وحكمتُه وخَلْقُه وعلمُه (٣).
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ في سببِ مجادلةٍ كانت من اليهودِ له.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، قال: ثنى رجلٌ من أهلِ مكةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: أن أحبارَ يهودَ قالوا لرسوِل
стр. 12671
اللهِ ﷺ بالمدينة: يا محمدُ أرأَيتَ قولَك (١): ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. إيَّانا تُريدُ أم قومك؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "كُلًّا". فقالوا: ألستَ تَتْلُو فيما جاءك: أنَّا قد أُوتينا التوراةَ فيها تبيانُ كلِّ شيءٍ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنها في علمِ اللهِ قليلٌ، وعندَكم من ذلك ما يَكْفيكم". فأنزَل اللهُ عليه فيما سأَلوه عنه من ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾: أي أن التوراةَ في هذا من علمِ الله قليلٌ (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى ابن (٣) عبدِ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، قال: سأَل أهلُ الكتابِ رسولَ اللهِ ﷺ عن الروحِ، فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. فقالوا: تَزْعُم أَنَّا لم نُؤْتَ من العلمِ إلا قليلًا، وقد أُوتينا التوراةَ وهى الحكمةُ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. قال: فنزَلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. قال: "ما أُوتِيتُم من علم فنجَّاكم اللهُ به من النارِ وأدخَلكم الجنةَ، فهو كثيرٌ طيبٌ، وهو في علمِ اللهِ قليلٌ" (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: لما نزَلتْ بمكةَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: يعنى اليهود؛ فلما هاجر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، أتاه أحبارُ يهودَ،
стр. 12672
فقالوا: يا محمدُ ألم يَبْلُغْنا أنك تقولُ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أفعنَيتَنا أم قومَك؟ قال: "كُلًّا قد عَنَيْتُ". قالوا: فإنك تَتْلُو أَنَّا قد أُوتينا التوراةَ وفيها تبيانُ كلَّ شيءٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "هي في عالمِ اللهِ قليلٌ، وقد آتاكم اللهُ ما إن عمِلْتم به انتفعتُم". فأنزَل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١).
واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولَه: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والكوفة: ﴿وَالْبَحْرُ﴾ رفعًا على الابتداءِ، وقرأته قرأَةُ البصرةِ نصبًا، عطفًا به على "ما" في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢). وبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ عندى.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: إن الله ذو عزَّةٍ في انتقامِه ممن أشرَك به، وادَّعى معه إلهًا غيرَه، حكيمٌ في تدبيرِه خلقَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ما خلقُكم أيُّها الناسُ ولا بعثُكم على اللَّهِ إلا كخلقِ نفسٍ واحدةٍ وبعثِها، وذلك أن الله لا يتعذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه، ولا يَمْتَنِعُ منه شيءٌ شاءه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. فسواءٌ خَلْقُ واحدٍ وبعثه، وخلقُ الجميعِ وبعثُهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 12673
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثني أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يقولُ: كُنْ فَيَكُونُ للقليلِ والكثيرِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، قال: يقولُ: إنما خَلْقُ اللهِ الناسَ كلَّهم وبَعْتُهم كخلقِ نفسٍ واحدةٍ وبعثِها (٢).
وإنما صلَح أن يُقال: إلَّا كنفسٍ واحدةٍ، والمعنى: إلا كخلقِ نفسٍ واحدةٍ؛ لأن المحذوفَ فعلٌ يَدُلُّ عليه قولُه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ﴾. والعربُ تَفْعَلُ ذلك في المصادرِ، ومنه قولُ اللَّهِ: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٩]. والمعنى: كدورانِ عين الذي يُغْشَى عليه من الموتِ، فلم يَذْكُرِ الدورانَ والعينَ لما وَصَفتُ.
وقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله سميعٌ لما يَقولُ هؤلاء المشرِكون ويَفْتَرونه على ربِّهم، من ادِّعائهم له الشركاءَ والأندادَ، وغيرِ ذلك من كلامِهم وكلامِ غيرِهم، بصيرٌ بما يَعْمَلونه وغيرُهم من الأعمالِ، وهو مُجازِيهم على ذلك جزاءَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ
стр. 12674
فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ بعينِك ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾. يقولُ: يزيدُ من نقصانِ ساعاتِ الليلِ في ساعاتِ النهارِ ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. يقولُ: يَزِيدُ ما نقَص من ساعاتِ النهارِ في ساعاتِ اللَّيلِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾: نُقصانُ الليل في زيادةِ النهارِ، ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: نقصان النهار في زيادة الليل (١).
وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسخَّر الشمسَ والقمرَ لمصالحِ خلقِه ومنافعِهم، ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾. يقولُ: كلُّ ذلك يَجْرِى بأمرِه إلى وقتٍ معلومٍ وأجلٍ محدودٍ إذا بلغه كُوِّرَت الشمسُ والقمرُ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: لذلك كلِّه وقتٌ وحدٌ معلومُ لا يُجاوِزُه ولا يَعْدُوه (٢).
стр. 12675
وقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. يقولُ: وأن الله بأعمالكم، أيُّها الناسُ، من خيرٍ أو شرٍّ ذو خبرة وعلم، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازيكم على جميعِ ذلك. وخرَج هذا الكلامُ خِطابًا لرسولِ اللهِ ﷺ والمعنيُّ به المشرِكون، وذلك أنه تعالى ذكرُه نبَّه بقولَه: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ على موضع حُجَّتِه - مَن جَهل عظمتَه، وأشرَك في عبادتِه معه غيرَه، يَدُلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أخبَرتُك، يا محمدُ، أن الله فعَله من إيلاجِه الليلَ في النهارِ والنهارَ في الليلِ، وغيرِ ذلك من عظيمِ قُدرَتِه، إنما فعَله بأنه هو اللَّهُ حقًّا، دونَ ما يدعوه هؤلاء المشرِكون به، وأنه لا يَقْدِرُ على فعلِ ذلك سِواه، ولا تَصْلُحُ الألوهةُ إلا لمن فعَل ذلك بقُدْرِته.
وقولُه: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبأن الذي يَعْبُدُ هؤلاء المشركون من دونِ اللهِ - الباطلُ الذي يَضْمَحِلُّ، فَيَبِيدُ ويَفْنى، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبأن الله هو العليُّ، يقولُ: هو ذو العُلوِّ على كلِّ شيءٍ، وكلُّ ما دونَه فله مُتذلِلٌ منقادٌ، الكبيرُ الذي كلُّ شيءٍ دونَه فله مُتَصَاغِرُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ألم تَرَ، يا محمدُ، أن السفنَ تَجْرِى في