← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12671–12710 · переход к 12676.

стр. 12671

اللهِ ﷺ بالمدينة: يا محمدُ أرأَيتَ قولَك (١): ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. إيَّانا تُريدُ أم قومك؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "كُلًّا". فقالوا: ألستَ تَتْلُو فيما جاءك: أنَّا قد أُوتينا التوراةَ فيها تبيانُ كلِّ شيءٍ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنها في علمِ اللهِ قليلٌ، وعندَكم من ذلك ما يَكْفيكم". فأنزَل اللهُ عليه فيما سأَلوه عنه من ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾: أي أن التوراةَ في هذا من علمِ الله قليلٌ (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى ابن (٣) عبدِ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، قال: سأَل أهلُ الكتابِ رسولَ اللهِ ﷺ عن الروحِ، فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. فقالوا: تَزْعُم أَنَّا لم نُؤْتَ من العلمِ إلا قليلًا، وقد أُوتينا التوراةَ وهى الحكمةُ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. قال: فنزَلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. قال: "ما أُوتِيتُم من علم فنجَّاكم اللهُ به من النارِ وأدخَلكم الجنةَ، فهو كثيرٌ طيبٌ، وهو في علمِ اللهِ قليلٌ" (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: لما نزَلتْ بمكةَ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: يعنى اليهود؛ فلما هاجر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، أتاه أحبارُ يهودَ،

стр. 12672

فقالوا: يا محمدُ ألم يَبْلُغْنا أنك تقولُ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أفعنَيتَنا أم قومَك؟ قال: "كُلًّا قد عَنَيْتُ". قالوا: فإنك تَتْلُو أَنَّا قد أُوتينا التوراةَ وفيها تبيانُ كلَّ شيءٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "هي في عالمِ اللهِ قليلٌ، وقد آتاكم اللهُ ما إن عمِلْتم به انتفعتُم". فأنزَل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١). واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولَه: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والكوفة: ﴿وَالْبَحْرُ﴾ رفعًا على الابتداءِ، وقرأته قرأَةُ البصرةِ نصبًا، عطفًا به على "ما" في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢). وبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ عندى. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: إن الله ذو عزَّةٍ في انتقامِه ممن أشرَك به، وادَّعى معه إلهًا غيرَه، حكيمٌ في تدبيرِه خلقَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما خلقُكم أيُّها الناسُ ولا بعثُكم على اللَّهِ إلا كخلقِ نفسٍ واحدةٍ وبعثِها، وذلك أن الله لا يتعذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه، ولا يَمْتَنِعُ منه شيءٌ شاءه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. فسواءٌ خَلْقُ واحدٍ وبعثه، وخلقُ الجميعِ وبعثُهم. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12673

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثني أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يقولُ: كُنْ فَيَكُونُ للقليلِ والكثيرِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، قال: يقولُ: إنما خَلْقُ اللهِ الناسَ كلَّهم وبَعْتُهم كخلقِ نفسٍ واحدةٍ وبعثِها (٢). وإنما صلَح أن يُقال: إلَّا كنفسٍ واحدةٍ، والمعنى: إلا كخلقِ نفسٍ واحدةٍ؛ لأن المحذوفَ فعلٌ يَدُلُّ عليه قولُه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ﴾. والعربُ تَفْعَلُ ذلك في المصادرِ، ومنه قولُ اللَّهِ: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٩]. والمعنى: كدورانِ عين الذي يُغْشَى عليه من الموتِ، فلم يَذْكُرِ الدورانَ والعينَ لما وَصَفتُ. وقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله سميعٌ لما يَقولُ هؤلاء المشرِكون ويَفْتَرونه على ربِّهم، من ادِّعائهم له الشركاءَ والأندادَ، وغيرِ ذلك من كلامِهم وكلامِ غيرِهم، بصيرٌ بما يَعْمَلونه وغيرُهم من الأعمالِ، وهو مُجازِيهم على ذلك جزاءَهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ

стр. 12674

فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ بعينِك ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾. يقولُ: يزيدُ من نقصانِ ساعاتِ الليلِ في ساعاتِ النهارِ ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. يقولُ: يَزِيدُ ما نقَص من ساعاتِ النهارِ في ساعاتِ اللَّيلِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾: نُقصانُ الليل في زيادةِ النهارِ، ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: نقصان النهار في زيادة الليل (١). وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسخَّر الشمسَ والقمرَ لمصالحِ خلقِه ومنافعِهم، ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾. يقولُ: كلُّ ذلك يَجْرِى بأمرِه إلى وقتٍ معلومٍ وأجلٍ محدودٍ إذا بلغه كُوِّرَت الشمسُ والقمرُ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ: لذلك كلِّه وقتٌ وحدٌ معلومُ لا يُجاوِزُه ولا يَعْدُوه (٢).

стр. 12675

وقولُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. يقولُ: وأن الله بأعمالكم، أيُّها الناسُ، من خيرٍ أو شرٍّ ذو خبرة وعلم، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو مُجازيكم على جميعِ ذلك. وخرَج هذا الكلامُ خِطابًا لرسولِ اللهِ ﷺ والمعنيُّ به المشرِكون، وذلك أنه تعالى ذكرُه نبَّه بقولَه: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ على موضع حُجَّتِه - مَن جَهل عظمتَه، وأشرَك في عبادتِه معه غيرَه، يَدُلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أخبَرتُك، يا محمدُ، أن الله فعَله من إيلاجِه الليلَ في النهارِ والنهارَ في الليلِ، وغيرِ ذلك من عظيمِ قُدرَتِه، إنما فعَله بأنه هو اللَّهُ حقًّا، دونَ ما يدعوه هؤلاء المشرِكون به، وأنه لا يَقْدِرُ على فعلِ ذلك سِواه، ولا تَصْلُحُ الألوهةُ إلا لمن فعَل ذلك بقُدْرِته. وقولُه: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبأن الذي يَعْبُدُ هؤلاء المشركون من دونِ اللهِ - الباطلُ الذي يَضْمَحِلُّ، فَيَبِيدُ ويَفْنى، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبأن الله هو العليُّ، يقولُ: هو ذو العُلوِّ على كلِّ شيءٍ، وكلُّ ما دونَه فله مُتذلِلٌ منقادٌ، الكبيرُ الذي كلُّ شيءٍ دونَه فله مُتَصَاغِرُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ألم تَرَ، يا محمدُ، أن السفنَ تَجْرِى في

стр. 12676

البحرِ نعمةً من اللهِ على خلقِه؛ ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾. يقولُ: ليُرِيَكم من عبرِه وحُجَجِه عليكم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ: إن في جَرْيِ الفلكِ في البحرِ دَلالة على أن الله الذي أجرَاها هو الحقُّ، وأن ما يدعون من دونِه الباطلُ، ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ: لكلِّ مَن صبَّر نفسَه عن محارمِ اللهِ، وشكَره على نعمِه فلم يَكْفُرْه. حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان مطرِّفٌ يقولُ: إن من أحبِّ عباد الله إليه الصبَّارَ الشَّكورَ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ عن مغيرة قال: الصبرُ نصفُ الإيمان، والشكرُ نصفُ الإيمانِ، واليقينُ الإيمانُ كلُّه، ألم تَرَ أَن (٢) قولَه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: إِنَّ في ذلك لآياتٍ للموقنين، إنَّ في ذلك لآياتٍ للمؤمنين. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. قال: الصبرُ نصفُ الإيمانِ، واليقينُ الإيمانُ كلُّه (٣). إن قال قائلٌ: وكيفَ خصَّ هذه الدَّلالةَ بأنها دَلالةٌ للصبَّارِ الشَّكورِ، دونَ سائرِ الخلقِ؟ قيل: لأن الصبرَ والشكرَ من أفعالِ ذوى الحِجا والعقولِ، فأخبَر: إن في ذلك لآياتٍ لكلٍّ ذى عقلٍ؛ لأن الآياتِ جعَلها اللهُ عِبرًا لذوى العقولِ والتمييزِ.

стр. 12677

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا غَشِى هؤلاء الذين يَدْعون من دونِ اللهِ الآلهة والأوثانَ في البحرِ إذا ركِبوا في الفُلْكِ - موج كالظُّلَل، وهى جمعُ ظُلَّةٍ، شبَّه بها الموجَ في شدةِ سوادِ كثرةِ الماءِ؛ قال نابغةُ بنى جَعْدَةَ في صفةِ بحرٍ (١): يُماشِيهِنَّ (٢) أخضرُ ذو ظِلالٍ … على حافاتِه فِلَقُ الدِّنَانِ وشبَّه الموجَ وهو واحدٌ بالظُّلَلِ، وهى جماعٌ؛ لأن الموجَ يأتي شيءٌ منه بعدَ شيءٍ، ويَرْكَبُ بعضه بعضا كهيئةِ الظُّلَلِ. وقولُه: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا غَشِى هؤلاء موجٌ كالظُّلَل، فخافوا الغرَقَ، فزِعوا إلى اللهِ بالدعاءِ مخلصين له الطاعةَ، لا يُشْرِكون به هنالك شيئًا، ولا يدعون معه أحدًا سِواه، ولا يَسْتَغيثون بغيرِه قولَه: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ الله مما كانوا يَخافونه في البحرِ من الغرقِ والهلاكِ، إلى البِّرِ [والحدِّ] (٣)، ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. يقولُ: فمنهم مقتصدٌ في قولِه وإقرارِه بربِّه، وهو مع ذلك مُضْمِرٌ الكفرَ به. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12678

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. قال: المقتصدُ في القولُ وهو كافرٌ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولَه: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. قال: المقتصِدُ الذي على صلاحٍ من الأمرِ. وقولُه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما يَكْفُرُ بأدلتِنا وحُجَجنا إلا كلُّ غدَّارٍ بعهده. والخَيَّرُ عند العربِ: أقبحُ الغدرِ، ومنه قولُ عمرِو بن معدِيكَرِبَ (٢) وإنك لو رأيت أبا عُمَيرٍ … ملأت يَدَيكَ من غَدْرٍ وخَتْرٍ وقولُه: ﴿كَفُورٍ﴾. يعني: جَحودٍ للنِّعمِ، غيرِ شاكرٍ ما أُسْدِى إليه من نعمةٍ. وبنحوِ الذي قلْنا في معنى الختارِ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن ليثِ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. قال: كلُّ غدَّارٍ (٣).

стр. 12679

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ﴾. قال: غدَّارٍ (١). حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا ابن عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. قال: غدَّارٍ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. الختارُ: الغَدَّارُ، كلُّ غَدَّارٍ بذِمَّتِه كفورٍ بربِّه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. قال: كلُّ جحادٍ كَفورٍ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾. قال: الختَّارُ: الغدَّارُ، كما تقولُ: غدَرني (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مِسْعَرٍ، قال: سمِعتُ قتادة، قال: الذي يَغْدِرُ بعهدِه (٦).

стр. 12680

قال: ثنا المحارِبيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: الغدَّارُ (١). قال: ثنا أبي، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ الكاهليِّ، عن عليٍّ ﵁ قال: المكرُ غدرٌ، والغدرُ كفرُ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيُّها المشرِكون من قريشٍ، اتَّقوا الله وخافوا أن يَحِلَّ بكم سخَطُه في يومٍ لا يُغنى والدٌ عن ولدِه، ولا مولودٌ هو مُغْنٍ عن والده شيئًا؛ لأنَّ الأمرَ يَصيرُ هنالك بيدِ مَن لا يُغالَبُ، ولا تَنْفَعُ عندَه الشفاعةُ والوسائلُ إلا وسيلةٌ من صالِحاتِ الأعمالِ التي أسلفَها في الدنيا. وقولُه: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. يقولُ: اعلَموا أن مجئَ هذا اليوم حقٌّ، وذلك أن الله قد وعَده عباده ولا خُلْفَ لوعدِه. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: فلا تَخْدَعَنَّكم زينة الحياةِ الدنيا ولذَّاتُها، فتَمِيلوا إليها، وتَدَعُوا الاستعدادَ لما فيه خلاصُكم مِن عقابِ اللَّهِ ذلك اليومَ. وقولُه: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. يقولُ: ولا يَخْدَعَنَّكم باللَّهِ خادعٌ. والغَرُورُ بفتح الغَينِ، هو ما غرَّ الإنسانَ من شيءٍ، كائنًا ما كان، شيطانًا (٣) كان أو إنسانًا أو دُنيا.

стр. 12681

وأما الغُرورُ بضمِّ الغَيْنِ، فهو مصدرٌ من قول القائل: غَرَرْتُه غُرُورًا. وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولَه: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور﴾. قال أهلُ التأويل. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْغَرُورُ﴾. قال: الشيطانُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: ذاكم الشيطانُ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بن خالدٍ المَرْوَزِيَّ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولَه: ﴿الْغَرُورُ﴾. قال: الشيطان (٣). وكان بعضهم يتأولُ الغَرور بما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن لهيعةَ، عن عطاءِ بن دينار، عن سعيدِ بن جبيرٍ قولَه: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال: أن تَعْمَلَ بالمعصية، وتَتَمَنَّى المغفرةَ (٤).

стр. 12682

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ - هو آتيكم، عِلمُ إتيانه إيَّاكم عندَ ربِّكم، لا يَعْلَمُ أحدٌ متى هو جائيكم، لا يَأْتيكم إلا بغتةً، فاتَّقُوه أن يَفْجَأَكم بغتةً وأنتم على ضلالِتكم لم تُنِيبوا منها، فتصيروا من عذابِ اللهِ وعقابِه إلى ما لا قِبَلَ لكم به، وابتَدَأ تعالى ذكرُه الخبرَ عن علمه بمجيءِ الساعةِ - والمعنى ما ذكَرتُ لدَلالةِ الكلامِ على المرادِ منه - فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ التي تَقومُ فيها القيامة، لا يَعْلَمُ ذلك أحدٌ غيره، ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ من السماءِ، لا يَقْدِرُ على ذلك أحدٌ غيرُه، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾: أرحامِ الإناثِ، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾. يقولُ: وما تَعْلَمُ نفسُ حيٍّ ماذا تَعْمَلُ في غدٍ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. يقولُ: وما تَعْلَمُ نفس حيٍّ بأى أرضٍ تكونُ مَنيَّتُها، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. يقولُ: إن الذي (١) يَعْلَمُ ذلك كلَّه، هو اللهُ دونَ كلَّ أحدٍ سِواه، إنه ذو علم بكل شيءٍ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ، خبيرٌ بما هو كائنٌ، وما قد كان. وبنحوِ الذي قلْنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

стр. 12683

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. قال: جاءَ رجلٌ - قال أبو جعفرٍ: أَحْسَبُه قال: إلى النبيِّ ﷺ - فقال: إن امرأتي حُبْلَى، فَأَخْبِرْني ماذا تَلِدُ؟ وبلادُنا مَحْلٌ جَدْبَةٌ، فأخبِرْني متى يَنْزِلُ الغَيْثُ؟ وقد علِمتُ متى وُلِدْتُ، فأخبِرْني متى أموتُ؟ فأنزَل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى آخرِ السورةِ، قال: فكان مجاهدٌ يقولُ: هنَّ مفاتح الغيب التي قال اللهُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (١) [الأنعام: ٥٩]. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية. أشياءُ من الغيبِ، استَأْثَر اللهُ بِهِنَّ، فلم يُطْلِعْ عَليهِنَّ مَلَكًا مُقَرَّبًا، ولا نَبِيًّا مُرْسلًا؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: فلا يَدْرى أحدٌ من الناس متى تَقومُ الساعةُ؟ في أيِّ سنةٍ؟ أو في أيِّ شهرٍ؟ أو ليلٍ؟ أو نهارٍ؟ ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: فلا يَعْلَمُ أَحدٌ متى يَنْزِلُ الغيثُ، ليلًا أو نهارًا يَنْزِلُ؟ ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾: فلا يَعْلَمُ أحدٌ ما في الأرحامِ؛ أذكرٌ أو أنثى، أحمرُ أو أسودُ، وما هو؟ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾: خيرٌ أم شرٌّ، ولا تَدْرِى يا بنَ آدَمَ متى تَموتُ، لعلك الميت غدًا، لعلك المصاب غدًا، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾: ليس أحدٌ من الناسِ يَدْرى أين مَضْجَعُه من الأرضِ؛ في بحرٍ أو برٍّ أو سهلٍ أو جبلٍ، تعالى وتبارَكَ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: قالت عائشةُ: مَن قال إن أحدًا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلا اللَّهَ فقد كذَب، وأعظَم الفِرْيَةَ على اللَّهِ،

стр. 12684

قال اللهُ: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) [النمل: ٦٥]. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن يونسَ بن عبيدٍ، عن عمرِو بن شُعيبٍ، أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، هل من العلمِ علمٌ لم تُؤْته؟ قال: "لَقَدْ أُوتِيتُ عِلمًا كَثِيرًا، وَعِلْمًا حَسَنًا". أو كما قال رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم تلا رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى: " ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. لا يَعْلَمُهن إلا اللهُ ﵎". حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني عمر (٢) بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَفاتحُ الغيبِ خَمْسةٌ". ثم قرَأ هؤلاء الآياتِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخرِها (٣). حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بن دينارٍ، أنه سمِع ابنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَفاتِحُ الغَيْبِ خمسٌ لا يَعْلَمُهن إلا اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية، ثم قال: ولا يعلم ما في غدٍ إلا اللهُ، ولا يعلم أحدٌ متى يَنزِلُ الغيثُ إلا اللهُ، ولا يعلمُ أحدٌ متى قِيامُ الساعةِ إلا اللهُ، ولا يعلمُ أحدٌ ما في الأرْحامِ إلا الله، ولَا تَدْرِى نَفْسٌ بأيِّ أَرْضٍ تَموتُ". حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بن دينارٍ، عن ابن

стр. 12685

عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَفاتِحُ الغَيْبِ خمس، لا يَعْلَمُها إِلا اللَّهُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن مِسْعَرٍ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بن سلمةَ عن ابن مسعودٍ، قال: كلُّ شيءٍ أُوتِيَه نبيُّكم ﷺ ، إلا علمَ الغيبِ الخمسِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: من حدَّثكَ أنه يَعْلَمُ ما في غدٍ فقد كذَب. ثم قرَأتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٣). قال: ثنا جريرٌ وابنُ عُلَيةَ، عن أبي حَيَّانَ (٤)، عن أبي زرعةً، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "خَمْسٌ لا يَعْلَمُهن إلا اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ

стр. 12686

الْغَيْثَ﴾ " الآية (١) حدَّثني أبو شُرَحْبيلَ، قال: ثنا أبو اليمانِ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن جعفرٍ، [عن الأعمشِ] (٢)، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن سلمةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: كلُّ شيءٍ قد أُوتِىَ نبيُّكم، غيرَ مفاتيحِ الغيبِ الخمسِ. ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخرِها (٣). وقيل: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، وفيه لغةٌ أخرى (بأيَّةِ أَرْضٍ) (٤)، فمن قال: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾ اجتزأ بتأنيثِ الأرضِ من أن يَظْهَرَ في "أيِّ" تأنيثٌ آخَرُ، ومَن قال: (بأيَّةِ أرْضٍ) فأَنَّث "أيِّ"، قال: قد تَجْتَزِيء بـ "أيٍّ" مما أضيف إليه، فلابدَّ من التأنيثِ؛ كقولِ القائلِ: مررْتُ بامرأةٍ. فيُقَال له: بأيةٍ؟ ومرَرتُ برجلٍ. فيُقالُ له: بأيٍّ؟ ويُقالُ: أيُّ امرأةٍ جاءتْك وجاءَك؟ وأيةُ امرأةٍ جاءتك؟ آخر تفسيرِ سورة "لقمانَ".

стр. 12687

تفسيرُ سورةِ السجدةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾. قال أبو جعفرٍ: قد مضى البيانُ عن تأويلِ قولِه: ﴿الم﴾ بما فيه الكفايةُ (١). وقولُه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيلُ الكتابِ الذي نُزِّل على محمدٍ ﷺ ، لا شكَّ فيه، ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: من ربِّ الثقلينِ؛ الجنِ والإنسِ. كما حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه (٢). وإنما معنى الكلام: إن هذا القرآنَ الذي أُنزل على محمدٍ لا شكَّ فيه أنه مِن عندِ اللهِ، وليس بشعرٍ ولا سَجْعِ كاهنٍ، ولا هو مما تَخَرَّصَه محمدٌ ﷺ ، وإنما كذَّب جلَّ ثناؤُه بذلك قولَ الذين قالُوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. وقولَ الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤].

стр. 12688

وقولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقولُ المشركون باللهِ: اختَلَق هذا الكتابَ محمدٌ مِن قِبَل نفسِه، وتَكَذَّبَه. و "أم" هذه تقريرٌ، وقد بَيَّنَّا في غيرِ موضعٍ من كتابنا أن العربَ إذا اعتَرضَت بالاستفهامِ في أضعافِ كلامٍ قد تقدَّم بعضُه، [أنها تستفهم] (١) بـ "أم" (٢). وقد زعمَ بعضُهم أن معنى ذلك: ويقولون. وقال: "أم" بمعنى الواوِ، و (٣) بمعنى "بل" في مثل هذا الموضعِ. ثم أكْذَبهم تعالى ذكرُه فقال: ما هو كما تزعُمون وتقولون مِن أن محمدًا افتَراه، بل هو الحقُّ والصدقُ مِن عندِ ربِّك يا محمدُ، أنزله إليك؛ لتُنذِرَ قومًا بأسَ اللهِ وسَطوته، أن يَحِلَّ بهم على كفرِهم به، ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾. يقولُ: لم يأتِ هؤلاء القومَ الذين أرسَلك ربُّك يا محمدُ إليهم، وهم قومَه من قريشٍ، نذيرٌ ينذرُهم بأسَ اللهِ على كفرِهم قَبْلَك. وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: ليتَبَيَّنوا سبيلَ الحقِّ، فيعرِفوه ويؤمِنوا به. وبمثلِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. قال: كانوا أُمَّةً أُمَّيَّةً، لم يَأْتِهم نذيرٌ قبلَ محمدٍ ﷺ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي

стр. 12689

سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: المعبودُ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إِلَّا له، أيُّها الناسُ، ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ مِن خَلْقٍ ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ثم استَوى على عرشِه في اليومِ السابعِ، بعدَ خلقهِ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في اليومِ السابعِ. يقولُ: ما لكم أيُّها الناسُ إله إلا مَن فعَل هذا الفعلَ، وخلَق هذا الخَلْقَ العجيبَ في ستةِ أيامٍ. وقولُه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾. يقولُ: ما لكم أيُّها الناسُ دونَه وليٌّ يَلِى أمرَكم، وينصُرُكم منه إن أرادَ بكم ضَرًّا، ولا شفيعٌ يشفعُ لكم عندَه إن هو عاقَبكم على معصيتِكم إياه. يقولُ: فإياه فاتَّخِذوا وليًّا، وبه وبطاعته فاسْتَعِينوا على أمورِكم، فإنه يَمْنَعُكم إذا أراد منعَكم ممن أرادكم بسوءٍ، ولا يَقْدِرُ أحدٌ على دفعِه عما أراد بكم هو؛ لأنه لا يَظْهَرُه قاهرٌ، ولا يَغْلِبُه غالبٌ، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفلا تَعْتَبِرون وتَتَفَكَّرون أيُّها الناسُ، فتَعْلَموا أنه ليس لكم دونَه وليٌّ ولا شفيعٌ، فتُفْرِدوا له الأُلُوهة، وتُخلصوا له العبادةَ، وتَخْلعوا ما دونَه مِن الأندادِ والآلهةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾.

стр. 12690

يقولُ تعالى ذكرُه: الله هو الذي يُدَبِّرُ الأمرَ مِن أمرِ خلقِه، مِن السماءِ إلى الأرضِ، ثم يَعْرُج إليه. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى بقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إن الأمرَ يَنْزِلُ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ويَصْعَدُ مِن الأرضِ إلى السماءِ في يومٍ واحدٍ، وقَدْرُ ذلك ألفُ سنةٍ مما تَعُدُّون مِن أيامِ الدنيا؛ لأن ما بينَ الأرضِ إلى السماءِ خمُسمائةِ عامِ، وما بين السماءِ إلى الأرضِ مثل ذلك، فذلك ألفُ سنةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرِو بن معروفٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. يعني بذلك نزولَ الأمرِ من السماءِ إلى الأرضِ، ومن الأرضِ إلى السماءِ في يومٍ واحدٍ، وذلك مقدارُه ألفُ سنةٍ؛ لأن ما بين السماءِ إلى الأرضِ مَسيرةُ خمسِمائةِ عامٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ﴾ مِن أيامِكم ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. يقولُ: مقدارُ مسيرِه في ذلك اليومِ ألفُ سنةٍ مما تَعُدُّون من أيامِكم من أيامِ الدنيا؛ خمسُمائِة سنةٍ نزولُه، وخمسُمائةٍ صعودُه، فذلك ألفُ سنةٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ

стр. 12691

إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: [تَعْرُجُ الملائكةُ] (١) إلى السماءِ ثم تَنْزِلُ في يومٍ مِن أيامِكم هذه، وهو مسيرة ألفِ سنةٍ (٢). قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: مِن أيامِ الدنيا (٣). حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِى، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن أبي الحارثِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسِ في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ﴾ مِن أيامِكم هذه، و (٤) مسيرةُ ما بين السماءِ إلى الأرضِ خمسُمائةِ عامٍ (٥). وذُكر عن عبدِ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ، قال: تنحدرُ الأمور وتَصْعَدُ إلى (٦) السماءِ من (٧) الأرضِ في يومٍ واحدٍ، مقداره ألفُ سنةٍ، خمسُمائةٍ حين [ينزلُ، وخمسُمائةٍ حين] (٨) يعرُجُ (٩). وقال آخرون: بل معنى ذلك: يُدبِّرُ الأمر من السماءِ إلى الأرضِ، ثم يعرُجُ إليه، في يومٍ مِن الأيامِ الستةِ، التي خلَق اللهُ فيهنَّ الخلقَ، كان مقدارُ ذلك اليومِ ألفَ سنةٍ مما تعدُّون مِن أيَّامكم.

стр. 12692

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: ذلك مقدارُ المسيرِ. قولُه: ﴿كَأَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: خلَق السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ، وكلُّ يومٍ مِن هذه كألفُ سنةٍ مما تَعُدُّون أنتم (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: الستةُ الأيامُ التي خلق اللهُ فيها السماواتِ والأرضَ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾: يعنى هذا اليومَ مِن الأيامِ الستةِ التي خلَق اللهُ فيهن السماواتِ والأرض وما بينَهما (٣). وقال آخرون: بل معني ذلك: يدبِّرُ الأمرَ مِن السماءِ إلى الأرضِ بالملائكةِ، ثم تعرُجُ إليه الملائكةُ في يومٍ كان مقدارهُ ألفُ سنةٍ مِن أيامِ الدنيا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هذا

стр. 12693

في الدنيا، تعرُجُ الملائكةُ إليه في يومٍ كان (١) مقداره ألفُ سنةٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: ما بينَ السماءِ والأرضِ مسيرةُ ألفُ سنةٍ ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ مِن أيامِ الدُّنيا (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: ما بينَ السماءِ والأرضِ مسيرةُ ألفُ سنةٍ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبِّرُ الأمرَ مِن السماءِ إلى الأرضِ في يومٍ، كان مقدارُ ذلك التَّدْبِيرِ ألفَ سنةٍ ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ مِن أيامِ الدنيا، ثم يعرُجُ إليه ذلك التدبيرُ (٤) الذي دبَّره. ذكرُ مَن قال ذلك ذُكر عن حجاجٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، أنه قال: يُقْضَى أمرُ كلِّ شيءٍ ألفُ سنةٍ إلى الملائكة، ثم كذلك حتى تمضىَ ألفُ سنةٍ، ثم يُقْضَى أمرُ كلِّ شيءٍ ألفًا، ثم كذلك أبدًا، قال: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾. قال: "اليومُ" أن يقالَ لِما يُقْضَى إلى الملائكةِ ألفُ سنةٍ: كُن فيكونُ. ولكن سمَّاه يوما، سَمَّاه كما بَيَّنَّا كلَّ ذلك عن مجاهدٍ. قال: وقولُه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]. قال: هو هو سواءٌ (٥).

стр. 12694

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يُدَبِّرُ الأمر من السماءِ إلى الأرضِ، ثم يعرُجُ إلى اللهِ في يومٍ كان [مقدارُه ألفُ سنةٍ (١)، مقدارُ العُرُوج ألفُ سنةٍ مما تعدُّون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. قال: قال (٢) بعضُ أهلِ العلمِ: مقدارُ ما بينَ الأرضِ حينَ يَعْرُجُ إليه، إلى أن يَبْلُغَ عُرُوجَه - ألفُ سنةٍ، هذا مقدارُ ذلك المِعْراجِ في ذلك اليومِ حينَ يعرُجُ فيه. وأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: يُدَبِّرُ الأمرَ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ثم يعرُجُ إليه في يومٍ كان مقدارُ ذلك اليومِ في عُرُوجِ ذلك الأمرِ إليه، ونزولِه إلى الأرضِ، ألفَ سنةٍ مما تَعُدُّون مِن أيامِكم؛ خمسُمائةٍ في النزولِ، وخمسُمائةٍ في الصعودِ؛ لأن ذلك أظهرُ معانيه، وأَشْبَهها بظاهر التنزيل. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي يفعلُ ما وصفتُ لكم في هذه الآياتِ هو ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: يعنى: عالمُ ما يغيبُ عن أبصارِكم، أيُّها الناسُ، فلا تُبْصِرونه، مما تُكِنُّه الصدورُ، وتُخْفِيه النفوسُ، وما لم يَكُنْ بعدُ مما هو كائنٌ. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: يعني: ما شاهَدَتْه الأبصارُ فأبصَرَته وعاينَته، وما هو موجودٌ، ﴿الْعَزِيزُ﴾. يقولُ:

стр. 12695

الشديدُ في انْتقامِه مِمَّن كفَر به، وأشْرَك معه غيره، وكَذَّب رُسُلَه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن تابَ مِن ضلالتِه، ورجَع إلى الإيمانِ به وبرسولِه، والعملِ بطاعتِه؛ أن يُعَذِّبَه بعدَ التوبةِ. وقولُه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، اختلفَتِ القرأةِ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والبصرةِ: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بسكونِ اللامِ (١). وقرَأه بعضُ المدنيين وعامةُ الكوفيِّين: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتحِ اللامِ (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقال: إنهما قِراءتان مشهورتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، صَحيحتا المعنى، وذلك أن اللَّهَ أَحْكَم خَلْقَه، وأحْكَم كلِّ شيءٍ خَلَقَه، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وأَتْقَن كلَّ شيءٍ وأحْكَمه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ إبراهيمَ إشْكابُ (٣)، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. قال: أمَا إِنَّ اسْتَ القردِ ليست بحَسَنةٍ، ولكنه (٤) أحكَم خَلْقَها (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا أبو سعيدٍ المؤدِّبُ، عن

стр. 12696

خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنه كان يقرؤُها: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. قال: أمَا إِنَّ اسْتَ القردِ ليست بحسنةٍ، ولكنه أحكَمها (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. قال: أَتقَنَ كُلَّ شيءٍ خَلَقه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن موسى، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]: أحْصَى كلَّ شيءٍ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذي حَسَّنَ (٣) خَلْقَ كلِّ شيءٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. حَسَّن على نحو ما خَلق (٤). وذُكِر عن الحجَّاج، عن ابن مُجريج، عن الأعْرجِ، عن مجاهدٍ، قال: هو مثلُ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٥) [طه: ٥٠]، فلم يجعلْ خلقَ البهائمِ في خلقِ الناسِ، ولا خلقَ الناسِ في خلقِ البهائمِ، ولكن خلَق كلّ شيءٍ فقَدَّره تقديرًا (٦). وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعلْمَ كلَّ شيءٍ خلْقَه. كأنهم وجَّهوا تأويلِ

стр. 12697

الكلامِ إلى أنه ألْهَمَ خلْقَه ما يَحْتاجون إليه، وأن قولَه: ﴿أَحْسَنَ﴾. إنما هو مِن قولِ القائلِ: فلانٌ يُحْسِنُ كذا. إذا كان يَعْلَمُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَرِيك، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: (أحسن كل شيءٍ خَلْقَه). قال: أعطَى كلَّ شيءٍ خَلْقَه؛ قال: الإنسانُ للإنسان (١)، والفرسُ للفرس، والحمارُ للحمار. وعلى هذا القولُ، "الخَلْقُ" و "الكلُّ" منصوبان بوقوعِ "أحسنَ" عليهما. وأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ على قراءةِ مَن قَرأه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. بفتحِ اللامِ قولُ مَن قال: معناه أحْكَم وأتقَن؛ لأنه لا معنَى لذلك إذ قُرِئ كذلك إلا أحدُ وجهَين؛ إمَّا هذا الذي قلْنا من معنى الإحكامِ والإتقان، أو معنى التَّحْسين الذي هو في معنى الجمالِ والحُسْنِ، فلما كان في خَلْقِه ما لا يُشَكُّ في قُبْحِه وسَمَاجَتِه، عُلِم أنه لم يَعْنِ به أنه حَسَّن (٢) كلَّ ما خلَق، ولكن معناه أنه أحكَمه وأتقَن صنعتَه. وأما على القراءةِ الأخرى التي هي بتَسْكينِ اللامِ، فإن أَولى تأويلاتِه به قولُ مَن قال: معنى ذلك: أعلَم [وألْهم] (٣) كلِّ شيءٍ خلْقَه هو أحسَنَهم، كما قال: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]؛ لأن ذلك أظهرُ معانيه. وأمَّا الذي وجَّهَ تأويلَ ذلك إلى أنه بمعنى: الذي أحسَن خَلْقَ كلِّ شيءٍ. فإنه

стр. 12698

جَعَل الخَلْقَ نَصْبًا، بمعنى التفسيرِ، كأنه قال: الذي أحسَن كلَّ شيءٍ خَلْقًا منه. وقد كان بعضُهم يقولُ: هو من المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ. ويُوجِّهه إلى أنه نظيرُ قولِ الشاعرِ (١): وَظَعْنى إليك الليل حِضْنَيه إنَّني … لتلك إذا هابَ الهدانُ فَعُولُ يعنى: وظَعْنى حِضْنى الليلِ إليك. ونظيرُ قولِ الآخرِ (٢): كأن هندًا ثَناياها وبَهْجَتَها … يومَ التَقَيْنا على أدْحالِ (٣) دَبَّابٍ أي كأن ثَنايا هندٍ وبَهْجتَها. وقولُه: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبدأ خلقَ آدمَ مِن طينٍ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾. يعني: ذرِّيتَه مِن سُلالةٍ. يقولُ: من الماءِ الذي انسَلَّ فخرج منه. وإنما يعنى: مِن إراقةٍ من مائه؛ كما قال الشاعرُ (٤): فجاءتْ به عَضْبَ الأَدِيمِ غَضَنْفَرًا … سُلالَةَ فَرْجٍ كان غيرَ حَصِينِ وقولُه: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. يقولُ: مِن نُطْفَةٍ ضعيفةٍ رقيقةٍ. وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ

стр. 12699

مِنْ طِينٍ﴾. وهو خلق آدم، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾: أي: ذرِّيتَه، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، والسُّلالة: هي الماءُ المَهِينُ الضعيفُ (١). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن أبي يحيى الأعْرجِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾. قال: صَفْو الماءِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. قال: ضعيفٍ؛ نُطفةِ الرجلِ (٢). ﴿مَهِينٍ﴾. فَعِيلٍ مِن قولِ القائلِ: مَهُنَ فلانٌ. وذلك إِذا زَلَّ وضَعُفَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم سوَّى الإنسانَ الذي بدَأ خلقَه مِن طينٍ خلقًا سويًا معتدِلًا، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾، فصار حيًّا ناطقًا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: وأنْعَم عليكم أيُّها الناسُ ربُّكم؛ بأن أعطاكم السمعَ تَسْمَعون به الأصواتَ، والأبصارَ تُبْصِرون بها الأشخاصَ. والأفئدةَ تعقِلون بها الخيرَ من السُّوءِ؛ لتشكُروه على ما وهَب لكم مِن ذلك. وقولُه: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: وأنتم تشكُرون قليلًا من الشكرِ ربَّكم على ما أنعَم عليكم.

стр. 12700

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال المشركون باللهِ، المكذِّبون بالبَعْثِ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: صارت لحومُنا وعظامُنا ترابًا في الأرضِ. وفيها لغتان: ضَلَلْنا، وضَلِلْنا، بفتحِ اللامِ وكسرِها والقراءةُ على فتحِها، وهى الجَوداءُ، وبها نقرأُ (١). وذُكر عن الحسنِ أنه كان يقرأُ: (أئِذَا صَلَلْنا) بالصادِ (٢)، بمعنى: أَنْتَنَّا، مِن قولِهم: صَلَّ اللحمُ وأصَلَّ، إذا أنْتَنَ. وإنما عَنَى هؤلاء المشركون بقولِهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي: إذا هلكَت أجسادُنا في الأرضِ. لأن كلَّ شيءٍ غَلَب عليه غيره حتى خفى فيما غلَب، فإنه قد ضَلَّ فيه. تقولُ العربُ: قد ضَلَّ الماءُ في اللبن. إذا غَلَب اللبنُ (٣) عليه حتى لا يَتَبَيَّنَ فيه (٤)، ومنه قولُ الأخطلِ الجريرٍ (٥): كُنْتَ القَذَى فِي مَوْجٍ أَكْدَرَ مُزيدٍ … قَذَفَ الأَتِيُّ بهِ فَضَلَّ ضَلَالًا وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12701

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عَنْبسةَ، عن لَيْثٍ (١)، عن مجاهدٍ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أَئذا هَلَكْنا. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (٢)، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾: هَلكْنا (٣). حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدٌ: قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أَئذا كُنَّا عِظَامًا ورُفاتًا أنُبْعَثُ خلقًا جديدًا؟ يكفرون بالبَعْثِ!!. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. قال: قالوا: أئذا كُنَّا عِظَامًا ورُفاتًا أئنا لمبعوثون خلقًا جديدًا (٤)؟ وقولُه: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء المشركين جُحُودُ قُدرة الله على ما يشاءُ، بل هم بلقاءِ ربِّهم كافرون؛ حذرًا لعقابه، وخوفَ مُجازاتِه إيَّاهم على معصيتِهم إيَّاه، فهم من أجلِ ذلك يجحَدون لقاءَ ربِّهم في المعادِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ

стр. 12702

إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللَّهِ: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾. يقولُ: يَسْتوفى عددكم بقَبْضِ أرواحكِم ملكِ الموتِ الذي وُكِّل بقَبْضِ أرواحِكم، ومنه قولُ الراجزِ (١) إِنَّ بَنِي الأَدْرَم ليسوا مِن أَحَدٌ … ولا تَوَفَّاهُمْ قُرَيْشٌ في العَدَدْ ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: ثم (٢) من بعدِ قبْضِ مَلَكِ الموتِ أرواحَكم، إلى ربِّكم يوم القيامةِ تُرَدُّون أحياءً كهيئتكم قبلَ وفاتِكم، فيُجازى المحسنَ منكم بإحْسانِه، والمُسيء بإساءتِه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾. قال: مَلَكُ الموتِ يتوفّاكم (٣) ومعه أعوانٌ من الملائكةِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾. قال: حُوِيَت له الأرضُ، فجُعِلَت له مثلَ الطَّسْتِ، يَتَناول منها حيثُ يَشاءُ (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّام، عن عنبسةَ، عن محمدُ بنُ عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

стр. 12703

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد هؤلاء القائلين: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ﴾. إذ (١) هم ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ حَياءً [من ربِّهم] (٢) للذى سلَف منهم مِن مَعاصِيه في الدنيا، يقولون: يا ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ما كنا نُكَذِّبُ به من عقابِك أهلَ مَعاصِيك، ﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك تصديقَ ما كانت رسلُك تَأْمُرُنا به في الدنيا، ﴿فَارْجِعْنَا﴾. يقولُ: فَارْدُدْنا إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ﴾ فيها بطاعتِك، وذلك العملُ الصالحُ؛ ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾. يقولُ: إنا قد أيْقَنَّا الآنَ (٣) ما كنا به في الدنيا جُهَّالًا مِن وَحْدانيتك، وأنه لا يَصْلُحُ أَن يُعْبَدَ سِواك، ولا يَنْبَغى أن يكونَ ربٌّ سِواك، وأنك تَحْيى وتُميتُ، وتَبْعَثُ مَن في القبورِ بعدَ المَماتِ والفَناءِ، وتَفْعَلُ مَا تَشاءُ. وبنحوِ ما قلْنا في قولِه: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في (٤) قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قال: قد حزنوا واسْتَحْيَوْا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾.

стр. 12704

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ يا محمدُ، ﴿لَآتَيْنَا﴾ هؤلاء المشركين باللَّهِ مِن قومِك، وغيرَهم مِن أهل الكفرِ باللهِ - ﴿هُدَاهَا﴾ .. يعنى: رُشْدَها وتوفيقَها للإيمانِ باللهِ، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾. يقولُ: وجَب العذابُ منى لهم. وقولُه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. يعنى: مِن أهلِ المعاصى والكفرِ باللهِ منهم. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾. قال: لو شاء اللهُ لهَدَى الناسَ جميعًا لو شاء اللهُ لأَنزل عليهم (١) من السماءِ آيةً فظلَّت أعناقُهم لها خاضِعين، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾: حقَّ القولُ عليهم (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقال لهؤلاء المشركين باللَّهِ، إذا هم دخَلوا النار: ذُوقوا عذابَ اللهِ بما نسِيتُم لقاء يومِكم هذا في الدنيا، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾. يقولُ: إنا ترَكْناكم اليومَ في النارِ.

стр. 12705

وقولُه: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾. يقولُ: يقالُ (١) لهم أيضًا: ذُوقوا عذابًا تُخَلَّدون فيه إلى غير نهايةٍ ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مِن مَعاصِي اللَّهِ. وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه (٢): ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾. قال: نُسُوا مِن كلِّ خيرٍ، وأما الشرُّ فلم يُنْسَوْا منه. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾. يقولُ: تَرَكْناكم (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما يُصَدِّقُ بحججنا وآياتِ كتابِنا إلا القومُ الذين إذا ذُكِّروا بها ووُعِظوا ﴿خَرُّوا﴾ للهِ ﴿سُجَّدًا﴾ لوجوههم؛ تَذَلُّلًا له (٤)، واستكانةً لعظمتِه، وإقرارًا له بالعبوديةِ، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: وسبَّحوا الله في

стр. 12706

سجودِهم بحمدِه، فيُبَرِّئُونه مما (١) يَصِفُه أهلُ الكفرِ به، ويُضيفون إليه من الصاحبةِ والأولادِ والشركاءِ والأندادِ، ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ: يَفْعَلون ذلك، وهم لا يَسْتَكْبِرون عن (٢) السجودِ له والتسبيحِ، و (٣) لا يَسْتَنْكفون عن التذلُّلِ له والاستكانة. وقيل: إن هذه الآيةَ نزلت على رسولِ اللهِ ﷺ ؛ لأن قومًا من المنافقين كانوا اللَّهِ يَخْرُجون من المسجِد إذا أُقيمت الصلاةُ. ذُكر ذلك عن حجاجٍ، عن ابن جريجٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تَتَنَحَّى جُنوبُ هؤلاء الذين [يُؤْمِنون بآياتِ اللَّهِ، الذين] (٤) وُصِفَت صفتُهم، وتَرْتَفِعُ عن (٥) مضاجعِهم التي يَضْطَجِعون لمنامِهم، ولا يَنامون، ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ في عفوِه عنهم، وتفضُّلِه عليهم برحمتِه ومغفرته، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في سبيلِ اللَّهِ، ويُؤَدُّون منه (٦) حقوقَ اللَّهِ التي أَوْجَبها عليهم فيه. وتتجافى: تَتَفاعَلُ، مِن الجَفَاءِ، والجَفاءُ: النُّبُوُّ (٧)، كما قال الراجزُ (٨)

стр. 12707

وصاحِبِي ذاتُ هِبابٍ دَمْشَقُ (١) … وابنُ مِلاطٍ مُتَجَافٍ أَرْفَقُ يعنى: أن كرمَها سَجِيَّةٌ عن ابن ملاطٍ، وإنما وصَفهم تعالى ذكرُه بجفاءِ (٢). جُنُوبهم عن المضاجعِ؛ لتركهم الاضْطجاعَ للنومِ، شُغُلًا بالصلاة. واختَلف أهلُ التأويلِ في الصلاةِ التي وصفهم جلَّ ثناؤُه أن جُنُوبهم تَتَجَافَى لها (٣) عن المضطجعِ (٤)؛ فقال بعضُهم: هي الصلاةُ بينَ المغربِ والعشاءِ. وقال: نزلَت هذه الآيةَ في قومٍ كانوا يُصَلُّون في ذلك الوقتِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن (٥) أبي عَروبةَ، قال: قال قتادةُ: قال أنسٌ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. قال: كانوا يَتَنَفَّلون فيما بينَ المغربِ والعشاءِ، وكذلك ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ (٦). قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٌّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ في قولِه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يُصَلُّون ما بينَ هاتين الصلاتَين (٧).

стр. 12708

حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا حفصُ (١) بنُ غِياثٍ، عن سعيدِ، عن قتادةَ، عن أنسٍ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: ما بينَ المغربِ والعشاءِ (٢). حدَّثني محمدُ (٣) بنُ خَلَفٍ، قال: ثنا [زيدُ بنُ الحَبابِ] (٤)، قال: ثنا الحارثُ بنُ [وَجِيهٍ الرَّاسِبيُّ] (٥)، قال: ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن هذه الآيةَ نزلَت في رجالٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، كانوا يُصَلُّون فيما بينَ المغربِ والعشاءِ، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٦). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن سعيدِ بن أبي عُرُوبة، عن قتادةَ، عن أنسٍ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: كانوا يتطوَّعون فيما بينَ المغربِ والعشاءِ (٧). قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن أنسٍ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: ما بينَ المغربِ والعشاءِ (٨). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، [عن أنسٍ] (٩):

стр. 12709

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: كانوا يَتَيقظون (١) ما بينَ صلاةِ المغربِ وصلاةِ العشاءِ (٢). وقال آخرون: عُنى بها صلاة المغربِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ، عن عطاءٍ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: عن العَتَمةِ. وذُكر عن حجاجٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قال يحيى بنُ صَيْفِيٍّ، عن أبي سَلَمةَ، قال: العَتَمةُ (٣). وقال آخرون: لانْتظارِ صلاةِ العَتَمةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبد الله بن أبي زيادٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ (٤)، عن سليمانَ بن بلالٍ، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالكٍ، أن هذه الآيةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ نزلَت في انتظارِ الصلاةِ التي تُدْعَى العَتَمَةَ (٥). وقال آخرون: عُنِى بها قيامُ الليلِ.

стр. 12710

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: قيامُ الليلِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. قال: هؤلاء المُتَهَجِّدون لصلاةِ الليلِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾: يقومُون يُصَلُّون مِن الليلِ (٢). وقال آخرون: إنما هذه صفةُ قومٍ لا تَخْلو ألسنتُهم من ذكرِ اللَّهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: وهم قومٌ لا يزالون يذكُرون الله؛ إما في صلاةٍ، وإما قيامًا، وإما قُعُودًا، وإما إذا استيقَظوا مِن مَنامِهم، هم قومٌ لا يَزالون يذكُرون الله (٣).
следующие страницы →