← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12776–12815 · переход к 12781.

стр. 12776

﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. قال: ظنونًا مختلفةً: ظنَّ المنافقون أن محمدًا وأصحابَه سَيُستأْصَلون، وأَيْقَن المؤمنون أن ما وعَدهم اللهُ حقٌّ؛ أنه سيُظْهِرُه على الدينِ كلِّه ولو كرِه المشركون (١). واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأَةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيِّين: ﴿الظُّنُونَا﴾ بإثباتِ الألفِ، وكذلك: ﴿وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ و (٢): ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٦، ٦٧]. في الوصلِ والوقفِ (٣). وكان اعتلالُ المعتلِّ في ذلك لهم، أن ذلك في كلِّ مصاحفِ المسلمين بإثباتِ الألف في هذه الأحرفِ كلِّها. وكان بعضُ قرَأَةِ الكوفةِ يُثْبِتُ الألفَ فيهنَّ في الوقفِ ويَحْذِفُهن في الوصلِ (٤)؛ اعتلالًا بأن العربَ تفعلُ ذلك في قوافي الشعرِ ومصاريعِها، فتُلحقُ الألفَ في موضِع الفتحِ للوقوفِ، ولا تفعلُ ذلك في حشوِ الأبياتِ، وإن هذه الأحرفَ حسُن فيها إثباتُ الألفاتِ؛ لأنهن رءوسُ الآيِ، تمثيلًا لها بالقوافي. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرةِ والكوفةِ بحذفِ الألفِ من جميعِه في الوقفِ والوصلِ (٥)؛ اعتلالًا بأن ذلك غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ إلا في قوَافى الشعرِ دونَ غيرِها من كلامِهم، وأنها إنما تَفْعَلُ ذلك في القوافى؛ طلبًا لإتمامِ وزنِ الشعرِ، إذ لو لم تَفْعَلْ ذلك فيها لم يَصِحَّ الشعرُ، وليس ذلك كذلك في القرآنِ؛ لأنه لا شيءَ يَضْطَرُّهم إلى ذلك في القرآنِ، وقالوا: هنَّ، مع ذلك، في مصحفِ عبدِ اللهِ بغير ألفٍ. وأَوْلى القرَاءاتِ في ذلك عندى بالصوابِ: قراءةُ من قرَأه بحذفِ الألفِ في

стр. 12777

الوصلِ والوقفِ (١)؛ لأن ذلك هو الكلامُ المعروفُ من كلامِ العربِ، مع شهرةِ القراءةِ بذلك في قرأةِ المِصْرَين: الكوفةِ والبصرةِ. ثم القراءةُ بإثباتِ الألفِ فيهنَّ في حالِ الوقفِ والوصلِ؛ لأن علةَ مَن أثبَت ذلك في حالِ الوقفِ، أنه كذلك في خطوطِ مصاحفِ المسلمين. وإذا كانت العلةُ في إثباتِ ذلك (٢) في بعضِ الأحوالِ كونَه مثبَتًا في مصاحفِ المسلمين، فالواجبُ أن تكونَ القراءةُ في كلِّ الأحوالِ ثابتةً؛ لأنه مُثبَتٌ في مصاحفِهم، وغيرُ جائزٍ أن تكونَ العلةُ التي تُوجِبُ قراءةَ ذلك على وجهٍ من الوجوهِ في بعض الأحوالِ موجودةً في حالٍ أخرى، والقراءةُ مختلفةٌ. وليس ذلك لقوافي الشعرِ بنظيرٍ؛ لأن قوافيَ الشعرِ إنما تُلْحَقُ فيها الأَلِفاتُ في مواضعِ الفتحِ، والياءُ في مواضعِ الكسرِ، والواوُ في مواضعِ الضمِّ - طلبًا لتتِمَّةِ الوزنِ، وأن ذلك لو لم يُفْعَلْ كذلك، بطَل أن يكونَ شعرًا؛ لاستحالتِه عن وزنِه، ولا شيءَ يَضْطَرُّ تالىَ القرآنِ إلى فعلِ ذلك في القرآنِ. وقولُه: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: عندَ ذلك اختُبِر إيمانُ المؤمنين، ومُحِّص القومُ، و (٣) عُرِف المؤمنُ مِن المنافقِ. وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال: مُحِّصوا (٤).

стр. 12778

وقولُه: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: وحُرِّكوا بالفتنةِ تحريكًا شديدًا، وابتُلُوا وفُتِنوا. وقولُه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. شكٌّ في الإيمانِ، وضعفٌ في اعتقادِهم إياه: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وذلك فيما ذُكِر قولُ مُعَتِّبِ بن قُشَيْرٍ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ لقولِ (١) مُعَتِّبِ بن قُشَيْرٍ، إذ قال ما قال يومَ الخندقِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: تَكلُّمُهم بالنفاقِ يومئذٍ، وتكَلَّم المؤمنون بالحقِّ والإيمانِ. قالوا: هذا ما وعَدَنا اللهُ ورسولُه (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال: قال ذلك

стр. 12779

أُناسٌ مَن المنافقين: قد كان محمدٌ يَعِدُنا فتْحَ فارسَ والرومِ، وقد حُصِرْنا ههنا، حتى ما يَسْتَطِيعَ أحدُنا أن يَبْرُزَ لحاجتِه، ما وعَدَنا اللهُ ورسولُه إلا غُرورًا (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، قال: قال رجلٌ يومَ الأحزابِ لرجلٍ من صَحابةِ النبيِّ ﷺ : يا فلانُ (٢)، أرأَيْتَ إذ يقولُ رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا هلَك قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعدَه، وإذا هلَك كِسْرَى فلا كِسْرَى بعدَه، والذي نفسي بيدِه لَتُنْفَقَنَّ كنوزُهما في سبيلِ اللهِ". فأينَ هذا مِن هذا، وأحدُنا لا يَسْتَطيعُ أن يَخْرُجَ يَبُولُ (٣) مِن الخوفِ؟! ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. فقال له: كَذَبْتَ، لأُخبرَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خبرك. قال: فأتَى رسولَ اللهِ ﷺ فأخبرَه، فدعاه فقال: "ما قلتَ؟ " فقال: كذَب عليَّ يا رسولَ اللَّهِ، ما قلتُ شيئًا، ما خرَج هذا مِن فِي (٤) قطُّ. قال اللهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤]. قال: فهذا قولُ اللهِ: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦]. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ خالدِ بن عَثْمةَ، قال: ثنا كثيرُ بنُ عبدِ اللهِ بن عمرِو بن عوفٍ المُزَنيُّ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، قال: خطَّ رسولُ اللهِ ﷺ الخندقَ عامَ ذُكِرَت الأحزابُ، مِن أُجُمِ الشَّيْخَيْن (٥)، طرفَ بني حارثةَ، حتى بلَغ

стр. 12780

المَذَادَ (١)، ثم جعَل (٢) أربعين ذراعًا بينَ كلِّ عشَرةٍ، فاحْتقَّ (٣) المهاجرون والأنصارُ في سَلْمانَ الفارسيِّ - وكان رجلًا قويًّا - فقال الأنصارُ: سلمانُ منا. وقال المهاجرون: [سلمانُ منا. فقال النبيُّ ﷺ ] (٤): "سلمانُ منا أهلَ البيتِ". قال عمرُو بنُ عوفٍ: فكنتُ أنا وسلمانُ وحذيفةُ بنُ اليمانِ والنعمانُ بنُ مُقَرِّنٍ المُزَنيُّ، وستةٌ مِن الأنصارِ، في أربعين ذراعًا، فحفَرْنا تحتَ ذُبابٍ (٥) حتى بلَغْنا النَّدَى (٦)، أَخْرَجَ اللهُ مِن بطنِ الخندقِ صخرةً بيضاءَ مَرْوةً، فكسَرت حديدَنا، وشقَّت علينا، فقُلْنا: يا سلمانُ، ارْقَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأخْبِرْه خبرَ هذهِ الصخرةِ، فإما أن نَعْدِلَ عنها، فإِنَّ المَعْدِلَ قريبٌ، وإما أن يَأْمُرَنا فيها بأمرِه، فإنا لا نُحِبُّ أن نُجاوِزَ خَطَّه. فَرَقِيَ سلمانُ حتى أَتَى رسولَ اللهِ ﷺ وهو ضاربٌ عليه قبَّةً تُرْكيَّةً، فقال: يا رسولَ اللهِ، بأبينا أنت وأمِّنا، خرَجَتْ صخرةٌ بيضاءُ مِن بطنِ الخندقِ مَرْوةٌ، فكسَرت حديدَنا (٧)، وشقَّت علينا، حتى ما يَحِيكُ (٨) منها قليلٌ ولا كثيرٌ، فمُرْنا فيها بأمرِك، فإنا لا نُحِبُّ [أَن نُجاوِزَ] (٩) خطَّك. فهبَط رسولُ اللهِ ﷺ مع سلمانَ في الخندقِ، ورقِينا نحن التسعةَ على شَفَةِ

стр. 12781

الخندقِ، فأَخَذ رسولُ اللهِ ﷺ المِعْوَلَ من سلمانَ، فضرَب الصخرةَ ضربةً صدَعَها، وبرَقَت منها بَرْقةٌ أضاءَت ما بينَ لَابَتَيْها - يعنى لابَتَى المدينةِ - حتى لكأنَّ مِصباحًا في جوفَ بيتٍ مظلمٍ، فكبَّر رسولُ اللهِ ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكبَّر المسلمون، ثم ضرَبها رسولُ اللهِ ﷺ الثانيةَ فصدَعها، فكسَرَها، وبرَقَت منها بَرْقَةٌ أضاءَت ما بين لابتَيْها، حتى لَكأن مصباحًا في جوفِ بيتٍ مظلمٍ، فكبَّر رسولُ اللهِ ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكبَّر المسلمون، ثم ضرَبها رسولُ اللهِ ﷺ الثالثةَ، فكسَرَها، وبَرَق منها بَرْقَةٌ أضاءَ ما بينَ لابتَيْها، حتى لَكأن مصباحًا في جوفِ بيتٍ مظلمٍ، فكبَّر رسولُ اللهِ ﷺ تكبيرَ فتحٍ، ثم أخَذ بيد سلمانَ، فَرَقِيَ، فقال سلمانُ: بأبي أنت وأمى يا رسولَ اللهِ، لقد رأَيْتُ شيئًا ما رأيْتُه قطُّ. فالْتَفَت رسولُ اللهِ ﷺ إلى القومِ فقال: "هل رأيْتُم ما يقولُ سلمانُ؟ " قالوا: نعم يا رسولَ اللهِ، بأبينا أنت وأمِّنا، قد رأَيْناك تَضْرِبُ فيَخْرُجُ بَرْقٌ كالموجِ، فرأَيْناك تُكَبِّرُ فَنُكَبِّرُ، ولا نَرَى شيئًا غير ذلك. قال: "صدَقْتُم ضَرَبْتُ ضربتيَ الأولى، فبرَق الذي رأيتُم، [أضاءتْ لى منها] (١) قُصورُ الحيِرةِ ومدائنُ كِسْرَى، كأنها أنيابُ الكلابِ، فأخبرني جبريلُ ﵇ أن أمتى ظاهرةٌ عليها، ثم ضرَبْتُ ضربتىَ الثانيةَ، فبرَق الذي رأيتُم، [أضاءتْ لي منها] (١) قُصورُ الحُمْرِ مِن أرضِ الرومِ، كأنها أنيابُ الكلابِ، وأَخْبَرنى جبريلُ ﵇ أن أمتى ظاهرةٌ عليها، ثم ضرَبْتُ ضربتيَ الثالثةَ، فبرَق منها الذي رأيتُم، أضاءتْ لى منها قصورُ صَنْعَاءَ، كأنها أنيابُ الكلابِ، وأخْبَرنى جبريلُ ﵇ أن أمتى ظاهرةٌ عليها، فأبْشِروا يَبْلُغُهم النصرُ، وأبشِروا يَبْلُغُهم النصرُ، وأَبْشِرُوا يَبْلُغُهم النصرُ". فاسْتَبْشَر المسلمون، وقالوا: الحمدُ للهِ، موعودُ صِدقٍ، بأن وُعِدْنا النصرَ بعدَ الحَصْر،

стр. 12782

فطَلَعَتِ (١) الأحزابُ، فقال المسلمون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢]. الآيةَ، وقال المنافقون: ألا تَعْجَبون! يُحَدِّثُكم ويُمَنِّيكم ويَعِدُكم الباطلَ، يُخْبِرُكم أنه يُبْصِرُ مِن يثربَ قصورَ الحِيرةِ، ومدائنَ كِسْرَى، وأنها تُفْتَحُ لكم، وأنتم تَحْفِرون الخندقَ مِن الفَرَقِ، ولا تَسْتَطِيعون أن تَبْرُزوا؟! وأُنْزِل القرآنُ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾. وإذ قال بعضُهم: يا أهلَ يثربَ. ويثربُ اسم أرضٍ، فيقالُ: إن مدينةَ رسولِ اللهِ ﷺ في ناحيةٍ مِن يثربَ. وقوله: (لَا مَقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)، بفتحِ الميمِ من "مقام". يقولُ: لا مكانَ لكم، تقومون فيه، كما قال الشاعرُ (٣): فأَيِّى ما وأَيُّك كان شرًا … فَقِيدَ إلى المقامةِ لا يَرَاها

стр. 12783

قولُه: ﴿فَارْجِعُوا﴾. يقولُ: فارْجِعوا إلى منازِلِكم. أمرَهم بالهربِ من عسكرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، والفرارِ منه، وتركِ رسولِ اللهِ ﷺ . وقيل: إن ذلك مِن قِيلِ أوسِ بن قَيْظِيٍّ ومَن وافَقَه على رأيِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ إلى قولِه: ﴿فِرَارًا﴾. يقولُ: أَوسُ بنُ قَيْظِيٍّ ومَن كان على ذلك مِن رأيِه مِن قومِه (١). والقرأةُ على فتحِ الميمِ مِن قولِه: (لا مَقامَ لكم). بمعنى: لا موضعَ قيامٍ لكم، وهي القراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بخلافِها؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليها. وذُكِر عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ أنه قرَأ ذلك: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾. بضمِّ الميمِ (٢)، يعنى: لا إقامةَ لكم. وقولُه: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَسْتَأْذِنُ بعضُهم رسولَ اللهِ ﷺ في الإذنِ بالانصرافِ عنه إلى منزله، ولكنه يُرِيدُ الفِرارَ والهربَ مِن عسكرِ رسولِ اللهِ ﷺ . وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12784

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا فِرَارًا﴾. قال: هم بنو حارثةَ، قالوا: بيوتُنا مُخْلِيَةٌ (١)، نَخْشَى عليها السَّرَقَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. قال: نَخْشَى عليها السَّرَقَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾: وإنها مما يَلِى العدُوَّ، وإنا نَخافُ عليها السُّرَّاقَ، فيَبعث النبيُّ ﷺ ، فلا يَجدُ بها عدُوًّا. قال اللهُ: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾. يقولُ: إنما كان قولُهم ذلك: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. إنما كانوا يُرِيدون بذلك الفرارَ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ (٥) اللهِ بنُ حُمْرانَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ شَدَّادٍ أبو طالوتَ، عن أبيه، في هذه الآية: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. قال: ضائعةٌ.

стр. 12785

وقولُه: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾. يقولُ: ولو دُخِلَت المدينةُ على هؤلاء القائلين: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾، يعنى: مِن جَوانِبِها ونَواحيها، واحدُها قُطْرٌ، وفيها لغةٌ أخرى: قُتْرٌ، وأَقْتارٌ، ومنه قولُ الراجزِ: إن شئتَ أن تُدْهِنَ أو تَمُرَّا … فوَلِّهن قُتْرَكَ الأشَرَّا وقولُه: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾. يقولُ: ثم سُئِلوا الرجوعَ من الإيمانِ إلى الشركِ، ﴿لَآتَوْهَا﴾. يقولُ: لَفعَلوا ورجَعوا عن الإسلامِ، وأشرَكوا. وقولُه: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾. يقولُ: وما احْتَبَسوا عن إجابتِهم إلى الشركِ. ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ قليلًا، وَلأَسْرَعوا إلى ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾. أي: لو دُخل عليهم مِن نواحي المدينةِ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾. أي: الشركِ، ﴿لَآتَوْهَا﴾. يقولُ: لأَعْطَوْهُ (١)، ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾. يقولُ: إلا أعْطَوْه طيِّبة به أنفسُهم، ما يَحْتَبِسونه (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾. قال: لو دُخِلَت المدينةُ عليهم مِن نَواحِيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾: سُئِلوا أن يكْفُروا لكفَروا، قال: وهؤلاء المنافقون لو دخَلَت عليهم الجيوشُ، والذين يُريدون قتالَهم، ثم سُئِلوا أن يَكْفُرُوا لكَفَروا. قال:

стр. 12786

والفتنةُ، الكفرُ. قال: وهى التي يقولُ اللَّهُ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]. أي: الكفرُ. يقولُ: يَحْمِلُهم الخوفُ منهم، وخُبْثُ الفتنةِ التي هم عليها من النفاقِ، على أن يَكْفُروا به (١). واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿لَآتَوْهَا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ، وبعضُ قرأةِ مكةَ: (لأتَوها) بقصرِ الألفِ، بمعنى جاءوها، وقرَأه بعضُ المكيين، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿لَآتَوْهَا﴾ بمدِّ الألفِ (٢)، بمعنى: لأَعْطَوْها؛ لقولِه: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾. وقالوا: إذا كان سؤالٌ كان إعطاءٌ، والمدُّ أعجبُ القراءتين إليَّ؛ لما ذكَرْتُ، وإن كانت الأخرى جائزةً. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد كان هؤلاء الذين يَسْتَأْذِنون رسولَ اللهِ ﷺ في الانصرافِ عنه، ويقولون: إن بيوتَنا عورةٌ. عاهَدوا الله مِن قبلِ ذلك، أن لا يُوَلُّوا عدوَّهم الأدبارَ، إن لَقُوهم في مشهدٍ لرسولِ اللهِ ﷺ معهم، فما أَوْفَوْا بعهدِهم، ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. يقولُ: فيَسْأَلُ اللهُ ذلك مَن أعطاه إياه مِن نفسِه. وذُكِر أن ذلك نزَل في بنى حارثةَ؛ لِما كان مِن فعلِهم في الخندقِ، بعدَ الذي كان منهم بأُحدٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ:

стр. 12787

﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾: وهم بنو حارثةَ، وهم الذين همُّوا أن يَفْشَلُوا يومَ أحدٍ مع بني سَلِمةَ، حينَ همَّا بالفشلِ يومَ أحدٍ، ثم عاهَدوا الله لا يعودوا لمثلِها، فذكَر اللهُ لهم الذي أَعْطَوْه من أنفسهم (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. قال: كان ناسٌ غابوا عن وقعةِ بدرٍ، ورأَوْا ما أعْطَى اللهُ أصحابَ بدرٍ من الكرامةِ والفَضيلةِ، فقالوا: لئن أَشْهَدَنا اللهُ قتالًا لَنُقاتِلَنَّ. فَساق اللهُ ذلك إليهم، حتى كان في ناحيةِ المدينة (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ له يا محمدُ لهؤلاء الذين يَسْتَأْذِنونك في الانصرافِ عنك، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾. يقولُ: لأن ذلك أو ما كتَب اللهُ منهما، واصلٌ إليكم بكلِّ حالٍ، كَرِهْتُم أو أحْبَبْتُم. ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: وإذا فرَرْتُم مِن الموتِ أو القتلِ لم يَزِدْ فرارُكم ذلك في أعمارِكم وآجالِكم، بل إنما تُمَتَّعون في هذه الدنيا إلى الوقتِ الذي كُتِب لكم، ثم يَأتِيكم ما كُتِب لكم وعليكم.

стр. 12788

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وإنما الدنيا كلُّها قليلٌ (١). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ربيعِ بن خُثَيم: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: إلى آجالِهم (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن ربيعِ بن خُثَيمٍ: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: ما بينَهم وبينَ الأجلِ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزيِنٍ، عن الربيعِ بن خُثَيم مثلَه، إلا أنه قال: ما بينَهم وبينَ آجالِهم. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزيِنٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]. قال: ليَضْحَكوا في الدنيا قليلًا، وليَبْكوا في النارِ كثيرًا. وقال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: إلى آجالِهم. أحدُ هذين الحديثين رفَعه إلى ربيعِ

стр. 12789

ابن خُثَيْمٍ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن الأعمشِ، عن أبي رَزيِنٍ، عن الربيعِ بن خُثيمٍ: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: الأجلُ (٢). ورُفِع قولُه: ﴿تُمَتَّعُونَ﴾. ولم يُنْصَبْ بـ"إذا"، للواوِ التي معها، وذلك أنه إذا كان قبلَها واوٌ، كان معنى "إذًا" التأخيرَ بعدَ الفعلِ، كأنه قيل: ولو فرُّوا لا يُمَتَّعون إلا قليلًا إذًا، وقد يُنْصَبُ بها أحيانًا، وإن كان معها واوٌ؛ لأن الفعلَ متروكٌ، فكأنها لأولِ الكلامِ. وقولُه: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لهؤلاء الذين يَسْتَأذِنونك، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. هربًا مِن القتلِ: مَن ذا الذي يَمْنَعُكم مِن اللهِ إن هو أراد بكم سُوءًا في أنفسِكم؛ مِن قتلٍ أو بَلاءٍ أو غيرِ ذلك، أو عافيةٍ وسلامةٍ؟ وهل ما يكونُ بكم في أنفسِكم مِن سُوءٍ أو رحمةٍ، إلا مِن قِبَلِه؟! كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾. أي: أنه ليس الأمرُ إلا ما قضيْتُ (٣). وقولُه: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَجدُ هؤلاء المنافقون إن أراد اللهُ بهم سوءًا في أنفسِهم وأموالِهم، مِن دونِ اللهِ وليًّا يَلِيهم بالكفايةِ، ولا نَصِيرًا يَنْصُرُهم مِن اللهِ، فيَدْفَعُ عنهم ما أراد اللهُ بهم مِن

стр. 12790

سُوءٍ في ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد يعلمُ اللهُ الذين يُعَوِّقون الناسَ منكم عن رسولِ اللهِ ﷺ ، فيَصُدُّونهم عنه، وعن شُهُودِ الحربِ معه؛ نِفاقًا منهم وتَخْذيلًا عن الإسلامِ وأهلِه، ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. [أي: تعالوا إلينا] (١)، ودَعُوا محمدًا، فلا تَشْهَدوا معه مَشْهَدَه، فإنا نخافُ عليكم الهلاك بهَلَاكِه، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ: ولا يَشْهَدون الحربَ والقتالَ، إن شهِدوا، إلا تَعْذيرًا ودَفْعًا عن أنفسِهم المؤمنين. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ﴾. قال: هؤلاء ناسٌ مِن المنافقين كانوا يقولون لإخوانِهم: ما محمدٌ وأصحابُه إلا أكَلةُ رأْسٍ، ولو كانوا لحمًا لالْتَهَمهم أبو سفيانَ وأصحابُه، دَعُوا هذا الرجلَ فإنه هالكٌ (٢). وقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أي: لا يشهَدون القتالَ، يَغِيبون عنه.

стр. 12791

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. أي: أهلَ النفاقِ، ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أي: إلا دَفْعًا وتَعْذيرًا (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: هذا يومُ الأحزابِ، انصرَف رجلٌ مِن عندِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فوجَد أخاه، بينَ يدَيه شِواءٌ ورغيفٌ ونَبِيذٌ، فقال له: أنت ههنا في الشِّواءِ والرغيفِ والنَّبيذِ، ورسولُ اللهِ ﷺ بينَ الرِّماحِ والسيوفِ؟ فقال: هَلُمَّ إلى هذا، فقد بلَغ (٢) بك وبصاحبِك، والذي يُحْلَفُ به لا يستقبلُها (٣) محمدٌ أبدًا. فقال: كذبتَ والذي يُحْلَفُ به. قال - وكان أخاه مِن أبيه وأمِّه -: أمَا واللهِ لأُخْبِرن النبي ﷺ أمرَك. قال: وذهَب إلى رسولِ اللهِ ﷺ ليخبرَه، قال: فوجَده قد نزَل جبرائيلُ، ﵇، بخبرِه (٤): ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥). وقولُه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي وصَف اللهُ به هؤلاء المنافقين في هذا الموضعِ مِن الشُّحِّ؛ فقال بعضُهم: وصَفهم بالشُّحِّ عليهم في الغنيمِة. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾:

стр. 12792

في الغنيمةِ (١). وقال آخرون: بل وصَفهم بالشُّحِّ عليهم بالخيرِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنى عيسى، وحدثني الحارثُ] (٢)، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال: بالخيرِ، المنافقون. وقال غيرُه: معناه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بالنفقةِ على ضُعفاءِ المؤمنين منكم (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إن الله وصَف هؤلاء المنافقين بالجُبْنِ والشُّحِّ، [ولم يَخْصُصُ] (٢) وصفَهم مِن معاني الشُّحِّ بمعنًى دونَ معنًى، فهم كما وصَفهم الله به أشحَّةً على المؤمنين بالغنيمةِ والخيرِ والنفقةِ في سبيلِ اللهِ، على أهل مَسْكنةِ المسلمين. ونُصب قولُه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. على الحالِ، مِن ذكرِ الاسمِ الذي في قولِه: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾. كأنه قيل: هم جُبَناءُ عندَ البأسِ، أشِحاءُ عندَ قَسْمِ الغنيمةِ بالغنيمةِ. وقد يحتملُ أن يكونَ قَطْعًا مِن قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. فيكونَ تأويلُه: قد يعلمُ اللَّهُ الذين يُعَوِّقون الناسَ عن القتالِ، ويَشِحُّون عندَ الفتحِ بالغنيمةِ. ويجوزُ أن يكونَ أيضًا قَطْعًا من قولِه: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ﴿أَشِحَّةً﴾، وهم هكذا أشحةً. ووصَفهم جلَّ ثناؤُه بما وصَفهم مِن الشُّحِّ على المؤمنين؛ لِما في أنفسِهم لهم

стр. 12793

من العدَاوةِ والضِّغْن (١). كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. أي: للضِّغْنِ (٢) الذي في أنفسِهم (٣). وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: فإذا حضَر البأسُ (٤)، وجاء القتالُ، خافوا الهلاكَ والقَتْلَ، ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾ يا محمدُ، ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ لِوَاذًا بك، ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ خوفًا مِن القتلِ، وفِرارًا منه، ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. يقولُ: كَدَوَرَانِ عينِ الذي يُغْشَى عليه مِن الموتِ النازلِ به، ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾. يقولُ: فإذا انقطعَت الحربُ واطْمأنوا ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾: مِن الخوفِ (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. أي: إعْظامًا وفَرَقًا منه (٣).

стр. 12794

وأما قولُه: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَاد﴾. فإنه يقولُ: عَضُّوكم بألسنةٍ ذَرِبةٍ، ويقالُ للرجلِ الخطيبِ الذَّرِبِ اللسانِ: خطيبٌ مِسْلَقٌ ومِصْلَقٌ، وخطيبٌ سَلَّاقٌ وصَلَّاقٌ. وقد اختَلف أهل التأويلِ في المعنى الذي وصَف تعالى ذكرُه هؤلاء المنافقين أنهم يَسْلُقون المؤمنين به؛ فقال بعضُهم: ذلك سَلْقُهم إياهم عندَ الغنيمةِ، بمسألتِهم القَسْمَ لهم. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: أَمَّا عندَ الغنيمةِ فأشَحُّ قومٍ، وأَسْوأُ مُقاسَمةٍ: أعطُونا أعطُونا، فإنا قد شهِدنا معكم. وأما عندَ البأسِ فأجبنُ قومٍ، وأخذلُه للحق (١). وقال آخرون: بل ذلك سَلْقُهم إيَّاهم بالأذَى. ذِكرُ ذلك عن ابن عباسٍ حدَّثني عليٍّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾. يقولُ: اسْتَقْبَلوكم (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾. قال: كَلَّمُوكم.

стр. 12795

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يَسْلُقونهم مِن القولِ بما تُحِبُّون؛ نِفاقًا منهم. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: في القول بما تُحِبُّون؛ لأنهم لا يَرْجُون آخرةً، ولا تَحْمِلُهم حِسْبةٌ (١)، فهم يَهابون الموتَ هيبةَ مَن لا يَرْجُو ما بعدَه (٢). وأشبهُ هذه الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، قولُ مَن قال: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾. فأخبَر أن سَلْقَهم المسلمين شُحًّا منهم على الغنيمةِ والخيرِ، فمعلومٌ إذ كان ذلك كذلك، أن ذلك لطلبِ الغنيمةِ. وإذا كان ذلك منهم لطلبِ الغنيمةِ، دخَل في ذلك قولُ مَن قال: ذلك: سَلَقُوكم بالأذى؛ لأن فعلَهم ذلك كذلك، لا شكَّ أنه للمؤمنين أذًى. وقولُه: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾. يقولُ: أَشحَّةً على الغنيمةِ إذا ظَفَر المؤمنون. وقوله: ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: هؤلاء الذين وصَفتُ لك صفتَهم في هذه الآياتِ، لم يُصدِّقوا الله ورسولَه، ولكنهم أهلُ كفرٍ ونفاقٍ، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: فأذهَب اللهُ أُجُورَ أعمالِهم وأبطلَها. وذُكر أن الذي وُصِف بهذه الصفةِ كان بَدْرِيًّا، فأحبَط اللهُ عملَه. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. قال: فحدَّثنى أبي أنه كان

стр. 12796

بَدْرِيًّا، وأن قولَه: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾: أحبَط اللهُ عملَه يومَ بدرٍ. وقولُه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان إحباطُ عملِهم الذي كانوا عمِلوا قبل ارْتدادِهم ونفاقِهم، على اللهِ يسيرًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يحسبُ هؤلاء المنافقون الأحزابَ؛ وهم قريشُ وغَطَفَانُ. كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾: قريشٌ وغَطَفانُ (١). وقولُه: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾. يقولُ: لم ينصرِفوا، وإن كانوا قد انصرَفوا جُبْنًا وهَلَعًا منهم. بنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾. [قال: يحسَبونهم قريبًا (٢). وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (يَحْسَبُون الأَحْزَابَ قَدْ] (٣) ذَهَبُوا، فَإِذَا

стр. 12797

وَجَدُوهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا، وَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الأَعْرَابِ) (١). وقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرهُ: وإن يأتِ المؤمنين الأحزابُ وهم الجماعةُ: واحدُهم حِزْبٌ. ﴿يَوَدُّوا﴾. يقولُ: يَتَمَنَّوا مِن الخوفِ والجُبْنِ أنهم غُيَّبٌ عنكم في الباديةِ مع الأعرابِ؛ خوفًا مِن القتلِ، وذلك قولُه: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾. تقولُ: قد بَدا فلانٌ. إذا صار في البدوِ، فهو يَبْدُو، وهو بادٍ. وأما الأعرابُ: فإنهم جمعُ أعرابيٍّ (٢)، وواحدُ العربِ عربيٌّ، وإنما قيل: أَعرابيٌّ. لأهلِ البدوِ؛ فَرْقًا بينَ أهل البَوادى والأمصارِ، فجعَل الأعرابَ لأهل الباديةِ، والعربَ لأهلِ المِصْرِ. وقولُه: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾. يقولُ: يَسْتَخْبِرُ هؤلاء المُنافقون، أيُّها المؤمنون، الناسَ عن أنْبائِكم. يعنى: عن أخبارِكم بالباديةِ: [هل هلَك محمدٌ وأصحابُه؟ يقولُ: يَتَمَنَّون أن يسمَعوا أخبارَكم] (٣) بِهَلاكِكم، أن لا يشهدوا معكم مَشاهِدَكم، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ [مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: ولو] (٣) كانوا أيضًا فَيكُم ما نفَعوكم، و ﴿مَا قَاتَلُوا﴾ المشركين ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، يقول: إلا تَعْذيرًا؛ لأنهم لا يُقاتِلونهم حِسْبَةً (٤)، ولا رجاءَ ثوابٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قالُ أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 12798

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ قال: أخبارِكم (١). وقَرأت قرأةُ الأمصارِ جميعًا سِوى عاصمٍ الجَحْدَرى: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾. بمعنى: يَسْألون مَن قَدِم عليهم مِن الناسِ، عن أنباءِ عَسْكرِكم وأخْبارِكم. وذُكر عن عاصمٍ الجَحْدَرِيِّ أنه كان يقرَأُ ذلك: (يَسَّاءَلُونَ) بتَشْدِيدِ "السين"، بمعنى: يَتْساءلون: أي يسألُ بعضُهم بعضًا عن ذلك (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا: ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ عليه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾. اختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أُسْوَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: (إِسْوَةٌ) بكسرِ "الألف (٣) "، خَلا عاصمَ بنَ أبي النَّجودِ؛ فإنه قرَأه بالضَّمِّ: ﴿أُسْوَةٌ﴾ (٤). وكان يحيى بنُ وَثَّابٍ يقرأُ هذه بالكسرِ، ويقرأُ قولَه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ﴾. [الممتحنة: ٦] بالضمِّ، وهما لغتان، وذُكِر أن الكسرَ في أهلِ

стр. 12799

الحجازِ، والضَّمَّ في قَيْسٍ، يقولون: "أُسْوَةٌ". و "أُخْوةٌ". وهذا عِتابٌ مِنَ اللهِ تعالى للمتخلِّفين عن رسولِ اللهِ ﷺ وعَسكْرِه بالمدينةِ مِن المؤمنين به. يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أن تَتأسَّوْا به، وتكونوا معه حيثُ كان، ولا تَتَخَلَّفوا عنه - ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾. يقولُ: فإِن مَن يَرْجُو ثوابَ اللهِ ورحمتَه في الآخرةِ، لا يرغَبُ بنفسه، ولكنه تكونُ له به أُسوةٌ في أن يكونَ معه حيثُ يكونُ هو. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ، قال: ثم أقبَل على المؤمنين فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، ألَّا يرغَبوا بأنفسِهم عن نفسِه، ولا عن مكانٍ هو به، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. يقولُ: وأكثرَ ذكرَ اللهِ في الخوفِ والشدَّةِ والرخاءِ. وقولُه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾. يقولُ: ولمَّا عايَن المؤمنون باللهِ ورسولِه جماعاتِ الكفارِ، قالوا تَسْليمًا منهم لأمرِ اللهِ، وإيقانًا منهم بأن ذلك إنجازُ وعدِه لهم، الذي وَعَدهم بقولِه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، فأحسَن اللهُ عليهم بذلك مِن يقينِهم، وتَسْليمِهم لأمرِه، الثناءَ، فقال: وما زادَهم اجتماعُ الأحزابِ عليهم إلا إيمانًا باللهِ، وتَسْلِيمًا لقَضائِه وأمرِه، ورزَقهم به النصرَ، والظَّفَرَ على الأعداءِ. وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 12800

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾. الآية، قال: ذلك أن الله قال لهم في "سورة البقرة": ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. قال: فلما مَسَّهم البَلاءُ حيث رابَطوا الأحزابَ في الخندقِ، تأوَّل المؤمنون ذلك، ولم يَزِدْهم ذلك إلا إيمانًا وتَسْليمًا (١). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ، قال: ثم ذكَر المؤمنين وصِدقَهم وتَصْديقَهم بما وعَدهم اللهُ مِن البَلاءِ، يختبرُهم به، ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾: [أي صَبْرًا على البَلاءِ، وتسليمًا] (٢) للقضاءِ، وتَصْديقًا بتَحْقيقِ ما كان اللهُ وعَدهم ورسولُه (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ وكان اللهُ قد وعَدهم في "سورة البقرة" فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤]. [خيرُهم وأصبرُهم وأعلمُهم بالله] (٤): ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. هذا واللهِ البلاءُ والنقصُ الشديدُ، وإن أصحابَ

стр. 12801

رسولِ اللهِ ﷺ لمَّا رَأَوا ما أصابَهم مِن الشدَّةِ والبَلاءِ قالُوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ وتَصْدِيقًا بما وعَدهم اللهُ، وتَسْلِيمًا لقضاءِ اللَّهِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) [لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا] (٢) (٢٤)﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ باللهِ ورسولِه، ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: أوفَوا بما عاهَدوه عليه؛ من الصَّبرِ على البأساءِ والضَّراءِ وحينَ البأسِ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. يقولُ: فمنهم مَن فرَغ من العملِ الذي كان نذَره للهِ، وأوجَبه له على نفسِه، فاسْتُشْهِد بعضٌ يومَ بدرٍ، وبعضٌ يومَ أحدٍ، وبعضٌ في غيرِ ذلك مِن المواطنِ. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قضاءَهن والفراغَ منه، كما قضَى مَن مضَى منهم على الوفاءِ للهِ بعهدِه، والنصْرِ من اللهِ، والظَّفَرِ على عدوِّه. والنَّحْبُ: النذْرُ في كلامِ العربِ، وللنَّحْبِ أيضًا في كلامِهم وجوهٌ غيرُ ذلك؛ منها الموتُ، كما قال الشاعرُ (٣): *قَضَى نَحْبَه فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ (٤) *

стр. 12802

يعنى: مَنِيَّتَه ونفسَه. ومنها الخَطَرُ العظيمُ، كما قال جريرٌ (١): بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا … عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ على نَحْبِ (٢) أي على خَطَرٍ عظيمٍ. ومنها النَّحِيبُ، يقالُ: نحَب في سيرِه يومَه أجمعَ. [إِذا مَدَّ، فلم يَنزِلْ يومَه] (٣) وليلَتَه، ومنها التنحيبُ، وهو الخطار، كما قال الشاعر (٤): وإِذْ نَحْبَتْ كَلْبٌ على الناسِ أَيُّهُمْ … أحَقُّ بِتَاجِ المَاجِدِ المُتكرِّمِ (٥) وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومان: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: أي وفَّوا الله بما عاهَدوه عليه، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. أي: فرَغ من عملِه، ورجَع إلى ربِّه، كمَن اسْتُشهِد يومَ بدرٍ ويومَ أُحُدٍ، ومنهم مَن ينتظرُ ما وعَد الله مِن نصرِه، أو الشهادةِ على ما مضَى عليه أصحابُه (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: عهدَه، فقُتِل أو عاشَ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾

стр. 12803

يومًا فيه جهادٌ، فيَقْضى (١) نحبَه؛ عهدَه فيُقْتَلُ أو يَصْدُقُ في لقائِه (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: عهدَه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾. قال: يومًا فيه قتالٌ، فيصْدُقُ في اللقاءِ. قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: ماتَ على العهدِ. قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن عبدِ اللهِ بن فلانٍ، قد سمَّاه ذهَب عنى اسمُه، عن أبيه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: نَذْرَه (٣). قال: (٤): [حدَّثنا ابن إدريسَ] (٥)، عن طلحةَ بن يحيى، عن عمِّه عيسى بن طلحةَ، أن أعرابيًّا أتَى النبيَّ ﷺ ، فسأله: مَن الذين قَضَوا نَحْبَهم؟ فأعرَض عنه، ثم سأله، فأعرَض عنه (٦)، ودخَل طلحةُ مِن بابِ المسجدِ وعليه ثوبانِ أخضرانِ، فقال: "هذا مِن الذين قَضَوا نَحْبَهم" (٧). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: موتُه على الصدقِ والوفاءِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ

стр. 12804

يَنْتَظِرُ﴾ الموتَ على مثلِ ذلك، ومنهم مَن بدَّل تبديلًا (١). حدَّثني محمدُ بنَ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدَ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾. قال: النَّحْبُ العهدُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ على الصدقِ والوفاءِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾ مِن نفسِه الصدقَ (٢) والوفاءَ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: ماتَ على ما هو عليه مِن التصديقِ والإيمانِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى بُكَيرٍ، قال شَرِيكُ بنُ عبدِ اللَّهِ: أَخبَرناه عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: الموتُ على ما عاهَد الله عليه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الموتَ على ما عاهَد الله عليه (٤). وقيل: إن هذه الآية نزلَت في قومٍ لم يشهَدوا بدرًا، فعاهَدوا الله أن يَفُوا قتالًا

стр. 12805

للمشركين مع رسولِ الله ﷺ ، فمنهم مَن أوفَى فقضَى نَحْبَه، ومنهم من بدَّل. ومنهم مَن أوفَى ولم يَقْضِ نحبَه، وكان منتظرًا، على ما وصَفهم اللهُ به مِن صفاتِهم في هذه الآيةِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أن أنسَ بن النضرِ تَغيَّبَ عن قتال بدرٍ، فقال: تغيبتُ أوَّلِ مشهدٍ شَهِده رسولُ اللهِ ﷺ ، لئن رأيتُ قتالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصنعُ. فلما كان يومُ أُحُدٍ، وهُزِم الناسُ، لقِى سعدَ بنَ معاذٍ، فقال: والله إنى لأجِدُ ريح الجنةِ. فتقدَّم فقاتَل حتى قُتِل، فنزلَت فيه هذه الآيةُ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بَكْرٍ (٢)، قال: ثنا حَميدٌ، قال: زعَم أَنسُ بن مالكٍ قال: غابَ أَنسُ بنُ النَّضْرِ عن قتالِ يومِ بدرٍ، فقال: غِبْتُ عن قتالِ رسولِ اللهِ ﷺ المشركين، لَئِنْ أشْهَدنى اللهُ قتالًا لَيَرَيَنَّ اللهُ (٣) ما أصنعُ. فلما كان يومُ أُحدٍ انكشَف المسلمون، فقال: اللهمَّ إنى أبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذرُ إليك مما صنَع هؤلاء - يعنى المسلمين -. فمشَى بسيفه، فلَقِيه سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: أي سعدُ، إنى لأجِدُ ريح الجنةِ دونَ أُحدٍ. فقال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ، فما استطعتُ أن أصنعَ ما صنعَ. قال أنسُ بنُ مالكٍ: فوجَدناه بينَ القَتْلَى، به بِضْعٌ وثمانون جِراحةً؛

стр. 12806

بين ضربةٍ بسيفٍ، وطَعْنةٍ برمحٍ، ورَمْيَةٍ بسهمٍ، فما عرفناه حتى عرفتْه أختُه ببَنانه. قال أنسٌ: فكُنَّا نتحدَّثُ أن هذه الآيةَ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١) نزلَت فيه وفى أصحابه (٢). حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ حُمَيدًا يحدِّثُ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن أنسَ بنَ النضرِ غابَ عن قتالِ بدرٍ. ثم ذكَر نحوَه. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا طلحةُ بنُ يحيى، عن موسى وعيسى ابنى (٣) طلحةَ، عن طلحةَ، أن أعرابيًّا أتَى رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: وكانوا لا يجرُؤون على مسألتِه، فقالوا للأعرابيِّ: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾؛ مَن هو؟ فسألَه، فأعرَض عنه، ثم سأله، ثم سأله، فأعرَض عنه، ثم دخلتُ مِن بابِ المسجدِ وعليَّ ثيابٌ خُضْرٌ، فلما رأني رسولُ اللهِ ﷺ قال: "أينَ السَّائِلُ عَمَّن قَضَى نَحْبَه؟ ". قال الأعرابيُّ: أنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: "هذا مِمَّن قَضَى نَحْبَه" (٤). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن إسحاقَ بن يحيى الطَّلْحِيِّ، عن موسى بن طلحةَ، قال: قامَ معاويةُ بن أبي سفيانَ، فقال: إني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "طلحةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَه" (٥).

стр. 12807

حدَّثني محمدُ بنُ عمرِو بن تمامٍ الكلبيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ أيوبَ، قال: ثنى أبي، عن إسحاقَ بن (١) يحيى بن طلحةَ، عن عمِّه موسى بن طلحةَ، عن أبيه طلحةَ، قال: لمَّا قدِمْنا من أُحدٍ، وصِرْنا بالمدينةِ، صعد النبيُّ ﷺ المنبرَ (٢)، فخطَب الناسَ وعَزَّاهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر، ثم قرأ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. الآيةَ، قال: فقام إليه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاء؟ فالتفَت وعليَّ ثوبانِ أخضَران، فقال: "أَيُّها السَّائِلُ، هذا منهم" (٣). وقولُه: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. يقول: [وما غَيَّروا العهدَ الذي عاهَدوا (٤) ربَّهم تَغْييرًا، كما غيَّره المُعوِّقون القائِلون لإخْوانِهم: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. [الأحزاب: ١٨]، والقائلون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. [الأحزاب: ١٣]. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ] (٥) ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. يقولُ: ما شكُّوا وما تَردَّدوا في دينهم، ولا استبدَلوا به غيرَه (٦). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا

стр. 12808

بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾: لم يُغيِّروا دينهم كما غيَّر المنافقون. وقولُه: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾ منهم (١) ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾. يقولُ: ليُثِيبَ اللهُ أهلَ الصدقِ منهم (١) بصِدْقِهم الله بما عاهَدوه عليه، ووفائِهم له به، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ بكفرِهم باللهِ ونفاقِهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مِن نفاقِهم، فيَهْديَهم للإيمانِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: إن شاء أخرجَهم مِن النفاقِ إلى الإيمانِ (٢). إن قال قائلٌ: ما وَجْهُ الشرطِ في قولِه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ بقولِه: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، والمنافقُ كافرٌ؟ وهل يجوزُ ألَّا يشاءَ تعذيبَ المنافقِ؛ فيقالَ: ويُعذّبُه إِن شاء؟ قيل: إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذي تَوَهَّمْتَهُ، وإنما معنى ذلك: ويعذِّبَ المنافقين، بألَّا يوفَّقَهم للتوبةِ مِن نفاقِهم، حتى يَموتوا على كفرِهم إن شاء، فيستوجِبوا بذلك العذابَ. فالاستثناءُ إنما هو مِن أجلِ التوفيقِ، لا مِن العذابِ إن ماتوا على نفاقهم. وقد بَيَّن ما قلنا في ذلك قولهُ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. [فمعنى الكلامِ إِذنْ ويعذِّبَ المنافقين إذ لم يَهْدِهم للتوبة] (٣)، فيوفِّقْهم لها، أو يتوبَ عليهم فلا يعذِّبَهم.

стр. 12809

وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: إن الله كان ذا سِتْرٍ على ذنوبِ التائبين، رحيمًا بالتائبِين أن يعاقبَهم بعدَ التوبةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وردَّ اللهُ الذينَ كَفَروا به وبرسولِه مِن قُرَيشٍ وغَطَفانَ، ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾. يقولُ: بكَرْبِهم وغَمِّهم، بفَوْتِهم ما أمَّلوا مِن الظَّفَرِ، وخَيْبَتِهم مما كانوا طَمِعوا فيه مِن الغَلَبَةِ، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. يقولُ: لم يُصيبوا مِن المسلمين مالًا ولا إسارًا، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بجنودِه مِن الملائكةِ، والريح التي بعَثها عليهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾: الأحزابَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. وذلك يومَ أبي سفيانَ والأحزابِ، ردَّ اللهُ أبا سفيانَ وأصحابَه بغَيْظِهم لم ينَالوا خيرًا، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالجنودِ مِن عندهِ، والريحِ التي بَعَث عليهم (٢).

стр. 12810

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. أي: قريشٌ وغَطَفانُ (١). حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا شَبابَةُ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقْبُرِي، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، عن أبيه، قال: حُبِسْنا يومَ الخندقِ عن الصلاةِ، فلم نُصَلِّ الظهرَ ولا العصرَ ولا المغربَ ولا العشاءَ، حتى كان بعدَ العشاءِ بهَويٍّ (٢)، وكُفينا، وأنزَل الله: وأنزَل اللهُ: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ بلالًا، فأقامَ الصلاةَ، وصلَّى الظهرَ، فأحسنَ صلاتَها، كما كان يُصَلِّيها في وقتِها، ثم صَلَّى العصَر كذلك، ثم صلَّى المغربَ كذلك، ثم صلَّى العشاءَ كذلك، جعَل لكلِّ صلاةٍ إقامةً، وذلك قبلَ أن تنزلَ صلاة الخوفِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣) [البقرة: ٢٣٩]. حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا ابن أبي فَدِيكٍ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن المَقْبُرِيِّ عن عبدِ الرحمنِ بن أبي سعيدٍ، [عن أبي سعيدٍ] (٤) الخُدريِّ، قال: حُبِسْنا يومَ الخندقِ. فذكَر نحوَه. وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. يقولُ: وكان الله قويًّا على فعلِ ما يشاءُ فعلَه بخلقِه، فينصرُ مَن شاء منهم على مَن [يَشَاءُ، ويخذُلُ مِن] (٥) شاء أن يخذُلَه،

стр. 12811

لا يَغْلِبُه غالبٌ، ﴿عَزِيزًا﴾. يقولُ: هو شديدٌ انتْقامُه ممن انتقَم منه مِن أعدائِه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾: قويًّا في أمرِه، عزيزًا في نِقْمَتِه (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنزَل اللهُ الذين أعانوا الأحزابَ مِن قريشٍ وغَطَفانَ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابه، وذلك هو مظاهرتُهم إياهم (٢)، وعُنى بذلك بنو قُرَيظةَ، وهم الذين ظاهَروا الأحزابَ على رسولِ اللهِ ﷺ . وقولُه: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. يعنى: مِن أهلِ التوراةِ، وكانوا يهودًا. وقولُه: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. يعنى: مِن حُصُونهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرِو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. قال: قُرَيظةَ، يقولُ: أنزَلهم من صياصِيهم (٣).

стр. 12812

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: وهم بنو قُرَيظةَ، ظاهَروا أبَا سفيانَ وراسَلوه، فنكَثوا العهدَ الذي بينَهم وبينَ نبيِّ اللهِ، قال: فبينا رسولُ اللهِ ﷺ عندَ زينبَ بنتِ جحشٍ يَغْسِلُ رأسه، وقد غسَلت شقَّه، إذ أتاه جبريلُ ﷺ ، فقال: عفا اللهُ عنك، ما وضَعت الملائكةُ سلاحَها منذُ أربعين ليلةً، فانهَضْ (١) إلى بني قريظةَ، فإني قد قطَعتُ أوتارَهم، وفتَحتُ أبوابَهم، وترَكتُهم في زلزال وبلبال. قال: فاستلأَم (٢) رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم سلَك سِكةَ بنى غَنْمٍ، فاتبَعه الناسُ وقد عصَب حاجبَه بالترابِ. قال: فأتاهم رسولُ اللهِ ﷺ ، فحاصرهم وناداهم: "يا إخوةَ (٣) القردة" فقالوا: يا أبا القاسم، ما كُنْتَ فحَّاشا. فنزَلوا على حكمِ ابن مُعاذٍ، وكان بينَهم وبينَ قومِه حِلْفٌ، فرَجَوْا أن تأخذَه فيهم هَوادةٌ، وأومَأَ إليهم أبو لُبابةَ أنه الذَّبْحُ، فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. فحكم فيهم أن تُقْتَلَ مُقاتِلتُهم، وأن تُسْبَى ذرارِيُّهم، وأَنَّ عَقارَهم (٤) للمهاجِرين، دونَ الأنصارِ، فقال قومُهُ وعَشيرتُه (٥): آثرتَ المهاجرين بالعقَار (٦) علينا؟ قال: فإنكم كنتم ذوى عَقَارٍ، وإن المهاجرين كانوا لا عقارَ لهم. وذُكِر لنا أن رسولُ اللهِ ﷺ كبَّر وقال: "قَضَى فِيكُمْ بِحُكْمِ اللهِ" (٧). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما أصبَح (٨).

стр. 12813

رسولُ اللهِ ﷺ انصرف (١) عن الخندقِ راجعًا إلى المدينةِ، والمسلمون، ووضَعوا السلاحَ. فلما كانت الظهرُ أتى جبريلُ ﵇ رسولُ اللهِ ﷺ كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن ابن شهابٍ الزهريِّ - مُعْتَجِرًا بعمامةٍ مِن إستبرقٍ، على بغلةٍ عليها رِحَالةٌ، عليها قطيفةٌ مِن ديباجٍ؛ فقال: أقد وضَعتَ السلاحَ يا رسولُ اللهِ؟ قال: "نعم". قال جبريلُ: ما وضَعتِ الملائكةُ السلاحَ بعدُ وما رجَعت الآن إلَّا مِن طلبِ القومِ، إن اللَّهَ يَأْمُرُك يا محمدُ بالسيرِ إلى بني قريظةً، وأنا عامدٌ إلى بنى قُرَيظةَ. فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ منادِيًا، فأذَّن في الناس أن: "من كان سامعًا مُطيعًا فلا يُصَلِّينَّ العصرَ إلا في بني قريظةَ". وقدَّم رسولُ اللهِ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ برايتِه إلى بني قريظةَ، وابتدَرها الناسُ، فسار عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁، حتى إذا دنا مِن الحصونِ، سمِع منها مقالةً قبيحةً لرسولِ اللهِ ﷺ منهم، فرجَع حتى لَقِى رسولَ اللهِ ﷺ بالطريقِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، لا عليك ألَّا تدنوَ مِن هؤلاء الأحَابثِ (٢). قال: "لم؟ أَظُنُّك سمِعتَ لى منهم أذًى". قال: نعمْ يا رسولُ اللهِ ﷺ . قال: "لو قد رأَوْنى لم يَقولوا من ذلك شيئًا". فلما دنا رسولُ الله ﷺ من حصونِهم، قال: "يا إخوانَ القردةِ، هل أخزاكم اللهُ، وأنزَل بكم نقمته؟ ". قالوا: يا أبا القاسمِ: ما كنت جهولًا. ومرَّ رسولُ اللهِ ﷺ على أصحابه بالصَّوْرَيْنِ (٣) قبل أن يَصِلَ إلى بني قريظةَ، فقال: "هل مرَّ بكم أحدٌ؟ " فقالوا: يا رسولَ اللهِ، قد مرَّ بنا دِحيةُ بنُ خليفةَ الكلبيُّ، على بغلةٍ بيضاءَ، عليها رِحَالةٌ، عليها قطيفةُ ديباجٍ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ذاك جبريلُ

стр. 12814

بُعِث إلى بني قريظةَ يُزَلزِلُ بهم حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرعبَ في قلوبِهم". فلما أتى رسولُ اللهِ ﷺ بني (١) قريظةَ، نزَل على بئرٍ مِن آبارها، في ناحيةٍ مِن أموالهم، يُقالُ لها: بِئرُ أَنَّا. فتلاحق به الناسُ، فأتاه رجالٌ من بعدِ العِشاء الآخرة، ولم يُصَلُّوا العصرَ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : "لا يُصَلِّين أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظةَ". فصَلَّوا العَصَر [بعدَ العشاءِ الآخرةِ] (٢)، فما عابَهم اللهُ بذلك في كتابِه، ولا عنَّفهم به [رسولُ اللَّهِ ﷺ ] (٣) (٤). والحديثُ عن محمد بن إسحاقَ، عن أبيه، عن معبَدِ بن كعبِ بن مالكٍ الأنصاريِّ، قال: وحاصَرهم رسولُ اللهِ ﷺ خمسًا وعشرين ليلةً، حتى جَهَدَهم الحصارُ، وقذَف اللهُ (٥) في قلوبِهم الرعبَ، وقد كان حُيَيُّ بْنُ أَخطبَ دخل على بنى قريظةَ في حصنِهم، حينَ رجَعت عنهم قريشٌ وغطفانُ، وفاءً لكعبِ بن أسدٍ بما كان عاهَده عليه، فلما أَيْقَنوا بأن رسولَ اللهِ ﷺ غيرُ مُنصرفٍ عنهم (٦) حتى يُناجِزَهم، قال كعبُ بنُ أسدٍ لهم: يا معشرَ يهودٍ، إنه قد نزَل بكم مِن الأمر ما تَرَون، وإني عارضٌ عليكم خِلالًا ثلاثًا، فخُذوا أيُّها. قالوا: وما هُنَّ؟ قال: نُبايِعُ هذا الرجلَ ونصدِّقُه، فواللهِ لقد تَبَيَّنَ لكم أنه لنبيٌّ مرسَلٌ، وأنه الذي كنتم تجدونه في كتابِكم، فتأمنوا على دمائِكم وأموالِكم وأبنائِكم ونسائِكم. قالوا: لا نفارقُ حُكم التوراةِ أبدًا، ولا نَسْتَبدِلُ به غيرَه. قال: فإِذا أَبَيْتُم هذه عليَّ، فهلمَّ

стр. 12815

فَلْنَقْتُلْ أبناءَنا ونساءَنا، ثم نَخْرُجْ إلى محمدٍ وأصحابِه رجالًا، مُصْلِتين السيوفَ (١)، ولم نَتْرُكْ وراءَنا ثَقَلًا يُهِمُّنا، حتى يَحْكُمَ اللهُ بينَنا وبينَ محمدٍ، فَإِن نَهْلِكَ نَهْلِكْ ولم نَتْرُكْ وراءَنا شيئًا نَخْشى عليه، وإن نظهَرْ فَلَعَمْرِي لَتَتَّخِذَنَّ (٢) النساءَ والأبناءَ. قالوا: نَقْتُلُ هؤلاء المساكينَ؟! فما خيرُ العيشِ بعدَهم؟ قال: فإذا أَبَيْتُم هذه عليَّ، فإن الليلةَ ليلةُ السبتِ، وإنه عسى أن يكونَ محمدٌ وأصحابُه قد أَمِنوا، فانزِلوا لعلنا أن نُصِيبَ مِن محمدٍ وأصحابِه غِرَّةً. قالوا: نُفْسِدُ سَبتَنا، ونُحدِثُ فيه ما لم يَكُنْ أحدَثَ (٣) فيه مَن كان قبلَنا إِلَّا (٤) مَن قد علمتَ فأصابهم مِن قد علمتَ فأصابهم مِن المسخِ ما لم يَخْفَ عليك؟! قال: ما بات رجلٌ منكمِ (٥) مُنذُ (٦) ولدته أمُّه ليلةً واحدةً مِن الدهرِ حازمًا. قال: ثم إنهم بعَثوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ : أن ابعَثْ إلينا أبا لبابةَ بنَ عبد المنذرِ، أخا بنى عمرِو بن عوفٍ - وكانوا مِن حُلفاءِ (٧) الأوسِ - نَسْتَشِيرُه في أمرِنا. فأرسَله رسولُ اللهِ ﷺ ، فلما رَأوه قام إليه الرجالُ، وبَهَشَ (٨) إِليه النساءُ والصبيانُ، يَبْكون في وَجْهِهِ، فَرَقَّ لهم، وقالوا له: يا أبا لُبابةَ، أترَى أن ننزلَ على حُكْمِ محمدٍ؟ قال: نعم. وأشارَ بيَدِه (٩) إلى حَلْقِه؛ إنه الذَّبْحُ. قال أبو لُبابةَ: فواللهِ ما زالَت قَدَمَاى، حتى عرَفتُ أني قد خُنْتُ اللَّهَ ورسولَه. ثم انطلَق أبو لُبابةَ على وَجْهِه، ولم يأتِ
следующие страницы →