← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

لا يَغْلِبُه غالبٌ، ﴿عَزِيزًا﴾. يقولُ: هو شديدٌ انتْقامُه ممن انتقَم منه مِن أعدائِه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾: قويًّا في أمرِه، عزيزًا في نِقْمَتِه (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنزَل اللهُ الذين أعانوا الأحزابَ مِن قريشٍ وغَطَفانَ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابه، وذلك هو مظاهرتُهم إياهم (٢)، وعُنى بذلك بنو قُرَيظةَ، وهم الذين ظاهَروا الأحزابَ على رسولِ اللهِ ﷺ . وقولُه: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. يعنى: مِن أهلِ التوراةِ، وكانوا يهودًا. وقولُه: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. يعنى: مِن حُصُونهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرِو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. قال: قُرَيظةَ، يقولُ: أنزَلهم من صياصِيهم (٣).

стр. 12812

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: وهم بنو قُرَيظةَ، ظاهَروا أبَا سفيانَ وراسَلوه، فنكَثوا العهدَ الذي بينَهم وبينَ نبيِّ اللهِ، قال: فبينا رسولُ اللهِ ﷺ عندَ زينبَ بنتِ جحشٍ يَغْسِلُ رأسه، وقد غسَلت شقَّه، إذ أتاه جبريلُ ﷺ ، فقال: عفا اللهُ عنك، ما وضَعت الملائكةُ سلاحَها منذُ أربعين ليلةً، فانهَضْ (١) إلى بني قريظةَ، فإني قد قطَعتُ أوتارَهم، وفتَحتُ أبوابَهم، وترَكتُهم في زلزال وبلبال. قال: فاستلأَم (٢) رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم سلَك سِكةَ بنى غَنْمٍ، فاتبَعه الناسُ وقد عصَب حاجبَه بالترابِ. قال: فأتاهم رسولُ اللهِ ﷺ ، فحاصرهم وناداهم: "يا إخوةَ (٣) القردة" فقالوا: يا أبا القاسم، ما كُنْتَ فحَّاشا. فنزَلوا على حكمِ ابن مُعاذٍ، وكان بينَهم وبينَ قومِه حِلْفٌ، فرَجَوْا أن تأخذَه فيهم هَوادةٌ، وأومَأَ إليهم أبو لُبابةَ أنه الذَّبْحُ، فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. فحكم فيهم أن تُقْتَلَ مُقاتِلتُهم، وأن تُسْبَى ذرارِيُّهم، وأَنَّ عَقارَهم (٤) للمهاجِرين، دونَ الأنصارِ، فقال قومُهُ وعَشيرتُه (٥): آثرتَ المهاجرين بالعقَار (٦) علينا؟ قال: فإنكم كنتم ذوى عَقَارٍ، وإن المهاجرين كانوا لا عقارَ لهم. وذُكِر لنا أن رسولُ اللهِ ﷺ كبَّر وقال: "قَضَى فِيكُمْ بِحُكْمِ اللهِ" (٧). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما أصبَح (٨).

стр. 12813

رسولُ اللهِ ﷺ انصرف (١) عن الخندقِ راجعًا إلى المدينةِ، والمسلمون، ووضَعوا السلاحَ. فلما كانت الظهرُ أتى جبريلُ ﵇ رسولُ اللهِ ﷺ كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن ابن شهابٍ الزهريِّ - مُعْتَجِرًا بعمامةٍ مِن إستبرقٍ، على بغلةٍ عليها رِحَالةٌ، عليها قطيفةٌ مِن ديباجٍ؛ فقال: أقد وضَعتَ السلاحَ يا رسولُ اللهِ؟ قال: "نعم". قال جبريلُ: ما وضَعتِ الملائكةُ السلاحَ بعدُ وما رجَعت الآن إلَّا مِن طلبِ القومِ، إن اللَّهَ يَأْمُرُك يا محمدُ بالسيرِ إلى بني قريظةً، وأنا عامدٌ إلى بنى قُرَيظةَ. فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ منادِيًا، فأذَّن في الناس أن: "من كان سامعًا مُطيعًا فلا يُصَلِّينَّ العصرَ إلا في بني قريظةَ". وقدَّم رسولُ اللهِ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ برايتِه إلى بني قريظةَ، وابتدَرها الناسُ، فسار عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁، حتى إذا دنا مِن الحصونِ، سمِع منها مقالةً قبيحةً لرسولِ اللهِ ﷺ منهم، فرجَع حتى لَقِى رسولَ اللهِ ﷺ بالطريقِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، لا عليك ألَّا تدنوَ مِن هؤلاء الأحَابثِ (٢). قال: "لم؟ أَظُنُّك سمِعتَ لى منهم أذًى". قال: نعمْ يا رسولُ اللهِ ﷺ . قال: "لو قد رأَوْنى لم يَقولوا من ذلك شيئًا". فلما دنا رسولُ الله ﷺ من حصونِهم، قال: "يا إخوانَ القردةِ، هل أخزاكم اللهُ، وأنزَل بكم نقمته؟ ". قالوا: يا أبا القاسمِ: ما كنت جهولًا. ومرَّ رسولُ اللهِ ﷺ على أصحابه بالصَّوْرَيْنِ (٣) قبل أن يَصِلَ إلى بني قريظةَ، فقال: "هل مرَّ بكم أحدٌ؟ " فقالوا: يا رسولَ اللهِ، قد مرَّ بنا دِحيةُ بنُ خليفةَ الكلبيُّ، على بغلةٍ بيضاءَ، عليها رِحَالةٌ، عليها قطيفةُ ديباجٍ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ذاك جبريلُ

стр. 12814

بُعِث إلى بني قريظةَ يُزَلزِلُ بهم حُصُونَهم، ويَقْذِفُ الرعبَ في قلوبِهم". فلما أتى رسولُ اللهِ ﷺ بني (١) قريظةَ، نزَل على بئرٍ مِن آبارها، في ناحيةٍ مِن أموالهم، يُقالُ لها: بِئرُ أَنَّا. فتلاحق به الناسُ، فأتاه رجالٌ من بعدِ العِشاء الآخرة، ولم يُصَلُّوا العصرَ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : "لا يُصَلِّين أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظةَ". فصَلَّوا العَصَر [بعدَ العشاءِ الآخرةِ] (٢)، فما عابَهم اللهُ بذلك في كتابِه، ولا عنَّفهم به [رسولُ اللَّهِ ﷺ ] (٣) (٤). والحديثُ عن محمد بن إسحاقَ، عن أبيه، عن معبَدِ بن كعبِ بن مالكٍ الأنصاريِّ، قال: وحاصَرهم رسولُ اللهِ ﷺ خمسًا وعشرين ليلةً، حتى جَهَدَهم الحصارُ، وقذَف اللهُ (٥) في قلوبِهم الرعبَ، وقد كان حُيَيُّ بْنُ أَخطبَ دخل على بنى قريظةَ في حصنِهم، حينَ رجَعت عنهم قريشٌ وغطفانُ، وفاءً لكعبِ بن أسدٍ بما كان عاهَده عليه، فلما أَيْقَنوا بأن رسولَ اللهِ ﷺ غيرُ مُنصرفٍ عنهم (٦) حتى يُناجِزَهم، قال كعبُ بنُ أسدٍ لهم: يا معشرَ يهودٍ، إنه قد نزَل بكم مِن الأمر ما تَرَون، وإني عارضٌ عليكم خِلالًا ثلاثًا، فخُذوا أيُّها. قالوا: وما هُنَّ؟ قال: نُبايِعُ هذا الرجلَ ونصدِّقُه، فواللهِ لقد تَبَيَّنَ لكم أنه لنبيٌّ مرسَلٌ، وأنه الذي كنتم تجدونه في كتابِكم، فتأمنوا على دمائِكم وأموالِكم وأبنائِكم ونسائِكم. قالوا: لا نفارقُ حُكم التوراةِ أبدًا، ولا نَسْتَبدِلُ به غيرَه. قال: فإِذا أَبَيْتُم هذه عليَّ، فهلمَّ

стр. 12815

فَلْنَقْتُلْ أبناءَنا ونساءَنا، ثم نَخْرُجْ إلى محمدٍ وأصحابِه رجالًا، مُصْلِتين السيوفَ (١)، ولم نَتْرُكْ وراءَنا ثَقَلًا يُهِمُّنا، حتى يَحْكُمَ اللهُ بينَنا وبينَ محمدٍ، فَإِن نَهْلِكَ نَهْلِكْ ولم نَتْرُكْ وراءَنا شيئًا نَخْشى عليه، وإن نظهَرْ فَلَعَمْرِي لَتَتَّخِذَنَّ (٢) النساءَ والأبناءَ. قالوا: نَقْتُلُ هؤلاء المساكينَ؟! فما خيرُ العيشِ بعدَهم؟ قال: فإذا أَبَيْتُم هذه عليَّ، فإن الليلةَ ليلةُ السبتِ، وإنه عسى أن يكونَ محمدٌ وأصحابُه قد أَمِنوا، فانزِلوا لعلنا أن نُصِيبَ مِن محمدٍ وأصحابِه غِرَّةً. قالوا: نُفْسِدُ سَبتَنا، ونُحدِثُ فيه ما لم يَكُنْ أحدَثَ (٣) فيه مَن كان قبلَنا إِلَّا (٤) مَن قد علمتَ فأصابهم مِن قد علمتَ فأصابهم مِن المسخِ ما لم يَخْفَ عليك؟! قال: ما بات رجلٌ منكمِ (٥) مُنذُ (٦) ولدته أمُّه ليلةً واحدةً مِن الدهرِ حازمًا. قال: ثم إنهم بعَثوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ : أن ابعَثْ إلينا أبا لبابةَ بنَ عبد المنذرِ، أخا بنى عمرِو بن عوفٍ - وكانوا مِن حُلفاءِ (٧) الأوسِ - نَسْتَشِيرُه في أمرِنا. فأرسَله رسولُ اللهِ ﷺ ، فلما رَأوه قام إليه الرجالُ، وبَهَشَ (٨) إِليه النساءُ والصبيانُ، يَبْكون في وَجْهِهِ، فَرَقَّ لهم، وقالوا له: يا أبا لُبابةَ، أترَى أن ننزلَ على حُكْمِ محمدٍ؟ قال: نعم. وأشارَ بيَدِه (٩) إلى حَلْقِه؛ إنه الذَّبْحُ. قال أبو لُبابةَ: فواللهِ ما زالَت قَدَمَاى، حتى عرَفتُ أني قد خُنْتُ اللَّهَ ورسولَه. ثم انطلَق أبو لُبابةَ على وَجْهِه، ولم يأتِ

стр. 12816

رسولُ اللهِ ﷺ ، حتى ارتبَطَ في المسجدِ إلى عمودٍ مِن عُمُدِه، وقال: لا أَبْرَحُ مكانى حتى يتوبَ اللهُ عليَّ مما صنعتُ - وعاهَد اللَّهَ لا يطأُ بنى قُريظةَ أبدًا -، ولا يَراني اللهُ في بلدٍ خُنْتُ اللَّهَ ورسوله فيه أبدًا. فلما بلَغ رسولَ اللَّهِ ﷺ خبره [وأبطَأَ عليه] (١)، وكان قد استَبْطَأَه، قال: "أما إنه لو كان (٢) جَاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ له، أمَا (٣) إذ فَعَل ما فَعلَ، فما أنا بالذي أُطْلِقُه مِن مكانِه، حتى يتوبَ اللَّهُ عليه". ثم إن ثعلبةَ بنَ سَعْيَة (٤)، وأَسِيدَ (٥) بنَ سَعْيَة (٤)، وأسدَ (٦) بنَ عُبَيدٍ - وهم نفرٌ مِن بنى - هُذَيلٍ (٧)، ليسوا مِن بني قُريظةَ ولا النضيرِ، نسبُهم فوقَ ذلك، هم بنو عَمِّ القومِ - أسلَموا تلك الليلةَ التي نزلَت فيها قريظةُ على حكمِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وخرَج في تلك الليلةِ عمرُو بن سُعْدَى القُرَظِيُّ، فَمَرَّ بِحَرَسِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وعليه (٨) محمدُ بنُ مَسْلمةَ الأنصاريُّ تلك الليلةَ، فلمَّا رَآه قال: مَنْ هذا؟ قال: عمرُو بنُ سُعْدَى. وكان عمرٌو قد أبَى أن يدخلَ مع بنى قرَيْظة في غَدْرِهم برسولِ اللهِ ﷺ ، وقال: لا أغْدِرُ بمحمدٍ أبدًا. فقال محمدُ بنُ مَسْلَمة حينَ عرفه: اللهمَّ لا تحرِمْنى إقالَةَ (٩) عَثَراتِ الكِرامِ. ثم خَلَّى سبيله. فخرج على وجهِه، حتى باتَ في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ بالمدينةِ تلك الليلةَ، ثم ذهَب، فلا يُدْرَى أينَ ذَهَب مِن أَرضِ اللَّهِ إلى يومِه (١٠) هذا. فذُكِر

стр. 12817

الرسولِ اللهِ ﷺ ، شأنُه، فقال: "ذاكَ رَجَلٌ نَجَاهِ اللَّهُ بوَفَائِه". قال: وبعضُ الناسِ كان يزعُمُ أنه كان أُوثِقَ برُمَّةٍ (١) فيمَن أُوثق مِن بني قُريظةَ حينَ نزَلوا على حكمِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأصبحَت رُمَّتُه مُلْقاةً، لا يُدْرَى أين ذهَب، فقال رسولُ اللهِ ﷺ تلك المقالةَ، فاللهُ أعلمُ. فلما أصبَحوا، نزَلوا على حكم رسولِ اللهِ ﷺ ، فتَواثبَتِ الأوسُ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنهم مَوالينا دونَ الخزرجِ، وقد فعلتَ في مَوالى الخزرجِ بالأمسِ ما قد علمتَ. وقد كان رسولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ بني قُرَيظةَ حاصَر بني قُيْنَقاعَ، وكانوا حلفاءَ الخزرجِ، فنزَلوا على حُكْمِه، [فسأله إياهم] (٢) عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَى ابن (٣) سلولَ، فوهَبهم له. فلما كلَّمَته الأوسُ قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ألا تَرْضَون يا معشرَ الأوسِ أن يَحْكُم فيهم رجلٌ منكم؟ ". قالوا: بلى. قال: "فَذَاكَ إلى سعدِ بن مُعاذٍ". وكان سعدُ بنُ مُعاذٍ قد جعله رسولُ اللهِ ﷺ في خَيمةِ امرأةٍ مِن أسلمَ (٤)، يقالُ لها: رُفَيدةُ (٥)، في مسجدِه، كانت تُداوِى الجَرْحَى، وتحتسبُ بنفسِها على خدمةِ مِن كانت به ضَيْعَةٌ مِن المسلمين، وكان رسولُ اللهِ ﷺ قد قال لقومِه حين أصابَه السهمُ بِالخندق: "اجْعَلُوه في خَيمةِ رُفَيدةَ حتى أعُودَه مِن قَرِيبٍ". فلما حَكَّمه رسولُ اللهِ ﷺ في بنى قُريظةَ، أناه قومُه فاحْتَمَلوه على حمارٍ، وقد وَطَّئُوا له بوِسادةٍ مِن أَدَمٍ، وكان رجلًا جسيمًا، ثم أقبَلوا معه إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، وهم يقولون: يا أبا عمرٍو، أحسِنْ

стр. 12818

في مَواليك؛ فإن رسولِ اللهِ ﷺ وَلَّاك ذلك لتُحسِنَ فيهم. فلما أكثَروا عليه قال: قد آنَ (١) لسعدٍ أن لا تَأْخُذَه في اللهِ لومةً لائمٍ. فرجَع بعضُ مَن كان معَه (٢) من قومِه إلى دارِ بنى عبدِ الأشهلِ، فنعَى إليهم رجالَ بني (٣) قُريظةَ قبلَ أن يَصِلَ إليهم سعدُ بنُ معاذٍ، عن (٤) كلمتِه التي سمِع منه. . فلما انتهَى سعدٌ إلى رسولُ اللهِ ﷺ [والمسلمين] (٥)، قال (٦): " [قُومُوا إلى سيدكم] (٧) ". فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرٍو، إن رسولَ اللهِ ﷺ ولَّاك مَواليَك لتَحْكُمَ فيهم. فقال سعدٌ: عليكم بذلك عهدُ اللهِ وميثاقه أنَّ الحكمَ فيهم كما (٨) حكَمتُ؟ قالوا: نعَم. قال: وعلى مَن ههنا؟ في الناحيةِ التي فيها رسولُ اللهِ ﷺ ، وهو معرِضٌ عن رسولُ اللهِ ﷺ [إجلالًا له] (٩). فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "نعمْ". قال سعدٌ: فإني أَحْكُمُ فيهم أن تُقْتَلَ الرجالُ، وتُقسَّمَ الأموالُ، وتُسْبَى الذراريُّ والنساءُ (١٠). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: فحدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بن [عمرَ بن] (١١) قتادةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عمرِو بن سعدِ بن معاذٍ، عن

стр. 12819

علقمةَ بن وقَّاصٍ الليثيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحُكْمِ اللهِ من فوق سبعة أرْقِعَةٍ". ثم استُنزِلوا، فحبَسهم رسولُ اللهِ ﷺ في دار ابنة الحارثِ - امرأةٌ مِن بنى النجَّار - ثم خرَج رسولُ اللهِ ﷺ إلى سوقِ المدينةِ التي هي سوقُها اليومَ، فخندَق بها خنادقَ، ثم بعَث إليهم، فضرَب أعناقَهم في تلك الخنادقِ، يُخرَجُ بهم إليه أرسالًا، وفيهم عدوُّ اللهِ حُيَيُّ بنُ أخطَبَ، وكعبُ بنُ أسدٍ رأسُ القومِ، وهم ستُّمِائةٍ أو سبعُمِائةٍ. والمكثرُ منهم يقولُ: كانوا مِن الثمانِمائةِ إلى التسعِمَائةِ. وقد قالوا لكعبِ بن أسدٍ وهم يُذْهَبُ بهم إلى رسولِ اللهِ ﷺ أرسالًا: يا كعبُ، ما ترَى يُصْنَعُ بِنا؟ فقال كعبٌ: أفي كلِّ موطِنٍ لا تعقِلون؟! أَلا تَرَوْنَ الداعىَ لا يَنْزِعُ، وأنه مَن يُذْهَبُ به منكم فما يَرْجِعُ! هو واللهِ القتلُ. فلم يَزَلْ ذلك الدأبَ، حتى فرَغ منهم رسولُ اللهِ ﷺ ، وأُتِي بحيي بن أخطب عدوِّ اللهِ، وعليه حُلةٌ له فَقّاحِيَّةٌ (١) قد شقَّقَها عليه مِن كلِّ ناحيةٍ كموضعِ الأُنملةِ، أنملةً أنملةَ؛ لئلا يُسْلَبَها، مجموعةٌ يداه إلى عنقِه بحبلٍ، فلما نظَر إلى رسولِ اللهِ ﷺ قال: أما واللهِ ما لُمتُ نفسى في عداوتِك، ولكنه مَن يَخذُلِ اللَّهُ يُحْذَلْ. ثم أقبلَ على الناسِ فقال: أيُّها الناسُ، إنه لا بأسَ بأمرِ اللهِ، كتابُ اللهِ وقدرُه، وملحمةٌ قد كُتِبت على بنى إسرائيلَ. ثم جلَس فضُرِبت عنقُه، فقال جبلُ بنُ جَوّالٍ الثعلبيُّ: لعمرُك ما لامَ ابْنُ أَخطبَ نفسَه … ولكنه مَن يَخْذُلِ اللَّهُ يُحْذَلِ لجاهَد حتى أبلَغ النفسَ عُذْرَها … وقَلْقَلَ يَبْغى العزَّ كلَّ مُقَلْقَلِ (٢) حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن عائشةَ، قالت: لم يُقْتَلُ مِن نسائِهم إلا

стр. 12820

امرأةٌ واحدةٌ. قالت: والله إنها لعندِى تَحدَّثُ وتضحك، ظُهْرًا، ورسولُ اللهِ ﷺ يقتُلُ رجالَهم بالسُّوقِ، إذ هَتَف هاتفٌ باسمها: أينَ فلانةُ؟ قالت: أنا واللهِ. قالت: قلتُ: وَيْلَك ما لكِ؟ قالت: أُقْتَلُ. قلتُ: ولِمَ؟ قالت: حدَثٌ (١) أحدثتُه. قالت (٢): فانْطُلِق بها، فضُرِبَت عُنْقُها. فكانت عائشةُ تقولُ: ما أنسَى عَجَبى منها؛ طيب نفسٍ، وكثرةَ ضَحِكٍ، وقد عرَفتْ أنها تُقتَلُ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومَانَ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. والصَّياصِي: الحصونُ والآطامُ التي كانوا فيها، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (٤). حدَّثنا عمرُو (٥) بن مالكٍ النُّكْرِيُّ (٦)، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجرَّاحِ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن عُيَينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. قال: مِن حُصُونِهم (٧). حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. يقولُ: أنزلهم مِن صَياصِيهم. قال: قُصُورِهم (٨).

стр. 12821

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. أي: مِن حُصُونهم وآطامِهم (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. قال: الصَّياصي: حصونُهم التي ظَنُّوا أنها مانعتُهم مِن اللهِ ﵎. وأصلُ الصَّياصِي: جمعُ صِيصِيةٍ (٢)، وعُنِى بها ههنا: حُصُونُهم. والعربُ تقولُ لطَرَفِ الحبل: صِيصِيَةٌ. ويقالُ لأصْلِ الشيءِ: صِيصِيَتُه، يقالُ: جَزَّ اللَّهُ صِيصِيَةَ فُلانٍ. أي: أصلَه. ويقالُ لشَوكِ الحاكة: صياصِي. كما قال الشاعرُ (٣): * كَوَقْعِ الصَّياصِي فِي النَّسِيحِ المُمَدَّدِ * وهى شَوْكَتا الدِّيكِ. وقولُه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. يقولُ: وألقَى في قلوبِهم الخوفَ منكم، ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. يقولُ: تقتُلون منهم جماعةً، وهم الذين قَتَل رسولُ اللهِ ﷺ منهم، حينَ ظهَر عليهم، ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. يقولُ: وتأسِرون منهم جماعةً، وهم نساؤُهم وذَراريهم الذين سُبُوا.

стр. 12822

[كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (١): ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: الذين ضُرِبَت أعناقهم، ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: الذين سُبُوا (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني يزيدُ بنُ رُومانَ: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. أي: قتلُ الرجال، وسَبْىُ الذُّرارِيِّ والنساءِ، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. يقولُ: وملَّككم بعدَ مَهْلِكِهم أرضَهم. يعنى: مزارعَهم ومَغارسَهم وديارَهم، يقولُ: ومساكنَهم وأموالَهم. يعني سائرَ الأموالِ غيرَ الأرضِ والدُّورِ (٣). وقولُه: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيها، أيُّ أرضٍ هي؟ فقال بعضُهم: هي الرومُ وفارسُ ونحوُها مِن البلادِ التي فتَحها اللهُ بعد ذلك على المسلمين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾. قال: قال الحسنُ: هي الرومُ وفارسُ، وما فتحَ اللهُ عليهم (٤). وقال آخرون: هي مكةُ. وقال آخرون: بل هي خيبرُ.

стр. 12823

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ (١)، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾. قال: خيبرَ (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾. قال: قُريظةَ والنَّضير أهلَ الكتابِ، ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾. قال: خيبرَ (٣). والصوابُ مِن القولُ في ذلك: أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخْبرَ أنه أوْرث المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أرضَ بنى قُريظةَ وديارَهم وأموالَهم، وأرضًا لم يَطَئوها يومئذٍ، ولم تَكْنْ مكةُ ولا خيبرُ، ولا أرضُ فارسَ والرومِ ولا اليمنُ، مما كانوا (٤) وطِئوه يومئذٍ، ثم وطِئوا ذلك بعدُ، وأَوْرَثَهُمُوه اللهُ، وذلك كلُّه داخلٌ في قولِه: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾؛ لأنه تعالى ذكرُه لم يَخْصُصْ مِن ذلك بعضًا دونَ بعضٍ. [وقوله] (٥): ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللهُ على أن أوْرَث المؤمنين ذلك، وعلى نصره إياهم، وغيرِ ذلك مِن الأمورِ، ذا قُدْرةٍ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أراده، ولا يَمْتَنِعُ عليه فعلُ شيءٍ حاوَل فعلَه.

стр. 12824

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل يا محمدُ لأزواجِك: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾. يقولُ: فإني أُمَتِّعُكُنَّ ما أوجب اللهُ على الرجالِ للنساءِ مِن المتعةِ، عندَ فِراقِهم إياهنَّ بالطلاقِ بقولِه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وقولُه: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. يقولُ: وأُطلِّقُكنَّ على ما أذِن اللهُ به، وأدَّب به عباده بقولِه: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. يقولُ: وإِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ رِضا اللهُ، و [رِضا رسولهِ] (١) وطاعتَهما، فأطِعْنَهما (٢)، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾: وهُنَّ العاملاتُ منهنَّ بأمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ مِن أجل أنّ عائشةَ سأَلتْ رسولَ اللهِ ﷺ شيئًا مِن عَرَض الدنيا؛ إمَّا زيادةً في النفقةِ، أو غيرَ ذلك، فاعتزَل رسولُ اللهِ ﷺ نساءَه شهرًا، فيما ذُكِر، ثم أمَره اللهُ أَن يُخَيِّرَهنَّ بينَ الصبرِ عليه والرضا بما قسَم لهنَّ والعملِ بطاعةِ اللهِ، وبين أن يُمَتِّعَهُنَّ ويُفارِقَهنَّ إِن لم يَرْضَين بالذي يَقْسِمُ (٣) لهن. وقيل: كان سببُ ذلك غَيْرَةً كانت عائشةُ غارَتها.

стр. 12825

ذكرُ الروايةِ بقولِ مَن قال: كان ذلك مِن أجلِ شيءٍ مِن النفقةِ وغيرِها حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن أبي الزبيرِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ لم يَخرُجْ صَلَواتٍ، فقالوا: ما شأنُه؟ فقال عمرُ: إن شئتُم لأَعْلَمَنَّ لكم شأنَه. فأتَى النبيَّ ﷺ ، فجعَل يتكلَّمُ ويرفَعُ صوتَه، حتى أُذِن له. قال: فجعلتُ أقولُ في نفسي: أيُّ شيءٍ أكلِّمُ به رسولُ اللهِ ﷺ [لعله يضحَكُ] (١) - أو كلمةً نحوَها، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو رأيتَ فلانةَ وسألَتنى النفقةَ فصَكَكْتُها صَكَّةً. فقال: "ذلك حَبَسَنى عنكم". قال: فأتَى حفصةَ، فقال: لا تَسْألى رسولُ اللهِ ﷺ [شيئًا، ما كانت لكِ مِن حاجةٍ فإليَّ. ثم تَتَبَّعَ نساءَ النبيِّ ﷺ ] (٢) فجعَل يُكَلِّمُهنَّ، فقال لعائشةَ: أَيَغُرُّك أنك امرأةٌ حسناءُ، وأن زوجَك يحبُّك؟ لَتَنْتَهِينَّ (٣) أَو لَيَنْزِلَنَّ فيكِ (٤) القرآنُ. قال: فقالت أمُّ سلمةَ: يابنَ الخطابِ، أوَ ما بقِى لك إلا أن تدخُلَ بينَ رسولُ اللهِ ﷺ وبينَ نسائِه، ولن تَسألَ المرأةُ إلا لزوجها؟ قال: ونزل القرآنُ: ﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. إلى قولِه: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: فبدَأ بعائشةَ فخَيَّرها، وقرَأ عليها القرآنَ، فقالت: هل بدأتَ بأحدٍ مِن نسائِك قبلى؟ قال: "لا". قالت: فإني أختارُ اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ، ولا تُخبرهنَّ بذلك. قال: ثم تَتَبَّعَهنَّ، فجعَل يُخيِّرُهنَّ ويقرأُ عليهنَّ القرآنَ، ويخبرُهن بما صنَعَت (٥) عائشةُ، فتتابَعن (٦) على ذلك (٧).

стр. 12826

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: قال الحسنُ وقتادةُ: خَيَّرَهُنَّ بينَ الدنيا والآخرةِ والجنةِ والنارِ في شيءٍ كُنَّ أَرَدْنَه مِن الدنيا (١). وقال عكرمةُ: في غَيْرةٍ كانت غارَتْها عائشةُ، وكان تحتَه يومَئذٍ تسعُ نسوةٍ؛ خمسٌ مِن قُريشٍ؛ عائشةُ، وحفصةُ، وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ، وسَوْدةُ بنتُ زَمْعَةَ، وأمُّ سَلَمةَ بنتُ أبي أُمَيَّةَ، وكانت تحتَه صفيةُ بنتُ (٢) حُيَيٍّ الخَيْبَريَّةُ، وميمونةُ بنتُ الحارثُ الهِلاليةُ، وزينبُ بنتُ جَحْشِ الأسَديةُ، وجُويرية بنتُ الحارثِ مِن بنى المُصْطَلِقِ، وبدَأ بعائشةَ، فلما اختارَتِ الله ورسولَه والدارَ الآخرةَ، رُؤِى الفَرَحُ فِي وَجْهِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فَتَتابَعْن (٣) كلُّهنَّ على ذلك، واخْتَرْنَ اللَّهَ ورسولَه والدار الآخرةَ (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، وهو قولُ قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾. قالا: أمَر اللهُ أن يُخَيِّرَهن بينَ الدنيا والآخرةِ والجنةِ والنارِ. قال قتادةُ: وهي غَيْرَةٌ مِن عائشةَ في شيءٍ أرادَته مِن الدنيا، وكان تحته تسعُ نسوةٍ؛ عائشةُ، وحفصةُ، وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ، وسَوْدَةُ بنتُ زَمْعةً، وأمُّ سَلَمَةَ بنتُ أبي أُمَيَّةَ، وزينب بنتُ جَحْشٍ، وميمونة بنتُ الحارثِ

стр. 12827

[الهلاليةُ، وجُوَيْرِيَّةُ بنتُ الحارثِ] (١) مِن بنى المُصْطَلِقِ، وصفيةُ بنتُ حُيَيِّ بن أخْطَبَ؛ فبدَأ بعائشةَ، وكانت أَحَبَّهن إليه؛ فلما اختارَتِ الله ورسوله والدارَ الآخرة، رُئىَ الفرحُ (٢) في وجه رسولِ اللهِ ﷺ ، فتَتَابَعْنَ (٣) على ذلك (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، [عن الحسن، وهو قولُ قتادةَ] (٥)، قال: لما اخْتَرْنَ اللَّهَ ورسوله (٦) ﷺ شكرهنَّ اللهُ على ذلك، فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢]. فقَصَره اللهُ عليهنَّ، وهُنَّ التسعُ اللاتى اخْترنَ اللَّهَ ورسولَه (٧). ذكرُ مِن قال ذلك [مِن أجل الغَيرةِ] (٥) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، [قال: قال ابن زيدٍ] (٥) في قولِ اللهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الآيةِ - قال: كان أزواجه قد تَغايَرْنَ على النبيِّ ﷺ ، فَهَجَرَهُنَّ شهرًا، نَزَلَ التَّخْيِيرُ مِن اللهِ له فيهن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. فقرَأ حتى بلغ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. فَخَيَّرَهن بينَ أَن يَخْتَرْنَ أَن يُخَلِّيَ سبيلَهنَّ ويُسَرِّحَهُنَّ، وبين أن يُقِمْنَ، إن أرَدْنَ اللَّهَ ورسولَه، على أنهن أُمَّهَاتُ المؤمنين، لا يُنْكَحْنَ أبدًا، وعلى أنه يُؤوِى إليه مِن يشاءُ منهنَّ، لَن وَهَب نفسَه له،

стр. 12828

حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ويُرْجِى مِن يشاءُ، حتى يكونَ هو يرفعُ رأسَه إليها، ومَن ابتَغَى مِمَّن هي عندَه وعزَل، فلا جناحَ عليه، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥١]. إذا عَلِمْنَ أنه مِن قَضائى عليهنَّ إيثارُ بعضهنَّ على بعضٍ - أدنى أن يَرْضَيْنَ؛ قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب: ٥١]: مِن ابتغَى أصابَه، ومَن عَزَل لم يُصِبْه، فخيَّرَهن بينَ أن يَرْضَينَ بهذا، أو يُفارِقَهنَّ، فاخْتَرنَ اللهُ ورسولَه، إلا امرأةً واحدةً (١) بدويةً ذهَبَتْ، وكان على ذلك، وقد شَرَط له هذا الشَّرْطَ، ما زال يعدِلُ بينَهنَّ حتى لَقِى الله (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن عمرَ (٣) بن أبى (١) سَلَمةَ، عن أبيه، قال: قالت عائشةُ: لمَّا نزَل الخِيارُ، قال لي رسولُ اللهِ ﷺ "إِنِّي أَرِيدُ أن أَذْكُرَ لكِ أَمْرًا، فَلا تَقْضِى فيه شيئًا (١) حتى تَسْتأمرِى أَبَوَيْكِ (٤) ". قالت: قلتُ: وما هو يا رسولَ اللَّهِ؟ [قال: فردَّه عليها، فقالت: ما هو يا رسولَ اللهِ] (٥) قالت (٦): فقرأ عليَّ (٧): ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قالت: فقلتُ (٨): بل نختارُ اللَّهَ ورسولَه؛ قالت (٩): ففرِح بذلك النبيُّ ﷺ (١٠).

стр. 12829

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن محمدُ بنُ عمرِو، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، قالت: لمَّا نزلت آيةُ التَّخيير، بدَأ النبيُّ ﷺ بعائشةَ، فقال: "يا عائشةُ، إنى عارضٌ عليك أمرًا، فلا تَفْتاتِى فيه بشيءٍ حتى تَعْرِضيه على أبَوَيْك؛ أبي بكرٍ وأمِّ رُومانَ". فقلتُ (١): يا رسولَ اللَّهِ وما هو؟ قال: "قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. إلى: ﴿عَظِيمًا﴾ ". فقلتُ: إنى أريدُ اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ، ولا أؤامرُ في ذلك أبويَّ؛ أبا بكرٍ وأمَّ رُومانَ. فضحِك رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم استقرَأ الحُجَرَ، فقال: "إن عائشةَ قالت كذا [وكذا] (٢) ". فقُلْنَ: ونحنُ نقولُ مثل ما قالت عائشةُ (٣). حدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأُمَوِيُّ، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي بكرٍ (٤)، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، أن النبيَّ ﷺ لما نزَل إلى نسائِه أُمِر أن يُخَيِّرَهن، فدخَل عليَّ، فقال: "سأذكُرُ لكِ أَمْرًا وَلَا تَعْجَلِي حتى تَسْتَشِيرى أباكِ". فقلتُ: وما هو يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: "إِنِّي أُمِرْتُ أن أُخَيِّرَكُنَّ". وتَلا عليها آيةَ التَّخْييرِ إلى آخرِ الآيتين. قالت: قلتُ: وما الذي تقولُ: لا تَعْجَلى حتى تَسْتَشِيرى أباكِ؟ فإنى أختارُ اللَّهَ ورسولَه. فسُرَّ بذلك (٥)، وعرَض على نسائِه، فتَتابَعْنَ (٦) كلُّهنَّ، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورسولَه (٧). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني موسى بنُ عليٍّ، ويونسُ

стр. 12830

ابن يزيدَ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرنى أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن عائشةَ زَوجَ النبيِّ ﷺ قالت: لمَّا أُمر رسولُ اللهِ ﷺ بتَخْيير أزواجِه، [بدَأ بي] (١)، فقال: "إِنِّي ذَاكرٌ لك أمرًا، فلا عليكِ أنْ لا تَعْجَلى (٢) حتى تَسْتَأْمِرى أَبَوَيْكِ". قالت: قد عِلم أن أبويَّ لم يَكُونا ليأمُرَانى بفراقه. قالت: ثم تَلا هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. قالت: فقلتُ: ففى أيِّ هذا أستأمِرُ أبويَّ؟ فإنى أريدُ اللهُ ورسولَه والدارَ الآخرةَ. قالت عائشةُ: ثم فعل أزواجُ النبيِّ ﷺ مثلَ ما فعلتُ، فلم يَكُنْ ذلك حينَ قاله لهنَّ رسولُ اللهِ ﷺ فاخْتَرْنَه، طلاقًا، مِن أجل أنهنَّ اخْتَرْنَهُ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لأزواجِ النبيِّ ﷺ : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. يقولُ: مَن يَزْنِ منكنَّ الزِّنا المعروفَ [أنه الزِّنا] (٤) الذي أوجَب اللهُ [عليه الحدَّ] (٥)، يُضاعَفْ لها العذابُ على فُجُورِها في الآخرةِ ضعَفين على فُجُورٍ أزواج الناسِ غيرهم. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني

стр. 12831

أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يُضَاعَفْ (١) لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. قال: يعنى عذابَ الآخرةِ. واختَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ بالألفِ غيرَ أبي عمرٍو؛ فإنه قرَأ ذلك: (يُضَعَّفُ) بِتَشْدِيدِ العين (٢). تأوُّلًا منه في قراءتِه ذلك أن "يُضَعَّفَ" بمعنى تضعيفِ الشيءِ مرةً واحدةً، وذلك أن يُجعلَ الشيءُ شيئَين، فكأن معنى الكلامِ عندَه: أن يجعلَ عذابَ مَن يأتى مِن نِساءِ (٣) النبيِّ ﷺ بفاحشةٍ مُبَيِّنةٍ في الدنيا والآخرةِ مِثْلَىْ عذابِ سائرِ النساءِ غيرِهنَّ، ويقولُ: إِنَّ ﴿يُضَاعَفْ﴾ بمعنى أن يُجْعَلَ إلى الشيءِ مِثْلَاه، حتى يكونَ ثلاثةَ أمثالِه. فكأن معنى مَن قرَأَ: ﴿يُضَاعَفْ﴾ عندَه كان: أن يجعلَ (٤) عذابَها ثلاثةَ أمثالِ عذابِ غيرِها مِن النساء مِن غيرِ أزواجِ النبيِّ ﷺ ؛ فلذلك اختارَ (يُضَعَّفُ) على ﴿يُضَاعَفْ﴾. وأنكر الآخرون الذين قرءُوا ذلك ﴿يُضَاعَفْ﴾ كل ما كان يقولُ في ذلك، ويقولون: لا نعلم بين (يُضَعَّف) و ﴿يُضَاعَفْ﴾ فَرْقًا. والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ (٥)، وذلك: ﴿يُضَاعَفْ﴾. وأما التأويلُ الذي ذهب إليه أبو عمرٍو، فتأويلٌ لا نعلمُ أحدًا مِن أهلِ العلمِ ادَّعاه غيرَه، وغيرَ أبى عُبيدةَ معمرِ بن المُثَنَّى، ولا يجوز خلافُ ما جاءت به الحجةُ مجمعةً عليه بتأويلٍ لا برهانَ له مِن الوجهِ الذي يجبُ التسليمُ له. وقولُه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكانت مضاعفةُ العذابِ على مَن فعَل ذلك منهنّ على اللهِ يسيرًا. واللهُ أعلمُ.

стр. 12832

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُطع اللهُ ورسوله مِنكُنَّ، وتعمل بما أمر اللهُ به: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾. يقولُ: يُعْطِها اللهُ ثوابَ عملِها مِثْلَى ثوابِ عمل غيرِهنَّ مِن سائرِ نساءِ الناسِ، ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. يقولُ: وأعتَدْنا لها في الآخرةِ عَيْشًا هَنِيئًا في الجنةِ. وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، الآيةَ، يعني: [تُطِعِ اللَّهَ ورسولَه، ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: تصومُ وتُصَلِّي] (١) (٢). حدَّثني سَلْمُ بنُ جُنادةً، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ابن عونٍ، قال: سألتُ عامرًا عن القُنُوتِ. قال: وما هو؟ قال: قلتُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قال: مُطيعين. [قال: قلتُ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. [قال: يُطِعْنَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال] (٤): ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾] (٥). أي: مَن يُطِعْ مِنكُنَّ اللَّهَ ورسوله ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾،

стр. 12833

وهي الجنةُ (١). واختلفَتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾؛ فقَرأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرة، ﴿وَتَعْمَلْ﴾ بالتاءِ ردًّا على تأويلِ مَن إذ جاء بعدَ قولِه: ﴿مِنْكُنَّ﴾ (٢). وحكَى بعضُهم عن العربِ أنها تقولُ: كم بيعَ لك جاريةً. وأنهم إن قدَّموا الجاريةَ قالوا: كم جاريةً بِيعتْ لك؟ فأنَّثُوا الفعل بعد الجارية، والفعلُ في الوجهين لكُمْ لا للجاريةِ. وذكر الفراءُ أن بعضَ العرب أنشَده (٣): أَيَا أمَّ عمرٍو مَن يَكُنْ عُقْرُ دَارِه … جوَاءَ عَدِيٍّ يَأكُلِ الحَشَراتِ ويَسْوَدُّ مِن لَفْح السَّمومِ جَبِينُه … ويَعْر وإن كانوا ذوى بَكَراتِ فقال: وإن كانوا. ولم يَقُلْ: وإن كان. وهو لـ "مَن"، فَرَّدَه على المعنى. وأما أهلُ الكوفة؛ فقرأت ذلك عامةُ قَرأتِها: (ويعمل) بالياءِ عطفًا على ﴿يَقْنُتْ﴾؛ إذ كان الجميعُ على قراءتِه بالياء (٤). والصوابُ مِن القولُ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلامِ العربِ، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمصيبٌ، وذلك أن العربَ تَرُدُّ خبرَ "مَن" أحيانًا على لفظِها، فتوحِّدُ وتُذَكَّرُ، وأحيانًا على مَعْناها، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ

стр. 12834

إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢، ٤٣] فجمَع مرةً للمعنى، ووحَّد أخرى للَّفْظِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه الأزواجِ رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾: مِن نساءِ هذه الأمةِ - ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ اللَّهَ فَأَطَعْتُنَّه فيما أَمَرَكنَّ ونَهَاكُنَّ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾. يعنى: مِن نساءِ هذه الأمةِ (١). وقولُه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. يقولُ: فلا تَلِنَّ بالقولِ للرجالِ فيما يَبْتَغِيه أهلُ الفاحشةِ مِنْكُنَّ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. يقولُ: لا تَرَخَّصْنَ بالقولِ، ولا تَخْضَعْنَ بالكلامِ (٢).

стр. 12835

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. قال: خَضْعُ القولِ: ما يُكْرَهُ مِن قولِ النساءِ للرجالِ، مما يدخُلُ في قلوبِ الرجالِ. وقولُه: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ﴾. يقولُ: فيطمعَ الذي في قلبهِ ضعفٌ، فهو لضعفِ إيمانهِ في قلبهِ، إما شاكٌّ في الإسلامِ منافقٌ، فهو لذلك مِن أمرِه يستخفُّ بحدودِ اللهِ، وإما مُتهاونٌ بإتيانِ الفواحشِ. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: إنما وصَفه بأن في قلبِه مرضًا؛ لأنه منافقٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. قال: نِفاقٌ (١). وقال آخرون: بل وصَفه بذلك؛ لأنهم يَشْتَهون إتيانَ الفواحشِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. قال: قال عكرمةُ: شهوةُ الزنا (٢). وقولُه: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. يقولُ: وقُلْنَ قولًا قد أذِن اللهُ لكم به وأباحَه.

стр. 12836

كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: قولًا جميلًا حسنًا معروفًا في الخيرِ (١). واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيِّين: ﴿وَقَرْنَ﴾ بفتحِ القافِ، بمعنى: واقْرَرْنَ في بُيُوتِكنَّ (٢)، وكأن مَن قَرأ ذلك كذلك حذَف الراءَ الأولى مِن "اقْرَرْنَ"، وهى مفتوحةٌ، ثم نقَل فتَحتَها إلى القافِ، كما قيل: (فَظِلْتُمْ تَفَكَّهونَ) وهو يريدُ فَظَلِلْتم (٣)، فأُسقطت اللامُ الأولى وهى مكسورةٌ، ثم نُقلت كسرتُها إلى الظاءِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: (وَقِرْنَ) بكسرِ القافِ، بمعنى: كُنَّ أهل وقارٍ وسَكينة ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٤). وهذه القراءةُ، وهى الكسرُ في القافِ، أَولى عندَنا بالصوابِ (٥)؛ لأن ذلك إن كان مِن الوقارِ على ما اخْترنا فلا شكَّ أن القراءةَ بكسرِ القافِ؛ لأنه يقالُ: وَقَرَ فلانٌ في منزلِه، فهو يَقِرُ وُقُورًا. فتُكسرُ القافُ في "تَفْعِلُ"، فإذا أُمر منه قيل: قِرْ. كما يقالُ مِن وَزَن يَزِنُ: زِنْ (٦)، وَمِن وَعَد يَعِدُ: عِدْ. وإن كان مِن القَرارِ فإن الوجهَ أن يقالَ: اقْرِرْنَ؛ لأن مَن قال مِن العربِ: ظَلْتُ أفعلُ كذا، وأَحَسْتُ بكذا. فأسقَط عيَن الفعلِ، وحوَّل حركتَها إلى فائِه في فَعَلَ وفَعَلْنا وفَعَلْتم، لم يفعلْ ذلك في الأمرِ والنهيِ، فلا يقولُ: ظَلَّ قائمًا، ولا: لا تَظَلَّ

стр. 12837

قائمًا. فليس الذي اعتلَّ به مِن اعتلَّ لصحةِ القراءةِ بفتحِ القافِ في ذلك، بقولِ العربِ في ظَلِلْتُ وأَحْسَسْتُ: ظَلْتُ وأحَسْتُ، بعلةٍ توجبُ صحتَه؛ لِما وصفتُ مِن العلةِ. وقد حكَى بعضُهم عن بعضِ الأعرابِ سماعًا منه: يَنْحِطْنَ مِن الجبلِ. وهو يريدُ: يَنْحَطِطْنَ، فإن يَكُن ذلك صحيحًا، فهو أقربُ إلى أن يكونَ حُجَّةً لأهلِ هذه القراءةِ مِن الحُجَّةِ الأخرى. وقولُه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قيل: إن التَّبَرُّجَ في هذا الموضعِ: التبخترُ والتكسرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. أي: إذا خَرَجْتُنَّ مِن بُيُوتِكنَّ، قال: كانت لهن مِشْيَةٌ وتَكَسُرٌ وتَغَنُّجٌ، يعنى بذلك الجاهليةَ الأولى، فنَهاهنَّ اللَّهُ عن ذلك (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: سمعتُ ابنَ أبي نَجيحٍ، يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: التبخترُ (٢). وقيل: إن التَّبَرُّجَ هو إظهارُ الزينةِ، وإبرازُ المرأةِ محاسنَها للرجالِ. وأما قولُه: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في الجاهليةِ الأُولى؛ فقال بعضُهم: ذلك ما بينَ عيسى ومحمدٍ ﵉.

стр. 12838

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن عامرٍ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: الجاهليةُ الأُولى: ما بينَ عيسى ومحمدٍ ﵉ (١). وقال آخرون: ذلك ما بينَ آدمَ ونوحٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ (٢)، عن أبيه، عن الحكمِ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ له. قال: وكان بينَ آدمَ ونوحٍ ثمانُمائةِ سنةٍ، فكان نساؤُهم مِن أقبح ما يكونُ مِن النساءِ، ورجالُهم حسانٌ، فكانت المرأةُ تريدُ الرجلَ على نفسِه، فأُنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣). وقال آخرون: بل كان ذلك بينَ نوحٍ وإدريسَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابن زُهير، قال: ثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا داودُ، يعنى ابنَ أبي الفُراتِ، قال: ثنا عِلْباءُ بن أحمر، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قال: تَلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: كانت فيما بينَ نوحٍ وإدريسَ، وكانت ألفَ سنةٍ، وإن بطنَين مِن ولدِ آدمَ، كان أحدُهما يسكنُ السهلَ، والآخرُ يسكنُ الجبلَ، وكان رجالُ الجبلِ صباحًا، وفى النساءِ دُمامةٌ، وكان نساءُ السهلِ

стр. 12839

صباحًا، وفى الرجالِ دَمامةٌ؛ وإن إبليسَ أتَى رجلًا مِن أهلِ السهلِ في صورةِ غلامٍ، فأجَّر نفسَه منه، وكان يخدُمُه، واتَّخَذ إبليسُ شيئًا مثلَ ذلك الذي يَزْمِرُ فيه الرَّعاءُ، فجاء فيه بصوتٍ لم يُسْمَعْ مثلُه، فبلَغ ذلك مَن حولَهم، [فانْتابوهم يسمَعون] (١) إليه، واتَّخَذوا عيدًا يجتمِعون إليه في السنةِ، فتتبرَّج الرجالُ للنساءِ، قال: [ويتزينُ النساءُ للرجالِ] (٢)، وإن رجلًا مِن أهلِ الجبلِ هجَم عليهم وهم في عيدِهم ذلك، فرأَى النساءَ، فأتَى أصحابَه، فأخبَرهم بذلك، فتحوَّلوا إليهنَّ، فنزَلوا معهن، فظهَرت الفاحشةُ فيهنَّ، فهو قولُ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣). وأَولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه، نهَى نساءَ النبي ﷺ أن يَتبرَّجْنَ تبرُّجَ الجاهليةِ الأولى. وجائزٌ أن يكونَ ذلك ما بينَ آدمَ وعيسى، فيكونَ معنى ذلك: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: التي قبلَ الإسلامِ. فإن قال قائلٌ: أوَ في الإسلامِ جاهليةٌ حتى يقالَ عنَى بقوله: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. التي قبلَ الإسلامِ؟ قِيل: فيه أخلاقٌ مِن أخلاقِ الجاهليةِ. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: يقولُ: التي كانت قبلَ الإسلامِ، قال: وفى الإسلامِ جاهليةٌ؟ قال: قال النبيُّ ﷺ لأبي الدرداءِ، وقال لرجلٍ وهو يُنازِعُه: يا ابنَ فلانةٍ، لأمٍّ كان يُعَيَّرُ بها في الجاهليةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "يا أبا

стр. 12840

الدرداءِ إن فيك جاهليةً". قال: أجاهليةُ كفرٍ أو إسلامٍ؟ قال: "بل جاهليةُ كفرٍ". قال: فتمنَّيتُ أن لو كنتُ ابتدأتُ إسلامى يومَئذٍ. قال: وقال النبيُّ ﷺ : "ثلاثٌ مِن عملِ أهلِ الجاهليَّةِ، لا يَدعُهنَّ النَّاسُ: الطعنُ بالأنسابِ، والاستمطارُ بالكواكبِ، والنِّياحةُ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، قال: أخبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن ثورٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، أن عمرَ بنَ الخطَّابِ قال له: أرأيتَ قولَ اللهِ لأزواجِ النبيِّ ﷺ : ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: هل كانت إلَّا واحدةً؟ فقال ابن عباسٍ: وهل كانت مِن أُولى إلَّا ولها آخرةً؟ فقال عمرُ: لله درُّك يا بنَ عباسٍ، كيف قلتَ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، هل كانت مِن أُولى إلا ولها آخرةً؟ قال: فأتِ بتصديقِ ما تقولُ مِن كتابِ اللهِ. قال: نعم: (وَجاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ كَما جاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ). قال عمر: فمَن أُمر بالجهادِ؟ قال: قبيلتان مِن قريشٍ؛ مخزومٌ وعبدُ شمسٍ. فقال عمرُ: صدقتَ (٢). وجائزٌ أن يكونَ ذلك ما بينَ آدمَ ونوحٍ، وجائزٌ أن يكون ما بينَ إدريسَ ونوحٍ، فتكونَ الجاهليةُ الآخرةُ ما بينَ عيسى ومحمدٍ، وإذا كان ذلك مما يَحتمِلُه ظاهرُ التنزيلِ، فالصوابُ أن يقالَ في ذلك كما قال اللهُ: إنه نهى عن تبرُّجِ الجاهليةِ الأولى. وقولُه: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾. يقولُ: وأقِمْن الصلاة

стр. 12841

المفروضةَ، وآتِينَ الزكاةَ الواجبةَ عليكنَّ في أموالكنَّ، وَأَطِعنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما أمراكنَّ ونهياكنَّ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. يقولُ: إنما يريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنكم السُّوءَ والفحشاءَ يا أهلَ بيتِ محمدٍ ويُطهِّركم مِن الدنسِ الذي يكونُ في أهلِ معاصى الله تطهيرًا. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. فهم أهلُ بيتٍ طهَّرهم اللهُ مِن السوءِ، وخصَّهم برحمةٍ منه (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قال: الرجسُ ههنا الشيطانُ، وسوى ذلك مِن الرجسِ الشرُّ (٢) (٣). واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى به رسولُ اللهِ ﷺ ، وعليٌّ، وفاطمةُ، والحسنُ، والحسينُ، رضوانُ اللهِ عليهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بكرُ بنَ يحيى بن زبَّانَ العَنَزِيُّ، قال: ثنا مَندلٌ، عن الأعمشِ، عن عطية، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال

стр. 12842

رسولُ اللهِ ﷺ : "نزلَت هذه الآيةُ في خمسةٍ: فيّ، وفى عليٍّ ﵁ وحسنٍ ﵁، وحسينِ ﵁، وفاطمةَ ﵂؛ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ " (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن زكريَّا، عن مصعبِ بن شيبةَ عن صفيةَ بنتِ شيبةَ قالت: قالت عائشةُ: خرج النبيُّ ﷺ ذات غداةٍ، وعليه مرطٌ مرجَّلٌ (٢) مِن شَعَرٍ أَسودَ، فجاء الحسنُ، فأدخَله معه، ثم [جاء عليٌّ فأدخَله معه ثم] (٣) قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن حمَّادِ بن سلمةَ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ كان يمرُّ ببيتِ فاطمةَ ستةَ أشهرٍ كلما خرَج إلى الصلاةِ، فيقولُ: "الصلاةَ أهلَ البيتِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٥).

стр. 12843

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْرُوقيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ بنُ سويدٍ النَّخَعِيُّ، عن هلالٍ، يَعنى ابنَ مِقْلاصٍ، عن زُبيدٍ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن أمِّ سلمةَ قالت: كان النبيُّ ﷺ عندى، وعليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ، فجعلتُ لهم خَزِيرةً، فأكَلوا وناموا، وغطَّى عليهم عباءةً أو قطيفةً، ثم قال: "اللهمَّ هؤلاء أهلُ بيتى، أذهِبْ عنهم الرجسَ وطهِّرهم تطهيرًا" (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، قال: أخبَرني أبو داودَ، عن أبي الحمراءِ، قال: رابطتُ المدينةَ سبعةَ أشهرٍ على عهدِ النبيِّ ﷺ ، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ إذا طلَع الفجرُ، جاء إلى باب عليٍّ وفاطمةَ، فقال: "الصَّلاةَ الصَّلاةَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢). حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٣). حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا عبد السَّلامِ بنُ حربٍ، عن كلثومٍ المحاربيِّ، عن أبي عمَّارٍ، قال: إني لجالسٌ عندَ وائلةَ بن الأسقعِ، إذ ذكَروا عليًّا ﵁، فشتَموه، فلما قاموا، قال: اجلسْ حتى أُخبرَك عن هذا الذي شتَموه، إنى عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، إذ جاءه عليٌّ وفاطمةُ

стр. 12844

وحسنٌ وحسينٌ، فألقى عليهم كساءً له، ثم قال: اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، اللهم أذهِبْ [عنهم الرجسَ] (١) وطهِّرْهم تطهيرًا؛ قلتُ: يا رسولَ اللهِ وأنا؟ قال: وأنت؛ قال: فواللهِ إنها لأوثقُ عمَلٍ عندى" (٢). حدَّثني عبدُ الكَريمِ بنُ أبي عُميرٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: ثني شدَّادٌ، أبو عمارٍ، قال: سمِعتُ وائلةَ بنَ الأسقعِ يُحدِّثُ، قال: سألتُ عن عليِّ بن أبي طالبٍ في منزلِه، فقالت فاطمةُ: قد ذهَب يأتى برسولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذ جاء، فدخل رسولُ اللهِ ﷺ ودخلتُ، فجلَس رسولُ اللهِ ﷺ على الفراش، وأجلَس فاطمةَ عن يمينِه، وعليًّا عن يسارِه، وحسنًا وحسينا بينَ يديه، فلفَع عليهم بثوبِه، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. اللهم هؤلاء أهلى، اللهم أهلى أحقُّ". قال وائلةُ: فقلتُ مِن ناحيةِ البيتِ: وأنا يا رسولَ اللَّهِ مِن أهلِك؟ قال: "وأنت من أهلى". قال وائلةُ: إنها لمِن أَرجى ما أَرتَجِى (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عبدِ الحميدِ بن بَهْرام، عن شهر بن حوشبٍ، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ دعا رسولُ اللهِ ﷺ عليًّا وفاطمةَ وحسنًا وحسينًا، فجلَّل عليهم كساءً خيبريًّا. فقال: "اللهم هؤلاء أهلُ بيتى، اللهم أَذْهِبْ عنهم الرجسَ

стр. 12845

وطهِّرْهم تطهيرًا". قالت أمُّ سلمةَ: ألستُ منهم؟ قال: "أنتِ إلى خيرٍ" (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زَرْبيٌّ، عن محمدَ بنَ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: جاءت فاطمةُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ببُرمةٍ لها قد صنَعت فيها عصيدةً تحملُها (٢) على طبقٍ، فوضَعته بينَ يْديه. فقال: أينَ ابن عمِّك وابناك؟ فقالت: في البيتِ. فقال: "ادعيهم" فجاءت إلى عليٍّ، فقالت: أجِبِ النبيَّ ﷺ أنت وابناك. قالت أمُّ سلمةَ: فلما رآهم مقبلين مَدَّ يده إلى كساءِ كان على المنامِة، فمدّه وبسَطه، وأجلَسهم عليه، ثم أخَذ بأطرافِ الكساءِ الأربعةِ بشمالِه، فضمَّه فوقَ رءوسهم، وأومَأ بيده اليمنى إلى ربِّه. فقال: "هؤلاء أهلُ البيتِ، فَأَذْهِبْ عنهم الرجسَ وطهِّرْهم تطهيرًا" (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا فُضَيْلُ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن أمِّ سلمةَ زوجِ النبيِّ ﷺ : أن هذه الآيةَ نزَلت في بيتِها: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، قالت: وأنا جالسةٌ على باب البيتِ، فقلتُ: أنا يا رسولَ اللهِ، ألستُ مِن أهلِ البيتِ؟ قال: "إنك إلى خيرٍ، أنتِ مِن أزواجِ النبيِّ ﷺ ". قالت: وفي البيتِ رسولُ اللهِ ﷺ ، وعليٌّ، وفاطمةُ، والحسنُ، والحسينُ، ﵃ (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مُخلدٍ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ، قال: ثنى هاشمُ بنُ هاشمِ بن عتبةَ بن أبي وقاصٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن وهبِ بن زمعةَ، قال: أخبَرتنى أمِّ سلمةَ أن رسولُ اللهِ ﷺ جمع عليًّا والحسَنَين، ثم أدخَلهم تحتَ ثوبِه، ثم

стр. 12846

جأَر إلى اللهِ، ثم قال: "هؤلاء أهلُ بيتى". قالت أمُّ سلمةَ، فقلت: يا رسولَ اللهِ أدخِلْني معهم قال: "إِنَّكِ مِنْ أَهْلِى" (١). حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سليمانَ الأصبهانيُّ، عن يحيى بن عُبيدٍ المكيِّ، عن عطاءٍ، عن عمرَ بن أبي سلمةَ، قال: نزلَت هذه الآيةُ على النبيِّ ﷺ وهو في بيت أمّ سلمةَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. فدعا حَسنًا وحسينًا وفاطمةَ، وأجلَسَهم بينَ يديه، ودعا عليًّا فأجلَسه خلفه، فتجلَّل هو وهم بالكساءِ، ثم قال: "هَؤُلاءِ أَهْلُ [بَيْتي، فَأَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ وطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا". قالت أمُّ سلمةَ: أنا معهم] (٢)؟ قال (٣): "مكانَك، وأَنْتِ على خَيْرٍ" (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: ثنا الصَّباحُ بنُ يحيى المرّيُّ، عن السديِّ، عن أبي الديلمِ، قال: قال عليُّ بنُ الحسينِ لرجلٍ مِن أهلِ الشأمِ: أما قرَأتَ في الأحزابِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؟ قال: ولأنتم هم؟ قال: نعم (٥). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا بُكيرُ بنُ مِسْمارٍ، قال: سمعتِ عامرَ بنَ سعدٍ، قال: قال سعدٌ: قال رسولُ الله ﷺ حينَ نزَل عليه الوحيُ، فأَخَذَ عليًّا وابنيه وفاطمةَ، وأدخَلهم تحتَ ثوبِه، ثم قال: "رَبِّ

стр. 12847

هَؤُلاءِ أَهْلِى، وأَهْلُ بَيْتى" (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ القدوسِ، عن الأعمشِ، عن حكيمِ بن سعدٍ، قال: ذكَرْنا عليَّ بن أبى طالبٍ ﵁ عند أمِّ سلمةَ. قالت: فيه (٢) نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قالت أمُّ سلمةَ: جاء النبيُّ ﷺ إلى بيتي، فقال: "لا تَأْذَني لأحَدٍ". فجاءت فاطمةُ، فلم أستطِعْ أن أحجبَها عن أبيها، ثم جاء الحسنُ، فلم أستطِعْ أن أمنعَه أن يدخلَ على جدِّه وأمِّه، وجاء الحسينُ، فلم أستِطعْ أن أحجُبَه، فاجتمَعوا حولَ النبيِّ ﷺ على بِساطٍ، فجلَّلهم نبيُّ اللهِ بكساءِ كان عليه، ثم قال: "هؤلاء أهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عنهم الرِّجْسَ وَطَهَّرْهُمْ تَطْهِيرًا"، فنزَلت هذه الآيةُ حينَ اجتمَعوا على البِساطِ؛ قالت: فقلت: يا رسولَ اللَّهِ: وأنا؟ قالت: فواللهِ ما أَنعمَ (٣)، وقال: "إنَّكِ إلى خَيْرٍ" (٤). وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أزواجُ رسولِ اللهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الأصْبغُ بنُ (٥) علقمةَ،

стр. 12848

قال: كان عكرمةُ يُنادِى في السوقِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قال: نزلت في نساءِ النبيِّ ﷺ خاصَّةً (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾. يقولُ تعالى ذكِرُه لأزواجِ نبيِّه محمدٍ ﷺ : واذكُرْنَ نِعمة اللهِ عليكنَّ؛ بأن جعلكنَّ في بيوتٍ تُتلى فيها آياتُ اللهِ والحكمةُ، فاشكُرْنَ اللَّهَ على ذلك، واحمِدنَه عليه، وعُنى بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: واذكرْنَ ما يُقرَأُ في بيوتكنَّ مِن آياتِ كتابِ اللهِ والحكمةِ، ويعنى بالحكمةِ: ما أُوحى إلى رسولُ اللهِ ﷺ مِن أحكامِ دينِ اللهِ، ولم يَنزلْ به قرآنٌ، وذلك: السنةُ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: أي السنةِ، قال: يمْتنُّ عليهم بذلك (٢). وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله كان ذا لُطفٍ بكنَّ، إذ جعَلكنَّ في البيوتِ التي تُتلى فيها آياتُه والحكمةُ، خبيرًا بكُنَّ إذ

стр. 12849

اختاركَن لرسولِه أزواجًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن المتذلِّلِين للَّهِ بالطاعةِ والمتذلِّلاتِ، والمصَدّقين والمصَدِّقاتِ رسولَ اللهِ ﷺ ، فيما أتاهم به مِن عندِ اللهِ، والقانتينَ والقانتاتِ للهِ، والمطيعين للهِ والمطيعاتِ له فيما أمَرهم ونهَاهم، والصادقين الله فيما عاهَدوه عليه والصادقاتِ فيه، والصابرين للهِ في البأساءِ والضرَاءِ على الثباتِ على دينِه، وحينَ البأسِ والصابراتِ، والخاشعةَ قلوبُهم للهِ وجَلًا منه ومِن عقابهِ والخاشعاتِ، والمتصدِّقين والمتصدِّقاتِ: وهم المؤدُّون حقوقَ اللهِ مِن أموالِهم والمؤدِّياتِ، والصائمين شهرَ رمضانَ الذي فرَض اللهُ صومَه عليهم والصائماتِ ذلك، والحافظين فروجَهم، إلا على أزواجِهم أو ما ملَكت أيمانُهم، والحافظاتِ ذلك إلا على أزواجهنَّ، إن كنّ حرائرَ، أو مَن مَلَكَهُنَّ إن كنّ إماءً، والذاكرِين الله بقلوبِهم وألسنتِهم وجوارحِهم والذاكراتِ كذلك ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ لذنوبهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾: يعنى ثوابًا في الآخرةِ على ذلك مِن أعمالهم عظيما، وذلك الجنةُ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: دخَل نساءٌ على نساءِ النبيِّ ﷺ ، فقلْن: قد ذكَرَ كنَّ الله في القرآنِ، ولم نُذكرْ بشيءٍ، أما فينا ما يُذْكَرُ؟

стр. 12850

فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾: أي المطيعين والمطيعاتِ، ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾: أي الخائفين والخائفاتِ - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لذنوبِهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ في الجنةِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: الجنةَ. وفى قوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾. قال: المطيعين والمطيعات (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ، عن عامرٍ، قال: القانتات: المطيعات. حدَّثنا ابن بشارٍ (٣)، قال: ثنا مَؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ اللهِ، يُذكرُ الرجال ولا نُذكر، فنزَلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ، أن يحيى بنَ عبدِ الرحمنِ بن حاطبٍ، حدَّثه عن أمِّ سلمةَ، قالت: قلت: يا رسولُ اللهِ، أيُذكرُ الرجالُ في كلِّ شيءٍ، ولا نُذكرُ؟ فأنزَل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (٥). الآية.
следующие страницы →